الخميس، 6 فبراير، 2014

أموال نظيفة لأنظمة فاسدة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







كتب: محمد كركوتـــي

يواجه رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون أزمة، لا علاقة لها بإمكانية استقلال إسكوتلندا عن التاج البريطاني، ولا بمستقبل بلاده في الاتحاد الأوروبي، ولا بمواقف حكومته من الإصلاح المصرفي الأوروبي.. إنها أزمة على شكل ورطة، كاميرون وحكومته الائتلافية في غنى عنها. وهذه الورطة ببساطة تتعلق بالأموال التي تقدمها بريطانيا كمساعدات ومعونات للدول الأخرى. لقد تأكد أن حكومة كاميرون تقدم الأموال لأبشع الأنظمة فساداً وديكتاتورية في العالم، في حين أنها لم تقم بأي خطوات عملية، لمنع وصول هذه الأموال، إلى هذه الأنظمة، أو على الأقل إيصالها بشروط واضحة، تحت طائلة المنع. والمشكلة أو الورطة، آتية هذه المرة، ليس من المعارضة، بل من منظمة الشفافية الدولية، التي أعلنت أن حكومة كاميرون تنفق الملايين من الجنيهات الاسترلينية، على المساعدات التي تدعم أكثر الأنظمة فساداً في العالم. لقد حددت المنظمة بالاسم (على الأقل) عشر دول، تتلقى هذه الأموال الآتية في الواقع من دافعي الضرائب.
وبصرف النظر عن حجم الأموال التي تتلقاها هذه الأنظمة الفاسدة، فإن بقية البلدان المانحة لا تتبع الأسلوب البريطاني نفسه، أو على الأقل لم تكتشف أي جهة محلية أو عالمية، أن حكومات مانحة أخرى تقدم الأموال للأنظمة الفاسدة، بما في ذلك الحكومة الفرنسية، التي تضع أطرا ومعايير، تحمي الأموال الفرنسية العامة من الوصول إلى الفاسدين والمجرمين والقاتلين والناهبين، علماً بأنه كان في السابق جزء كبير من أموال المساعدات الفرنسية يذهب لإفريقيا، إلى أنظمة وحكومات فاسدة. لكن الوضع تغير منذ سنوات، حيث بدأت (فرنسا وغيرها من البلدان المانحة)، وضع لوائح تحدد الأطر العامة للمساعدات، لكن بريطانيا بقيت خارج هذا النطاق، دون أي مبرر مقنع. وهذا لا يعني أن بريطانيا هي وحدها في هذا المجال، لكنها الوحيدة التي انفضح أمرها، في حين تستطيع حكومة كاميرون، أن تتخلص ببساطة من هذه السلوكيات، وترضي دافع الضرائب لديها، والشعوب التي خُصصت لها أموال المساعدات.
وإذا كانت دولة كبرى كبريطانيا، لا تستطيع إيصال المساعدات والمعونات إلى مستحقيها الحقيقيين، فمن يستطيع؟ فهل يعقل أن نظاماً بشعاً كالنظام الحاكم في كوريا الشمالية، يتلقى أموال المساعدات مباشرة من بريطانيا، أو تتلقى الأموال "حكومات" في أوزبكستان والسودان وسورية والصومال وغيرها؟! نظام سفاح سورية على سبيل المثال، يتلقى سنوياً من المملكة المتحدة أكثر من 38.5 مليون جنيه استرليني! ولا تزال هذه المساعدات (حتى اللحظة) تصل إلى نظام ينفذ سياسة التطهير الاجتماعي، ويهزأ من أي موقف يدعو إلى وقف المجازر والفظائع التي يرتكبها. مرة أخرى لا نعرف مدى تورط دول مانحة أخرى في هذا المجال. وربما حسبت هذه الدول ـــ وعلى رأسها بريطانيا ـــ أن تتبع الأموال نفسها، يستوجب تكاليف مالية، لا تريد أن تتحملها. دون أن تحسب، أن التكاليف الناجمة عن وصول أموال نظيفة إلى أنظمة فاسدة وملوثة وقذرة، أعلى بكثير من تلك التي تنفق على تأمين هذه الأموال على مستحقيها.
وإذا كانت هناك صعوبة في تتبع هذا المال، أليس من الطبيعي أن تتفق الدول المانحة كلها (دون استثناء)، على استراتيجية موحدة في هذا المجال، توفر الجهد والمال والوقت، في تتبع الأموال؟ هناك الكثير من الطرق لإرسال هذه الأموال ووصولها إلى الجهات التي تستحقها، والأمر لا يحتاج إلى دول كبرى لاستكشافها، لكن يبدو أن الحكومة البريطانية تستسهل عملية منح المساعدات، أو أنه لا علم لها بتفاصيلها. وفي كل الأحوال، على حكومة بريطانيا الإجابة عن مجموعة من الأسئلة في مرحلة لاحقة، خصوصاً بعد أن جاءت المعلومات من منظمة الشفافية الدولية، التي تحظى باحترام على الساحة الأوروبية، نظراً لمصداقيتها. بالتأكيد، لا يحب كاميرون ولا حكومته هذه الأنظمة المروعة، لكن المؤكد أيضاً، أنه لم يلق بالاً لإخضاع نظام المساعدات لمزيد من الإصلاح والشفافية.
يبرر النائب المحافظ بيتر بون، الفشل الحكومي البريطاني على صعيد إيصال المساعدات إلى مستحقيها، بالقول "أنا متأكد من أن الوزراء يأخذون ما بوسعهم من احتياطات، لكن الوضع في كثير من تلك الدول سيئ للغاية، لدرجة أنه لا توجد أي وسيلة يمكن من خلالها معرفة المصير الذي تؤول إليه الأموال في نهاية المطاف"! لكن المضحك، أن وزيرة التنمية الدولية في حكومة كاميرون تقول إنها لا تتسامح مطلقاً تجاه الفساد، وإن هناك عدة عمليات فحص صارمة تهدف الى حماية أموال دافعي الضرائب! ماذا تقول هذه الوزيرة؟ "عدة عمليات فحص"!! كيف ذلك، ويتمتع سفاح مثل الأسد ومجرم مثل رئيس كوريا الشمالية، وقطاع طرق في الصومال، بأموال دافعي الضرائب البريطانيين؟!
لا أحد يطالب دولة كبريطانيا، بحل هذه المشكلة بين يوم وليلة. إنها عملية معقدة، لكنها لن تكون كذلك، إذا ما تم التعاون المباشر بين الدول المانحة نفسها، ليس فقط لحماية الأموال التي يحتاج إليها الناس في البلدان الفقيرة، بل لحماية الأموال التي أُخذت مباشرة من دافعي الضرائب. فالذي يدفع الضرائب، لا يريد بأي حال من الأحوال، أن تصل أمواله إلى أيدي أنظمة لا تعيش إلا بالأموال القذرة.

«مغاسل» حزب الله الأسترالية للأموال .. وغيرها

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






"المال قد ينهي المشاكل المالية، لكنه لا ينهي المشاكل الأخلاقية".
سونيا باركر - مؤلفة أمريكية

كتب: محمد كركوتــــي

قبل عام ونصف العام تقريباً، نشرت هنا مقالاً بعنوان "مصبغة حزب الله لغسل الأموال". وقتها انطلقت موجة غربية ضد المصارف الغربية الكبرى، التي ثبت تورطها المباشر في تبييض الأموال لحساب هذا الحزب الإيراني في لبنان. من بينها "إتش إس بي سي" و"باركليز"، وحتى "بنك أوف أمريكا". إلى جانب طبعاً عشرات المصارف والمؤسسات المالية الأصغر، إضافة إلى وكالات الصرافة المتناهية الصغر. بعض هذه المصارف، قطعت الطريق فوراً، واعترفت بتورطها، ودفعت الغرامات اللازمة، و"تعهدت" بالانضباط. وبعضها الآخر فضل الإنكار إلى أن ثبتت التهم. لا غرابة في ذلك، لقد تأكد بصورة موثقة أن المصارف الكبرى جداً ذات الأسماء الرنانة جداً، سندت نفسها بالأموال القذرة في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية. فليس مهماً (بالنسبة لها) تبييض أموال لحزب إرهابي قاتل كحزب الله، طالما أن الأمور لم تنكشف، و"الغسيل" يتم بدون روائح المبيضات.
انكشاف أمر المصارف والمؤسسات المختلفة المتورطة في تبييض أموال العصابات والمجرمين والناهبين وحزب الله، دفع هذا الأخير للبحث عن "مغاسل" أخرى، أو تفعيل ما كان هامداً منها. فهو لا يستطيع الاستمرار في الأموال النظيفة، تماماً مثل إيران التي عاشت أكثر من عقد من الزمن على الأموال القذرة. فمال المتمول من جنس مال الممول. وملاحقة أموال حزب الله، ليس فقط لأنه مليشيا إرهابية مجرمة؛ بل لأنه يقود واحدا من أكبر شبكات المخدرات في المنطقة والعالم، بالتعاون مع العصابات المختصة عالمياً، إلى جانب الاندماج الكلي مع نظام سفاح سورية بشار الأسد. قبل الثورة الشعبية العارمة ضد هذا الأخير، كانت سورية بمنزلة "المصبغة" الأهم لأموال حزب الله التي تُبَيَّض فيها وتمر عبرها. في حين كانت مصارف ومؤسسات مالية لبنانية "محترمة"، ممراً لتهريب الأموال المنهوبة من سورية لحساب الأسد وعصاباته.
قبل أيام، أعلنت السلطات الأمنية الأسترالية، تفكيك شبكة واسعة لتبييض الأموال، لها امتدادات في نحو 20 بلداً. الأهم، أنه تم الكشف عن أن جزءاً من أموال هذه الشبكة يعود لحزب الله، وأنها عبارة عن 18 عصابة مجتمعة، وتم التوصل إلى تورط أكثر من 128 شخصاً في الساعات الأولى لعملية التفكيك هذه. ولعل من المعلومات اللافتة أيضاً، أن نسبة لا بأس بها من الأموال التي قامت الشبكة بتبييضها، هي في الواقع من العوائد المباشرة للاتجار بالمخدرات على اختلاف أنواعها. لا غرابة إذن مرة أخرى. حزب الله يدير حقيقة شبكة مخدرات واسعة، تقول الأجهزة الأمنية الغربية، إن "صادراتها" تصل إلى قلب الاتحاد الأوروبي بل الولايات المتحدة. دون أن ننسى أن هذا الحزب الإجرامي يشترك في حكومة لبنان "الشرعية"، أو لنقل الحكومة التي يتعامل معها العالم أجمع. ومن اللافت أيضاً أن نسبة من الأموال التي ضبطتها السلطات الأسترالية، تأتي عن طريق تحويلات تصل لأفراد أجانب يعيشون في البلاد، على أنها معونات من أسرهم! هذه الشريحة من الأموال تحول مجدداً لحسابات خاصة بحزب الله.
تقول سيبيل إدموندز الموظفة السابقة في مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي "سنصل إلى نقطة تكون فيها عمليات غسل الأموال، وتهريب المخدرات، وتمويل الإرهاب، عبارة عن وحدة متكاملة". والأمر بالفعل هو كذلك. صحيح أن الحرب ضد تبييض الأموال ليست سهلة، وتأخذ وقتاً طويلاً لتحقيق الانتصارات المرجوة منها، لكن الصحيح أيضاً أن الجهات المعنية تراخت كثيرا سابقاً في هذا المجال. وقد عاشت تخبطاً كبيراً يعود أساساً إلى التأخر في اعتبار عصابة كحزب الله، تنظيماً إرهابياً. ففي الصيف الماضي فقط، أعلن الاتحاد الأوروبي، أن الجناح العسكري لحزب الله تنظيماً إرهابياً بالمعايير الأوروبية! وسرعان ما قالت مفوضة السياسة الخارجية الأوروبية كاثرين أشتون، إن القرار لا يعني الكثير!! الموقف الأوروبي قوض من حراك الولايات المتحدة التي وضعت حزب الله في قائمة المنظمات الإرهابية ضد هذا الحزب على الصعيد المالي. لقد جاء التحرك ضد هذا الحزب الإرهابي متأخراً حتى من جانب دول مجلس التعاون الخليجي، وإن قامت في الآونة الأخير، بتجفيف منابعه المالية على الأرض الخليجية العربية.
سيجد حزب الله (ومعه إيران ونظام سفاح سورية) الكثير من "المصابغ" الجديدة لتبييض الأموال القذرة. لقد وصل حتى إلى تحويلات الطلبة في أستراليا! ولا يمكن تحقيق نتائج مقبولة في تجفيف مصادره، إلا بتعاون دولي كامل. ولا شك في أن موقف الاتحاد الأوروبي بهذا الصدد، يشكل فجوة واسعة في هيكلية تضييق الخناق على هذا الحزب. فالأوروبيون يعتقدون أن اعتبار حزب الله تنظيماً إرهابياً، سيؤثر سلباً في علاقاتهم السياسية والدبلوماسية مع لبنان، غير أنهم في الواقع يمنحون الشرعية له من خلال هذا المفهوم الضيق، أو الصيغة المشوشة. الأمر برمته لا يتعلق بجرائمه التي يرتكبها حالياً في سورية، ولا بعصاباته المنتشرة في الأرجاء، بما فيها خلاياه النائمة في قلب لندن وباريس وبرلين وروما وغيرها، بل بمشروعه التخريبي الجاهز. إنه تنظيم لا يستمر إلا باستراتيجية الخراب.

