الجمعة، 8 ديسمبر 2017

شركات التكنولوجيا.. الإرهاب والعقاب





«التطرف يطمس مشاعر الإنسانية» 

ادوارد جيبون، مؤرخ بريطاني راحل


كتب: محمد كركوتي

لا، لم تقم شركات التكنولوجيا الأميركية (تويتر، فيسبوك، جوجل.. وغيرها) بما يكفي للوقوف في وجه التطرف والإرهاب والتضليل بشكل عام. تماماً، كما لم تتقدم بصورة مقبولة على صعيد الحد من الجرائم المالية التي تُرتكب عبرها. وهذه الشركات، وإن اتخذت مجموعة مع الخطوات الإيجابية في الآونة الأخيرة، إلا أنها لا تزال تتمتع بما يمكن وصفه بـ «الأمان العقابي» الفاعل. صحيح أنها ليست مع موجات التطرف البغيضة الدنيئة، لكن الصحيح أيضاً، أنها لا تتعاطى مع هذه المسائل بمستوى حجم خطورتها على كل المجتمعات المستهدفة. وُجه إليها الكثير من التحذيرات بلغت حد التهديدات من الجهات الحكومية، بل حتى من بعض الجهات القضائية، إلا أنها لم تغير من وتيرة تصديها للتطرف وحملات التضليل والجرائم الأخرى ذات الصلة.
الاتهام الموجه لهذه الشركات، جاء أخيراً من المنتدى الاقتصادي العالمي، وسبقته اتهامات من جهات أخرى مشابهة، عرضت كيف يمكن استخدام أدوات التواصل الاجتماعي فيما أُطلق عليه «الإرهاب المالي». وهذا الأخير مرتبط بصورة مباشرة مع المنظمات والعصابات المتطرفة، لأنه يوفر لها التمويل المطلوب، بعيداً عن أعين الجهات المختصة، علماً بأن هذا النوع من الإرهاب، ينسحب أيضاً على الجرائم المالية غير المرتبطة بالتطرف، بما فيها السرقة والاحتيال والتهديد والابتزاز، إلى آخر السلوكيات المالية المشينة. نحن أمام حقيقة ماثلة على الساحة، تتلخص بأن أدوات التواصل الاجتماعي، يمكن بسهولة كبيرة أن تتحول إلى وسائل إجرامية وإرهابية، بصور مختلفة. حقيقة يدركها خبراء هذه الأدوات، ومعهم أغبياؤها أيضاً.
المسألة تتطلب ضغوطاً أكبر على شركات التكنولوجيا لكي تدخل ضمن السياق العالمي العام الهادف إلى التصدي للتطرف والإرهاب والسرقة والاحتيال وغير ذلك. والواضح أن هذه الشركات تتجنب الانخراط الكامل في الحرب على هذه الأشكال الإجرامية، لأسباب مالية. فكل خطوة باتجاه تفعيل الحرب المشار إليها تتطلب ميزانيات أكبر، وهو أمر لا تحبه الشركات بشكل عام. واللافت أنها تحقق أرباحاً خيالية سنوية. تكفي الإشارة هنا، إلى أن مؤسسة كـ «الفا بيت» الشركة الأم لـ «جوجل» حققت أرباحاً العالم الماضي بلغت 26 مليار دولار بزيادة وصلت إلى 22 في المائة عن العام الذي سبقه. وأرباح الشركات الأخرى هائلة أيضاً (أرباح «فيسبوك» بلغت 3.9 مليار دولار)، ما يسمح لها برصد ميزانيات مرتفعة تخصص للحرب على الإرهاب والتطرف والاحتيال. ولا شك في أن التهديد بفرض عقوبات مالية عليها، سيجعلها ترفع من وتيرة نشاطها المطلوب في هذا الصدد. دون أن ننسى بالطبع، أن انخراطها التام في هذه الحرب، سيجعلها توفر فرص عمل في هذا البلد أو ذاك، مطلوبة لكل الاقتصادات، بما فيها اقتصادات البلدان الغربية الكبرى.
انها عملية متكاملة، تتطلب صرامة من الجهات الحكومية، ومشاعر أكبر بالمسؤولية الاجتماعية لدى القائمين على هذه الشركات التي تتصدر قوائم الأكبر والأكثر ربحاً على مستوى العالم.


(المقال خاص بجريدة "الاتحاد")

الفقر.. العدو المُعربد




طالما ظل الفقر والظلم وعدم المساواة في عالمنا لا أحد منا يمكنه أن يعيش بطمأنينة وراحة

نيلسون مانديلا زعيم جنوب أفريقيا الراحل

كتب: محمد كركوتي

ربما يكون المبلغ «10 تريليونات دولار» المقترح من قبل منظمة العمل الدولية لإنهاء الفقر في العالم كبيراً جداً، وقد يعتبره البعض «تعجيزياً»، ومن المحتمل أن يراه آخرون رقماً طرحته مجموعة من الحالمين، منغمسة بالنظرية ومبتعدة عن التطبيق..
إلا أنه لا حل لهذه الآفة «البشرية الصنع» من دون أن تتوافر هذه الأموال على مدى 15 عاماً من الآن.وهذا الحل لا يعني فقط نقل الفقراء إلى مستوى أعلى، بل هو أداة في نفس الوقت، لمنع تأجج المزيد من الصراعات والحد من ارتفاع مستويات الجرائم، ووقف الخراب الذي يستهدف الطبقة الوسطى في غالبية بلدان العالم.
ولم يحدث في التاريخ أن نجا مجتمع ما، بعد انهيار هذه الطبقة المحورية فيه.
إنها «السنيدة» الحقيقة لهذا المجتمع أو ذاك.
والبلدان الراشدة تصنع الآليات دائماً للحفاظ عليها، وعلى محركاتها للمجتمع والوطن. الفقر موجود حتى في البلدان التي تتمتع بأكبر الاقتصادات قاطبة.
صحيح أنه لا يُقارن، من حيث النسبة والفداحة بمثيله في البلدان الأقل ثراء، لكنه في النهاية يشكل وصمة عار على الحكومات المنتخبة المتعاقبة.
لندع هذا جانباً.. المصيبة الفعلية حقاً، أن العمل - إن توافر- ليس بالضرورة أنه ينهي الفقر لماذا؟ .. لأن 80 في المائة من العمال والمزارعين في الدول الأقل تقدماً، يرزحون في خانة الفقراء، لأن ما يقومون به لا يدر دخلاً كافياً للعيش الكريم.
أما في البلدان المتقدمة، فينتقل هؤلاء شيئاً فشيئاً من الطبقة الوسطى إلى الدنيا، بسبب تراجع الدخل!.. هذه أرقام ونسب اتفقت عليها مؤسسات ومنظمات عالمية معنية، وفي مقدمتها منظمة العمل الدولية.
المطلوب 1 في المائة فقط من حصيلة الناتج العالمي الكلي للقضاء على الفقر المدقع.
وهي نسبة كما تبدو ضئيلة، ولا تقارن بالنسبة المخصصة (مثلاً) للتسلح، أو للإنفاق على أسلحة الدمار الشامل.
مع ضرورة التأكيد دائماً على أن تكاليف الحروب والعنف تصل إلى مستويات خرافية مالياً، وأسطورية بشرياً.
وعندما نتحدث عن الفقر هنا، فإننا ندخل تلقائياً في الحديث عن «ميدان» الجوع، فإذا كان الفقراء يستطيعون العثور على اللقمة - بصرف النظر عن نوعيتها - ، فإنهم سرعان ما ينضمون إلى «جيوش» الجائعين في مرحلة لاحقة، مع استمرار تراجع مداخيلهم، وغياب استراتيجية واقعية للحد من التفاوت الطبقي هنا وهناك.
هي مصيبة مستمرة لعقود مقبلة.
صحيح أن الأمم المتحدة بمنظماتها الاجتماعية الإنسانية المعروفة تمكنت من تحقيق بعض أهداف الألفية الحالية، على صعيد الجوع والصحة والتعليم، إلا أنها لم تتمكن من إقرار مخطط عملي باشتراك الدول الفاعلة على الساحة الدولية، يستهدف إنهاء الفقر، أو مكافحته بالصورة التي يمكن أن تبشر بالخير أو تطرح تفاؤلاً ما.مصيبة الفقر لا تخص أصحابها فقط، لأنها ببساطة أزمة عالمية متصاعدة، حتى في البلدان التي بلغت إلى «سن الرشد».

(المقال خاص بجريدة "الاتحاد")

المخدرات كاقتصاد لـ «حزب الله»






