الاثنين، 27 أكتوبر، 2014

أزمة جديدة أم متجددة؟

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"ما نعرفه عن الأزمة الاقتصادية العالمية، أننا لا نعرف شيئا"
بول سامويلسون - اقتصادي أمريكي حائز على "نوبل" في الاقتصاد



كتب: محمد كركوتـــي

يتحدثون عن أزمة اقتصادية جديدة. بعض الجهات تتوقع أن تكون "الأزمة" أسوأ من تلك التي انفجرت في عام 2008، وجرفت العالم معها. البعض الآخر يراها أقل من ذلك، وهناك من يعتقد، أن الأزمة "المقبلة" هي خليط بين الركود وضعف النمو. وأيا كانت التعريفات والتوقعات (وهي لا تتوقف)، فالأمر ببساطة لا يتعلق بأزمة جديدة، بقدر ما يرتبط بأزمة لا تزال موجودة، غير أنه ما زال منها على مدى ست سنوات قد يعود. بمعنى آخر، الأزمة المتوقعة يمكن تسميتها "أزمة متجددة"، مع الأخذ في الاعتبار بالطبع، التحولات الإيجابية التي طرأت على الساحة العالمية في الفترة الفاصلة بين انفجار أزمة 2008، وتخبط الاقتصاد العالمي حاليا.
لا تزال هناك الكثير من الملفات التي فتحتها الأزمة الكبرى، قيد الحلول، بل إن بعضها تعمق هنا، واستفحل. هناك ملفات الإفلاس، الفساد المالي، الديون المتعثرة، التضخم، حالات الإنقاذ المستمرة، والنظام المالي العالمي، كلها ملفات لا تزال مفتوحة، بصرف النظر عن تصريحات بعض الجهات الدولية، التي تحاول من خلالها التخفيف من المخاوف، والتقليل من الاضطراب المصاحب لها. إنها قضايا لم تستطع الحكومات (بعد الأزمة) الادعاء بأنها نجحت في حلها تماماً، وأنها باتت من ملفات التاريخ. وتحسن الوضعية الاقتصادية لدولة ما مؤثرة، لا يعني بالضرورة أن أمور الاقتصاد العالمي بخير. هناك عوامل طبيعية لا دخل للإصلاحات فيها، تساهم في إضافة تحسن ما في هذا القطاع أو ذاك، وغالبا لا يكون تحسنا مستداما.
ترى بعض الجهات الدولية، أن الاقتصاد العالمي يواجه حاليا اختبار ثقة. والحق أن هذا الاقتصاد لا يواجه هذا الاختبار، بل الإجراءات الإصلاحية هي التي تواجهه. ورغم أن الدول الكبرى، قطعت شوطا لا بأس به على صعيد إصلاح الأنظمة المالية فيها، إلا أن المفاهيم القديمة لا تزال موجودة بصورة أو بأخرى. ومبدأ الإنقاذ الحكومي للمؤسسات التي "يجب ألا تنهار"، موجود وبقوة. يضاف إلى ذلك، أن الإجراءات الإصلاحية التي اتخذت تحتاج إلى وقت ليس بالقصير، سواء للتنفيذ أو لجني ثمارها. الحكومات (ولاسيما في العالم الغربي)، اتخذت بالفعل الكثير من الإصلاحات، ولكنها دخلت في نفق الإجرائي الطويل، وهو نفق فيه من الثغرات الكثير أيضا.
في كتلة مصابة ككتلة منطقة اليورو، يحذر البنك المركزي الأوروبي حكومات دول المنطقة من مخاطر التباطؤ، والأهم يحذر من عدم التوسع في خطط دعم اقتصاداتهم. ورغم تحسن الأوضاع الاقتصادية على الساحة الأمريكية، إلا أن الثغرات لا تزال موجودة. فالاحتياطي الفيدرالي الأمريكي نفسه، الذي يحاول بين الحين والآخر تمرير "معزوفة" الانتعاش، بات أكثر صراحة مما كان عليه في السابق. وهذه المؤسسة بالتحديد، عليها أن تكون حذرة جدا في مسألة تلوين" الاقتصاد الأمريكي باللون الوردي. والسبب يعرفه الجميع. لقد سوق الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أسوأ مرحلة اقتصادية في الولايات المتحدة، التي كانت مخرجاتها، ليس أقل من أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة على الإطلاق.
وعلى رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاجارد أن تكون حذرة جدا في تصريحاتها وتوقعاتها. فهذه المؤسسة أيضا ساهمت في مرحلة التضليل التي سبقت الأزمة الكبرى. ولذلك يبدو غريباً ما قالته أخيرا "إن الأسواق العالمية تشهد عملية تصحيح، وربما تبالغ في رد الفعل". الأسواق في الواقع لا تبالغ في ذلك، لأن المعطيات الاقتصادية العالمية الضعيفة واضحة، ليست فقط على صعيد ديون منطقة اليورو، أو عدم اليقين الاقتصادي الأمريكي فقط، بل بتقهقر النمو في الأسواق الناشئة، التي تشكل محركا محوريا لاقتصاد العالم. هذه الحيوية الصينبة (كما يقولون) متلاشية، وهذا هو الأداء الضعيف لدول أوروبا الشرقية، ناهيك عن التباطؤ المخيف في أمريكا اللاتينية. مهلا.. مهلا، هذه ألمانيا التي تتغنى بالنمو حتى في وسط الأزمات، تعاني تراجعا فيه في الوقت الراهن.
ولعل من المفيد الإشارة، إلى بيانات 19 اقتصادا ناشئا، جمعتها شركة الأبحاث "كابيتال إيكونوميكس"، التي أظهرت أن الناتج الصناعي في آب (أغسطس)، والإنفاق الاستهلاكي في الربع الثاني، انخفضا إلى أدنى مستوياتهما منذ عام 2009. كذلك انخفض نمو الصادرات في الشهر نفسه. ويرى نيل شيرينج، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة الشركة المذكورة، أن هذا هو الوضع الطبيعي الجديد، بالنسبة لبقية العقد هذا هو الوضع. ويقول: "إنه أفضل وضع يمكن أن يحصل". وإذا كان هذا حال دول يفترض أنها المحرك الأنشط للاقتصاد العالمي، علينا أن نتخيل أوضاع الدول الأقل نشاطا في ذلك، وآثارها في الساحة عالميا!
إن العالم، لا يزال يمر بمرحلة الخروج من الأزمة العالمية الكبرى. فالأزمات الشاملة لا تنتهي آثارها بسرعة. بل تحمل معها مناعة في بعض القطاعات، تحتاج إلى مزيد من المقاومة للقضاء عليها. والمستقبل ليس مشرقا. ولعل أفضل شيء في الوقت الراهن، أن رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ألان جرينسبان، أصبح سابقا، لا حاليا.

آلية بيانات مصرفية أوروبية .. أين المفر؟

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







كتب: محمد كركوتـــي
 
ها هي أوروبا، تتعلم من الحملة الأمريكية الهائلة ضد المتهربين من الضرائب. إنها تستعد لرص صفوفها، ضد المتهربين الأوروبيين من الضرائب. لا ملاذ أوروبيا آمنا لأموال أوروبية في هذه القارة، التي تعيش واحدة من أسوأ أوضاعها الاقتصادية قاطبة. إلى درجة أن أقوى وأكبر اقتصاد فيها (الألماني) بدأت بوضوح يعاني التباطؤ. في حين ترتفع الأصوات في أروقة المفوضية الأوروبية، بضرورة عدم منح فرنسا مزيدا من الامتيازات والمهل، لتسوية أوضاع ميزانيتها المتعثرة جدا. لا يوجد في الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن، بلد يمكن أن يعتبر نفسه خاليا من المشكلات المالية. وفي عز المشكلات الاقتصادية، تبحث الحكومات عادة عن مصادر دخل إضافية، أو تبحث في دفاترها القديمة. تماما مثلما يحدث مع تجارة تواجه أزمة، أو حتى بقال، يتعرض لكساد في حانوته.
تبقى الضرائب المصدر الأهم بالنسبة لكل الدول القائمة على اقتصاد السوق. وهي أموال هائلة للغاية، خصوصا، أنها تصل في بعض البلدان إلى 50 في المائة من الدخل السنوي، وهناك بالطبع ضرائب متعددة المستويات. وتبقى في النهاية، المصدر المشروع الحاسم بالنسبة للموازنات العامة. الضرائب المرتفعة، تدفع جانباً من الأعمال، وحتى المشاريع الكبيرة، إلى النزوح باتجاه بلدان تفرض ضرائب أقل، أو في أفضل الأحوال، ضرائب رحيمة أكثر. وحتى ضمن نطاق الاتحاد الأوروبي، هناك تفاوت في الضرائب، ليس كبيرا، ولكنه يوفر على الأقل بعضا من الأموال التي تذهب للموازنة العامة. لكن الأمر لا يختص بهذا الجانب فحسب، بل يشمل أيضا الحسابات المصرفية التي يفتحها أوروبيون في بلدان أوروبية أخرى.
ستنتهي هذه الميزة قريبا، لأن وزراء مالية الاتحاد الأوروبي، وافقوا مبدئيا على التبادل الآلي للبيانات المصرفية. والأهم، أنه لا توجد دولة واحدة ضمن الاتحاد سجلت اعتراضا ما على هذه الخطوة، أو حتى قدمت ملاحظات. فكل الحكومات تريد أن تكشف عما يملكه مواطنوها في مصارف أوروبا، وإذا ما كانت الأرصدة خاضعة للضرائب المحلية أم لا؟ بعض المتحمسين لهذه الخطوة، اعتبر أن الاتحاد الأوروبي تأخر كثيراً، وكان عليه أن يتقدم الولايات المتحدة في هذا الخصوص، خصوصا في ظل تنامي التشابك بين مؤسسات الدول المنضوية تحت لوائه، فضلا عن فتح الحدود على مصراعيها بين 24 دولة ضمن هذا الاتحاد. فلا معنى (بحسب هؤلاء) لأي تأخير لفرض هذه الآلية المصرفية المهمة والحساسة.
في ظل الآلية المرتقبة، إذا فتح شخص يعيش في إحدى دول الاتحاد الأوروبي حسابا مصرفيا في دولة أخرى عضو في الاتحاد، فإن سلطات الضرائب في بلده الأصلي، سيجري إبلاغها بشكل تلقائي. أي أن الأمر لا يحتاج إلى مراسلات أو طلبات قانونية وغير ذلك. لا تزال هناك فرصة للباحثين عن هروب جديد من مصالح الضرائب في بلدانهم. لماذا؟ لأن القانون الجديد، لن يقر بصور شاملة قبل بداية عام 2017، وهذه المدة وضعت أساسا، لإتمام إجراءات الربط، وتفادي أي تضارب في الأداء المصرفي بين هذه الجهة أو تلك. والذين يبحثون عن ملاذات آمنة لأموالهم، سيقومون بالتأكيد بالبحث عن ملاذات جديدة، بعيدا عن أعين أو أدوات المشرعين الأوروبيين. فحتى سويسرا، لم تعد ملاذا ضريبيا آمنا، لقد فتحت حسابات مودعيها الأمريكيين، أمام السلطات الأمريكية، وهناك تعاون كبير بينها وبين دول الاتحاد الأوروبي.
لا شك في أن آلية الربط المصرفية الأوروبية، ستسهل الأعمال فضلا عن تسهيلات لحركة الأفراد المالية، هذا لا ينطبق على أولئك الذين يقومون بالأعمال، للتهرب من الضرائب، أو لدفع أقل ما يمكن منها. هذه شركة "أبل" الأمريكية العملاقة، تقوم بالتحايل على الضرائب منذ سنوات، وغيرها مؤسسات عديدة أمريكية وأوروبية. الاتحاد الأوروبي، يبدأ الآن بالمصارف على ساحاته، وسيكون الأمر طبيعيا بعد ذلك، في عقد اتفاقات مع دول خارج الاتحاد، لدفع المصارف فيها على فتح حسابات الأوروبيين أمام سلطات بلدانهم الضريبية. هذا ما تفعله الآن الولايات المتحدة، وحققت إنجازات كبيرة في هذا المجال، في أقصر مدة.
وقد أعرب مسؤولون أوروبيون بالفعل عن إعجابهم بالحملة الأمريكية على المتهربين الأمريكيين من الضرائب، وأكدوا في أكثر من مناسبة، أنه يمكن أن يتبع الأوروبيون الخطوات نفسها للوصول إلى الاتفاقات المطلوبة. وبالفعل تحتاج هذه الاتفاقات إلى زمن طويل، نظرا لمعاناة العدد الأكبر من المصارف في مسألة الكشف عن أرصدة عملائها ومودعيها. لقد مانعت المصارف السويسرية كثيرا، ولكنها رضخت في النهاية تحت التهديد، وليس لقناعتها بالأمر. ومن المتوقع، أن تتحرك دول الاتحاد الأوروبي في هذه الحدود بصورة فردية في البداية، ولكن لن يكون غريبا، إذا ما طرح الأمر كخطة أوروبية شاملة، خصوصاً بعد أن يدخل موضوع الآلية المصرفية الأوروبية الموحدة، موضع التنفيذ.
حاول بعض المسؤولين في المفوضية الأوروبية تمرير معلومات عبر الإعلام، بأن مسؤولين أوروبيين اجتمعوا مع الأمريكيين، للاطلاع على الخطة الأمريكية التي تنفذ حالياً. وهم (أي الأوروبيين)، بدأوا الحملة إقليمياً، تمهيداً لتحويلها إلى حملة عالمية لا تستثني أحداً.

منتهكون مصرفيون أم لصوص؟

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

 
"السرقة عن طريق إنشاء مصرف ما، أسهل من القبض على مدير مصرف"
برتولت بريخت، شاعر وكاتب مسرحي ألماني



