السبت، 22 أبريل، 2017

تلك الكارثة المتوارثة







الآلاف عاشوا بلا حب، لا أحد منهم عاش بلا ماء
أحد شعارات حملات توفير المياه العالمية

كتب: محمد كركوتي

ربما تتحسن وضعية الغذاء العالمي، أو تتراجع معدلات التخريب اليومي للبيئة على هذا الكوكب، أو تنخفض معدلات الفقر في بعض المناطق، أو تهبط أعداد الأميين حول العالم، أو تتراجع نسبة وفيات الأطفال. ربما يحدث كل هذه التطورات على تلك الأصعدة، إلا أن المصيبة أو الكارثة المتوارثة المتوالدة المرتبطة بالمياه وإمداداتها، تتحرك من سيئ إلى أسوأ. وإذا ما بقيت هذه المصيبة ضمن مستواها المخيف، فإن ذلك يعتبر شيئا إيجابيا بل "نجاحا". لماذا؟ لأن كل البرامج والمشاريع العالمية والإقليمية والمحلية فشلت بالفعل في الوصول إلى مناطق قريبة من الأهداف التي حُددت على أكثر من مستوى طوال العقود الماضية لمواجهة نقص مياه الشرب، أو لنقل نقص المياه النظيفة. ومن هنا، فبقاء المصيبة على حالها يعتبر "نجاحا"!
تعترف المؤسسات والمنظمات العالمية باستفحال أزمة المياه، مع اعترافها بالطبع بأن الحراك نحو مواجهتها على صعيد التمويل المالي يظل ضعيفا في مناطق وبلا وجود في مناطق أخرى. والغريب أن أزمة طويلة كهذه الأزمة، كان بالإمكان مواجهتها بأقل التكاليف، لو اهتمت الجهات المعنية المؤثرة عالميا بها منذ البداية. ليس فقط عن طريق توفير الأموال اللازمة، بل أيضا من جهة نشر الثقافة المطلوبة للحفاظ على المياه، أو لتسهيل الوصول إليها وفق أسس اقتصادية ذات جدوى. الذي حدث أن التغير المناخي المتسارع، أسهم في رفع معدلات مخاطر أزمة المياه، من خلال امتداد مساحات التصحر حول العالم، فضلا عن عدم متابعة حقيقية لمشاريع إصلاحية ذات جدوى طرحتها المؤسسات العالمية المعنية في المناطق التي تواجه النسبة الأكبر من هذه الأزمة.
منظمة الصحة العالمية أطلقت أخيرا تحذيرا كان متوقعا، يتعلق بعدد البشر الذين لا يستطيعون الوصول إلى مياه الشرب النظيفة، بمعنى آخر عدد البشر الذين يصلون إلى مياه ملوثة. كم هو هذا العدد المرعب؟ مليارا نسمة في مختلف المناطق حول العالم! والمنظمة تمضي أبعد من ذلك، بالتأكيد عبر إحصاءات مباشرة على أن المياه الملوثة بمياه الصرف الصحي، تتسبب سنويا في أكثر من 500 مليون حالة وفاة، في الوقت الذي يرتفع فيه الطلب على المياه بمعدل 50 في المائة بحلول عام 2030. تقرير منظمة الصحة خطير، لأنه يدعو إلى تدوير كميات من المياه، غير أن الأدوات اللازمة لمثل هذا التدوير غير متوافرة في غالبية المناطق التي تعاني نقصا في المياه أو مياها ملوثة.
الشرق الأوسط من تلك المناطق التي تواجه مستقبلا مائيا مظلما، لأسباب تتعلق بالأزمة ـــ الكارثة العالمية بشكل عام، إضافة إلى أسباب إقليمية محلية تتعلق بترشيد الاستهلاك، وهذا الأمر على وجه الخصوص لم يحقق المطلوب أو الهدف منه. ومشكلة المياه لا تنحصر في إطارها على الإطلاق، بل تأخذ معها جوانب عديدة، في مقدمتها التنمية، ووضعية الاقتصاد بشكل عام، والهجرة والكثافة السكانية في مناطق دون غيرها، والضغط على الخدمات في بعض المناطق، دون أن ننسى جانب الأمن والاستقرار. البنك الدولي نفسه يعتقد أن أزمة ـــ كارثة المياه تشكل تحديا خطيرا للأمن والسلم الدوليين، إلى جانب كل ما تمت الإشارة إليه، هي ببساطة أزمة شاملة تحمل معها دمارا شاملا، أو مصائب متكاملة. ويقول مسؤول في البنك الدولي، إنه يعتقد أن المياه ستصبح أم المشاكل في الدول النامية.
وهذا الكلام لا مبالغة فيه، إذا ما عرفنا أن مثل هذه الأزمة تسهم في فقدان الناتج المحلي في الشرق الأوسط 14 في المائة، وفي آسيا 11 في المائة و12 في المائة في بلدان الساحل الإفريقي! هذه الأرقام أجمعت عليها مؤسسات دولية سواء تلك التابعة للأمم المتحدة، أو غير الحكومية منها. أما الحلول، في الواقع هي موجودة، وليست مستعصية على الخبراء في هذا المجال. وهي تنحصر بالطبع في الإرشاد الفاعل وليس النظري، إلى التمويل اللازم، وهو ليس منخفضا كما قد يتصور البعض. ما يحتاج إليه الاقتصاد العالمي لحل أزمة ـــ كارثة المياه نحو تريليون دولار. وهذه الأموال لن تذهب هدرا بالطبع، لأن العائد عن كل دولار منها سيكون ما بين 3 و34 دولارا، بمعنى أن الاستثمار في حل أزمة المياه هو في الحقيقة استثمار بجدوى اقتصادية عالية، وليس فقط استثمارا لحل أزمة.
استطاعت منظمات الأمم المتحدة المختلفة الاقتراب من أهدافها التي حددتها للألفية الجديدة، لكنها على الجانب المائي لم تصل إلى نقطة قريبة من الهدف، وكذلك الحكومات، خصوصا في البلدان النامية، فشلت في صناعة ثقافة مائية عالية الجودة، ومارس بعضها أسلوبا عقيما يعتمد على قطع المياه مثلا لفترات طويلة جدا. المسألة لا تتعلق بقطع الإمدادات لتفعيل أو صناعة ثقافة من هذا النوع، إنها كوكتيل من التعاون العالمي على كل المستويات، والاستثمار الواعي في المياه. ألا يكفي موت نصف مليار شخص سنويا جراء المياه الملوثة للتحرك العملي؟!
(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 11 أبريل، 2017


«حربان» .. عبر «المانش» وفي الـ «دار»





"انسحاب بريطانيا يمكن إبطاله، بشرط موافقة كل دول الاتحاد"
مسودة ورقة للبرلمان الأوروبي


كتب: محمد كركوتي:

غطت قضية انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بتفعيل مادة الانسحاب ضمن معاهدة لشبونة من جانب لندن، غطت هذه القضية التي تشغل العالم وليس أوروبا فحسب، على احتفالات مرور 60 عاما على إنشاء الاتحاد. في الواقع لم تكن هناك احتفالات توازي المناسبة التاريخية، لأن تاريخية الانسحاب البريطاني "أول دولة تقوم بذلك" طغت على المناسبة الأولى. ولأن الإرباك السياسي سيطر على الساحة الأوروبية ليس خوفا من إتمام الانسحاب فقط، بل أن يكون شرارة وباء انفصالي أوروبي. وهنا سنفهم بالتأكيد، كيف أن المفاوضين البريطانيين سيعاملون بقسوة خلال المفاوضات، لأن أوروبا لا يمكنها أن تقدم أي عروض مغرية للمملكة المتحدة، تدفع غيرها لاحقا إلى الحذو حذوها. باختصار، لا مكافآت لأي انسحاب، حتى لو كان انسحاب دول بأقل كثيرا من حجم بريطانيا.
إجرائيا، سيظل الباب مفتوحا أمام لندن للعودة إلى الاتحاد طوال فترة المفاوضات التي قد تستغرق عامين، في حين هدد البرلمان الأوروبي المفاوضين من كلا الجانبين بأنه سيتخذ إجراءات تشريعية إذا ما استمرت المفاوضات أكثر من ثلاث سنوات. لندع هذا البرلمان جانبا، علما بأنه يمتلك أدوات يمكنها أن تنشر المنغصات غير المستحبة في هذا الوقت بالذات، ولنعود إلى قلب بريطانيا التي لم تستطع رئيسة وزرائها تيريزا ماي أن توقف أو تعطل قليلا حراك الانفصال الداخلي ضمن حدود المملكة المتحدة نفسها، من اسكتلندا التي أِرعت لإجراء تصويت في برلمانها على إجراء استفتاء للانفصال عن المملكة، إلى إيرلندا الشمالية التي يتحين الوطنيون الفرصة لنزع التاج البريطاني، بل حتى إلى ويلز القريبة جدا من إنجلترا على مر التاريخ سياسيا وتشريعيا وقانونيا وإجرائيا.
ستحارب حكومة ماي اليوم على جبهة داخلية خطيرة جدا من ناحية التاريخ والجغرافيا والدولة الكبرى، وجبهة خارجية - أوروبية تحمل الخطورة نفسها من الناحية الاقتصادية. علما بأن الحكومة البريطانية نفسها ليست مع بعضها البعض كما ينبغي أن تكون في مرحلة كهذه، لأسباب تتعلق بطبيعة الانسحاب من الاتحاد، وشكل المفاوضات المقبلة، وحول ما إذا كان من الضروري أن تطرح نتيجة المفاوضات على استفتاء عام، لكي يكون الأداء الديمقراطي أكثر نزاهة. بعض المؤيدين للبقاء يقولون، إن بريطانيا خرجت من الاتحاد بفعل الأكاذيب الناجحة من معسكر الخروج، ولذلك من حق الجميع المؤيدين والمعارضين أن يعطوا رأيهم في نتيجة المفاوضات وحجم الأضرار التي ستتعرض لها بريطانيا على مختلف الأصعدة. يضاف إلى التباين الحكومي الداخلي أن بعض المسؤولين ليسوا على ثقة بقدرة المفاوضين البريطانيين الذين تم اختيارهم، دون أن ننسى الفروقات بين نواب حزب المحافظين الحاكم في مجلس العموم حول هذا الأمر.
ومع كل هذا، لا يزال الباب مفتوحا لعودة بريطانيا كما هو الأمر بالنسبة لباب الخروج. ولكن الباب الأول ليس مفتوحا بما يكفي لرؤيته من بعيد، خصوصا مع وجود إشكالات كبيرة، تتعلق باحترام الديمقراطية حتى لو مورست في استفتاء الخروج الكبير على أساس سلسلة من الأكاذيب. علينا هنا القول، إنه على الرغم من وجود هذه الأكاذيب فعلا، إلا أن الذين أيدوا البقاء فشلوا في إطلاق حملة موازية تستند إلى الحقائق. كل هذا لا يهم الآن. بالنسبة لبريطانيا تسعى للخروج بأقل الأضرار الممكنة، خصوصا إذا ما عرفنا أن عدة آلاف من القوانين والإجراءات ستعود لبريطانيا ولا توجد في لندن حاضنات إدارية لها الآن. أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فقد أعلنها بقوة ودون مواربة أن على بريطانيا أن تدفع ثمن خروجها قبل خروجها ولا مجال للتفاوض في هذا الأمر. وعلى الجميع أن يعي أن أي دولة لن تحظى بمعاملة خاصة إذا ما قررت الخروج من الاتحاد.
بل صبت أوروبا جام غضبها على الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في سياق جديد لتوضيح صورة المرحلة المقبلة. فهذا الأخير شجع بريطانيا على الخروج، بل هنأها على ذلك، ما دفع قادة الاتحاد الأوروبي للطلب من ترمب الصمت، أو أنهم سيشجعون انفصالا قد يحدث في ولايتي تكساس أو أوهايو. أي أن قادة الاتحاد لا يريدون تدخلات خصوصا على مستوى الولايات المتحدة التي تنتهج ، كما هو معروف، سياسة انعزالية محلية شبه خالصة. وسواء شجع ترمب الخطوة، أم ظل صامتا، المفاوضات بشأن انسحاب بريطانيا التي أطلقت في 29 من آذار (مارس) الماضي، ستدخل التاريخ ليس من ناحية نتائجها المقبلة التي لا أحد يعرف كيف ستكون، من جهة أنها الأولى في تاريخ الاتحاد الأوروبي بعد 60 عاما على تأسيسه. ولأنها كذلك، ظهر جليا أنه حتى البلدان التي تحسب الأمور لعقود بل لقرون، لم تستطع في البداية أن تقنع نفسها بإمكانية خروج دولة عضو من الاتحاد، خصوصا بريطانيا التي حصلت في الواقع على تفضيلات لم تحصل عليها أي دولة عضو في هذا الاتحاد، ومع ذلك اختارت الانفصال.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

"نشيد" الانفصال البريطاني الجديد





"الخروج بدون اتفاق من الاتحاد الأوروبي، أفضل من إبرام اتفاق سيئ"
تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا

كتب: محمد كركوتي

هذه هي "النغمة" الآن على الساحة البريطانية "لا اتفاق أفضل من اتفاق سيئ". وهذا بالطبع يختص بالمفاوضات البريطانية ـــ الأوروبية حول خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، في أعقاب تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة التي يفترض أنها تنظم عملية خروج دولة عضو من هذا الاتحاد. باتت هذه الصيغة التي أطلقتها تيريزا ماي رئيسة الوزراء قبل أسابيع، شعارا لكل السياسيين بصرف النظر عن الأحزاب التي ينتمون إليها. وهي في الواقع، تخفف من "الآلام" التي تعيشها ماي في هذه الفترة بالذات، بينما تحضر الأدوات التي تراها مناسبة لإطلاق المفاوضات مع الأوروبيين، وسط خلافات حتى داخل الحزب الحاكم في بريطانيا، فضلا عن تباين وجهات النظر حول طبيعة الخروج وشكله وصورة العلاقات بين جانبي "المانش" لاحقا.
الأوروبيون من جانبهم، رغم الأسى الذي أظهروه بأشكال مختلفة على مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي، لن يحابوا لا بريطانيا ولا أي دولة أوروبية أخرى قد تفكر يوما في الخطوة البريطانية الانفصالية. وهذا في الواقع من حقهم، ويطبقون على لندن المثل الشعبي الشهير" دخول الحمام مش زي خروجه". يعني ستدفع بريطانيا التزاماتها المالية بصرف النظر عن حجمها "تقدر مبدئيا بـ 60 مليار يورو"، لعدة سنوات مقبلة. غير أن هذا الأمر ليس مهما فيما لو قيس، بعدم عقد أي اتفاقات تجارية أوروبية مع بريطانيا، إلى أن تُستكمل عملية مفاوضات الخروج. ما يعني أن المملكة المتحدة ستكون عالقة من دون اتفاقات تجارية أو ما شابه ذلك خلال فترة قد تصل إلى أكثر من عامين. كما أنه ليس من حق بريطانيا "حسب الأوروبيين" عقد اتفاقات اقتصادية مع أي دولة خارج نطاق الاتحاد الأوروبي إلى حين استكمال المفاوضات المشار إليها. وبعد أن وصف مسؤولون بريطانيون مسألة دفع بريطانيا أكثر من 60 مليار يورو لتسوية التزاماتها قبل الرحيل، بأنها "مسألة ابتزاز"، وصفوا قضية عدم عقد اتفاقات تجارية معها، بأنها "قضية انتقامية".
غير أن هذا النوع من التوصيفات لا يقلل من مستوى الصلابة الأوروبية في هذا المجال، خصوصا أن الأمر برمته ليس حكرا على حكومات الاتحاد الأوروبي، بل تشترك فيه مؤسسات أوروبية مختلفة يتقدمها البرلمان الأوروبي نفسه، والبنك المركزي، والوكالات المختصة بالمجالات الحيوية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية وغيرها. فعلى سبيل المثال، يرى البرلمان الأوروبي، أن الأولوية يجب أن تمنح في المفاوضات لمصير ومصالح أكثر من مليون بريطاني يعيشون في أوروبا، وأكثر من ثلاثة ملايين أوروبي يعيشون في بريطانيا. فهذه المسألة على وجه الخصوص تمس أوروبيين وبريطانيين بصورة سريعة ومباشرة. الأمور معقدة بالفعل، ولا يمكن لأي جهة التحدث عن مفاوضات سلسة، ليس بفعل المواقف المتشددة المعلنة من الجانب الأوروبي، بل من جراء عدم وضوح الرؤية حتى لدى البريطانيين أنفسهم. بنك إنجلترا المركزي "على سبيل المثال"، أعلنها صراحة، بأن تكون هناك خطة طوارئ مالية في المملكة المتحدة، وهذه الخطة لا توجد على الساحة إلى الآن.
وبالعودة إلى "نشيد" بريطانيا الحالي "لا اتفاق أفضل من اتفاق سيئ"، على رئيسة الوزراء أن تثبت لشعبها وممثليه صحة هذه النتيجة فيما لو حدث. المصيبة أن مسؤولين مقربين من تيريزا ماي يعترفون بعدم وجود تفسير واقعي لهذا الأمر، كما أنهم اعترفوا في أكثر من مناسبة بوجود بعض التخبط في التحضير للمواجهة الكبرى المتمثلة بإطلاق المفاوضات مع الأوروبيين المتحفزين للبريطانيين. لا مفر من الانسحاب أولا، وتأتي بعد ذلك الاتفاقات الثنائية بين "أشقاء" الأمس. ولا مهرب من دفع بريطانيا التكاليف الهائلة الواجبة عليها. ولا مساحة للتحرك حتى على الصعيد الخارجي ، خارج الاتحاد، قبل انتهاء المفاوضات التاريخية. أي أن المملكة المتحدة محاصرة، والأوروبيون يريدون بصورة أو بأخرى أن تكون بريطانيا عبرة لكل من تسول له نفسه من البلدان الأخرى في الاتحاد الأوروبي أن يفكر في الانفصال أو حتى يهدد به. ما يفسر تمسك الاتحاد ببريطانيا حتى الساعات الأخيرة لاستفتاء الخروج في حزيران (يونيو) الماضي.
وتمسك الأوروبيين بهذا البلد لم يكن من فرط حبهم له، بل جراء حرصهم على عدم حدوث سابقة لم يمتلك أحد في العالم أدنى فكرة على أنها ستحدث يوما. وبالتشدد الأوروبي بعد ذلك، تأتي مرحلة تخويف الأعضاء بحالة بريطانيا المستقبلية والتفاوضية. ليس واضحا مدى صحة نشيد بريطانيا "لا اتفاق أفضل من اتفاق سيئ"، أو جدواه. للوهلة الأولى لا يمكن أن تعيش المملكة المتحدة وسط هذا العدد الهائل من الدول الأوروبية من دون اتفاق خروج لا يضمن طريقة الانفصال فحسب، بل يحدد آفاق العلاقات بين الطرفين. فلم يثبت عبر التاريخ أن الحياة تكون ممتعة إذا ما كان هناك خصام دائم بين الجيران، أو تعارض مصالح بينهم، ولا تنتج مثل هذه الحالة إلا مزيدا من العداء بأشكال مختلفة.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 28 مارس، 2017


اقتصاد الإرهاب والخراب




"ترمب وضع تحت عينيه إيران كراع قيادي للإرهاب"
مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي

كتب: محمد كركوتي

كيف يمكن لعلي خامنئي أكبر قائد للإرهاب على مستوى العالم، أن يقدم رؤية اقتصادية هادئة ومتوازنة وحقيقية لبلاد؟! والأهم من هذا، كيف يمكن لمخرب أن يبني؟! ولراع لأنواع مختلفة ومبتكرة من الإرهاب والخراب، أن يتحدث عن خطة تنمية بصرف النظر عن عمقها أو قوتها أو اتساع دائرتها؟! مثل هؤلاء الأشخاص لا يمكن أن يقدموا أي مساهمة للحياة الإنسانية، بما فيها تلك الحياة التي تخص شعوبهم مباشرة. فلا غرابة في زمن الإرهاب الإيراني وتصديره إلى ما أمكن من مناطق، أن يرتفع عدد الفقراء في إيران، وأن تزيد البطالة، وأن تنخفض بصورة تسلسلية قيمة العملة الوطنية، وأن تبحث طهران عن "مواخير" مصرفية لتمرير معاملاتها، وأن يسيطر قائد الإرهاب على اقتصاد البلاد دون مساءلة أو رقابة. هذا واقع يعرفه الإيرانيون قبل الجميع، وهم أول المبتلين بداء إرهاب النظام الإيراني، الذي أثبت أنه يفضل تمويل عملية إرهابية هنا وهناك، على أن يحول هذا التمويل إلى سد رمق أولئك الذين انضموا إلى صفوف الأشد فقرا. ماذا كان يفعل هذا النظام، لتبرير الخراب الاقتصادي الذي تعيشه البلاد؟ يحمل مباشرة المسؤولية للحكومات المتعاقبة، وغالبا ما يحرص خامنئي "وقبله الخميني" على إظهار الخلاف بين القيادة الفعلية للبلاد "مرشد الثورة" وبين الرئيس أو حكومة الرئيس إذا كان هذا الأخير مقربا من المرشد. غير أن اللعبة فضحت منذ زمن، صحيح أن الحكومات لها أخطاؤها، لكن الأصح أنها لا تتحكم بالموارد ولا يمكنها أن تحاسب من المتحكم الفعلي فيها. لا بأس، يخرج خامنئي ويوجه انتقاداته (بل هجومه الشديد أحيانا) للحكومة والرئيس، دون أن يعطي أي حلول ممكنة للمشاكل التي تواجهها بلاده. في الواقع يقوم "المرشد" بتكريس الأدبيات التي قامت عليها "الثورة" وهي أن ولاية الفقيه لا تمس، وأي شيء دونها قابل للهجوم والانتقاد والعزل وغير ذلك. أقصى ما قدمه خامنئي شعار يليق بكل المناسبات المحلية، والإقليمية والعالمية ذات الصلة "الاقتصاد المقاوم". وهذا الشعار بات مثارا للسخرية السرية حتى في أوساط المسؤولين المتفتحين قليلا في طهران، ناهيك عن المعارضين والشرائح المجتمعية المعدمة في هذا البلد، فضلا عن القوميات والطوائف الأخرى التي لا تعاني مر الاقتصاد فقط، بل وحشية النظام في آن معا. أخيرا خرج علي خامنئي بـ "رؤية اقتصادية" لخصها بـ "صنع في إيران" المرشد الاقتصادي طالب بحظر بعض الواردات، وتمكين الصناعة المحلية. ومثل هذا الأمر لا يحتاج إلى "رؤية اقتصادية"، كما أنه لا يحتاج لمختصين اقتصاديين. من الطبيعي أن تمنح الأولوية للإنتاج المحلي، ليس فقط لتوفير العملة الصعبة المستخدمة للواردات، بل أيضا لتوفير فرص عمل للعاطلين المتزايدين. إلا أن الأمر لا يتم هكذا نظريا، بل يتطلب بيئة اقتصادية تتمتع بالحد الأدنى من الصحة، وأن تكون الموارد الحقيقية للبلاد على الطاولة وليس تحتها، وأن تمنح الحكومة بالفعل صلاحية صنع القرار الاقتصادي على أساس ما لديها وما تتحكم فيه. وكل هذه المعايير لا توجد على الساحة الإيرانية، وهي غائبة في الواقع منذ أكثر من ثلاثة عقود. كلام يقوله خامنئي ويمضي دون أثر حقيقي، تماما مثل كلامه عن ضرورة التخلص من تجارة التهريب التي قدر قيمتها بـ 15 مليار دولار سنويا. وهنا تكمن مشكلة أكبر من الأولى. لماذا؟ لأن عمليات التهريب التي تحدث عنها يسيطر عليها "الحرس الثوري" الذي يقوده خامنئي مباشرة. أي أن زعيم التهريب يطالب بمحاربة التهريب! من يجرؤ على ذلك من كل السلطات الموجودة في إيران؟ لا أحد! من يمكنه أن يمضي قدما في مقاومة التهريب استنادا إلى مطالبة خامنئي نفسه؟ لا أحد! رافد واحد من روافد التهريب المتعددة؟ لا أحد! كل شيء مرهون بالمرشد المهرب، ولا بأس من إطلاق شعارات لاحتواء ما يمكن من الكارثة الاقتصادية التي تعيشها البلاد. ولذلك فهو عندما تحدث عن التهريب وصنع في إيران، كان حريصا على الإعلان أن "بعض المسؤولين لا يقنعون الشعب الإيراني"! هذا عن التهريب. فماذا عن غسل الأموال والاتجار بالمخدرات والبشر، وتمويل العمليات الإرهابية في كل مكان تمكن إيران من الوصول إليه؟ لا شيء بالطبع. فالمرشد مهتم بجريمة واحدة، عله يستطيع التغطية على بقية الجرائم التي لا تنال من الإيرانيين فحسب، بل من كل الشعوب التي وقعت بصورة أو بأخرى تحت الآلة الإجرامية الإيرانية هنا وهناك. ستنتهي حكومة حسن روحاني، ويأتي خامنئي بواحدة غيرها. دعك من الانتخابات التي تجري عادة في البلاد، ويعرف المرشد نتيجتها حتى قبل معرفة شخصياتها. إيران ليست بلدا يمكن أن تطبق فيه أي معايير اقتصادية بدائية كانت أم معقدة. إنه بلد منتج ومصدر للإرهاب، ونظام يؤمن حرفيا بأن "المهدي المنتظر" الخاص به، لن يأتي إلا بقتل ما أمكن من شعوب لم تنظر يوما لإيران على أنها من الأعداء. ناهيك عن الخراب المحلي الذي يتجلى في أرقام لا نقاش فيها.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 21 مارس، 2017