"أنا رجل عصابة، ورجال العصابات لا يطرحون أسئلة"
ليل واين، مغني راب أمريكي

كتب: محمد كركوتي



لم تعد المعلومات التي تظهر بين الحين والآخر، عن تورط "حزب الله" اللبناني الإرهابي، في المخدرات وغسل الأموال والاتجار بالسلاح وحتى البشر وغيرها من الجرائم، خبرا لافتا، لأن هذا الحزب -العصابة- بات مكشوفا منذ سنوات طويلة، عندما لم يستطع تغطية حقيقته لمدة أطول. فالمخدرات، مثلا، تمثل موردا ماليا رئيسا لهذه العصابة منذ أن أسست، وهي تسيطر بالفعل على مساحات شاسعة في لبنان تعج بزراعة أغلب أنواع المخدرات. وساعدها نظاما الأسد الأب والابن طوال هذه السنوات على تنمية هذه الزراعة، وأفسحا المجال لها في تمريرها هنا وهناك. كما أن حسن نصر الله زعيم الحزب، أصدر مع علي خامنئي، رئيسه المباشر سلسلة من الفتاوى التي تبيح "دينيا" هذه الزراعة والتجارة المشينة.
هذه القضية مكشوفة، إلى جانب جرائم أخرى، مثل تجارة السلاح، وتبييض الأموال، إضافة إلى العصابات التي تعمل في محيط الاتجار بالبشر، ولها ارتباطاتها مع هذا الحزب. الذي طرح حديثا على صعيد تجارة "حزب الله" للمخدرات، أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تصعيدا ضدها، في إطار الإجراءات التي اتخذتها سابقا ولاحقا، ضمن عقوباتها المختلفة، كتجميد الأرصدة التابعة لإيران و"حزب الله"، وحظر سفر شخصيات إرهابية وإجرامية بعينها، وفرض عقوبات على أطراف غير مباشرة تعمل مع هاتين الجهتين، وإغلاق سلسلة من النشاطات التجارية في الأراضي الأمريكية تعمل لحساب نصر الله وخامنئي. بل قامت واشنطن في أكثر من مناسبة بتشجيع حلفائها الأوروبيين على اتخاذ خطوات أكثر صرامة مع هذا الحزب، الذي يمثل تهديدا مباشرا للأمن والسلم العالميين، إضافة إلى أعماله الإجرامية في المنطقة.
الجديد الآن، أن السلطات الأمريكية تمكنت من تحديد واحدة من أقوى شبكات المخدرات العالمية يديرها "حزب الله"، وتصل دورتها المالية سنويا إلى ملياري دولار. ويعترف الأمريكيون المختصون، بأن هذا الرقم ليس نهائيا، لأن الجهات المسؤولة لا تزال تمضي قدما في حصر ما أمكن لها من نشاطات المخدرات التابعة لهذا الحزب الإيراني في لبنان. ولأن الأمر يمثل مخاطر كبيرة، فقد دعت أخيرا نشرة "ذي هيل" المتخصصة في أخبار الكونجرس الأمريكي الرئيس دونالد ترمب، لتعيين رئيس جديد لإدارة مكافحة المخدرات، يمتلك رؤية واضحة لمعالجة البعد الدولي لهذه القضية. الشبكة المشار إليها تضم مناطق واسعة حول العالم، بما فيها المكسيك وفنزويلا، وعصابات متعاونة معها ضمن الأراضي الأمريكية، إضافة طبعا إلى دول في أوروبا وغيرها.
الخطوة الأمريكية المتوقعة سيكون لها أثر كبير في تجارة "حزب الله" بالمخدرات، إلى جانب طبعا محاصرته في تجارة السلاح وتبييض الأموال. والأهم من هذا وذاك، تحذيرات أطلقها ترمب علنا، من تنامي إدمان المخدرات على الساحة الأمريكية. وقد أثبتت التحريات والتحقيقات أن النسبة الأكبر من المخدرات التي تدخل الولايات المتحدة، تأتي من شبكات تابعة لـ"حزب الله". وهذا ما يعجل في إقدام الإدارة الأمريكية على اتخاذ إجراءات سريعة وقوية ومتلاحقة، لأن الأمر بات يتعلق بالأمن المجتمعي الأمريكي. وفي فترة حكم باراك أوباما، كان الأخير متباطئا في هذه المسألة، خوفا من تأثيرها في الاتفاق النووي مع إيران، هذا الاتفاق "المهزوز" الذي اعتبره الأهم في فترة رئاسته.
الوضع الآن تغير، والتدفقات المالية لـ"حزب الله" من نشاطاته الإجرامية هذه ستتعرض لمزيد من الضغوط في المرحلة المقبلة، خصوصا إذا ما علمنا أن النظام الإيراني الذي صنع هذا الحزب في قلب العالم العربي، طلب من حسن نصر الله في أكثر من مناسبة، إيجاد مزيد من مصادر التمويل المالي له، بسبب المشاكل المالية التي تعيشها إيران نفسها، نتيجة تكاليف الخراب الذي تنشره بمنهجية في هذه المنطقة أو تلك. أضف إلى ذلك، أن العقوبات التي فرضت عليها على مدى سنوات أثرت بشكل خطير في مواردها المالية، حتى بعد رفع جزء منها في أعقاب الاتفاق النووي المشار إليه. والآن هناك منظومة أمريكية أقرها الكونجرس نفسه لتشديد الحصار على المنابع والشبكات المالية لـ"حزب الله"، إضافة طبعا إلى النظام الإيراني.
إنها مرحلة جديدة ضد حزب الله تقودها الولايات المتحدة، ينقصها بعض السرعة من جانب الحلفاء الغربيين لواشنطن. فهؤلاء لا يزالون يعتمدون سياسة عقابية خجولة بعض الشيء، وكأنهم لا يعرفون حجم الخراب الذي أحدثه الحزب المذكور ومعه طهران. هذا الحزب طلب قبل سنوات من خلال مؤيديه ضمن الحكومات اللبنانية السابقة، أن يروجوا للمخدرات، بحجة أنه يمكن طرح عوائدها ضمن الميزانية العامة للبلاد! بالطبع لم يقبل أي مسؤول لبناني شرعي ذلك جملة وتفصيلا. "حزب الله" لا يمكنه أن يعيش ضمن المجال القانوني والشرعي على الإطلاق، فقد أُنشئ كعصابة، وبالتالي لا تنفع معه إلا معايير العصابات. إنه حزب تأسس ضد وطنه أولا، وضد كل حراك إنساني محليا كان أم خارجيا.


(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

بريطانيا تحت التهديد



"بريطانيا اليوم تعاني عداء التقادم"
توني بين، وزير بريطاني سابق
كتب: محمد كركوتي
بلغ الوضع الراهن بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي حدا، أن وجه الأخير للمملكة المتحدة تحذيرا هو أقرب للتهديد، فيما يرتبط بعرض الانفصال عن الاتحاد. ويتلخص التحذير - التهديد، في أنه إذا فشلت لندن في تحسين هذا العرض، فإنها بالضرورة ستفشل في إقناع زعماء هذا التكتل الكبير، بفتح محادثات تجارية مع المملكة المتحدة قبل نهاية الشهر المقبل. والعرض "كما هو معروف" يتعلق بحجم الأموال التي على الجانب البريطاني أن يدفعها لإتمام الانفصال نهائيا في آذار (مارس) من عام 2019. فحكومة تيريزا ماي تحاول بشتى الوسائل أن تخفضها إلى أكثر من النصف، في حين لا توجد إشارات واضحة من الجانب الأوروبي بقبول ذلك، بل تحدث بعض المسؤولين الأوروبيين بصورة غير رسمية بسخرية على العرض البريطاني المخفض.
المصيبة التي تواجهها بريطانيا اليوم لا تتعلق فقط بحجم أموال الانفصال، بل بالخلافات الحكومية والحزبية حول أمر الانفصال برمته. هناك كراهية واضحة لدى الوزراء في الحكومة البريطانية ضد بعضهم بعضا. والتكتلات السرية وشبه العلنية تسهم في إرباك المفاوضين البريطانيين بالفعل. بل ظهرت بعض السلوكيات البريطانية على الساحة أعطت إشارات سلبية إضافية للأوروبيين. كل الاجتماعات التي عقدتها رئيسة وزراء بريطانيا مع نظرائها في الاتحاد الأوروبي، لم تحرز أي تقدم. ناهيك عن بعض القضايا الأولية العالقة في المفاوضات لا تختص بفاتورة الانفصال، وتشكل في الوقت نفسه معضلات حقيقية. بينما تلهث لندن وراء اتفاق تجارة مع الاتحاد الأوروبي بعد خروجها حتى قبل أن يتحقق تقدم واحد يذكر في مفاوضات الخروج.
المعضلتان الرئيستان هما، وضعية جمهورية إيرلندا "العضو الكامل في الاتحاد"، وعلاقة هذه الجمهورية مع إقليم إيرلندا الشمالية البريطاني بعد الانفصال. وليس هناك تصور حتى الآن لهذه المشكلة الحساسة سياسيا واجتماعيا. وهذه النقطة أيضا أثارت مزيدا من الخلافات داخل الحكومة البريطانية نفسها، التي تجمع بين قادة الانفصال، والقادة الذين وقفوا ضده. المعضلة الثانية، هي وضعية المواطنين الأوروبيين في بريطانيا. وهذه كانت أول بند على قائمة المفاوضات ولا تزال. فالبريطانيون لم يقدموا أيضا أي تصور بهذا الصدد. ومسألة مصالح المواطنين الأوروبيين في المملكة المتحدة، تتقدم عند الاتحاد على أي موضوع آخر. هي قضية تتعلق بالفرد والناخب الذي يمثل المحور الرئيس لكل حكومات هذا الاتحاد، وأي تهاون فيها يسبب مشكلات سياسية حقيقية لكل هذه الحكومات التي تقوم بمهمة حماية حقوق مواطنيها.
الرعب الذي تعيشه الحكومة البريطانية يبقى دائما متعلقا بشكل العلاقة التجارية مع الاتحاد بعد الانفصال. إلا أن الأوروبيين يقولون لها، لنحل عدة مشكلات رئيسة أولا "فاتورة الانفصال، ووضعية إيرلندا، ومستقبل المواطنين الأوروبيين في بريطانيا"، قبل التفكير في بحث اتفاق تجاري بيننا. والاتفاق التجاري المستهدف يمثل المحور الرئيس بالنسبة لبريطانيا. هي لا تستطيع المضي مع الأوروبيين في علاقات طبيعية إلا باتفاق تجاري خاص، بحكم الصلات والتداخل في هذا المجال بينها وبين بلدان الاتحاد. واتفاق تجاري جيد، هو في الواقع بمنزلة جائزة لكل الأطراف البريطانية، بمن فيهم أولئك الذين قادوا عملية الخروج من الاتحاد. وستكون على شكل ترضية للذين يجدون أن الانفصال كارثة وطنية حقيقية على البلاد.
المفاوضات البريطانية - الأوروبية دخلت مرحلة التحذيرات - التهديدات، وهي لا تنذر بالخير، لأن المتشددين في لندن أعلنوها صراحة، أنهم يفضلون الانفصال بلا اتفاق، على طلاق باتفاق لا يمكن قبوله. وهذا ما نشر في الأجواء مزيدا من الغيوم على جانبي القنال الإنجليزي. لكن السؤال الأهم يبقى، هل تستطيع بريطانيا الانسحاب بلا اتفاق حقا؟! بل هل تسمح لها مكانتها القيام بذلك فعلا؟ الجواب ببساطة هو بالنفي القاطع. فالالتزامات بين الدول يمكن التفاوض حولها على مدى عقود، لكن من الصعب "وأحيانا" من المستحيل غسل اليدين منها. المهم الآن أن تكون هناك مرونة بريطانية، لأن الجانب الأوروبي لا ينوي توفيرها على الأقل في هذا الوقت بالذات. فالمبادرة تبقى على الجانب البريطاني.
المهلة التي منحها الاتحاد لبريطانيا لا تتجاوز عشرة أيام، وهو يريد حسمها نهائيا قبل نهاية العام الجاري، على أمل بدء مفاوضات تتعلق بقضايا أخرى في العام المقبل، بما فيها بالطبع تلك الخاصة باتفاق تجاري مستقل مع بريطانيا في أعقاب الانفصال. هناك كثير من القضايا المتشعبة تستدعي وقتا طويلا. بعض المنغمسين في المفاوضات الأوروبية - البريطانية، يقولون سرا، إن الزمن المتبقي من مدة المفاوضات لا يكفي لإتمام اتفاقات انفصال أو تجارة. وهؤلاء لا يبالغون في الواقع فيما يقولونه. فحتى لو تمت الاتفاقات في المواعيد الموضوعة لها، هناك إجراءات على المملكة المتحدة اتخاذها محليا لتسويقها شعبيا وبرلمانيا أيضا. إنها مسألة لن تفرغ بريطانيا على وجه الخصوص من آثارها لسنوات قادمة.