كتب: محمد كركوتـــي


تمضي حملة فرض غرامات هائلة على المصارف إلى الأمام. ولا سيما تلك التي أدينت أو اتهمت بانتهاكات هائلة أيضا، لأموال المودعين وللقوانين المصرفية المرعية. وهي ليست كتلك الغرامات (العالية أيضا) التي فُرضت على المصارف المدانة بتبييض الأموال، وخرق العقوبات الدولية المفروضة على حكومات مارقة حول العالم. علما بأنه قد تجد مصرفا متورطا بكل بالانتهاكات جميعها، وهي مصارف ذات أسماء رنانة "موسيقية" في سماء عالم المصارف والمال. "إتش إس بي سي"، "مورجان ستانلي"، "بنك أوف أمريكا"، "ستي بنك"، وغيرها من تلك التي وصلت موجوداتها في يوم من الأيام، إلى مستويات فاقت ميزانيات بلدان مجتمعة، بل بلغت حدا فرضت معه معاييرها على الحكومات المنتخبة في بلدانها!
ومع مضي الحملة على المصارف التي تلاعبت بأموال مودعيها، وبسوق العملات، وبقطاع الإسكان، وبأفخاخ صناديق التحوط، وعملت "البحر طحينة"، يظهر سؤال كبير في المشهد العام، على الشكل التالي: هل تتعلم المصارف من الغرامات أم من القوانين؟ وقد يكون السؤال مناسبا أكثر بهذا الشكل: هل تعلمت المصارف حقا؟ لا شك في أن الهجمات الحكومية عليها - ولاسيما في الولايات المتحدة - كبيرة ومتصاعدة، وهناك حكومات بدأت بالانضمام إلى هذه الحملة في بلدانها، وعددها يتزايد أيضا، خصوصا على الساحة الأوروبية التي تشهد يوما بعد يوم، تخلي مصرفها المركزي عن لغته الدبلوماسية، فيما يرتبط بالسؤال الذي تطوعت الحكومات بتوجيهه لأنفسها، لحل معضلة مقولة تاريخية مروعة، تُطرح عادة بهذه الصيغة "يجب عدم السماح للمصارف الضخمة بالانهيار".
حسنا، ولكن كيف يمكن عدم السماح بانهيارها؟ والأهم، كيف يمكن إبقاء الأموال العامة بعيدا عن عمليات الإنقاذ؟ بمعنى آخر، هل يمكن إنقاذ المصارف الضخمة، دون أن يُجبر المتضرر منها على إنقاذها؟! الحكومات الغربية وجدت "الحل"، وهو يستند إلى إجبار هذه المصارف على احتياطي رأسمالي على شكل سندات وأدوات مكافئة، بما يعادل نسبة معينة من أصولها التي تستهدفها المخاطر. لكن الأمر ليس بهذه السهولة. فبعض بلدان مجموعة العشرين (على سبيل المثال)، طالب بمرونة في القوانين الجديدة، خصوصا بعدما تحولت قضية المصارف الكبرى وحتى المتوسطة، إلى مسألة عالمية، تنال في الدرجة الأولى من البلدان التي اتخذت زمام المبادرة الاقتصادية، في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت عام 2008.
الأوروبيون يعتقدون أن الاحتياطي الرأسمالي للمصارف المعنية الذي يصل إلى 16 في المائة، لا بأس به. غير أن ذلك لا يقلل من صعوبة وصول المصارف إلى هذا المستوى من الاحتياطي. ولهذا فإن الأمر لم يحسم بعد، وترك لما أطلق عليه "محاكاة" ستتم في نهاية العام المقبل. وإلى أن يتم ذلك، فإن دافعي الضرائب سيظلون المنقذين الحقيقيين للمصارف التي ترتكب الأخطاء، والأهم، تلك التي ترتكب الانتهاكات والتجاوزات والسرقة والتلاعب، وتضع أموال المودعين فيها في دائرة الخطر، عن طريق ممارسات استثمارية عالية المخاطر. يضاف إليها، "الاستشارات" المضللة التي تقدمها المصارف للمستثمرين، على أمل في إقناع هؤلاء بموافقات سريعة، على عمليات استثمارية تهدد ما يملكونه من أموال.
وعلى الرغم من كل الفضائح، بل والعمليات الاستثمارية السافرة جدا، لا يزال بعض المصارف مستمرا في مواصلة بعض السياسات المالية التي أدت إلى كوارث. هم يقولون عنها "سياسات"، ولكنها في الواقع مصائب تنال من المودعين مرتين. في الأولى، عندما تتبخر أموالهم في عمليات خطيرة وأحيانا غير مشروعة، والثانية، عندما يضطرون إلى إنقاذ مدمرهم المالي، عبر الضرائب التي يدفعونها للموازنات العامة في بلدانهم. فعلى سبيل المثال، لم تنفع في بعض المصارف، "استغاثات" صندوق النقد الدولي، بحتمية وقف التلاعب بالعملات. والصندوق يعرف أكثر من غيره، أن هذا التلاعب ينال في الدرجة الأولى من الانتعاش الاقتصادي العالمي الهش. لقد عثر أخيراً على عشرة مصارف (مثل باركليز، ودوتشيه بنك، كريدي سويس، جي بي مورجان بي إن بي باريبا.. وغيرها)، لا تزال في خضم التلاعب بالعملات!
المفزع، أن هذه المصارف بدأت بعقد صفقات مع الحكومات لدفع غرامات مقابل عدم تقديمها للقضاء. واللافت، أن هذه الحكومات تفضل الغرامات عن أي شيء آخر، مما يجعل جهودها في تطبيق قوانين مصرفية جديدة مشددة عرضة للتآكل، وفي أفضل الأحوال، عرضة للالتفاف حولها. لا شك أن الحملة ضد المنتهكين المصرفيين جدية. فالحكومات نفسها لم تعد قادرة ماليا على إنقاذ المصارف بسلاسة. وإذا ما تعاطت السلطات المختصة مع بعض المسؤولين عن المصارف كلصوص، فإنها تستطيع أن تحقق قفزات نوعية في حملتها الشاملة، وتكسبها زخما قويا على الساحة العالمية. لقد أثبتت التجارب، أنه ليس من السهل تطويع المصارف بالغرامات. فحتى في أعقاب انهيار آلاف المصارف حول العالم، وجد القائمون عليها منافذ لتحقيق المكاسب غير المشروعة. وإذا لم تتحول الحملة إلى حرب، ستبقى أبواب هذه المنافذ مشرعة، أو على الأقل مواربة.
 

الثلاثاء، 30 سبتمبر، 2014

«فاتكا» يفتك فتكا

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





“في هذا العالم لا شيء مؤكدا، إلا الموت والضرائب”
بنجامين فرانكلين كبير مؤسسي الولايات المتحدة الأمريكية
 
 
كتب: محمد كركوتـــي
 
وصل قانون الامتثال الضريبي الأمريكي (فاتكا) إلى شركات التأمين، بعد أن شمل في غضون أشهر المصارف والشركات والمؤسسات خارج نطاق الولايات المتحدة. (فاتكا) يفتك بلا رحمة، بأموال الأمريكيين في كل مكان. ليس مهما أن تكون بعيدا عن الأراضي الأمريكية، (فاتكا) سيصل إليك، بل سيتمكن من كل سنت في حسابك، إنها الضريبة التي تدفعها كونك أمريكيا سواء كنت في عقر دارك، أم في دور الآخرين. ولهذا السبب بالتحديد، ارتفع في الأشهر الماضية عدد الأمريكيين الباحثين عن جنسية أخرى، والأهم التخلص السريع من جنسيتهم الأمريكية. بصرف النظر عن الإجراءات التي تكفل ذلك، سواء عبر شراء الجنسية بالمال، أم الحصول عليها بالإقامة الطويلة، أو عن طريق الزواج، وغير ذلك. (فاتكا) بالنسبة لهؤلاء ليس إعصارا عابرا أو زوبعة آنية، بل مصيبة دائمة.
وإذا ما كان هناك إنجاز ما، مهم وراسخ لإدارة باراك أوباما منذ وصولها إلى السلطة، فهو تجاوب العالم معها في (فاتكا). وهو تجاوب يعود أساسا إلى خوف المؤسسات الأجنبية المعنية، من العقوبات التي قد تفرض عليها، إذا ما واصلت التمسك بسرية الحسابات المصرفية العائدة للأمريكيين. وهذه عقوبات قاصمة، تبدأ بحظر تعاملات الولايات المتحدة معها، ولا تنتهي بالغرامات الخرافية التي قد يفرضها القضاء الأمريكي عليها. ولذلك، فإن القطاعات التي استهدفها (فاتكا) وصلت إلى شركات التأمين. فالقانون يفرض على هذه الشركات تحقيق ما جاء في القانون، فيما يتعلق بالملكيات والأصول الخاصة بمواطنين أمريكيين فيها. ويتضمن القانون أيضا، ضرورة الكشف عن كيانات تجارية أجنبية في شركات التأمين، وأن الجهات المختصة التي تعمل فيها هذه الشركات، عليها واجب المساعدة في ذلك.
 
منذ أن صدر (فاتكا)، كان التركيز على المصارف الأجنبية التي تتلقى مداخيل الأمريكيين، على اعتبار أنها النقطة الأخيرة التي تصب فيها هذه المداخيل. إلا أن هذا القانون لن يتوقف عند حدود معينة، وهو قابل للتطوير والتعديل في أية لحظة، الأمر الذي يترك الباب مفتوحا لاستهداف حتى الشركات المتوسطة والصغيرة مستقبلا. وحتى الشركات التي لا ترتبط بمصالح مباشرة أو غير مباشرة مع الولايات المتحدة، فإنها ستخضع في النهاية إلى اللوائح الحكومية المحلية، المنبثقة عن اتفاقات بهذا الشأن مع السلطات الأمريكية. أي أن الكماشة تحوط كل الجهات. ويلزم القانون المصارف الأجنبية، إضافة إلى المؤسسات المالية الأخرى مثل شركات الضمان وصناديق الائتمان ومؤسسات الصرافة وصناديق الاستثمار، بالتصريح عن أي عملاء لهم علاقة بالولايات المتحدة ويخضعون للضرائب الأمريكية وتزيد أرصدة حساباتهم على 50 ألف دولار للأفراد و250 ألف دولار للشركات. وحين يكون الحد الأدنى للأرصدة بهذا المستوى، علينا أن نتخيل عدد الأمريكيين الذين ينطبق عليهم (فاتكا).
ليس هناك مجال للسرية المصرفية بعد الآن. ليس فقط وفق معايير (فاتكا)، بل أيضا من اللوائح التي تستهدف بنسبة لا بأس بها من الأموال غير المشروعة، فضلا عن العقوبات على العمليات التي تقوم بها المصارف وتضع أموال المودعين في مكامن الخطر. وهذه قضية كلفت لوحدها عشرات المصارف غرامات خيالية وصلت إلى أكثر من 17 مليار دولار في حالة “بنك أوف أمريكا”، وغرامة ليست أقل ضد “مورجان ستانلي”، وعدد متعاظم من المصارف الأخرى. لكن لقانون (فاتكا) تبعات وطنية مختلفة، لأنه يستهدف المواطنين الأمريكيين فقط. الأمر الذي عزز لدى شرائح من أولئك الذين يعملون في الخارج، مشاعر التخارج من الجنسية. وليس مهما هنا، إقدام السلطات الأمريكية على رفع رسوم التخلص من الجنسية. فالذي يريد أن يحمي عشرات الآلاف، لا ينظر إلى رسوم لا تزيد على خمسة آلاف.
الجانب الأهم في (فاتكا)، أنه “متوالد” الطروحات. وعلى الشركات والمؤسسات غير الأمريكية في الخارج، أن تستعد لهذه الطروحات. بالأمس كانت المصارف واليوم جاء دور شركات التأمين، وبعد ذلك ربما “بقالة” يستثمرها أمريكي في إحدى القرى الأوروبية أو في أي قارة كانت. لقد وقعت أغلب شركات التأمين في العالم، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط على اتفاقية (فاتكا) بمجرد طرحها من قبل واشنطن. وهذه الشركات اختصرت الطريق، واتبعت أسلوب التعاون بدلا من طرق التحايل. فحتى مساحات التحايل باتت ضيقة للغاية، ومخاطر العقوبات باتت أوسع مما كانت عليه في السابق. بعض المصارف حاول التمسك بمبادئ السرية المصرفية. ما حصل، أنها تلقت تهديدات معلنة من الولايات المتحدة، بأن أمر السرية لا معنى له، وأن عليها الامتثال للقوانين.
(فاتكا) سيواصل الفتك بالأرصدة الأمريكية أينما وجدت، والجنسية الأمريكية التي كانت عند البعض ميزة مهمة، باتت عبئا كبيرا، بل خطيرا على الثروات، حتى على المداخيل الشهرية للموظف الأمريكي. إن العالم يعيش عصر (فاتكا) الآن. والقانون الأمريكي، بات مغريا لعديد من حكومات العالم، ولاسيما تلك التي في القارة الأوروبية. فإذا نجح (فاتكا) الأمريكي بصورة مذهلة، لماذا لا ينجح (فاتكا) الأوروبي أو الآسيوي أو الإفريقي أو حتى العربي؟

الأربعاء، 24 سبتمبر، 2014

الذي ينقص استقلال إنجلترا عن المملكة المتحدة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







"أسرة يحكمها الفرد الخطأ فيها، شبيهة بوضعية إنجلترا".
جورج أورويل - أديب وكاتب بريطاني




كتب: محمد كركوتـــي

قبل أيام من الاستفتاء التاريخي حول استقلال اسكتلندا عن المملكة المتحدة، الذي أدى إلى رفض الاستقلال، قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون "لا أريد أن أكون رئيساً لوزراء إنجلترا، أريد أن أظل رئيسا لوزراء المملكة المتحدة كلها". وقبله بسنوات، وجه ديكتاتور زمبابوي روبرت موجابي خطابا لرئيس وزراء بريطانيا آنذاك توني بلير قال فيه: "حسنا بلير، احتفظ بإنجلترا، ودعني أحتفظ بزمبابوي". نجت المملكة، ونجا معها كاميرون، بل الأحزاب الرئيسة التي اتحدت جميعها في مقاومة شرسة ضد الانفصاليين الاسكتلنديين، الذين تقدمهم الاتحاديون في الاستفتاء بـ 10 في المائة فقط، وهي نسبة ليست قليلة، فيما لو كان الإقبال على الاستفتاء منخفضا، إلا أنه كان مرتفعا بصورة تاريخية حقا. وصل إلى 86 في المائة. وفي النهاية هذا الأمر ليس مهما وفق حسابات اتُفق عليها، على مبدأ النصف زائد واحد.
الخاسرون في الاستفتاء، لم يخسروا بصورة ماحقة كاسحة. حصلوا في الواقع على تعهدات حتى قبل الاستفتاء بمزيد من السلطات تنقل من الحكومة المركزية في لندن، إلى الحكومة المحلية في إدنبرة. وبصيغة أخرى، مزيد من الصلاحيات لبرلمان اسكتلندا. هذه التعهدات حولت في الحقيقة نتيجة الاستفتاء الحاسمة، إلى بداية وليس نهاية. بداية لسلسلة من الجدل والمناقشات حول طبيعة الصلاحيات الموعودة وزمنها وطريقة نقلها، لكن البداية الأخطر جاءت من إنجلترا نفسها، من أولئك الذين بدأوا يشعرون أنهم مواطنون يقتربون من الدرجة الثانية قادمين من الأولى، وفق التشريعات التي اعتُمدت في منح أقاليم المملكة الأخرى (ويلز، واسكتلندا، وإيرلندا الشمالية) الصلاحيات تلو الأخرى. وهي أقاليم تشكل مع إنجلترا المملكة المتحدة، وليس بريطانيا "العظمى" التي لا تشمل إيرلندا.
كما على الجانب الاسكتلندي في الشمال قوميون، على الجهة الإنجليزية يوجد مقابلون لهم. وهؤلاء يطرحون نقطة خطيرة تتمثل في أنه لا يجوز أن تكون لنواب اسكتلندا أصوات في مجلس العموم في لندن، بينما يتمتعون بأصوات مستقلة في برلمانهم في إدنبرة. كيف يمكن أن تكون لهم قوة التشريع في منطقتين ضمن المملكة المتحدة؟ المتشددون الإنجليز بدأوا يطالبون علانية بإنشاء برلمان إنجليزي، ليس بالضرورة أن يكون مقره في العاصمة، بل في أي مدينة أخرى في إنجلترا. إنها وصفة بطيئة لأولئك الذين يتحينون الفرصة للإعلان عن رغبتهم في انفصال مَنْ؟ إنجلترا! عمن؟ عن المملكة المتحدة! هذا الطرح ليس سوى فانتازيا قومية (غير وطنية اتحادية)، لكن التاريخ شهد "فانتازيات" كثيرة غدت حقائق، بعضها أنتج خراباً، وبعضها الآخر أحدث اضطرابا شبه مستدام.
الاستفتاء الذي حسم موضوع استقلال اسكتلندا عن المملكة المتحدة، أحدث زلزالا دستوريا، ليس محصورا فقط بوعود لندن لإدنبرة بمزيد من السلطات، بل أيضا بصلاحيات يطلبها الويلزيون والإيرلنديون والإنجليز أنفسهم. هذا الزلزال وصلت تردداته إلى مناطق شتى في العالم، بدءاً من الجار الأوروبي (في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وقبرص وغيرها) وليس انتهاء بالكردي السوري أو العراقي. كثير من القوميين الاسكتلنديين ظهروا على الملأ ليؤكدوا أنهم يرغبون في الانفصال ويسعون إليه، ليس لأسباب قومية، وإنما لأسباب سياسية واقتصادية، إلا أنهم لا يقولون الحقيقة في ذلك. فعلى الجانب السياسي يحصلون على المزيد من الصلاحيات والسلطات، بل إنهم تلقوا وعوداً رسمية معلنة بزيادتها. واقتصادياً، تثبت كل المعطيات أنهم لن ينعموا بالرخاء الذي يحلمون به. فالاستقلال لا يوفر حلولا للمشاكل أو المصاعب الاقتصادية.
كل تحرك في هذا المجال يأتي بدافع قومي. فهذا الأخير ما زال يدغدغ المشاعر في كل مكان، حتى الإنجليز الذين يفترض أنهم الطرف الأقوى في الاتحاد، باتوا ينظرون للأمر من ناحية قومية بحتة. ولديهم الكثير من المبررات. صحيح أنها ليست مقبولة في الوقت الراهن من الأحزاب السياسية الرئيسة، ولكن لننظر فقط إلى ارتفاع شعبية القوميين الإنجليز في السنوات الأخيرة، وكذلك الأمر بالنسبة للفرنسيين والكاتالونيين في إسبانيا وغيرهما. القوميون الذين لا يزالون يخشون الاعتراف الصريح بهذه الحقيقة، لأسباب تتعلق بتجنب اتهامهم بعدم الوطنية، سيتخلصون من خشيتهم هذه لاحقا. ولا شك في أن الأداة الوحيدة للإبقاء على وحشية القومية خامدة، أن تتعزز اللامركزية، ليس في أقاليم بريطانيا، بل حتى في مدن الأقاليم نفسها.
لقد صرخ الاسكتلندي جوردون براون رئيس وزراء المملكة المتحدة السابق في وجه السياسيين طالبا منهم (بعد الاستفتاء) الإيفاء بوعودهم وزيادة مستوى وحجم السلطات لبرلمان وحكومة اسكتلندا. فهو المؤيد الصلب للاتحاد لا للانفصال يعرف أكثر من غيره، أن المشاعر القومية جاهزة للتأجج في كل الأوقات. وإن الذين رفضوا الانفصال اليوم، قد ينضمون إلى معسكر الإنفصاليين لاحقا. دون أن ننسى أن اسكتلندا منحت لأول مرة في التاريخ المراهقين، اعتبارا من سن السادسة عشرة حق التصويت. إن أهم ما يحمي المملكة المتحدة حاليا، ليس استفتاءات (بصرف النظر عن نتائجها) بل وطنية عادلة، ولا مركزية أكثر عدلا.

