الأحد، 27 أكتوبر 2013

ورطة الفنان والإعلامي العربي في ضحالته الفكرية

(المقال خاص بمجلة "إذاعة وتلفزيون الخليج" التابعة لمجلس التعاون الخليجي)




 الجاهل يؤكد، والعالم يشكك، والعاقل يتروى

 أرسطو

كتب: محمد كركوتـــي
مع انطلاق الثورات العربية المختلفة، وقع إعلاميون وفنانون عرب في شرك استقطاب إرادي!  أي أن جهة لم تغصبهم على ذلك. وتحديداً أولئك الذين استعبذوا الوقوف إلى جانب أنظمة حكم، قدمت لشعوبها كل الآلام الممكنة  وغير الممكنة، والمعاناة المتجددة. ورغم أن هؤلاء يعتاشون على الشعبية (بصرف النظر عن مستواها، أو أحقيتهم بها)، إلا أنهم، وبكامل إرادتهم قرروا الإعلان عن معارضتهم للحراك الشعبي، الذي أنتج هذه الثورات والانتفاضات المتلاحقة. كانوا في بعض الحالات، أعنف حتى من المستوى العنفي لبعض الثورات! بعضهم اعتبر، أنها ثورات مجرمين وقطاع طرق، والبعض الآخر قدم لها توصيفات تتراوح مابين التطرف والتخلف، دون أن يعترفوا بسبب واحد مباشر، لاندلاع مثل هذه الثورات، أو بمبرر للغضب الشعبي العارم. الأمر الذي أدخلهم أوتوماتيكياً في نطاق أنظمة غير شرعية، ليس بالضروة أنهم استفادوا منها أصلاً!  هؤلاء في الواقع، غامروا بشعبية لا يمكنهم الاستغناء عنها، بتأييد أنظمة، أصبح من الضروري التخلص منها. لقد  قامروا  بأرصدتهم دون أن يكونوا مضطرين للمقامرة. وفي المقامرة (أياً كانت) لا يوجد رابح دائم.
طرح فنانو وإعلاميو الأنظمة الاستبدادية كل "ثرواتهم" في سوق متلاطمة غير واضحة، دون سبب. ماذا حدث بعد ذلك؟ أنهم أُدخلوا قوائم أطلق عليها "قوائم العار"، وهي عبارة عن لوائح متجددة، وضع معاييرها ناشطون وجهات وقفت إلى جانب الثورات، بصرف النظر عن التفاصيل. ففي زمن الثورات، تدخل الكثير من التفاصيل في سياق الترف غير المُستطاع. أو في نطاق زمن ليس أوانه. ومشكلة أولئك الذين ارتضوا الدفاع عن الظلم، أنهم استخدموا القنوات التلفزيونية منابر لهم، وفي عز زحمة التعبير عن آرائهم وموافقهم عبرها، غاب عنهم أنها (أي القنوات)، الأدوات الوحيدة لعيشهم المهني، ومعاشهم الحياتي، وبدونها سيضطرون للبحث عن وظيفة أو مهنة أخرى. استفادت القنوات التلفزيونية التي تدعي التنوع، ولا تمارسه في الواقع، من هذه الموجة الجديدة في زمن التحولات. فالمشهد يحتاج لمعارضين من هذا النوع لتحولات شعبية، ويحتاج أيضاً إلى ثوار بجانبهم. ورغم أن النتيجة محسومة شعبياً، إلا أن فنانيي وإعلاميي الأنظمة المتلاشية، قرروا المواصلة حتى النهاية. ولكن نهاية مَنْ؟ نهايتهم الشعبية.
أظهرت الثورات العربية وتداعياتها في هذا المجال مرة أخرى، مدى ضحالة الوعي الذي تتمتع به الغالبية العظمى من المشتغلين في حقل الإعلام والفن في العالم العربي. وهي ضحالة متأصلة. وهؤلاء ليسوا أفضل بالتأكيد من أولئك الذين يستيدون المشهد الرياضي مثلاً. هناك جهل تاريخي بدأ مع بداية الحراك الفني والرياضي العربي بشكل عام، أصاب النسبة الأكبر من المشتغلين المذكورين، ولا تبدو مؤشرات لنهاية له. صحيح، أن أحداً لا يتوقع إنتاجاً فكرياً بناءاً منهم، لأنهم لا يملكون لا أداواته ولا وعيه ولا حكمته. لكن الصحيح أيضاً، أن هذه الساحة لم تُنتج شريحة مقبولة ومعقولة (عدداً ونسبة)، من أولئك الذين يتمتعون بالحد الأدنى من المعرفة والثقافة والوعي، في مختلف المجالات الاجتماعية والحياتية. ويكفي متابعة مقابلة مع فنان أو إعلامي لعدة دقائق، لكي نعرف جودة ما يملك، أو لكي نحدد مستوى ضحالة ما يتمتع به! هذا الحال، تجسد بأوضح صوره في تعاطيهم مع التحولات الثورية التي تحدث في بلادهم، أو تلك التي تجري في بعض البلدان الأخرى.  
ولعل السبب الرئيسي لهذا المشهد البائس، أنهم لم يفهموا أن الفنان أو الإعلامي، ينبغي أن يكون مع الحالة الاجتماعية لا السياسية أو العسكرية. وهنا يأتي الفارق بين فنان عربي وآخر غير عربي. ليس من فرط ثقافة الأخير وضحالة ثقافة الأول، بل من جهة النضوح في فهم العلاقة بينه وبين ما يجري حوله. هناك الكثير من الغوغاء الذين يتمسكون بضرورة أن يكون الفنان والإعلامي ملتصقاً بما يجري، دون أن يعرفوا مكان "الالتصاق" وطبيعته! فالقضية عندهم.. عنوان، شعار، ركاكة فكرية، ولا شيء غير ذلك.  يستطيع أي مشتغل في هذا الحقل، أن يعلن انتمائه لأي حزب سياسي، (أو حتى مجموعة عسكرية.. إن رغب ) سوف يخسر معارضي حزبه، ويكسب المتعاطفين مع هذا الحزب. هذه مسألة بديهية، وعليه أن يقبل ويتحمل تبعات انتمائه، وينصرف للدفاع عنه. لكن الأمر يجعله طرف، في حين أنه ينبغي أن يكون لكل الأطراف. هذا إذا افترضنا أنه يتمتع أصلاً بفكر، يتيح له الانتماء السياسي الحزبي الفاعل المنظم.
الذي حدث في خضم الثورات العربية، أن هذه الشريحة وقفت مع من لا يريده الشارع، الشعب، الجماهير، وحتى طبيعة الأشياء. في حين كان عليها أن تقف إلى جانب المتضررين مباشرة من نتاج الصراع بين الشعوب والأنظمة المتلاشية. ففي حين (على سبيل المثال) وجدنا الممثلة الأميركية أنجلينا جولي، تزور مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا والأردن، الفارين من حرب إبادة تشن عليهم، تظهر الممثلة رغدة، لتطلب علناً من بشار الأسد، بأن ينهي الثورة في سوريا بأسرع وقت ممكن، حتى ولو اضطر إلى استخدام السلاح الكيماوي ضد الشعب! (لقد استخدمه بالفعل). هذه السورية، وضعت الشعب نفسه عدواً لها، بينما حددت الأميركية عوز اللاجئين العدو الوحيد، بصرف النظر عن رؤيتها للثورة. لم تهاجم الأسد ولا الثوار. بل هاجمت كل من يستطيع أن يقلل من حجم مأساة اللاجئين، ولا يقوم بذلك. لقد هاجمت حتى الدول التي تتقاعس في هذا المجال، دون أن تتورط بأي موقف سياسي يحسب عليها. هناك الكثير من النماذج العربية المشينة، بما في ذلك، من حيا دخول الدبابات إلى الجامعات، ومن برر المجازر.. إلى آخره.
إنه النضوح والوعي والحد الأدنى من الثقافة المطلوبة لأي مشتغل في الفن والإعلام. وعلى الرغم من أن الذين وقفوا إلى جانب الثورات، قدروا أنها منتصرة في النهاية، وأنهم في الواقع يدعمون بذلك شعبيتهم على المدى البعيد، وأنهم وجدوا أن الثورات حق، إلا أنهم تقاعسوا كثيراً في الجانب الإنساني الناتج. كان عليهم أن يهتموا بالطرفين. ففي الطرف الآخر، هناك متضررون مدنيون أيضاً، من صراع سيحسم في النهاية لصالح الشعوب، لكن مصير المخطئين والمعتدين من الفناين والإعلاميين على الثورات العربية كلها، حسم منذ اليوم الأول.

الأربعاء، 23 أكتوبر 2013

الاقتصاد الأمريكي بالتقسيط

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«أحياناً.. يتعين حتى على رئيس الولايات المتحدة الوقوف عارياً».
بوب ديلان شاعر ومغن أمريكي


كتب: محمد كركوتـــي

حتى إن لم تنفذ وكالات التصنيف الائتماني العالمية، تهديدها بخفض المستوى الائتماني للولايات المتحدة، إذا لم تحل أزمة الموازنة والدين، فالتصنيف ''العالمي المعنوي'' لهذا البلد، تعرض للتخفيض بصورة تلقائية. ودعم الاقتصاد الأمريكي ''بالتقسيط''، يرفع من حد ''التخفيض المعنوي'' له. والاتفاقات المؤقتة مثل الحكومات المؤقتة، لا توفر استدامة، ولا تنشر الطمأنينة محلياً وخارجياً. لا أحد يتوقع أن تصل الأزمة السياسية المتجددة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري إلى الهاوية. هي على حافتها، ليس الآن، ولكن منذ زمن طويل، طويل جداً. وستبقى عند مستواها الحالي لأجل بعيد.. بعيد جداً. الذي حدث، أن الجمهوريين الذين يرغبون في فشل تاريخي لباراك أوباما، وهو أكثر رؤساء أمريكا اضطراباً وتردداً وسلباً للإرادة، يعرفون أنهم لا يستطيعون المقامرة بسمعة البلاد. الحل كان واضحاً، جرعات مالية محددة (بل محصورة)، لاستمرار البلاد في الداخل والخارج.
طرحت أزمة الدين الأمريكي الكثير من الأسئلة، دون أجوبة مقابلة أو مستحقة. وبعض هذه الأسئلة، نال حتى من الشعار الذي أُطلق في الولايات المتحدة مع تأسيس البلاد نفسها. شعار محلي مع ''نغمة'' أمريكية خالصة، لكنه صار في لمح البصر شعارا عالميا بل أمميا. إنه ''الحلم الأمريكي'' أو The American Dream. لكن مهلاً، لجورج كارلين الكاتب والمؤلف والكوميدي الأمريكي وجهة نظر خاصة. فهو يقول: ''إنهم يقولون الحلم الأمريكي.. لأنه يتعين عليك أن تكون نائماً لتصدقه''. ومعه قال الشاعر الأمريكي ألان جينسبيرج ''أمريكا.. لقد منحتُكِ كل شيء، والآن أنا لا شيء''. لن تشهد الولايات المتحدة الانهيار، وحتى لو تفككت إدارياً من الداخل، ستبقى جسماً سياسياً، فيه من القوة ما يكفي لتتصدر المشهد العالمي دائماً. لكن ''الهيبة الأمريكية''، تأثرت سلباً (بلا شك)، من جراء الصراع الداخلي حول الموازنة ورفع سقف الدين. والمشكلة لا تكمن في الفوارق الأيديولوجية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. لقد تقلصت في الواقع بفعل استحقاقات التحولات التاريخية، التي تحدث في العالم. وهذه المشكلة محصورة في صراع إجرائي أكثر من أيديولوجية، بما في ذلك الرابط الخاص بالرعاية الصحية، التي يمقتها الجمهوريون تاريخياً.
لقد وجد الجمهوريون ''الحل''، وكان عليهم أن يجدوه هم لا الرئيس باراك أوباما، لأن هذا الأخير لا يملك الحلول بقدر ما يستحوذ على ''مشاريع مشاكل''. هناك تطرف داخل الحزب الجمهوري، هذا أمر مؤكد، والتطرف لا يغيب عادة عن هذا الحزب، غير أن له حدوداً مرتبطة بالمدى الذي يمكنهم احتكاره. وهذا المدى ينتهي عندما تبدأ الآثار الشعبية السلبية تنال من الحزب نفسه. مع ضرورة الإشارة إلى أن هناك جناحا في الحزب يقوده السيناتور جون ماكين، يعتقد أن الجمهوريين تجاوزوا الحدود. الحل المقبول لأولئك الراغبين في مواصلة ذل باراك أوباما، أن يسمحوا بتسيير شؤون الاقتصاد الفيدرالي ''بالتقسيط''! ورغم أن ذلك أنقذ الاقتصاد من الهاوية، إلا أنه أبقاه على حافتها، مع بقاء ''أدوات الذل'' في أيديهم. إنه حل اللاحل! وهو يشبه إلى حد بعيد الحلول التي تضطر الحكومات الانتقالية لاعتمادها، بسبب الظروف الاستثنائية، التي تمر بها بلادها.
الولايات المتحدة تعيش بالفعل حالة استثنائية، لكنها تتخذ شكل الاستدامة بكل مخاطرها الآن واستحقاقاتها لاحقاً. و''الاقتصاد بالتقسيط''، مثل الشراء بالتقسيط، تبقى الأمور مرهونة إلى أن يتم التسديد الكامل. وتحوم دائماً أجواء الشك في ملاءة المقترض، وفي قدرته على الإيفاء بأقساطه. لكن الأمر هنا يتعلق بدولة لا تزال تملك المفاتيح الأكثر للاقتصاد العالمي، وتجمعها روابط بدول حليفة وغيرها، الأمر الذي يصعد من مستوى الضغوط عليها. إن السماح للبيت الأبيض بالاستدانة حتى السابع من شباط (فبراير) المقبل، هو مجرد أول قسط. ولا توجد مؤشرات واقعية (الآن على الأقل)، تدل على أن الكونجرس سيمنح أوباما، عند ''تسديده'' القسط الأول، الصلاحية لإقرار سنوي نهائي للموازنة العامة. وهذا هو في النهاية السلاح الأمضى في أيدي الجمهوريين، ليس من المرجح أن يتخلصوا منه بسهولة. هم بذلك، يُسيرون شؤون البلاد، دون أن يطلقوا يد الرئيس.
سياسة ''التقسيط الاقتصادي'' هذه، وإن أذلت أوباما وأرضت معارضيه المتشددين، إلا أنها تزيد من حجم الشكوك حول مستقبل محورية الولايات المتحدة على الساحة الاقتصادية العالمية. هناك الكثير من الدول التي بدأت بالفعل إعادة النظر في استثماراتها الأمريكية، مثل اليابان والصين وغيرهما. وفي ظل الضعف الطبيعي الناجم عن استحقاقات الأزمة الاقتصادية العالمية، ستزداد الشكوك حول مستقبل الاقتصاد الفيدرالي الأمريكي نفسه بصورة مخيفة، وذات دلالات مرعبة. بما فيها تلك المتعلقة بالذي يُطرح حالياً ''الضعف في جسد الإمبراطورية الأمريكية''، إلى جانب حقيقة ''الحلم الأمريكي''، والسيادة العالمية لهذه الدولة. إن المسألة برمتها لم تعد محصورة في مؤسسات حكومية أُغلقت وأُعيد فتحها، فقد حدث ذلك في السابق، وليست مرتبطة باستعادة باراك أوباما راتبه من الدولة، بل باستعادة الولايات المتحدة ما خسرته من هيبتها. وهذا لن يتم بوجود أوباما في البيت الأبيض.