«المغسلة» التركية للأموال الإيرانية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



(أعتقد، علينا أن نجمع إيران والعراق في بلد واحد، نطلق عليه اسم "إيراق")
دينس ليري كاتب وممثل كوميدي أمريكي

كتب: محمد كركوتـــي

.. ومع مسلسل فضائح غسيل الأموال الإيرانية في تركيا، وارتفاع حدتها وتعدد سراديبها، وتشعب مداخلها ومخارجها، وتزايد المتورطين فيها على الجانبين، ربما أقترح على دينس ليري ضم تركيا إلى "إيراق" ونطلق على هذه الأخيرة "إيراقيا"، أو "إيراقتيا". فما قدمته تركيا بزعامة رجب أردوغان لإيران في هذا المجال الحيوي والاستراتيجي والمحوري بالنسبة لنظام الملالي، يحتوي كل الخلافات المعلنة بين الجانبين حول العديد من القضايا المطروحة، وفي مقدمتها (الآن) سورية. هذا البلد الذي يعيش تحت رحمة وأهواء وأجندات نظام علي خامنئي. كانت حكومة أردوغان لا توفر فرصة، إلا وهاجمت فيها إيران على موقفها التخريبي في سورية، دون أن تتأثر عمليات غسيل الأموال الإيرانية، عبر المؤسسات المالية والتجارية والنفطية التركية. في وقت، كان العالم يخشى مجرد الاقتراب الاقتصادي من طهران، خوفاً من الغضب الغربي. بما في ذلك دول كبرى، مثل اليابان والصين وغيرهما.
وإذا كانت ملفات الفساد الخاصة بحكومة أردوغان، تتجدد بفضائحها المختلفة، سواء تلك المتعلقة بالرشا التي طالت أقرب المقربين لرئيس الحكومة، أو تلك المرتبطة بمؤسسات قريبة من حزبه، فإن ملفات الفساد الخاصة بإيران لا تقل عنها تجدداً، خصوصاً والساحة التركية تنتظر نتائج التحريات والتحقيقات، وربما المحاكمات في وقت لاحق. صحيح أنه في السياسة تقل النزاهة، وفي كثير من الأحيان تختفي تماماً، لكن ادعاء النزاهة في السياسة أمر له تكاليفه، والأكاذيب في هذا النطاق، تتحول مباشرة إلى أدلة تدين، ولا سيما في دولة كتركيا، باتت سمعتها منذ عقدين من الزمن، تمثل جزءاً أصيلاً من"ثروتها" التي ستكفل لها المضي غرباً، ليس فقط من ناحية حرصها على عضوية مستقبلية في الاتحاد الأوروبي، بل أيضاً من جانب بناء علاقات تسهل الفوز بهذه العضوية. دون أن ننسى، أنها لم تغب عن "المجهر" الأوروبي.
أكثر من 100 مليار دولار حصيلة الأموال الإيرانية التي تم تبييضها في تركيا. وهذه الأموال الهائلة ما كانت لـ "تُغسل"، من دون أموال كبيرة مقابلة تمت بها رشوة المسؤولين الأتراك. يحاول المقربون من أردوغان الترويج بأنه لا يعلم! وهم بذلك لم يختلفوا عن أولئك النازيين المخلصين لزعيمهم هتلر، عندما روجوا بأنه لم يكن يعلم بالفظائع التي ارتكبتها قواته! والرد على هذا النوع من المدافعين بسيط جداً. إذا لم يكن يعلم، فهو لا يستحق قيادة البلاد، وليس مؤهلاً لأي شكل من أشكال الزعامة، محلياً وخارجياً. وعمليات تبييض الأموال الإيرانية، لم تتم لمرة واحدة أو في فترة قصيرة، لقد انطلقت منذ ثماني سنوات تقريباً، ولا تزال ماضية بصيغ مختلفة، حتى بعد انفجار الفضائح حولها. هل يوجد عاقل يمكن أن يصدق أن رئيس الحكومة لا يدري؟! المعارضون للنظام الإيراني، يعتبرون أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال نهب في الواقع من الشعب الإيراني نفسه.
لا شك في أن المليارات الإيرانية هذه شكلت رافداً للاقتصاد التركي، مثل بعض الاقتصادات الأخرى التي لا تمضي إلى الأمام إلا بالأموال المشينة. وهذا في حد ذاته يشكل ميزة مهمة للحكومة التركية، التي وضعت جانباً حقيقة أن تبييض الأموال وإن دام طويلاً، فإنه سيظهر على السطح، وستتكشف الفضائح. ربما استندت الحكومة التركية إلى"براعة" الحرس الثوري الإيراني، المسؤول المباشر عن عمليات تبييض الأموال والاحتيال على العقوبات الغربية المفروضة على إيران. لكنها نسيت أن الجهات الأكثر براعة في هذا العالم، تقع لأتفه الأسباب، وغالباً ما تفتضح على أيدي موظف بسيط. الإيرانيون الذين ألقي القبض عليهم من قبل السلطات التركية، لهم وكلاؤهم الأتراك. وهؤلاء الوكلاء، ليسوا من عامة الشعب، بل من النخبة الحاكمة، كل في موقعه، وكل في قربه من قيادة الحكومة والحزب الحاكم. لقد اعترف عدد من المسؤولين الإيرانيين أنفسهم، بعمليات تبييض الأموال، ليس من أجل فضح بلادهم، بل لكشف فضائح المرحلة التي حكم فيها أحمدي نجاد البلاد.
لن تتوقف "كرة الثلج" عن التضخم. إنها تكبر مع استمرار إيران في عمليات الاحتيال الاقتصادي، حتى بعد أن أبرمت الاتفاق المبدئي مع الغرب حول برنامجها النووي. وهي لا تزال ـــ حسب الإدارة الأمريكية ــــ ماضية في إنشاء الشركات الوهمية. وأرصدتها المجمدة تبلغ 100 مليار دولار حول العالم. والأرجح أنها ماضية في تبييض الأموال على الساحة التركية، وإن بأدوات مختلفة عن تلك التي تم فضحها. فعلاقات اقتصادية مشينة قامت على مدى ثماني سنوات، من الصعب أن تنتهي بقرار أو بملاحقات سريعة، والسبب أن تشعبها لا يوفر لها مساحات للتخارج، أو نقل العمليات إلى ساحة أخرى. وسوط الفساد الإيراني ـــ التركي سيظل مسلطاً على أردوغان، ولن ينفع معه تغييرات حكومية مهما كانت كبيرة. إن الفساد موجود في كل مكان في هذا العالم، لكن تمت تغطيته في الحالة التركية، بالمواقف التي تبيع الوهم في السوق السياسية. وهذه البضاعة تحمل معها روائحها الكريهة، حتى قبل أن تفض أغلفتها.

ميزانية اللصوص

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





"عليك أن تحارب المجرمين والفاسدين في آن معاً. دون ذلك لا أمل يرجى في الخلاص".
أندريه لوبيز أوبرادو سياسي مكسيكي

كتب: محمد كركوتــــي

للصوص والناهبين، أيضاً ميزانياتهم، ولا سيما أولئك الذين "هيكلوا" أنفسهم وفق قواعد العصابات المنظمة، ووضعوا أنظمتهم المروعة. وهؤلاء يتطورون أيضاً، من عصابات منظمة مارقة، إلى أنظمة أكثر بشاعة. وفي إطار هذا النوع من الأنظمة، تحافظ العلاقة على تطورها مع العصابات الأخرى، إلى درجة أن تتحول العصابات المحلية والخارجية إلى مؤسسات للنظام نفسه، وروافد محورية له. فهي تمثل في النهاية حجر الزاوية للاقتصاد "الوطني" في ظل النظام المارق. وعلى هذا الأساس، من الطبيعي أن تكون لسفاح سورية بشار الأسد ميزانيته "العامة" الثالثة، بعد الثورة الشعبية العارمة التي لم تتوقف للتخلص من أبشع نظام مر في المنطقة. فإعلان الميزانية (بحد ذاته) إشارة إلى أن هذا النظام الإجرامي ما زال موجوداً، حتى وإن غابت مؤسسات الدولة نفسها! بل حتى إن تقلصت الرقعة الجغرافية التي يسيطر عليها.
أرقام ميزانية الأسد للعام الجاري كبيرة جداً، لكنها في الواقع ضئيلة القيمة. صحيح أنه سجل فيها 9,8 مليار دولار (1,39 تريليون ليرة)، غير أنها لا تشكل سوى ثلث الميزانية التي أُعلنت في عام 2010. وأقول: أُعلنت، لا صُرفت أو نُفذت، لأن الأموال الحقيقية للموازنات العامة في سورية، منذ بدء عهد الأب إلى الابن، هي خليط بين بندين. الأول: أموال منهوبة، والثاني: أموال مصروفة. والبند الأول هو الذي يستحوذ على الحجم الأكبر من الأموال. أما لماذا لا تشكل الأموال المعلنة في الميزانية الجديدة إلا ثلث تلك الخاصة بميزانية عام 2010، فلأن الليرة السورية فقدت ثلثي قيمتها في الأشهر الماضية، ولا تزال ماضية في التراجع. مع ضرورة الإشارة إلى أن قيمتها قبل الثورة، لم تكن حقيقية 100 في المائة. جزء من هذه القيمة كان وهمياً. وعندما تصل قيمة العملة إلى الحضيض، فإن المليار يتحول على الفور إلى رقم عابر، لا رقم فاعل. فلا عجب، أن يُطلق الأسد وعصاباته الميزانية بالتريليون من الليرات. والمشكلة هنا، لا ترتبط فقط بالانهيار التدريجي لما تبقى من الاقتصاد، بل تكمن أيضاً في سرقة الاقتصاد نفسه، قبل الثورة بأكثر من أربعة عقود.
لكن مهلاً، الميزانية (أي ميزانية) تعني الإنفاق. ولنضع قضية التنمية جانباً. لا تنمية في ظل نظام يتعاطى مع المصرف المركزي "الوطني"، كما يتعاطى أي شخص مع خزانة منزله. فهذا المصرف تجاوز حالته الوطنية منذ أكثر من 40 عاماً. ميزانية الأسد لعام 2014، هي في الواقع مخصصة في الدرجة الأولى، لتمويل حربه ضد الشعب السوري. وتتضمن أساساً التسليح والرواتب والأجور. وهذه الأخيرة مخصصة فقط للمناطق التي لا يزال يسيطر عليها. وبذلك تكون الميزانية لبعض سورية لا كلها، وللموالين، لا لأولئك الذين وجدوا أنه من العار، أن يستمر هذا النظام الوحشي إلى ما لا نهاية. إلى جانب (طبعاً) رواتب المرتزقة وقطاع الطرق الذين يشكلون أساس القوة العسكرية للأسد. دون أن ننسى المكافآت التي تُمنح لكل مرتزق على رأس كل مدني سوري يحصده. استناداً إلى المراقبين المحايدين الذين لا مواقف لهم فيما يجري في سورية، فإن ثلث السوريين سيكون لهم نصيب ما من هذه الميزانية. وهذا التصور واقعي، ليس فقط لأن الأسد لا يسيطر فعلياً إلا على ثلث البلاد، بل لأنه يحتاج إلى جعل المناطق التي يحتلها هادئة قدر المستطاع. وعلى هذا الأساس سينحصر قليلاً من بنود الميزانية في منطقة الساحل الخامدة بمدنها المشتعلة بأريافها، إلا تلك التي توالي الأسد طائفياً. فهذه الأخيرة، لا تزال تؤمن باستحالة زوال الأسد المنتمي لها. وبعيداً عن هذا الجانب المروع، فميزانية الأسد، ليست أقل من ميزانية حرب ضد شعب، وليست أكثر من خزانة مخصصة للإنفاق على الموالين المخلصين، الذين يعرفون أنهم منتهون، حتى قبل النهاية الكلية للأسد وما تبقى من نظامه. هذه الميزانية، بتريليونها، إضافة إلى مئات المليارات الأخرى من الليرات فيها، سواء كانت بالقيمة الحالية لها، أو بقيمتها السابقة، لا تصل إلى 10 في المائة مما نهبه الأسد وأسرته وأعوانه، وأولئك المستفيدون الذين يظهرون دائماً في أزمنة الخراب. وستدخل هذه الميزانية (كغيرها) تاريخ البلاد، كميزانية عامة شكلاً، ولكنها خاصة مضموناً. وكل ليرة ستصرف منها، هي ليرة مسروقة من سوري لا يلقى لقاحا لطفله، ولا حتى شعيراً لخبزه. ومهما كان الشكل الاقتصادي المعلن لها، فهي حاجة سلبها القادر القاتل من المحتاج. لن يكون التاريخ رحيماً بالأسد وعصاباته، فالرحمة مع قاتل الأطفال والأبرياء ومدمر البلاد ومهجر الشعب، جريمة في حد ذاتها يعاقب عليها الرحيم نفسه. أطلق الأسد ميزانيته، لكنه في الوقت نفسه يعرف، أنها قد تكون الميزانية الأخيرة التي يستطيع إطلاقها، وأن بعض سورية الذي يحلم به مع عصاباته والموالين له، يموت في عملية ولادته تلقائياً، من دون كل سورية.