الاستقلال والاتحاد في «مهب» الخميس

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"اسكتلندا والاسكتلنديون جعلوا من بريطانيا ناجحة. بالنسبة لي لا مجال للسؤال حول جدوى استقلال اسكتلندا".
ديفيد كاميرون - رئيس وزراء بريطانيا


كتب: محمد كركوتـــي

بعد غد (الخميس)، سيدخل ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا التاريخ، إما كمدمر لجسم وكيان المملكة المتحدة، أو كـ "مقاتل" سياسي شرس تمكن من الحفاظ على ما تبقى من كيان الإمبراطورية البريطانية ككل، بصرف النظر عما سيحققه الاستقلاليون نفسيا من آثار سلبية، حتى لو خسروا التصويت التاريخي على استقلال الإقليم الذي ظل متحدا منذ 307 سنوات. بعد يومين، قد تخسر بريطانيا ثلث مساحتها، وأكثر من 8 في المائة من عدد سكانها، وقد يخسر الجنيه الاسترليني ما بين 10 و15 في المائة من قيمته، وسيتم تطبيق نظام الجمارك لاحقا على ما يزيد على 280 مليار استرليني هي عبارة عن منتجات اسكتلندية لإنجلترا وويلز. بعد يومين، سيعرف البريطانيون بكل انتماءاتهم، إذا ما كانت وحدة الكلمة بين الأحزاب البريطانية أنقذت الوحدة، أم لم يكن لها معنى.
هناك الكثير من التحولات والمتغيرات والمفارقات ستتحدد بعد يومين في اسكتلندا أو من خلالها. فقضية الاستقلال عن المملكة المتحدة ليست جديدة، ولكن الجديد أن مشاعر القومية الاسكتلندية وصلت إلى أعلى مستوى لها في السنوات الماضية، وأثبتت أن هناك دائما، من يرى أن "مضار" الاتحاد أكبر من منافعه، وأن أي تحرك سياسي "حتى لو كان لا يستهدف الانفصاليين من جانب الحكومة المركزية في لندن"، هو في الواقع تحرك مهين للاستقلاليين. إن الانفصاليين لا يستعيدون ذكريات الأمس، بل يضعون أمامهم الآن ذكريات ما قبل الأمس، ذكريات حملت إليهم المشاعر القومية العنيفة قبل مئات السنين. لا يهم بالنسبة للانفصاليين، الاضطراب والارتباك وعدم اليقين الذي سيلي الانفصال فيما لو تم. المهم الانفصال، وبعد ذلك تفاصيل يمكن تحملها أو السيطرة عليها. مهلا، مهلا.. لا يهم بالنسبة لهم، حتى تلميحات الاتحاد الأوروبي، بأنه ليس من السهل على اسكتلندا الانضمام إلى هذا الاتحاد.
يوم الخميس المقبل، سيعرف العالم مدى أهمية وقدرة التاج البريطاني، في الحفاظ على وحدة عمرها أكثر من ثلاثة قرون. وهل تمكن هذا التاج من المواءمة بين الوطنية والقومية، أو في أفضل الأحوال، هل استطاع حقا، أن يقلل من نسبة القوميين الاسكتلنديين والإنجليز. سيعرف العالم في غضون الساعات المقبلة، ما إذا كانت اسكتلندا ستمضي ضمن المملكة المتحدة، قرنا آخر أو أكثر، بل ما إذا كانت إنجلترا نفسها تفضل بقاء المملكة بعد عقود من الآن. الأوقات تتغير، والمشاعر القومية الإنجليزية ليست أقل حدة من الاسكتلندية، لكن الفارق أن الأخيرة أعلى صوتا من فرط الشعور بفوقية الأولى. وهذه ليست مشاعر الوحدويين، ويكفي هؤلاء أن الأحزاب البريطانية المختلفة "باستثناء الحزب القومي الاسكتلندي وبعض السياسيين القليلين المعروفين بنزعتهم الطائفية" اتحدت سياسيا من أجل دعم حملة "البقاء معا أفضل".
يوم الخميس المقبل، سيكون لكل صوت أهمية. فالقضية هنا لا ترتبط بحزب سيحكم ثم يخسر لاحقا ليعود إلى صفوف المعارضة. بل تتعلق بمصير وهوية دولة كبرى، و"دولة" أصغر ضمنها. أليكس سالموند رئيس الحكومة المحلية في اسكتلندا وزعيم معسكر الانفصاليين، إنه ببساطة في نظر هؤلاء "وليام ووليس" الذي خاض حرب الاستقلال ضد إنجلترا في القرن الثاني عشر، ولكن الفارق أن سالموند لا يقطع الرؤوس ولا يعلقها على بوابات المدن. إنه يسعى لقطع صلة، ليست مقتصرة على الجغرافيا، بل على المجتمع والاقتصاد، وأوروبا، وبقية أقاليم المملكة المتحدة. إنها عملية قد تكون معقدة إجرائيا ولكنها ليست كذلك عند أولئك الذين ينظرون إلى اسكتلندا بلدا مستقلا، يمتلك مقومات الدولة، ليس فقط اقتصاديا بل تاريخيا وجغرافيا وما يرتبط بهما.
قد تصبح بريطانيا "العظمى" في خلال الساعات المقبلة، صغرى أكثر وأكثر ضمن سياق "التقلص" الذي أصاب هذه الإمبراطورية قبل عشرات السنين. وربما أشعل الاستقلال المحتمل لاسكتلندا المشاعر المتأججة دوما عند أقرانهم الإيرلنديين. لكن مهلا، هنا الأمر سيكون مختلفا بعض الشيء. الذي يحرك الإيرلنديين ليس عوامل قومية فقط، بل دينية طائفية بحتة، أنتجت واحدة من أسوأ وأبشع مراحل الصراع بين الطرفين. المهم الآن، أن اسكتلندا في حالة الاستقلال، ستكون مسيطرة على 10 في المائة من الناتج المحلي للمملكة المتحدة البالغ 2.5 تريليون دولار. والانفصاليون يتوقعون أن يرتفع دخل الفرد 15 في المائة في غضون خمس سنوات بعد الاستقلال. كما أن الإقليم لن يكون ملزما بدين يصل إلى 200 مليار دولار من نصيبها في الدين البريطاني العام.
المستقبل في نظر هؤلاء وردي، جميل ينساب ضمن المشاعر القومية الهائمة في كثير من الأحلام وبعض الواقع. الأمور لن تجري بسهولة وانسياب كما يتوقعون. فحتى الأوروبيون حذروا الاستقلاليين من أن خطوتهم لا تضمن لهم عضوية أوتوماتيكية في الاتحاد الأوروبي. دون أن ننسى، أن بإمكان أولئك الذين قاتلوا من أجل بقاء الاتحاد، "التنغيص" اللا محدود على اسكتلندا المستقلة. إنها عملية تاريخية بكل معنى الكلمة، سيشهد العالم مشهدها الحاسم الخميس المقبل.

ضرائب مقابل الجنسية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



 
«أن تحب بلداً واحداً شيء رائع. لكن لماذا يقف حبك عند حدوده؟»
بابلو كاسالاس - موسيقي إسباني شهير



كتب: محمد كركوتـــي

لا أعرف طبيعة مشاعر أولئك الذين يتخلون عن جنسياتهم طواعية. فهي في النهاية تتبع أوطانا لا حكومات. وأياً كانت الأسباب، أحسب أن قراراً كهذا ليس سهلاً على من يتخذه. ولا شك في أن تخلصهم من أوراق الجنسية وروابطها، لا يزيل عندهم المشاعر العاطفية الصادقة تجاه أوطانهم. والأمر يبقى أسهل عندما تتعدد الخيارات أمام الراغب في التحول عن جنسيته. وهو ليس كذلك بالنسبة لمن لا يكون له خيار آخر. وفي كل الأحوال، إنها مسألة معقدة، تنساب في سياقها عوامل كثيرة، بعضها عاطفي وبعضها الآخر مادي، وشيء من الجغرافيا، وشيء آخر من الضرورات. وإذا ما كان الجانب المادي الأقوى، فإن الأمر يبدو أسهل على أولئك الذين أرادوا العيش بجنسيات أخرى غير تلك الأصلية التي حملوها منذ الولادة، أو اكتسبوها لاحقاً.
لم يسبق أن شهدت الولايات المتحدة هجوماً شرساً على مواطنيها المتهربين من الضرائب. فإدارة باراك أوباما أعلنت الحرب فعلاً على هؤلاء، على الساحتين المحلية والخارجية. وهي ماضية حتى النهاية للحصول على آخر دولار ممكن من أي أمريكي على وجه الأرض، يحصل على دخل مالي يستوجب الضريبة. الحرب، شملت كل المصارف الأجنبية في المرحلة الراهنة، في وقت يبحث فيه المشرعون الأمريكيون أفكاراً لملاحقة مواطنيهم حتى خارج المصارف، أي عبر أماكن عملهم. ورغم صعوبة ذلك، فإن التشريعات يمكن أن تظهر على السطح في مرحلة لاحقة، ويمكن أن تلقى قبولاً من المؤسسات المستهدفة نفسها. فالمصارف رضخت (بعد مقاومة شديدة) لمشيئة المشرعين الأمريكيين، وفتحت ملفاتها السرية أمامهم، خوفاً من عقوبات وغرامات لا تقوى عليها.
أن تكون أمريكياً وتعمل في الخارج، عليك أن تدفع الضرائب، حتى لو كنت لا تستفيد من الخدمات التي توفرها بلادك. فمجرد الانتماء يستوجب الضريبة. كان الأمريكيون العاملون في الخارج يجدون في المصارف الأجنبية ملاذاً آمناً لثرواتهم، بصرف النظر عن حجمها. لكن البنوك المركزية في غالبية بلدان العالم، وافقت على طلبات الإدارة الأمريكية، بفرض قوانين على المصارف بفتح ملفاتها وجداولها لواشنطن. في أوروبا في أمريكا اللاتينية في الخليج العربي، في غالبية المناطق حول العالم، باتت نسخة من حساب الأمريكي في حوزة مصلحة الضرائب الأمريكية، وعليه أن يدفع الضريبة، وغالبية هؤلاء الأمريكيين يتمتعون بمداخيل مرتفعة في الخارج. وبعيداً عن تفاصيل الإجراءات، فإن أي أمريكي يحصل على دخل سنوي يصل إلى 50 ألف دولار خارج البلاد، عليه أن يدفع الضرائب، حتى لو كان يعمل في كوكب آخر.
لا مجال للفرار من هذه الاستحقاقات الشرسة، سوى بالتخلي عن الجنسية الأمريكية. غير أن هذا الأمر ليس سهلاً، لأن من يرغب في ذلك، عليه أن يكون ضامناً لنفسه جنسية بلد آخر. وقد نشط في الآونة الأخيرة حراك ما يمكن تسميته "بيع الجنسيات". فنظام منح الإقامات الذي اتبعته بعض الدول (بما في ذلك عدد من بلدان الاتحاد الأوروبي)، لا يعفي الأمريكي من الضريبة. كما أن الحصول على إقامة دائمة يتطلب إدخال أموال تراوح بين 250 ألف ومليون دولار. ولا حل أمام الراغب في الهرب من الضريبة سوى الحصول على جنسية أخرى، وهذه الأخيرة ليست عالية التكلفة، كما قد يظن البعض للوهلة الأولى. هناك بلدان تمنحها بعدة آلاف من الدولارات فقط. 
السلطات الأمريكية أسرعت لسن قانون جديد يرفع رسوم التخلي عن الجنسية بمعدل خمسة أضعاف عما كانت عليه في السابق. من 450 إلى 2350 دولاراً. وهو في النهاية مبلغ مالي بسيط بالنسبة لمن يخطط للهروب من ضرائب بلاده. وبحسب السجلات الأمريكية، فقد ارتفع عدد الذين تقدموا بطلبات للتخلي عن جنسياتهم بصورة كبيرة في الآونة الأخيرة، وهو مرشح للارتفاع في المرحلة المقبلة. فحماية الثروات الشخصية، أهم بالنسبة لهؤلاء من انتماء وطني رسمي. وهم يعتبرون أنفسهم وطنيين، وغير متهربين من الضرائب، طالما أنهم يعيشون ويجنون أموالهم في الخارج. وهذه نقطة قابلة للجدل. لأن الوطنية أيضاً، أن تكون مساهماً في دعم الموازنة العامة لبلادك. فالمسألة لا تتعلق فقط بالضرائب مقابل خدمات تحصل عليها، بل تشمل أيضاً خدمات تقدم لشرائح أخرى مستحقة من مواطنيك.
لقد ساهمت "حرب أوباما" على صعيد الضرائب ببعض النتائج السلبية. في مقدمتها حرمان البلاد من أموال أولئك الأمريكيين الأفراد، بعد أن اعتمدت شركات عديدة من المستويين الكبير والمتوسط، أسلوباً خطيراً للهروب من ضرائب أوباما. لقد قامت هذه الشركات بالاندماج بمؤسسات أجنبية، وجعلت مداخيلها خارجية مرتبطة بمؤسسات غير أمريكية. إنها عملية احتيال واضحة لكل الأطراف، ولكن أحداً لا يستطيع إيقافها. وإذا كانت مثل هذه العمليات تجارية منفعية بحتة، فإن الأمر ليس كذلك تماماً في حالة الأفراد. فخطوات هؤلاء بالتخلي عن جنسياتهم لها شقها العاطفي المباشر، وهي تؤثر بصورة أو بأخرى في حياتهم الأسرية، وفي مرحلة لاحقة، تؤثر في مشاعر الانتماء عند أطفالهم.