الأحد، 20 أكتوبر 2013

في أمريكا الوهم الاقتصادي بقيمة سوقية لا تُنافس

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«الرجال ليسوا أسرى لمصائرهم، بل هم أسرى لعقولهم»
فرانكلين روزفلت الرئيس الأمريكي الأسبق



كتب: محمد كركوتـــي

أياً كانت نتيجة الصراع الدائر بين البيت الأبيض والكونجرس في الولايات المتحدة، فالرئيس باراك أوباما سيظل جريحاً حتى انتهاء ولايته. وسيبقى جريحاً إلى ما بعدها. وسيكتب في مذكراته لاحقاً، أن أعضاء الحزب الجمهوري استهدفوه شخصياً، أكثر من استهداف سياساته، أو سلوكياته وأساليبه في القيادة والعمل. سيكتب، كيف أنه كان ضحية لكل الأسباب مجتمعة. ولن ينسى أن يمرر أن أحد الأسباب تتعلق بلون البشرة. هناك ثلاث سنوات باقية لأوباما في البيت الأبيض. وهو بالتأكيد لن يحقق أياً من سياساته ووعوده الانتخابية في هذه الفترة المتبقية، بعد أن فشل في تمريرها أو على الأقل في وضع الأساس لها في السنوات الخمس الماضية. والسبب لا يعود فقط إلى أن الحزب الجمهوري يقوم بإفشال سياسات أوباما، بل لأن هذا الأخير ليس صانعاً للسياسات أصلاً. والبرنامج الوحيد الذي يسعى بالفعل إلى تطبيقه، كان ولا يزال ''الرعاية الصحية''، لكن حتى هذا البرنامج تمت صناعته في الواقع بتفاصيله الراهنة، خلال عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون.
بعد يومين ''في السابع عشر من الشهر الجاري''، سيعرف أوباما بالتحديد عمق الجرح الذي أصيب به. مساحة من ''جوف'' الجرح كانت بسببه هو شخصياً، عندما أصر على عدم التفاوض مع أعضاء الكونجرس، الذين يبحثون عن مكسب سياسي من خلال صفقة اقتصادية. الذي حدث، أن المتطرفين من الجمهوريين بدأوا يتسيدون المشهد. لقد أحرج تعنت أوباما في الحوار مع خصومه السياسيين، أولئك الذين يقفون عند درجة أقرب إلى الاعتدال. لم تنفع الحملات التخويفية التي نظمها الرئيس الأمريكي، في دفع أعضاء الكونجرس إلى تغيير موقفهم من مسألة رفع سقف الدين. بما في ذلك تلك الصادرة عن مؤسسات دولية كصندوق النقد والبنك الدوليين. لا شك في أن العالم كله سيتأذى من جراء عدم الاتفاق بين الجمهوريين وأوباما، بما في ذلك دول نامية كثيرة، ودول مستثمرة داخل الولايات المتحدة، بأشكال مختلفة. إضافة طبعاً إلى الأضرار المحلية الهائلة، التي بدأت تظهر على الساحة. غير أن الرئيس الأمريكي، يراهن على أن دفع الأمور إلى حافة الهاوية، قد ينقذ الأوضاع من الهاوية. لكن هذا النوع من الممارسة السياسية، بات منذ سنوات طويلة، أشبه بالنكتة القديمة التي سمع بها كل الناس إلا قائلها.
بالطبع لم تبدل ''تخويفات'' وزير الخزانة جاك ليو، في الأمر شيئاً، حتى وإن قال علناً، إن التفوق الاقتصادي لبلاده، يمكن أن يكون عرضة للخطر بسبب الميزانية الحالية، وأزمة الدين التي وصلت إلى طريق مسدود في الكونجرس. وهو يقول ''لا يمكن للولايات المتحدة أن تنظر إلى هذه السمعة المكتسبة بشق الأنفس، على أنها أمر مسلم به''. هذا الكلام ليس صحيحاً تماماً، وكما هو واضح، يلعب أركان إدارة أوباما على الجانب السيادي للولايات المتحدة وسمعتها العالمية. وهم يعرفون أن الوهم الاقتصادي الذي تسيدت به بلادهم المشهد الاقتصادي العالمي، لم يعد وهماً، بل أصبح واقعاً منذ عشرات السنين، حيث صار للوهم نفسه قيمة سوقية! لا يمكن لأي ''وهم'' اقتصادي غير أمريكي منافسته. وعلى هذا الأساس، فإن ''تخويفات'' إدارة أوباما ليست في محلها، خصوصاً أن كل شيء بات مكشوفاً أمام الجميع، بل وكل شيء أصبح معروفاً للجميع.
لم يتبق أمام أوباما، الذي وصفته في مقال سابق بأنه الرئيس الوحيد الذي يشرح أشياء لا يقوم بها، سوى ساعات للتوصل إلى اتفاق مع الكونجرس. وعليه أن يقبل بالعرض المقدم له، وهو رفع سقف الدين لأسابيع محددة متفق عليها. وبدون ذلك فإن الموازنة ستظل عالقة، والولايات المتحدة ستعلن رسمياً أنها لن تستطيع سداد ديونها. هناك تحولات واضحة في معسكر الرئيس الأمريكي نفسه. فحتى أولئك الذي يعتبرون أن الجمهوريين يلعبون سياسة بصورة غير أخلاقية، باتوا يعتقدون أن الاتفاق والتفاهم هما الأفضل لأمريكا. ولا يهم عمق الجرح الذي أصيب به أوباما، الذي سيمضي معه إلى آخر يوم في حياته. الجمهوريون يعرفون أن هذه الساحة هي الميدان الأهم بالنسبة لهم، لتمرير سياستهم الاقتصادية المحلية، بما في ذلك ''عدم تمرير'' نظام الرعاية الصحية. وهم متمسكون بأرض المعركة، التي لا تتهيأ عادة بسهولة.
ورفع سقف الدين لفترة محددة وقصيرة، يبقى أداة الضغط الكبرى في أيدي الجمهوريين، الذين يريدون أن يتفاوضوا حول عديد من القضايا، بما في ذلك الرعاية الصحية والاجتماعية والتشغيل وغيرها من القضايا الخاصة بمكامن المجتمع الأمريكي. لا يمارس أحد في هذه الدنيا السياسة ببراءة. والجمهوريون الأمريكيون يتصدرون الجهات التي لا تعترف حتى بالبراءة من ناحية نظرية لا عملية. فمادية هؤلاء تجعلهم يلعبون سياسة في ساحات لا تتحمل ذلك. لكن حتى هذه السلوكيات، لا يمكن ممارستها إلى ما لا نهاية، إذا ما كانت هناك جهة قوية تتمتع بالحد الأدنى من المؤهلات السياسية المختلفة. ومن سوء حظ الولايات المتحدة والعالم معها، عدم وجود جهة ذات قيمة مضافة أمام الجمهوريين في الولايات المتحدة.

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2013

موازنة أمريكية برئيس مضطرب

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")