الاثنين، 6 يناير، 2014

نفط مشين آخر للأسد

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

«المصيبة ليست في أولئك الأشرار، بل في أولئك الذين لا يفعلون شيئاً لرد شرهم»
ألبرت أينشتاين عالم ألماني الأصل


كتب: محمد كركوتـــــي

إمدادات حكومة نوري المالكي النفطية لسفاح سورية بشار الأسد، ليست خبراً. فالمالكي الذي دعا إلى اعتبار كربلاء قبلة المسلمين في كل مكان، بدلاً من مكة المكرمة! ليس أكثر من عميل فاضح لإيران في العراق. وهو يمارس هذه العمالة بصورة رديئة، لا يختلف عن زعيم عصابة تمولها إيران على شاكلة حسن نصر الله في لبنان، أو قادة ميليشيات الحوثيين في اليمن، أو مجموعات قطاع الطرق التابعين لطهران في باكستان. ولذلك، لا تمثل إمدادات المالكي النفطية لواحد من أبشع الأنظمة التي مرت على المنطقة، خبراً. فقد فعل كل شيء، من مد الأسد بالسلاح والخطوط المالية الائتمانية، وتهريب الأموال المنهوبة من سورية، إلى التنكيل باللاجئين السوريين الهاربين بحياتهم إلى أرض العراق، دون أن ننسى معارضته لأي قرار صدر ضد الأسد وعصاباته، في كل مناسبة ممكنة وغير ممكنة.
الخبر، في الإمدادات العراقية النفطية للأسد، كما ورد في وثائق الجهات المتورطة مباشرة (الشركات الناقلة، والوسطاء، والتجار السريين الموضوعين على القوائم السوداء)، أن بعض الشحنات النفطية العراقية كانت تصل الموانئ السورية عبر ميناء مصري! ضمن سلسلة محكمة من التجارة السرية، على اعتبار أن الأسد (وعصاباته) يخضعون للعقوبات الدولية، بما في ذلك تلك التي ترتبط بإمدادات الوقود الخاصة بقوات الأسد. والحقيقة أن هذه الإمدادات تأتي من إيران والعراق على حد سواء، والأمر يخضع لمعايير لوجستية فقط. ووصلت إلى ذروتها مع بداية العام الجاري. وبلغ مجموع ما تم الكشف عنه 17 مليون برميل في تسعة أشهر. وهذه الكمية الكبيرة، وصلت للأسد عن طريق طرف ثالث ورابع وخامس. المهم أنها تصل في الوقت المناسب، وأن إيران لا توفر النفط فقط، بل والسفن الناقلة له. ويبدو واضحاً، أن هذه الطريقة، تمت لأن العراق ليس قادراً على مد الأسد بالنفط عبر الحدود التي لم تعد آمنة. يضاف إلى ذلك، الضغوط الغربية التي مورست على نظام المالكي، خصوصاً بعد انكشاف أمر الجسر الجوي بين إيران وسورية عبر العراق، لنقل الأسلحة والمرتزقة.
لقد بلغت عمليات نقل النفط هذه أوجها في ظل وجود حكومة الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي في السلطة، وهذا الأخير عين نفسه ''حامياً'' للثورة السورية، بل دعا إلى الجهاد فيها، قبل أيام من خلعه. والحقيقة، أن الأمر لا يتوقف على النفط فحسب، بل يشمل حتى السلاح. فخلال فترة حكم مرسي، كانت السفن الإيرانية المحملة بالأسلحة للأسد تمر عبر قناة السويس، وكانت حكومة مرسي تنكر مرورها! ولو استطاعت لأنكرت وجود قناة السويس نفسها! وليس لافتاً أن ''إخوان سورية'' أنفسهم كانوا يلتزمون بنفس خطاب الإنكار. وقد بلغ الأمر، أن طالب هؤلاء بـ ''أدلة''! وهو أمر مريع. فمن المفترض أن يطالب بـ ''الأدلة'' مرسي وأعوانه آنذاك، وليس طرفاً آخر غير مصري! ومع ذلك، الذي يسعى للحصول على هذه الأدلة مباشرة، أي أن يذهب ويفتش السفن الإيرانية المسافرة إلى الأسد، ستطلق عليه النار. فقناة السويس منطقة محظورة، ولا يستطيع أحد اصطياد ما يستطيع من أدلة، إلا أولئك العاملين فيها، بأوامر مباشرة من الحكومة. وفي النهاية، كانت الأدلة تظهر في سورية نفسها. الخراب، الدمار، أشلاء المدنيين وغيرها.. كلها أدلة على أن السفن الإيرانية مرت من هناك.
والأمر نفسه ينطبق على ميناء ''سيدي كرير'' المصري، الذي كان النقطة الوحيدة في تهريب 17 مليون برميل (على الأقل) من النفط للأسد. صحيح أن مثل هذه العمليات يصعب السيطرة عليها، على اعتبار أنه يمكن بيع النفط مرة أخرى بعد خروجه من الدولة المصدرة، لكن عمليات الترانزيت أو إعادة التصدير، لا يمكن أن تتم إلا بمعرفة السلطات المعنية مباشرة، إلا إذا اعتبرنا أن السلطات المصرية لا تملك السيطرة الكاملة على موانئها، وهذا أمر مناف للواقع. واستناداً إلى الوثائق التي نشرت مضامينها وكالة ''رويترز'' أخيراً، فإن الإمدادات النفطية الإيرانية والعراقية التي مرت من الميناء المصري، بدأت في فترة مرسي، ولكنها استمرت بعده حتى تشرين الأول (أكتوبر) الماضي. ولو افترضنا أنها توقفت بالفعل في الشهر المذكور، فإن الإمدادات المشينة تواصلت ثلاثة أشهر على الأقل، في ظل وجود الحكومة المصرية الحالية.
لا أحد يتجرأ ويطالب بأدلة في هذا الصدد. إنها موجودة بصورة أصدق حتى من تلك التي تدونها الحكومات. هي وثائق شركات تسعى إلى الربح فقط، ولا دخل لها بشعب يُباد أو بأخلاق بلا قيمة في سوق بلا ضمير. وكل دولار موثق ومربوط بالخدمات التي قُدمت، بل وبخط سير السفن الناقلة للشحنات القاتلة. لم تعد المسألة تتعلق بمدى التأييد الصوتي للثورة السورية. هناك أصوات أيدتها، لكنها لم تأبه لطعنها. وهي بذلك أيدت المطعون، وتركت الباب ''موارباً'' لتسهيل فرار الطاعن! بعض الأصوات الأخرى، شاركت في الطعن وهي تهتف لهذه الثورة.

البنك الدولي «الثوري»

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

«لا تدع اللص يدخل بيتك ثلاث مرات. المرة الأولى تكفي. المرة الثانية فرصة. المرة الثالثة.. أنت غبي»
سي. جويبيل. سي - أديبة ومؤلفة أمريكية

كتب: محمد كركوتـــي

خرج البنك الدولي عن صمته.. بل عن ''أدبياته''، وعن سلوكيات وضعها لنفسه منذ تأسيسه، التي يمكن اختصارها بعنوان عريض ''النأي بالنفس عن فداحة ما يجري في الدول النامية''، وبعنوان فرعي ''لا دخل لنا بالفساد هناك''، وبعنوان فرعي آخر ''السياسة لا تخصنا''! وحول هذا الأخير، يحق لنا أن نطرح السؤال البديهي، هل الفساد سياسة.. أم ''بلطجة''؟ وسؤال آخر، هل هو شأن داخلي.. أم مسؤولية دولية؟ أسئلة كثيرة ''اندهاشية'' الوقع، يمكن أن تُطرح في هذا الشأن، ولا سيما أن الجهة التي ينبغي أن تجيب عليها، تحمل الصفة الدولية، وُجِدت أساساً للتعاطي بالشؤون الداخلية وبالأخص المعيشية منها، في الدول المستفيدة من هذه الجهة، أو تلك المؤهلة للاستفادة. لكن ''الثورة'' التي فجرها البنك الدولي قبل أيام، تعفيه من الإجابة عن هذه الأسئلة، إلا إذا أردنا أن نضعها في سياق المحاسبة التاريخية له.
خرج البنك الدولي من المحظورات التي يشكل الفساد عمادها الأساسي، ليعلن رئيسه جيم يونج كيم، أن ''الفساد على المستويين العام والخاص، هو محنة الدول النامية''. وزاد كيم من وتيرة ''ثورية'' الإعلان، ليقول ''إن الفساد هو العدو رقم واحد في هذه الدول''. ومضى خطوة أخرى واضحة ومحددة، بل وقاطعة بقوله: ''كل دولار يضعه مسؤول فاسد أو شخص فاسد بقطاع الأعمال في جيبه، هو دولار سُرق من امرأة حامل تحتاج إلى رعاية صحية''. ويمكننا نحن أن نقول أيضاً، هو دولار نُهب من طفل يحتاج إلى لقاح، وأسرة يعوزها الخبز، وطالب لا يملك كتاباً، وتلميذ بلا قلم رصاص، ورجل لا يعود إلى أسرته قبل أن تنام، هرباً من نظرات الحرمان. نستطيع سرد شرائح لا تنتهي من المنهوبين. والقضية برمتها، أن مؤسسة مثل البنك الدولي تأسست عام 1946، ضمنت الفساد في الدول الفقيرة إلى قائمة المحظورات التي لا تتحدث عنها، في حين أثبتت كل التجارب العالمية، أن التشهير بحد ذاته بمنزلة سلاح أمضى من غالبية الأسلحة.
وسط هذا المشهد المريع، يستحق رئيس البنك الدولي الشكر، ليس لأنه ''اعتدى'' على المحظورات، بل لإقدامه على خطوة جريئة، وإن كانت متأخرة، عندما أنشئ في أكتوبر الماضي إدارة الحوكمة في البنك، وهي جهة تقدم المشورة الفنية اللازمة للدول الفقيرة المستفيدة من قروض ومشاريع البنك الدولي، بما في ذلك ''قطاع'' الفساد في هذه الدول، إلى جانب ''طبعاً'' قضايا تخص الزراعة والتجارة والمياه والتعليم والصحة وغيرها. وفي المقابل يستحق رؤساء البنك السابقين المُساءلة، على عدم ''ثوريتهم''، أو على الأقل، على قبولهم لتوجيهات حكومات الدول الكبرى، بعدم الاقتراب من منطقة الفساد في الدول النامية. فهذه الحكومات تلعب السياسة حتى في الساحات التي لا تمثل حاضناً طبيعياً لها. وأبشع أنواع السياسة، هي تلك التي تُمارَس في ''ساحة'' اللقمة، وشظف العيش، وموارد الأسرة، ودواء امرأة حامل.
عندما كان المعارضون للأنظمة الفاسدة يعرضون الوثائق والأدلة التي تثبت الفساد، كانت حكومات الدول الكبرى المؤثرة، لا تقرأ الوثائق ''ليست بحاجة إليها لأن لديها النسخ الأصلية!''، ولكنها كانت تصدر وثائق اللجوء للمعارضين! وهي بذلك تُظهر الجانب الإنساني بغرض الاستهلاك العام، وفي الوقت نفسه تُبقي المحظورات في ثباتها وحصونها. واشنطن، لندن، باريس.. وغيرها عواصم تملك الحقيقة، غير أنها لم ترغب في أن تظهر على السطح. فلم يكن غريباً على البنك وصندوق النقد الدوليين وغيرهما من المؤسسات المالية الإقليمية والعالمية، أن تلتزم بـ ''محظورات'' الدول التي تشرف وتمول هذه المؤسسات، وتضع السياسات التشغيلية والتنفيذية لها. كانت أموال الفساد والنهب تتدفق على الكثير من دول العالم، بما في ذلك الدول الكبرى نفسها. لقد تغير الوضع الآن. ها هو البنك الدولي ''يثور''، وها هي الدول الكبرى نفسها، ماضية في ملاحقة الأموال القذرة، وإن كان الدافع الرئيس لها، الأزمة الاقتصادية العالمية، بدلاً من أن يكون الدافع أخلاقياً!
أموال الفساد لا تدخل فيها أموال النهب والجريمة المنظمة. وكل نوع حقير من هذه الأموال، يشكل اقتصاداً عالمياً في حد ذاته! فعلى سبيل المثال يصل الناتج السنوي من أموال الفساد إلى أكثر من 40 مليار دولار سنوياً، وهي جزء من المجموع الكلي للأموال القذرة التي قدرتها منظمة النزاهة الدولية أخيرا بـ 946.7 مليار دولار في عام 2011 وحده، بعد أن ارتفعت بمعدل 13,7 في المائة عن حجمها في عام 2010! والـ 40 مليار دولار الفاسدة، هي في الواقع عوائد الرشا فقط، إلى جانب بعض الأعمال الاحتيالية الأخرى. لقد أقدم البنك الدولي على الخطوة الضرورية، وعليه أن يحافظ على ''ثوريته'' وأن يحاول القائمون عليه ''مقاومة'' أي ضغوط قد تأتي من بعض الحكومات الغربية لاعتبارات سياسية. هذا البنك لا يشتغل أصلاً بالسياسة. وإذا كانت التشهير يفيد في حالة الأنظمة الفاسدة في الدول الفقيرة، فإنه يفيد أيضاً على صعيد حكومات الدول الكبرى، حتى وإن كلف الأمر منصباً وظيفياً هنا أو هناك.