مرحلة تجارية عالمية صعبة



"لست انعزاليا ولكنني نصير للتجارة الحرة"
دونالد ترمب رئيس الولايات المتحدة

كتب: محمد كركوتي

ليس مهما مسألة عدم مصافحة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لمستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل. في الواقع صافحها عند استقبالها على مدخل البيت الأبيض، وهذا من الناحية البروتوكولية يكفي. وليس مهما أيضا استحواذ هذا الحدث على وسائل الإعلام والتواصل الغربية، هو في النهاية حدث مثير، لكن لا قيمة له. أما المسألة التي تخص ألمانيا والعالم، وترتبط مباشرة بالولايات المتحدة، فهي التجارة العالمية وآفاقها، بل لنقل "التجارة العالمية ومستقبلها" في ظل المتغيرات التاريخية الهائلة بالفعل، ولا سيما في أعقاب وصول ترمب إلى السلطة في البيت الأبيض. إلى جانب طبعا تبعات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتحول الشعبوي المخيف في غير بلد غربي يفترض أنه يتمتع بحد معقول من الرشد.
ستمضي مسألة المصافحة من عدمها بسرعة، لكن الذي سيبقى الآن هو الخلاف الخطير الذي ظهر بصورة واضحة على صعيد اجتماعات وزراء المالية في مجموعة العشرين في ألمانيا، الذي برز بالطبع في البيان الختامي لهذا التجمع المهم، الذي أخذ زمام المبادرة على الساحة الدولية في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية. ببساطة هذا الاجتماع فشل في إعادة تأكيد التزام "أطراف العشرين" بالتجارة الحرة. وهذا الالتزام بات تقليدا معروفا منذ أن أطلقت هذه المجموعة. بمعنى، أن التجارة الحرة تعتبر عماد مجموعة العشرين، التي بدورها تتحرك على بقية الساحة العالمية لتكريسها وتمكينها لتوسيع نطاقها، وضم مزيد من البلدان إلى نطاق "الدائرة" التجارية العالمية الحرة. إنها (أي التجارة الحرة) رمز للتعاون الدولي، والتنمية العالمية المستدامة بصرف النظر عن الجهات المنغمسة فيها.
هذه المرة لم يصدر وزراء مالية مجموعة العشرين بيانا متجانسا ومتناغما ومتفاهما حول القضايا الرئيسة على الأقل، لماذا؟ لأن تأثير الموقف الأمريكي الجديد حيال مفهوم التجارة العالمية كان سائدا على أروقة هذه الاجتماعات، بصرف النظر عن التصريحات الإيجابية التي أطلقها ترمب خلال لقائه بميركل، أو تصريحات وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين التي تكتسب الإيجابية نفسها. قال الأول، إنه ليس عدوا للتجارة الحرة بل نصير لها. بينما قال الثاني "نؤيد التجارة الحرة شريطة أن تكون نزيهة ومتوازنة". وهذا المستوى من الخطاب لم يتخلف عنه أي مسؤول في إدارة ترمب، على الرغم من توقع مراقبين أن تظهر اختلافات ضمن هذه الإدارة، مستندين إلى حقيقة أن بعض السياسات التي تتخذها لا يمكن أن تلقى إجماعا مقبولا عليها حتى ضمن التيار السياسي الواحد. وهذا يفسر في الواقع التباين الواسع في رؤية الحزب الجمهوري للأشياء ورؤية ترمب لها.
على كل حال، لا متمردون في إدارة الرئيس الأمريكي على الأقل في الوقت الراهن، وهم واضحون كرئيسهم، لا بد من إعادة النظر في المعاهدات والاتفاقيات التجارية ـــ الاقتصادية العالمية، ليس لتعزيز الحمائية، بل لتكريس النزاهة في هذا المجال. غير أن واقع الحال ليس كذلك على الإطلاق، لأن سعي ترمب إلى فرض رسوم جمركية على الواردات تحت اسم "ضريبة حدود تصحيحية" تقارب 20 في المائة، يتعارض مع المواقف والعبارات الأمريكية المرنة التي أطلقت قبل اجتماعات وزراء مالية العشرين في ألمانيا. ناهيك طبعا عن الخلافات الكبرى الحقيقية في المفهوم العالمي البيئي، ومفهوم دونالد ترمب، الذي لا يرى أي أضرار بشرية على البيئة العالمية، ما أسقط أيضا ثابتا من ثوابت المجموعة في الاجتماع المشار إليه.
وربما الموقف الأمريكي الراهن من ألمانيا يلخص المشهد العام للحراك الاقتصادي العالمي المقبل، أو يعطي مؤشرات سلبية مستقبلية لهذا الحراك. وتكفي الإشارة هنا إلى إعلان ترمب بوضوح أن على برلين أن تدفع أموالا أكثر ضمن نطاق حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وكذلك الأمر بالنسبة لبقية الدول الأعضاء في هذا الحلف. وهو يقول هذا الكلام بعد أن توقف عن الهجوم على ألمانيا من ناحية "اليورو" الضعيف ـــ حسب اعتقاده ــــ الذي يؤثر سلبا في الصادرات الأمريكية. ألمانيا لم تواصل الصمت طويلا، وإن كانت تحاول حل المشكلات ضمن أضيق نطاق إعلامي ممكن. الأمر على ما يبدو لا يحتمل صمتا دبلوماسيا، ولهذا السلب أطلقت بريجيت تسيبريس وزيرة الاقتصاد تهديدا برفع شكوى أمام منظمة التجارة العالمية ضد الولايات المتحدة، في حال قررت هذه الأخيرة فرض ضرائب على الواردات.
لكن مهلا، هل ينظر الرئيس الأمريكي أساسا بأي شيء من القيمة لمنظمة التجارة العالمية؟ الجواب بالتأكيد هو لا كبيرة، لأنه بدأ الهجوم على هذه المنظمة منذ سنوات، أي قبل أن يفكر حتى في الترشح للرئاسة. وهو يعتقد أن القوانين الخاصة بها غير عادلة بالنسبة لبلاده. لكن الواضح أن كل الاتفاقيات التي وقعتها واشنطن طوال العقود الماضية لا تروق لترمب ولا لكل أركان إدارته. بدليل أنه يريد التفاوض على اتفاقية "نافتا" لشمال القارة الأمريكية. وكذلك الأمر بالنسبة لاتفاقيات ثنائية مع المكسيك وكندا وغيرهما من البلدان الأوروبية، بما فيها تلك التي تدخل ضمن إطار الحلفاء! إنها مرحلة تجارية عالمية صعبة، بمخاطر عديدة ومؤشرات سلبية.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 14 مارس، 2017

الإجراءات المنكوبة للأموال المنهوبة



"الفساد هو الهلاك الأكبر لنا"
أوليسجون أوباسنجو - الرئيس النيجيري السابق


كتب: محمد كركوتي

يبدو أن دور الأمم المتحدة في استرداد الأموال المنهوبة من الشعوب، مثل دورها في صناعة القرار العالمي، أي بلا قيمة عملية. وقد تكون الأموال التي صرفتها المنظمة الدولية على الاجتماعات الخاصة ببحث كيفية استرداد ما تم نهبه من الشعوب على مدى عقود، أكثر جدوى بالتبرع بها إلى منظمات الأمم المتحدة نفسها، ولا سيما تلك التي تعنى بمسائل الغوث والمعونات والمساعدات في زمن الطوارئ. لماذا؟ لأن هذه الاجتماعات، على الرغم من ضمها لمختصين من كل أنحاء العالم، لم توفر أي دفعة على صعيد العمل في مجال استرداد الأموال، خصوصا تلك التي تعود لشعوب أنهكها الفساد على مدى سنوات طويلة، وتم امتصاص ثرواتها ومقدراتها بأقذر الوسائل الممكنة وغير الممكنة. وبهذه الصورة، تضيف الأمم المتحدة فشلا جديدا لها، في ظل فشلها على أكثر من صعيد لأسباب معروفة للجميع. الواضح أيضا، أن الدول التي تتجمع فيها الأموال المنهوبة من الشعوب، ليست متعاونة بما يكفي سواء مع المسؤولين في الأمم المتحدة، أو الجهات المعنية مباشرة بهذه السرقات. وفي أحسن أحوال التعاون، تقوم حكومات هذه الدول بترك القضايا للإجراءات القضائية التي تستغرق سنوات بل عقودا لكي تتم أو تتوصل إلى نتيجة ما. في حين أن مثل هذه القضايا لا تتطلب الخضوع للإجراءات القضائية المعمول بها على مستوى الأفراد، لأن الأموال المستهدفة تخص شعوبا ثبت عمليا أنها سُرقت ونُهبت بأشكال مختلفة، من جهات كانت تمتلك السلطة والنفوذ والحكم على مدى سنوات. دون أن ننسى، أن الاعتراف بالحكومات الجديدة "النظيفة" على المستوى الدولي، لا يوفر دعما واقعيا للمطالبات بالأموال المنهوبة! كل عام تظهر التقديرات الخاصة بحجم الأموال المنهوبة من الشعوب، وهي كبيرة إذا ما أخذنا الحد الأدنى منها. وأسهمت الملاذات الضريبية والمالية الآمنة في أسوأ عملية تغطية عن أموال مسروقة من أصحابها. وعلى الرغم من الخطوات التي اتخذت ضد هذه الملاذات في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، إلا أنها ما زالت قاصرة عن فتح الملفات المالية للأفراد والجهات التي تخص الأموال فيها. وإذا كانت سويسرا تمثل بؤرة تاريخية للأموال المنهوبة، إلا أنها تبقى واحدة فقط من عشرات البلدان أو المناطق التي تستوعب هذه الأموال وتوفر لها الحماية، ليس فقط من أصحابها الحقيقيين، بل من الحكومات الغربية التي اعترفت أخيرا بأن الملاذات الآمنة، تعمل ضد الجميع، وأن حريتها وسريتها المالية أسهمت في فقدان مئات المليارات من الضرائب والرسوم إضافة طبعا إلى الأموال المنهوبة. لا شك أن حجم الأموال المنهوبة هائل، والممتلكات التي تم شراؤها من هذه الأموال كبيرة ومتعددة وموجودة في أغلبية البلدان، بما فيها بلدان تحارب الملاذات الآمنة كبريطانيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها. ليس المقصود هنا التقليل من حراك الأمم المتحدة في هذا الاتجاه، ولكن كان على المنظمة الدولية أن تتخذ موقفا أكثر وضوحا حيال عدم تعاون بعض البلدان في مسألة الأموال المنهوبة، أو تلكؤ البعض الآخر في هذا السياق. وكان بإمكان الأمم المتحدة أن تستند إلى الحملة الكبيرة والسريعة التي شنتها البلدان الكبرى في السنوات الماضية ضد الملاذات الضريبية ــــ المالية الآمنة. وفي الواقع، أن المشاركين أنفسهم في اجتماعات الأمم المتحدة بهذا الخصوص يعترفون علنا بعدم تحقيق أي خطوة في هذا المجال. وإذا لم تتقدم البلدان الكبرى بهذا الخصوص، فإن مسألة الأموال المنهوبة ستبقى مراوحة مكانها إلى عقود أخرى مقبلة. لم تعد تشريعات الأمم المتحدة مهمة في قضية ينبغي أن تكون متفاعلة بسرعة وبوتيرة إجرائية عالية النشاط. علما أن حجز أموال أشخاص أو جهات لأسباب سياسية يمثل الخطوة الأولى على صعيد حصر الأموال المنهوبة، لكن في أغلب الأحيان تبقى الأموال محجوزة لسنوات طويلة جدا. والمسألة ، على الرغم من تعقيداتها، تتسم بالبساطة، كيف؟ إذا تم نزع الشرعية الدولية ، مثلا، عن هذا النظام أو ذاك، أليس هذا كافيا لأن ينزع الشرعية مباشرة عن أصول وممتلكات وأموال هذا النظام سواء على شكل جهات أو أفراد؟ وعندما يصل الأمر إلى هذه المرحلة، فإن الإجراءات القانونية لن تكون معقدة أو بطيئة. الرغبة والإرادة لدى البلدان المؤثرة كفيلتان بأن تحسما موضوع الأموال المنهوبة من الشعوب بصورة سريعة، وبقالب قانوني شرعي لا غبار عليه على الإطلاق، خصوصا أن الأصحاب الحقيقيين لهذه الأموال في أمس الحاجة إليها الآن، ولا سيما في أعقاب التحول من مرحلة إلى أخرى، بل من عصر إلى آخر. إن الأموال المنهوبة ستظل هكذا حتى تتغير "الذهنية" العالمية تجاه أمر لا يختص فقط بحقوق كانت مسلوبة ومقدرات نهبت، بل بكرامة تمت استعادتها، مع التأكيد هنا أن بعض هذه الشعوب يمكنها النهوض الاقتصادي بصورة أفضل فيما لو استعادت أموالها حقا.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 7 مارس، 2017

بريطانيا بين «انفصالين»



"رسالتي بسيطة. الاتحاد الأوروبي ليس مثاليا، لكن مصلحة اسكتلندا أن تكون عضوا فيه"
نيكولا ستيرجن - رئيسة وزراء الحكومة المحلية في اسكتلندا


كتب: محمد كركوتي

لم يتأخر التلاسن، ومعه المناكفة، بين تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا ونظيرتها الاسكتلندية نيكولا ستيرجن. كان مؤكدا الحصول، بصرف النظر عن الأيام القليلة الأولى من عهد ماي، التي شهدت تجاذبات دبلوماسية بلغة هادئة جدا. وهذا مفهوم، لأن المسؤولة الاسكتلندية رغبت في منح المسؤولة البريطانية وقتا للملمة الأشلاء الناجمة عن تصويت البريطانيين الصادم لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي. الصدمة كانت بالفعل كبيرة على بريطانيا كلها. وانسحاب رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون من الساحة، أربك المشهد السياسي العام، سواء على ساحة حزب المحافظين الحاكم، أو الأقاليم البريطانية، أو في ميدان مجلس العموم نفسه. بصرف النظر عن الجانب الديمقراطي والأخلاقي لانسحاب كاميرون هذا. فالرجل كان صادقا، لماذا؟ لأنه لا يستطيع أن يقود المفاوضات لانسحاب بلاده من الاتحاد، بينما هو شخصيا يؤيد بقوة بقاءها فيه.
عرفت تيريزا ماي منذ يومها الأول في الحكم، أن عليها الاطمئنان على وضعية الاتحاد، ليس الأوروبي بالطبع، بل البريطاني. فهذا الاتحاد ليس قويا بما يكفي للصمود في وجه عاصفة الخروج من الاتحاد الأوروبي "بريكست". في الواقع، ألهبت نتيجة الاستفتاء الشعور القومي ــــ المحلي في اسكتلندا، كما حصل في إيرلندا الشمالية. لا نتحدث هنا عن ويلز، هذا الإقليم المندمج أكثر الأقاليم مع الجسم البريطاني. وظهر هذا واضحا من تصويت أغلبية الويلزيين لمصلحة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، رغم أن ذلك شكل بالفعل مفاجأة لكل المتابعين. المهم الآن الإقليم الشمالي اسكتلندا، التي صمتت بعض الوقت، لكنها لم تستطع الاستمرار في ذلك لمدة أطول. لا يهم الآن وضعية تيريزا ماي وحكومتها ونواب مجلس العموم، المهم أن الاسكتلنديين صوتوا لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي، ولأن الانسحاب سيتم بالفعل، فهم لا يستطيعون الاستمرار في الاتحاد البريطاني.
عند هذه النقطة وصلت المملكة المتحدة إلى وضعية ما بين انفصالين، واحد من خارج حدودها والآخر من قلب أراضيها. صحيح أنه تم الاتفاق الضمني على أن نتيجة الاستفتاء الذي جرى في اسكتلندا حول انفصالها عن بريطانيا، وصوت الاسكتلنديون لمصلحة البقاء ستكون النتيجة نهائية، أي ألا يأتي حزب أو سياسي في هذا الإقليم ليطرح المسألة من جديد، على الأقل في غضون العقدين المقبلين، لكن الصحيح أيضا، أن الذين صوتوا للبقاء في بريطانيا صوتوا أيضا للبقاء في الاتحاد الأوروبي. وهنا ينتهي، عند الاسكتلنديين، الاتفاق الضمني. كيف يمكنهم القبول بما رفضه الشعب؟! ألم ترضخ تيريزا ماي لرغبة الشعب البريطاني بالخروج من الاتحاد الأوروبي، وفق القواعد والأعراف والأخلاقيات الديمقراطية؟ عليها إذن القبول برغبة الاسكتلنديين أيضا. إنها الصيغة الأكثر عدلا في حالة هي الأكثر اضطربا وفوضى على الساحة البريطانية كلها.
غير أن رئيسة الوزراء البريطانية تصارع ذلك بكل ما لديها من قوة، وهنا انتقلت التجاذبات السياسية من حالة دبلوماسية مفهومة إلى تلاسن مفهوم أيضا. خصوصا بعد أن رفضت المطالبة بتصويت نواب اسكتلندا حتى على الاتفاق الذي ستتوصل إليه مع المفوضية الأوروبية، بعد عامين على الأغلب من الآن. وهنا يمكن أيضا فهم ما قالته نيكولا ستيرجن أخيرا، بأن الوقت ينفد أمام لندن لتغيير المسار. وتسلحت هذه الأخيرة بالحقيقة الواضحة، وهي أنه من حق الاسكتلنديين إجراء استفتاء جديد لتحديد البقاء ضمن الاتحاد البريطاني أو الخروج منه، في أعقاب انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. التزمت ماي الصمت قليلا لكنها ما لبثت أن أظهرت موقفها الواضح أيضا، "لا استفتاء للانفصال"، ولا حتى استشارة ممثلي الاسكتلنديين في فحوى اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي.
أمام هذا الواقع، لن تكون هناك مساحة كبيرة للحوار بين رئيستي وزراء، الأولى "البريطانية" مضطربة سياسيا بما يكفي للصداع الدائم في عمق رأسها، الثانية "الاسكتلندية" التي تدغدغها مشاعر القومية الجلية. يضاف إلى ذلك، أن تصاعد الخلاف بين الطرفين، سيضعف كثيرا الموقف التفاوضي البريطاني مع الأوروبيين، الذين كانوا أكثر صراحة بالإعلان رسميا أن انفصالا سهلا لن يحدث لبريطانيا كما يتمنى المسؤولون في المملكة المتحدة. انفصال صعب على الساحة الأوروبية، وانفصال ممكن على الساحة الداخلية، هذا هو الوضع الراهن. ومن الصعوبة العثور على من يمكنه أن يحسد تيريزا ماي على وضعها. وإذا كان ديفيد كاميرون قد دخل التاريخ كرئيس وزراء أخرج بلاده من الاتحاد الأوروبي، فخليفته ماي ستدخل التاريخ أيضا، كمنفذ لعملية الخروج، مع إضافة أخرى في سجلها قد تكون انفراط حلقة من سلسلة المملكة المتحدة، دون أن ننسى أن القابعين في إيرلندا الشمالية ليسوا أقل قومية من الذين يسكنون في الشمال البريطاني.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 28 فبراير، 2017