«البيت الأبيض أفخر السجون في العالم»
هاري ترومان الرئيس الأمريكي الأسبق




كتب: محمد كركوتـــي


ليس هناك أدنى شك في أن الجمهوريين في الكونجرس الأمريكي، يلعبون حزبيًّا مع الرئيس باراك أوباما في قضية ليست أقل من محورية. قضية تمس أمريكا محليًّا وخارجيًّا. وإذا ما استمرت دون حلول فستمس العالم أجمع. هذا هو ''الداء'' الأمريكي العالمي الذي لا دواء له بعد. يقول الأديب الأمريكي مارك توين: ''كان اكتشاف أمريكا عظيمًا، لكن سيكون عدم اكتشافها أعظم''. ورغم الفشل في العثور على حل للموازنة الفيدرالية العامة، لا خوف على ريادة الولايات المتحدة في العالم. وإذا كان هناك من ''خوف'' فهو يختص بـ ''مديري'' هذه الريادة. في البيت الأبيض، إدارة مضطربة على الصعيدين المحلي والخارجي، أضاعت نفسها (بإرادتها) في تقديرها للأولويات. في هذا البيت (المحكوم جزئيًّا - لا كليًّا - بإدارته)، رئيس ارتضى أن يكون ضعيفًا. والرئيس الضعيف هو في الواقع مُصَرِّفٌ للأعمال، لا واضع للسياسات، لكنه – يا للمفارقة - أخفق حتى في تصريف الأعمال! إلى درجة، أن توقف بعض الدول الفيدرالية نفسها!
الجمهوريون يلعبون حزبيًّا. هذا واقع، لكن اللاعب المقابل، لم يتمكن بعد خمس سنوات في حكم البلاد من تحسين أدواته هو للعب في الوقت الصحيح. لقد كان طوال السنوات الماضية رئيسًا مفرطًا في شرح أشياء لا يقوم بها، مما جعله محللًا بوظيفة رئيس الولايات المتحدة! ورغم إعلانه بأنه يريد التركيز على الشأن الداخلي، هذا هو ناتج ''التركيز'': شلل أقل من مريع وأكثر من خطير، لبعض مؤسسات الدولة! ومن ضمن المشاكل التي يواجهها أوباما، أنه يرفض التحاور مع الفريق الآخر. والحق أنه أصاب في هذا الأمر فقط. لماذا؟ لأن ناتج التحاور مع افتقاره إلى أدوات اللعب، لن يكون إلا في مصلحة الفريق الآخر. وإذا ما أضيفت الخلافات المستمرة داخل إدارة أوباما نفسها، إلى المشهد العام، فسيمكن التنبؤ ببساطة بالمحصلة النهائية لأي حوار. والأمر برمته لا يحتاج إلى خبير في شؤون الجمهوريين والديمقراطيين. فأوباما ضعيف في البيت وخارجه.
مهما بلغ تعنُّت الحزب الجمهوري في مسألة تمرير مشروع الموازنة الفيدرالية العامة، إلا أنهم في النهاية سيتوصلون إلى حل ما مع البيت الأبيض. فهم يعرفون أنهم لا يستطيعون التعطيل إلى ما لا نهاية، خصوصًا عندما تبدأ آثار هذا التعطيل تضرب مؤسسات حساسة انتخابيًّا بحكم روابطها الوطنية الشعبية المباشرة. ويبدو أن الرئيس الأمريكي المضطرب، نسي ما قرأه عن سلفه الديمقراطي فرانكلين روزفلت الذي قال ''عندما تصل إلى نهاية الخيط، اربط عقدة وتوقف''. فالقضية لا تحل بالعناد، خصوصًا إذا ما كان العناد بلا قوة ضاربة. يراهن أوباما في رفضه التحاور مع الجمهوريين على إحراج هؤلاء شعبيًّا، على أمل أن يتولد الضغط الذي يتمناه عليهم. غير أن الأمور لا تجري هكذا في الولايات المتحدة. فالتفاهم بين البيت الأبيض والكونجرس ليس خيارًا للإدارة. وهو في النهاية سيقبل بالحلول الوسط، بعد أن يذهب عناده هباء منثورًا. صحيح أن الجمهوريين يتحملون مسؤولية تعطيل المؤسسات، لكن الصحيح أيضًا أن الرئيس يساهم في إطالة أمد التعطيل.
الموعد الأهم، لم يعد لقاء للتحاور بين الجمهوريين والبيت الأبيض، بل في الـ 17 من الشهر الجاري، عندما يحين الوقت المنتظر لرفع سقف الدين. فالديون الحكومية بلغت – كما هو معروف - 16,7 تريليون دولار. وهذا يعني أن الولايات المتحدة، لن تكون قادرة على سداد ديونها، إذا ما تم التعطيل أيضًا. وهذه المصيبة إلى جانب مصيبة الموازنة، سترفع من مستوى الاضطراب الذي يعيشه أوباما (مرة أخرى بإرادته). عليه التوصل إلى تفاهم ما، بحلول الموعد ''الخطير''، حول معارضة الجمهوريين لقانون الرعاية الصحية. وهذا القانون بالتحديد يمثل حجر الزاوية لمواقف الحزب الجمهوري، الذي يخضع في النهاية لمجموعة نافذة من المحافظين المتطرفين. والصراع مع هؤلاء حول القانون بدأ في الواقع في عهد الرئيس الأسبق بيل كلنتون، الذي كان أكثر جدارة وقدرة على ''اللعب'' مع الجمهوريين وغيرهم.
ليس مهمًّا إلغاء أوباما زياراته لعدد من الدول الآسيوية، والمشاركة في منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (آبيك)، وإن استغل هذا الأمر للتأكيد على بشاعة موقف الحزب الجمهوري من الموازنة. المهم أن يؤمن اتفاقًا ما مع الحزب المعارض، في غضون أسبوع تقريبًا، هي المدة المتبقية لتقرير مصير رفع سقف الدين، وهو يحتاج إلى رفع السقف بواقع 30 مليار دولار، ليتمكن من اقتراض هذا المبلغ بما يتيح له تسيير شؤون البلاد، والوفاء بالالتزامات على الحكومة. ومن دون ذلك، فإن المستوى الائتماني للبلاد سيهتز، مع انضمام مزيد من المؤسسات إلى قائمة الجهات المتعطلة.
الجمهوريون ليسوا أبرياء، ولم يكونوا كذلك سابقًا. لقد وجدوا الوقت المناسب لتمرير ما يستطيعون من سياسات اقتصادية، مستغلين اضطرابا واضحا للرئيس على الصعيدين الداخلي والخارجي. وهم في النهاية، لن يتركوا البلاد تتقاذفها أمواج الاقتصاد. دون أن ننسى استمتاعهم الشديد بذل رئيس، تخصص في شرح الأشياء، التي لا يقوم بها!

الخميس، 3 أكتوبر 2013

أزمة اقتصادية انفجرت لتعيد تشكيل العالم

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







«الأزمة الاقتصادية العالمية، كشفت أخطاء أيديولوجية اقتصاد السوق الحرة»
ألان جرينسبان رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابق





كتب: محمد كركوتـــي

قبل خمس سنوات، هي عمر الأزمة الاقتصادية العالمية، وفي زحمة تداعي المؤسسات المالية ومعها المؤسسات الاقتصادية إلى جانب الحكومات الهائمة على وجهها، وبعد عامين من خروجه من منصبه كرئيس للمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ظهر ألان جرينسبان ليعلن للعالم، أن الأزمة التي انفجرت للتو، لا مثيل لها في التاريخ، وإن تكررت، فهي لا تحدث إلا مرة كل مائة عام، وأن ''الفيدرالي الأمريكي'' لا يسيطر على الأمور، وأن الحكومات أكثر هشاشة من بنوكها المركزية. وماذا قال أيضاً؟ ''لا أتحمل وزر الأزمة''! ويضيف ''الأخطاء التي ارتُكبت لا تُنتج أزمة''! كان ذلك في أيلول (سبتمبر) من العام 2008، لكنه بعد أن هدأت العاصفة، اعترف بالأخطاء الايديولوجية لاقتصاد السوق الحرة. كان كغيره من ''المتيمين'' بهذا الاقتصاد ''المنفلت'' الرافض للحد الأدنى جداً من الأخلاقيات، يحمل الضحايا مسؤولية العدوان على أنفسهم!! فهو من أولئك الذين يؤمنون بتطرف، بأن الكل يخطئ إلا السوق وحرياتها. وأن المعايير التي يطالب بها البعض ليست سوى مُعطلات لها! كان السياسيون يصفقون لكنهم لم يلبثوا أن تحولوا من التصفيق إلى ''اللطم''.
قبل خمس سنوات كان العالم ينفجر، دون قنابل ولا صواريخ ولا أسلحة كيماوية أو بيولوجية، أو غيرها من معدات الدمار. كان الانفجار أخلاقيا، معيشيا، إنسانيا. وهذا النوع من الانفجارات يستحق توصيف ''الانفجار العضوي''، والخراب الناجم عن مثل هذا الانفجار، لا يقارن بذاك الذي يخلفه السلاح التقليدي. لقد دمر هذا الانفجار، من ضمن ما دمر ''قداسة'' السوق. وهذه ''القداسة'' كانت بالتحديد، النواة الرئيسة للانفجار الكبير. كان العالم، قبل خمس سنوات ينفجر، ولكنه في الوقت نفسه يتشكل رغماً عن ''المجرمين'' الهاربين من مسرح الجريمة، ورغم الفوضى التاريخية التي أصابت الحكومات، ومعها حتى الجهات التشريعية بل والقضائية. كانت عملية التشكل ''العضوي'' – إن جاز التعبير - للعالم، لا تقارن من حيث السرعة والتكوين، مع تلك الناجمة عن قرارات وسياسات اقتصادية سياسية جديدة. لقد كانت الأولى تفرض حقائقها بصورة طبيعية، وكانت الثانية تتباطأ، بل تتلكأ، في التناغم معها. فما كان من الأولى إلا أن جذبت الثانية غصباً بأشكال مختلفة، من بينها التخلص من السياسيين الواحد تلو الآخر. هؤلاء أسهموا بصورة أو بأخرى في الانفجار الكبير. فالسياسي قبل الأزمة لا ينفع لما بعدها، ولن ينفع، وتحديداً في العالم الغربي، الذي انفجرت في ''وجهه'' الأزمة، قبل أن يوزع خرابها على العالم.
بعد خمس سنوات من أزمة لا تشبهها أخرى، لا يزال العالم في مرحلة التشكيل. بعض الدول تجاوزتها ولكن ليس تماماً. ففي هذا العالم لا يمكن فصل البعض عن الكل. ولهذا السبب فإن مصائب البعض تعم على الكل في معظم الأحيان. البعض الآخر من هذه الدول توهم أنه تجاوزها. الغالبية العظمى من الدول التي أنتجت الأزمة لا تزال ''تناطح'' مخلفاتها. الولايات المتحدة، أوروبا، في المقدمة بالطبع. ديون الدول المانحة الكبرى (وليس ديون الدول الفقيرة) باتت خبراً يومياً. العجز في الموازنات العامة، أصبح مثل النشرات الجوية. أما البطالة فلم تعد حالة استثنائية، أو مرحلية، بل حالة دائمة متعاظمة المشكلات والأرقام والأعباء الإنسانية والاجتماعية. هل تقاعس السياسيون الغربيون الحاليون، في مواجهتهم للأزمة واستحقاقاتها؟ بالتأكيد. ففي حين أنهم يستطيعون العمل بصورة أكثر حرية ومرونة، باعتبارهم ليسوا من مرتكبي الأزمة، إلا أنهم تصرفوا بشكل مغاير في بعض الأحيان.
بعد خمس سنوات من الأزمة، لم تستكمل أدوات إصلاح السوق. فالأمر يحتاج إلى إقرار نهائي دائم لأدوات تمنع الوقوع في أزمة أخرى جديدة. وبعد هذه السنوات، لا يزال بعض من سلوكيات الأسواق المنفلتة، ولاسيما ''وول ستريت'' حاضراً على الساحة. صحيح أن هذه السلوكيات لم تعد بالقوة نفسها التي كانت عليها قبل الأزمة، لكنها لا تزال موجودة في ''الأركان'' وعند ''المنعطفات''. لا شك في أن الأمر يحتاج إلى مزيد من السنوات لإزالة آخر الأدران لأسوأ مبادئ اقتصادية شهدها العالم، منذ أن عرف علم الاقتصاد. فخراب عقود لا يمكن أن يُزال في سنوات قليلة. والمشاهد التي خلفتها الأزمة، لن تنتهي قبل خمس سنوات أخرى. هذا إذا سارت الخطوات التشريعية والرقابية والسلوكية في الدول التي صنعت الأزمة، بوتيرة سريعة يطلبها العالم أجمع.
هذه الأزمة لم تخلف دماراً أو خراباً فقط. بل أوجدت أمراضاً نفسية من نوع مختلف، وإلى أن يتشكل الاقتصاد العالمي بالصيغة التي تحترم المعايير البشرية، والمقاييس المجتمعية، وبالطبع القيم الأخلاقية، فإن الاضطرابات الاقتصادية الاجتماعية السياسية، ستبقى على الساحة بصور مختلفة. إن الأزمة الاقتصادية العالمية، انفجرت في الواقع لتعيد تشكيل عالم، بالحد الأدنى المستطاع من الأشرار.



الأربعاء، 25 سبتمبر 2013

الولايات المتحدة الأمريكية «النامية»

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«رأيت طفلاً وليداً تحوم حوله الذئاب»
بوب ديلان، شاعر ومغن أمريكي