(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

«كاتسا» .. البعبع الأمريكي





"الإرهاب صار منظومة عسكرية في الحرب، لا تعرف الحدود"
جاك شيراك، رئيس فرنسي سابق


كتب: محمد كركوتي


لنترك جانبا التهديدات الإيرانية للولايات المتحدة بـ"الويل"، إذا ما أقرت واشنطن قانون "كاتسا" الذي يفرض عقوبات على الأذرع الإيرانية الإرهابية هنا وهناك. ولندع أيضا على الهامش تصريحات إيرانية خرقاء على شاكلة "سنعتبر القوات الأمريكية في المنطقة والعالم كـ "داعش" أو تلك التعبيرات البلهاء مثل "القانون هو الثقب الأسود للعقوبات"، أو "أم العقوبات". القانون المشار إليه أقر بالفعل، ووزعت واشنطن قائمة بأسماء الأشخاص والجهات والعصابات والميليشيات التي ينطبق عليها القانون، وكلها بالطبع في قلب صناعة الإرهاب. تهديدات النظام الإرهابي في طهران، لم تلبث أن طارت مع رياح الخريف الذي شهدت بدايته إقرار القانون. هذا النظام، لا يجرؤ في الواقع على القيام بأي خطوة مباشرة ضد الولايات المتحدة، لأنه يعرف أن نهايته ستنطلق فورا. والإرهاب الإيراني المباشر ضد الولايات المتحدة في ثمانينات القرن الماضي لا يصلح لهذه الأيام.
قانون "كاتسا"، أتى "كبعض الخطوات الأمريكية" متأخرا. ولكن هذا الأمر ليس مهما الآن، خصوصا مع وجود إدارة أمريكية حاسمة في مواقفها حيال الإرهاب الإيراني العالمي. وهي تعمل بالفعل على إزالة كل الفرص الرغيدة التي قدمتها إدارة باراك أوباما السابقة لنظام يتصدر الإرهاب. والأهم من هذا وذاك، أنها لن تتردد في توجيه الضربات العسكرية اللازمة في أي مكان يؤذي نظام علي خامنئي. ولعل هذا ما يفسر بعض التعليقات من جهات محسوبة على هذا الأخير، أن "كاتسا" لا يهدف للضغط على النظام فقط، بل يشجع على تغيير النظام نفسه. ولو حصل هذا الأمر بالفعل، لاختصرت المدة الزمنية للحرب على الإرهاب، لماذا؟ لأن إيران بعصاباتها ومخططاتها الإجرامية هنا وهناك، هي من يتصدر المشهد الإرهابي.
لا شك أن إدارة دونالد ترمب خطت خطوات واسعة لمعاقبة إيران التي تنشر الرعب والقتل والفوضى في غير بلد عربي، بل تقوم أيضا بواحدة من أكثر الأعمال دناءة وإجراما بتغييرها البناء الديموغرافي في بعض البلدان، ناهيك عن الإرهاب بالوكالة. والإدارة نفسها نزعت الامتيازات "الأوبامية" عن إيران. غير أن الأمر ليس بهذه الصرامة على صعيد البلدان الغربية الأخرى التي من المفترض أنها تشكل التحالف التاريخي مع الولايات المتحدة، خصوصا في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وعلى وجه الخصوص تسير أوروبا بسرعات بطيئة عن السرعة الأمريكية بهذا الصدد، لسبب وحيد، هو أن هذه القارة باتت صوتية أكثر منها فاعلة. صحيح أنها لا تخرج عن النطاق الأمريكي العام، ولكن الصحيح أيضا أن سياسييها باتوا يقبعون بين سماحة أوباما البلهاء مع إيران، وصرامة ترمب الواضحة معها.
هناك عقوبات تفرضها البلدان الأوروبية على إيران، لكنها تراجعت بصورة كبيرة في أعقاب التوقيع على الاتفاق النووي المهزوز مع طهران. والحق، إن الاتحاد الأوروبي بدا في أعقاب هذا الاتفاق كأنه غير مصدق أن بإمكانه العودة إلى إيران بشركاته وأموال التمويل والتسهيلات المصرفية المختلفة. ورغم تردد بعض الشركات الأوروبية في دخول السوق الإيرانية خوفا من الأمريكيين وعقوباتهم المحتملة عليها، إلا أن البعض الآخر من هذه الشركات عاد بقوة، بما فيها مؤسسات نفطية وتلك المختصة بصناعة الآليات وغير ذلك. ومع تحدي نظام خامنئي العالم بتطوير وتجربة الصواريخ الباليستية، لم يغير الاتحاد الأوروبي شيئا حيال العقوبات. ومن هنا، أسرعت الإدارة الأمريكية للتأكيد علنا، أنها تدعم أي خطوة أوروبية ضد إيران بسبب برنامجها للصواريخ الباليستية، إضافة "طبعا" لتورطها في تأجيج الصراعات والنزاعات في الشرق الأوسط.
ستتقدم أوروبا لاحقا خطوات في هذا المجال، لأن البلاهة السياسية التي أدمنتها لا تزال موجودة على الساحة. لنترك تلك "الهالة" التي اكتسبتها أوروبا في التعاطي السياسي مع المشكلات الكبرى. فأدوات الماضي لا تنفع مع معطيات الحاضر. ما هو مجد بالفعل، أن يكون التحرك ضد إيران واضحا وصارما فيما يتعلق بالعقوبات، لاسيما أن النظام الإرهابي الحاكم فيها، يمكنه الوصول إلى التمويل المالي اللازم عبر طرق لا حصر لها، ناهيك بالطبع عن سيطرته الكاملة على اقتصاد البلاد، وتحويل جانب كبير من الإيرادات لدعم عملياته الإرهابية هنا وهناك، والتوسع بالاحتلال لهذه المنطقة أو تلك. وقانون "كاتسا" نفسه "على صرامته" لا يحقق الأهداف المرجوة في تجفيف المنابع المالية لعلي خامنئي.
الإرهاب الإيراني لن يستهدف الولايات المتحدة فقط، كما أنه لا يستهدف دول المنطقة وحدها. إنه إرهاب صمم للانتشار حول العالم، وعلى الأوروبيين أن يخرجوا من تلك "العباءة" الهادئة في التعاطي مع قضية تتطلب مواقف وإجراءات وقرارات وقوانين حاسمة سريعة، خصوصا أن النظام الإيراني حصل على أكبر قدر من الفرص قبل وبعد مرحلة أوباما، الذي أراد أن يحقق نتائج تاريخية من خلال اتفاق مروع. كان حلما لهذا الأخير أخرجه على الساحة كابوسا مع زواله من الحكم.


(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثروات والملاذات الضريبية الآمنة





"الضرائب هي القيمة التي تدفعها المجتمعات المتحضرة لتبقى متحضرة"
ألبرت هارت مؤرخ وكاتب أمريكي راحل



كتب: محمد كركوتي

من حقائق ما كشفت عنه "أوراق الجنة" نسبة كبيرة من الشخصيات المعروفة عالميا مشتركة فيها. من الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا إلى المغنية شاكيرا. وما بينهما شخصيات من كل فن، وأخرى من كل أنواع الرياضة، إلى جانب طبعا الأثرياء العصاميين والنصابين، ناهيك عن أولئك الذين راكموا الثروات عبر سرقة المال العام، والصفقات المشبوهة في كل قطاع ممكن والسمسرة غير المشروعة. و"أوارق الجنة" كما يعرف الجميع، هو توصيف دقيق لقوائم حسابات مالية هائلة الحجم في الملاذات الضريبية الآمنة. فكل الأموال التي تصل إلى هذه "الجنان" تبقى آمنة من آلة المحصل الضريبي الحسابية، ويمكن تحريكها من ملاذ إلى آخر بأسهل الطرق، ولا خطر على هذه الأموال، مهما كانت الإجراءات التي تتخذها الحكومات حول العالم.
لا بد من التأكيد هنا، أن هذه الحسابات وقوائم الشركات والمصارف في الملاذات المشار إليها قانونية. صحيح أنها أقيمت هناك بهدف التهرب الضريبي على وجه التحديد، إلا أنها تدخل ضمن نطاق اللوائح المعترف بها عالميا. غير أن ذلك لا يمنح بعض هذه الأموال الشرعية من الناحية الأخلاقية، عندما لا يكون هناك تدقيق حقيقي في مصادرها. وهنا تختلط الأموال الشرعية الهاربة من الضرائب، بالأموال غير الشرعية الهادفة لشيئين، الأول تجنب الضرائب، والثاني "وهو الأهم" "إلباسها" الرداء المشروع! بمعنى آخر، إما أن تصل هذه الأموال والأعمال "مغسولة" إلى الملاذ الآمن، أو يتم غسلها فيه. والأمر ليس صعبا، طالما أن اللوائح الحكومية في كل البلدان لا تنطبق هذا الحراك المالي. دعك من تأكيدات حكومات الملاذات، بأن كل شيء تحت الرقابة قبلها فهي طرف مستفيد وبالتالي لن يكون محايدا.
المشكلة الأكبر هنا، أن الغالبية العظمى من "الجنان الضريبية"، هي في الواقع تقع تحت التاج البريطاني، بصرف النظر عن شكلية تبعيتها لهذا التاج. وهذا ما صنع حرجا قديما للمملكة المتحدة ما زال موجودا على الساحة حتى اليوم. والذي يزيد من الحرج مع الكشف عما يزيد على 13.4 مليون وثيقة، أن اسم ملكة بريطانيا ظهر فيها، بإحصاء أكثر من عشرة ملايين جنيه استرليني تابعة لها، قابعة في هذه الملاذات. صحيح أن الملكة إليزابيث لم ترتكب مخالفة في ذلك، لكن بحكم موقعها في بريطانيا وفي بلاد الملاذات التي ترأسها، وضعها في موقف أحسب أنها لا ترغب فيه. دون أن ننسى، أن الملكة لا تقوم مباشرة بتحريك أموالها، وبالتالي من الطبيعي أنها لا تعرف كل التفاصيل في هذا الخصوص.
الضرائب تبقى مسألة حساسة في البلدان الديمقراطية، وفي كثير من الأحيان تكون محورا للخلافات بين الأحزاب السياسية الوطنية، بل يتم وضعها في صلب البرامج الانتخابية لهذا الحزب أو ذاك. فإذا كانت لا تعني شيئا في بلاد غير راشدة، فهي ليست كذلك في بلد كبريطانيا. وقبل عامين عندما تم الكشف عن "أوراق بنما"، وجدوا مبلغا صغيرا لوالد رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون في هذه "الأوراق"، ما اضطر الرجل إلى القيام بحملة من أجل تبرئة نفسه من هذه الأموال، على أنها تخص أسرته قبل أن يصل إلى منصبه، وأنه لا علم له بها على اعتبار أنه لا يملكها. وغير ذلك من التبريرات. ورغم أنه حقق الهدف بالفعل من هذه التبريرات، إلا أن المسألة بقيت عالقة به، سواء نجح أم فشل.
ما يجعل "أوراق الجنة" خطيرة بتداعياتها، أنها تختص بـ19 ملاذا آمنا. كما أنها لن تتوقف عند الكشف عنها فقط، خصوصا أنها لا تتضمن تفاصيل استثمارات تنظر لها المؤسسات الدولية على أنها مشينة حقا، بما في ذلك أموال للملكة البريطانية نفسها، استثمرت في أعمال اعتمدت على استغلال العائلات الفقيرة، وغالبا ما تكون هذه العائلات في بلدان فقيرة جدا، إلى جانب عدم مراعاة قوانين التشغيل وغير ذلك. "الأوراق" كشفت كثيرا من الأعمال المريبة، وعن شخصيات لا تزال في قمة السلطة بما في ذلك رئيسي الولايات المتحدة وروسيا. والمصيبة الأكبر لا تكمن في الكشف عن الأموال في الملاذات المذكورة، بل في تفاصيل الاستثمارات التي يقوم بها أصحابها، ما يحول المسألة من تهرب ضريبي مريب لكنه مشروع، إلى سلوكيات استثمارية مشينة.
مع الضغوط الناجمة عن "الأوراق"، أسرعت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إلى التعهد بمعالجة المخططات التي يتم عبرها التجنب الضريبي. لكن مهلا، هل تستطيع القيام بذلك فعلا؟ لا لن تستطيع، والسبب أنها تقود حكومة ضعيفة جدا تتعرض للتشتت بصورة مستمرة. كما أنها "أي ماي" صارت منذ أشهر أضعف من حكومتها. ستبقى كلماتها للاستهلاك الإعلامي فقط. الخطوة الأهم من "ماي" وغيرها من القيادات حول العالم، أن تكون هناك حملة دولية موحدة، على غرار تلك التي أطلقت في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية واستهدفت التهرب الضريبي، وركزت على الملاذات الضريبة الآمنة على وجه الخصوص، بشرط أن تكون مستدامة. فالحملة المشار إليها، سرعان ما خبت بعد أن تراجعت ضربات وتداعيات الأزمة العالمية.