لو قررتم الانفصال .. اتركوا الاسترليني

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"أنا وليام ووليس، هيا انتشروا، عودوا إلى إنجلترا، وأبلغوهم هناك، أن اسكتلندا باتت حرة".
وليام ووليس - قائد حرب الاستقلال الاسكتلندي


كتب: محمد كركوتـــي

هذا الشهر يحمل للمملكة المتحدة تحولا تاريخيا قد يحدث وقد لا يحدث. ولكنه في النهاية يهز هيكلية هذه المملكة التي كانت يوماً أعظم الممالك وأقواها. هذا التحول سيندرج في التاريخ بصرف النظر عن نتائجه. وهي نتائج ستكون إيجابية لفريق وسلبية لآخر. في الثامن عشر من هذا الشهر، سيصوت سكان مقاطعة اسكتلندا، إما لبقاء المقاطعة ضمن جسم المملكة المتحدة، أو الانفصال عنها، بعد أكثر من ثلاثة قرون على معاهدة الاتحاد التي ضمت مملكة إنجلترا (التي تشمل ويلز) في اسكتلندا في العام 1707. وقتها، صادق برلمانا إنجلترا واسكتلندا على هذه المعاهدة، لتقوم مملكة بريطانيا العظمى، التي أضحت لاحقاً المملكة المتحدة بضم أيرلندا الشمالية إليها.
وعلى الرغم من أن اسكتلندا حصلت في العقدين الماضيين على مزيد من الاستقلالية في صنع القرار المحلي، بما في ذلك إنشاء حكومة محلية فيها، إلا أن التيار الانفصالي الذي يقوده أليكس سالموند حصل على دفعة لافتة، إن لم تكن قوية، للمضي قدماً باتجاه الانفصال الكلي عن المملكة. فالمشاعر القومية تبقى محركاً فاعلاً في هذه المقاطعة الشمالية، تماماً مثلما هو الحال في أيرلندا الشمالية، التي خاضت حرباً دائماً على مدى قرن من الزمن مع إنجلترا من أجل الاستقلال، أو بالأحرى من أجل الاتحاد مع جمهورية أيرلندا. والأمر ليس بهذه القوة على صعيد مقاطعة ويلز، التي أثبتت على مر القرون، أن قوميتها ليست متطرفة حيال إنجلترا، ربما لأن التداخل بين المقاطعتين ظل أكبر منه بين اسكتلندا وأيرلندا الشمالية.
لكن ليس كل الاسكتلنديين يؤيدون الانفصال، الذين يؤدون البقاء يعتقدون أن ما حصلت عليها إدنبرة من استقلالية سياسية، يكفي لإرضاء المشاعر القومية. وأكثر من ذلك يكون الأمر صعباً بل ومرفوضاً. الحكومة المركزية في لندن، لم تتوقف عن التحرك من أجل توجيه الاستفتاء المنتظر نحو البقاء، وهي تعدد المغريات الكثيرة، لاسيما الاقتصادية منها. الوظائف، الجنيه الاسترليني، الدفاع، الاستفادة من مؤثرات وجود بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي، كلها مزايا تسوقها حكومة ديفيد كاميرون، وتمد بها حملة "البقاء معاً أفضل" التي يقودها وزير المالية البريطاني - الاسكتلندي السابق ألستر دارلينج. الانفصاليون يؤكدون، أن الانفصال أفضل، ليس فقط لوجود النفط في المناطق البحرية الاسكتلندية، بل أيضاً لأن اسكتلندا المنفصلة تستطيع أن تلعب دورها على الساحة الأوروبية، حتى في ظل إشارات من الاتحاد الأوروبي بجدوى البقاء لا الانفصال.
ومع أن أحداً لا يستطيع أن يجزم في أي الاتجاهين سيذهب الاستفتاء، فالتنازع بين الطرفين بدأ على الممتلكات بين لندن وإدنبرة. العاصمة البريطانية تصرخ، بأن الجنيه الاسترليني لن يكون عملة اسكتلندا المستقلة، في محاولة أخرى للضغط على الناخبين، بينما يرد رئيس الوزراء الاسكتلندي سالموند، بأنه يرغب ببقاء الاسترليني عملة لـ "اسكتلندا المستقلة"، ولكن إذا فشل في ذلك، فلا خوف. لأنه يعتقد، أنه بإمكان بلاده تولي سياستها الاقتصادية والمالية بنفسها. ومع تزايد نشاط الانفصاليين دعائياً قبل أيام من موعد الاستفتاء، بدأ المناوئون يرددون "تريدون الانفصال؟ انفصلوا واتركوا الجنيه الاسترليني". والحق أن العملة البريطانية تمثل حالة رمزية عميقة، مثلما تمثل حالة اقتصادية مالية محورية. وتبقى بالنسبة لأولئك الذين يريدون أن يبقى التاج البريطاني على رأس اسكتلندا، وسيلة ضغط أو مناكفة أو عقابا.
ورابط الجنيه يتعلق بصورة أهم وهي مسألة الديون. فقد تعهدت وزارة المالية البريطانية بضمان قروض التاج البريطاني، والحصول من اسكتلندا "المستقلة" على حصتها في مدة يتفق عليها لاحقاً. غير أن عدم وجود وحدة نقدية، دفع القوميين الاسكتلنديين للتهديد بعدم تسديد حصتهم من هذه الديون. دون أن ننسى، أن عوائد النفط الاسكتلندي ليست كبيرة بما يكفي، لتوفير الموارد اللازمة لسد الدين العام. ورغم أن إجمالي الناتج المحلي لاسكتلندا، يماثل بصورة أو بأخرى مستويات دول مثل فنلندا وجمهورية أيرلندا واليونان، إلا أن الروابط التاريخية الاقتصادية والمالية التي تجمع لندن وإدنبرة، تجعل الأمور أكثر صعوبة على صعيد الاستقلال الاقتصادي التام. إنها مسألة معقدة، وتحمل مخاطر عديدة. فحتى الأوروبيون، سربوا أنه ليس من الضروري أن تمتع اسكتلندا المستقلة بعضوية سهلة في الاتحاد الأوروبي.
الانفصاليون يعون بالفعل المخاطر الناجمة عن التنازع المالي مع لندن، ولهذا السبب اقترحوا ما يمكن أن يعتبر نوعاً من الوحدة النقدية مع المقاطعات المتبقية تحت التاج البريطاني، بإشراف بنك إنجلترا المركزي، وتحديداً على صيغة مشابهة للبنك المركزي الأوروبي. غير أن هذا لم يلق قبولاً (ولو نظرياً) من جانب الاتحاديين، الذين يصرون على أن يبقى الجنيه الاسترليني خارج جيوب الانفصاليين، كنوع من العقاب، إذا ما نجحوا فعلاً في الاستفتاء التاريخي هذا الشهر. لقد ضمن ديفيد كاميرون مكاناً بارزاً في التاريخ البريطاني، سواء انتصر الانفصاليون أم هزموا. وشكل البروز هنا يحدده البريق أو الظلام.

عندما تكون صناعة الدواء بلا أخلاق

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«لا تقلل أبداً من تأثير المال الذي يذهب رأساً على شكل رشوة»
كلود كوكبورن - صحافي ومؤلف أيرلندي


كتب: محمد كركوتـــي

يبدو أن لا شيء في السوق محميا من الرشوة والاحتيال والفساد والتهريب والسمسرة السوداء. ها هي شركات الأدوية المعروفة وغير المعروفة، تدخل منذ سنوات في بؤرة الفساد والاحتيال، بحيث أصبحت أخبار التجاوزات فيها أكثر من أنباء الاكتشافات الدوائية الجديدة. وبدلاً من قيام هذه الشركات بين الفترة والأخرى، بطرح منتج دوائي حقيقي رخيص، يقوم ممثلوها في عدد كبير من البلدان، بعقد الصفقات المريبة، التي تستند في الدرجة الأولى، إلى تمرير ما أمكن من المنتجات الدوائية ضمن الأنظمة الطبية والصيدلانية، بصرف النظر عن الاحتياج لها. وهي عمليات احتيال تنال من المنافسة الشريفة التي تضمن في النهاية حقوق المنتج والمستهلك. والمروع أن شركات أدوية شهيرة حتى عند العامة، دخلت في نطاق السوق السوداء المتجددة. بصرف النظر عن مواقفها المعلنة المستنكرة لما يحدث.
والاستنكار لا يعفي هذه الشركات من المسؤولية عن تجاوز ممثليها في البلدان المستهدفة للأنظمة التجارية والطبية الشرعية، بل إن هناك عشرات الأسئلة تتعلق بمدى اطلاع مجالس إدارة شركات الدواء على عمليات الاحتيال والرشوة التي تجري في هذا البلد أو ذاك. بعض المعلومات تفيد بأن قرارات تتخذ على مستوى مجالس الإدارة، تدعم عمليات الرشوة لتسويق المنتجات. ولهذا السبب خضعت (ولا تزال) عديد من الشركات للتحقيقات من قبل السلطات في بلدانها (وكلها بلدان غربية)، بينما وجدت بعض الشركات أنه من الضروري التوصل إلى تسويات مع السلطات المشار إليها، وحصر القضايا ضمن تفاهم يحل عبر غرامات مالية، على طريقة المصارف الملوثة التي فضلت دفع الغرامات الهائلة بدلاً من ساحة القضاء.
وفي السنوات الماضية، خضعت شركات منتجة للدواء للتحقيقات السرية. من بينها "ميرك"، و"باكستر"، و"بريستول – مايرز سكويب"، و"إلي ليلي"، و"أسترازنيكا"، و"سميث آندنيفيو". وكلها أسماء رنانة في نطاق اختصاصها. وتوصلت شركة "فايزر" الأمريكية في سياق هذه التحقيقات إلى تسوية مع وزارة العدل، حول اتهامات تتعلق بتقديمها دفعات وصفها القانونيون الأمريكيون بأنها "غير لائقة" خارج الولايات المتحدة. ولأن القضايا حساسة، والأدلة قوية لا لبس فيها، أسرع القائمون على هذه الشركات لتسويات مالية. غير أن ذلك لم يوقف عمليات الرشوة والاحتيال وتقديم دفعات "غير لائقة". وطبقاً للمعلومات التي ظهرت على الساحة أخيراً، فإن هناك شركات قامت بتسويات مع حكوماتها بالفعل، لكنها عادت إلى الأسلوب القديم المكرر في الاحتيال. سواء بشكل مباشر، أو عن طريق ممثلين لها في بلدان تفتقر إلى الرقابة الحكومية الصارمة في قطاع مؤثر وحساس مثل قطاع الدواء والعلاج.
وفي مطلع العام الجاري، لم يغب اسم شركة الأدوية البريطانية "جالاكسو سميث كلاين" الشهيرة، عن الأخبار الآتية من أنحاء مختلفة في هذا العالم. وفي كل مرة يتم تداول هذا الاسم، يربط برشا هائلة يقدمها وكلاؤها من أجل تمرير صفقات من الأدوية، بما في ذلك عقاقير لعلاج السرطان ومنع جلطات الدم. كان آخر هذه الفضائح من سورية. وجاء في الاتهامات أن الشركة عن طريق ممثليها في المنطقة، قدمت رشا للأطباء ومسؤولين في النظام السوري، من أجل تمرير الصفقات، بما في ذلك منتجات ليست مطلوبة بصورة ملحة في البلاد. هذه القضية جاءت بعد أن افتضح أمر قضايا مماثلة للشركة في كل من الصين ولبنان وبولندا والعراق والأردن. في حين يعتقد محققون أن الشركة متورطة أيضاً في بلدان أخرى.
أسرعت الشركة البريطانية بالفعل إلى فتح تحقيقات مع ممثليها في الدول المذكورة، لكن أحداً لم يسمع بنتائج هذه التحقيقات حتى الآن. فهي تؤكد أن إدارتها في المقر الرئيس، لا علاقة لها بقضايا الرشا والفضائح الملازمة لها، وأن التسيب يمكن أن يحصل هنا وهناك، وأنها عازمة على إيقاف هذا النوع من الفساد في مكاتبها ووكالاتها حول العالم. ولكن في النهاية، لا تكفي تحقيقات الشركة ذاتياً، خصوصاً أن الأطراف الأجنبية المتورطة، لا تتمتع قوانين بلدانها بالحد الأدنى المطلوب من النزاهة. فقد أثبتت تحقيقات السلطات الأمريكية مع عدد من شركات الأدوية في الولايات المتحدة أهميتها بل نجاعتها. فلا يمكن ترك الأمور لتحقيقات داخلية، لا يمكن ضمان نتائج نزيهة لها. بل رغم ذلك، فقد رشحت معلومات تفيد بأن الشركات التي خضعت للتحقيقات والغرامات فعلاً، ترتكب مخالفات مشابهة. تحقق شركات الأدوية حول العالم، والمتمركزة بصورة أساسية في البلدان الغربية، أرباحاً طائلة من عملياتها المشروعة. فشركة "جالاكسو سميث كلاين" تحظى بعوائد سنوية تصل إلى أكثر من 26 مليار جنيه استرليني. ويبدو أن هذه الأموال الطائلة، هي أقل مما تسعى إليه الشركة. في حين أن طبيعة إنتاجها ينبغي أن يخضع أيضاً إلى المعايير الأخلاقية، فهي لا تنتج الساعات المرصعة بالألماس، ولا السيارات المطلية بالذهب. إنها تصنع الدواء، بل لنقل إنها تصنع الأمل. وهذا وحده يفرض عليها قيما تخضع لمعايير السوق، بلا شك، ولكن بمستويات أخلاقية مقبولة.

السلاح والحليب بين بريطانيا وإسرائيل

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



 
"إذا هاجمك كلب، فاقتص ممن يرعاه. لا تلوموا إسرائيل، وجهوا اللوم والمحاسبة إلى الإدارات الأمريكية المتعاقبة الراعية لها"
روبرت دي نيرو ممثل ومخرج ومنتج أمريكي
 
 
 