الأموال القذرة لا ينظفها إلا أصحابها

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

 
«المال لا يتكلم .. المال يشتم .. من يحفل؟!»
بوب ديلان - شاعر ومغن أمريكي


كتب: محمد كركوتـــــي
 
الأموال المشينة التي تم تهريبها من 150 دولة نامية في عام واحد فقط، بلغت 946,7 مليار دولار. وهي أموال تفوق حجماً المساعدات والمعونات والمنح الأجنبية التي تتلقاها هذه الدول، وقد بلغت هذا الحد في عام 2011، وارتفعت 13,7 في المائة، مقارنة بالأموال القذرة نفسها التي تم تهريبها في عام 2010. وهذه النسبة تفوق في الواقع النمو (إن وجد) في بعض الدول النامية بعشرات المرات، كما أنها متوالدة متجددة، شرط الحفاظ على قذارتها. وإذا كانت سرقة فرد واحد جريمة، علينا أن نبحث عن توصيف لسرقة أمم بأكملها، ونهب مقدراتها، وإبقائها في حالة عوز دائم، وفقر ينمو، كما السرطان الخبيث. إنها ببساطة، أموال يمكن أن تحقق النمو الذي أضحى في ظل السارقين حلماً. لكن مهلاً.. الحلم نفسه لم يعد يظهر لا في اليقظة ولا في المنام.
هذه الأرقام التي أعلنتها منظمة النزاهة العالمية، جديدة بارتفاعها، ولكنها ليست كذلك في طبيعتها. فالناهبون هم أنفسهم، كما المنهوبين لم يتغيروا. ولأن الفساد والخراب متأصل في المنطقة، فقد تصدر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المشهد العام للأموال القذرة. فهذا ''القطاع''، هو الوحيد الذي يحقق نمواً، في دول لم تعرف النمو الحقيقي إلا نظرياً. المصادر كثيرة، تبدأ بالفساد ولا تنتهي بالرشى والتهرب الضريبي ونهب مقدرات البلاد والصفقات المشبوهة، والمساعدات المسروقة. هناك دائماً مصادر متوافرة للأموال القذرة، أو ''مشاريع'' تتحول فجأة إلى ''مصنع'' لها. لقد حسبتها منظمة النزاهة العالمية، فمقابل كل دولار من مساعدات التنمية الأجنبية التي تذهب للدول النامية، تضيع عشرة دولارات عبر تدفقات الأموال القذرة. وهذا يعني، أن المساعدات نفسها أخفقت في بعض البلدان النامية، في أن تكون حتى ''مساحيق'' تجميلية للاقتصادات فيها.
وفي الوقت الذي يبدو للبعض أن الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت في عام 2008 في أوجه صانعيها قبل الأبرياء منها، ستكون عاملاً لانخفاض الأموال القذرة والمشبوهة، فإن الأمر في الحقيقة ليس كذلك. ففي الأزمات تزدهر الجريمة وتنمو، بينما تكون كل القطاعات في حالة انكماش. ولذلك لا غرابة في ارتفاع حجم الأموال القذرة بين عامين بمعدل مريع وصل بالفعل إلى 13,7 في المائة. فطبقاً للمنظمة نفسها، فقد ارتفعت التدفقات غير المشروعة من دول المنطقة (أي منطقتنا) 31,5 في المائة بين عام 2002 و2011. أي أنه في عز الأزمة الاقتصادية كان الازدهار المشين في أوجه، بينما كان العالم يحصي ضحاياها، بما في ذلك الدول الغربية نفسها. واللافت هنا، أن دول منطقة إفريقيا جنوبي الصحراء، ظهرت أقل فحشاً وفساداً. فالأموال التي تم تهريبها منها ارتفعت في السنوات العشر الماضية حتى عام 2011 بنسبة 20,2 في المائة، أي أقل بما يزيد على 10 في المائة، عما هي عليه في المنطقة العربية.
لا يزال حراك الدول التي سعت إلى مواجهة هذه الكارثة المتواصلة، دون مستوى الجريمة الكبرى التي ترتكب، بما في ذلك الجهود التي تبذلها دول مجموعة العشرين، والاتفاقيات التي توصلت إليها بهذا الصدد على مدى السنوات القليلة الماضية. وهي بذلك أخفقت في سد الفجوة بين الأغنياء والفقراء في الدول النامية المنهوبة، أو حتى في الانطلاق من المربع الأول. فكثير من السياسات التي تم التوصل إليها، لا تصمد أمام الأدوات المتجددة لناهبي الفقراء. يضاف إلى ذلك، وجود أدوات معقدة مصرفية وغيرها، في الدول نفسها التي تحارب الناهبين! فعلى سبيل المثال، لا تزال المصارف والمؤسسات المالية الكبيرة ترتكب جرائم كبيرة في هذا المجال، إلى جانب شركات ومؤسسات أخرى عقارية وتجارية ونفطية وصناعية مختلفة. دون أن ننسى، أن الملاذات الآمنة، لا تزال آمنة، رغم كل ما تم اتخاذه على مدى السنوات الماضية ضدها. وقد طغت خطة ملاحقة مواطني الدول الكبرى ضرائبياً في الخارج من قبل حكوماتهم، على مخططات ملاحقة الأموال المنهوبة.
الأموال المنهوبة من الدول النامية تتدفق خارجها. وهي في الواقع خلقت اقتصاداً عالمياً، لو أضيفت إليه عوائد الجريمة المنظمة بكل أطرها وأشكالها، فإنه يصل إلى 2000 مليار دولار على الأقل سنوياً! أو ما يوازي حجم الاقتصاد الإيطالي. فهؤلاء الذين ينهبون الشعوب، إما شركاء مباشرون للمجرمين الدوليين، أو أنهم شركاء عن طريق طرف ثالث، ولا توجد ساحة لهم غير تلك الساحة المريعة. فالمجرمون يتعاونون دائماً، ويتعاونون أكثر عندما يشعرون بخطر قد يصيبهم. ويتكاملون عندما يصبح الخطر حقيقياً ومباشراً. ولا ينقصهم المتعاونون ''الشرعيون''. تكفي الإشارة هنا إلى أن أموال الجريمة المنظمة والفساد وتلك المنهوبة من الشعوب، حافظت على بقاء النظام المالي العالمي قائماً إبان الأزمة الاقتصادية العالمية. وفي فترة من الفترات، شكلت عائدات الجريمة بكل أشكالها، السيولة الوحيدة المتاحة لبعض المصارف والمؤسسات المالية. إن ملاحقة الأموال المنهوبة من شعوب البلدان النامية، يمكن ببساطة أن تنطلق من الساحة الغربية نفسها. وهي بذلك تنظف ما تبقى من أدران في مؤسساتها المالية، وفي الوقت نفسه، تنقذ أموال شعوب، لا تعرف إذا ما كانت ستعثر على خبزها في اليوم التالي.

الخميس، 12 ديسمبر، 2013

التعصب القومي يضر باقتصاد أوروبا

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






«مع انكماش التوقعات والآمال، كل إنسان يشعر بأنه ضحية، ويقوم بالتضييق على الأجانب للدفاع عن مربعه»
أوسكار هاندلين - مؤرخ أمريكي




كتب: محمد كركوتــــي

العثور على مسؤول غربي، وتحديداً أوروبي، يتحدث صراحة عن أهمية المهاجرين الأجانب بالنسبة لبلاده واقتصادها، أمر أقرب إلى المعجزة. ورغم معرفتهم بهذه الأهمية حقاً، إلا أنهم لا يجرؤون عادة على الإفصاح عنها، والسبب هو نفسه دائماً.. الانتخابات. وفي هذه الأخيرة، تكون دائماً المشاعر الوطنية أقوى من أي مشاعر أخرى، بما في ذلك الإنسانية منها. وفي الوقت الراهن، يعاني السياسيون الغربيون هشاشة انتخابية تاريخية. فإما أن يسيطروا على السلطة بحكومات ائتلافية متناقضة الطرفين غالباً، وإما أنهم يدخلون في دوامة الانتخابات المبكرة، التي ما إن تنتهي واحدة، حتى يجري الحديث عن أخرى! وفي أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، صار وجود حكومة قوية مُشكَّلة من حزب واحد، أو بأغلبية مريحة، حلماً سياسياً، فقد قوضت الأزمة كثيراً من التراكمات والقدرات السياسية للأحزاب الأوروبية بشكل عام. وأصبحت ''المزايدة'' المحلية العنصر الأقوى في البرامج الانتخابية.
وتتصدر الأحزاب المحافظة اليمينية مشهد ''الصمت'' عن فاعلية وأهمية المهاجرين في الحراك الاقتصادي العام. وسوء النية تجاه المهاجرين، هي جزء أصيل من تعاطيها معهم، طبعاً ضمن القانون. لكن الصمت انسحب ''بصورة أقل بالطبع'' حتى على الأحزاب الاشتراكية اليسارية التي اعتادت التعاطي مع هذه المسألة بانفتاح واسع. فاستحقاقات الشعبية والانتخابات تسود، وإن تعارضت مع المبادئ والقيم التي قامت عليها هذه الأحزاب. ومن هنا كان إعلان وزير الأعمال البريطاني فينس كيبل، عن أهمية الهجرة بالنسبة لبلاده، مهماً ويمكن اعتباره نقطة تحول حقيقية. قال: ''علينا أن نكون حريصين، لأن الدليل أن هجرة العمال والطلبة من خارج الاتحاد الأوروبي إلى بريطانيا، أمر مفيد للغاية للاقتصاد البريطاني''. ومضى أبعد من ذلك، عندما أشار إلى ''التأثير الخطير لقيود الهجرة على أداء الاقتصاد''. لكن مهلاً.. العجب من هذا الكلام يتقلص، لماذا؟ لأن كيبل، وإن كان وزيراً في حكومة يقودها المحافظون، إلا أنه ينتمي إلى الحزب الثاني الذي يشكل مع المحافظين الحكومة وهو حزب الديمقراطيين الأحرار. إنه حزب يختلف تماماً في رؤيته حول المهاجرين مع الحزب الآخر. ما يعزز الاختلافات داخل الحكومة الواحدة.
تحتاج أوروبا إلى المهاجرين، هذا أمر لا يجادل فيه إلا أولئك الذين لا يزالون أسرى المشاعر القومية المتهاوية. وفي هذه القارة ما يقرب من 20 مليون أجنبي، غالبيتهم يتمركزون في ألمانيا، وفرنسا وبريطانيا. والدول الثلاث هذه هي ببساطة أقوى البلدان الأوروبية اقتصادياً، ومن الطبيعي أن تكون الكثافة الأجنبية فيها أعلى من غيرها، خصوصاً تلك التي تعاني من أزمات اقتصادية لا تنتهي. وفي عام 2008 رفض رئيس الوزراء البريطاني السابق جوردون براون الدعوات إلى وضع قيود على المهاجرين سنوياً إلى بلاده، وربما كان هذا أحد أسباب -وليس السبب الوحيد- عدم فوزه في الانتخابات التي أنتجت الحكومة الائتلافية الحالية. وفي نهاية العقد الماضي، بلغت مساهمة المهاجرين في الاقتصاد البريطاني قرابة ستة مليارات جنيه استرليني. وهي نسبة كبيرة. وكان المستشار الألماني السابق جيرهارد شرويدر في مطلع العقد الماضي أكثر جرأة عندما أعلن صراحة، ضرورة فتح الأبواب أمام الهجرة. فحتى اليوم، ليس لدى ألمانيا سياسة واضحة بشأن المهاجرين، وإن كانت موجودة فيما يرتبط باللاجئين. والمصيبة، أن اثنين من كل ثلاثة ألمان يعبرون عن رأيهم بضرورة تقليص عدد الأجانب، إنها المشاعر القومية المترهلة.
وحسب الوكالة الاتحادية للعمل في ألمانيا، فقد أكدت مطلع العقد الراهن، أن البلاد بحاجة إلى مئات الآلاف من المهاجرين سنوياً، وأنها بحلول عام 2025 تحتاج إلى أكثر من 6,7 مليون مهاجر في سن العمل. وأن الوضع في ألمانيا يتطلب بصورة ملحة ما يقرب من 200 ألف مهاجر سنوياً على الأقل، لمواجهة استحقاقات العمل فيها. فأوروبا هرمت، ومحاولات رفع سن التقاعد فيها لا تزال في بدايتها. وحتى لو نجحت في ذلك، فإن الضمانات ليست متوافرة، فضلاً عن وجود اعتبارات اجتماعية، ستفرغ بصورة أو بأخرى الكثير من مخططات رفع سن التقاعد. تتناقص في أوروبا الأيدي العاملة والشباب، كما ينقصها جيل متعلم متدرب جديد، ليس متوافراً بما يسد التنمية في الوقت الراهن والحراك الاقتصادي العام. ولهذا السبب، تسعى الكثير من المؤسسات الأوروبية إلى تقديم إغراءات متنوعة للطلاب الأجانب فيها للبقاء والعمل. وهي بذلك، تضرب بصورة مباشرة معاول التنمية في البلدان الأصلية لهؤلاء الطلاب.
لا يمكن للقارة الأوروبية العجوز أن تحل مشاكلها الخاصة بالعمالة، إلا إذا كرست الثقافة الوطنية المنفتحة تماماً في كل بلدانها. وهذا أمر لن يكون سهلاً بأي حال. فبعد سنوات من انضمام دول أوروبية شرقية إلى الاتحاد الأوروبي، لم تسد النقص في العمالة في الدول الأوروبية الكبرى. وحتى بعد أن تمنح التسهيلات الجديدة للمهاجرين من خارج الاتحاد، عليها واجب أخلاقي، يتمثل في تعويض البلدان التي يأتي منها المهاجرون، بما يكفل الحد المطلوب لتنمية تحتاج إليها.. وتحتاج إليها جداً.
 