(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

«الردح» البريطاني - الأوروبي






"بريكست مثال دقيق لأمة أطلقت النار على نفسها في وجهها"
هيو جرانت ممثل بريطاني عالمي



كتب: محمد كركوتي

"الردح" السياسي ليس حكرا على أمة أو أمم. هو سلوك يستخدمه الغرب والشرق، وإن كان هذا الأخير أكثر استخداما له. ووفق هذا الاستنتاج، كان طبيعيا أن تدخل مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بينها وبين هذا الاتحاد مرحلة "الردح" السياسي، ولا بأس ببعض "الردح" الفكاهي الذي يسبب الغيظ حتى أكثر من السياسي. اللافت أكثر، أن "الردح" لم يعد قاصرا على البريطانيين والأوروبيين، بل شمل أيضا البريطانيين أنفسهم. وهذا في المعيار السياسي مصيبة، خصوصا عندما تكون البلاد في مرحلة مفاوضات شاقة وغير واضحة المعالم، بل دون ضمانات حقيقية أن تصل إلى نهاية محددة. فلا عجب، عندما يطالب الاتحاد الأوروبي المملكة المتحدة أن تكون متحدة في المفاوضات معه، وأن تتوقف عن التلاسن الداخلي، لأن ذلك ينعكس سلبا على مفاوضات مضطربة أصلا.
خمس جولات من المفاوضات بين بريطانيا والاتحاد، استهلكت ستة أشهر تقريبا من الفترة الزمنية المحددة لها بعامين كحد أقصى. هذه الجولات لم تحقق شيئا. الاتهامات متبادلة، والأهداف تبدو في الوقت الراهن متعارضة. الأوروبيون لا يبدو أنهم في عجلة من أمرهم، على عكس البريطانيين الذين يريدون تقدما واضحا ملموسا، ليس فقط من أجل إتمام الخروج النهائي، بل أيضا كي تستطيع الحكومة البريطانية المضطربة تقديم شيء ما للبريطانيين أنفسهم. فالساحة الشعبية في المملكة المتحدة بدأت تميل بعض الشيء للاستنتاج الذي توصل إليه محبو الاتحاد الأوروبي، أن قرار الخروج كان خطأ. يضاف إلى ذلك، أن تيريزا ماي رئيسة الوزراء تعمق ضعفها على الساحة الداخلية يوما بعد يوم، ليس فقط جراء الارتباك في إدارة المفاوضات، بل أيضا من جهة "حروب" شبه مستترة داخل الحكومة نفسها!
هناك ما لا يقل عن 50 تقريرا سريا حتى الآن تحتفظ بها الحكومة حول الخروج البريطاني "بريكست"، تطالب تيارات سياسية قوية بنشرها على الملأ، في حين ترفض الحكومة الإقدام على هذه الخطوة. وهذا الرفض يعزز موقف المعسكر المخلص للاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة، الذي يقول منذ البداية إن الكارثة ستكون كبيرة على بريطانيا جراء الخروج، وإن من حق البريطانيين كلهم الاطلاع على الحقائق كما هي، ناهيك عن ترويجهم لضرورة عرض نتائج المفاوضات على استفتاء عام جديد. تيريزا ماي يبدو أنها لا تملك إلا الجملة الشهيرة التي ترددها في كل مناسبة "بريكست يعني بريسكت"، في محاولة باتت مملة للتأكيد أنها تحترم اختيار البريطانيين للخروج بدلا من البقاء. ولأن الضغوط باتت قوية عليها، أسرعت للإعلان أخيرا أن الاتفاق مع الاتحاد سيعرض للتصويت على مجلس العموم.
ولكن ما مصير التقارير السرية التي ترفض الإفراج عنها؟ سيظل مجهولا حتى تضطر إلى الرضوخ، لاسيما أنها ليست في موقف قوي يمكنها من التمسك بموقفها هذا إلى النهاية. فإذا كانت تحترم رغبة أغلبية الشعب البريطاني في الخروج، فإن عليها "بحسب المعسكر المضاد" أن تضع كل شيء على الطاولة. فهذا هو السلوك الديمقراطي الحقيقي. ورفض نشر التقارير التي أعدتها مجموعة من الجهات المختصة المستقلة، يفتح مجالا واسعا أمام من يرغب في التشكيك في "بريكست"، لدعم وجهة نظره بكارثية الانسحاب. معنى ذلك أن هناك شيئا خطيرا بالفعل تريد الحكومة التعتيم عليه خلال ما تبقى من زمن للمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي. وأيا كان محتوى التقارير المشار إليها، فقد أضافت هما جديدا لحكومة يمكن أن تنهار في أي لحظة.
الانهيار المشار إليه يقلق بالفعل المفوضية الأوروبية. فهي لا تعرف كيف ستتعامل مع الفوضى السياسية على الساحة البريطانية إذا ما حدث ذلك الانهيار. صحيح أن الاتحاد الأوروبي في موقف قوي، لكن الصحيح أيضا أنه بحاجة إلى جهة قوية للتفاوض معها. جهة يمكنها أن تسوق أي اتفاق معه على الساحة المحلية. جهة تستطيع أن تبرم اتفاقات جديدة بين بريطانيا الخارجة من الاتحاد وهذا الأخير. وهذه النقطة أيضا محورية، بل تتصدر كل المحاور. إنها تتعلق بمستقبل العلاقات بعد الانسحاب، من اتفاقات تجارية ومالية واجتماعية وغير ذلك. ثبت بالفعل أن "الردح" بين الطرفين يعطل مسيرة التفاوض، أو يطرح محاور جديدة لا يمكن أن تتحملها مثل هذه المفاوضات.
ضحك الأوروبيون كثيرا على ما أعلنته ماي أن "الكرة باتت في الملعب الأوروبي". وردوا أن العملية ليست بالضبط لعبة كرة. لماذا؟ لأن هناك تسلسلا واضحا للمفاوضات، وحتى الآن لم يتم إيجاد أي حل للخطوة الأولى. ما هي؟ إنها إجراءات "الطلاق". المصيبة، أن الأوروبيين بدأوا بالفعل يتحدثون عن "معجزات" من أجل أن تتقدم المفاوضات، ما يعني أن شيئا لم يتحقق حتى اليوم، وأن الأيام المقبلة ستكون مليئة بكل شيء إلا بالنتائج. سيكون "الردح" أعلى بين الجانبين. لكن الخطورة الأكبر في "الردح" الوطني البريطاني المحلي.


(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الاثنين، 6 نوفمبر 2017

الضرائب.. اقتصاد وطني أيضاً





تأكد.. تأكد من أنك تدفع الضرائب، وإلا ستقع بمشاكل كثيرة»
ريتشارد نيكسون رئيس أميركي راحل


كتب: محمد كركوتي

لم يثبت أن أحداً أحب الضرائب. لكن لم يثبت أيضاً أن نمواً وازدهاراً وإنتاجاً وتقدماً اقتصادياً في بلدان راشدة، حدث من دون الاعتماد على الضرائب كمصدر رئيس من مصادر الدخل الوطني. إنها مسؤولية الحكومات في عملية الإنفاق، وليس فقط مسؤوليتها في التحصيل المالي. وكل إنفاق يتطلب رافداً مالياً له. تلك هي القاعدة التي قامت عليها اقتصادات متطورة وراسخة، ولم تحقق من خلالها «تخزيناً» للمال، بل إنفاقاً واجباً في هذا القطاع أو ذاك، وفي هذه الخدمة أو تلك. والضرائب (كغيرها من الرسوم) تستند إلى العدالة، بمعنى أنها لا تظلم أحداً، بأن تأخذ منه أكثر مما عليه. في أحد الأيام احتج متمول أميركي على أن الحكومة فرضت عليه أكثر من مليوني دولار كضرائب، زاعماً أنه لا يملك هذا المبلغ، دون أن ينتبه أنه فضح نفسه في احتجاجه. فإذا كانت الضرائب المفروضة عليه بهذا المستوى، علينا أن نتخيل دخله المالي السنوي! تبدأ الإمارات (كما بقية دول مجلس التعاون الخليجي) العام المقبل فرض ضريبة القيمة المضافة ‬VAT. ‬وهذه ‬الضريبة ‬ليست ‬على ‬الدخل، ‬وإنما ‬على ‬قيمة ‬سلع ‬مستهلكة ‬محلياً، ‬يصل ‬عددها ‬إلى ‬90 ‬سلعة ‬تقريباً. ‬وبالطبع ‬لا ‬تشمل ‬السلع ‬الاستهلاكية ‬والأدوية ‬والمستلزمات ‬الطبية ‬وغيرها ‬من ‬تلك ‬التي ‬تكتسب ‬جوانب ‬إنسانية ‬مباشرة.
في ‬حين ‬أن ‬من ‬بين ‬السلع ‬المستهدفة ‬تلك ‬التي ‬لا ‬تمثل ‬حاجة ‬ملحة، ‬بل ‬إن ‬بعضها ‬له ‬مضاره ‬الصحية ‬الخطيرة، ‬كالتبغ ‬ومشروبات ‬الطاقة، ‬أو ‬تلك ‬المليئة ‬بالسكريات. ‬دون ‬أن ‬ننسى، ‬أن ‬التكاليف ‬الصحية ‬لهذه ‬السلع، ‬تضيف ‬أعباء ‬مالية ‬على ‬كاهل ‬الخدمات ‬الطبية ‬نفسها، ‬بالإمكان ‬تجنبها ‬بسهولة.
‬ودول ‬الخليج ‬العربي، ‬بحاجة ‬حقاً ‬إلى ‬فرض ‬هذا ‬النوع ‬من ‬الضرائب، ‬في ‬إطار ‬التحولات ‬الاقتصادية ‬التي ‬تشهدها. ‬وكانت ‬مطالبة ‬من ‬المنظمات ‬الدولية ‬الاقتصادية ‬الكبرى، ‬بضرورة ‬الإقدام ‬على ‬هذه ‬الخطوة ‬في ‬إطار ‬تكريس ‬التوازن ‬الاقتصادي ‬المحلي.
على كل حال، ضريبة القيمة المضافة ليس قديمة، وتعود فقط إلى مطلع خمسينيات القرن الماضي، ووفرت مداخيل هائلة للحكومات في بلدان كبرى. في بريطانيا (مثلاً) تصل عوائد هذه الضريبة إلى 120 مليار جنيه استرليني سنوياً. وتعفي المملكة المتحدة الطعام وملابس الأطفال والكتب فقط من هذه الضريبة. وتختلف قيمة الضريبة المشار إليها من بلد لآخر، لكن الفروقات ليست كبيرة.
في الإمارات لن تزيد نسبة الضريبة على 5%، بينما تصل في بلدان كبرى إلى ما فوق 20%. ويبقى السؤال الأهم، هل سترتفع تكلفة المعيشة في بلدان الخليج جراء هذه الضريبة؟ المرجح أنها سترتفع، ولكن بصورة ضئيلة للغاية. لكن الأهم من هذا، أن الارتفاع سيكون متفاوتاً طبقاً لنمط معيشة الأفراد. أي أن الفرد هو الذي يستطيع أن يتجنب ارتفاع التكاليف، بنمط حياة أكثر تطوراً. إنها ببساطة ستطرح ثقافة جديدة في المجتمع، بحيث لا يكون الاستهلاك هدفاً بحد ذاته. المجتمعات الراشدة تخلصت من هذا «الهدف» منذ عشرات السنين.