 
كتب: محمد كركوتــي
 
أيا كان مستوى الحظر العسكري الذي تفرضه بريطانيا على إسرائيل، فسيكون رمزيا أكثر منه عمليا. وحتى بتوصيفه هذا، أحدث خلافا بين طرفي الحكومة الائتلافية الحاكمة في المملكة المتحدة، بين المحافظين، وبين الليبراليين الديمقراطيين، الذين لولاهم لما تمكن المحافظون من تشكيل حكومة. الليبيراليون يؤمنون أن الجانب الأخلاقي في هذه المسألة بات قضية ملحة، بينما يرى المحافظون التريث أو الإقدام على هذه الخطوة بأقل سرعة ممكنة. وفي ظل هذا المفهوم المحافظ، دب الخلاف بين طرفي الحكومة. صحيح أن الغلبة في السلطة حاليا للمحافظين، ولكن الصحيح أيضا، أن رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، لا يمكن أن يغامر بأي خلاف يخرج عن السيطرة. فقبل أيام فقط استقالت الليدي وارسي وزيرة دولة بوزارة الخارجية، لأنها كما قالت "لا تستطيع أن تدافع عن سياسة حكومتها حيال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة".
رضخ كاميرون في النهاية للضغوط من نواب شركائه الليبراليين، إلى جانب نواب حزب العمال المعارض، في فرض حظر على تصدير السلاح (ولو مرحليا) لإسرائيل. وكانت النتيجة، إيقاف الصفقات المخصصة لسلاح البحرية الإسرائيلي، على اعتبار أنه قام بعمليات عسكرية أوقعت عددا كبيرا من الضحايا المدنيين في صفوف الفلسطينيين. لقد تم فحص 182 ترخيصا بتصدير أسلحة من بينها 35 ترخيصا يتعلق بتصدير وسائل قتالية لسلاح البحرية الإسرائيلي. وفي نهاية الفحص تقرر إلغاء خمسة تراخيص خاصة بتصدير معدات ووسائل قتالية للسفن التي يمتلكها سلاح البحرية الإسرائيلي. وقد وجدت الحكومة البريطانية (بعد الضغوط) أن "العمليات التي قامت بها سفن سلاح البحرية الإسرائيلي خلال عملية - الرصاص المنصهر - تتنافى والاتفاقيات الأمنية المبرمة بين إسرائيل وبريطانيا.
مثل هذه النوع من العقوبات، هو في الواقع سياسي رمزي، لا يؤثر بأي شكل من الأشكال على قدرات جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي حظي في عز العدوان على غزة بإمدادات أمريكية عسكرية مختلفة، بصرف النظر عن "الخلافات" السياسية بين إدارة الرئيس باراك أوباما وحكومة بنيامين نتنياهو. ومن المصائب، أن هناك جهات عربية تعتقد بأن مجرد وجود خلاف سياسي بين تل أبيب وواشنطن، هو "انتصار" عربي! وبعيدا عن هذا المفهوم الملتبس، تبقى الخطوات التي اتخذتها بريطانيا ضد إسرائيل (قبل العدوان على غزة)، أهم وأكبر أثر على الساحة الإسرائيلية. فتل أبيب التي تنتج السلاح، لم تعتمد على السلاح البريطاني من قبل، باستثناء المرحلة المباشرة التي أعقبت اغتصاب فلسطين من قبل العصابات الصهيونية المعروفة. وكان زخم السلاح الفرنسي لإسرائيل، أكبر من البريطاني لها.
في الأشهر الماضية، تركت المقاطعة التي فرضتها بريطانيا على منتجات المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة أثرا، وإن لم يكن كبيرا. وفي الحقيقة، كانت هذه العقوبات جزءا أصيلا من سلسلة عقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي على تل أبيب، كنوع من الضغط على وقف بناء المستوطنات، والحد من عمليات التهويد التي تتعرض لها مدينة القدس منذ عقود. ومع ذلك لم يتوقف النشاط الاستيطاني، الذي يعتبره الإسرائيليون ضمانة لهم لاستمرار إحكام سيطرتهم على المناطق المحتلة، وإيجاد حالة من الأمر الواقع، تدعمهم في "المفاوضات" المترنحة مع الجانب الفلسطيني. وانحصرت العقوبات البريطانية في هذا المجال، في نطاق بعض المنتجات الزراعية، والألبان وما يتصل بها. والأثر السلبي الواضح على هذه المنتجات، لا يعود فقط للعقوبات البريطانية، بل لمجمل العقوبات الأوروبية.
ورغم أن المقاطعة الأوروبية انعكست بصورة خطيرة على عدد المصانع وجهات الإنتاج الإسرائيلية، إلا أنها من حيث القيمة تبقى متواضعة. وطبقا لآخر تقدير إسرائيلي، فإن ما يقرب من 80 مصنعا إسرائيليا متخصصا في إنتاج الحليب والألبان مهددة بالإغلاق بشكل نهائي. ومنتجات هذه المصانع تأتي كلها من المستوطنات. لكن بالنظر إلى القيمة، فإن إجمالي الخسائر لا تتعدى 30 مليون دولار. وما يخيف الإسرائيليين، ليس هذا الحجم من الخسائر، ولكن القرارات الأوروبية الإضافية المتوقعة التي ستتضمن فرض المزيد من العقوبات على أكبر نسبة من منتجات المستوطنات. وهذا يشكل رعبا حقيقيا على المدى المتوسط في تل أبيب. وسيكون الرعب أكبر، لو قام الاتحاد الأوروبي، بفرض عقوبات أكثر اتساعا مرة واحدة، وليس على مراحل.
ورغم حالة الرعب هذه، فإن إسرائيل تضمن لنفسها الاستمرار في احتلالها المتواصل وعدوانها المتكرر. فالجانب الأمريكي حيالها يبقى آمنا، بصرف النظر عن "مسرحيات" الخلافات مع الولايات المتحدة. ويبقى المصدر الأهم للإمدادات العسكرية وللعلاقات الاقتصادية، التي تحتاج إليها تل أبيب. ولتفرض بريطانيا ما تشاء من العقوبات العسكرية، حتى إن انتقل ديفيد كاميرون من حالة التردد إلى وضعية الإقدام على مثل هذه الخطوات. فالبريطانيون الذين يضغطون لمزيد من حظر السلاح لإسرائيل، قد يشعرون أنه من الواجب القيام بذلك، لكنهم يشعرون بصورة أكبر وأهم بأن الحظر يخفف عليهم وطأة المسؤولية الأخلاقية، المتمثلة في إنتاج إسرائيل مزيدا من أشلاء الأبرياء.

العمل 3 أيام في الأسبوع ليس ترفا

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





 
"اختر العمل الذي تحبه، فلن تعمل يوماً واحداً في حياتك"
كونفوشيوس فيلسوف الصين



كتب: محمد كركوتـــي

لم يحظ الاقتراح الذي طرح منذ سنوات، بتحويل أيام العمل إلى ثلاثة بدلاً من خمسة أسبوعياً، بتأييد فاعل من جهات مؤثرة حول العالم. وبقي ضمن نطاق الطرح في المناسبات، ولا بأس من محاضرة داعمة له هنا، ومنتدى مؤيد هناك. وتصريح بين الحين والآخر من رجل أعمال على شاكلة المكسيكي ـــ اللبناني كارلوس سليم "أغنى رجل في العالم"، الذي حمل لواء الاقتراح أخيراً، مؤكدا نجاعة تحويله إلى حقيقة عملية. وسليم ليس اقتصادياً مُنظراً، ولا أكاديمياً باحثاً، ولا كاتباً يقدم أفكارا ويمضي إلى أخرى. إنه رجل أعمال عصامي النشأة، حقق نجاحات مختلفة "ولا يزال"، ليصبح في النهاية الأغنى في العالم على الإطلاق. وعندما يبنى هذا الطرح، فإنه يقدمه من مفهوم عملي وواقعي. فهو ليس من أولئك المغرمين بالنقابات وطروحاتها التعجيزية.
وكارلوس سليم في النهاية ليس صاحب المقترح، ولكنه من داعميه. وفي مطلع عشرينيات القرن الماضي، وصف الصناعي التاريخي الشهير هنري فورد بالجنون. لماذا؟ لأنه حول دوام العمل في مصانعه ومؤسساته وقتها لخمسة أيام في الأسبوع. كان العالم الغربي آنذاك يعمل ستة أيام باستثناء أيام الآحاد. وفي بعض البلدان الغربية، كان بعض الموظفين والعمال يعملون ساعات قصيرة عصر الآحاد نفسها. وفي العالم العربي "حتى وقت قريب"، كانت أيام العمل ستة في الأسبوع. وفي دول العالم حالياً، لا يزال "الصيغة المقدسة" التي تستند أولاً على الدوام الكامل، أما مسألة الإنتاج والإنجاز فتأتي في الدرجة الثانية! وفي بعض البلدان، يُنظر إلى المدير الناجح، على أنه ضابط مثالي للدوام! وهذه المفاهيم لم تعد تتماشى مع التطورات في ساحة العمل، بل واستحقاقات التحولات في هذا المجال.
وتشير الدراسات المختلفة، إلى أن نسبة متعاظمة من الموظفين، لم تعد مضطرة حتى للحضور إلى مقر العمل، ولا سيما أولئك الذين يستطيعون الإنتاج خارجه، مع وجود التسهيلات التكنولوجية التي باتت متاحة للجميع في غالبية دول العالم. وفي إحصائية أجريت في الولايات المتحدة مطلع العام الجاري، تبين أن أعداد الموظفين الذين يعملون من المنزل ارتفع من 9.5 مليون موظف في عام 1999 إلى 13.4 مليون موظف في 2010، وذلك بسبب إقبال المزيد من الشركات على تعيين موظفين يعملون من منازلهم بشرط الكفاءة والخبرة. وبلغت نسبة العاملين بوظائف يمكن ممارستها من المنزل في الولايات المتحدة إلى 50 في المائة. ومع تطور التكنولوجيا، فإن عدد الموظفين الذين سيتجهون من غرف نومهم إلى صالون المنزل لمزاولة وظائفهم سيزداد. فحتى الرئيس التنفيذي للشركة يمكنه ببساطة عقد اجتماع مهم ومحوري وهو بملابس المنزل وربما داخل غرفة نومه.
وبعيداً عن فكرة العمل والترفيه في الوقت نفسه التي يطرحها العديد من أصحاب الأعمال الأكثر تطوراً في مفاهيم الوظيفية، فإن دول العالم تتجه بصورة سريعة، إلى رفع سن التقاعد، ولا سيما مع ارتفاع معدلات الأعمار، حتى في البلدان الأقل تطوراً. ويرى مؤيدو اختصار الأسبوع لثلاثة أيام عمل، أن هذه الشريحة من العمال والموظفين تقبل بأجور أقل وساعات دوام أقل. وحتى بالنسبة للعمال الأقل سناً، فإن بعض الدراسات أثبتت أن الإنتاج يكون أكبر في الأيام الثلاثة الأولى التي تعقب العطلة الأسبوعية. وهذا يعني أن أربعة أيام عطلة أسبوعية، تشكل حافزاً للعمل المنتج، وتقلل من التكاسل الذي يسود أوساط الموظفين عادة في الساعات الأخيرة من اليوم، وبصورة أكبر في الأيام الأخرى من الأسبوع نفسه.
وعلى هذا الأساس، يعتبر المؤيدون، أن العمل ثلاثة أيام في الأسبوع ليس ترفاً، طالما أنه لن يؤثر في الإنتاج، بل بالعكس في مجالات كثيرة سيزيد من جودة وحجم الإنتاج. والاختلاف حول هذه القضية لا ينحصر في الوقت الراهن، بل يعود لعقود خلت. فالصناعي الأمريكي الراحل هنري كيسير يقول "عندما يتحدث عملك عن نفسه، لا تتدخل". ويدعم ذلك بصورة مختلفة المؤلف الأمريكي توماس فولير بقوله "كل الأشياء صعبة قبل أن تصبح سهلة". ويختلف معهما الشاعر الأمريكي الراحل روبرت فروست الذي قال "عملك بإخلاص ثماني ساعات في اليوم، ربما يرقى بك إلى منصب مدير، وقتها ستعمل 12 ساعة يومياً. وكذلك الأمر مع المؤلف الأمريكي جاكسون براون الذي يقول "اعثر على العمل الذي تحبه، بعد ذلك عليك أن تضيف خمسة أيام أخرى لأيام الأسبوع".
إن المسألة برمتها، لا تتعلق بالالتزام الأوتوماتيكي بدوام رسمي فقط. بل بحجم الإنتاج، ومستوى الإبداع الناتج عن العمل نفسه. في حالات كثيرة، من الأفضل أن يعود الموظفون غير المنتجين إلى منازلهم، توفيراً لما يستهلكونه ضمن ساعات الدوام، خصوصاً أولئك الذين لا أمل من جعلهم يعملون حتى بالحد الأدنى. الطرح المتجدد للعمل ثلاثة أيام في الأسبوع، سيظل مثار بحث وتأييد واعتراض. لكن الأوقات تتغير، والمعايير العملية نفسها قيد التغيير المستمر. والذين وصفوا هنري فورد بالجنون، لأنه جعل دوام موظفيه خمسة أيام في الأسبوع، وجدوا في النهاية، أن خطوة فورد أكثر من عاقلة.

 

 
 

«مباريات» السياسة لا تشبه «مباريات» الاقتصاد

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






"يعتبرون الرجل كائنا بشريا، ويعتبرون المرأة أنثى. عندما تمارس سلوكيات كائن بشري، يقولون عنها، إنها تقلد الرجل"
سيمون دي بيفوار كاتبة وناشطة سياسية فرنسية

كتب: محمد كركوتـــي


لا تزال المؤشرات الإيجابية غائبة، فيما يتعلق بتعزيز وجود المرأة بين القيادات، وفي مراكز صنع القرار، بما في ذلك (بالطبع) مجالس الإدارة والهيئات التنفيذية العليا. في بعض الحالات يتساوى مستوى الغبن في هذا المجال بين دولة متقدمة جدا، وأخرى متخلفة جدا، بينما تستمر التحركات من الهيئات الداعية إلى التحركات في جميع البلدان. وقد نجحت هذه الهيئات بالفعل في تحقيق إنجازات لافتة، سواء عن طريق فرض "كوتا"، أو من خلال دفع السلطات التشريعية لإبقاء القضية مثارة، أملا في تحقيق جزء من الأهداف. وتعمل الجهات الضاغطة بصدق وحماس كبيرين، إلا أنها تواجه في بعض المواقع مقاومة مختلفة المستويات. بعضها عنيف، والآخر أقل عنفا. وتتعرض أيضا إلى التعطيل المنهجي، خصوصا عندما يكون أمر إيقافها صعبا، ولا يتناسب مع الحالة العامة على الساحة.
وجود قيادات سياسية نسائية في بعض البلدان الكبرى، لا يعطي مؤشرا إيجابيا على صعيد الوجود النسائي بين القيادات. فالمعايير السياسية لا تشبه المعايير الاقتصادية، ولا سيما عندما يكون على الساحة اقتصاد السوق، لا اقتصادا حكوميا مغلقا جامدا. وحتى مارجريت ثاتشر التي لقبت بـ "المرأة الحديدية"، جاءت إلى الحكم كحل وسط بين كبار قادة حزبها الرجال، وكذلك الأمر في الهند مع أنديرا غاندي. بل إن أنجيلا ميركل المستشارة الحالية لألمانيا، تحكم بصيغة الائتلاف السياسي. ولثاتشر تصريح تاريخي قبل عام فقط من وصولها الحكم. ماذا قالت؟ "لا أعتقد أني سأشهد امرأة في رئاسة الوزراء في حياتي". كانت تقصد، أن الوقت لم يحن بعد لمثل هذه الخطوة، وربما حان بعد عدة أجيال أخرى! "المباريات" في ملاعب السياسة، لا تتشابه مع "المباريات" في ملاعب "البزنس".
ولأن الأمر كذلك، ما زالت نسبة النساء اللواتي يشغلن مواقع قيادية ضمن مؤسساتهن منخفضة في جميع أنحاء العالم. هي ترتفع هنا وتنقص هناك، لكنها تبقى منخفضة في النطاق الإجمالي. ولا يزال التلاعب في هذا المجال حاضرا في غالبية المؤسسات بقلب الدول الراشدة، التي حققت تقدما كبيرا على صعيد التشريعات ذات الصلة. هناك دائما ثغرات يمكن التسرب من خلالها، لكن المشكلة أن هذه الثغرات باتت مكشوفة للعيان منذ سنوات. وطبقا لبحث أصدرته أخيرا "هارفرد بزنس ريفيو" الأمريكية، فإن نسبة تمثيل النساء في مجالس الإدارة تتراوح بين 1 و2 في المائة في اليابان، و17 في المائة في الولايات المتحدة، بينما هي أعلى بكثير في دولة مثل النرويج "في حدود 40 في المائة". وتصل المناصب القيادية للمرأة في باكستان إلى 3 في المائة، وتبلغ 38 في المائة في أوكرانيا.
وللقضية جوانب ثقافية أيضا، ولا تتعلق فقط ببعض المفاهيم الاقتصادية المادية التقليدية الصرفة، بأن الرجل يكون عادة أكثر إنتاجا من المرأة في معترك العمل. ويرى البحث المذكور، أن التفاوت بين الدول مرتبط جزئيا بالاختلافات في درجات التشدد الثقافي ما بين الأمم، وتحديدا مدى وضوح المعايير ضمن ثقافة معينة، ودرجة استعداد السلطات لتطبيق تلك المعايير عبر استعمال العقوبات. ومن هنا نرى، أن القوانين الخاصة في تعديل مستوى تمثيل المرأة في القيادات، بما في ذلك "الكوتا" تطبق بحزم في دول، وبتراخ في دول أخرى، خصوصا عندما يكون العقاب دون مستوى التجاوز. بل إن بعض المؤسسات في العديد من البلدان، تحتال على مثل هذه القوانين، بالتعيين الصوري للنساء في مواقع القيادة. فهي بذلك، تحصل على الشكل المطلوب، ولكن لا علاقة له بالمضمون!
البلدان التي تنتشر فيها الثقافات الأكثر تشددا، تضم عددا أقل من النساء اللواتي يشغلن مناصب تشريعية أو تنفيذية أو إدارية أو قيادية. وهذا أمر طبيعي. ولكن اللافت هنا يثير الاهتمام حقا. فقد ثبت أن هذه البلدان تكون أكثر جدارة وجودة في تنفيذ قوانين المساواة في العمل، إذا ما فرضت هذه القوانين بالفعل، مقارنة بغيرها من البلدان التي تنتشر فيها الثقافات الأقل تشددا. فالنرويج الذي يعتبر بلدا متشددا نسبيا، وضع قوانين بلغت حد حل الشركات والمؤسسات المدرجة في البورصة، إذا ما انخفض تمثيل المرأة في قياداتها عن 40 في المائة. والأمر ليس كذلك في بلد كالولايات المتحدة التي تعتبر متساهلة في هذا الأمر. ولا شك أن العقاب القاسي، يوفر أفضل حالة تنفيذية للقانون المربوط به. ونظام الحصص "الكوتا"، يمكن أن تشكل خطوة كبيرة ومهمة على صعيد المساواة في قيادة المؤسسات في دول متشددة، ولكنها لن تكون مجدية بما يكفي في بلدان أقل تشددا.
ستظل هذه المسألة مطروحة على الساحة في جميع بلدان العالم. وستأخذ وقتا طويلا لكي تحقق انفراجات ذات قيمة من حيث المضمون لا الشكل. ولا شك في أن القوانين الصارمة تبقى الصيغة المثلي أو المتاحة، خصوصا أن القوانين "أي قوانين" ليست محركا فوريا.