«طلاق» مكلف .. فراق قاس

القطعة البريطانية تنفصل

"بريطانيا تحتاج إلى أعوام للتفاوض حول اتفاق تجاري مستقبلي مع الاتحاد الأوروبي"
جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية


كتب: محمد كركوتي

حسناً، لن ينجح رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في محاولاته لطرح صيغة أو حل أو وسيلة تمنع بريطانيا من استكمال إجراءات الانفصال ـــ الطلاق عن الاتحاد الأوروبي. والحق أن تمسكه بضرورة بقاء بلاده ضمن هذا الاتحاد، يعتبر أصدق مبادرة قام بها بلير يوما! وفي النهاية لم يعد توني بلير مهما لا على الساحة المحلية ولا الأوروبية ولا العالمية، رغم أنه رصد مبالغ شخصية كبيرة من الجنيهات الاسترلينية، لدعم حملة بقاء غير معلنة لكنها نشطت في الأسابيع القليلة الماضية. المهم الآن، بدأ الحديث يتركز على تكاليف الانفصال سواء بالنسبة لبريطانيا أو للاتحاد الأوروبي نفسه، علما بأن التكاليف على الجانب البريطاني لن تكون سهلة ولا قليلة، سواء من الناحية المعنوية أو المادية، كما يوضحه المسؤولون الأوروبيون.

بلير وغيره من المؤيدين للبقاء، يلعبون على هذه النقطة، على اعتبار أن الناخب البريطاني الذي صوت لمصلحة الخروج، لم يكن يعرف حقيقة الخسائر التي ستتكبدها بلاده (وبالتالي هو) جراء الانفصال. باختصار، يتمنى البعض أن يتم طرح الاتفاق الذي ستتوصل إليه حكومة تريزا ماي على استفتاء عام آخر، معتقدين أن الناخب سيغير رأيه عندما يجد الحقيقة رسميا مطبوعة على الورق وضمن جداول محددة. وهي حقيقة ستبرز الخسائر أكثر من الفوائد، والتعثر في العلاقات أكثر من السلاسة فيها. حقائق ستحول حليف اليوم، إلى مجرد جار الغد الذي يستحق بعض الريبة إن لم تكن كلها، دون أن ننسى، أن المسؤولين في الاتحاد الأوروبي لم يُظهروا أدنى مرونة في مفاوضات الخروج المزمعة، ليس كراهية للقرار البريطاني، بل تخويفا للدول الأوروبية الأخرى التي قد تفكر في الخروج على الطريقة البريطانية.
لن يكون الطلاق سلسا، بل المتوقع أن يكون عاصفا، لأن الدفاع عن المصالح في مرحلة الانفصال عادة ما يكون عنيفا. والأوروبيون بدأوا بالفعل بتحذيرات تهديدية ـــ إن جاز القول ــــ من مغبة قيام لندن بأي مفاوضات تجارية خارج نطاق الاتحاد الأوروبي، ما لم تخرج تماما من هذا الاتحاد. في الواقع، أن بريطانيا نفسها لا يمكنها أن تبدأ مفاوضات تجارية حتى مع الاتحاد الأوروبي قبل أن تستكمل إجراءات الخروج تماما. أي أن المفاوضات التي ستنطلق بعد تفعيل المادة 50 من معاهدة الوحدة الأوروبية لا تختص باتفاقات جديدة، بل بشكل وتكاليف وطبيعة الخروج من الاتحاد فقط، أما بقية الاتفاقات الممكنة البريطانية ـــ الأوروبية، فإنها تحتاج إلى مفاوضات أخرى جديدة، يتم التعاطي فيها مع المملكة المتحدة كجهة غريبة تماما.
وإذا كان البريطانيون الذين ينتظرون خروج بلادهم من الاتحاد بفارغ الصبر، يضحكون على أولئك المحبين لأوروبا، إلا أنهم سيواجهون الحقائق المرة لاحقا. لماذا؟ لأن الاتحاد الأوروبي يخطط لإلزام بريطانيا بدفع أموال مشاريع الاتحاد لمدة أربع سنوات بعد توقيعها على الاتفاق النهائي في عام 2019. ولدى المفوضية الأوروبية ما يمكن أن تستند إليه في هذا المجال. وفيما قدر المسؤولون في المفوضية الأوروبية التكاليف التي ستدفعها بريطانيا للخروج بـ 60 مليار يورو. هل لبريطانيا أصول في أوروبا؟ بكل تأكيد لها أصول كبيرة، قدرت بنحو 150 مليار يورو، كحسابات نقدية وعقارات ومشاريع دخلت بريطانيا فيها من المرجح أنها لن تكتمل. غير أن استرداد هذه الأصول لن يكون بالأمر السهل، نظرا لوجود كثير من الثغرات التي ستستغلها المفوضية الأوروبية في مفاوضاتها مع المسؤولين البريطانيين.
وفي كل الأحوال لن يكون "الطلاق" البريطاني ـــ الأوروبي سهلا، ولا أقل تكلفة، ولا حتى وديا. سيكون طلاقا صعبا، لقطع الطريق أمام أي محاولة مشابهة في المستقبل من أي بلد أوروبي ضمن الاتحاد. قد يكون توني بلير بالفعل على حق، بأن الناخب البريطاني الذي صوت لمصلحة الخروج لم يكن يعرف الحقيقة كاملة. وإذا كانت رئيسة الوزراء ماي متمسكة بديمقراطية استفتاء الخروج، عليها أن تكون أكثر ديمقراطية بطرح الاتفاق المستقبلي للاستفتاء أيضا. لأن النسبة الأكبر التي صوتت للخروج كانت تعرف أن بريطانيا تدفع ما يقرب من 250 مليون جنيه استرليني أسبوعيا للمفوضية الأوروبية، لكن هذه النسبة لم تكن تعرف الفوائد التي تجنيها بلادهم من الاتحاد، حتى في ظل حرية الحركة ضمن حدود الاتحاد الأوروبي، التي يرفضها البريطانيون الانفصاليون.
التسويق لبعض العواصم الأوروبية بدأ بالفعل كبديل مالي عن لندن، وهذا من الخسائر الفادحة على المدى البعيد، ناهيك عن خسارة سهولة الوصول إلى السوق الأوروبية التي تضم ما لا يقل عن 300 مليون مستهلك، والإعفاءات الجمركية التي تتمتع بها المؤسسات البريطانية كبقية المؤسسات الأوروبية الأخرى. ناهيك عن ضراوة المفاوضات التجارية ما بعد مفاوضات الخروج، التي لن تكون أقل عنفا. إن تبعات الاستفتاء البريطاني الانفصالي، لن تنتهي حتى بالخروج بصرف النظر عن طبيعته، وستظل على الساحة لسنوات طويلة، بكل تأثيراتها الكبرى والصغرى.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 21 فبراير، 2017



ما بين حلفاء جدد وحلفاء متخاصمين



"التحالف مع الأقوياء ليس آمنا"
أفلاطون، فيلسوف إغريقي راحل


كتب: محمد كركوتي
بينما لا يزل الغرب في حالة ارتباك من وصول دونالد ترمب إلى السلطة في الولايات المتحدة، لأسباب باتت معروفة للجميع، في مقدمتها، أن أولويات واشنطن تغيرت أو في طريقها إلى التغيير، وبعض الاضطرابات السياسية في الغرب نفسه، كان طبيعيا أن يدعو وزير خارجية روسيا لافروف إلى أهمية إنشاء نظام عالمي جديد! وكأن النظام العالمي الراهن قديم جدا، ولا يعود إلى أقل من عقدين من الزمن فقط. أما لماذا كانت دعوة لافروف طبيعية، فلأن روسيا لا تزال تعيش حالة "الانفراد" على الساحة الدولية، ليس من فرط قوتها، بل من تقاعس الغرب، بقيادة الولايات المتحدة نفسها عندما كانت في ظل إدارة باراك أوباما. الآن، أعلن ترمب بوضوح أن التحالفات العميقة والعتيقة لا تأتي في المرتبة الأولى، بل ربما هي في مراتب بعيدة عنها كثيرا.
من الواضح أن الغرب "بقيادة الاتحاد الأوروبي هذه المرة"، لم يكن مهيأ لأي تحولات بمستوى تلك التي تعتزم الإدارة الأمريكية الجديدة اعتمادها. وهذه نقطة ضعف أخرى، تؤكد أن هذه الكتلة الهائلة من البلدان والبشر، تفتقر في الواقع إلى "استراتيجية طوارئ" لمواجهة المتغيرات السياسية بل الاقتصادية أيضا، واعتمدت دائما على بدهيات العلاقة مع الولايات المتحدة، من خلال مفهوم ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي يستند إلى أن أمن الغرب من أمن الولايات المتحدة وبالعكس. كانت الكتلة الأوروبية "مخدرة" مشلولة القوى، في رحلة أوباما في الحكم، ولا تكفي أزمة ديون اليونان (مثلا)، ولا حتى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لتبرير هذا "الخدر" وذاك "الشلل".  والغريب أن الحكومات كانت مقتنعة بأن تحالفات الأمس لا يمكن أن تمس اليوم! إنها قناعة بائسة في زمن المتغيرات.

أمام هذا الواقع، اندفعت أوروبا إلى تقليل الأضرار المتوقعة من أي سياسة حمائية محلية قد تتبعها الولايات المتحدة في السنوات الأربع المقبلة على الأقل. فما يجري على الساحة العالمية حقيقي بالفعل، وليس مجرد بالونات سياسية، أو شعارات فارغة، أو مناورات إعلامية لا قيمة لها. ومن هنا يمكن فهم إقدام الاتحاد الأوروبي على اختصار الزمن لعقد قمة بينه وبين الصين، هذا البلد الموجود حاليا على رأس قائمة البلدان المستهدفة من قبل إدارة ترمب اقتصاديا. ماذا يريد الاتحاد من الصين؟ يريد ببساطة تسخير دعمها العلني. كيف لا والقيادة الصينية لم توفر مناسبة إلا أكدت فيها أنها تريد "أوروبا قوية". هذا الخطاب الصيني ظهر في الواقع، حتى قبل أن تطفو على السطح حقيقة سياسات ترمب المزمعة.
 أوروبا تتجه إلى إنشاء تحالف ما مع الصين في وجه التوجهات الأمريكية، وأيضا ضد الأمنيات والغايات الروسية. فهي تعلم أن الصين كقوة اقتصادية بوزنها السياسي الدولي يمكن أن تعدل الكفة إذا أنتجت سياسات ترمب ما لا تحمد عقباه، دون أن ننسى، أن أوروبا نفسها "تستصغر" حالها، لأن ما تملكه "حتى في ظل وضعها السياسي الإقليمي الراهن"، يمكن أن يوجد التوازن المطلوب. وضعفها الراهن ليس من خارجها بل من داخلها، شعبوية متنامية، حكومات مهزوزة، افتقارها إلى قيادات سياسية فاعلة، كتلك التي مرت عليها في أعقاب الحرب العالمية الثانية. كل هذه عوامل تسهم في الاضطراب الأوروبي، لكنها لا تلغي حقيقة قوة هذه القارة اقتصاديا وسياسيا، على الرغم من كل المؤثرات السلبية الراهنة.
لا شك أن رفع مستوى التعاون بين الاتحاد الأوروبي والصين، يسهم في توازن المشهد العام، خصوصا أن ترمب نفسه استهدف بلدا كالصين وبعده مباشرة استهدف ألمانيا بمواقف اقتصادية مخيفة، في مقدمتها الاتهامات بخفض قيمة عملتي البلدين. ناهيك عن مطالباته التي لم تتوقف منذ يوم القسم، بضرورة رفع المساهمة المالية الأوروبية في حلف شمال الأطلسي (الناتو). الاندفاع الكندي الواضح والصريح  يسهم أيضا في الرد على ترمب، فرئيس وزراء هذا البلد أعلن صراحة، بعد ساعات من انتهاء زيارته لواشنطن، أن "على كندا والاتحاد الأوروبي قيادة الاقتصاد العالمي". ففي محادثته مع ترمب، لم يجد بارقة أمل واحدة لتغيير في المفهوم "الترمبي" للعلاقات الاقتصادية الدولية، خصوصا بين بلاده وحلفائها.
نحن نعيش تحولات دراماتيكية حقيقية، ليس فقط بسبب السياسات الأمريكية الجديدة، ولكن أيضا من جهة اتجاه التحالفات التي قيل يوما إن شيئا لا يمكنه النيل منها. ستكون هناك مواقف روسية مهللة لهذه التحولات، لأن الصين نفسها وجدت أنها أقرب "بمفاهيمها الحالية المتجددة" إلى الاتحاد الأوروبي منها إلى موسكو. دون أن ننسى، أن هذه الأخيرة لا تمتلك في الواقع استراتيجية واضحة يمكن الاستناد إليها، وهي تقوم بما يمكن وصفه بـ "الصيد غير المناسب، في الأوقات المناسبة"! الأشهر القليلة المقبلة، ستشهد متغيرات حقيقية، كانت حتى وقت قريب جدا، بعيدة عن أي احتمالات. 