كتب: محمد كركوتـــي

يستحق الرئيس الأمريكي باراك أوباما ''كأس العالم''، باعتباره الرئيس الأكثر شرحاً لأشياء لا يقوم بها! وهو أيضاً يستحق جائزة عالمية أخرى، كرئيس يُجبر بقوة المُضرب عن الطعام ليأكل، دون أي اهتمام بالأسباب التي قادته للإضراب! هو أكثر الرؤساء الذين مروا على البيت الأبيض، حرصاً على نهاية خدمة رئاسية مضمونة، الأمر الذي يُغيِب عنه مسؤولياته كرئيس لأكبر دولة في العالم، ويحوله إلى موظف كبير، ينتظر تقاعده المضمون يوماً بيوم. قد ينفع أوباما مديراً لمصرف مهمته الرئيسة، أن يقول لا لأي شخص يسعى للحصول على قرض، مهما كان هذا القرض ملائماً، أو حتى مستحقاً. وهذه أهون المهام لكل المناصب. لقد فضل الرئيس الأمريكي الجانب الأسهل في الإدارة، على الرغم من أن هذه السلوكيات الإدارية، تنال بصورة مهينة من القدرات الإدارية. ولهذا السبب، لا تنقطع المناكفات والخلافات داخل إدارة أوباما نفسها. فالفريق يريد أن يعمل، والرئيس يريد أن ''يضمن'' دون عمل!
يقول محبو الرئيس الأمريكي ''اللذيذ''، إنه ابتعد عن الساحة الدولية من أجل الساحة الداخلية! ورغم أنه لا يحق لرئيس الولايات المتحدة هذا الابتعاد، لأسباب معروفة للجميع، ولا سيما تركه الساحة الدولية لـ ''أزعر'' روسيا ليقرر السياسة وفق معايير المافيات، إلا أن أوباما لم يحقق نجاحاً يتناسب مع انكبابه على الشأن الداخلي. ولهذا السبب وغيره، انصرف إلى شرح الأشياء، ولا بأس من التبريرات معها على إخفاقات، ما كانت لتحدث، لو أنه ارتضى أن يكون صانع قرار بعيد عن اعتبارات، ستختصر حجم البوابة التي سيدخل منها إلى التاريخ. فإذا أراد تقزيم دور بلاده خارجياً، بحجج ساذجة، عليه أن يرفع من شأنها على ساحتها الداخلية. الذي حدث، أن ما حققه داخلياً، جاء أقل بكثير من تكاليف تخلصه الطوعي من إرادته كصانع قرار، ومن إرادة البلاد على الساحة الخارجية.
يعيش اليوم في الولايات المتحدة 46 مليونا تحت خط الفقر. ورغم أن خط الفقر في هذه البلاد، أعلى بما لا يمكن مقارنته بغيرها من البلدان الفقيرة، إلا أنه يمثل عاراً على أوباما، وفق المعايير الأمريكية، وليس الإفريقية أو الآسيوية. هذا العدد الذي يمثل 15 في المائة من مجموعة سكان البلاد، يماثل إجمالي عدد سكان دولة كإسبانيا! ويقل بصورة طفيفة عن عدد سكان أوكرانيا! لم يقلل الرئيس الأمريكي ''المتخصص في الشؤون الداخلية''! عدد الذين يعيشون تحت هذا الخط، على الرغم من عدم انشغاله بالخطوط الحمراء التي حددها لسفاح سورية بشار الأسد. اكتفى بالحديث عن هذه الأخيرة كـ ''مُنظر'' لا كمنفذ. وكعادته، أسهب في شرحها بمناسبة وغير مناسبة، دون أن يقوم بها. الذي حدث، أنه ترك لـ ''سيد'' العالم حالياً فلاديمير بوتين مهمة تغيير اللون، من أحمر إلى أبيض! بل إن هذا الأخير (في بعض المواقف)، رسم الخط الأحمر لأوباما نفسه!
الأثرياء في الولايات المتحدة، ازدادوا ثراءً، والفقراء ازدادوا فقراً مدقعاً. هذه المعادلة المريعة في كل مكان، أتى أوباما أساساً لتعديلها. أو هكذا قال شارحاً إلى حد الملل. عتبة الفقر الرسمية في الولايات المتحدة تبلغ 11702 دولار سنوياً للفرد، و23201 دولار لعائلة مكونة من أربعة أفراد. وعلى هذا الأساس، فإن مستوى الفقر في البلاد يبلغ - حسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية - 11 في المائة، بينما يصل أعلى متوسط لدى المنظمة نفسها 6 في المائة. وهذا يعني أن أوباما فشل حتى في خفض الفقر وفق المعايير التي تضعها منظمات دولية. علماً، بأن هناك دائماً فروقات بين تقديرات ومعايير المنظمات، وحقائق الوضع على الأرض. مع ضرورة الإشارة هنا، إلى أن المؤسسات الأمريكية المحلية تضع الأمريكيين تحت خط الفقر عند نسبة 15 في المائة. وسواء كانت هذه النسبة أو غيرها، فإن الرئيس الأمريكي، أخفق في أهم واجب أوكله لنفسه.
نسبة من الفقراء الأمريكيين لا تزال تحمل ''وول ستريت'' مسؤولية معاناة الفقراء أجمعين في البلاد. وهذا صحيح. لكن الصحيح أيضاً، أن أوباما فشل أيضاً في إيجاد ''كابح'' سريع لمتنفذي السوق الأمريكية. وكانت معركته مع هؤلاء متقدمة في بداية ولايته، لكنها لم تلبث أن تراجعت، أو أصابها الوهن. وهذا يفسر الارتفاع في عدد الفقراء الأمريكيين، في السنوات الماضية. ولا يزال الرئيس ''المتخصص'' في الشؤون الداخلية لبلاده، يستجدي المؤسسات التشريعية لرفع سقف الدين العام، وأبقى أخيراً على برنامج التحفيز.
غير أن هذا كله لم يحقق أي هدف على صعيد الحد من معدلات الفقر في البلاد، الذي يبقى فقراً عنصرياً بتركيبته. وحسب مركز التعداد السكاني الأمريكي، فإن نسبة الفقر بين البيض من غير الأصول اللاتينية، تصل إلى 2,19 مليون نسمة، ومعدلات الفقر هي الأعلى بين الأقليات. وماذا أيضاً؟ يعيش أكثر من ربع السكان من أصل زنجي أو لاتيني في حالة فقر، في حين تنخفض تلك النسبة إلى 10 في المائة من البيض. هل هي الولايات المتحدة الأمريكية ''النامية''؟

الثلاثاء، 17 سبتمبر 2013

«اقتناص» المهاجرين.. كسب اقتصادي أناني

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«تذكر.. تذكر دائما، أننا جميعاً، أنت وأنا على وجه الخصوص، وُلدنا هنا من مهاجرين وثوريين»
فرانكلين روزفلت الرئيس الأمريكي الراحل


كتب: محمد كركوتــي

في بعض الحالات تتماهى وضعيتا المهاجر واللاجئ، مع ملاحظة أن حالة النازح قد تتطور إلى الحالتين السابقتين، أو إحداهما، بصرف النظر عن تمسك الجهات المسؤولة حول العالم بهذا التأطير. هي تحرص على هذا النوع من التأطير، لأسباب تتعلق بمسؤولياتها وواجباتها حيال الحالات الثلاث. فلكل حالة التزامات مختلفة، وبالطبع أي جهة معنية تفضل الحالة الأقل تكلفة (بل الأدنى تورطاً) على المديين القريب والبعيد. لكل حالة تكلفتها الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية.. ولها منغصاتها. والتكاليف الاقتصادية هنا لا تنحصر فقط في المانح، بل تشمل نسبة من الممنوحين أنفسهم. ولا سيما من خلال تشغيلهم بأكثر من حقوقهم، أو ''سرقتهم'' من أوطانهم المحتاجة إليهم. علينا فقط أن ننظر إلى فلسطين المحتلة، من هناك جاء التطور. نازح أولاً، لاجئ ثانياً، مهاجر ثالثاً، ولا بأس من مواطن أخيراً. البعض يعتبره تطوراً جيداً، استناداً إلى المعايير الاقتصادية والمعيشية، أما البعض الآخر فيرى عكس ذلك تماماً، ويحمل القوى الفاعلة المسؤولية.
على كل حال، تبقى قضية النازحين واللاجئين، مأساوية بصورة لا تُقارن مع مسألة المهاجرين، أو مع أي قضية اجتماعية معيشية أخرى، باستثناء تلك التي شهدها العالم على مدى سنوات، واستحقت عنواناً عريضاً هو ''الموت جوعاً''. حسب الأمم المتحدة، هناك 232 مليون مهاجر حول العالم. وهؤلاء أكثر من عدد النازحين واللاجئين، وهم يشكلون ما يقرب من 3,2 في المائة مع المجموع الكلي للبشرية. ويقيم هؤلاء بصورة رئيسة في أوروبا وآسيا. هذا العدد من المهاجرين يقارب عدد سكان إندونيسيا، ويفوق سكان البرازيل عدداً. وفي غضون عقد واحد، أضيف لأعداد المهاجرين 21 مليوناً. وحسب التوقعات التي تستند إلى أسس علمية، فإن عدد هؤلاء سيشهد ارتفاعاً في السنوات المقبلة, فالمهاجر يبحث أساساً عن حياة أفضل, بينما يبحث اللاجئ (وكذلك النازح) عن مكان يوفر له يوماً إضافياً على قيد الحياة.
تصل نسبة المهاجرين 11 في المائة من سكان البلدان المتقدمة. فهذه البلدان قادرة على استيعاب سلس لهم، دون أن تتكبد أعباء كبيرة. غير أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فعدد متعاظم من الدول المتقدمة تحتاج إلى خبرات وكفاءات علمية ومهنية في مختلف المجالات، وهي إن فتحت الأبواب أمام المهاجرين، فإنها تسد بعضاً من الثغرات في هيكلية سوق العمل والتوظيف بشكل عام. ومن أجل ذلك، بدأت بعض البلدان بتشجيع هجرة الكفاءات إليها، بصرف النظر عن الدول المصدرة لها، أو بمعنى آخر، بصرف النظر عن الدول المتسربة منها. وهذه الدول ببساطة، تحتاج إلى الكفاءات أكثر من البلدان المتقدمة. هي غالباً دول تسعى إلى النمو الذي يوفر لها حداً أدنى من الاكتفاء في مختلف المجالات.
والحقيقة أن الدول المتقدمة ترتكب مزيداً من الأخطاء في هذا السياق. ففي الوقت الذي تسهم (بصور مختلفة) في التنمية في البلدان المصدرة للكفاءات والأيدي الماهرة، فإنها تستقطب (أو تسرق) رافداً محورياً في التنمية هناك. مع ضرورة الإشارة إلى أن مساهمات الدول المتقدمة في التنمية بالبلدان النامية، تراجعت بشكل كبير في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية. وقلت التزاماتها بحجة الأزمة، التي ارتكبتها هي نفسها، لا أحد غيرها. فحتى على صعيد المساعدات الإنسانية، ينبغي أن ينشر التحذير الذي صدر أخيراً عن منظمة ''أوكسفام'' الخيرية العالمية، الرعب في الأوساط الدولية قاطبة. هذه المنظمة تقول ''إن سياسات التقشف التي يتبعها الاتحاد الأوروبي، ستزيد عدد المعرضين للفقر بواقع 15 إلى 25 مليون أوروبي- مرة أخرى أوروبي- بحلول 2025، ليصل العدد إلى 146 مليون نسمة''.
أما لماذا ينبغي أن ينشر الرعب؟ لأنه إذا كان الأمر بهذه الصورة المرعبة في القارة الغنية، فكيف الحال في الدول الفقيرة أو النامية، المنتجة للأيدي الماهرة والكفاءات؟! الأوضاع المعيشية المتردية في هذه الدول، تعفي البلدان المتقدمة من ''عبء'' التشجيع على الهجرة إليها. فهؤلاء سيأتون إليها سواء بالتشجيع أو بالتسلل بصورة غير قانونية. وهذا ما يحدث بالفعل على كل الحدود المائية والبرية للبلدان المتقدمة. كل الدول تبحث عن مصالحها (هذا بدهي)، ولكن أليس من مصلحة البلدان المشار إليها، التقليل من التزاماتها الاقتصادية تجاه الدول النامية، بإبقاء الأدوات المنتجة في وطنها؟ سوف توفر عوائد في هذا المجال، يمكنها أن تستثمرها في بلادها نفسها، التي ستشهد (في الحالة الأوروبية) أكثر من 146 مليون فقير لاحقاً.
قضية المهاجرين، لا تنحصر في إطار شخصي فقط. إنها جزء أصيل من التنمية الشاملة في أي مكان، خصوصاً أولئك الذين يتمتعون بالكفاءات والمؤهلات اللازمة لبلدانهم. صحيح أن نسبة من بين المهاجرين تمثل عبئا حتى على الدول القادرة. فهي تبحث فقط عن مكان لعيش أفضل، دون أن تهتم بدورها في التنمية والمجتمع. ولكن الصحيح أيضاً، أن نسبة متعاظمة من المؤهلات تتسرب من دول تحتاج إليها بقوة، إلى دول تحتاج إليها بعض الشيء.

الجمعة، 13 سبتمبر 2013

في الاقتصاد «مصارف جرثومية» أيضا

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«على البنك المركزي أن يضع سياسات، بمعزل عن اعتبارات سياسية قصيرة الأجل»
بن برنانكي رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي


كتب: محمد كركوتـــي


هناك كره تاريخي يفيض في ''وجدان'' المصارف حيال السلطات المالية. يبدأ مع تأسيس المصرف وفي أغلب الأحيان لا ينتهي. وحتى إن كانت هذه السلطات متساهلة في تشريعاتها ومراقبتها وقوانينها المالية، ينخفض الكره قليلاً، ويرتفع في الوقت نفسه توجس لا يزول أيضاً. لكن الكره يبقى في أعلى الدرجات، وفي كل الأوقات للجهات المالية العقابية. ويبدو أن هذه العلاقة لن تدخل في يوم من الأيام، في بيئة إيجابية. والسبب بسيط. هو أن السلوكيات المصرفية لا يمكن أن تتبدل ذاتياً، ويتطلب الأمر معها وجود ذراع غليظة، تُذكِّر أولاً، ثم تعاقب ثانياً. ولأن ذاكرة المصارف ضعيفة، فغالباً ما تكون الأولوية لـ ''ثانياً''.. لا لـ ''أولاً''! بالتأكيد تجهد المصارف نفسها للهروب من هذا وذاك، في عز انشغالها بجمع أكبر قدر من الأموال، بصرف النظر عن مصادره، وكي تتباهى بالاستحواذ على درجة أخرى عالية في قائمة أكبر وأقوى المصارف. وإذا كان المال ''كما يُقال'' يتكلم، فقد وجد الشاعر والمغني الأمريكي بوب ديلان، أنه يشتم.
عندما كان الاقتصاد العالمي ''فالتاً''، كانت المصارف تعيش أحلى أيامها، بل لنقل أحلى سنواتها. لقد دام ''عيشُها'' الرغيد أكثر من ربع قرن من الزمن. ازدادت قوة ونفوذاً، لدرجة أنها باتت هي التي تحدد السياسات المالية العامة في كثير من البلدان، ولا سيما تلك التي تتحكم في القرار الاقتصادي الدولي. بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، صُدم العالم من هول الخراب الذي أحدثته المصارف. أما المخربون فقد تسربوا الواحد تلو الآخر إلى ملاذات مضمونة. على كل حال، تغيرت الأمور، وأصبحت التشريعات المقيدة للمصارف واجبا وطنيا في كل دولة، بل ضمانة لبقاء الحكومات نفسها في الحكم. وفي زحمة حملة التنظيف التي تقوم بها هذه الحكومات، هناك الأموال المشينة، التي تتراوح بين عوائد المخدرات والاتجار بالبشر والنهب العام، وبين التهرب من الضرائب والعمولات الكبرى. وتركز الحكومات حالياً على الضرائب الضائعة، وكلها متجمعة في مصارف مختلفة في بلدان متعددة، وفي مقدمتها بالطبع سويسرا.
ظهرت قبل أيام في سويسرا دراسة مريعة حقاً! أجرتها مؤسسة ''كي بي إم جي'' المالية، بالتعاون مع جامعة ''سان جال''. تتوقع الدراسة أن يختفي ما بين 25 و 30 في المائة من المصارف السويسرية في غضون ثلاث سنوات، ليس بسبب اندماجها ''مثلاً'' مع مصارف أكبر منها، بل لأن التشريعات التنظيمية المالية الدولية الجديدة، تضغط عليها للكشف عن ودائعها. وهذه الودائع بمجملها، ليست سوى أموال مهربة من الضرائب، إلى جانب أموال مشينة أخرى. الضغوط المشار إليها، ليست أكثر من عملية تنظيف تقتل ''الجراثيم'' المصرفية، بعد أن عاثت هذه الجراثيم على مدى عقود في الأموال فساداً، وشجعت في الوقت نفسه على رفع عدد الفاسدين من كل الأجناس والمشارب. سيكتشف الخاسرون، الذين كانوا ''قبل الأزمة'' سكان العالم أجمع، حقائق من سويسرا، وغيرها من البلدان المشابهة، تجعلهم مشدوهين لسنوات طويلة.
لقد انخفض عدد المصارف السويسرية الخاصة ''حسب الدراسة نفسها'' في سبعة أعوام من 182 إلى 148 مصرفاً، بينما انخفض في العام الماضي فقط من 161 إلى 148 مصرفاً. وهو العام الذي لم تصل إليه الضغوط الخارجية على المصارف السويسرية، وغيرها في أشباه الدول التي تصدرت قائمة الملاذات الآمنة للأموال المشينة. كشف الإصلاح المالي الذي بدأ غصباً .. لا حباً ''بسبب الأزمة''، الكثير من الآثام المالية حول العالم، خصوصاً في الدول التي عاشت ''ولا تزال'' على أموال قذرة، لا يمكن تنظيفها إلا بحرقها. والهجمة الغربية الحالية على المصارف التي تتجمع فيها أموال ضرائب وطنية، ستقصي بالفعل الكثير من المؤسسات المالية. ولكن لم العجب؟ لقد ثبت أن مصارف ذات سمعة عالية لا تُمس، استخدمت الأموال القذرة في إنقاذ نفسها.
يطالب المختصون في سويسرا وإمارة ليختنشتاين، بضرورة تسريع حركة تعزيز المصارف الخاصة، ولا سيما في ظل المعركة الراهنة بين الولايات المتحدة والسلطات السويسرية، حول تجمع أموال أمريكية هائلة في مصارف الأخيرة، هي في الواقع ضرائب واجبة للبلاد. والسؤال الأهم هنا، كيف يمكن تعزيز هذه المصارف، بينما تقوم على أموال غير شرعية بل مشينة؟ لا أحد يطرح على الملأ طبيعة خطط التعزيز هذه، لأن المشكلة تكمن في موجودات مستحقة لجهات غيرها. ولهذا السبب، فإن خروج نسبة من المصارف الخاصة السويسرية من الساحة، هو الحل الأمثل لكل الأطراف. لا يمكن بأي حال من الأحوال إسناد المصارف المشار إليها، وفق المعايير التقليدية المعروفة. بل لا يمكن إنقاذها، فما تملكه .. ليس لها.
ليس أمام الحكومة السويسرية وغيرها من حكومات أشباه الدول، إلا التعاون مع الأنظمة المالية الدولية الجديدة، طوعاً أو كرهاً. وهذا يتطلب أيضاً التحرك واستغلال الفرصة المواتية، لتفعيل أكبر للحراك الخاص بملاحقة الأموال المنهوبة من الشعوب، ستكون أمامها الأموال الهاربة من الضرائب مجرد ''فكة''.

الأحد، 8 سبتمبر 2013

بكائيات أردوغان الإخوانية.. أنسته أزمته الاقتصادية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







''لا تبحث عن العجل تحت الثور''
من الأمثال التركية

كتب: محمد كركوتـــي

ينشغل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، بالدفاع عن إخوان مصر. ولا مانع لديه من نقل العلاقات بين بلاده ومصر إلى أخطر مستوى لها. فهو في الواقع يدافع عبر بكائياته على حكم الإخوان المصريين، عن التنظيم العالمي لهذه الجماعة، التي استعذبت منذ انطلاقتها، العمل السري حتى لو كانت في الحكم. والحق، أن العمل السري، هو جزء أصيل من مبادئها وأدبياتها. دون أن ننسى، أن مرشداً سابقاً لهذه الجماعة في مصر هو مأمون الهضيبي، قال علانية: ''نتقرب إلى الله بأعمال التنظيم السري للجماعة''! وأعمال التنظيم السري هذه، أقلها الاغتيالات والتصفيات الجسدية. على كل حال، أنست بكائيات أردوغان، هذا الأخير الأزمات الاقتصادية التي تتجمع في بلاده. ويبدو واضحاً، أن ما يحتاج إليه التنظيم العالمي للإخوان، له الأولوية على كل شيء. تكفي الإشارة هنا، إلى استضافته اجتماعات هذا التنظيم ''سرياً طبعاً''، لبحث مصيبة انهيار حكم الجماعة في مصر.
تواجه تركيا مصاعب اقتصادية متصاعدة، أخذت تهدد شيئاً فشيئاً النمو الذي تمتعت به البلاد بالفعل في غضون السنوات القليلة الماضية. بل إن هذه المصاعب، بدأت تدفع خارجاً أولئك الذين اعتقدوا استدامة النمو إلى ما لا نهاية. ففي الأسابيع الماضية، شهدت البلاد هجرة للاستثمارات الأجنبية، واضطرت الحكومة إلى سن مجموعة من القوانين، لجذب ما أمكن لها، ليس من أموال الأجانب، بل من أموال الأتراك الذين يعيشون خارج بلادهم، مترددين في ضخها. وفي الواقع، تدخل هذه التطورات الدراماتيكية، في إطار تحولات في زخم التوجهات نحو الأسواق الناشئة نفسها. فقد وجدت شرائح عديدة من المستثمرين الأفراد والصناديق المتوسطة والكبرى، أن المخاطر باتت عالية في هذه الأسواق، ولا سيما في زمن الاضطرابات. وفي كل الأحوال، تواجه حكومة أردوغان مجموعة من المشكلات الاقتصادية، التي ستظل على الساحة لفترة لن تكون وجيزة.
يعاني البنك المركزي التركي كثيراً للحفاظ على ما أمكن من قيمة الليرة. وهو بين نارين. الأولى: رفع نسبة الفائدة، والثانية: استنزاف الاحتياطي من القطع الأجنبي. أعلن البنك حالة الطوارئ، في الوقت الذي وجد فيه أردوغان وقتاً، ليؤكد أن ''المركزي'' لن يُقدِم على رفع معدلات الفائدة. ماذا حدث؟ فشلت مبيعات البنك المركزي من العملات الأجنبية الصعبة في تهدئة التوتر الحاصل على الساحة الاقتصادية، وأخفقت تدخلاته المباشرة في سوق صرف العملات، بينما لم ينصت إلى أردوغان، ورفع الفائدة. لكن النتيجة بقيت كما هي. ومنذ مايو الماضي تراجعت الليرة 9 في المائة مقابل العملات الرئيسة الأخرى، وهي مرشحة للتراجع. يصف الاقتصاديون الأتراك اقتصاد بلادهم بـ ''الهش''، ويؤكدون أن ذلك يعود إلى الاقتراض المفرط، والتخلف عن السداد العائد بشكل أساسي إلى استثمارات مالية خارجية قصيرة الأمد، وأن التطورات الاقتصادية العالمية، كشفت عن مشكلات مزمنة في هذا الاقتصاد.
والحقيقة، أن مشكلات الاقتصاد التركي، بدأت قبل أكثر من عامين، حين بلغ التخلف عن سداد الأموال المستحقة نسبة 10 في المائة من الدخل المحلي. المسؤولون في حكومة أردوغان، يبررون هذه التطورات السلبية ''بأن كل بلدان العالم باتت عرضة للتقلبات الاقتصادية، بفعل انكشافها على تطورات الخارج في عالم مفتوح''. وهذا النوع من التبريرات، يطلقها عادة أولئك الذين ليسوا واثقين بما يكفي من علاج الأزمات المتصاعدة. هناك مشكلة مستمرة منذ زمن، وهي ضعف الأصول التركية، وأي سياسة اقتصادية تطرح حالياً، لا يمكن أن تعالج هذه المسألة بصورة جذرية. إنها مشكلات تتطلب إعادة النظر في الكثير من السياسات المتبعة، والإقدام على خطوات، لن تكون بالضرورة شعبية. إنها الضريبة السياسية التي لا ترحم حكومة ولا حزبا .. وبالتأكيد ولا ''جماعة''.
في الإطار نفسه، يساهم التوتر في العلاقات بين تركيا ودول الخليج العربية، في دفع هذه الأخيرة لإعادة النظر بوجودها الاقتصادي في تركيا. وقد ظهرت مؤشرات واضحة على ذلك، بقيام البنك المركزي الإماراتي ''على سبيل المثال'' بمطالبة المصارف التجارية، بإمداده بتفاصيل مساهماتها بمشاريع في تركيا، أو شراء صكوك وأدوات دين تركية، أو وجود إيداعات كبيرة لأتراك فيها، أو إيداعات لإماراتيين في البنوك التركية. اللافت أن خطاب ''المركزي الإمارتي''، اتخذ طابع الاستعجال، وطالب البنوك بالإفصاح عن هذه البيانات سريعاً. ومن الإمارات، أبلغت شركة ''طاقة'' فيها الجانب التركي، أنها لن تمضي قدماً في مشروع ضخم لبناء عدد من محطات توليد الكهرباء، تستخدم احتياطيات فحم ''الليجنايت'' الموجودة بوفرة في تركيا. وهذا المشروع يتكلف 12 مليار دولار أمريكي.
ليس مهماً تأجيل اتفاقية الربط بين بورصتي القاهرة وإسطنبول، نتيجة للتوتر الناجم عن تدخل أردوغان في شؤون مصر الداخلية. المهم بالنسبة لهذا الأخير، أن يحافظ ما استطاع على جملة من الاستثمارات الخليجية، لو تسربت إلى خارج تركيا، سترفع من حدة الأزمات التي يواجهها الاقتصاد التركي، خصوصاً إذا ما انضمت هذه الاستثمارات إلى أخرى أجنبية، انسحبت أو تفكر بالانسحاب من الساحة التركية.