 

تراجع الفقر وازدياد عدد الفقراء!

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"في بلد محكوم بصورة جيدة.. الفقر يكون معيباً. في بلد محكوم بشكل سيئ.. الثراء يكون معيباً"
كونفوشيوس - فيلسوف الصين


كتب: محمد كركوتــي
 
أواجه صعوبة في غبطة ناجمة عن تراجع مستوى الفقر على مستوى العالم، والسبب واضح لمن يرغب التأمل في ذلك. فقد بلغ عدد الذين يعانون الفقر حول العالم، أكثر من 2.2 مليار نسمة! وإن كانت نسبة منهم تطرق أبوابه! ورغم أن حسابات تراجع مستوى الفقر صحيحة، وليست من تلك التي كانت تقذفها وكالات التصنيف العالمية في الأجواء تملقاً للمؤسسات الخاضعة لتصنيفاتها، إلا أنها تبدو بلا قيمة بالنظر إلى الأعداد المتزايدة من الفقراء. وتواجه الجهات الدولية مصاعب هي الأخرى في شرح مقنع لهذه المفارقة. فلا يمكن (مثلاً) ترويج تراجع معدلات التخريب البيئي، وفي الوقت نفسه ارتفاع عدد المناطق التي تعاني هذا التخريب. أو انخفاض نسبة الجريمة، وازدياد عدد المجرمين. وتراجع مستوى تبييض الأموال، وتكاثر عدد "المبيضين"!
وتراجع مستوى الفقر، لا بد أن ينعكس على عدد الغارقين فيه. وهذا لا يحدث في عالم يعج بالمتناقضات. بعضها ناجم عن ظلم جلي، وبعضها الآخر آت من فوضى عالمية، تساهم فيها مباشرة بلدان يفترض أنها وصلت إلى مستويات لافتة من الرشد، والأداء الجيد أو المقبول. وهناك تناقض حتى في الاستنتاجات التي تتوصل إليها الهيئات الدولية، بما فيها تلك التابعة للأمم المتحدة. ففي حين أعلنت منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" هذا العام، أن أسعار الغذاء تراجعت بصورة ملحوظة، وأنها مرشحة للتراجع في المستقبل المنظور، أرجع برنامج الأمم المتحدة للتنمية "يو إن دي بي" في تقريره للعام الجاري، تفاقم آفة الفقر في العالم، إلى أسعار المواد الغذائية، إلى جانب النزاعات العنيفة! مع من يتوجب علينا أن نتفق؟ مع المنظمة أم البرنامج؟!
بالطبع تسوق المنظمة نفسها أسباباً أخرى لآفة الفقر، في مقدمتها التوزيع غير العادل للثروات، إلى جانب وجود "مكامن ضعف بنيوية". وهذا صحيح، لكنه في الوقت نفسه لا يساعد في تسويق طرفي المعادلة المتناقضة. تراجع مستوى الفقر، وارتفاع عدد الفقراء! والمصيبة مرشحة "كالعادة" إلى مزيد من التفاقم، ليس فقط بسبب الفوضى السياسية العالمية المشار إليها، وتعرض البرامج التنموية في غير منطقة في العالم لعقبات خطيرة، بل أيضاً لأن عدد سكان الكرة الأرضية ارتفع في غضون الخمس سنوات الأخيرة من 6.9 إلى 7.191 نسمة، بحسب الأمم المتحدة. ومع ارتفاع العدد يزداد الفقراء، خصوصاً إذا ما أضفنا العوامل الماحقة التي أنتجتها الأزمة الاقتصادية العالمية في الأجراء. فإذا كانت هذه الأخيرة قلصت عدد الأثرياء، علينا أن نتخيل كم أضافت لعديد من الفقراء.
قبل الأزمة، كان العالم 9.6 مليار نسمة يعيشون مع ما يوازي 1.25 دولار أو أقل في اليوم. ويبلغ عدد هؤلاء في الوقت الراهن أكثر من 1.2 مليار نسمة. الحاصل الآن، أن ما يقرب من 1.5 مليار فقير يتوزعون على 91 بلداً نامياً، بينما بات (حسب برنامج التنمية) 800 مليون شخص على شفير الفقر. وهذا يعني، أن الذين يعيشون على الحافة، يستطيعون أن يستمروا ليوم إضافي آخر، بينما انتهت أيام أولئك الذين دخلوا مستنقع الفقر. النسبة الأكبر منهم باتت في المستنقع قبل الأزمات وبعدها وفي ظلها. الحلول كثيرة، ولكنها ليست قابلة للتنفيذ المحكم، إلى جانب أن بعضها وضع على الرف إلى "حين ميسرة". وهذا لا يعني بالضرورة أن الأمم المتحدة فشلت في برامجها، ولكن معظم إنجازات تلك البرامج تأتي دون المستوى المأمول.
إن المشكلة لا تكمن فقط في الوصول إلى المستوى المطلوب من الحياة المعيشية الكريمة لسكان الأرض، بل إن النقطة الأهم فيها، تبقى المحافظة على ما يتم إنجازه على صعيد محاربة الفقر. قد تتحسن الوضعية المعيشية لنسبة من السكان لفترة، ولكنها كعرضة للزوال في أي لحظة. وهذا ما يحدث بالفعل في عديد من المناطق حول العالم النامي على وجه التحديد. يضاف إلى ذلك، أن الاستدامة تبدو صعبة المنال، رغم النوايا الصادقة لمنظمة كالأمم المتحدة، وحتى عدد كبير من البلدان المؤثرة على الساحة الدولية. ولهذا السبب، احتل "التقدم البشري المستدام"، عنوان التقرير الأخير لبرنامج التنمية الدولية لعام 2014. وهي تأمل أن تحقق الاستدامة في المرحلة المقبلة. ولكن هل تستطيع الوصول إلى هذا الإنجاز؟ أغلب الظن، أن لا.
الأمنيات ليست مهمة على صعيد مكافحة الفقر، كما هو الحال على كل الأصعدة. فرئيسة البرنامج الدولي، تتمنى أن "يتمكن العالم أجمع من تشارك التقدم، إلى أن تصبح التنمية أكثر عدالة واستدامة". والمثير، أن تمنياتها ليست عصية عن التحقيق، إذا ما عرفنا، أن توفير حماية أساسية اجتماعية لفقراء هذا العالم دون استثناء، لا يكلف أكثر من 2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي. إنها نسبة مضحكة، فيما لو قورنت بالإنفاق على التسلح، أو تمويل الإرهاب، أو غسيل الأموال، أو الاقتصاد الأسود، أو الأموال المنهوبة من الشعوب الفقيرة نفسها، صاحبة القضية عينها.
 

الخميس، 24 يوليو، 2014

فقراء الأغنياء وأغنياء الفقراء

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



 
"الأغنياء هم الذين سيشعرون بالألم لو توقفت المساعدات عن إفريقيا. الفقراء لن يلاحظوا الفرق"
دامبيسا مويو - أكاديمية ومؤلفة اقتصادية زامبية
 
 
 
كتب: محمد كركوتـــي
 
 
تبقى المساعدات التي تُقدَم إلى الدول النامية، وخصوصاً الإفريقية منها، مثار جدل تاريخي لا ينتهي، بين مع يعتقد بعدم جدواها، وبين من يرى أنها مورد أساسي للتنمية والإنقاذ، بصرف النظر عن الجوانب السلبية التي تختص بعمليات التوزيع والاستثمار والتوجيه الصحيح لها. وهؤلاء يعتقدون أن وجود نسبة حقيقية من المساعدات، أفضل بكثير من عدم حضورها على أي مسرح اقتصادي معاشي في الدول الإفريقية، ولا سيما تلك التي تحتاج بالفعل إلى أساسيات التنمية، بكل قطاعاتها، وفي مقدمتها الاجتماعية. المعارضون لهذه المساعدات، ليسوا من أولئك الذين يعتقدون بأن التآمر هو أساس العمل. إنهم ينتمون إلى شرائح مختلفة، منها أكاديمية صرفة، يقومون بوزن الأمور من كل جوانبها وبأدق تفاصيلها.
ورغم تحسن أداء (وليس حجم) المساعدات لإفريقيا في السنوات القليلة الماضية، من جراء خطوات اتخذتها الدول المانحة، إلا أن العوائد الفعلية لها على الأرض، لا توازي قيمتها. والسبب يبقى أولاَ وأخيراً في فساد لا يتوقف في الدول المتلقية، وفساد يوازيه من المؤسسات الغربية الخاصة. الدول المانحة تعرف طبيعة هذا الخراب، ولكنها فشلت في الحد منه على مدى عقود. فالمحركات الفاسدة الخاصة، لا تزال أقوى عزماً من المحركات الحكومية في البلدان المانحة. ولعل بيتر بوير الاقتصادي التنموي الأمريكي، أكثر الأشخاص الذي قدموا وصفاً بليغاً لهذه الحالة. ماذا قال؟ "مساعدات الدول المتقدمة هي في الواقع ضرائب يدفعها الفقراء فيها، للأغنياء في الدول الفقيرة". وهذا هو الانطباع السائد لدى الغالبية العظمى من الرأي العام الغربي، حتى في ظل تحسن أداء المساعدات.
يعتقد البعض ومنهم الأكاديمية الاقتصادية الزامبية المعروفة دامبيسا مويو، أن مساعدات الدول المتقدمة لإفريقيا لا تعمل. ويمضي هؤلاء أبعد من ذلك بالقول، إن جهود المنظمات الخيرية المعروفة وحراك عدد من المشاهير الذين ينشطون في نطاق العمل الخيري (مثل بوب جيلدوف، وأنجلينا جولي وغيرهما) أكثر فائدة وحضوراً حقيقياً من مساعدات الغرب. وتقول مويو "إن عائلتي الفقيرة نفسها عانت تبعات المساعدات". ويستند هؤلاء إلى بيانات البنك الدولي التي أظهرت، أن 85 في المائة من المساعدات الغربية في البلدان النامية، تذهب في غير محلها. وأنه بين العامين 1980 و1996، دعمت الدول الغربية حكومات إفريقية مارقة ومجرمة بالمساعدات المباشرة. وقبل أيام، أكدت مجموعة من المنظمات غير الحكومية أن دولا غربية تستغل المساعدات إلى إفريقيا كستار لإخفاء "النهب المنظم" للقارة السمراء التي تخسر نحو 60 مليار دولار سنويا، عبر التهرب الضريبي والتغير المناخي، وتحويل الأرباح، التي تجنيها الشركات متعددة الجنسيات خارج القارة. ورغم حصول إفريقيا (مثلاً) على قروض واستثمارات أجنبية ومساعدات تنموية بقيمة 134 مليار دولار إلا أن 192 مليار دولار تخرج من المنطقة، تاركة فجوة تبلغ 58 مليار دولار.
ويقول مارتن دروري، مدير منظمة هيلث بافرتي أكشن، وهي واحدة من المنظمات، التي وضعت التقرير إن "المفهوم الشائع أن المملكة المتحدة تساعد إفريقيا من خلال المساعدات، لكن الحقيقة أنها توفر ستارا للمليارات المنهوبة". لا شك في أن المساعدات تنهب بطرق مختلفة، وبعض المساعدات تنهب بكل الطرق مجتمعة، ولكن هل فعلاً لا قيمة لها؟ بل هل يمكن أن تسبب المعاناة، كما قالت مويو؟ وهل عجز العالم عن إيجاد طرق مثلى للحفاظ على قيم هذه المساعدات؟ أسئلة كثيرة تطرح في هذا الخصوص، وستضاف إليها أسئلة أخرى في المستقبل، طالما أن الخلل واضح في هذا النطاق المهم والحساس. لكن كثرة هذا النوع من الأسئلة لا تلغي جوانب أساسية محورية إيجابية ومهمة لهذه المساعدات الضخمة.
هنا يظهر أولئك الذين لا يتفقون مع الشرائح المنتقدة للمساعدات الغربية. فوقف المساعدات تعني ببساطة لهؤلاء، إغلاق آلاف المدارس والعيادات الطبية في إفريقيا، وإنهاء برامج مكافحة الإيدز والملاريا ووباء (تي بي) وغيرها من الأوبئة. وهذه برامج يستفيد منها الملايين حالياً في القارة السمراء. كما أن هناك برامج أثبتت جدواها في مسألة التدريب والتأهيل في بعض المناطق الإفريقية، فضلاً عن مشاريع توفير مياه الشرب النقية، إلى جانب سلسلة من مشاريع البنى التحتية، التي تساهم مباشرة في الحفاظ على البيئة، وتحمي السكان في الوقت نفسه. هناك الكثير من الفوائد لهذه المساعدات، صحيح أنها لا توازي قيمتها الحقيقية، ولكنها في النهاية توفر عوائد إنسانية لا غنى عنها، لأعداد هائلة من الأفارقة.
وليس أفضل من إعادة صياغة لهذه المساعدات، لا باختيار مشاريع جديدة، بل بوقف حازم وقاطع لعمليات النهب التي تتعرض لها، فضلاً عن أن جانباً من عوائدها المالية يخرج من الدول المخصصة لها، إلى حسابات مصرفية سرية قذرة، توازي قذارة سارقيها، وغالباً ما تكون في البلدان الغربية نفسها. إنها عملية ضرورية ليست فقط لمستحقي المساعدات، بل للجهات المانحة لها أيضاً.