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 14 فبراير، 2017

اقتصاد «الحرس الثوري»




"إرهاب نظام ولاية الفقيه أكبر من إرهاب تنظيم داعش"
العلامة الشيعي - محمد الحسيني أمين المجلس الإسلامي في لبنان


كتب: محمد كركوتي

لم يكن اعتراف محسن رضائي سكرتير مجلس تشخيص مصلحة النظام مفاجئا. الرجل (وفي خطوة نادرة بين مسؤولي إيران)، كان صادقا عندما أكد فشل بلاده اقتصاديا، فيما لو قورنت ببلدان كالسعودية وتركيا والولايات المتحدة وغيرها. وكان صادقا أكثر دون مواربة "إن إيران بعد الثورة تطورت من الناحية الأمنية، لكنها فشلت وتخلفت من الناحية الاقتصادية". بالطبع هذا الكلام ليس جديدا من حيث الواقع المعيش، الجديد أن مسؤولا بهذا المستوى يعترف به علانية ورسميا، بعيدا عن أي مخاوف (وربما تهديدات) قد يتعرض لها من جانب العصابات المعلنة والسرية التابعة لعلي خامنئي، الرئيس الحقيقي الفعلي للنظام الإيراني. وكما هو معروف، فإن أكبر الانتقادات في إيران هي تلك التي توجه لحكومة سابقة، أو حتى رئيس سابق، وليس لنظام يؤمن بأنه لا يرتكب الأخطاء، وأنه منزه عنها. إنه نظام ما يسمى بـ"ولاية الفقيه"، الذي مأسس خرابا وطنيا يحتفل به!
ليس مهما مصير رضائي بعد هذا الموقف النادر حقا. قد لا يتعرض لأي شيء، أو ربما سيستهدف بأشكال متفاوتة ألفها الشارع الإيراني مع السياسيين "غير المنضبطين" في البلاد. المهم، أن ما قاله كان صحيحا من الناحية العملية، وعبر الأرقام حتى الرسمية منها، رغم الشكوك الدائمة التي تحوم حول هذه الأخيرة. لا استراتيجية حقيقية على الصعيد الاقتصادي في البلاد، وبالتالي تجد أنه حتى في ظل الاستفادة الواضحة لهذا البلد من رفع بعض العقوبات الغربية عنه بفعل الاتفاق النووي، فإن انعكاساتها لم تظهر بأي صورة على المشهد الاقتصادي العام. الحاصل المؤكد، أن أولوية نظام الملالي تبقى تمويل استراتيجية الإرهاب والإجرام والتدخلات هنا وهناك، وترك التنمية الاقتصادية الوطنية على الهامش.
الناتج المحلي الإجمالي، والنفط، واحتياطيات العملة الأجنبية، وقيمة العملة الوطنية نفسها، والتضخم، والبطالة، والإنتاج الصناعي، وحركة التجارة والفقر، وغير ذلك من مكونات المشهد الاقتصادي الإيراني معروفة للجميع، كلها انتقلت من سيئ إلى أسوأ، حتى بعد الانفراج المالي لهذا البلد عبر الإفراج عن نسبة من الأرصدة التي كانت مجمدة في الخارج، والعوائد النفطية الجديدة، وحصول بعض الحراك الاستثماري الأجنبي المتردد. والمشكلة الرئيسة هنا، لا تتعلق فقط بالفوضى الاقتصادية المحلية، وغياب الاستراتيجية الملائمة للانطلاق من جديد، ولا بالفساد المتعاظم على مختلف المستويات، بل ترتبط مباشرة بما أصبح يعرف في البلاد بأنه لا يوجد في الواقع "اقتصاد إيران" بل "اقتصاد الحرس الثوري"! وهذا التوصيف كاف لإسكات الأفواه التي تفكر في الحديث عن الوضع الاقتصادي حتى بألطف العبارات الممكنة. من يجرؤ حتى على لوم "الحرس"؟ فكيف الحال بانتقاداته؟!
الحرس الثوري الإيراني الإرهابي، زاد من أزمات إيران الاقتصادية تفاقما، ليس فقط لأنه يسيطر على قرابة نصف الاقتصاد الوطني (وربما أكثر)، بل لأن اسمه بحد ذاته يشكل تهديدا للاقتصاد ككل. لماذا؟ لأن كثيرا من المؤسسات الاستثمارية القادرة على التمويل، وكذلك المصارف العالمية الكبرى، تخشى خوض غمار الاستثمارات والعمل في إيران لسببين. الأول عدم وجود حدود لسيطرة "اقتصاد الحرس الثوري" على "اقتصاد إيران الوطني"، والخوف الباقي من العقوبات الأمريكية التي قد تتعرض لها هذه الجهات، رغم كل التطمينات التي أطلقتها واشنطن في أواخر أيام باراك أوباما، بل والتطمينات من جانب إدارة دونالد ترمب، بأن الجهات الغربية غير المخالفة لن تتعرض لأي ملاحقة أو غرامات أو عقوبات في تعاملها مع إيران.
لا يبدو أن هذه التطمينات ذات معنى أو جدوى. فخوف المؤسسات باق بل يتصاعد، خصوصا مع اللهجة السياسية التهديدية لإدارة ترمب تجاه إيران. وببساطة، إذا لم تكن هناك مصارف عالمية كبرى يمكن أن تتعاطى مع الحراك الاقتصادي الإيراني، فإنه لا يمكن لهذا الاقتصاد أن يقوم بأي عملية استثمارية إنتاجية ذات جدوى وقيمة، مهما كانت المغريات الإيرانية. لكن الأمر لا ينحصر فقط في هذا الجانب. فالتدخلات الإيرانية العدوانية التخريبية في هذا البلد أو ذاك، تستنزف (كما هو معروف) أي عوائد مالية للبلاد، و"الحرس الثوري"، يستهلك الحجم الأكبر من هذه الأموال، لتنفيذ عملياته العدائية والإرهابية والإجرامية وفق أوامر مباشرة من علي خامنئي. أما الحجم الآخر من الأموال المشار إليها، فيذهب إلى "إسناد" القيادات "الثورية" ومن يعمل بأمرتها على الصعيد الشخصي.
هذه المعلومات ليست سرية، الكل يعرفها والشارع الإيراني يتحدث عنها بأصوات تعلو مرة وتصمت مرات عدة، لكنها دائمة الحضور بسرية في كل الساحات الإيرانية. كلهم يعرفون أن عوائد الاتفاق النووي كانت كبيرة بالفعل على الصعيد الاقتصادي، لكنها لم تظهر على الساحة بأي شكل من الأشكال. وهم يعرفون أيضا أن "الحرامي" الذي يمتص أموال الشعب الإيراني، هو نفسه الذي يدعي حماية هذا الشعب!

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


الاثنين، 13 فبراير، 2017

المصارف .. المهم «ماتتمسكش»


"كلما ازدادت المعلومات عن كل واحد منا في ملفاتنا لدى المصارف، كلما نقص وجودنا"
مارشال ماك لوهان فيلسوف كندي

كتب: محمد كركوتي

أحسب أن مديري المصارف الأجنبية والأمريكية المتورطة حتى قمم خزائنها بانتهاك الحظر الأمريكي المفروض على عدد من الدول، يرددون قبل نومهم وفي الأحلام وعند الاستيقاظ، هذه اللازمة "أسرع.. أسرع. سوي قضاياك مع السلطات القضائية الأمريكية، قبل فوات الأوان". وفي مكاتبهم، يجتمعون يومياً للوصول إلى الصيغة المثلى للتسوية. أو بمعنى أدق، للوصول إلى أقل الغرامات الممكنة التي تقبل السلطات الأمريكية فيها، دون اللجوء إلى ترك القضايا بين أيدي القضاة. فالقضاء الأمريكي لن يرحم، وسيضع أرقاما فوق أخرى ليصل إلى أعلى الغرامات. والقضاء (كما بقية الجهات) يعرف سلفاً أن هذه المصارف جنت أموالاً طائلة من القفز فوق قوانين الحظر، على مدى السنوات الماضية، وساعدت أنظمة مارقة في إيران والسودان وسورية وليبيا وغيرها، على تدوير الأموال وإعادة صبها مجدداً لدى حكومات هذه الدول. غيرت المصارف نفسها منذ عقود، وبدلت أهداف وجودها أصلاً. وتحولت (بإرادتها مستغلة التسيب الرقابي المروع) إلى مؤسسات لجمع الأموال، بصرف النظر عن مصادرها، ومدى مشروعيتها. المهم أن الأموال تتجمع، ومسألة الأخلاقيات ليست ذات أهمية. في إحدى المسرحيات المصرية القديمة يقول الممثل" أنا عاوز أشتغل شغلانة شريفة، لكن المهم ما تمسكش". ويقول الفيلسوف الأمريكي ناعوم تشومسكي "قبل السبعينيات كانت المصارف، مصارف. تعمل وفق معايير الاقتصاد الرأسمالي. تأخذ الأموال غير المستخدمة من حسابك، وتحولها للاستخدام، كمساعدة أسرة على شراء منزل، أو إرسال طالب إلى الجامعة". بالفعل لم تعد المصارف.. مصارف، خصوصاً الكبرى في العالم الغربي ذات الأسماء الرنانة، ولا بأس من نسبة ليست قليلة من المصارف المتوسطة. المهم بالنسبة لها "ماتتمسكش". لكنها "اتمسكت"، ليس فقط من نافذة انتهاك العقوبات، بل أيضاً من جحور غسيل الأموال، والتهرب من الضرائب، وتوفير ملاذات آمنة لأموال غير مشروعة. وماذا أيضاً؟ مسؤوليتها عن الأزمة الاقتصادية العالمية. يظهر كل يوم مصرف هنا وآخر هناك، ليعلن اعترافه بذنب انتهاك العقوبات على عدد من الحكومات المارقة، واستعداده لتسوية الأمر مع السلطات الأمريكية عن طريق غرامة، يتمنى أن تكون مقبولة لدى الجانب الأمريكي. بالطبع أشهر هذه المصارف كان "بي إن بي باريبا" أكبر مصرف فرنسي، الذي قام بحساب سريع جداً، يقوم على المفاضلة بين تسعة مليارات دولار غرامة طوعية، أو 12 مليار دولار غرامة مؤكدة عبر القضاء. وقد عرف المصرف الفرنسي مبكراً أن تهديدات حكومته للإدارة الأمريكية، بما في ذلك فرض عقوبات تجارية على الولايات المتحدة، لا قيمة لها. بل كانت واشنطن تنشر في الأجواء حتى عدم سماعها لتلك التهديدات. فالدفع كان أفضل وسيلة لحماية المصرف، والدفع الفوري الأقل، أجدى من الدفع المؤجل الأكبر. الغرامات تحط بالمليارات في خزائن الولايات المتحدة. ففي غضون عام تقريباً، جمعت واشنطن أكثر من 80 مليار دولار غرامات من مصارف أمريكية وأجنبية، تتعلق بانتهاك قوانين الحظر، وغسيل الأموال، والتهرب الضريبي، وحماية المتهربين من الضرائب الأمريكية، والمسؤولية عن الأزمة الكبرى. والأسبوع الماضي فقط، دفعت مجموعة "ستي جروب" المصرفية الكبرى سبعة مليارات دولار، عن دورها في الأزمة. وقبله دفع مصرف "جي بي مورجان تشايس" 13 مليار دولار (ضرائب وأزمة). و"بنك أوف أميركا" دفع 9.5 مليار دولار (أزمة). و"كريدي سويس" 2.6 مليار دولار (ضرائب). و"إتش إس بي سي" دفع 1.92 مليار دولار (تبييض أموال). و"جي بي مورجان تشايس" دفع 1.7 مليار دولار (احتيال). ووسط هذا التدفق من الغرامات، يظهر مصرف ألماني هنا وآخر إيطالي هناك، وبريطاني في أي مكان، ليدفع غرامات ما دون المليار دولار. الوضع لا يتوقف عند دفع الغرامات، هناك منهجية "إذلالية"، تقوم بها السلطات الأمريكية ضد المصارف المتورطة في كل شيء تقريباً. ويبدو التشهير بها أقلها عنفاً وأثراً. فقد قدم (على سبيل المثال) مصرف "كريدي سويس" قبل أيام، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ المصارف قائمة بأسماء أكثر من ألف من موظفيه إلى السلطات الأمريكية. وهذه الأخيرة ستحقق معهم، وقد يقدمون للمحاكمة على الأراضي الأمريكية. ومن شروط الاتفاق المهين، أنه يجب على المصرف أن يذكر بدقة اختصاصات ومهام كل مسؤول فيه، والمصرف السويسري طلب من موظفيه أخذ الحذر في التحقيق. حرب "أمريكا" على المصارف المحلية والخارجية مستمرة. ولن تنتهي قريباً. ففي غضون ساعات من اتفاق "كريدي سويس"، أبدى 13 مصرفاً سويسرياً الرغبة في تسوية مماثلة سريعة. بعض هذه المصارف بدأ يتأثر مالياً من جراء الغرامات الهائلة. والبعض الآخر يمكنه الاستمرار والنمو، ليس من فرط النجاح المصرفي الهائل، بل من العوائد المالية الضخمة التي تم جنيها على مدى عقود من العمليات غير المشروعة. مع ضرورة التأكيد دائماً على أن الأموال القذرة أنقذت المصارف نفسها خلال الأزمة الاقتصادية العالمية. إنها "مذبحة المصارف" بكل تأكيد، ولكن دون قطع شريان الحياة.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

عندما تكون صناعة الدواء بلا أخلاق




«لا تقلل أبداً من تأثير المال الذي يذهب رأساً على شكل رشوة»
كلود كوكبورن - صحافي ومؤلف أيرلندي