 
 
 

الخميس، 5 ديسمبر، 2013

مع الثورات ومع الأموال المنهوبة أيضاً

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

 
 
 
 
«اللص الذي يبتسم، يسلب شيئاً من السارق»
وليام شكسبير - أديب إنجليزي




كتب: محمد كركوتـــي

سيكون الصمت على الأموال المنهوبة مصيبة أخرى على الشعوب التي نُهبت منها، ولا سيما تلك التي تصارع الآن للوصول إلى أقرب نقطة من الاستقرار، في أسرع وقت متوافر. لا يمكن تأجيل العمل على إعادتها، ولا حتى البطء في عمليات حصرها، وإرجاعها إلى أولئك الذين سلبت منهم علانية، وعلى مدى عقود. في سورية، امتلك جمهورية واحصل على الشعب هدية! وفي ليبيا لم يبق للقذافي سوى الهواء خارج ممتلكاته! وفي مصر كان كل دولار ينفقه مبارك على البلاد، يحتفظ بـ ''فكة'' الألف! وفي تونس كان من الصعب على بن علي فتح حسابات شخصية في المصارف، فأخذ المصرف المركزي كله له! وفي اليمن، كان صالح يكنز أموال الشعب، على اعتبار أن الخراب في البلاد لم يترك مجالاً للإنفاق! هذه هي الخريطة''الاقتصادية'' في سورية، وهكذا كانت في الدول التي نجحت شعوبها في خلع أنظمتها المريعة.
لندع منتدى إعادة الأموال المنهوبة من ''دول الربيع'' يناقش ويبحث. إنه لا يزال في طور تشكيل اللجان! وفي مرحلة استيعاب القوانين والإجراءات في البلدان التي ''حطت'' فيها هذه الأموال، والتي لا تزال تستقطب المزيد منها. ولنضع جانباً بيانات التنديد والتهديد الصادرة عن عدد من دول المنتدى المذكور. هناك دول عربية (بينها خليجية) تستحوذ على كميات هائلة من الأموال المنهوبة. هذه حقيقة أكدها في أكثر من مناسبة علي المري المحامي الخاص للأمم المتحدة المكلف بملف استرداد الأموال المنهوبة. ولكن مهلاً، هذه الدول لم تكن مع الأنظمة المخلوعة ولا مع نظام سفاح سورية بشار الأسد السائر إلى الخلع، إنها ''مؤيدة'' للثورات، ولـ''حقوق'' الشعوب التي قامت بها من أجل عيش كريم، وعدالة مستحقة. والدول العربية هذه، كانت تكدس للناهبين هذه الأموال، حتى قبل أن تندلع الثورات.
ليست مفارقة، أن الثورات رفعت من وتيرة تهريب الأموال المنهوبة، إلى بعض الدول العربية. وهنا تتضح الصورة أكثر. فهذه الدول دعمت الثورات المشروعة لأنها تولد لها أموالاً غير مشروعة، عن طريق تهريبها كلها قبل سقوط الأنظمة الناهبة لها. ولا مانع من رفع أعلام الثورات، طالما أنها تغطي عمليات تمرير الأموال وناهبيها أيضاً. لا يهم ما يقوله المسؤولون عن ملف الأموال المنهوبة، طالما غاب الضغط عن الدول الحاضنة للأموال القذرة، ولا توجد مؤشرات تدل على أن توجهاً ضاغطاً سينطلق في هذا الاتجاه. إنها أموال تغني أصحابها الحقيقيين الشرعيين عن أي مساعدات أو معونات عربية ودولية، وقادرة على توفير السند اللازم لهذه الدول في مرحلة التحول والانتقال إلى حالة الاستقرار المنشود. وبعض الذين يقفون مع الثورات واستحقاقاتها ويكدسون أموالاً منهوبة، مثل اللص ''الجميل'' الذي لو أمِنت له، سيأخذ ما يمكنه من أسنانك في أول قبلة.
هذه الأموال ليست مكدسة في خزائن أو ''تحت البلاطة''.. تجري على مدار الساعة عمليات تبييض لها في الدول الحاضنة. وهناك أشكال في غسلها، بعضها بات معروفاً، وبعضها الآخر متجدد، يصعب حتى على الدوائر المختصة بمكافحة غسل الأموال اكتشافها بالسرعة التي تضمن ضبطها. وليس سراً أن مسؤولين كبارا في الدول المعنية، يتابعون مباشرة حال هذه الأموال. فهذا الحجم من المال لا يمكن أن يدخل البلاد عن طريق مهربين أفراد أو حتى عصابات منظمة على مدى سنوات، دون معرفة السلطات نفسها. وبالتالي لا يمكن لأي مسؤول في هذه البلدان أن يدعي عدم معرفته بوجود الأموال المسلوبة. لا شك في أنهم يريدون الاستفادة منها لأطول فترة ممكنة، وهذا ما ينبغي أن يدفع الدول المؤثرة للعمل السريع من أجل وضع حد لامتصاص أموال شعوب ظُلمت وسُرقت عدة مرات. وهي في الواقع تُنهب من الخارج أيضاً. يقول المحامي الخاص للأمم المتحدة علي المري ''إن أكره شيء على المسؤولين في الدول المعنية، الحديث عن الأموال المنهوبة''.
ربما نفهم التعقيدات الإجرائية والقانونية في الدول غير العربية في مجال إعادة الأموال المسلوبة. وهي تقوم حالياً بإعادة النظر في كل هذه القوانين. لكن في الدول العربية المخزنة لهذه الأموال، الأمر مختلف، كما أن اقتصاداتها ليست متشعبة بصورة يصعب العثور فيها على الأموال المستهدفة. وإذا ما أراد المسؤولون التعاون في هذا المجال، فإنهم يستطيعون إنهاء الأمر في أيام. لكن المصيبة أن أموال الشعوب المنهوبة، دخلت بالفعل في صلب الحراك الاقتصادي، ولعبت دوراً في سند الاقتصاد، مع ضرورة الإشارة إلى أن أي تعاون مع منتدى إعادة الأموال الدولي، سيجلب معه سلسلة لا تنتهي من الفضائح. إنها معضلة، غير أن استحقاقاتها لن تمضي أدراجها هكذا. هناك الكثير من المخارج يمكن استخدامها، ويمكن احتواء ما أمكن من الآثار السلبية على الدول الحاضنة للمال القذر، لكن الأمر برمته يتطلب قراراً سياسياً على أعلى المستويات. إن البيانات المؤيدة للثورات والتحولات في ''دول الربيع''، باتت قيمتها، كقيمة بيانات سفاح سورية المؤيدة لحقوق الإنسان.






 

بطالة ثورات الربيع

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«أنت تقتلني عندما تسلبني وسيلة العيش»
وليام شكسبير ـــ أديب إنجليزي




كتب: محمد كركوتـــــي

يقولون، إن ربيعاً عربياً جديداً سيندلع في دول الربيع نفسها، منفجراً من شرارة البطالة فيها. وإذا كان الظلم ومعه الاستبداد والطغيان، شكل ''مصنع'' متفجرات ''الربيع''، فإن المتعطلين عن العمل سيكونون ''المصنع'' الجديد. ورغم أن البطالة تبقى محورية ''إلى جانب غيرها من المحاور'' لثورة، أو تمرد، أو احتجاج شعبي واسع، إلا أن ''الربيع'' في دول الربيع لم ينته ليبدأ غيره. والآثار السلبية له، تدخل ضمن نطاق استحقاقاته الطبيعية. فالتغيير مثل العلاج، مزعج بلا شك، لكنه حتمي بطبيعته، وضروري بناتجه، ومحوري بدوره. دون أن ننسى، أن مستويات البطالة كانت في أسوأ حالاتها، تحت حكم الأنظمة المخلوعة. صحيح أنها زادت سوءاً بعدها، لكن الصحيح أيضاً، أن العوامل التي سبقت الثورات، عمقت الآثار السلبية في فترة التغيير. فالقضية لا ترتبط ببطالة أقل، بل بوجودها الظالم في ظل أنظمة سرقت ما تستطيع من مقدرات شعوبها.
لا يمكن بأي حال من الأحوال تطبيق مقاييس البطالة في الدول الراشدة، على تلك التي تعيش حتمية التغيير. ومع ذلك، حتى في دول كإسبانيا واليونان وإيطاليا وغيرها، تأتي قضية البطالة في البند الثاني، لأن البند الأول لا مجال للالتفاف حوله، وهو ببساطة إنقاذ الاقتصاد أولاً، ودون هذا الإنقاذ، يستحيل تشغيل العاطلين، أو إدخال جدد إلى مؤسسات العمل، أو حتى تشغيل من هم في العمل فعلاً. واقتصادات دول الربيع العربي، تحتاج في الواقع إلى إعادة بناء وصياغة جديدة، أي أنها أسوأ من أن تخضع للإصلاحات، تماماً مثل الأنظمة التي شكلتها. الثورة على هذه الأنظمة، أتت من فرط اضمحلال قابليتها للإصلاح. والحكومات السيئة، تنتج بالضرورة اقتصادات سيئة، إلى جانب إنتاجها التلقائي ثقافة سيئة، وسياسة سيئة، وسمعة سيئة. تكفي الإشارة هنا، إلى إجماع المشرفين على ما يعرف بـهيئة ''إعادة الأموال المنهوبة من دول الربيع العربي''، على أن هذه الدول ليست في حاجة إلى أي مساعدات أو معونات، إذا ما استرجعت بالفعل أموالها المنهوبة.
في مصر ''حسب البيانات الرسمية والدولية''، ارتفع معدل البطالة في نهاية الربع الأول من العام الجاري، إلى 13,2 في المائة، وفي تونس إلى 16,5 في المائة، وفي ليبيا إلى 15 في المائة، وقفز في اليمن إلى 40 في المائة. ومقارنة بحالة التشكيل الاقتصادي في هذه البلدان، فإن النسب المشار إليها ''باستثناء اليمن المُنتج الأكبر للبطالة'' ليست عالية. وفي أغلبية دول العالم العربي، هناك مصيبة تشغيلية لم تصب أياً من البلدان غير العربية الأخرى. فهي الوحيدة التي يرتفع فيها عدد المتعطلين عن العمل من المتعلمين، بينما ترتفع معدلات التشغيل عند الأميين! فلا غرابة إذن، من ارتفاع عدد المتعطلين الخريجين، خصوصاً ''مرة أخرى'' في مرحلة التشكيل الاقتصادي. في هذه الدول ''كن أمياً تجد عملاً أسرع''، و''إن كنت متعلماً نتصل بك في السنوات الطويلة المقبلة''!
ستستغرق عودة التشغيل في دول الربيع العربي إلى مستوياته السابقة وقتاً، وسيأخذ وقتاً إضافياً آخر من أجل الوصول به إلى مستويات معقولة، تحاكي ما سيتم إنجازه على الساحة. وما سينجز مرتبط بالتأكيد بالاستقرار السياسي المنشود، إضافة طبعاً إلى جهود دول النيات الحسنة، التي توفر الاستثمارات والمساعدات الاستراتيجية لا التمويلية فقط. والنيات الحسنة هنا، تتعلق بعدم تسييس هذه المساعدات، كما أن من مصلحة الدول التي تشهد التغييرات الحتمية، أن تُدخل في تشكليها الاقتصادي الجديد مفهوم المساعدات التنموية لا الاستهلاكية. والمال الاستهلاكي يتحول في كثير من الأحيان إلى أعباء تبقى ملازمة للوضع الاقتصادي لسنوات، بل في أحيان كثيرة إلى الأبد. إن العالم العربي كله، يحتاج إلى 100 مليون وظيفة بحلول عام 2025، حسب تقديرات البنك الدولي. مع الإشارة إلى أن النسبة الكلية للبطالة تراوح بين 25 و30 في المائة، بينما لا تتعدى عالمياً 6 في المائة. ومنظمة العمل العربية تقدر عدد العاطلين في كل الدول العربية بـ 25 مليون نسمة، من إجمالي قوى عاملة تبلغ 120 مليون نسمة.
إن دول الربيع العربي جزء من المشهد البائس هذا، صحيح أنها الأكثر تفاعلاً في الوقت الراهن، إلا أن الخريطة العامة سيئة أصلاً. هناك بطالة أحدثتها الثورات العربية، هذا لا شك فيه، وهناك اضطرابات تتفاعل فيها، وهناك ''ألاعيب'' سياسية تستهدفها، وهناك نيات أكثر سوءاً من الأوضاع الاقتصادية تجاهها. والاستقرار ليس مطلوباً لهذه الدول، بل لدول المنطقة كلها دون استثناء، والمائة مليون وظيفة التي تحدث عنها البنك الدولي، ليست خاصة بخمس دول تشهد استحقاقات الثورات والتغيير، بل تشمل الكل. لا شك في أن تغييرات ''دول الربيع'' سوف تُستكمل بأضرارها الطبيعية ومكاسبها الحتمية. وكلما كانت هناك نيات وطنية لا سياسية سائدة، كانت مدة التشكيل الاقتصادي الجديد أقصر، وكلما تأطرت النيات العربية الصادقة ''وهي متوافرة'' بحاضن استراتيجي، تغيرت حالة البطالة إلى الأفضل، بل حالة التشغيل المضطربة إلى اتجاه بعيد عن سراديب السياسة، وآثام النيات السيئة.

الأسد .. النهب بالعقوبات أيضاً

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")
 
 
 
 
 
 
«السارق الأكبر يقود مسيرة السارقين الصغار»
ديوجين سينوب فيلسوف إغريقي
 
 
 
 
 