(المقال خاص بجريدة "الاتحاد")

الاحتلال الاقتصادي الإيراني لسورية



"بدلا من استغلال إيران عوائدها المالية لتنمية البلاد، استخدمتها لإشعال الفتن خارج حدودها"

من بيان للسعودية أمام الأمم المتحدة

كتب: محمد كركوتي


أيا كان شكل النهاية للمصيبة الحاصلة في سورية منذ سبع سنوات، يعمل الاحتلال الإيراني لبعض المناطق السورية على احتلال اقتصادي كامل لهذه البلاد المنكوبة. وأيا كانت المحصلة الكارثية لما يجري في سورية، فنظام علي خامنئي يتحرك بكل ما يملك من أدوات لتكريس وجوده الطائفي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، في أبشع استغلال لمستقبل شعب منكوب، ليس فقط جراء وجود سفاح مثل بشار الأسد "رئيسا"، بل لقيام هذا القاتل بفتح سورية كلها، أمام دول وجهات لا تنشط إلا في زيادة المصائب، ونشر الخراب، في ممارسات خيانة نادرة في التاريخ الحديث. كانت إيران بنظامها الطائفي العدواني التخريبي أول المدعوين إلى "الوليمة" المفجعة. وأتت بالفعل تجر معها عددا من العصابات التابعة لها، وفي مقدمتها حزب الله الإرهابي الذي يحمل خطأ توصيف "اللبناني".
قيادة الاحتلال الإيراني في سورية لا تخفي مخططاتها الاقتصادية تماما مثلما لم تخف أعمالها الوحشية الفظيعة في هذا البلد. وطهران تملك المال اللازم لإتمام حلم السيطرة الكاملة على الاقتصاد السوري بعد انتهاء الحرب الدائرة، كيف؟ بتحويلها كل العوائد المالية التي تمكنت من الحصول عليها في أعقاب رفع العقوبات عنها "وفق الاتفاق النووي المشكوك فيه دائما"، إلى تنفيذ برنامج السيطرة الاقتصادية، دون أن تنفق دولارا واحدا على التنمية في إيران نفسها. أولويات نظام خامنئي -كما سلفه الخميني- لم تكن يوما الشعب الإيراني، وإنما تنفيذ استراتيجية الخراب الطائفية البغيضة، هنا وهناك، وتحقيق حلم بائس مشين، بإنشاء ما اصطلح على تسميته بـ"الهلال الشيعي". حتى هذا الأخير لم يعد حلما مقبولا لخامنئي، ما يفسر تصريحات قياديين لديه بأنهم يسعون إلى إنشاء "البدر الشيعي"!
وقد يقول قائل: إن روسيا لها حضورها الأكبر على الساحة السورية، فكيف يمكن أن نطرح مطامع خامنئي الاقتصادية في هذا البلد فقط؟ وهذا سؤال في محله. فكل بلد يمكنه الوصول إلى ساحة ما ترغب وتسعى إلى تدعيم وجودها والحصول على العوائد المطلوبة على مختلف الأصعدة، لاسيما الاقتصادية. فكل ساحة -مهما كانت أزماتها- تطرح فرصا اقتصاديا متعددة، بل توفر مسارب للحصول على الأرباح والعوائد الكبيرة أيضا. غير أن الأمر مختلف عن الحالة الإيرانية. فطهران مستعدة للإنفاق بلا حساب، ليس فقط من أجل عوائد اقتصادية، بل لتحويل أحلامها المريضة إلى حقائق. الأجندة واضحة، تتعلق بالتمكين الشيعي في سورية، خصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار عمليات التهجير المفجعة للسوريين السنة من مناطقهم وبيوتهم، وإجبار شريحة منهم على النزوح إلى مناطق داخل سورية لأسباب طائفية.
أحلام كثيرة لنظام علي خامنئي في سورية والمنطقة ككل. فبعد العراق تأتي سورية، ما يعني أنه وصل إلى ساحل المتوسط. ومن هنا يمكن فهم المخطط الراهن بإنشاء سكة حديد تنطلق من طهران لتصل إلى البحر المتوسط! ناهيك عن المشاريع الأخرى ذات البعد الاستراتيجي، كتأهيل منصات النفط السورية، وإعادة تأهيل شبكات الكهرباء من خلال استيراد خمس محطات قوة من إيران، إضافة طبعا إلى سلسلة من الاتفاقيات بين نظام سفاح سورية وطهران، تكبل السوريين على مدى عقود. وليس غريبا -مثلا- أن يكون وفد خامنئي إلى معرض "إكسبو" في دمشق، أكبر الوفود قاطبة، بانضمام 30 شركة إيرانية إليه. أضف إلى ذلك تلك العمليات الدنيئة التي تقوم بها إيران في المناطق السنية وتحويلها شيئا فشيئا إلى مناطق شيعية، في واحدة من أكبر الجرائم الديموغرافية.
إذا كان لروسيا -وغيرها من البلاد المتورطة في سورية- مطامع اقتصادية مفهومة في سورية في مرحلة إعادة الإعمار، فلإيران مطامع على مختلف الأصعدة، يختصرها الحلم الإيراني الشيعي الذي أتى به الخميني قبل أكثر من ثلاثة عقود. وهو حلم لا يستحق إلا مواجهته بكل قوة ممكنة. فالمكاسب الاقتصادية الإيرانية -رغم أهميتها- من سورية تأتي في ذيل القائمة. قبلها، هناك نشر الطائفية بكل قباحتها، بما في ذلك إتمام تغيير ديموغرافي يعاقب عليه القانون الدولي، وتمكين نظام سفاح سورية بكل الوسائل، لأن هذا الأخير مستعد لبيع كل سورية وقتل شعبها كله، من أجل البقاء ساعة إضافية واحدة في سلطة لم يستحقها منذ اليوم الأول لوصوله إليها. أشياء كثيرة تسبق الهدف الاقتصادي لنظام الملالي. وهذا الأخير مستعد للإنفاق والتمويل بصرف النظر عن أوضاعه الاقتصادية المحلية السيئة.
عند خامنئي الشعب الإيراني ليس مهما، أو في أحسن الأحوال ليس أولوية، والتنمية المحلية تأتي لاحقا بصرف النظر عن المدة. المهم أن يظهر "الهلال الشيعي" ويا حبذا "البدر الشيعي"، أما بقية الأشياء الأخيرة ليست سوى تفاصيل تحتمل التأجيل! بالطبع هذه الأحلام لن تصل إلى مبتغاها، لكن لا يمكننا أن ننفي وجود الأضرار الناجمة عن الاحتلال الاقتصادي الإيراني لسورية.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

«بيتكوين».. عملة الإرباك





«الآن عملة بيتكوين، تشبه شبكة الإنترنت قبل ابتكار صفحاتها»

ينس كاساريس أرجنتيني، مؤسس بنك «ليمون» البرازيلي

كتب: محمد كركوتي

جاء تحذير محافظ المصرف المركزي الإماراتي من المخاطر المرتبطة في التعامل بالعملات الافتراضية، في الوقت المناسب. وأتى مغلفاً بمسؤولية عالية المستوى والقيمة، ولا سيما العملة الأكثر شهرة «بيتكوين»، التي تحدث إرباكاً على الساحة المالية العالمية.
ولهذا الإرباك عدة أسباب، في مقدمتها، أنها حققت حضوراً فعلياً في العالم المالي الافتراضي-الرقمي، وتمكنت من رفع قيمتها على مدى سنوات قليلة لمستويات خيالية حقاً، وتصدرت المشهد المالي الإلكتروني الزاخر بعملات مشابهة أخرى. لكن الأهم من هذا وذاك أن «بيتكوين» لم تحظَ باعتراف من جانب الجهات التنظيمية. والنقطة الأخيرة هي التي استند إليها محافظ «المركزي الإماراتي».
هذه العملة المُحيرة، لا تتمتع بتغطية من الذهب والعملات الأجنبية، ما يعزز تحذير المحافظ، بصرف النظر عن سماح بعض البلدان التعامل بها. النقطة الأهم في النهاية، أنها لا تخضع لرقابة. ومثل هذا التسيب، لا يضع أموال المتعاملين بها في خطر، بل يهدد النظام المالي بأزمة لا يمكنه تحملها، وإن كان قادراً على استيعابها.
ولم يكن رجل الأعمال السعودي الأمير الوليد بن طلال مُبالغاً حين عبر عن اعتقاده بأن «بيتكوين» ستنفجر يوماً، بل مضى أبعد من ذلك بقوله «ستكون أنرون جديدة»! ومع ذلك، تساهم حكومات بعض البلدان الكبرى في التشويش الحاصل من العملة الافتراضية المذكورة. لماذا؟ لأنها سمحت بالفعل في التعامل بها، دون أن تمنحها الغطاء التشريعي المعول به عالمياً. ومن هذه الدول (مثلاً) الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا والسويد وكوريا الجنوبية وكندا وفنلندا وهولندا، إلى جانب بلدان أقل شأناً على الساحة الاقتصادية العالمية. والغريب أنها تُعتبر في الدول المشار إليها «عملة صديقة»، وهذا توصيف مطاطي وهلامي، يصعب قبوله وفق المعايير الحقيقية على الساحة المالية بشكل عام.
ومن ضمن المشاكل أيضاً أن «بيتكوين» ليست سوى عملة رقمية واحدة بين أكثر من 60 عملة متداولة افتراضياً! وهذه العملات تمضي قدماً بحضورها على الساحة بنفس الصيغة التي تتمتع بها «بيتكوين»، ما يعني أن غياب رقابة مباشرة إلى جانب عدم وجود لوائح تنظيمية حتمية، ستكون الفوضى حاضرة ستقود المشهد العام بدورها إلى أزمة مالية كبرى. ففي حين بدأت قيمة هذه العملة عام 2013 ب 1155 دولار لكل «بيتكوين» واحد، بلغت اليوم 2400 دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى 3000 دولار بنهاية العام الجاري. وهي ارتفاعات مخيفة تحمل معها محركات الانهيار في أي لحظة.
لابد من الاعتراف هنا، أن العملات الافتراضية صارت واقعاً، وبدأت مؤسسات كبرى التعامل فيها، من بينها «مايكروسوفت» نفسها «وباي بال» وغيرهما. لا أحد يطالب بإلغاء هذه العملات أو محاربتها، لأن التطور المالي يحتم وجودها، لكن المطلب الوحيد حالياً يبقى منحصراً، بضرورة تدخل الجهات التنظيمية والتشريعية المالية، لتوفير الضمانات اللازمة ليس فقط لمن يرتضي التعامل ب«المال الرقمي»، بل لمسار الاقتصادات الوطنية نفسها.

(المقال خاص بجريدة "الاتحاد")

الثلاثاء، 24 أكتوبر 2017

معزوفة انفصالية شمال أوروبا وجنوبها




"الوطنية، عندما يأتي حبك لأبناء وطنك أولا. القومية، عندما تأتي كراهيتك لأبناء أوطان أخرى أولا"
شارل ديجول - رئيس فرنسي راحل