كتب: محمد كركوتي

يبدو أن لا شيء في السوق محميا من الرشوة والاحتيال والفساد والتهريب والسمسرة السوداء. ها هي شركات الأدوية المعروفة وغير المعروفة، تدخل منذ سنوات في بؤرة الفساد والاحتيال، بحيث أصبحت أخبار التجاوزات فيها أكثر من أنباء الاكتشافات الدوائية الجديدة. وبدلاً من قيام هذه الشركات بين الفترة والأخرى، بطرح منتج دوائي حقيقي رخيص، يقوم ممثلوها في عدد كبير من البلدان، بعقد الصفقات المريبة، التي تستند في الدرجة الأولى، إلى تمرير ما أمكن من المنتجات الدوائية ضمن الأنظمة الطبية والصيدلانية، بصرف النظر عن الاحتياج لها. وهي عمليات احتيال تنال من المنافسة الشريفة التي تضمن في النهاية حقوق المنتج والمستهلك. والمروع أن شركات أدوية شهيرة حتى عند العامة، دخلت في نطاق السوق السوداء المتجددة. بصرف النظر عن مواقفها المعلنة المستنكرة لما يحدث. والاستنكار لا يعفي هذه الشركات من المسؤولية عن تجاوز ممثليها في البلدان المستهدفة للأنظمة التجارية والطبية الشرعية، بل إن هناك عشرات الأسئلة تتعلق بمدى اطلاع مجالس إدارة شركات الدواء على عمليات الاحتيال والرشوة التي تجري في هذا البلد أو ذاك. بعض المعلومات تفيد بأن قرارات تتخذ على مستوى مجالس الإدارة، تدعم عمليات الرشوة لتسويق المنتجات. ولهذا السبب خضعت (ولا تزال) عديد من الشركات للتحقيقات من قبل السلطات في بلدانها (وكلها بلدان غربية)، بينما وجدت بعض الشركات أنه من الضروري التوصل إلى تسويات مع السلطات المشار إليها، وحصر القضايا ضمن تفاهم يحل عبر غرامات مالية، على طريقة المصارف الملوثة التي فضلت دفع الغرامات الهائلة بدلاً من ساحة القضاء. وفي السنوات الماضية، خضعت شركات منتجة للدواء للتحقيقات السرية. من بينها "ميرك"، و"باكستر"، و"بريستول – مايرز سكويب"، و"إلي ليلي"، و"أسترازنيكا"، و"سميث آندنيفيو". وكلها أسماء رنانة في نطاق اختصاصها. وتوصلت شركة "فايزر" الأمريكية في سياق هذه التحقيقات إلى تسوية مع وزارة العدل، حول اتهامات تتعلق بتقديمها دفعات وصفها القانونيون الأمريكيون بأنها "غير لائقة" خارج الولايات المتحدة. ولأن القضايا حساسة، والأدلة قوية لا لبس فيها، أسرع القائمون على هذه الشركات لتسويات مالية. غير أن ذلك لم يوقف عمليات الرشوة والاحتيال وتقديم دفعات "غير لائقة". وطبقاً للمعلومات التي ظهرت على الساحة أخيراً، فإن هناك شركات قامت بتسويات مع حكوماتها بالفعل، لكنها عادت إلى الأسلوب القديم المكرر في الاحتيال. سواء بشكل مباشر، أو عن طريق ممثلين لها في بلدان تفتقر إلى الرقابة الحكومية الصارمة في قطاع مؤثر وحساس مثل قطاع الدواء والعلاج. وفي مطلع العام الجاري، لم يغب اسم شركة الأدوية البريطانية "جالاكسو سميث كلاين" الشهيرة، عن الأخبار الآتية من أنحاء مختلفة في هذا العالم. وفي كل مرة يتم تداول هذا الاسم، يربط برشا هائلة يقدمها وكلاؤها من أجل تمرير صفقات من الأدوية، بما في ذلك عقاقير لعلاج السرطان ومنع جلطات الدم. كان آخر هذه الفضائح من سورية. وجاء في الاتهامات أن الشركة عن طريق ممثليها في المنطقة، قدمت رشا للأطباء ومسؤولين في النظام السوري، من أجل تمرير الصفقات، بما في ذلك منتجات ليست مطلوبة بصورة ملحة في البلاد. هذه القضية جاءت بعد أن افتضح أمر قضايا مماثلة للشركة في كل من الصين ولبنان وبولندا والعراق والأردن. في حين يعتقد محققون أن الشركة متورطة أيضاً في بلدان أخرى. أسرعت الشركة البريطانية بالفعل إلى فتح تحقيقات مع ممثليها في الدول المذكورة، لكن أحداً لم يسمع بنتائج هذه التحقيقات حتى الآن. فهي تؤكد أن إدارتها في المقر الرئيس، لا علاقة لها بقضايا الرشا والفضائح الملازمة لها، وأن التسيب يمكن أن يحصل هنا وهناك، وأنها عازمة على إيقاف هذا النوع من الفساد في مكاتبها ووكالاتها حول العالم. ولكن في النهاية، لا تكفي تحقيقات الشركة ذاتياً، خصوصاً أن الأطراف الأجنبية المتورطة، لا تتمتع قوانين بلدانها بالحد الأدنى المطلوب من النزاهة. فقد أثبتت تحقيقات السلطات الأمريكية مع عدد من شركات الأدوية في الولايات المتحدة أهميتها بل نجاعتها. فلا يمكن ترك الأمور لتحقيقات داخلية، لا يمكن ضمان نتائج نزيهة لها. بل رغم ذلك، فقد رشحت معلومات تفيد بأن الشركات التي خضعت للتحقيقات والغرامات فعلاً، ترتكب مخالفات مشابهة. تحقق شركات الأدوية حول العالم، والمتمركزة بصورة أساسية في البلدان الغربية، أرباحاً طائلة من عملياتها المشروعة. فشركة "جالاكسو سميث كلاين" تحظى بعوائد سنوية تصل إلى أكثر من 26 مليار جنيه استرليني. ويبدو أن هذه الأموال الطائلة، هي أقل مما تسعى إليه الشركة. في حين أن طبيعة إنتاجها ينبغي أن يخضع أيضاً إلى المعايير الأخلاقية، فهي لا تنتج الساعات المرصعة بالألماس، ولا السيارات المطلية بالذهب. إنها تصنع الدواء، بل لنقل إنها تصنع الأمل. وهذا وحده يفرض عليها قيما تخضع لمعايير السوق، بلا شك، ولكن بمستويات أخلاقية مقبولة.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

العدوان على المستقبل


"يا آباء يا أمهات، لا تنتقدوا ما لا تفهمونه. إذا كنتم لا تريدون تقديم يد المساعدة لأبنائكم، لا تقفوا في طريقهم".
بوب ديلان - شاعر ومغن أمريكي

كتب: محمد كركوتي

ستبقى مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الحاضرة الدائمة لسنوات طويلة مقبلة، وهي كذلك على جميع الجهات. محليا وأوروبيا وعالميا. ومهما بلغت براعة أولئك الذين يقللون من آثار هذا الخروج، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يزيلوا المخاوف ليس في أوساط من وقف مدافعا عن البقاء ضمن الاتحاد فحسب، بل ضمن بعض الشرائح التي صوتت للانفصال. وترى القلق باديا حقا على وجوه المسؤولين البريطانيين (وزراء الخارجية والتجارة والأعمال) الذين قادوا حملة الخروج، ومن خلال تصريحاتهم الصارخة بضرورة عدم تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة التي تنظم عملية خروج عضو من الاتحاد الأوروبي. ومن المفارقات، أن الذي صاغ هذه المادة التي أضيفت للمعاهدة قبل عقدين تقريبا الدبلوماسي البريطاني السابق جون كير، الذي لا يزال عضوا في مجلس اللوردات إلى الآن. وبصرف النظر عن أهمية هذه المادة، وما إذا كان أحد يتوقع أن يتم تطبيقها على بلد كالمملكة المتحدة (بمن فيه كير)، فإن الخروج سيحصل إن آجلا أو عاجلا، وإن قادة كبارا في الاتحاد الأوروبي يفضلون عاجلا وفي مقدمتهم الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند. بينما تفضل تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا الإبقاء على المادة 50 جامدة حتى نهاية العام الجاري. وأيا كانت الخطوات لتفعيل المادة المشار إليها، إلا أن الخراب السياسي والنفسي والإجرائي يسود الساحة البريطانية بالفعل، سواء من خلال ارتفاع العجز في الموازنة العامة، والهبوط التاريخي للجنيه الاسترليني، وتراجع ثقة مديري المؤسسات، واستعداد بنك إنجلترا للتدخل في أي لحظة منعا للانكماش، والضبابية في الأسواق المحلية، وبالطبع التحركات التي بدأت تظهر لانتقال نسبة من مراكز المؤسسات الكبرى والمتوسطة إلى خارج بريطانيا، وغير ذلك من الآثار المبدئية التي تركتها نتيجة الاستفتاء البريطاني. التكاليف الاقتصادية الكبيرة المتوقعة للخروج، تحمِّلها جهات عدة في بريطانيا لشريحة كبار السن التي صوتت لمصلحة الانفصال ضاربة عرض الحائط بمستقبل البلاد، والأهم مستقبل أبنائهم وأحفادهم الذين (كما هو معروف) صوتوا بقوة لجانب البقاء في الاتحاد. ورغم الفارق الضيق في نسب التصويت بين الانفصاليين وأولئك الذين رغبوا في البقاء، إلا أن أصوات هذه الشريحة (العجائز) تركت مرارة لن تمحى على الإطلاق في التاريخ البريطاني ككل. وهي شريحة بلا شك شنت عدوانا صارخا على المستقبل اعتقادا منها أن الانفصال يعني حياة أفضل لها، بصرف النظر عن السنوات الباقية لها في هذه الحياة أساسا. ليس هناك تفسير آخر لما جرى. فالاستفتاء الذي قسم المملكة المتحدة، قسم الأسرة الواحدة نفسها بين انفصالي واتحادي، بين الماضي والمستقبل، بين الأكاذيب والحقائق. بعض أولئك الذين حاربوا الاتحاد الأوروبي من الداخل البريطاني، تحدثوا علانية أن الأوروبيين بمفاوضاتهم المقبلة مع بريطانيا، سيعملون على تحويل المملكة المتحدة إلى "دولة من المستعمرات"، وأن المادة 50 من المعاهدة الكبرى ربما تجنب البلاد هذا المصير. والحق، أن "دولة المستعمرات" التي يتحدثون عنها لن تنشأ من فرط قسوة الأوروبيين التفاوضية (إن حصلت فعلا)، بل من الانقسام الاجتماعي والسياسي الداخلي البريطاني. هذه جمهورية إيرلندا تريد مفاوضات خروج سريعة، لأن " متعلقاتها مع بريطانيا أكبر من غيرها من بلدان الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك حرية التنقل بين البلدين والرابط الذي يشكله إقليم إيرلندا الشمالية بين لندن ودبلن. جمهورية إيرلندا لم تنضم إلى اتفاقية "شنجن" بسبب العلاقة الخاصة مع بريطانيا. نسبة كبيرة من سكان الإقليم أسرعوا للحصول على الجنسية الإيرلندية هربا من البريطانية، لأسباب تتعلق بالمنافع الأوروبية التي سيخسرها البريطانيون. وهذا وحده يوجد مشكلة تتعلق بتغيير ديموغرافي إيرلندي يحصل الآن بصورة أو بأخرى. أما مشكلة اسكتلندا فهي أكثر وضوحا من "الإيرلندية"، فغالبية الاسكتلنديين صوتوا للبقاء، ولا يمكن للحكومة المحلية هناك تجاهل هؤلاء. دعك من مدينة لندن التي صوتت كل دوائرها لمصلحة البقاء في الاتحاد، وهذه المدينة تمثل ما يقرب من 25 في المائة من الاقتصاد البريطاني. المسألة، لا تتعلق بـ "عدوانية" الأوروبيين التي يروج لها كارهو أوروبا في مفاوضات الخروج، بل في أمراض الداخل البريطاني، والمرض الأكبر يبقى دائما "خيانة" الآباء والأجداد لأبنائهم وأحفادهم بالوقوف إلى جانب الانفصاليين، الذين لم يقدموا أي سبب واقعي، وإنما سلسلة من الأكاذيب تبين أنها حقيقية ليس بعد سنوات من إعلان نتيجة الاستفتاء، بل في أعقاب أيام منه. في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، ثبت بالأرقام أن الآباء "سرقوا" أبناءهم وأحفادهم بل وأحفاد أبنائهم (على الأقل) من خلال قروض سيئة، وكبلوا معهم الموازنات الحكومية بديون خرافية من حيث الحجم، بتدخل الحكومات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المؤسسات التي تعتبر جزءا من هيبة البلاد. اليوم "طعن" عجائز القرن شباب القرن ومستقبله في المملكة. وهذه الطعنة ستبقى علامة فارقة ظاهرة بقوة، للأنانية والجهل والتضليل.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 7 فبراير، 2017


«تهاوش» الحلفاء الفاضح


"تذكر.. تذكر دائما. كلنا.. أنت وأنا أتينا إلى هنا مهاجرين"
فرانكلين روزفلت - الرئيس الأمريكي الأسبق 