كتب: محمد كركوتــــي
 
السلاح الكيماوي الذي يمتلكه سفاح سورية بشار الأسد أنقذه! وفق اعتبارات ومفاهيم إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وهي تقوم على مبدأ بهذا الشكل ''اقتل بالكيماوي، ليس مهمًّا. المهم أن تسلمنا إياه''. فالجريمة ليست محل مُساءلة، إذا ما سلَّم المجرم سلاحه! وقد فعل الأسد ذلك. لا معنى للضوابط الإنسانية بهذا الصدد، ولتستقر الاتفاقيات والمعاهدات الدولية في الأدراج. مفاتيحها ''مفقودة''، ولن يتم ''العثور''عليها، قبل خروج أوباما من البيت الأبيض إلى الأبد. إنه يخفيها، ولكن دون أن يمسها! غير أن الأمر لا يقف عند غفران فظاعة الأسد الكيماوية، إنه يشمل هدايا غربية لهذا الأخير، دون أن يعترف مقدمو الهدايا بها. الدول الغربية التي أربكها الموقف الأمريكي من ثورة الشعب السوري، تخطت ارتباكاتها بسرعة مذهلة، واندمجت في''مهرجان الهدايا''! مهلًا.. لا علاقة لاقتراب موسم أعياد الميلاد ورأس السنة بالأمر. فهدايا الأطفال، ليست كهدايا السفاح.
الولايات المتحدة ومعها ملحقاتها الغربية، أطلقت الشركات والمؤسسات والمصدرين والسماسرة، لعقد صفقات غذائية مع الأسد وعصاباته. والحجة، أن الشعب السوري يواجه شُحًّا غذائيًّا إلى درجة الحرمان، وأنه ينبغي تأمين المواد الاستهلاكية الرئيسة. وفي كل الأحوال، لا تشمل العقوبات الغربية المفروضة على الأسد وأتباعه، توريد المواد الغذائية والمحروقات وغيرها من المواد الأساسية. وما قامت به هذه الدول، أنها أفرجت عن حسابات مصرفية منهوبة في غالبيتها من الشعب السوري نفسه، لتسديد ثمن الصفقات التي تُعقد مع عدد من الدول القادرة على توفير الإمدادات الغذائية المطلوبة. حتى الآن، لا يوجد في الأمر شيء. من حق الفرد السوري الذي يُقتل أن يتناول الشاي بالسكر المستورد قبل مقتله، ولا بأس من رغيف بدقيق مستورد، وطبق أرز مستورد أيضًا.. وهكذا! فالولايات المتحدة وملحقاتها، لا يقبلون الجوع للشعب السوري، وإن قبلوا بمقتله!
أين المصيبة إذن؟ يقوم الأسد وعصاباته مباشرة بإبرام عقود التمويل الغذائي لسورية، ولا يوجد فرد من هؤلاء، خارج قوائم الحظر التي أعلنتها الدول الغربية كلها، على مدار عامين، ومنعت التعامل معهم. وهذه الدول تعرف بأمر هذه الصفقات، التي وفرت مزيدًا من الأموال المنهوبة للأسد وعصابته، الذين أخذوا يحققون المكاسب المالية الكبيرة، مستغلين الإفراج عن حسابات مصرفية، هي في الواقع مجمدة؛ لأن كل ما فيها من أرصدة منهوبه. وهؤلاء في الواقع، لم يستعيدوا الأموال فحسب، بل يقومون بتشغيلها! صحيح أن جزءًا من المواد الغذائية التي تصل إلى سورية تذهب إلى عدة شرائح من الشعب السوري، في إطار تعزيز ولائها للأسد، لكن الصحيح أيضًا، أنها استعادت جزءًا من الأموال التي يفترض أنها للشعب السوري. وهي بذلك سرقت أموال هذا الشعب مرتين. دون أن تصل المواد الغذائية التي يتباكى عليها الغرب، إلى كل مستحقيها!
إن الأمر برمته لا يتطلب جهود الاستخبارات الغربية كلها أو حتى واحدة منها، لمعرفة حقيقة ما يجري، ليس فقط من تربح أفراد تتصدر أسماؤهم قوائم الحظر الغربي، ولا عدم وصول الإمدادات الغذائية إلى مستحقيها، بل أيضًا السرقة المنظمة لهذه الإمدادات. لماذا؟ لأن موظفي الأمم المتحدة الذين يشرفون على شحنات الإغاثة لسورية، أكدوا في تقارير رسمية رُفعت للأمين العام نفسه بان كي مون، بأن إمدادات الإغاثة تُباع على أرصفة الشوارع من قبل عصابات الأسد، وأن هذه العصابات لم تهتم حتى برفع شعار المنظمة الدولية عن المواد المبيعة! ليس غريبًا أن ينهب الأسد وأتباعه شحنات الإغاثة، فقد نهب مع والده البلاد كلها على مدى أكثر من أربعة عقود، الغريب أن الدول الغربية التي أطلقت الأموال لتجري في أيدي هؤلاء، لم تكلف نفسها، ولو بتصريح رسمي يتيم، يفضح (ولا أقول يمنع) ما يجري. فالمعلومات التي وصلت إليها، لم تأت من المعارضة، أو من حكومات مناوئة للأسد، بل من موظفين تابعين للأمم المتحدة نفسها! لا شك أن الغرب مشغول بتفكيك أسلحة الأسد الكيماوية، ولا وقت لديه لأمور ''تافهة'' مثل بيع كيس من السكر على رصيف دمشقي.
لقد ظهرت على السطح- كما تجمع من معلومات- شبكة تجارية سرية، صحيح أنها تستخدم– كعادتها- أسماء مختلفة وجهات جديدة، لكن من السهل تحديدها؛ لأن تتعاطى مع جهات في الخارج، يمكن منعها من قبل الحكومات الغربية - إذا ما رغبت - من التعاطي مع هذه الشبكة الدنيئة، التي تسرق المسروقات عدة مرات! الأسماء هي.. هي، رامي مخلوف، أيمن جابر، عبد القادر صبرا، وعدد من اللبنانيين والعراقيين والإيرانيين، كلهم موضوعون على قوائم الحظر الغربية، لقد عادوا إلى الواجهة. ولا غرابة في أن يبتكر باراك أوباما الفَرِح بكيماوي الأسد، تبريرًا يتلخص في أن حاجة توفير الغذاء في سورية تبيح التجاوزات! بل ربما سيطلب من أحد معاونيه أن يؤكد أنه لا مناص من التعامل مع هذه العصابة الإجرامية التي توفر الغذاء! إنها الصيغة الرهيبة نفسها. لا بأس من ضرب المدنيين السوريين بالكيماوي، طالما أننا سنتسلم السلاح بعد ذلك!
 

الثلاثاء، 19 نوفمبر، 2013

"المهدي" الأمريكي لتخفيف العقوبات عن إيران

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«قلت أكثر من مرة، إن إيران دولة راعية للإرهاب»
تشاك هاجل وزير الدفاع الأمريكي



كتب: محمد كركوتـــي

يفكر الرئيس الأمريكي باراك أوباما جدياً في تخفيف العقوبات المفروضة على إيران. فالرجل ابتكر سياسة جديدة في هذا العالم، لا دخل لها بالسيادة والإرادة، وحتى بالمصلحة العليا، وهي ''سياسة التسليم''، وهو يعيش وهماً بأن ''التسليم'' سيحقق الأهداف بلا خسائر، أو بأقلها! وهذه السياسة، تصيب حلفاءه بغصات متجددة، وبارتباك سياسي لم يعد خافياً، ومخاطر نالت من كل القضايا المطروحة، وتلقفت ناتجها وتنعمت به أنظمة مارقة في سورية والعراق وإسرائيل وروسيا.. وبالطبع إيران. هذه السياسة، منحت المسؤولين المارقين في هذه الدول، ما لا يحلمون به، في مواجهتهم للمجتمع الدولي. تكفي الإشارة هنا، إلى أن أوباما سلم زمام المبادرة لـ ''أزعر'' روسيا فلاديمير بوتين، الذي اقتنع (قبل مجيء أوباما إلى الحكم)، بأن العالم لن يتعاطى معه إلا كقاطع طريق، أو في أفضل الأحوال، زعيما لمافيا منظمة بدقة. الكبير على الساحة الدولية حالياً، ليس سوى بوتين! وهذا الأخير (وغيره من المارقين الآخرين) سينعم بذلك، طالما بقي أوباما في البيت الأبيض.
الرئيس الأمريكي يريد تخفيف العقوبات عن إيران، لكنه يخشى مَنْ؟ الكونجرس الأمريكي، الذي يعيش حالة مع إدارة الرئيس، مشابهة لحالة حلفاء الولايات المتحدة. الفارق بين الحلفاء والكونجرس، أن الأخير يمكنه أن يعرقل (وأحياناً يعطل) سياسة التسليم ''الأوبامية''، بينما لا يمكن للآخرين ذلك، ويمكن أن يلوح بالعصا، ويضع العقبات اللازمة في قضايا أخرى داخلية، مثل مسألة رفع سقف الدين، التي تحولت إلى مسلسل اقتصادي ''درامي'' متعدد الحلقات. أوباما يريد التخفيف (وإن وصفه بأنه سيكون طفيفاً جداً)، وإيران تتمناه حتى ولو كانت صوتياً فقط. إن مجرد الحديث عن تخفيف العقوبات، يعطي نظام الملالي الإيراني جرعة يحتاج إليها، خصوصاً أن الطرف المانح هو الولايات المتحدة نفسها، وعلي خامنئي المنتظِر لعودة المهدي الضائع، يعرف أن المهدي نفسه لا يستطيع أن يوفر فرصة كهذه. إن أوباما يقوم في المقابل (عند خامنئي) بواجبات المهدي.
في آب (أغسطس) الماضي، كانت آخر عقوبات أمريكية تُفرض على إيران، وكانت شديدة أيضاً. وقبل نهاية العام الجاري، قد نرى أول تخفيف لهذه العقوبات، ولن تخرج ''عطايا'' أوباما عن سياسة التسليم، التي اضطرته إلى إطلاق وزير خارجيته جون كيري، لكي ينشر ''طمأنينة صوتية'' في المنطقة! ولأنها كذلك، فقد ذهبت مع صداها. لا يمكن القيام بفك جزئي للحصار الاقتصادي المفروض على إيران، قبل أن يحصل المجتمع الدولي على ضمانات من نظام الملالي. لكن حتى هذه النقطة تمثل معضلة، لأن أحداً لا يمكنه في الواقع القبول بضمانات نظام لا يمارس إلا التقية في كل شيء، فكيف الحال ببرنامجه النووي الخطير الذي يشكل تهديداً مسلطاً على المنطقة والعالم. المصيبة أن سياسة أوباما تجنح إلى القبول، ومن الواضح أن المعارضين لهذه السياسة ضمن فريقه، لا يملكون الأدوات اللازمة لردعه. لقد فشلوا معه في الكارثة السورية ولا يزالون، وكذلك الأمر بقضايا تخص الشعب الفلسطيني، وحتى طبيعة العلاقة مع حكومة المالكي الإيرانية في العراق.
لا شك في أن العقوبات التي فُرضت على إيران تساهم بصورة مباشرة (قدر الإمكان) في كبح جماح نظام علي خامنئي. ومع ذلك، فإيران تحتل الآن بصورة أو بأخرى سورية العربية، وتمتلك القرار العراقي، وعصاباتها منتشرة في كل الأجواء، وفي مقدمتها عصابات حزب الله اللبناني. وعلينا أن نتصور تخفيفاً (مهما كان طفيفاً) للعقوبات المفروضة عليها، وناتجه التخريبي الحتمي. لقد قلصت العقوبات الإنتاج النفطي الإيراني إلى النصف، ولو كانت عوائد الإنتاج الكامل حاضرة، لوجدنا خراباً أكبر، ومخاطر أقوى. من فرط قباحة هذا الزمن السياسي، أن المرء مضطر للموافقة على ما يقوله، من؟ بنيامين نتنياهو، الذي قال ''الاتفاق مع إيران يتجه لأن يكون خطأ تاريخياً''. والسبب أن في البيت الأبيض رئيس مستعد لمنح الثقة للشيطان، طالما أن ذلك يعفيه من القيام بدوره كرئيس لدولة محورية في العالم، مطالَبة بالوقوف الصارم في وجه أعداء المجتمع الدولي.
هناك مشاريع عديدة وكبيرة تنتظر إيران لإطلاقها، أو إطلاق شيء منها، في أول فرصة تتنفس فيها اقتصادياً. وناتج هذه المشاريع لن يذهب إلى التنمية التي تحتاج إليها البلاد، بل إلى الإنفاق على سياسة الخراب الإيرانية. في عز الحصار خصص خامنئي المليارات لنظام سفاح سورية بشار الأسد، وهو لا يزال يمده بشريان الحياة، دون أن ننسى التهديد الإيراني المستمر لدول المنطقة، وفي مقدمتها الخليجية منها. لقد قلب الرئيس الأمريكي المعادلة، فبدلاً من أن ينتظر الجانب الإيراني إشارة أمريكية للتمسك بها، أخذت الولايات المتحدة دور المنتظِر، لتتلقف الإشارات من إيران! وأوباما المنتظِر أفضل كثيراً لإيران من مهدي منتظَر لن يظهر في يوم من الأيام. لقد انتظر الإيرانيون المهدي من الشرق، إنهم الآن مذهولون. لقد أتاهم من جهة الغرب!

أموال منهوبة من شعوب منكوبة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







«القانون الأول عند اللصوص، أن شيئاً لا يصغر على السرقة»
جيمس بريسلين صحافي ومؤلف أمريكي