كتب: محمد كركوتي

غطت أحداث الاستفتاء الذي أُجري في إقليم كتالونيا للانفصال عن المملكة الإسبانية، على أخبار وتطورات مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست". هذا الحدث الكتالوني يستحق توصيف "التاريخي"، على الرغم من أنه لم يكن الأول من نوعه. وهو كذلك، لأنه جمع أكبر عدد من الناخبين الذين صوتوا لمصلحة الانفصال، ناهيك طبعا عن أعمال العنف النادرة التي حدثت قبل الاستفتاء المذكور وبعده، إلى جانب بالطبع التحركات المضادة للانفصال، سواء من شريحة الكتالونيين الوحدويين، أو من الإسبان الوطنيين بشكل عام. "بريكست" تراجع عن الواجهة في الفترة المذكورة، لكنه سرعان ما ظهر مرة أخرى، ليس من جهة تحقيق تقدم في مفاوضات الخروج "فلا تقدم حدث حتى اليوم"، بل بسبب المعزوفة الانفصالية الاسكتلندية التي ارتفع صوتها مؤيدا استفتاء الكتالونيين الانفصاليين.
في أوروبا اليوم، رحى انفصال تطحن في شمالها، ورحى انفصال آخر في جنوبها. لكن هذه الأخيرة بلغت الحد الأقصى، لماذا؟ لأن الحكومة المركزية في مدريد ترى أنه لا يوجد خيار آخر لإيقاف موجة الانفصال إلا بإعادة كتالونيا تحت السلطة المركزية، ونزع الحكم الذاتي الذي تنعم به عنها. والحق أن العاصمة منحت كثيرا من الفرص لرئيس حكومة الإقليم كارلس بودجمون للتراجع عن الاستفتاء واعتباره شيئا لم يكن، لكن قومية الأخير حولته إلى كائن صامت، بعد صراخ وصخب، لا يرد لا بالسلب ولا بالإيجاب، أملا أن تحدث المعجزة، وتمضي خطوات الانفصال إلى الأمام. يحتاج بالفعل إلى معجزة لأسباب كثيرة. لعل في مقدمتها، أن الاستفتاء من ناحية دستورية غير شرعي، وهذه النقطة على وجه الخصوص، لم تستقطب جهة أوروبية واحدة مؤيدة للانفصال إلا اسكتلندا. وهذه الأخيرة لا تمنح دعما بقدر ما تطرح تشويشا جانبيا فقط.
تلاقت مصالح الانفصاليين في الإقليمين الإسباني والبريطاني في فترة زمنية حساسة بالفعل، لكنهم في النهاية لا يملكون الأدوات اللازمة للتقدم في هذا الاتجاه. وإذا كانت هناك إمكانية مستقبلية لاسكتلندا بالانفصال عن المملكة المتحدة "ربما مع نهاية العقد الحالي"، غير أن الأمر مختلف تماما في الحالة الكتالونية. فالإقليم الإسباني لا يمكنه العيش معزولا حتى لو حدثت المعجزة وتم الانفصال، وهو ممنوع مسبقا من دخول الاتحاد الأوروبي، والسبب أن أي عضو جديد في هذا الاتحاد يحتاج إلى إجماع الدول المنضوية تحت لوائه. وهذا يعني أن لإسبانيا حق الفيتو. دون أن ننسى، أنه ليس جارا لدولة أوروبية صغيرة لا نفوذ لها، بل يشترك مع فرنسا بحدود طويلة، كتب فيها تاريخ محوري مس القارة كلها. بل شهد هذا الشريط الحدودي، ولادة أدب غربي رفيع يُدرس في مدارس ومعاهد هذه القارة.
في الحالة الاسكتلندية الأمر مختلف. فبريطانيا ستكون خارج الاتحاد الأوروبي في غضون عام ونصف العام، وبالتالي لن يكون لها صوت في مسألة انضمام اسكتلندا للاتحاد الأوروبي من عدمه، إذا ما تمكن الانفصاليون الاسكتلنديون من تحقيق حلمهم. بل المرجح أن تلقى ترحيبا من الاتحاد، لو استطاعت المفوضية منع فيتو انتقامي إسباني، كترهيب للكتالونيين. غير أن هذا الفيتو ليس مطروحا، لاعتبارات عديدة، منها أن إسبانيا المركزية لن تدخل في معارك أوروبية من هذه الزاوية، وهي لا تستطيع في الواقع مواجهة من هذا النوع، بينما لا تزال تتلقى الدعم الاقتصادي من الاتحاد، وهو الدعم الذي بدأ "كما هو معروف" ضمن خطة إنقاذ موازية بعض الشيء للخطة الخاصة باليونان. يضاف إلى ذلك، أن مدريد لن تنسى وقوف الاتحاد لجانبها في الأزمة الكتالونية.
الاتحاد الأوروبي أعلن صراحة وبقوة أنه يقف مع الحكومة المركزية الإسبانية، لا يهم امتعاض الانفصاليين الكتالونيين. فالاتحاد يستند إلى مبرر قانوني ودستوري لا يترك مجالا لانتقاده، وبذلك أراح نفسه من مسألة عويصة وخطيرة، هي في الواقع آخر ما يأمل أن تحدث. والمسألة الكتالونية رغم محليتها، إلا أن روابطها الأوروبية متشعبة. الأمر ليس بهذه الصورة في المسألة الاسكتلندية، خصوصا عندما لا يكون الصوت البريطاني حاضرا في قلب صنع القرار الأوروبي. وكأن الأوروبيين يقولون للاسكتلنديين، إذا استطعتم الانفصال وفق المبادئ الديمقراطية، تعالوا إلينا أهلا وسهلا. غير أن هذا كله، لا يجعل الاتحاد الأوروبي مرتاحا. فأكثر ما يؤرق كتلة كبرى كهذه دعوات الانفصال في هذا البلد أو ذاك، لاسيما عندما تظهر تلك القوميات المخيفة.
يعتمل في أوروبا اليوم الانفصال في شمالها وجنوبها، دون أن نشير بالطبع إلى الأزمة الكامنة المهيأة للانفجار في أي لحظة من جهة إيرلندا الشمالية. وهذه الأخيرة وحدها مشكلة مرتبطة بـ"البريكست" نفسه مباشرة بفعل الروابط بين إيرلندا العضو الكامل في الاتحاد والإقليم الشمالي الذي يقبع تحت التاج البريطاني. وفي كل الأحوال، لا يبدو هناك أمل للكتالونيين في انفصال من جانب واحد. قد يحصلون على بعض الامتيازات المحلية، لكن لا انفصال.. لا انفصال.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الاثنين، 23 أكتوبر 2017

تكاليف أسطورية للعنف



«أولئك الذين يجعلون السلم مستحيلاً، يصنعون عنفاً بلا حدود»

جون كيندي، رئيس أميركي راحل


كتب: محمد كركوتي 

لا شيء يقف في وجه تصاعد الخسائر المالية الناجمة عن العنف بمفهومه العام. وهذا النوع من الخسائر لا يختص فقط بالتكاليف الناجمة عن هذه الآفة، بل يشمل أيضاً الإنفاق على مواجهتها، عبر العمليات عسكرية، والتأمين الخاص، بالإضافة إلى ما تحتاجه قوات حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة من أموال لأداء مهامها الطويلة والخطيرة في آن معاً. ولذلك وُضعت الحروب، وعمليات الإرهاب، والثورات المنفلتة، ومواجهات العصابات فيما بينها، والمناوشات العسكرية بين بلدين متجاورين (وما أكثرها)، والاقتتال القبلي العصبي الطائفي، وُضعت كلها ضمن توصيف العنف، فالخراب الناجم من هذه الحالات المروعة كبير، من دون أن ننسى بالطبع الانعكاسات الرهيبة لها على التنمية والمجتمعات والإنتاجية، وغير ذلك من العناصر الحتمية لضمان قيام أي اقتصاد في هذا العالم.
العنف بكل فروعه، كان طبيعياً أن يتسبب في تراجع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بصورة مخيفة في السنوات القليلة الماضية، فوفق «معهد الاقتصادات والسلام» الدولي، خفض العنف (أو الأعمال العدائية) هذا الناتج في العام 2015 بنسبة 13.3%، أي ما يعادل 1876 دولاراً لكل فرد على وجه الأرض، أمام التكاليف الإجمالية فقد وصلت إلى 13.6 تريليون دولار! ما يوازي ناتج كل من اليابان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا مجتمعة! بل أدنى قليلاً فقط من الناتج الإجمالي لكل بلدان الاتحاد الأوروبي البالغ 16.6 تريليون دولار! والمصيبة هنا، أن عدداً ليس كبيراً من البلدان ينعم بالسلام والأمن في هذا العالم المليء بالمخاطر، ما يؤكد مجدداً أن لا نهاية لهذا العنف، ولا حد لتلك الخسائر، ولا توقف للمشاكل والأزمات الاقتصادية.
المصائب التي يصنعها الإنسان، لا تقارن من حيث الخسائر والأضرار (طبعاً، من دون ذكر تبعات الكراهية التلقائية) مع تلك الناجمة عن الكوارث الطبيعية، أي أن الإنسان أكثر كارثة على نفسه من غضب الطبيعة ذاتها، وهذا يظهر بوضوح (مثلاً) من تكاليف الكوارث الطبيعية التي بلغت العام الماضي 79 مليار دولار، سبعون في المائة منها تم تسديده عبر شركات التأمين. وأيضاً، لا داعي للاستفاضة في تناول حجم الخسائر البشرية الناجمة عن هذه الكوارث، التي بلغت 3800 قتيل في الستة أشهر الأولى من 2016. علينا أن نتخيل الخسائر البشرية المقابلة الناتجة عن العنف والأعمال العسكرية المختلفة! سيبدو غضب الطبيعة على الإنسان رحمة، مقارنة بغضب البشر على أنفسهم.
كل ذلك يضرب الناتج المحلي الإجمالي العالمي بصورة خطيرة، وينال على وجه الخصوص من بلدان لا تتحمل عاصفة غبار بسيطة من فرط هشاشتها الاقتصادية، فكيف الحال بأعمال عنف وحروب بعضها لا آفاق له، وبعضها الآخر لا أمل حتى بيوم يأتي ليشهد نهايتها؟ والغريب أن البعض لا يحب معرفة، أن تكاليف التنمية والبناء تظل أقل بكثير من تكاليف الحروب وتداعياتها. وهذا هو الفارق بين دول تعتمد على السلم والأمن كـ «رأس مال» لها للمضي قدماً نحو التنمية المستدامة، وبلدان ترى في السلاح والكراهية والعنف «رأس مالها»! لكن المصيبة، لا يمكن فصل العالم عن بعضه بعضا، فتداعيات العنف والحروب تنتقل بصور مختلفة في كل الأرجاء.
الناتج الإجمالي العالمي واحد، وإن كان مكوناً من «نواتج» كل البلدان، وكلما تقدم السلام على الحروب، كان هذا الناتج أكثر صحة، وكأنه جسد واحد لأطراف عديدة.

(المقال خاص بجريدة "الاتحاد")

إيران .. من أوباما إلى ترمب



"شكرا لهيلاري كلينتون. إيران صارت قوة، وفي طريقها نحو السلاح النووي"             
دونالد ترمب - رئيس الولايات المتحدة 