المصارف .. المهم «ماتتمسكش»

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"كلما ازدادت المعلومات عن كل واحد منا في ملفاتنا لدى المصارف، كلما نقص وجودنا"
مارشال ماك لوهان فيلسوف كندي


كتب: محمد كركوتـــي

أحسب أن مديري المصارف الأجنبية والأمريكية المتورطة حتى قمم خزائنها بانتهاك الحظر الأمريكي المفروض على عدد من الدول، يرددون قبل نومهم وفي الأحلام وعند الاستيقاظ، هذه اللازمة "أسرع.. أسرع. سوي قضاياك مع السلطات القضائية الأمريكية، قبل فوات الأوان". وفي مكاتبهم، يجتمعون يومياً للوصول إلى الصيغة المثلى للتسوية. أو بمعنى أدق، للوصول إلى أقل الغرامات الممكنة التي تقبل السلطات الأمريكية فيها، دون اللجوء إلى ترك القضايا بين أيدي القضاة. فالقضاء الأمريكي لن يرحم، وسيضع أرقاما فوق أخرى ليصل إلى أعلى الغرامات. والقضاء (كما بقية الجهات) يعرف سلفاً أن هذه المصارف جنت أموالاً طائلة من القفز فوق قوانين الحظر، على مدى السنوات الماضية، وساعدت أنظمة مارقة في إيران والسودان وسورية وليبيا وغيرها، على تدوير الأموال وإعادة صبها مجدداً لدى حكومات هذه الدول.
غيرت المصارف نفسها منذ عقود، وبدلت أهداف وجودها أصلاً. وتحولت (بإرادتها مستغلة التسيب الرقابي المروع) إلى مؤسسات لجمع الأموال، بصرف النظر عن مصادرها، ومدى مشروعيتها. المهم أن الأموال تتجمع، ومسألة الأخلاقيات ليست ذات أهمية. في إحدى المسرحيات المصرية القديمة يقول الممثل" أنا عاوز أشتغل شغلانة شريفة، لكن المهم ما تمسكش". ويقول الفيلسوف الأمريكي ناعوم تشومسكي "قبل السبعينيات كانت المصارف، مصارف. تعمل وفق معايير الاقتصاد الرأسمالي. تأخذ الأموال غير المستخدمة من حسابك، وتحولها للاستخدام، كمساعدة أسرة على شراء منزل، أو إرسال طالب إلى الجامعة". بالفعل لم تعد المصارف.. مصارف، خصوصاً الكبرى في العالم الغربي ذات الأسماء الرنانة، ولا بأس من نسبة ليست قليلة من المصارف المتوسطة. المهم بالنسبة لها "ماتتمسكش". لكنها "اتمسكت"، ليس فقط من نافذة انتهاك العقوبات، بل أيضاً من جحور غسيل الأموال، والتهرب من الضرائب، وتوفير ملاذات آمنة لأموال غير مشروعة. وماذا أيضاً؟ مسؤوليتها عن الأزمة الاقتصادية العالمية.
يظهر كل يوم مصرف هنا وآخر هناك، ليعلن اعترافه بذنب انتهاك العقوبات على عدد من الحكومات المارقة، واستعداده لتسوية الأمر مع السلطات الأمريكية عن طريق غرامة، يتمنى أن تكون مقبولة لدى الجانب الأمريكي. بالطبع أشهر هذه المصارف كان "بي إن بي باريبا" أكبر مصرف فرنسي، الذي قام بحساب سريع جداً، يقوم على المفاضلة بين تسعة مليارات دولار غرامة طوعية، أو 12 مليار دولار غرامة مؤكدة عبر القضاء. وقد عرف المصرف الفرنسي مبكراً أن تهديدات حكومته للإدارة الأمريكية، بما في ذلك فرض عقوبات تجارية على الولايات المتحدة، لا قيمة لها. بل كانت واشنطن تنشر في الأجواء حتى عدم سماعها لتلك التهديدات. فالدفع كان أفضل وسيلة لحماية المصرف، والدفع الفوري الأقل، أجدى من الدفع المؤجل الأكبر.
الغرامات تحط بالمليارات في خزائن الولايات المتحدة. ففي غضون عام تقريباً، جمعت واشنطن أكثر من 80 مليار دولار غرامات من مصارف أمريكية وأجنبية، تتعلق بانتهاك قوانين الحظر، وغسيل الأموال، والتهرب الضريبي، وحماية المتهربين من الضرائب الأمريكية، والمسؤولية عن الأزمة الكبرى. والأسبوع الماضي فقط، دفعت مجموعة "ستي جروب" المصرفية الكبرى سبعة مليارات دولار، عن دورها في الأزمة. وقبله دفع مصرف "جي بي مورجان تشايس" 13 مليار دولار (ضرائب وأزمة). و"بنك أوف أميركا" دفع 9.5 مليار دولار (أزمة). و"كريدي سويس" 2.6 مليار دولار (ضرائب). و"إتش إس بي سي" دفع 1.92 مليار دولار (تبييض أموال). و"جي بي مورجان تشايس" دفع 1.7 مليار دولار (احتيال). ووسط هذا التدفق من الغرامات، يظهر مصرف ألماني هنا وآخر إيطالي هناك، وبريطاني في أي مكان، ليدفع غرامات ما دون المليار دولار.
الوضع لا يتوقف عند دفع الغرامات، هناك منهجية "إذلالية"، تقوم بها السلطات الأمريكية ضد المصارف المتورطة في كل شيء تقريباً. ويبدو التشهير بها أقلها عنفاً وأثراً. فقد قدم (على سبيل المثال) مصرف "كريدي سويس" قبل أيام، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ المصارف قائمة بأسماء أكثر من ألف من موظفيه إلى السلطات الأمريكية. وهذه الأخيرة ستحقق معهم، وقد يقدمون للمحاكمة على الأراضي الأمريكية. ومن شروط الاتفاق المهين، أنه يجب على المصرف أن يذكر بدقة اختصاصات ومهام كل مسؤول فيه، والمصرف السويسري طلب من موظفيه أخذ الحذر في التحقيق. حرب "أمريكا" على المصارف المحلية والخارجية مستمرة. ولن تنتهي قريباً. ففي غضون ساعات من اتفاق "كريدي سويس"، أبدى 13 مصرفاً سويسرياً الرغبة في تسوية مماثلة سريعة.
بعض هذه المصارف بدأ يتأثر مالياً من جراء الغرامات الهائلة. والبعض الآخر يمكنه الاستمرار والنمو، ليس من فرط النجاح المصرفي الهائل، بل من العوائد المالية الضخمة التي تم جنيها على مدى عقود من العمليات غير المشروعة. مع ضرورة التأكيد دائماً على أن الأموال القذرة أنقذت المصارف نفسها خلال الأزمة الاقتصادية العالمية. إنها "مذبحة المصارف" بكل تأكيد، ولكن دون قطع شريان الحياة.

الجاسوسية الاقتصادية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




« سيأتي يوم لن يتجسسوا علي عن طريق هاتفي. في الواقع هاتفي هو الذي سيتجسس علي»
فيليب ديك - أديب وكاتب أمريكي


كتب: محمد كركوتـــي

الأمريكيون يقولون للصينيين إنكم تتجسسون علينا اقتصادياً. الصينيون لا يردون على الاتهام ويواصلون العمل. الأمريكيون يصعدون من حملتهم الاتهامية للصينيين بالتجسس. هؤلاء يواصلون الصمت، ولأن الصمت في مثل هذه الحالات أشد فظاعة من الرد يبدأ الأمريكيون بسرد بعض عمليات التجسس الصينية عليهم لأنهم بالطبع غير قادرين على تحديد كل عمليات التجسس هذه. هنا يتحرك الصينيون ويقررون الرد لا يسردون عمليات تجسس الأمريكيين عليهم بل يرسلون قائمة بأسماء الجواسيس الذين يعملون لحساب الولايات المتحدة في قلب المؤسسات الصينية. الأمريكيون يصمتون بفعل الصدمة التي أحدثتها القائمة الرهيبة. الصينيون يضعون وراءهم على الفور الاتهامات ومعها عمليات التجسس التي كشفت عنها في واشنطن، ويمضون إلى مزيد من الإنتاج ولا بأس من مزيد من التجسس. المتهم هنا صار كذلك من متهم آخر وليس من جهة بريئة، والجواسيس لا تتهم الجواسيس عادة.
مع "الانفجار" التقني والتكنولوجي المتصاعد ظهر السؤال هل ما زال هناك شيء يمكن أن يكون هدفاً للتجسس في الاقتصاد على اعتبار أن كل شيء بات مفتوحاً على كل جهة بل أصبحت بعض الجهات أكثر تداخلاً مع منافسيها مما كان عليه في السابق ورغم ذلك فلا تزال هناك الكثير من القطاعات والنشاطات الاقتصادية المختلفة عرضة للتجسس.
في الاقتصاد القائم على التنافسية لا توجد صداقات بين أطرافه بل في حالات كثيرة تكون الأطراف أقرب للأعداء منها لجهات متنافسة. ولعل أبلغ توصيف في هذا السياق ما قاله رئيس سابق للاستخبارات الفرنسية ماذا قال "في الاقتصاد نكون منافسين وليس حلفاء" وهو أصدق تعبير يمكن أن يقوله رئيس للمخابرات سابق أو حالي، كما أنه وضع حدوداً واضحة وصادقة لطبيعة العلاقات حتى بين الحلفاء.
كُشف في السابق أن المخابرات الفرنسية كانت تضع ميكروفونات في مقاعد المسافرين من رجال الأعمال على الطائرات الفرنسية ولكن هل عمليات التنصت هذه على متن الطائرات المدنية هي حكر على الفرنسيين فقط؟ الجواب ببساطة لا، لا يوجد بريء في هذا المجال، هناك فقط "جاسوس متطرف"وآخر أقل تطرفاً، وأقسام التجسس الاقتصادي في أجهزة المخابرات (ولاسيما الغربية منها) تحظى باهتمام يفوق في بعض الأحيان الاهتمام بنظيرتها السياسية. الفارق بين الاثنتين أن الأولى تعمل بصمت أوسع من صمت الثانية دون أن ننسى بالطبع التكامل التلقائي بين الجهتين والتداخل الطبيعي بينهما وكما في المباريات الرياضية، يفوز هذا الفريق مرة ويخسر مرة ويتعادل أحياناً، كذلك الأمر بين الجهات الاستخباراتية الاقتصادية المتنافسة فمساحة التحرك واسعة في ملعب أوسع.
وليس أكثر صدقاً أيضاً في هذا السياق من روبرت جيتس المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي أيه) الذي قال بصراحة "إن أكثر من 40 في المائة من المتطلبات ذات طابع اقتصادي". وبعد جيتس بسنوات جاء إدوارد سنودن الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكية ليكشف بالوثائق مستوى التجسس الأمريكي الاقتصادي على الأعداء والأصدقاء وأيضاً الحلفاء. لا فرق هنا بين هذه الأطراف إلا في درجات المخاطر العائدة إلى هذا الطرف أو ذاك ولكن هناك فارق بين التجسس الاقتصادي والتجسس السياسي أو غيره من الأنواع الأخرى. أن الحجة "حماية الأمن القومي" في الثاني لا تنطبق على الأول فالتجسس الاقتصادي لا يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي وإن أحدث أضراراً غير مباشرة، ومع ذلك فهذه الحجة هي الوحيدة التي تتعلق بها الأطراف الساعية للتجسس، شرقاً وغرباً.
الجاسوس الصيني هو نفسه الأمريكي والفرنسي والبريطاني والياباني والألماني ولكن بأهداف مختلفة، وإذا كانت الأخلاق في السياسة ليست ذات قيمة محورية علينا أن نتخيل المستوى الأخلاقي في عالم التجسس. لقد بات تعاظم مستوى التنافسية على الساحة العالمية في كثير من الأحيان دافعاً للتجسس أكثر منه للابتكار المضاد أو الحراك المتطور وقد قام قادة أقسام الجاسوسية في الغرب والشرق بتقديم تفسير مروع لنشاطاتهم ماذا يقولون "إذا كان التجسس يتم من أجل الأمن السياسي والعسكري فلماذا لا يتم التجسس من أجل الأمن الاقتصادي" ليس مهماً الفارق الحقيقي بين هذا الأمن وذاك، المهم أنه يحمل اسم "الأمن" وانتهينا ستشهد المرحلة المقبلة تعاظماً فظيعاً في نشاطات التجسس الاقتصادي خصوصاً في ظل مرور الاقتصاد العالمي بمرحلة بطيئة من التعافي الذي سيستغرق وقتاً طويلاً لكي يستقر عند مستويات معقولة.
ويبدو أنه في الأزمات "تشرعن" المحظورات أكثر. فإذا كانت المصارف الكبرى استنجدت بالأموال القذرة لإنقاذ نفسها من براثن الأزمة الاقتصادية العالمية، فلن يشكل تعاظم مستويات وعمليات التجسس الاقتصادي بين كل الأطراف صدمة أو حتى خبراً. إنها ممارسات "عادية" في الأوقات العادية وفي الأزمات أيضاً بل هي واجب قومي وطني في معايير الجاسوسية، وليس هناك وقت للنقاش حول الفروقات بين أمن وآخر.

في تبييض الأموال .. عليكم بالحكومات الآن

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«مليار هنا، ومليار هناك، قريبا جدا ستتحدث عن أموال حقيقية»
إيفريت ديركسين - سيناتور أمريكي راحل


كتب: محمد كركوتـــي

عاد مسؤولو البنك وصندوق النقد الدوليين ليؤكدوا للمرة الـ 100 (ربما)، أن عمليات غسل الأموال عالميا تقدر بنحو 2.9 تريليون دولار، وأن 1.6 تريليون دولار أمريكي من الأموال النابعة من مصادر غير مشروعة، يتم نقلها بين دول العالم، مشيرين إلى أن الأموال التي يتم كشفها عبر الحدود لا تعادل 2 في المائة من هذا المبلغ. والحديث عن حجم وطبيعة جني هذه الأموال، بات أكثر من الحديث عن كيفية إدارة أفضل المعارك ضد العصابات والجهات التي تقف وراء تبييض الأموال حول العالم. هناك إجراءات اتخذت بالفعل في الأشهر القليلة الماضية، ركزت فقط على المصارف، ولاسيما الكبرى والمتوسطة منها، بما فيها مصارف حصلت على تمويلات حكومية لمنعها من الانهيار في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية. أي أن أموالا شرعية تلوثت في خزائن هذه المصارف ذات الأسماء الرنانة.
والتركيز على المصارف الكبرى يبدو أسهل كثيرا في الحرب على عمليات تبييض الأموال، رغم أن هذه المصارف غسلت مليارات الدولارات دون حسيب أو رقيب على مدى عقود. وأغلبية المصارف المتورطة، اختصرت الطريق على نفسها وعلى السلطات (ولاسيما الأمريكية)، واندفعت بحثا عن تسويات معها، تضمن لها أقل الغرامات الممكنة. فالغرامات وإن كانت بمليارات الدولارات، ليست ذات قيمة فيما لو قورنت بحجم الأموال القذرة والمشينة التي مرت بها، ودخلت خزائنها، لتخرج نظيفة لا يلتصق بها شيء. الجزء الأكبر من هذه الأموال يدخل في القنوات المالية والاستثمارية المشروعة في كل بلدان العالم. وقد يكون التذكير مفيدا بأن أموال المخدرات على وجه التحديد، شكلت سندا رئيسا للمصارف التي غاصت في الأزمة الاقتصادية، وقد ثبتت السلطات الأمريكية هذه الحقيقة الصادمة في ملفاتها، وستظل وصمة عار إلى الأبد.
لعل من أهم الحقائق المروعة التي توصلت إليها المنظمات الدولية كالبنك وصندوق النقد الدوليين، أنه لا يتم الكشف (حتى الآن) إلا عن 2 في المائة فقط من الأموال المغسولة، وهي نسبة مرعبة، إذا ما قورنت بالحجم الإجمالي الذي اتفق عليه لهذه الأموال. كما أن 1.6 تريليون دولار أمريكي من الأموال النابعة من مصادر غير مشروعة، يتم نقلها عبر دول العالم، وللتذكر أيضا، فقد ورد في تقرير لمنظمة النزاهة المالية العالمية، أن 946.7 مليار دولار هي أموال غير مشروعة، تم تهريبها من 150 دولة نامية في عام 2011. وبحسب المنظمة نفسها، ارتفعت هذه الأموال بما لا يقل عن 13.7 في المائة عن حجمها في عام 2010، وفي هذا السياق، تصل فاتورة الجريمة المنظمة عالميا إلى 870 مليار دولار سنويا، كل هذه الأموال يتم تحريكها ونقلها عبر العديد من البلدان، بما فيها البلدان الغربية. فقد وجدت ملاذات آمنة فيها، على شكل استثمارات "إنتاجية"، وشراء عقارات باهظة، ولا بأس من التبرع لجمعية خيرية هنا وجامعة هناك، وغير ذلك من الأعمال التي تكمم الأفواه في كثير من الأحيان.
اتبعت الكثير من الدول أنظمة مقيدة لحركة الأموال، بعضها لا يسمح بنقل أكثر من عشرة آلاف دولار للفرد الواحد. وفي كل الأحوال، فإن أعلى مبلغ مسموح به هو في حدود 20 ألف دولار. لكن مثل هذه الإجراءات لم يكن لها أي هدف فعلي على صعيد محاربة عمليات تبييض الأموال. وتؤكد الحكومات في الغرب والشرق، أن عدد البلاغات الخاصة بهذه الجريمة قليل جدا، وهذا يعني أن الأموال المغسولة تعج في جميع البلدان، رغم كل الإجراءات الدولية التي تم الاتفاق عليها. لكن علينا ألا ننسى، أن بعض الحكومات، بما فيها حكومات تقوم بأداء تمثيلي رائع في "حربها" ضد تبييض الأموال، تفسح مجالات واسعة لهذه الأموال ضمن حدودها. هناك بعض المناطق في هذا العالم، تم إنقاذها اقتصاديا من خلال الأموال القذرة، قبل التبييض وبعده.
لم تعد الاتفاقات الدولية مهمة في هذا المجال. هناك آلاف الطرق التي يمكن أن تقبلها بعض الحكومات من أجل خزن هذه الأموال لديها. وإذا ما أراد العالم بالفعل الوصول إلى درجة مقبولة في معاركه ضد تبييض الأموال، فعليه أن يكون أكثر صراحة وشفافية مع بعض الحكومات المشكوك في تعاونها مع أصحاب الأموال غير المشروعة. والمصارف الكبرى والمتوسطة لم تعد بعد الحملة الأخيرة عليها، مكانا آمنا لتبييض الأموال. فالعيون عليها، وستبقى لأجل طويل، بصرف النظر عن مستوى النتائج. صحيح أن هناك اعتبارات سياسية تمنع نقل المعركة إلى صميم الحكومات نفسها، ولكن الصحيح أيضا، أنه لابد من القيام بذلك، إذا ما أريد بالفعل لهذه الجريمة أن تتوقف، أو على الأقل أن تصل إلى مستويات متدنية.
نحن نعلم، أن بعض الحكومات الغربية تحتفظ بهذه الملفات لاستخدامها سياسيا في الوقت المناسب، أو لجعلها أداة ضغط مستمرة. ولا يبدو أن هذه الحكومات ترغب في أن تعترف بأن تبييض الأموال ليس قضية سياسية. إنها مسألة حياة أو موت في العديد من البلدان الفقيرة، والمجتمعات التي تعيش على عتبة الكفاف.