كتب: محمد كركوتـــي

الذي يتابع أعمال المنتدى العربي الثاني (في مراكش) لاسترداد الأموال المنهوبة، ويهتم بالتصريحات والمواقف التي أُطلقت وأُعلنت من جانب ممثلي الدول المشاركة، يعتقد للوهلة الأولى، أن الأموال التي نُهبت من الشعوب العربية، ستعود إليها في غضون أيام، بل إن الأمر لا يحتاج حتى لمنتدى أو اجتماع أو مؤتمر! ممثلو الدول الغربية، كانوا ''ثوريين'' في تصريحاتهم، بمن فيهم المتحدثة باسم الحكومة البريطانية لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا روزماري ديفيس التي كشفت عن وجود توجه دولي، يهدف إلى استرداد الأموال المنهوبة، من دول ما بات يعرف بـ ''الربيع العربي''، وذلك لمساعدة اقتصادات مصر وتونس وليبيا. ومضت أبعد من ذلك، بقولها: ''إن المجتمع الدولي وافق على تحمل مسؤولياته في مساعدة الشعوب العربية، التي شهدت ثورات وتمر بمرحلة انتقالية على استرداد أموالها المنهوبة''.
لكن ببساطة، الأمر ليس كذلك. لا تزال هناك الكثير من التغييرات التي ينبغي على الدول الغربية القيام بها، تتعلق بالأنظمة الإجرائية والقضائية، وطبيعة ملاحقة هذه الأموال التي لا تزال تمثل نزيفاً لشعوب تحتاجها من أجل أن تعيش، لا لتخزنها، أو تجمعها في حسابات لجني فوائدها. أما لماذا الدول الغربية؟ فلأنها تستحوذ بالفعل على أكبر قدر من هذه الأموال المشينة. في حين لا يمكن تبرئة بعض الدول الخليجية، لتوفيرها ملاذات آمنة لأموال تنتشر روائحها القذرة في كل الأجواء. والدول الخليجية هذه، أشار إليها دون تسميتها علي المري المحامي الخاص للأمم المتحدة المكلف بملف استرداد الأموال المنهوبة. ''البطولات'' في التصريحات الغربية وبعض العربية، التي تضمنت التزاماً بإعادة هذه الأموال، لا تزال صوتية. ويبدو أن الغربيين أُصيبوا بالعدوى من العرب في المجال الصوتي.
فرغم هذا الالتزام، والاجتماعات التي تمت منذ إطلاق المنتدى العربي لاسترداد الأموال قبل أكثر من عام، و''التعهدات'' المنطلقة دون توقف، لم يُرَد إلى الشعوب العربية المعنية سوى 100 مليون دولار أمريكي من أموالها المنهوبة! فهل عجزت الاستخبارات في هذه البلدان عن تعقب الأموال في مصارفها وعقاراتها ومؤسساتها؟! إن الأمر برمته ليس بهذه الصعوبة، خصوصاً في بلدان باتت أنظمتها المالية محكمة بصورة لم يسبق لها مثيل، وأصبح مجرد فتح حساب شخصي في مصرف ما، عملية مضنية، لا تنجح في بعض الأحيان. غالبية الأموال المنهوبة، وصلت إلى البلدان الغربية (وبعض الخليجية)، بمعرفة مباشرة من المسؤولين فيها. ومن بينها بريطانيا، في عهد رئيس وزرائها الأسبق (مُسوّق الطغاة) توني بلير، إلى جانب دول وأشباه دول، مثل سويسرا ولوكسمبورج وإمارة موناكو وجمهورية التشيك وجزر كايمن وإسرائيل، وغيرها. على ديفيد كاميرون الاتصال فقط ببلير، كي يعطيه معلومات حقيقية عن مكامن هذه الأموال في قلب بريطانيا نفسها.
لا يمكن تجاهل الفوائد الناتجة عن الأموال المنهوبة في بعض الدول. وهنا المفارقة. يصعب تعقب هذه الأموال، لكن من السهل ملاحظة الفوائد الناتجة عنها! ومن المعطلات في رد الأموال إلى أصحابها، تلك القوانين التي تفرض قيوداً صعبة وجامدة، على الرغم من أنها في طبيعتها إجرائية أكثر منها تشريعية. والدول المندفعة باتجاه إعادة الأموال، ليس عليها سوى إحداث تغييرات سريعة في قواعدها الإجرائية، من أجل ردها بصورة أسرع، والاستفادة منها خصوصاً في المراحل الانتقالية التي تمر بها بلدان الربيع العربي. وإذا ما أراد الغرب إحقاق الحق في هذا المجال، يمكن أيضاً، توفير مساعدات مالية للشعوب المتضررة من عمليات النهب، وربط المساعدات (بصورة تقريبية) بما سيعاد لها من أموالها. ولكن في النهاية، تبقى عملية تسهيل إجراءات رد الأموال، أفضل بكثير من أي حلول أخرى.
غير أن هذا كله مرتبط بالجدية في تحديد حجم الأموال المنهوبة، ومكامنها. وفي بعض الحالات، مرتبط بالقدرة على الإفصاح عنها من قبل بعض الدول الحاضنة لها. دون أن ننسى، أن هناك حكومات ستتعرض لإحراج كبير (خصوصاً تلك التي تتشدق بالعدالة) إذا ما كشفت عن حجم الأموال التي تستوعبها مصارفها وأعمالها وسراديبها ومخازنها، ولا سيما تلك التي أعلنت وقوفها إلى جانب الثورات العربية. وفي كل الأحوال، الأمر بات جزءاً أصيلاً من اتفاقية الأمم المتحدة التي وقعت عليها 167 دولة، وهي مخصصة لمكافحة الفساد، كما أنها ملزمة لكل الأطراف. ولعل من أهم نقاط هذه الاتفاقية، تلك التي تتعلق بالسماح بعمليات تفتيش دولية في الدول الموقعة عليها.
إن المسؤولية في هذه القضية، أخلاقية أولاً وأخيراً، لأنها خاصة بحياة ومستقبل شعوب تعرضت لنهب لا حدود له، على مدى عقود، إلى جانب تعرض كرامتها للاغتصاب المتكرر. وإذا كانت هناك بعض الحكومات المُخزِّنة للأموال المنهوبة، لا تهتم بالجانب الأخلاقي، فمن واجب الحكومات التي تدعي الأخلاق، أن تتحرك الآن .. وليس غداً.

الثلاثاء، 29 أكتوبر، 2013

التجسس الاقتصادي في سياق التجسس على ميركل والملا عمر

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







«مهما كانت طريقة تفسيري لهذا الأمر. كنت في النهاية جاسوسة، ولست فخورة بذلك»
كريستين كيلير الجاسوسة البريطانية الشهيرة

كتب: محمد كركوتــــي
 
في ستينيات القرن الماضي، وجدت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية نفسها لفترة قصيرة جداً في حالة ركود! رغم اشتعال الحرب الباردة آنذاك. ربما لأن المحاربين كانوا يستريحون قليلاً. ماذا فعلت الوكالة، خوفاً من ''تكلس'' عظام عملائها؟ تجسست (للتسخين) على الممثلة إليزابث تيلور وزوجها الممثل ريتشارد بيرتون في ليلة دخلتهما! الدول تتجسس على بعضها، هذه حقيقة، ولكن تجسس الولايات المتحدة يبقى من نوع آخر، هدفه تعرية الهدف من آخر قطعة ممكنة، ولا يهم إن كان صديقاً أم عدواً أم عابر سبيل. والشعار هو نفسه، ذاك الذي يجلب الغثيان ''حماية الحرية''. ولهذا قال السياسي الكندي الراحل تومي دوجلاس: ''إن حماية الحرية لا يمكن أن تتحقق عبر التجسس''. وهو أراد أن يسهم في فضح هذا الشعار، ومعه ''الهتاف'' المصاحب له دائماً، وهو''حماية الأمن القومي''! ولكن ما دخل ''الأمن القومي'' بدخلة تيلور وبيرتون، وبأغنيات جون لينون، وبوب ديلان، ونكات الكوميدي الأمريكي ليني بروس، وغيرهم ممن كانوا أهدافاً ''استراتيجية'' للجاسوسية الأمريكية؟!
التجسس في الولايات المتحدة مَرَضي، آت من داء الخوف الذي حقنت به نفسها منذ تأسيسها، ولا توجد مؤشرات لدواء يشفيها منه. فهي تتجسس على الأصدقاء في طريقها التجسسي على الأعداء. لا فرق هنا بين هاتف أنجيلا ميركل، والـ ''توكي وكي'' الملا عمر، أو أيمن الظواهري. أو إيميل أبوحمزة المصري ونيكولا ساركوزي، أو رئيسة البرازيل ديلما روسيف. الجميع أهداف ''مشروعة'' للتجسس. والأمر يكلف فقط اعتذاراً للأصدقاء، أو نفياً يعرف الأمريكيون أنه سيُرمى في أول صندوق قمامة. إنهم يتجسسون على كل شيء. من تنهدات تيلور ونكات ليني بروس، إلى مخططات العمليات الإرهابية، مروراً بكل حراك، سياسي واقتصادي وعسكري. لا فائدة من اتصال ميركل الغاضب مع باراك أوباما، الذي نفى (كالعادة) التهمة رغم أنه يحمل سلاح الجريمة! كما يجب على المستشارة الألمانية، أن تلتفت لشؤونها المحلية، بدلاً من الانشغال بطرح مشروع قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة، يطالب بوضع نهاية لعمليات التجسس المكثفة، وانتهاك الحياة الشخصية. هذا القرار لن يمر، حتى لو دعمته دولة كفرنسا.
يقول كاتب روايات الجاسوسية الشهير جون لو كارييه: ''السؤال القديم يبقى: من يستطيع التجسس على الجواسيس''؟! سيبقى هذا السؤال بلا جواب. في العمل السري، تكون الأجوبة هي الأسئلة! الولايات المتحدة تتجسس (من ضمن ما تتجسس) صناعياً وتجارياً واستثمارياً ونفطياً. وإذا كان لدى دول مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا والصين واليابان وغيرها، ما تخشى عليه من التجسس، فلا ضير من هذا النوع من التجسس على دول لا تملك شيئاً. وعندما لا تملك شيئاً، لا تخسر شيئاً. و''قطاع'' التجسس مثل قطاعات المحامين، لا يزدهر إلا في الأزمات. ولكن مهلاً، قفزت الولايات المتحدة على هذا الثابت، لتتجسس في كل الأوقات، وفي كل الأماكن، وعلى كل الشخصيات. فهي تتجسس على الصين اقتصادياً، وتنشر عيون عملائها على الدول الصديقة. من هذه الدول بريطانيا نفسها، التي ظلت صامتة (رسمياً) إلى حد الغيظ من فضائح التجسس الأمريكية. وربما هذا الصمت ينبع، من أن واشنطن لا تحتاج للتجسس على لندن، لأن الأخيرة تقوم بالمهمة نيابة عنها!
في السنوات القليلة الماضية ارتفعت وتيرة التجسس الاقتصادي بمفهومه العام، وهو متبادل بين الدول المتنافسة. وتفيد الوثائق الأمريكية التي نشرت حتى الآن، أن هذا النوع من التجسس وصل إلى أعلى مستوى له. ويأخذ (كما العادة في الحالة الأمريكية) الشكل الأكثر ''إبداعاً''. فقد شمل التجسس الأمريكي الصناعات والطاقة والعلاقات التجارية، وحتى البحوث الأكاديمية، والوثائق والأوراق الخاصة بالتنمية، وحراك الأسواق المالية، فضلاً عن الاستثمارات الخاصة المتعلقة بالأفراد، وتلك التابعة للحكومات. وهذا التجسس يتم بالطبع عبر مختلف الوسائل، الشخصية والإلكترونية، وما يعرف بالطرف الثاني والثالث. والخسائر المادية الناجمة عن التجسس كبيرة، لكن الخسائر المعنوية تبقى أكبر، خصوصاً من جانب الأصدقاء لا الأعداء. إن وباء التجسس الأمريكي بلغ حداً، أن قامت واشنطن باستجلاب معلومات اقتصادية تجسساً، بينما يمكنها الحصول عليها بصورة معلنة ورسمية!
يبقى الأوروبيون ''الحلفاء'' الأكثر شعوراً بالأسى من مجمل عمليات التجسس الأمريكية عليهم. البعض منهم اعتبر الأمر خيانة بكل معناها، والبعض الآخر فضل الصمت المُعبر، وآخرون التزموا الصمت الفاضح. أصوات كثيرة صدعت في البرلمان الأوروبي، لإرجاء مفاوضات التجارة مع الولايات المتحدة، كتعبير على امتعاض الأوروبيين من تجسس الأصدقاء عليهم. غير أن كل هذا، لن يقدم شيئاً يذكر على صعيد تغيير السلوكيات التجسسية الأمريكية. كل ما فعلته إدارة أوباما، أنها كالت الاتهامات لمن؟ للصين، بأنها أكثر الدول تجسساً على الصعيد الاقتصادي. لقد فعل الأمريكيون مثل العرب، الذين وضعوا الحق على الطليان في كل شيء! والحقيقة أن الحق كله على أخلاقيات الولايات المتحدة، التي لا تفرق من فرط خوفها المرضي المكتسب بين العدو والصديق!

الأحد، 27 أكتوبر، 2013

ورطة الفنان والإعلامي العربي في ضحالته الفكرية

(المقال خاص بمجلة "إذاعة وتلفزيون الخليج" التابعة لمجلس التعاون الخليجي)