الثلاثاء، 27 أغسطس 2013

إنهم يحبون أن يكرهوا المصارف

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






''من الأفضل ألا يعرف الناس كيف يعمل النظام المصرفي. إن عرفوا ستكون هناك ثورة في صباح اليوم التالي''
هنري فورد الصناعي الأمريكي



كتب: محمد كركوتـــــي

كأن الرئيس الثالث للولايات المتحدة توماس جيفرسون يتحدث عن يومنا هذا أيضاً، حين قال قبل أكثر من قرنين من الزمن ''إن المؤسسات المصرفية تشكل خطراً داهماً على الحريات، أكثر من الجيوش المحتشدة''. قليلون ونادرون أولئك الذين يحبون المصارف. ويمكن القول، إنه لم يظهر (إلى الآن) من تغنى بها، أو على الأقل من لا ينتقدها أو من لا يهاجمها. بعد جيفرسون بمائة عام تقريباً، قدم الأديب الأمريكي الشهير مارك توين توصيفاً ساخراً على طريقته المعهودة، وعميقاً في دلالاته. ماذا قال؟ ''المصرفي هو الشخص الذي يقرضك مظلة في الأيام المشمسة، ويطالبك بها في اللحظة التي تبدأ فيها الأيام الممطرة''. وبعد توين بمائة عام أخرى، كان الكوميدي الأمريكي المعروف بوب هوب أكثر عنفاً، عندما قال ''المصرف هو المكان الذي يقرضك الأموال، بشرط أن تثبت أنك لست بحاجة إليها''. لا أصدقاء مخلصين للمصارف والمصرفيين. فحتى أولئك الذين يستفيدون منها، ينظرون إليها بعين الريبة المستدامة. على طريقة ''أحب أن أكرهك''، أو ''أكره من يحبك''.
احتاجت الحكومات في العالم لفترة طويلة لوضع قواعد للسيطرة على المصارف وألاعيبها. ولولا انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية قبل خمس سنوات، لكان ''الحفل الراقص'' بين الطرفين (الحكومات والمصارف) متواصلاً. فآثام المصارف لم تكن نتاجها وحدها، رغم أنها لا تحتاج إلى منتِج مساعد في هذا المجال. كانت الحكومات تقف إلى جانبها ظالمة أو مظلومة، مع التأكيد على أنها لم تُظلَم، منذ تأسيس أول مصرف في التاريخ (يقال إن أول مصرف كان في بلاد ما بين النهرين). المصارف تفعل كل شيء لتكديس ''الدشم'' المالية في خزائنها. هي لا تُقرض من لا يحتاج القرض فقط، بل تقوم بفرض تكاليف عالية على المقترض وحتى المودع أيضاً. دون أن ننسى أنها تملك أكبر ''المصابغ'' لماذا؟ لـ ''الغسل والكي والتعليق''. في الأشهر القليلة الماضية، دفعت مصارف كبرى مثل ''إتش إس بي سي'' و''ستاندارد تشارترد''، و''باركليز'' ومجموعة لويدز البريطانيتين، و''كريدي سويس'' السويسري، و''آي إن جي'' ومجموعة إيه بي إن أمرو في هولندا، إلى آخر السلسلة.. دفعت مليارات الدولارات غرامات على مخالفات، وتبييض أموال كل شيء، المخدرات، الاتجار بالبشر، المنظمات الإرهابية، والنهب من الشعوب. ولعل العار الأكبر، أن عدداً كبيراً من المصارف الكبرى، استخدمت هذه الأموال القذرة في محاولة إنقاذ نفسها من الأزمة الاقتصادية.
الحكومات في العالم الغربي، وجدت أخيراً أن العار الكلي للمصارف، ينسحب عليها هي نفسها. وفي أعقاب الأزمة، بدأت بوضع تشريعات جديدة، تأخرت في تطبيقها لسبب واحد فقط، هو أن المصارف (رغم المصائب التي أوقعتها الأزمة فيها)، ظلت تمتلك بعض أسلحة المقاومة، لأي قوانين تستهدفها. ومع الضغوط الشعبية - الانتخابية في العالم الغربي، صعدت الحكومات من تحركاتها ليس فقط لإقرار الأنظمة الجديدة، ولكن أيضاً لتنفيذها بأسرع وقت. فالمبررات انعدمت، والحجج انتهت، والأكاذيب نفدت. تريد الحكومات (خصوصاً الإدارة الأمريكية)، أن تعزز صلابة المصارف في حال نشوب أزمة مالية جديدة، من خلال تطبيق قواعد تنظيمية مختلفة، أُطلق عليها اسم ''بازل 3''. ورغم أن مثل هذه القواعد ستعزز وضعية المصارف، بما في ذلك الترفيع في الحد الأدنى من رأس المال، إلا أن المديرين لا يزالون يقاومون. فالقواعد التنظيمية الجديدة، تعني رقابة أكثر تشدداً على أداء المصارف، الأمر الذي يقيد التسيب التاريخي في هذه المصارف. والتسيب في النهاية يعني العمل بأقل قدر من الضوابط، وأدنى مستوى من الأخلاقيات.
على الجانب الأوروبي، بدأت المفوضية الأوروبية التحضير لإطلاق سلسلة جديدة من الأنظمة التي تختص بما يعرف بـ ''مشتقات الائتمان''. وهذه الأخيرة، تمثل بالفعل أرقاً دائماً للسلطات. فعملية نقل مخاطر القروض من جهة إلى أخرى، تُحدث ''تشوهات'' مصرفية. وحين تنفجر أزمة، يهرع المصرفيون إلى الحكومات. إن نقل المخاطر في حد ذاتها عملية فيها من المخاطر الكثير. وفي كل الأحوال، تتضمن الإجراءات التنظيمية الجديدة، وتلك التي ستفرض لاحقاً، عقوبات واضحة على المصارف التي تخالفها، وهذا ما لا يريده أي مصرفي في هذا العالم. فالمصرفيون الذين يجمعون الأموال بكل طريقة ممكنة وغير ممكنة، يسعون في الوقت نفسه، إلى تطويع ما أمكن القوانين العقابية، فكيف الحال بقوانين جديدة، لن تكون رحيمة!
التوجه الغربي الجديد بشأن المصارف، يأتي في الواقع في نطاق حماية كل الأطراف، بما فيها المصارف نفسها. كما أنه يأتي (ولو متأخرا) في سياق ''اعتذار'' كان مطلوباً، على أخطاء الحكومات التي انفجرت في ظلها الأزمة الاقتصادية العالمية. اعتذار للشعوب التي تعرضت للسرقة والتضليل والاحتيال من هذه المصارف، لكنها (يا للمفارقة) كانت المنقذة الوحيدة لها! فكل عملية إنقاذ جرت لمصرف، كانت في الحقيقة، عملية تأميم مؤذية. لأن كل ما أُمم من المصارف كان ركاماً. لقد اشترت الشعوب الممولة للحكومات، ديونها مرة أخرى!

الخميس، 22 أغسطس 2013

إيران.. استدامة الأكاذيب الاقتصادية بدلاً من اقتصاد مستدام

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




 " عليك ألا تروع الناس، وفي نفس الوقت عليك ألا تضللهم"
سير ديفيد أتينبرة منتج برامج وثائقية بريطاني



كتب: محمد كركوتي
لم تكن حكومة أحمدي نجاد في إيران، منذ وصولها إلى الحكم، وحتى اليوم الأخير لها في السلطة، سوى ''مصنع'' للأكاذيب، ينتِج ''السلع'' وفق صورة لا تنحرف للحظة في تطابقها مع متطلبات ''السوق''. ولأن الأمر كذلك، فقد ابتكرت هذه الحكومة، ما يمكن تسميته بـ ''أكاذيب استباقية'' إلى جانب الأكاذيب المتجددة. كما أنها كانت تحضر الأكاذيب، لمواجهة استحقاقات محددة وواضحة. ويضم ''مصنع'' حكومة نجاد سلسلة متعددة من خطوط ''الإنتاج''، السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحلية، إلى جانب خطوط إنتاج مخصصة للتصدير.. دولية وإقليمية وعربية ونووية وتخريبية. ولأنها كانت ''مباركة'' من المرشد الأعلى علي خامنئي، كان إنتاجها وافراً، يتماشى مع التبريكات العليا، ويتماهى مع المقدمات المطلوبة لظهور المهدي الفالت، الذي لم يتم العثور عليه حتى الآن!
ورغم أن الحكومات الإيرانية التي سبقت حكومة نجاد، لم تكن بمنأى عن سياسة التضليل والأكاذيب، ولاسيما فيما يرتبط بضوابط التُقية الصارمة، إلا أن الحكومة الأخيرة تجاوزت كل الحكومات في ذلك، خصوصاً على الصعيد الداخلي، و''تفننت'' بالأكاذيب في المجال الاقتصادي المحلي، الذي يمس المواطن الإيراني مباشرة. فلم تقدم تقريراً صحيحاً واحداً عما يحدث في اقتصاد البلاد، على مدى ثماني سنوات. وقد بلغت فداحة الأمر، أن امتنع حتى المصرف المركزي الإيراني لسنوات عن إصدار بيانات تتعلق بالنمو والتضخم والبطالة والفقر وارتفاع الأسعار والاحتياطي من القطع الأجنبي. وانضمت إليه مؤسسات محلية فضلت أيضاً عدم التعاطي بالتقارير الاقتصادية الواجبة، تجنباً لأية مواجهة حتمية مع حكومة نجاد، وأركانها الذين اعتقدوا أن للأكاذيب استدامة، وأعفوا أنفسهم من واجب العمل لـ ''اقتصاد مستدام''، أو على الأقل لاقتصاد قابل للنمو، كي لا نقول: الازدهار. وفي الوقت الذي كان يتوجب عليها فيه أن تعلن الحقائق كما هي، خصوصاً مع وجود بعض المبررات للأزمات الاقتصادية والمعيشية التي تعيشها البلاد، بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليها، فضل نجاد إنتاج الأكاذيب وتسويقها وتصديرها!
في الأيام الأولى لتسلم حسن روحاني مقاليد الحكم في إيران، تلقى رسالة من تجمع خبراء الاقتصاد المحلي، يمكن ببساطة أن يكون عنوانها ''انتبه من أكاذيب نجاد''. الرسالة تحذر الرئيس الجديد، من الأوضاع الاقتصادية التي ورثها عن حكومة سلفه، ويتهم أصحابها هذه الحكومة بالكذب والتلاعب بالأرقام والإحصاءات الاقتصادية، لتحقيق هدف واحد، وهو تضليل الرأي العام. ويهتم ''تجمع خبراء الاقتصاد'' بالدرجة الأولى، في ضرورة عدم وضع برامج وخطط اقتصادية تستند إلى التقارير والإحصاءات التي أصدرتها الحكومة السابقة. ولحل هذه المشكلة، فقد وجد هؤلاء ''أهمية الاستعانة بالتقارير الاقتصادية التي صدرت عن جهات اقتصادية مستقلة خارج إيران، لإنقاذ الاقتصاد الإيراني المريض''. والحقيقة أن مثل هذا الأمر لا يحدث إلا في الدول المارقة التي تتغير فيها الحكومات. هذا إن تغيرت فعلياً.
ولعل من أهم النقاط في هذه الرسالة، التحذير من وقوع حكومة روحاني في فخ الأجواء الدعائية التي نشرتها حكومة سلفه. وهذا لا يعني أن قيام الرئيس الجديد بعرض الحقائق كما هي، سيؤدي الغرض ويحقق الهدف، بل عليه العمل من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من اقتصاد على وشك الانهيار. وهنا تكمن المصيبة. فحتى لو افترضنا أن روحاني عازم بالفعل على محاولة الإنقاذ، فإنه لن يحقق شيئاً في هذا المجال، إذا لم يحصل على ''تبريكات'' خامنئي، الذي يعيش في عالم يتصادم (في الواقع) مع الواقع! ولمرشد ''الثورة'' مشاريع سياسية- اقتصادية خارجية تخريبية، تعطل منذ سنوات أي مشاريع محلية تهدف إلى احتواء التداعيات المتواصلة على الساحة. والحقيقة.. المثل الشعبي المعروف ''ما يحتاجه البيت يحرم عن الجامع''، هو عند خامنئي بالمقلوب!
يقدم خبراء الاقتصاد في إيران مجموعة من الآليات والاستراتيجيات لمواجهة المحنة الاقتصادية في بلادهم، بما في ذلك استقلالية البنك المركزي، وإجراء إصلاحات في السياسات المالية، يكون محورها، أهداف اقتصادية شاملة، وإحياء دور وزارة المالية، ووضع ضوابط وقوانين صارمة من أجل تسهيل تطبيق الآليات والسياسات الضريبية في البلاد. ويعتقد هؤلاء، أن هذه الآليات هي الوحيدة التي يمكن أن تحقق شيئاً إيجابياً في المرحلة المقبلة. خصوصاً أنها ستصنع شيئاً مع التضخم، وستمنع حدوث هبوط مفاجئ للعملة. غير أن هذا كله، يظل في النطاق النظري، في بلد يحتكر فيه الكلمة الأخيرة ''مرشد''، ليس قابلاً لفهم حقيقة ما يجري، لأنه ليس مستعداً للاعتراف بما يجري! فكل الآليات والمخططات تبقى بلا قيمة.
في إيران اليوم.. لو كان رئيسها في السلطة وليس في الحكم فقط. هناك حل بسيط جداً للعديد من الأزمات الاقتصادية التي تعيشها، لا يكلف شيئاً يذكر، وهو أن يقوم الرئيس الجديد بدراسة متأنية للمخططات الاقتصادية التي أطلقها سلفه أحمدي نجاد، وينفذها بالعكس. لكن السؤال يبقى هو.. هو، هل يقبل خامنئي (منتظِر المهدي) بذلك؟! الجواب بسهولة الحل نفسه. لا.