كتب: محمد كركوتي
لم ينعم النظام الحاكم في إيران بمساحة زمنية مريحة إلا في ظل المساحة الزمنية التي شغلت فيها إدارة باراك أوباما البيت الأبيض. وبرحيل هذه الإدارة، فقد نظام علي خامنئي امتيازات لم يكن يحلم بها حقا.. إنها حقيقة يعرفها الجميع، بمن فيهم أولئك الذين كانوا ضمن إدارة أوباما نفسها، وكانت لهم رؤى مختلفة عن إدارتهم حيال التعاطي السهل المتسامح مع إيران. الرئيس الأمريكي السابق أراد طباعة بصمة له في التاريخ السياسي لبلاده، من خلال اتفاق نووي مضطرب مع إيران، والكل يعلم أن حلفاءه (لاسيما الفرنسيين) ضاقوا ذرعا بهذا التوجه، ما جعلهم الطرف الأكثر تشددا مع النظام الإيراني خلال المفاوضات. والمصيبة، أن أوباما أراد أكثر من "بصمة" له في أسرع وقت ممكن. فأعاد (مثلا) العلاقات مع كوبا، دون أن يتحقق أدنى تقدم لحقوق الإنسان في هذا البلد، وترك الشعب السوري لمصيره البائس، متفاخرا بأنه ليس كسلفه جورج بوش الابن، يزج بالجيش الأمريكي في حروب خارجيا.. كل هذا أدى إلى هروب الولايات المتحدة من واجباتها كدولة كبرى، وانتشار فراغات ملأتها الفوضى والظلم والحروب والإرهاب.
إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب "رغم محليتها"، وجدت الثغرات المفجعة "الأوبامية"، في السياسة الأمريكية حيال إيران، ليس فقط من ناحية الاتفاق النووي الهش، بل أيضا من جهة الاستراتيجية الإيرانية التخريبية في هذه المنطقة أو تلك، بما في ذلك التخريب داخل إيران نفسها. كان لابد أن تتشدد وتطلق مخططات جديدة حيال هذا البلد الذي لم يوفر فرصة سانحة إلا وانتهزها لنشر الإرهاب والفوضى والطائفية. وقبل هذا وذاك، لتنفيذ وهمٍ يعود لأول أيام عهد الخميني، ينحصر في ماذا؟ في "تصدير" الثورة ومثل هذه "الصادرات" لم تنتج إلا الويلات، على جهة "المنشأ" نفسها وعلى بلدان "الاستيراد". وهذا النوع من التصدير كما الاستيراد يتطلب أموالا وتمويلا مكلفا. بمعنى ينبغي أن تكون هناك سيولة وافرة للمضي قدما فيه.
وفي عز العقوبات التي فُرضت على إيران بسبب برنامجها النووي الخطير، تلقت من الاتفاق النووي المرتبك، أول دعم مالي. كيف؟ برفع جانب مهم من هذه العقوبات الذي رفد نظام خامنئي بالأموال المطلوبة. هذه الأموال لم تذهب بالطبع إلى التنمية، وخفض معدلات البطالة في البلاد عن طريق توفير فرص العمل، ولا استخدمت في انتشال ما أمكن من إيرانيين من ميدان الفقر، بل راحت كلها لـ"الحرس الثوري"، وهذا الأخير هو في الواقع الجيش الإيراني الحقيقي، إضافة إلى أنه وزارة مالية موازية لوزارة المالية المدنية في حكومة رئيس لا يملك في الحقيقة القرار النهائي لأي شيء في كل البلاد. "الماستر" الأعلى هو "الولي الفقيه" الذي لا يفقه إلا الحروب والتدخلات العسكرية المشينة، وتمويل العصابات، واحتلال ما أمكن له من مناطق لا يربطها مع إيران حتى شريط حدود بعدة أمتار.
هكذا وفر اتفاق أوباما النووي المدد المالي لنظام يثبت يوميا أنه ليس فقط ضد السلام الإقليمي، بل ضد السلم العالمي أيضا.. ليس مهما. هنا الحديث عن انحناء حلفاء الولايات المتحدة الغربيين لرغبة إدارة تريد نصرا ذاتيا. واهما.. فقد اعتاد العالم على الأصوات المرتفعة لهؤلاء الحلفاء في البدايات، وصمتهم المطبق في النهايات! كان ضروريا لإدارة ترمب أن تتحرك بعد أكثر من تسعة أشهر من التحقيقات والمشاورات والتحليلات بشأن اتفاق فيه من المخاطر أكثر ما فيه من الأمان. وهنا أيضا لنترك الحلفاء مرة أخرى جانبا.، لاسيما بعدما صرخوا (في البدايات) بأنهم ملتزمون بالاتفاق. هذا الأخير لن يلغى، على الأقل في المستقبل المنظور، لكن الأهم أن واشنطن فعَّلت آليات العقوبات على أذرع عديدة للنظام الإيراني، بما في ذلك ما يسمى بـ"الحرس الثوري". 
هذه مقدمة جديدة لوضع مزيد من الكيانات والشخصيات الإيرانية أو المتعاونة مع هذا النظام على قوائم العقوبات. لم يعد سرا منذ سنوات، أن "الحرس الثوري" يقوم بتسيير اقتصاد مواز في البلاد، وعوائد هذا الاقتصاد تذهب مباشرة لتمويل حروبه في كل الأرجاء، لاسيما في سورية والعراق واليمن، إضافة طبعا إلى دعم عصابات شيعية موالية، تعمل بكل صفاقة جهارا نهارا ضد بلدانها. وفي كل يوم يثبت النظام الإيراني أنه يستحق العقوبات تلو الأخرى، بل يتحدى حتى البلدان الغربية "اللطيفة" تلك التي تصرخ وتصمت فجأة! والعقوبات في الواقع لا تنال من الشعب الإيراني، بصرف النظر عن بكائيات بعض الإيرانيين "الخامنئيين"، لماذا؟ لأن عوائد رفع العقوبات في أعقاب الاتفاق لم تذهب إلى أي مشروع تنموي. ولا نزال نتذكر تأخر رواتب حتى العاملين في المنشآت النووية الإيرانية. 
إنها المتغيرات الأمريكية التي لاقت تأييدا حتى من سياسيين أمريكيين أعلنوا صراحة عدم حبهم لدونالد ترمب، وإيران ستدفع على ما يبدو فواتير إرهابها.


(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

كأن بريطانيا تنقصها هموم



"عدم المساواة مضيعة بشعة للزمن، إنها مضيعة لمصادر الناس" 
جيرمي كوربين زعيم حزب العمال البريطاني المعارض 
كتب: محمد كركوتي
في زحمة الحضور المطلق لـ"بريكست" في بريطانيا، ووسط حرب أهلية في حزب المحافظين الحاكم، وفي ظل حكومة قابلة للانشطار في أي لحظة تبرز في البلاد، وفي مشهد ارتباك حول مصير المملكة المتحدة كدولة بحدودها الحالية المعروفة.. في ظل كل هذه المشاكل والهموم، تحضر على الساحة قضية ليست أقل خطورة من انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. بل إنها أقدم من حيث الحضور من "بريكست" نفسه الذي لم يتجاوزه زمنه حتى اليوم العام ونصف العام فقط. بل حضرت بعد سلسلة من القوانين الدستورية والتشريعية المختلفة صدرت على مدى عقود في البلاد، إلا أن هذه القضية لم تحل. في الواقع تشير الأرقام إلى أنها تفاقمت بصورة خطيرة في جوانب عديدة. أما لماذا هي خطيرة؟ فلأن تلاحمها جذري بين الاقتصاد والمجتمع. إنها الفجوة بين أكثر المناطق ثراء وأشدها فقرا في بريطانيا. بمعنى آخر إنها تمثل عدم مساواة، تعتبرها بعض الجهات تهديدا خطيرا للمجتمع، بل يرى البعض الآخر أنها وصمة عار على مكانة بريطانيا. ووصل بالبعض إلى اعتبار القضية - المشكلة بمنزلة نقطة تحول فاصلة، وأنه يجب اتخاذ قرارات جوهرية بشأن نهج الاقتصاد. وإذا كانت تحذيرات كبير أساقفة كانتربري في المملكة المتحدة تكتسب دافعا دينيا، على الرغم من أنه لم يطرحها بهذا الصورة المجردة، إلا أن تحذيرات مؤسسات اجتماعية واقتصادية بعيدة عن الساحة الدينية لها أبعاد واقعية أكثر، لأنها تطرح المسألة بالأرقام. وهنا، ليس مهما عند أولئك الخائفين على مصير المجتمع من عدم المساواة، ما تقوله الحكومة، التي أعلنت أخيرا أن البطالة ارتفعت بشكل قياسي والعجز في الميزانية قد تراجع، وعدم المساواة "في الدخول" بلغ أدنى مستوى له منذ 30 عاما. هذه القضية قد تكون مثارة في بلدان نامية أو أقل تطورا أو فاشلة، لا في دول وصلت إلى "سن الرشد" والصدمة أن تقريرا للجنة المؤقتة للعدالة الاقتصادية التابعة لمعهد بحوث السياسات، توصل إلى نتيجة وهي: "أن الاقتصاد البريطاني أكثر الاقتصادات التي تعاني عدم التوازن في أوروبا. ويوجد فيه موظفون يتمتعون بمؤهلات تفوق وظائفهم أكثر من أي دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي" بل ذهب أبعد من ذلك حين استنتج أن "النموذج الاقتصادي لبريطانيا ببساطة لا يناسب العقد الثالث من الألفية الثالثة" وهذا يعني ببساطة أن البلاد بحاجة إلى تغيير بهذا الخصوص، على غرار بعض التحولات التي حدثت بالفعل في التاريخ البريطاني الحديث. بمعنى أن المملكة المتحدة تحتاج إما إلى "ثورة اقتصادية" أو "إصلاحات جذرية". لا تستطيع الحكومة الحالية القيام بأي شيء لإصلاح الخلل الخطير الراهن. هي في الواقع ليست قادرة على إقناع الناس بأنها متماسكة، أو حتى أنها قادرة على المضي قدما في إدارة البلاد بما يضمن مسيرة طبيعية أو تحولات إيجابية. صحيح أن هذه الحكومة لم "تخترع" عدم المساواة الذي يجري الحديث عنه، ويعود الأمر لسنوات ليست قليلة، لكن الصحيح أيضا أنها في وضع لا يمكنها من تقديم حتى أفكار إصلاحية. والأسباب كثيرة بهذا الخصوص، تبدأ بتكوينها الحزبي الراهن، ولا تنتهي بالمفاوضات الحالية مع الاتحاد الأوروبي للخروج من هذا التكتل. إضافة طبعا إلى أن حزب العمال المعارض يحقق النقاط تلو الأخرى لمصلحته من هذه الزاوية بالتحديد. بعد أن كانت قيادته حتى وقت قريب مثار سخرية من أنها غير قادرة على تحقيق تقدم شعبي على الإطلاق. هناك انفصال بين النمو الاقتصادي والدخول منذ الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت عام 2008. هذا ما توصل إليه المختصون. وبعد هذه الأزمة مر على بريطانيا ثلاث حكومات، لم تتمكن من إزالة هذا الانفصال. فرغم ارتفاع إجمالي الناتج المحلي للفرد بواقع 12 في المائة في غضون العقدين الماضيين، إلا أن متوسط دخل كل موظف تراجع وبالعودة للتقرير المثير المشار إليه، فمنذ سبعينيات القرن الماضي "تراجعت حصة الدخل القومي الموجهة للأجور بشكل تدريجي من 80 في المائة إلى 73 في المائة، بينما زادت الحصة الموجهة للأرباح. وبلغت حصة الأجور أدنى مستوياتها حاليا منذ الحرب العالمية الثانية" إنها أرقام مذهلة لاقتصاد يمثل محورا رئيسا للاقتصاد العالمي ككل. إنها أزمة وهَم ووجع، ليست في محلها الآن في المملكة المتحدة، السائرة نحو مستقبل اقتصادي بل مصيري لا إشارات واضحة له، ليس فقط من جهة مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي، بل من ناحية مستقبل وجود هذه المملكة بشكلها الحالي. الإصلاحات الاجتماعية - الاقتصادية المطلوبة، تبقى رهن الحالة السياسية، وهي حالة لا يمكن أن تنتج أي تغيير مفصلي في هذا الجانب الحيوي - الشعبي المهم. ولهذه القضية تفرعاتها أيضا، بما في ذلك الفجوة بين الطبقة الأكثر ثراء والطبقة الفقيرة، بل حتى لها رابط مع فارق الأجور بين الجنسين، وغير ذلك من روابط تختص مباشرة بالحياة اليومية العامة.
(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

غرامات مصرفية توازي دخلا قويا









"الجشع صار وباء في أوساط القادة المصرفيين في وول ستريت"
 سايمون مينوورنيج - مؤلف ومختص اجتماعي أمريكي