الثلاثاء، 24 يونيو، 2014

العنصرية البريطانية الاقتصادية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





"الوطنية لا تكفي. علي ألا أضمر كراهية أو مرارة لأحد"
إديث كافيل - أديبة بلجيكية


كتب: محمد كركوتــــي

تزداد في بريطانيا مشاعر العنصرية تجاه الأجانب. هذا أمر بات مؤكداً من أكثر من جهة بحثية واستقصائية محلية. ومهما كانت الأسباب، هناك سبب رئيس في هذا المجال، يتعلق بالجانب الاقتصادي. فالبريطانيون يعتقدون أن الأجانب يأخذون فرصهم في العمل، ولاسيما أولئك القادمون من شرق أوروبا، الذين باتوا يشكلون بالفعل ثقلاً عمالياً كبيراً في مختلف أنحاء المملكة المتحدة. ويرى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير عكس ذلك، بل يهاجم البريطانيين، ويتهمهم بالكسل، ولذلك فهم يبحثون عن مبرر، ولم يجدوا إلا توجيه الاتهام للعمالة الأجنبية تحديداً، وبصورة متصلة، الأجانب (الأوروبيون منهم وغير الأوروبيين) الذين يستفيدون من نظام المعونة الاجتماعية الحكومية. واستنتاج بلير فيه من الصواب والخطأ في آن معاً. فالأمر لا يتعلق فقط بكسل البريطانيين، بل بتحولات اقتصادية واجتماعية وجغرافية.. وغيرها من المؤثرات الأخرى.
والحديث عن تزايد مستوى عنصرية البريطانيين يجري بصورة أكبر منه عن العنصرية في بقية بلدان القارة الأوروبية، ولاسيما الغنية منها على الرغم من أن بريطانيا تحتل المراتب الدنيا في العنصرية مقارنة ببعض البلدان الأوروبية الأخرى، مثل فرنسا أو ألمانيا أو إيطاليا وغيرها. بل إن العنصرية في العديد من بلدان أوروبا الشرقية تفوق تلك الموجودة في المملكة المتحدة. ولأنها تتمتع بقدر أدنى من العنصرية (تاريخياً)، فإن أي ارتفاع في مستواها داخل الأراضي البريطانية، يبقى لافتاً أكثر من غيره. يضاف إلى ذلك، حوادث الاعتداءات القاتلة الأخيرة التي شهدتها لندن، ضد عدد من الرعايا الخليجيين، وهي بالفعل اعتداءات لم تألفها العاصمة البريطانية سابقاً، التي تتصدر قائمة المدن العالمية، كأفضل مكان لتآلف الأعراق والجنسيات. بل إن سياسيين بريطانيين بارزين، يفخرون بهذه الصيغة الاجتماعية المميزة.
الأوقات تتغير، وتتغير معها المشاعر والرؤى والمفاهيم. فتآلف الأمس ليس بالضرورة أن يحتفظ بآلياته الإنسانية والحضارية. وفي كل الأحوال يعود السبب الرئيس إلى الأوضاع الاقتصادية غير المريحة التي تعيشها بريطانيا، رغم أنها أفضل حالاً من غيرها ضمن نطاق الاتحاد الأوروبي، باستثناء ألمانيا. في بحث لمؤسسة البحوث الاجتماعية البريطانية المعروفة باسم NatCen، أظهر أن ثلث البريطانيين يعترفون بأنهم متعصبون عنصرياً. اللافت في هذا البحث، أن التعصب العنصري عاد إلى الارتفاع منذ انخفاضه إلى أدنى نسبة بلغت 25 في المائة عام 2001! وأكد مرة أخرى ميزة لندن في هذا المجال، إذ اعترف 16 في المائة من سكانها بأنهم متعصبون، في حين ارتفعت النسبة إلى 35 في المائة في منطقة غرب وسط البلاد. مع ضرورة الإشارة إلى أن هذه النسبة ترتفع في أوساط العمال الذكور، أكثر منها في شرائح المتعلمين والمثقفين. وبلغت النسبة لدى حملة الشهادات 19 في المائة، فيما تجاوزت 38 في المائة عند الذين لا شهادة لهم.
هذه النسب وتفاصيلها ليست غريبة. فدائماً.. تكون مشاعر التسامح والتفهم أعلى في أوساط المتعلمين منها في أوساط غير المتعلمين. الغريب فيها أنها ترتفع في ظل انتعاش اقتصادي واضح تتمتع به بريطانيا مقارنة بغيرها من بقية الدول الأوروبية. أي أن العنصرية ارتفعت والبلاد في طريقها للخروج من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية. وهذه الأخيرة كما نعلم، جلبت معها كل خراب ممكن، وأججت مشاعر العنصرية في غالبية بلدان العالم. لقد بات الناس ينظرون إلى القادم الجديد، كمقتنص لفرصة عمل، حتى وإن لم تكن هذه الفرصة متاحة أصلاً! فالمسألة تبقى أساساً اقتصادية، وبقية العوامل الأخرى، ليست سوى تفاصيل تظهر تارة هنا وتارة هناك، لكنها قابلة للتراجع أيضاً هنا وهناك.
و"اقتصادية" المسألة ترتبط ارتباطاً يكاد يكون وحيداً في عملية الهجرة. فحتى ما قبل الأزمة العالمية، كان تدفق الأوروبيين الشرقيين إلى بريطانيا هائلاً، خصوصاً من البلدان التي بدأت بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في أوائل العقد الماضي. وهؤلاء (كالعادة) يوفرون عمالة أرخص من العمالة البريطانية. فضلاً عن أنهم يتمتعون بمزايا الرعاية الاجتماعية المختلفة، باعتبارهم مواطنين ضمن نطاق الاتحاد الأوروبي. ولهذا السبب ليس غريباً، أن يظهر البحث المشار إليه حقيقة اعتبرتها دوائر المؤسسات الاجتماعية البريطانية مقلقة. ففيما قال 90 في المائة من الذين اعترفوا بأن لديهم تعصبا عنصريا، إنهم يريدون خفض عدد المهاجرين إلى بريطانيا، قال 73 في المائة من الذين ادعوا أنهم لا يضمرون مشاعر عنصرية إنهم يريدون ذلك أيضا. وأمام هذه النسب، يمكن تفهم حقيقة ارتفاع مستوى التعصب العنصري في بريطانيا. فهذا التعصب، بات موجوداً حتى بين الشرائح التي لا تضمر مشاعر عنصرية!
حتى ما قبل الأزمة العالمية، كان تدفق الأوروبيين الشرقيين إلى بريطانيا هائلاً، خصوصاً من البلدان التي بدأت الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في أوائل العقد الماضي. وهؤلاء (كالعادة) يوفرون عمالة أرخص من العمالة البريطانية. فضلاً عن أنهم يتمتعون بمزايا الرعاية الاجتماعية المختلفة، باعتبارهم مواطنين ضمن نطاق الاتحاد الأوروبي. ولهذا السبب ليس غريباً، أن يظهر البحث المشار إليه حقيقة اعتبرتها دوائر المؤسسات الاجتماعية البريطانية مقلقة. ففيما قال 90 في المائة من الذين اعترفوا بأن لديهم تعصبا عنصريا، إنهم يريدون خفض عدد المهاجرين إلى بريطانيا، قال 73 في المائة من الذين ادعوا أنهم لا يضمرون مشاعر عنصرية إنهم يريدون ذلك أيضا.

الثلاثاء، 17 يونيو، 2014

هلع المصارف من عقوبات مستحقة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





"المصرفي هو الشخص الذي يقرضك مظلة في يوم مشمس، ويطلب إرجاعها في لحظة سقوط الأمطار"
مارك توين أديب أمريكي

كتب: محمد كركوتــــي

تمر المصارف الكبرى والمتوسطة في الدول الغربية على وجه الخصوص بحالة هلع شديد، لم تشهدها منذ انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية قبل ست سنوات. وهي حالة تشكل امتداداً طبيعياً للأخلاقيات المصرفية الغائبة عن هذه المؤسسات المالية. وتمثل أيضا استحقاقاً عليها أن تواجهه. وبصيغة أوضح، عليها أن تتحمل عواقبه وعقوباته ومعاييره وقراراته وأحكامه. ظن القائمون على بعض هذه المصارف، أن الكوارث التي مرت بها من جراء الأزمة الكبرى كافية. وأن الأزمة (وآثارها التخريبية) ستبرر السلوكيات المصرفية غير اللائقة، أو في أسوأ الأحوال، ستخفف الغضب من جانب السلطات عليها. واعتقد هؤلاء، أنه في زمن الطوارئ، تباح المحظورات! ألم تستخدم (المصارف) أموال المخدرات القذرة خلال الأزمة المشار إليها، في محاولات يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟!
لكن الأمر ليس بهذه السهولة أو السذاجة. ما كان سارياً قبل الأزمة وخلالها، لم يعد له مكان على الساحة المصرفية. وسلوكيات الأمس المشينة، باتت اليوم تهدد وجود المؤسسات المالية ككيانات مصرفية. وأصبحت خطيرة إلى درجة لا يمكن التهاون فيها، أو التعامل المرن معها. باختصار، لم تعد العيون مغمضة، بل صارت قوتها ضعف ما كانت عليه في السابق. إنه استكمال لعملية إصلاح كانت مستحقة منذ أكثر من ثلاثة عقود. صحيح أنها أتت بفعل أزمة، وليس وفق المعايير الواجبة، لكنها ماضية حتى النهاية للوصول إلى الهدف. والهدف واضح. كل مصرف (أو مؤسسة مالية) يرتكب مخالفات أو تجاوزات سيدفع الثمن غالياً جداً، بما في ذلك إمكانية إغلاقه إلى الأبد. ولذلك ينتشر الهلع والخوف في أجواء المؤسسات المالية، التي تعرف أنها ارتكبت خطايا أكثر مما ارتكبت من أخطاء، وأن أيام الحساب حُددت لكل مصرف متورط.
لا يزال المال غير الأخلاقي يمر عبر المؤسسات المالية، بل إنه تجاوز في بعض المؤسسات المال الأخلاقي نفسه. وهذه مسألة تحتاج إلى سنوات طويلة وقرارات قاطعة من قبل السلطات الرقابية والحكومية المختلفة. اليوم، المسألة السائدة، هي تلك المتعلقة بانتهاك قرارات الحظر المفروضة غربياً على دول مثل إيران والسودان وسورية، وحتى بعض المنظمات الإرهابية، كحزب الله اللبناني - الإيراني. تضاف إليها قضية الملاذات الآمنة للأموال الهاربة من الضرائب في بلادها، وتحديداً من الولايات المتحدة. غالبية المؤسسات المالية الكبرى متورطة في هذه المسألة وتلك القضية. وفي ظل تفعيل التحرك ضدها، زادت المخاطر عليها. لقد بدأت الولايات المتحدة الحملة القوية بهذا الصدد، وتفكر دول أخرى (منها بريطانيا)، في شن حملة مشابهة في أقرب فرصة. وإذا كانت هناك مصارف "تخصصت" في انتهاك قرارات الحظر، وأخرى ركزت في الأموال الهاربة من الضرائب، فإن هناك مصارف مارست المخالفتين معاً.
بعض المصارف اختصرت الطريق وفتحت ملفاتها، أملاً في غرامات مخففة أو بعقوبات يمكن أن تتحملها. وبعضها بدأ سلسلة من المفاوضات. لكن البعض الآخر لا يزال يعاند. بل إن مصرفاً كـ "بي إن بي باريبا" الفرنسي الكبير، تمكن من تحويل مشكلته مع الولايات المتحدة بخصوص انتهاكات قرارات الحظر، إلى مشكلة بين هذه الأخيرة وفرنسا، خصوصاً والحديث يجري عن غرامة قد تصل إلى 10 مليارات دولار، كافية "لقصم ظهر" أي مصرف. وقد بلغ الأمر حداً، أن ربطت الحكومة الفرنسية (نظرياً في الوقت الراهن) المسألة بمستقبل العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، بحيث كان موضوع المصرف المذكور على رأس جدول المحادثات الثنائية الأخيرة التي جرت بين رئيسي البلدين. غير أنه لا توجد أي مؤشرات على تراجع من الجانب الأمريكي. فالمصرف ارتكب بالفعل انتهاكات كبيرة جداً لحساب إيران والسودان، ولا بأس من منظمة إرهابية هنا وأخرى هناك.
تقوم المصارف الكبرى والمتوسطة حالياً بإعادة تقييم الوضع العام. فتلك التي لم يأت دورها، بدأت بالفعل سلسلة من الاتصالات للتوصل إلى صيغة حل يضمن لها دفع الحد الأدنى من الغرامات، بعيداً عن القضاء وساحاته. وهناك عشرات من المصارف السويسرية توصلت بالفعل إلى اتفاق مع واشنطن في الأشهر الماضية حيال الملاذات الضريبة الآمنة، بما في ذلك فتح ملفات عملائها بالكامل للسلطات الأمريكية. على الساحة المصرفية حالياً معايير جديدة، وحملات متجددة، تعيد الحد الأدنى المطلوب من النزاهة إلى القطاع المصرفي العالمي. أما مسألة النزاهة الكاملة، أو المرتفعة، فهي قضية ستبقى بعيدة عن هذا القطاع، لأن الأدوات التصحيحية المصرفية لم تستكمل بعد، والعمل على إحداثها جار.
إن زيادة المال الأخلاقي في المؤسسات المالية، يحتاج أيضاً إلى زمن يوازي الزمن الذي قضم فيه المال غير الأخلاقي الأموال المشروعة. وهذه في النهاية قضية، تفوق انتهاكات العقوبات والتهرب الضريبي بشاعة وعنفاً وضرراً. إنها ترتبط بكل الموبقات، من المخدرات إلى الاتجار بالبشر إلى سرقة المال العام، إلى التهريب، والتزييف وغيرها. هي قضية لا تختص بحكومة ومصرف، أو حكومة وأخرى، بل تتعلق مباشرة بالوجدان الإنساني.

تسجيل الدخول