السبت، 17 أغسطس 2013

ألمانيا تنجح بعدم «فزلكة» اقتصادها

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«يجب علي ألا أقلق من الألمان. لقد انتصرنا عليهم مرتين في قرن واحد»
مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا الراحلة


كتب: محمد كركوتي

كان من الطبيعي أن تتقدم ألمانيا، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الدول الأوروبية التي أغرقتها أزمة العام 2008، والتي تعمقت فيها الأزمات الاقتصادية المرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. لا أحد (بالطبع) يملك قدرة ألمانيا على الإنقاذ، بصرف النظر عن الذل والمهانة الألمانية للطرف الخاضع للإنقاذ. لقد بلغت مشاعر الإهانة حداً دفع بعض أولئك الألمان الذين لا يزالون يعيشون أحلام قوة زالت (بل واندثرت)، إلى الدعوة لاحتلال دولة كاليونان، طالما أن هذه الأخيرة خاضعة لخطة الإنقاذ الأوروبية. وهذه الخطة (بصرف النظر عن أي اعتبارات) هي ألمانية أكثر منها أوروبية. ولولا ألمانيا، فإن بقية الدول الأوروبية الكبرى، وفي مقدمتها فرنسا، لا يمكن أن تطلق خطة إنقاذ عملية وواقعية. ألمانيا في القرن العشرين تسببت في تدمير أوروبا مرتين، لكنها الآن هي المنقذ المثالي لقارة ستظل تعيش تحت ''صواريخ'' الأزمة الكبرى، لأجل ليس قصيراً.
لا يمر يوماً إلا ويطرح السؤال التقليدي. لماذا تمكنت ألمانيا من تحقيق تقدم وازدهار اقتصادي حتى في عز الأزمة؟ وطبعاً هذا السؤال يجر معه أسئلة أخرى، على شاكلته، هل إيطاليا وإسبانيا واليونان (على سبيل المثال) ضعيفة إلى هذا المستوى؟ غير أن السؤال الأهم يبقى هو.. هو، ما هذا ''السر'' الألماني؟! وبالطبع يظهر سؤال آخر على الساحة فوراً. هل تستطيع ألمانيا المضي إلى ما لا نهاية بهذا الزخم الاقتصادي النادر في التاريخ الحديث؟ أين أصابت ألمانيا، وأين أخطأت دول مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها؟ الأسئلة كثيرة، والأجوبة لا تحتاج إلى كبير عناء للوصول إليها. لقد باتت الساحة الاقتصادية العالمية (بعد الأزمة) مكشوفة إلى حد الفضيحة. لا أسرار في هذا العالم، حتى وإن مارست الولايات المتحدة ثقافتها التجسسية، ليس على الأصدقاء فحسب، بل على ما هو مكشوف حقاً!
على كل حال، من بين أسباب الصمود الاقتصادي الألماني، والنجاحات المتتالية حتى في عز ضربات الأزمة، أن الحكومات الألمانية المتعاقبة بعد هزيمة بلادها في الحرب العالمية الثانية، لم ''تتفزلك'' اقتصادياً. وظلت ملتصقة بالاقتصاد التقليدي المنتج، الأمر الذي فتح أمام منتجاتها أسواق، فشلت دول صناعية عديدة في الوصول إليها. وفي الأزمات، لا يصمد إلا الاقتصاد الواضح، وفيها أيضاً تظهر مكامن الضعف في هذا الاقتصاد أو ذلك. ففي الوقت الذي تنكمش فيه اقتصادات دول كاليونان وإيطاليا وإسبانيا وحتى فرنسا وبريطانيا، تسجل ألمانيا نمواً في هذا العام يصل إلى 0,7 في المائة، ومن المتوقع أن تحقق نمواً في العام المقبل يصل إلى 1,6 في المائة. الاقتصاد التقليدي البعيد عن ''الفزلكة''، وفّر لألمانيا مساحة أمان واسعة للغاية. فقد ظلت ألمانيا وفية لحراكها الصناعي (ولا سيما الصناعات الثقيلة والصناعات الميكانيكية). لقد ظل هذا القطاع يشكل 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فيه تراجع دور هذا القطاع في بلدان منطقة اليورو إلى 10 في المائة فقط.
هذا الحراك الإنتاجي، وفّر لألمانيا أسواقاً جديدة. وهذا يعني أن الاقتصاد التقليدي، فتح أسواقاً غير تقليدية، وتحديداً في الدول الناشئة التي تأخذ دورها المتصاعد على الساحة الدولية ككل. على الجانب الآخر، عجزت دول منطقة اليورو أن تفتح أسواقاً قوية لها في البلدان الصاعدة. وقد احتفظت ألمانيا (بالطبع) بأسواقها الأوروبية التقليدية التي تشكل لها أساساً لا يمكن الاستغناء عنه بأي شكل من الأشكال. وطبقاً للخبراء، فإن صادرات ألمانيا إلى الصين تشكل نصف مجموع الصادرات الأوروبية إلى هذا البلد، وقد وصل التصدير الألماني للدول الصاعدة إلى ما يوازي 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين لا يتعدى الـ 1,2 في المائة في فرنسا! ولعل من أهم عوامل النجاح الألماني المستمر، أن الشركات الألمانية تقوم بإنتاج ما تحتاج إليه الأسواق في العالم. ومثالاً على ذلك، يقول ألكسندر شومان، رئيس اتحاد غرف الصناعة والتجارة الألمانية: إن آلات ومعدات البنى التحتية، وتقنيات الطاقة، كلها مهمة جداً، للدول التي تتجه حالياً إلى تحديث نفسها، وتريد أن تتطور بسرعة. وكل ما تحتاج إليه تلك الدول لهذه العملية يمكن لألمانيا أن توفره من الآلات الثقيلة حتى البراغي''.
الذي حدث أيضاً أن دولاً مثل بريطانيا وإسبانيا ركزت بصورة كبيرة جداً على قطاعات الخدمات والاستثمارات المصرفية والعقارات، في حين لم تعط الشركات الألمانية هذه القطاعات أكثر مما تستحق، واحتفظت بذهنية الاقتصاد الوطني التقليدي، ولم تعتمد 100 في المائة على أدوات ما يعرف بـ ''الاقتصاد الجديد''. لم تنجح ألمانيا بنشاطها الصناعي فقط، ولكنها نجحت أيضاً في تفادي الشوائب والمخاطر التي يأتي بها ''الاقتصاد الجديد''. ستظل ألمانيا المحور الرئيس لمنطقة اليورو، وستتحمل دول هذه المنطقة، الإهانات الألمانية، لأن خياراتها الإنقاذية ليست سوى ألمانية.

الاثنين، 5 أغسطس 2013

مشروع «مارشال مصري»

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«الرجل الحكيم يُعرَف من أجوبته.. لا من أسئلته»
نجيب محفوظ روائي مصري، حائز جائزة "نوبل" في الآداب



كتب: محمد كركوتـــي

في مصر الآن، هناك أخبار اقتصادية جيدة، إلى جانب (طبعاً) الأخبار الاقتصادية السيئة، بل المخيفة في بعض النواحي. صحيح أن ''السيئة'' منها تطغى على ''الجيدة''، لكن الصحيح أيضاً، أنه قلما نجد دولة في حالة مصر الراهنة تكون مصدراً لأخبار غير سيئة. فالفوضى التي تحاول جماعة الإخوان حتى ''مأسستها'' باستخدام أدوات الضحية، كبيرة. وأول ضحايا هذه الفوضى هو الاقتصاد بروابطه السياسية والاجتماعية.. وبالطبع المعيشية. خصوصاً، أنه لا يزال هناك سوق عالمي لـ ''الضحية - الإخوان''، لكنها تظل سوق ''طيارة''، لا استدامة لها. ليس فقط من فرط الوهم السائد، بل أيضاً من جهة عمرها الافتراضي. فالغرب المتباكي على ديمقراطية فظيعة، لا يزال ''يتسوق''، ولكن لا يحمل في ''جيوبه'' ما يُمكِنُه من ''الشراء''. وفي الواقع هو ''الزبون'' الوحيد في هذه السوق، التي وجد نفسه فيها، لا قسراً، ولكن فشلاً في صنع قرار يحاكي التحولات. كيف لا؟ و''مطبخ'' صنع القرار الدولي نفسه، بلا مواقد.
من الأخبار الجيدة اللافتة، أن مصر بعد شهر من عزل الرئيس المؤمن جداً محمد مرسي، شهدت ارتفاعاً في صادراتها التي بلغت نسبتها 10 في المائة. نعم.. لا يمكن لهذه النسبة أن تُحدث فارقاً كبيراً على الساحة الاقتصادية، لكنها بمنزلة مؤشر على أن الاقتصاد المصري، يمكن أن يتعافى في مساحة زمنية ليست طويلة. وتعني هذه الزيادة، أن المُصنعين المصريين، يستطيعون الإنتاج حتى في وقت الفوضى السياسية، فكيف الحال إذا ما كانت هناك حكومة مستقرة وأكثر استدامة؟ وسط ما يجري في مصر، أعطت بورصتها مؤشرات إيجابية أيضاً، من خلال استعادة نسبة من خسائرها، والأهم ارتفاع قيم شراء الأجانب المتداولين فيها للأسهم. فهؤلاء لم يهربوا، كما تمنى بعض مؤيدي الإخوان في البلاد. على الجانب المعيشي، انفرجت أزمة السولار والبتوجاز، إلى درجة دفعت حتى المهربين والمحتكرين، إلى بيع ما احتكروه وقت الأزمة، بسعر التكلفة للتخلص من تكاليف التخزين. وحتى الجنيه الذي أصيب بداء الانخفاض المتتالي، بدأ في التماسك، مع ضرورة الإشارة إلى أن انخفاضه، كان عاملاً محفزاً على مزيد من التصدير.
إنها إشارات إيجابية. إنها معطيات حقيقية على الأرض، تؤكد أن بإمكان مصر تجاوز محنتها الاقتصادية، خصوصاً في ظل وجود أشقاء وأصدقاء حقيقيين للشعب المصري. وأول ما تحتاج إليه البلاد، هو الاستقرار السياسي. وهذا لن يتحقق طالما أن مؤيدي جماعة الإخوان الباطنية، مصرون على ممارسة سياسة ''حافة الهاوية''، وعلى استمرار عرض ''مسرحية الضحية''. وهذه الجماعة ترى، أن كل تفاقم جديد للأزمة الاقتصادية في مصر، يولد قوة دفع لها على الساحة. فكيف الحال بانهيار اقتصادي؟! وهذا النوع من الجماعات (التي لا تفهم السياسة، إلا من خلال الخداع والتربص) عادة ما تجلب خرابها لنفسها.. بنفسها. وهي جماعة (وفقاً لأدبياتها) تقوم أساساً على اللاوطنية. فلا مانع لديها من التخريب الوطني، إذا ما كان ذلك يدفع باستراتيجيتها إلى الأمام.
الخطوة المثالية تجاه مصر الآن، ليست أقل من مؤتمر يجمع أصدقاء كل مصر لا بعضهم، للوصول إلى ''مشروع مارشال مصري''، لا يعتمد على المنح بصيغها الاستهلاكية - الإنقاذية، بل إلى المشاركة المباشرة في الإصلاح والتنمية. والمشاركة الصحيحة توفر عوائد للأصدقاء، كما تقدم الاحتياجات للاقتصاد المصري. وبمعزل عن ذلك، سيكون المؤتمر (أي مؤتمر) مادة إعلامية فقط، ينتهي مفعولها في اليوم التالي. وتضع الحكومة الإنتقالية الخطوط العريضة لمثل هذا المشروع المحوري. وسيكون من الأفضل لو اشتركت دول الخليج ومن يرغب من الدول المانحة الأخرى، مباشرة في رسم معالم ''مارشال المصري''. فالكل متفق على أن الحل الأمثل، هو تدوير عجلة الاقتصاد المصري، وتحريك النمو، وخلق فرص عمل، وإعادة صياغة قوانين الاستثمار، وتنشيط ما هو جامد منها. وهذا لن يتم إلا بمساعدة الجهات الصادقة في المساعدة. فالأساس موجود، والمطلوب البناء عليه، وفق منهجية عالية الجودة.
ولكن تظل نقطة الإنطلاق مرتبطة بسرعة الوصول إلى أفضل مستوى ممكن من الاستقرار السياسي. فعلى سبيل المثال لا تملك الحكومة الراهنة تفويضاً شعبياً، يمكنها من مواجهة عجز الموازنة العامة المتصاعد. وهو أمر يُربك المانحين كما يربك القائمين حالياً على صنع القرار السياسي في مصر. فقد ورثت حكومة ما بعد ثورة 30 يونيو، عجزاً في الميزانية من حكومة محمد مرسي، يبلغ 3,2 مليار دولار شهرياً، منذ بداية العام الحالي. ولا شك في أن الحكومة الحالية، تتسم بالواقعية. فهي ترغب في أن تمهد الطريق، ليكون العون القادم إلى مصر في مكانه، وضمن الخطوط التي توصل الاقتصاد إلى محطات آمنة ومستقرة ومنتجة. غير أن هذا لا يمنع من الوصول إلى خطة ''مارشال المصرية''، في الوقت الذي يجري فيه العمل على تمهيد الطريق. إن وجود مثل هذه الخطة، يساهم (في الواقع) في ''ورش'' عملية التمهيد هذه.