كتب: محمد كركوتي

 باتت الغرامات التي تفرضها الحكومات في الولايات المتحدة وأوروبا على المصارف، خبرا روتينيا، رغم أن المخالفات التي ارتكبتها هذه المصارف تعود لعدة سنوات، يصل بعضها إلى أكثر من عقد من الزمن. وكما أن هذا الخبر روتيني، كذلك إدارات المصارف تجنب بصورة روتينية كميات كبيرة من الأموال لمواجهة الغرامات. أي أن جزءا من الإنفاق السنوي المصرفي، صار يذهب في هذا الاتجاه، خصوصا في ظل تحرك حكومي قوي ضدها (لاسيما في الولايات المتحدة)، من أجل عرضها على القضاء أو القبول بغرامات مالية هائلة يتم الاتفاق عليها خارج المحاكم. وأغلب هذه المصارف باتت تفضل عقد صفقات بعيدا عن ساحات القضاء لأسباب كثيرة، في مقدمتها بالطبع أنها تعرف سلفا باستحالة نجاتها أمام الادعاءات الحكومية، وتعي حجم تورطها في مخالفات، بعضها مشين حقا. في آخر تقرير بحثي أصدرته مؤسسة كوينلان آند أسوشيتس المتخصصة في الخدمات المالية في هونج كونج، توصل الباحثون إلى أن الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة وأوروبا فرضت غرامات بقيمة 342 مليار دولار على المصارف منذ عام 2009. وهذا العام "كما هو معروف" أعقب مباشرة الأزمة الاقتصادية العالمية. وتتوقع المؤسسة نفسها أن تصل هذه الغرامات إلى 400 مليار دولار بحلول عام 2020. إنها تشكل رقما يوازي موازنات مجموعة كبيرة من الدول المخالفات المستهدفة باتت أيضا معروفة، وتتأرجح بين تضليل عملاء المصارف بالمشتقات المصرفية، وعمليات مشينة ومرعبة لغسل الأموال، تعود لمجرمين وعصابات، بل منظمات إرهابية، ناهيك عن القروض العبثية التي قدمتها من أجل أن تظهر على الساحة أنها تتحرك وتعمل بشكل كبير، فضلا عن عمليات مالية تجري بالباطن هربا من القوانين والضرائب وغير ذلك. ومخالفات المصارف أصابت المجتمعات التي تعمل فيها، كما أصابت نفسها مباشرة. لأن العمليات السرية أو غير المشروعة أو الفاشلة، أنتجت خسائر فادحة لها. وتتفق المؤسسات الرقابية المختلفة على أن سوء سلوك 50 مصرفا أدى منذ الأزمة الاقتصادية إلى خسائر بلغت 850 مليار دولار، صحيح أن حاملي أسهم هذه المصارف تخلصوا من إداراتها بسرعات مختلفة، إلا أن الخسائر بقيت ضمن اللوائح السنوية لها. أي أنها لا تستطيع التخلص منها، وتم حسابها ضمن خسائر التشغيل أو حذفها من الأرباح المتوقعة. ولا شك أن الإجراءات الحكومية المشددة التي اتخذت في أعقاب الأزمة العالمية، أسهمت كثيرا في التقليل من المخالفات، إلا أن مسؤولين غربيين يقولون إن هناك مصارف لا تزال ترتكبها بأشكال مختلفة. وتخضع المصارف في الدول الغربية بالفعل إلى تمحيص دقيق في سلوكياتها وحراكها وعملياتها، إلا أن المصارف الأخرى في بعض البلدان النامية لا تزال أكثر حرية من "زميلاتها" الغربية. وتتصدر المصارف الصينية قائمة المصارف التي تخلفت عن نظرائها الدوليين، في أكثر من مجال، لاسيما تعزيز الاستثمار في الامتثال لمكافحة غسل الأموال. المصارف الصينية تمثل بالفعل الخطر الأكبر على الساحة الدولية الآن، بما في ذلك إمكانية تسببها في أزمة ائتمان ستنال من الجميع، الممتثل وغير الممتثل، المتعاون والمراوغ، الذي تعلم الدروس والذي لم يفهم شيئا منها. وهذا يبرر المناشدات الآتية من جهة الغرب للصين، بضرورة ضبط قطاعها المصرفي بالصورة المطلوبة عالميا، وإطلاق حملة رقابية جديدة تأخذ في الاعتبارات كل شيء. من غسل الأموال إلى التلاعب بأسعار الفائدة، إلى بعض المشتقات المصرفية الخطرة. وفق الأرقام المتداولة، تنفق المصارف العالمية الكبرى حاليا ما يراوح بين 900 و1.3 مليار دولار سنويا لمكافحة الجريمة المالية. غير أنها بالمعيار الحقيقي لا تساوي شيئا. ولا يمكن أن تتحقق الأهداف في الوصول إلى قطاع مصرفي عالمي نظيف، إلا بسلسلة من الإجراءات الجديدة، أولها فرض الحوكمة فرضا. وهذه الأخيرة موجودة بالفعل في مصارف الدول الغربية، لكن مختصين يقولون إن هناك سراديب يمكن النفاذ منها والالتفاف حول الرقابة والحوكمة. ولا يمكن أن ينسى العالم في أعقاب انفجار الأزمة العالمية، كيف أن مصارف كبرى جدا اعترفت بأنها أنقذت نفسها جزئيا من "الأرباح" الناجمة عن غسل الأموال، ولنا أن نتصور الأموال القذرة من أين أتت؟ والأضرار المجتمعية التي تسببت فيها. المعركة بين الحكومات والمصارف لا تزال قائمة. ويبدو أنها ستستمر لسنوات طويلة، مع الاعتراف بأن الجهات التنظيمية والرقابية حققت إنجازات لا بأس بها في الأعوام الماضية على هذه الساحة المالية المروعة. لكن هناك كثير آت على هذه الساحة في الأعوام المقبلة. فالعالم لا يمكنه في هذا الوقت بالذات تحمل أي أزمة ائتمان مهما كان حجمها. في الواقع لا يزال هذا العالم يعاني الأزمة الكبرى، ولا تزال دول متقدمة تحاول أن تقلل الآثار بهدف الوصول إلى التخلص منها نهائيا. الساحة المصرفية في أي مكان، قابلة دائما للتوجه الخاطئ الذي ينال من المجتمع قبل أن ينال منها.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الإرهاب المالي




"تستطيع أن تحول أدوات التواصل الاجتماعي إلى أدوات جيدة أو أدوات مضرة وخطيرة
سيرا ـــ شاعرة ومغنية أمريكية 

كتب: محمد كركوتي

بعد أن أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ملاذا آمنا لتوصيل الرسائل والمعلومات الخاصة بتنفيذ أعمال إرهابية مختلفة، ووفرت "سراديب بريدية" لهذه المهمات التخريبية، صارت أيضا ممرات وملاذات آمنة لما أُطلق عليه أخيرا "الإرهاب المالي". وهو إرهاب لا يتعلق بجرائم القتل والتفجيرات وعمليات التفخيخ التي يقوم بها الإرهابيون، بل بتسريب معلومات سرية حول شركة ما من داخلها، أو عن عملية تجارية شرعية تتطلب الكتمان، أو تداولات مالية مختلفة، أو بيع وشراء الأسهم والسندات، أو نشاطات الاستحواذ والاندماج بين المؤسسات، وغير ذلك من الحراك المالي الذي يجري بتريليونات الدولارات حول العالم يوميا. وإذا كان الإرهاب الأصلي يقتل ويدمر ويخرب، فـ "الإرهاب المالي" يضر ويضرب كيانات من كل الأحجام، ويضع أسرارها قيد التداول السهل المتاح لمن يسعى إليها. هناك مشكلة عويصة في هذا النطاق، لم تتمكن الحكومات المعنية من حلها، بل ظهرت هذه الحكومات وكأنها جهات تسعى إلى فرض رقابة على وسائل التواصل الاجتماعي بغية تكميم الأفواه، أو غربلة الطروحات. والقائمون على هذه الوسائل يتعاونون في حدود ضيقة، انطلاقا أيضا من حق المستخدم في السرية، وهذا الحق تضمنه في الواقع القوانين والتشريعات التي تضعها الحكومات نفسها! وعلى مدى سنوات تحولت هذه المسألة من قضية لبحث المدى الذي يمكن للحكومات أن تصل إليه، والمسؤولية الأخلاقية لمؤسسات التواصل الاجتماعي، إلى سجال وجدال كبيرين. إحدى هذه المؤسسات رفضت تماما التعاون في هذا المجال، منطلقة بالطبع من القوانين التي تضمن لها ذلك، في حين أن هذه القوانين لم تتعدل بما يكفي لمنح الحكومات مزيدا من الحرية في الحراك على الساحة المغلقة لوسائل التواصل الاجتماعي. ولا شك أن العابثين بهذه الوسائل من إرهابيين قتلة إلى إرهابيين ماليين، يستغلون هذا الخلاف أو في أفضل الأحوال يستفيدون من التعاون المتواضع بين إدارات وسائل التواصل الاجتماعي والحكومات وجهات إنفاذ القانون. وإذا كانت الدول تواجه صعوبة في الوصول الحر إلى ملفات مستخدمي هذه الوسائل لأسباب أمنية، علينا أيضا أن نتخيل الصعوبة في الوصول إلى ملفات "الإرهابيين الماليين". وهنا يظهر الصراع الفعلي بين الجهتين المعنيتين، ولا يمكن أن يتم وضع حد لهذا الصراع، إلا بتشريعات جديدة، لن تكون عملية فرضها سهلة، ولها تكاليفها السياسية على الحكومات نفسها. ناهيك عن أن غالبية هذه الحكومات في العالم الغربي على وجه الخصوص، لا تتمتع بالقوة الشعبية على ساحاتها المحلية، الأمر الذي يدفعها إلى الحلول الوسط. يقول مكتب التحقيقات الفيدرالية "يبدأ التركيز على احتمال قيام الرسائل المشفرة، بتسهيل الجرائم المالية. والتشفير مشكلة متنامية في معالجة الاحتيال، وغسل الأموال والتداول بناء على معلومات سرية". وهذا الكلام مثير حقا، لأنه يعطي انطباعا بأنه حتى لو تم الوصول إلى الملفات "الخلفية" لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، ولاسيما الـ "واتس آب"، فإن عمليات التشفير التي يقومون بها تقف سدا منيعا أمام الكشف عن محتواها. والسرية التي تقدمها (بحسب مكتب التحقيقات الفيدرالية) مثل هذه الخدمات، تجعل التنصت على المحادثات ومذكرات الاستدعاء بلا قيمة. وهذا يعني مجددا، أن السلطات الساعية إلى إيقاف "الإرهاب المالي"، ستعود مجددا إلى ما يمكن تسميته "المربع الأول". استطاعت السلطات الأمريكية والبريطانية على وجه الخصوص في الآونة الأخيرة، ضبط عدد من المتعاملين في سوق المال والتجارة، قاموا بتمرير معلومات عبر تطبيق "واتس آب" مضرة بشركات كانت تخضع لعمليات استحواذ، وعلى آخرين قاموا بتمرير معلومات أخرى عن صفقات سرية للأصدقاء. لكن ما ضبطته هذه السلطات لا يُذكر أمام "نشاط التمرير" الذي لا يتوقف، بل تتسع دوائره إلى أحجام خطيرة ومضرة بالفعل. وغالبا ما تكون العقوبة على شكل غرامات مالية، بإمكان أي متلاعب مالي أن يدفعها وأن يعيش بما جمعه من هذه العمليات بلا عمل لبقية حياته. حتى عقوبة السجن (إذا ما وجدت) تكون عادة قصيرة الزمن. وهذا يشكل أيضا معضلة أمام الحكومات التي "تناضل" للوصول إلى الأشخاص المتلاعبين ماليا، وليس لديها عمليا عقوبات قوية ضدهم إذا ما كانت محظوظة ووصلت إليهم. في الواقع لم تنفع قرارات الشركات والمؤسسات المالية في حظر الهواتف الذكية لموظفيها خلال فترة الدوام الرسمي. لأن هؤلاء يستطيعون الوصول إلى المعلومات السرية بحكم عملهم، وبإمكانهم تمريرها بأساليب أخرى خلال النهار. هواتف ذكية في سياراتهم، أصدقاء متعاونون معهم ينتظرون خارج المؤسسة، وغير ذلك من الأساليب. إنها عملية عويصة لكل الأطراف، باستثناء "الإرهابيين الماليين". والمشكلة هنا، ليست في تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، بل في طريقة عمل المؤسسات نفسها، ومستوى الثقة التي تمنحها لهذا الموظف أو ذاك. خصوصا إذا ما علمنا، أن عمليات تشفير مبتكرة يمكن أن يتوصل إليها أي شخص ينوي شرا في هذه المؤسسة، أو يحاول الحصول على مكاسب مالية غير شرعية.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")
حدث خطأ في هذه الأداة