كتب: محمد كركوتي

ورد في الوثائق البريطانية، أن رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرتشل، كان أول مسؤول أوروبي على الإطلاق تحدث عن ضرورة إقامة "الولايات المتحدة الأوروبية"، في أعقاب الحرب العالمية الثانية. لماذا؟ لأنه كان يرى، أن هذه "الولايات" ستكون الضامن الوحيد القوي ضد كل الاتجاهات اليمينية المحلية المتطرفة في أوروبا، فضلا عن أنها تمنع نشوب حرب أو حتى معارك صغيرة بين البلدان المنضوية تحت لوائها. كان هذا توجه رئيس الوزراء البريطاني المحافظ، قبل سنوات من انطلاق ما كان يسمى "اتحاد الحديد والصلب"، الذي تدرج فيما بعد على مدى العقود الخمسة الأخيرة من القرن الماضي، إلى السوق الأوروبية المشتركة، فالمجموعة الأوروبية، فالاتحاد الأوروبي. الغريب هنا، أن شخصية تشرتشل سبقت شخصية أخرى كالجنرال ديجول الفرنسي في طرح مثل هذه الأفكار الوحدوية الأوروبية، ربما لأن فرنسا كانت تبني نفسها بصورة أكبر بعد احتلال نازي لم يطل بريطانيا.
الآن تعود نغمة الوحدة الأوروبية إلى المشهد العام، مدفوعة بعاملين اثنين، الأول خروج بريطانيا نفسها من الاتحاد الأوروبي، والثاني وصول دونالد ترمب إلى الحكم في الولايات المتحدة. لقد أدرك زعماء الاتحاد (المؤمنون حقا بجدوى هذا الاتحاد)، أن المخاطر باتت كبيرة وتقترب بسرعة أكبر إلى الأسس التي يقوم عليها الاتحاد. عندما تحدث تشرتشل عن "الولايات المتحدة الأوروبية" كانت الولايات المتحدة الأمريكية حليفة لأوروبا، بل كانت في الواقع بمنزلة المنقذ الأول للقارة في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ناهيك طبعا عن دورها في حسم هذه الحرب، وربما تقليل المدة الزمنية البشعة لها. اليوم، بعد أكثر من سبعة عقود على انتهاء الحرب المشار إليها دب الخوف في أوصال الحلفاء، ليس من خطر عدو خارجي، بل من تهديدات حليف داخلي!
الحليف الأمريكي الذي أسهم مباشرة في إنقاذ أوروبا، هو نفسه (مع تغير إدارته بالطبع) يبارك أي خطوة لتفكيك أوروبا وتجريدها من اتحادها. موقف الرئيس دونالد ترمب واضح إلى درجة  أخرجت العلاقات الأمريكية ــــ الأوروبية عن سياقها الدبلوماسي، بعد أن قفزت بدرجة ما، عن سياقها التحالفي. لم تعد القاعدة هي "الخلافات بين الحلفاء ينبغي أن تبقى مستترة"، إنها خلافات معروضة على الساحة العامة بالفعل، إلى درجة أن وصلت إلى مستوى الاتهامات المتبادلة! في الأيام الأولى لتنصيب ترمب كانت الانتقادات غير مباشرة من جانب الطرف الأوروبي، الآن إنها مباشرة وبالأسماء، وبأقل قدر من الدبلوماسية، خصوصا أن ترمب وإدارته الجديدة كانوا أشد عنفا في هذا المجال، من خلال توجيه الاتهامات بصورة علنية ومباشرة ومحددة.
هناك اختلافات كبيرة بين المفاهيم الأوروبية العامة، وبين تلك التي أتى بها ترمب إلى البيت الأبيض. لكن أن يصل الأمر إلى الحديث عن حرب تجارية بين الحلفاء! فهذا لم يكن أحد يتوقعه. أن يشجع ترمب بريطانيا على سرعة انفصالها عن الاتحاد الأوروبي، ويتحدث عن أهمية انفصال بقية البلدان، هذا أيضا أمر يصعب توقعه قبل ذلك. أن يضع ترمب أوروبا (وتحديدا ألمانيا) بعد الصين في مسألة خفض قيمة عملتها، وإلحاق أضرار بالصادرات الأمريكية، هذا يعني أن هناك مشكلة كبيرة قابلة للانفجار في أي وقت. الشركاء يتخاصمون ويختلفون وأحيانا يتقاتلون، لكن الحلفاء لا تنطبق عليهم هذه الأشياء، لأسباب تتعلق بالأهمية الاستراتيجية لبقاء الجميع ضمن التحالف الواحد، الذي ينشر فوائده على الجميع.
لم تتحمل أوروبا المواقف الأمريكية الجديدة أكثر من ذلك، حتى خرجت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لتدعو في العلن أيضا "إلى وحدة أوروبية لمواجهة تهديدات ترمب". وكان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قد سبقها قبل أيام أيضا بالقول " علينا ألا نصمت على المواقف الأمريكية خصوصا تلك التي تشجع على تمزيق أوروبا. المسؤولون الألمان من كل المستويات، أكدوا مرارا أن ما يقوله مسؤولو الإدارة الأمريكية الجديدة ليس واقعيا. في إشارة إلى مسألة انخفاض قيمة اليورو، واللاجئين، وانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والعقوبات حيال روسيا، ومستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وغير ذلك من قضايا كانت حتى وقت قريب جدا غير مطروحة أساسا في العلاقة الأمريكية ـــ الأوروبية.
الحقيقة، بدا واضحا أن شرخا سياسيا بدأ يتسع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهو شرخ متصل بالجانب الاقتصادي أيضا، في حين كانت أول أسباب تشكل الشرخ المشار إليه فكريا، يتعلق باختلافات واسعة بالفعل بين الذهنية "الترمبية" ـــ إن جاز القول ــــ وذهنية الاتحاد الأوروبي الليبرالية. وهذا وحده يفسر، كيف تجرأت إدارة ترمب فعلا على وضع الاتحاد الأوروبي الحليف الاستراتيجي التاريخي لواشنطن، في المرتبة الثانية بعد الصين من حيث الأضرار التي يسببها للولايات المتحدة على صعيد العملة! يبدو واضحا أن ما قاله تشرتشل قبل 70 عاما عن ضرورة وجود الولايات المتحدة الأوروبية، يناسب الحالة الأوروبية اليوم، حتى بعد عقود من زوال مخاطر نشوب حروب كبرى، على غرار الحرب العالمية الثانية. 

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الجمعة، 3 فبراير، 2017

دعم اللاجئين أرخص من دعم ثورة


"لا أحد يترك منزله، إلا إذا كان المنزل في فم حوت"
ورسان شير ـــ شاعرة صومالية بريطانية

كتب: محمد كركوتي

أصبح باراك أوباما "مستشارا" من جانب واحد لأوروبا، على صعيد تدفق اللاجئين الهائل إلى القارة الأوروبية في الأشهر القليلة الماضية، والمآسي والمخاطر التي يتعرضون لها، إضافة طبعا إلى أولئك الذين قضوا إما غرقا وإما اختناقا أو بردا. وفي الواقع أوروبا لم تطلب من رئيس الولايات المتحدة خدماته الاستشارية هذه، لكنه أقحم نفسه فيها، في محاولة فاضحة أخرى للتغطية على الفشل المروع الذي تسببت به إدارته في الشرق الأوسط، طوال السنوات التي حل فيها رئيسا في البيت الأبيض. فهذا الرئيس الذي يوصف بأنه بلا مشاعر، وبأنه يستطيع تحمل الإهانات الشخصية حتى من موظفين لديه، عطل الكثير من الخطوات والتحركات العالمية الأخرى، لحسم مبكر للأزمات المولدة لـ "إنتاج" اللاجئين، وفي مقدمتها بالطبع الأزمة السورية، التي أرادها مخلوق كأوباما تجري وفق أجندة سفاح سورية بشار الأسد، وهي أجندة ليست سرية بل معلنة. هذا الأخير كان واضحا حقا منذ البداية، حين أعلن للعالم أجمع، إما أن يبقى حاكما (حتى بلا شرعية) أو أنه سينشر الفوضى في كل أرجاء المنطقة، وأن هذه الفوضى ستطول أوروبا وغيرها من مناطق العالم الأخرى. وهذا ما حدث بالفعل. ببساطة يمكن القول، إن العالم يسير الآن وفق أجندة سفاح، وهذا العالم أكثر المتضررين من هذه الأجندة. والمصيبة الناجمة عنها لا يبدو أنها ستتوقف في المستقبل المنظور، بل على العكس تماما. فإلى جانب الخراب التاريخي الهائل الذي أصاب سورية، والمخاطر، التي تعم المنطقة، تنتج أجندة بشار الأسد كل يوم مئات الآلاف من اللاجئين والنازحين. ويعتبر هذا النظام الفاشي أن مسألة اللاجئين ليست سوى سلاح آخر في يده، يمكن أن يضغط من خلاله على عواصم صنع القرار العالمي، هذا إن وجد القرار العالمي حقا. أنتج الأسد أكبر عدد من اللاجئين منذ الحرب العالمية الثانية. حتى اللاجئين الذين أوجدتهم حروب البلقان في القرن الماضي، لم تنتج هذا العدد. ومع ظهور التنظيمات الإرهابية المدعومة الممولة أساسا من الأسد، بات الأمر صناعة يومية حقا. فإضافة إلى مخططات التطهير الطائفي التي يتبعها سفاح سورية وعصاباته، هناك أعداد كبيرة من السوريين والعراقيين على وجه الخصوص، تخشى البقاء حتى في المناطق الحدودية الأكثر أمنا من المناطق الداخلية. فانضمت إلى قوافل اللاجئين الهائلة المتجهة إلى أوروبا. لكن هذا لا يعني الخلاص، ولا الوصول إلى نهايات سريعة لمصاعب وآلام ومشاكل اللجوء باتجاه القارة الأوروبية. ليس آمنا من هؤلاء، إلا من يمكنه الحصول على تأشيرة شرعية لأوروبا. وغير ذلك لا شيء مضمون، إلى أن يتم الوصول لمقصد محدد بعينه. أوروبا لا تحتاج إلى باراك أوباما كـ "مستشار" لشؤون اللاجئين. كانت تحتاج إليه قبل أربع سنوات على الأقل، لوضع حد سريع لنظام فاشي إجرامي يحكم سورية منذ أكثر من 45 عاما، وينشر التوتر والتهديدات والمخاطر في أرجاء المنطقة. تستطيع أوروبا تدبر أمرها في مسألة اللاجئين. ويبدو واضحا، أن دعم اللاجئين واستيعاب الأعداد الهائلة منهم في دول مختلفة، أرخص بكثير من دعم ثورة سورية محقة كانت تسعى فقط إلى التخلص من نظام لا يهدد السوريين فحسب، بل المنطقة والعالم أجمع. والمثير للسخرية أن النصائح التي قدمتها واشنطن لشركائها الأوروبيين، تختصر في واحدة فقط، وهي "انقضوا على مهربي البشر"! لم يقل أوباما وموظفوه، إنه ما كان لهؤلاء المهربين من وجود، إذا ما تم حسم الأزمات التي تصنع الأعداد الهائلة من اللاجئين والنازحين والمشردين. والحسم الناجع، هو ذاك الذي ينفذ بتعاون دولي وإقليمي. في كل الأحوال، لا معنى للنصائح الأمريكية، علما بأن اللاجئين الذين يستطيعون الوصول إلى الولايات المتحدة بطريقة أو أخرى، يواجهون بؤسا شديدا هناك، على عكس أولئك الذين ينجحون في الوصول إلى بلدان أوروبية مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا، وحتى إيطاليا. صحيح أن بلدان الاتحاد الأوروبي المحورية، دخلت في موجة من "الردح" السياسي في الآونة الأخيرة بسبب اللاجئين، وحول حجم الحصص لكل بلد في هذا الاتحاد، لكن الصحيح أيضا، أن المآسي التي يتعرض لها اللاجئون للوصول إلى بلدان المقصد، دفعت بقادة الاتحاد الأوروبي "الرادحين" إلى التخلي عن ردحهم، ومواجهة مسؤولياتهم الإنسانية، بل الرسمية التي يكفلها القانون الدولي. لقد ثبت أن أحدا من البلدان الأوروبية لم يأخذ أكثر من حصته من اللاجئين. لكن المسألة لا تحسب هكذا. فمسؤوليات الكبيرة تكون كبيرة بالضرورة، وإلا عليه ألا يدعي ذلك على الإطلاق. لا يعقل أن تتساوى (مثلا) حصة اليونان أو إيطاليا، بحصة ألمانيا أو بريطانيا أو فرنسا. غير أن الحل الأمثل في النهاية، ليس حسن توزيع اللاجئين على البلدان وفق حصة كل بلد، بل بحل الأزمات من جذورها، والقضاء على منبعها. الأمر لم يعد سهلا، ولكنه قابل للتنفيذ بنجاح، إذا ما كانت هناك إرادة دولية حقيقية، لا صوتية ولا إعلامية فقط.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")
مليارديرات .. بعض الأسئلة بلا أجوبة


"كي تكون ثريا، عليك أن تكسب الأموال حتى وأنت نائم"
ديفيد بيلي ـــ فنان ومصمم بريطاني

كتب: محمد كركوتي

من الواضح أن الاضطراب الاقتصادي على المستوى العالمي، ساهم بصورة مباشرة في انخفاض حجم ثروات المليارديرات عالميا، بصرف النظر عن ظهور 80 مليارديرا في الصين وحدها خلال عام واحد. والعوامل المسببة لتراجع ثروات هذه الشريحة من البشر كثيرة، من بينها إعادة توزيع ثروات بعضهم ضمن الأسرة الواحدة، فضلا عن تراجع أسعار السلع على المستوى العالمي، إلى جانب طبعا، خسائر في الأسواق المختلفة، ولا سيما تلك التي شهدت اضطرابا اقتصاديا أعلى من غيرها. التقرير الأخير المشترك بين المصرف السويسري "يو بي إس"، وشركة "برايس ووتر هاوس" الذي تناول بعضا من شؤون المليارديرات، جاء بمجموعة من الأرقام، حددت معالم أوضاع هؤلاء الأثرياء، علما بأنه لا توجد في الأفق إشارات واضحة على نمو كبير لهم، في ظل الأوضاع الراهنة على الساحة العالمية. لم يعد غريبا ارتفاع معدلات الثراء في القارة الآسيوية، ولا سيما الصين، خصوصا مع الحراك الاقتصادي الكبير فيها، إلا أن هناك علامات استفهام كبيرة منشورة في الأرجاء، تتعلق بواقعية تنامي هذا الثراء في هذه البقعة من الأرض. خصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار أن النمو الأكبر في عدد المليارديرات يأتي من دولة لا تزال الحكومة تمتلك وسائل الإنتاج والخدمات فيها، مثل الصين. صحيح أن هذه الأخيرة فتحت أبوابها (وانفتحت) اقتصاديا على مدى العقدين الماضيين، لكن الصحيح أيضا أن هناك جانبا غير مكشوف في الحراك الاقتصادي والاستثماري، وفي مقدمتها حقيقة الديون المعدومة في هذا البلد، التي قدرت أخيرا بأنها تصل إلى تريليوني دولار، أو ما يوازي 20 في المائة من محفظة القروض الخاصة بالمصارف الصينية! وتطالب المؤسسات الاقتصادية الدولية الصين في كل المناسبات بضرورة أن تكون أكثر انفتاحا فيما يتعلق بالمعلومات الاقتصادية التي تنشرها، وأن تكون (بالطبع) حقيقية. وكلما انضم ملياردير صيني إلى قائمة المليارديرات العالمية ارتفعت الأصوات المنادية بالشفافية، ليس فقط بالكشف عن حجم الديون الحقيقية في الصين، بل أيضا عن مسارات الاقتصاد الوطني نفسه. ومما لا شك فيه، أسهمت الحملة الأخيرة التي قامت بها الحكومة ضد الفساد في البلاد في تحسين الصورة العامة بعض الشيء، لكنها لم توفر الإجابات المطلوبة. ورغم قوة هذه الحملة، بل شراسة العقوبات التي فرضت على المخالفين والفاسدين، إلا أن الأمر يحتاج إلى فترة طويلة جدا للوصول إلى الحد المأمول للشفافية المطلوبة. لا يعني ارتفاع عدد الأثرياء في الصين (دون بقية المناطق في العالم)، أن هؤلاء كلهم جمعوا الأموال بصورة غير مشروعة، أو عن طريق الفساد أو الغش أو ما شابه ذلك، هناك حراك اقتصادي وطني كبير في هذا البلد من الطبيعي أن يولد أموالا هائلة، خصوصا في أعقاب الانفتاح الكبير الذي انتهجته بكين قبل سنوات. غير أن عدم الوضوح الاقتصادي على صعيد المعايير، وتزايد حجم الديون المعدومة، وعدم ثقة العالم كثيرا بالإحصائيات الحكومية الصينية، تمنح دعما للشكوك حول الأموال التي جعلت من هذا الصيني أو ذاك مليارديرا. فوفق دراسة صدرت حديثا، فإن المصارف الصينية تقوم باستخدام خدعة محاسبية، وهذه الخدعة تنحصر في أن القروض التي تقدمها هذه المصارف، لا يتم تقييدها على أنها "قروض"، بل توضع تحت بند الاستثمارات! المثير في الأرقام التي وزعها مصرف "يو بي إس" و"برايس ووتر هاوس"، أن عدد المليارديرات يرتفع في آسيا بشكل عام، والصين على وجه الخصوص، في حين أن ارتفاعه في بلد كالولايات المتحدة يظل بطيئا جدا. فمقابل 80 مليارديرا صينيا جديدا، كان هناك خمسة مليارديرات أمريكيين. والأمر مشابه إلى أبعد الحدود في الحالة الأوروبية، التي تشهد ارتفاعا مقاربا للارتفاع الصيني. وحتى فيما يتعلق بتراجع ثروات المليارديرات على المستوى العالمي، فإن هذا الانخفاض جاء موزعا على الجميع، أي أن المليارديرات في آسيا والصين، لم يتكبدوا خسائر أكثر من غيرهم، بل إن بعض هؤلاء رفع من حجم ثرواته، في الصين على وجه الخصوص. في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، وظهور روسيا في صيغتها السياسية الحالية، أثيرت تساؤلات (لا تزال تطرح) حول العدد السريع والمتعاظم للأثرياء الروس، ولا سيما أن الفارق الزمني بين انهيار الدولة المنغلقة وبداية تكوين الثروات كان قصيرا جدا. وهذا الأمر يطرح بصورة أو بأخرى فيما يتعلق بالثراء المتنامي في الصين، رغم أن الدولة التي فتحت الاقتصاد، أبقت المفاتيح كلها في أيديها. الأسئلة بهذا الصدد قد لا تظهر أجوبتها يوما، فيما لو نظرنا إلى أسئلة مشابهة طرحت حول حالات مشابهة، في مناطق أخرى من هذا العالم.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