الخميس، 1 أغسطس 2013

الرعب الاقتصادي في إيران

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



«الذي يحيا بمحاربة عدو ما، تظل مصلحته في الإبقاء على هذا العدو حياً»
فريدريك نيتشه فيلسوف وشاعر ألماني


كتب: محمد كركوتـــي

في بلد يقرر فيه ''المرشد'' أي شيء، بما في ذلك تسريب فحوى ''اتصالاته'' مع ''المهدي الضائع''، ليس للرئيس الإيراني المنتخب حسن روحاني، إلا أن يسمع ويطيع. فهو (كغيره) يعرف أنه كرئيس منتخب، مملوك أيضاً لـ ''مرشد'' غير منتخب. وتستند ملكية هذا الأخير، إلى كونه ''مكشوفا عنه الحجاب''، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.. وبالطبع دينياً! فكيف لروحاني وغيره تقديم رؤى مختلفة ومشاريع لا تتوافق مع ''الحقائق'' المطلقة التي يستحوذ عليها علي خامنئي. فحتى لو كانت هناك ''حقيقة'' مشوشة ما، يحسمها اتصال مباشرة بينه وبين المهدي! وهو أمر لا يكلف ''المرشد'' شيئاً، سوى دموع من فرط رهبة الحضور، وهي متوافرة من خلال دورة مياه في العيون. جاهزة لكي تنهمر في أي وقت وأي حالة ووضعية. على روحاني، أن يبقى في صف ''المرشد''، هذا إن استطاع حتى مناقشته، فكيف الحال بالابتعاد عنه؟!
السلطة المطلقة لـ ''المرشد''، دون مسؤولية، هي الحفرة المضمونة لكي يُدفن فيها أي رئيس للجمهورية! وهنا تكمن المعضلة الواضحة. فالممنوعات كثيرة، بما فيها التعاطي المستقل بالشأن الاقتصادي. وإذا كان هذا الشأن من الممنوعات، فالشأن السياسي من المحرمات. وعليه، فإن على روحاني الذي يواجه مصيبة اقتصادية هائلة، ألا يعيش أوهام صنع القرار الجمهوري، لأن القرار الإرشادي هو الأصل (بل والصورة أيضاً). هل يستطيع روحاني (وغيره) أن يحلم للحظة، ويطلب من ''المرشد'' ضرورة إيقاف الدعم المالي الإيراني (مثلاً) لسفاح سورية بشار الأسد، من أجل مواجهة المصيبة الاقتصادية المتعاظمة في إيران؟! هل يمكنه أن يؤخر خطاً من الخطوط الائتمانية للأسد، ولو لشهر واحد فقط؟! بل هل يستطيع حتى تقديم دراسة (لا طلب)، تتضمن أهمية الإعلان عن إيقاف جزء من النشاط النووي الإيراني، على أمل في تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد؟! في إيران ملهاة ''ديمقراطية'' على شكل مسرحية، تحتوي على فصول، ولكنها بلا نهاية، سعيدة كانت أو حزينة.
سيتسلم حسن روحاني منصبه، وقد ترك له أحمدي نجاد ملفات اقتصادية مفتوحة خانقة. ولا أعرف لماذا لا يستجدي خامنئي ''المهدي الضائع'' لإغلاق حتى ملف واحد منها فقط؟! البيانات الرسمية الإيرانية الجديدة، تُظهر أن معدل التضخم في البلاد ارتفع إلى 45 في المائة في نهاية حزيران (يونيو) الماضي. وفي دولة كإيران، فإن الرقم الرسمي الخاص بالأزمات، هو بالضرورة أقل من الرقم الحقيقي، والعملة في الحضيض، والعقوبات الدولية في أعلى مستوى لها. وعلى الرغم من أن البنك المركزي الإيراني، لم يصدر منذ عام 2008 أي بيانات خاصة بالتضخم، إلا أن الرئيس المنتخب، اعترف علانية أمام البرلمان، بأن بلاده تواجه أعلى مستوى للتضخم في المنطقة بأسرها. وهذا الإعلان بالطبع، لا يمس السلطة المطلقة لـ ''المرشد''، بل هو شكل مفهوم من أشكال تبرئة النفس مسبقاً، من المصائب الاقتصادية التي ظهرت في عهد سلفه نجاد. وهي أيضاً، أداة وقائية له عندما سيفشل في حلها. ولم يترك أصلاً مجالاً للتأويل، فقد قال صراحة : ''سنبين ماذا استلمنا من الحكومة السابقة''.
ولهذا السبب، بدأ البنك المركزي ''المعصوم'' عن إصدار بيانات الرعب الاقتصادي، بإعلان بعض الأرقام. هناك – حسب البنك المذكور - 47 مليون إيراني من بين 70 مليون نسمة، يعيشون تحت خط الفقر. أي أقل من 4 دولارات أمريكية في اليوم. ويبدو أن روحاني، ''سيحل'' المشاكل ''روحانياً''! لماذا؟ لأنه ببساطة، قدم هذه المشاكل على أنها تعود لأداء حكومة نجاد، ووضع ''الضغوط الخارجية الظالمة'' – حسب تعبيره - في المركز الثاني! علماً بأن محركات الاقتصاد شبه متوقفة، بفعل العقوبات، وبعدها التعاطي الفاشل الفاضح لحكومة نجاد في الحالة الاقتصادية العامة. صحيح أن هذا الأخير، استخدم النظام الائتماني (على سبيل المثال) لتقديم قروض للموالين له، ولشراء دعم أعضاء كبار في الحرس الثوري، ومجموعة كبيرة من الملالي، بمجموع بلغ أكثر من 5 آلاف شخص. لكن الصحيح أيضاً، أنه ليس هناك ما يمكن الاستثمار فيه في إيران، بصورة تكفل شيئاً من الإصلاح الاقتصادي.
في بلد يمكن أن يفرح أصحاب المصانع فيه من جراء الانخفاض الحاد في الاستيراد، تتوقف المصانع عن العمل الوحد تلو الآخر! والسبب، أن تكاليف الإنتاج ارتفعت (بشكل اعتبره البعض خياليا)، بفعل العقوبات وبعدها فشل أداء حكومة نجاد. وفي ظل هذا المشهد، بات التهريب والعمليات المشبوهة، جزءاً أصيلاً من الحراك الاقتصادي. بل إن الهيئات الدولية، توقفت عن إحصاءات العوائد النفطية الإيرانية، لأنها إما مهرَبة أو متوقفة. في إيران الغالبية العظمى من الشعب هي الخاسرة، خصوصاً أولئك الذين ينتمون إلى الطبقتين الوسطى والدنيا. وهذا الحال، عادة ما يُنتِج وقوداً لتمرد كامن على النظام بأسره. وهو تمرد لن تنفع معه كل الاتصالات الخاصة بين ''المرشد'' و''المهدي الضائع''، ولن يفيد التغيير السياسي ''الاسمي'' الذي يحدث في البلاد. فالمصائب التي تواجَه بالأوهام، توفر عوائد وهمية لحقائق الخراب.

عندما تصبح الليرة السورية ورقة زائدة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



«الحياة قصيرة. لكنها طويلة بما يكفي للتخريب لمن يرغب أن يخرب»
جوش بيلينجز أديب وكاتب أمريكي

كتب: محمد كركوتـــي

قبل ثلاثة أسابيع تقريباً، كنت ضيفاً على قناة ''سي إن بي سي''، للحديث عن الليرة السورية واقتصاد سورية بشكل عام. وكان في البرنامج نفسه ضيف ''خبير'' آخر من دمشق، قارن بين أزمة الاقتصاد السوري، وأزمة اقتصاد قبرص! وقبله (على شاكلته)، من قارن بين اقتصاد سورية واقتصاد اليونان. ولا أعرف إن كان سيظهر ممن بقي من محبي سفاح سورية بشار الأسد، ليقارن أزمات اقتصاد سورية بأزمات اقتصادات اليابان أو الصين أو الولايات المتحدة الأمريكية! فهؤلاء ''رغم الحقائق الماحقة عن الأسد''، باتوا جزءاً أصيلاً مما يمكن تسميته بـ ''اقتصاد التمنيات''، والأصح ''اقتصاد الأوهام''. وهم في الواقع يتحدثون عن اقتصاد لا يستحق حتى هذا التوصيف. في سورية ''كما يعلم الجميع''، عصابة تاريخية تقودها أسرة، احتلت البلاد بشعبها ومقدراتها. وعندما واجهت مصاعب في مواصلة الاحتلال، تعاقدت مع محتلين أجانب. وهي مستعدة للتعاقد مع إسرائيل (مبتكرة الاحتلال في المنطقة)، إذا ما كان العقد يوفر لها يوماً إضافياً في حكم منهوب.
على كل حال، الضيف الأول رد معترضاً على ما قلته ''إن الليرة السورية لم تتراجع بل انهارت''. فقد اعتبر أن الليرة تراجعت بسبب الظروف العامة، وأن البنك المركزي سيتدخل خلال ساعات، لسندها وإعادتها إلى ما كانت عليه! الذي حدث ''بعد ساعات''.. قفز الدولار من 220 إلى 310 ليرة دفعة واحدة ''قبل الثورة الشعبية العارمة كان الدولار بـ 47 ليرة''. وأطلق هذا البنك، سلسلة من القوانين تعاقب الصرافين بالسجن، وتهديدات وصلت حتى إلى الإعدام. هكذا فعل حافظ الأسد ''والد سفاح سورية الحالي''، عندما أسرع لتغطية ما نهبه شقيقه رفعت الأسد من الخزانة العامة. والحقيقة أن ''سفاح مدينة حماة''، لم ينهب من الخزانة، بل سرقتها كلها، وكان حتى وقت قريب، يتفاخر بأنه أخذ نصيبه من نهاية الخدمة! ولأنه ينتسب إلى هذه الأسرة المجرمة، فقد تفاخر في أحد التسجيلات، بأن عدد من قتلهم في حماه ليس 25 ألفاً، بل 50 ألفاً!
في الأيام الماضية ظهرت تقديرات، بأن اقتصاد سورية تقلص 35 في المائة، وأن تكاليف الحرب خلال عامين ونيف، وصلت إلى 80 مليار دولار أمريكي، التهمت الاحتياطي من القطع الأجنبي. وعن الإنتاج الصناعي فقد توقف، مما أدى إلى ارتفاع عدد المتعطلين عن العمل إلى نصف عدد السكان. وأن حركة ميناءي اللاذقية وطرطوس تراجعت 35 في المائة. والحقيقة، لم أفهم الرابط بين تماثل نسبة تقلص الاقتصاد ونسبة تراجع حركة الميناءين المذكورين. الأمر ليس مهماً. ما هو مهم، أن الاقتصاد تقلص أكثر من النسبة المتداولة، ويمكن القول، إنه لا يوجد اقتصاد بالمفهوم المعروف له. ليس فقط لأن الليرة انهارت، ولا لأن البطالة ارتفعت إلى هذا المستوى الفادح، ولا لخواء الخزانة التي يفترض أنها عامة، بل لأنه، حتى ''اقتصاد العصابة'' انتهى في مناطق واسعة من البلاد. أما في المناطق التي لا يزال يسيطر عليها الأسد والقوات الأجنبية المحتلة المساندة له، فالأوضاع تسير من سيئ إلى أسوأ، دون أن تظهر بصورة واضحة آثار التمويل المالي الذي لم يتوقف من إيران.
تجري حالياً في أوساط الأسد، مشاورات لإلغاء الليرة، وإطلاق عملة جديدة، بغرض استيعاب الانهيار الذي أصابها. وفي بلد أعلنت فيه السلطات أن تصدير المواد الغذائية أمر غير قانوني، فإن كل شيء وارد، دون أن ننسى، بأن كميات كبيرة من الأوراق النقدية طُرحت في السوق بلا رصيد أو سند لها. اليوم، لم تعد الليرة هماً بالنسبة للسوريين، بل أضحت ورقة زائدة في الجيب لا قيمة لها، وكلما أسرع السوريون بتحويل ما لديهم من أموال إلى عملات مضمونة، كلما استطاعوا المحافظة على ما تبقى من قيمتها المتلاشية. ويبدو واضحاً، أن الإمدادات المالية الإيرانية الشهرية التي تقدر بنصف مليار دولار أمريكي، في طريقها إلى التوقف. فإيران تخلفت منذ ستة أشهر عن دفع أقساط ديونها للبنك الدولي. كما أن العقوبات المفروضة على هذا النظام الهمجي، باتت سلاحاً قوياً في وجهه، وإن كانت من ناحية أخرى تؤثر سلباً على المواطنين السوريين. فالعقوبات ''أي عقوبات'' التي تطول، تطال الشعوب.
لو استمر نظام الأسد حتى نهاية العام الجاري، فسيتم تداول العملات الأجنبية بدلاً من الليرة. على غرار ما حدث في لبنان خلال الحرب الأهلية. والحل يبقى هو.. هو، منذ البداية، الإسراع في إزالة هذا النظام ليس فقط رأفة بالشعب السوري، بل لحماية المنطقة من الخراب الذي يمثل له استراتيجية حقيقية. فالأسد الابن ''كما الأب'' لا يعيش إلا بجعل المصائب مستمرة، ويستمر لأطول فترة، في تعميم هذه المصائب على أوسع رقعة ممكنة، سواء بصورة مباشرة، أو عبر عصاباته. لو كان هذا النظام ديكتاتورياً فقط، لأسقطه الاقتصاد، لكنه نظام دموي همجي، لا تسقطه إلا القوة.