اقتصادات جوازات السفر


«يقولون، الوجه الجميل هو جواز سفر. لكن ليس صحيحا، الفيزا هي الوجه الأجمل، وتنتهي صلاحيتها بسرعة»
جولي بورشيل كاتبة بريطانية

قبل انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، لم تكن هناك "عروض" من حكومات عديدة من الدول التي تتمتع بسمعة عالية، لبيع جوازات سفرها. وكان الحصول على جنسيات هذه البلدان "ولا سيما الأوروبية منها"، يتم عبر طريقين أساسيين. الأول، بحكم الإقامة الطويلة في البلد والعمل فيه ودفع الضرائب المترتبة على المقيم العامل. والثاني، يرتبط باللاجئين الذين يسعون إلى أي بلد أوروبي من أجل الإقامة بأي طريقة، بحثا عن حياة أكثر كرامة من بلدانهم، إلى أن يتحول وجودهم إلى صيغة شرعية، سرعان ما تمنحهم الأحقية في الحصول على الجنسية. علما بأن غالبية بلدان العالم، ألغت قوانين تتعلق بمنح المولود في البلد الجنسية، في حين قامت أخرى بتشديد منح هذا النوع من الجنسية، بما في ذلك، أن يكون أحد الأبوين مقيما شرعيا. اليوم، تحول منح "وبالأصح بيع" جوازات السفر لمن يستطيع ويرغب، إلى قطاع اقتصادي حقيقي، يماثل بقية القطاعات الأخرى من حيث الأهمية، وإن كان أقل زخما منها في الوقت الراهن. فالقادرون على دفع مبالغ مالية كبيرة، يمكنهم ببساطة التمتع بجواز سفر أكثر قيمة وأهمية من ذاك الذي يملكه الساعي له. ولأن الأمر مشروط بالمال، وبقيمة محددة، فلا أمل لمن لا يملك الأموال في التمتع بهذه الميزة المطلوبة لشرائح واسعة من المجتمعات، ولا سيما تلك القابعة في البلدان النامية. ولم يعد غريبا في الأعوام الماضية، أن تشتري جنسية أجنبية. لقد أصبحت عروض بيع الجنسيات والجوازات تطلق في إطار حملات إعلانية وترويجية مختلفة الشكل والأسلوب. بما في ذلك، شراء عقار، أو وضع رصيد مالي معين في المصرف. في السابق، كان يمكن للعقار أن يسهل "ولا يضمن" الحصول على سمة إقامة دائمة. الآن تحصل على الجنسية دفعة واحدة! وكلما كان البلد الذي يعرض جوازاته للبيع يتمتع بقيمة عالية، ارتفعت الأموال المطلوبة لإتمام الصفقة. وعلى الرغم من إعلان عدد من البلدان الأوروبية الكبرى معارضتها هذه السوق، إلا أنها هي نفسها تعاني ثغرات قانونية وإجرائية يمكن النفاذ منها للحصول على جنسياتها أو جوازات سفرها. ولا بأس من تبريرات لا تبدو مقنعة، ولكنها تضمن وجود من يقتنع بها. إنها مصلحة اقتصادية داخلية مهمة، في زمن تردي الأوضاع الاقتصادية بصورة عامة، ليس فقط في البلدان الفقيرة أو النامية أو الناشئة، بل حتى في الدول الكبرى المتقدمة. والأمر هنا لا يرتبط فقط بمزايا الإعفاء من تأشيرات الدخول إلى عدد كبير من البلدان، بل يختص أيضا، بتوفير الحماية اللازمة لأموال مشكوك في مصادرها. وهنا أيضا، لا بأس من عدم التدقيق في طبيعة هذه المصادر!. وعندما نتحدث عن "اقتصاد جوازات السفر"، نذكر هنا، أنه في العام الماضي وحده تم استثمار ما يزيد على ملياري دولار أمريكي حول العالم من خلال بيع الجوازات! ففي دولة كمالطا (على سبيل المثال) يصعب العثور عليها في خريطة للعالم بحجمها الطبيعي، جنى هذا البلد 500 مليون يورو من جراء بيع 500 جواز سفر. ومالطا أطلقت الأمر من آخره دون مساومات، أي أنها أعلنت رسميا أنها تمنح الجواز كل من يستثمر مليون يورو. وسبقتها دول أخرى، وأشباه دول أيضا، ولكنها طرحت جوازاتها بأثمان أقل من ذلك بكثير. فاستثمار 250 ألف دولار فقط في دويلة اسمها سانت كيتس ونيفيس، يمكنك أن تصبح أحد مواطنيها الذين لا يزيد عددهم على 48 ألف نسمة. وتشير التقديرات إلى أنه منذ مطلع العام الحالي، بلغ حجم "اقتصاد الجوازات" نحو أربعة مليارات دولار. أي أن النمو في هذا القطاع، يفوق نمو كل القطاعات الأخرى قاطبة. البلدان التي تعاني أزمات اقتصادية أكثر، تقدم عروضا مغرية أكثر. هذه هي الحالة الراهنة على الساحة. والدول التي تمنحك جوازات سفرها حرية أكبر في التحرك حول العالم، ويلقى جوازها احتراما أكبر، تفرض شروطا مالية عالية. وذلك على مبدأ، لا يمكن أن تكون سترة صنعها "فالنتينو" أو "بالزليري" أو "بوس"، بنفس قيمة سترة مصنوعة على أيدي مصمم مجهول لا ماركة معروفة له. باختصار، هناك "جوازات سينيه" وأخرى عادية. ولا يبدو في الأفق أي مؤشر على إمكانية تراجع هذا التدفق الهائل من العروض لشراء جوازات السفر. بل إن العروض باتت تنافسية، ولا ينقصها إلا أن تخصص موعدا للتنزيلات على غرار مواعيد الأوكازيون! والحق، أن العوائد من عمليات البيع هذه لا تقتصر على المبلغ المحدد، بل تشمل أيضا تدفق رؤوس أموال يملكها "المواطنون" الجدد، على شكل استثمارات مباشرة، إلى درجة أن بلغت العام الماضي ما يزيد على أربعة مليارات دولار. نعرف، أنه في أوقات الأزمات الاقتصادية، يضطر المأزوم لبيع أي شيء. لكن في هذا العالم المرتبك بفوضى تاريخية، أقدم على بيع حتى هويته!

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")
أسعار الدواء .. داء لا دواء له بعد


"اضحك دائما عندما تستطيع. إنه دواء رخيص"
اللورد بيرون - شاعر إنجليزي

كتب: محمد كركوتي

تظل المشكلة على حالها، حول أسعار الدواء في العالم. من منظور إنساني، يمكن بسهولة وصفها بـ "المصيبة". وبإنسانية أكبر، يمكن أن تكون مشكلة أسعار الدواء بمنزلة داء، لا دواء له. تقوم الحكومات في البلدان الراشدة عادة بتخفيض أسعار الدواء بين الحين والآخر، أو بفرض حدود قصوى لهذه الأسعار. إنها بذلك توفر على نفسها من خلال الضمان الصحي الحكومي، أو على الأفراد الذين لا يشملهم هذا النوع من الضمان. وكذلك الأمر بالنسبة لأولئك الذين لا يستطيعون ماليا حقا الحصول على التأمين الصحي عبر شركات التأمين الخاصة المعروفة. لكن في النهاية تظل الأسعار عالية بالنسبة لجميع الجهات، حتى في البلدان القادرة ماليا. علينا فقط أن نتخيل الوضع في البلدان التي تعاني تلبية الاحتياجات المعيشية الرئيسة لسكانها. صحيح أن الشركات المنتجة لأي شيء هي جشعة "بالفطرة"، بما فيها الشركات المصنعة للأدوية، لكن الصحيح أيضا، أن تكلفة إطلاق دواء جديد، وكذلك الأمر بالنسبة لتطوير دواء موجود أصلا، هي بالفعل عالية. هذا باعتراف الجهات الساعية لإيصال أسعار الدواء في العالم إلى أدنى مستوى ممكن لها. فالدراسات والبحوث والعمليات المخبرية وما يرتبط بها، تتكلف أموالا هائلة، وهذا ما تتمسك به الشركات المصنعة كمبرر لطرح منتجها بسعر مرتفع. فلا يمكن أن تبيع الشركات المعنية أدويتها بخسارة، وإلا تحولت إلى جمعيات خيرية، لكن عليها أن تعي، أنها لا تنتج كافيارا، ولا حقائب فاخرة، ولا ساعات مرصعة بالألماس، بل تقدم منتجا طبيا إنسانيا، بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى. وعليها أن تكون منطقية في المكاسب، بعد أن تمر بمرحلة تغطية التكاليف. هناك تضارب في تقديرات تطوير الدواء. والأمر يعود أساسا إلى طبيعة هذا الدواء، والمرحلة التي مر بها إلى أن بلغ رفوف الصيدليات. توصل خبراء ومختصون في السابق إلى تقديرات لهذه التكلفة، على أمل المساعدة في تحديد الأسعار في مرحلة لاحقة. اتفق هؤلاء على أن 2.6 مليار دولار، هو المبلغ اللازم حقا لتطوير دواء. إنه ليس بسيطا، ولكن علينا أن نعترف بأنه بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، بات المليار دولار رقما عاديا، ليس من فرط توافره، بل من سرعة تبخره. وقد لا يعرف البعض، أن الشركات المنتجة للأدوية لا تنفق هذا المبلغ مرة واحدة أو دون ضمانات، بل إنها تنفق في المتوسط (وفق دراسة نشرتها "فورين بوليسي" الأمريكية) نحو 300 مليون دولار على البحث والتطوير، بعد أن تكون قد حصلت بالفعل على الموافقة على الدواء. أي أنها لا تستمر في مشروعها دون الحصول على الضمانات اللازمة للتسويق والبيع. هذا الأمر على وجه الخصوص، يخفف المخاطر "إلى مستوى الصفر" التي قد تعترض الشركة من المنتج الجديد المزمع. بالطبع تختلف التكاليف من منتج لآخر. لكن ما يطرح من أرقام يبقى في المتوسط. وحتى لو أخذنا في الاعتبار ارتفاع نسب التضخم في الفترات المتباعدة، فإن الحصول على الموافقة المبدئية تبقى حافزا وضامنا للشركة. دون أن ننسى، أن هناك نسبة هائلة تضاف إلى أسعار الدواء، نتيجة وجود أكثر من جهة وساطة في التسويق، وهو أمر ينبغي أن يدفع السلطات المعنية بأمر الدواء في أي بلد كان، على إقرار تنظيم جديد في عمليات التسويق هذه. البعض يقترح أن تكون الحكومات (مثلا) الجهات الوحيدة التي تشتري المنتج الدوائي، ما سيخفض نسبة لا بأس بها من الأسعار، وفي الوقت نفسه لا يؤثر سلبا في الشركات المنتجة. لا أحد يمكنه أن يطلب من الشركات المنتجة للأدوية أن تبيع بالخسارة فهي تقوم باختراعات وحلول صحية لا تقدر بثمن، ولكن لا يمكن فصل الربحية عن الاعتبارات الإنسانية. هناك بعض الشركات قامت بخطوات رائعة في هذا المجال، وخفضت أسعار الدواء لديها بالصورة المناسبة، لكن مثل هذه المبادرات لا تزال قليلة ومحدودة. تستطيع هذه الشركات (مثلا) أن تمد الفترة التي وضعتها لاستعادة تكلفة الدواء لفترة أطول قليلا، دون أن تتأثر عملياتها سلبا. لا أحد يريد لها أن تتعطل في الوقت الذي تقدم فيه المنتجات التي تدعم الحياة وتصونها وتخفف الآلام. ليس مطلوبا منها، سوى التعامل التجاري بطريقة أكثر إنسانية. ولا شك أن التعاون والتنسيق مع الجهات الحكومية في غالبية بلدان العالم، سيمهد الطريق إلى صيغة مثلى تبقى إلى ما لا نهاية. في العالم اليوم "بحسب منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي" 400 مليون إنسان بلا رعاية صحية. وهؤلاء يفتقرون حتى للأسبرين. ليس مطلوبا من شركات الأدوية أن تنفق عليهم. هذا ليس من واجبها ولا من مهامها، ولكن المطلوب ما يمكن وصفه بـ "الرأفة السعرية" للدواء. وهذا لا يعني على الإطلاق، تبرئة حكومات عدد كبير من البلدان غير الراشدة من "جنايتها" الصحية على مواطنيها، ولكن ينبغي عدم منح هذه الحكومات مزيدا من المبررات لفشلها. وأسعار الدواء واحد من هذه المبررات.
حدث خطأ في هذه الأداة