 الجاهل يؤكد، والعالم يشكك، والعاقل يتروى

 أرسطو

كتب: محمد كركوتـــي
مع انطلاق الثورات العربية المختلفة، وقع إعلاميون وفنانون عرب في شرك استقطاب إرادي!  أي أن جهة لم تغصبهم على ذلك. وتحديداً أولئك الذين استعبذوا الوقوف إلى جانب أنظمة حكم، قدمت لشعوبها كل الآلام الممكنة  وغير الممكنة، والمعاناة المتجددة. ورغم أن هؤلاء يعتاشون على الشعبية (بصرف النظر عن مستواها، أو أحقيتهم بها)، إلا أنهم، وبكامل إرادتهم قرروا الإعلان عن معارضتهم للحراك الشعبي، الذي أنتج هذه الثورات والانتفاضات المتلاحقة. كانوا في بعض الحالات، أعنف حتى من المستوى العنفي لبعض الثورات! بعضهم اعتبر، أنها ثورات مجرمين وقطاع طرق، والبعض الآخر قدم لها توصيفات تتراوح مابين التطرف والتخلف، دون أن يعترفوا بسبب واحد مباشر، لاندلاع مثل هذه الثورات، أو بمبرر للغضب الشعبي العارم. الأمر الذي أدخلهم أوتوماتيكياً في نطاق أنظمة غير شرعية، ليس بالضروة أنهم استفادوا منها أصلاً!  هؤلاء في الواقع، غامروا بشعبية لا يمكنهم الاستغناء عنها، بتأييد أنظمة، أصبح من الضروري التخلص منها. لقد  قامروا  بأرصدتهم دون أن يكونوا مضطرين للمقامرة. وفي المقامرة (أياً كانت) لا يوجد رابح دائم.
طرح فنانو وإعلاميو الأنظمة الاستبدادية كل "ثرواتهم" في سوق متلاطمة غير واضحة، دون سبب. ماذا حدث بعد ذلك؟ أنهم أُدخلوا قوائم أطلق عليها "قوائم العار"، وهي عبارة عن لوائح متجددة، وضع معاييرها ناشطون وجهات وقفت إلى جانب الثورات، بصرف النظر عن التفاصيل. ففي زمن الثورات، تدخل الكثير من التفاصيل في سياق الترف غير المُستطاع. أو في نطاق زمن ليس أوانه. ومشكلة أولئك الذين ارتضوا الدفاع عن الظلم، أنهم استخدموا القنوات التلفزيونية منابر لهم، وفي عز زحمة التعبير عن آرائهم وموافقهم عبرها، غاب عنهم أنها (أي القنوات)، الأدوات الوحيدة لعيشهم المهني، ومعاشهم الحياتي، وبدونها سيضطرون للبحث عن وظيفة أو مهنة أخرى. استفادت القنوات التلفزيونية التي تدعي التنوع، ولا تمارسه في الواقع، من هذه الموجة الجديدة في زمن التحولات. فالمشهد يحتاج لمعارضين من هذا النوع لتحولات شعبية، ويحتاج أيضاً إلى ثوار بجانبهم. ورغم أن النتيجة محسومة شعبياً، إلا أن فنانيي وإعلاميي الأنظمة المتلاشية، قرروا المواصلة حتى النهاية. ولكن نهاية مَنْ؟ نهايتهم الشعبية.
أظهرت الثورات العربية وتداعياتها في هذا المجال مرة أخرى، مدى ضحالة الوعي الذي تتمتع به الغالبية العظمى من المشتغلين في حقل الإعلام والفن في العالم العربي. وهي ضحالة متأصلة. وهؤلاء ليسوا أفضل بالتأكيد من أولئك الذين يستيدون المشهد الرياضي مثلاً. هناك جهل تاريخي بدأ مع بداية الحراك الفني والرياضي العربي بشكل عام، أصاب النسبة الأكبر من المشتغلين المذكورين، ولا تبدو مؤشرات لنهاية له. صحيح، أن أحداً لا يتوقع إنتاجاً فكرياً بناءاً منهم، لأنهم لا يملكون لا أداواته ولا وعيه ولا حكمته. لكن الصحيح أيضاً، أن هذه الساحة لم تُنتج شريحة مقبولة ومعقولة (عدداً ونسبة)، من أولئك الذين يتمتعون بالحد الأدنى من المعرفة والثقافة والوعي، في مختلف المجالات الاجتماعية والحياتية. ويكفي متابعة مقابلة مع فنان أو إعلامي لعدة دقائق، لكي نعرف جودة ما يملك، أو لكي نحدد مستوى ضحالة ما يتمتع به! هذا الحال، تجسد بأوضح صوره في تعاطيهم مع التحولات الثورية التي تحدث في بلادهم، أو تلك التي تجري في بعض البلدان الأخرى.  
ولعل السبب الرئيسي لهذا المشهد البائس، أنهم لم يفهموا أن الفنان أو الإعلامي، ينبغي أن يكون مع الحالة الاجتماعية لا السياسية أو العسكرية. وهنا يأتي الفارق بين فنان عربي وآخر غير عربي. ليس من فرط ثقافة الأخير وضحالة ثقافة الأول، بل من جهة النضوح في فهم العلاقة بينه وبين ما يجري حوله. هناك الكثير من الغوغاء الذين يتمسكون بضرورة أن يكون الفنان والإعلامي ملتصقاً بما يجري، دون أن يعرفوا مكان "الالتصاق" وطبيعته! فالقضية عندهم.. عنوان، شعار، ركاكة فكرية، ولا شيء غير ذلك.  يستطيع أي مشتغل في هذا الحقل، أن يعلن انتمائه لأي حزب سياسي، (أو حتى مجموعة عسكرية.. إن رغب ) سوف يخسر معارضي حزبه، ويكسب المتعاطفين مع هذا الحزب. هذه مسألة بديهية، وعليه أن يقبل ويتحمل تبعات انتمائه، وينصرف للدفاع عنه. لكن الأمر يجعله طرف، في حين أنه ينبغي أن يكون لكل الأطراف. هذا إذا افترضنا أنه يتمتع أصلاً بفكر، يتيح له الانتماء السياسي الحزبي الفاعل المنظم.
الذي حدث في خضم الثورات العربية، أن هذه الشريحة وقفت مع من لا يريده الشارع، الشعب، الجماهير، وحتى طبيعة الأشياء. في حين كان عليها أن تقف إلى جانب المتضررين مباشرة من نتاج الصراع بين الشعوب والأنظمة المتلاشية. ففي حين (على سبيل المثال) وجدنا الممثلة الأميركية أنجلينا جولي، تزور مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا والأردن، الفارين من حرب إبادة تشن عليهم، تظهر الممثلة رغدة، لتطلب علناً من بشار الأسد، بأن ينهي الثورة في سوريا بأسرع وقت ممكن، حتى ولو اضطر إلى استخدام السلاح الكيماوي ضد الشعب! (لقد استخدمه بالفعل). هذه السورية، وضعت الشعب نفسه عدواً لها، بينما حددت الأميركية عوز اللاجئين العدو الوحيد، بصرف النظر عن رؤيتها للثورة. لم تهاجم الأسد ولا الثوار. بل هاجمت كل من يستطيع أن يقلل من حجم مأساة اللاجئين، ولا يقوم بذلك. لقد هاجمت حتى الدول التي تتقاعس في هذا المجال، دون أن تتورط بأي موقف سياسي يحسب عليها. هناك الكثير من النماذج العربية المشينة، بما في ذلك، من حيا دخول الدبابات إلى الجامعات، ومن برر المجازر.. إلى آخره.
إنه النضوح والوعي والحد الأدنى من الثقافة المطلوبة لأي مشتغل في الفن والإعلام. وعلى الرغم من أن الذين وقفوا إلى جانب الثورات، قدروا أنها منتصرة في النهاية، وأنهم في الواقع يدعمون بذلك شعبيتهم على المدى البعيد، وأنهم وجدوا أن الثورات حق، إلا أنهم تقاعسوا كثيراً في الجانب الإنساني الناتج. كان عليهم أن يهتموا بالطرفين. ففي الطرف الآخر، هناك متضررون مدنيون أيضاً، من صراع سيحسم في النهاية لصالح الشعوب، لكن مصير المخطئين والمعتدين من الفناين والإعلاميين على الثورات العربية كلها، حسم منذ اليوم الأول.

الأربعاء، 23 أكتوبر، 2013

الاقتصاد الأمريكي بالتقسيط

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«أحياناً.. يتعين حتى على رئيس الولايات المتحدة الوقوف عارياً».
بوب ديلان شاعر ومغن أمريكي


كتب: محمد كركوتـــي

حتى إن لم تنفذ وكالات التصنيف الائتماني العالمية، تهديدها بخفض المستوى الائتماني للولايات المتحدة، إذا لم تحل أزمة الموازنة والدين، فالتصنيف ''العالمي المعنوي'' لهذا البلد، تعرض للتخفيض بصورة تلقائية. ودعم الاقتصاد الأمريكي ''بالتقسيط''، يرفع من حد ''التخفيض المعنوي'' له. والاتفاقات المؤقتة مثل الحكومات المؤقتة، لا توفر استدامة، ولا تنشر الطمأنينة محلياً وخارجياً. لا أحد يتوقع أن تصل الأزمة السياسية المتجددة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري إلى الهاوية. هي على حافتها، ليس الآن، ولكن منذ زمن طويل، طويل جداً. وستبقى عند مستواها الحالي لأجل بعيد.. بعيد جداً. الذي حدث، أن الجمهوريين الذين يرغبون في فشل تاريخي لباراك أوباما، وهو أكثر رؤساء أمريكا اضطراباً وتردداً وسلباً للإرادة، يعرفون أنهم لا يستطيعون المقامرة بسمعة البلاد. الحل كان واضحاً، جرعات مالية محددة (بل محصورة)، لاستمرار البلاد في الداخل والخارج.
طرحت أزمة الدين الأمريكي الكثير من الأسئلة، دون أجوبة مقابلة أو مستحقة. وبعض هذه الأسئلة، نال حتى من الشعار الذي أُطلق في الولايات المتحدة مع تأسيس البلاد نفسها. شعار محلي مع ''نغمة'' أمريكية خالصة، لكنه صار في لمح البصر شعارا عالميا بل أمميا. إنه ''الحلم الأمريكي'' أو The American Dream. لكن مهلاً، لجورج كارلين الكاتب والمؤلف والكوميدي الأمريكي وجهة نظر خاصة. فهو يقول: ''إنهم يقولون الحلم الأمريكي.. لأنه يتعين عليك أن تكون نائماً لتصدقه''. ومعه قال الشاعر الأمريكي ألان جينسبيرج ''أمريكا.. لقد منحتُكِ كل شيء، والآن أنا لا شيء''. لن تشهد الولايات المتحدة الانهيار، وحتى لو تفككت إدارياً من الداخل، ستبقى جسماً سياسياً، فيه من القوة ما يكفي لتتصدر المشهد العالمي دائماً. لكن ''الهيبة الأمريكية''، تأثرت سلباً (بلا شك)، من جراء الصراع الداخلي حول الموازنة ورفع سقف الدين. والمشكلة لا تكمن في الفوارق الأيديولوجية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. لقد تقلصت في الواقع بفعل استحقاقات التحولات التاريخية، التي تحدث في العالم. وهذه المشكلة محصورة في صراع إجرائي أكثر من أيديولوجية، بما في ذلك الرابط الخاص بالرعاية الصحية، التي يمقتها الجمهوريون تاريخياً.
لقد وجد الجمهوريون ''الحل''، وكان عليهم أن يجدوه هم لا الرئيس باراك أوباما، لأن هذا الأخير لا يملك الحلول بقدر ما يستحوذ على ''مشاريع مشاكل''. هناك تطرف داخل الحزب الجمهوري، هذا أمر مؤكد، والتطرف لا يغيب عادة عن هذا الحزب، غير أن له حدوداً مرتبطة بالمدى الذي يمكنهم احتكاره. وهذا المدى ينتهي عندما تبدأ الآثار الشعبية السلبية تنال من الحزب نفسه. مع ضرورة الإشارة إلى أن هناك جناحا في الحزب يقوده السيناتور جون ماكين، يعتقد أن الجمهوريين تجاوزوا الحدود. الحل المقبول لأولئك الراغبين في مواصلة ذل باراك أوباما، أن يسمحوا بتسيير شؤون الاقتصاد الفيدرالي ''بالتقسيط''! ورغم أن ذلك أنقذ الاقتصاد من الهاوية، إلا أنه أبقاه على حافتها، مع بقاء ''أدوات الذل'' في أيديهم. إنه حل اللاحل! وهو يشبه إلى حد بعيد الحلول التي تضطر الحكومات الانتقالية لاعتمادها، بسبب الظروف الاستثنائية، التي تمر بها بلادها.
الولايات المتحدة تعيش بالفعل حالة استثنائية، لكنها تتخذ شكل الاستدامة بكل مخاطرها الآن واستحقاقاتها لاحقاً. و''الاقتصاد بالتقسيط''، مثل الشراء بالتقسيط، تبقى الأمور مرهونة إلى أن يتم التسديد الكامل. وتحوم دائماً أجواء الشك في ملاءة المقترض، وفي قدرته على الإيفاء بأقساطه. لكن الأمر هنا يتعلق بدولة لا تزال تملك المفاتيح الأكثر للاقتصاد العالمي، وتجمعها روابط بدول حليفة وغيرها، الأمر الذي يصعد من مستوى الضغوط عليها. إن السماح للبيت الأبيض بالاستدانة حتى السابع من شباط (فبراير) المقبل، هو مجرد أول قسط. ولا توجد مؤشرات واقعية (الآن على الأقل)، تدل على أن الكونجرس سيمنح أوباما، عند ''تسديده'' القسط الأول، الصلاحية لإقرار سنوي نهائي للموازنة العامة. وهذا هو في النهاية السلاح الأمضى في أيدي الجمهوريين، ليس من المرجح أن يتخلصوا منه بسهولة. هم بذلك، يُسيرون شؤون البلاد، دون أن يطلقوا يد الرئيس.
سياسة ''التقسيط الاقتصادي'' هذه، وإن أذلت أوباما وأرضت معارضيه المتشددين، إلا أنها تزيد من حجم الشكوك حول مستقبل محورية الولايات المتحدة على الساحة الاقتصادية العالمية. هناك الكثير من الدول التي بدأت بالفعل إعادة النظر في استثماراتها الأمريكية، مثل اليابان والصين وغيرهما. وفي ظل الضعف الطبيعي الناجم عن استحقاقات الأزمة الاقتصادية العالمية، ستزداد الشكوك حول مستقبل الاقتصاد الفيدرالي الأمريكي نفسه بصورة مخيفة، وذات دلالات مرعبة. بما فيها تلك المتعلقة بالذي يُطرح حالياً ''الضعف في جسد الإمبراطورية الأمريكية''، إلى جانب حقيقة ''الحلم الأمريكي''، والسيادة العالمية لهذه الدولة. إن المسألة برمتها لم تعد محصورة في مؤسسات حكومية أُغلقت وأُعيد فتحها، فقد حدث ذلك في السابق، وليست مرتبطة باستعادة باراك أوباما راتبه من الدولة، بل باستعادة الولايات المتحدة ما خسرته من هيبتها. وهذا لن يتم بوجود أوباما في البيت الأبيض.

الأحد، 20 أكتوبر، 2013

في أمريكا الوهم الاقتصادي بقيمة سوقية لا تُنافس

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«الرجال ليسوا أسرى لمصائرهم، بل هم أسرى لعقولهم»
فرانكلين روزفلت الرئيس الأمريكي الأسبق



كتب: محمد كركوتـــي

أياً كانت نتيجة الصراع الدائر بين البيت الأبيض والكونجرس في الولايات المتحدة، فالرئيس باراك أوباما سيظل جريحاً حتى انتهاء ولايته. وسيبقى جريحاً إلى ما بعدها. وسيكتب في مذكراته لاحقاً، أن أعضاء الحزب الجمهوري استهدفوه شخصياً، أكثر من استهداف سياساته، أو سلوكياته وأساليبه في القيادة والعمل. سيكتب، كيف أنه كان ضحية لكل الأسباب مجتمعة. ولن ينسى أن يمرر أن أحد الأسباب تتعلق بلون البشرة. هناك ثلاث سنوات باقية لأوباما في البيت الأبيض. وهو بالتأكيد لن يحقق أياً من سياساته ووعوده الانتخابية في هذه الفترة المتبقية، بعد أن فشل في تمريرها أو على الأقل في وضع الأساس لها في السنوات الخمس الماضية. والسبب لا يعود فقط إلى أن الحزب الجمهوري يقوم بإفشال سياسات أوباما، بل لأن هذا الأخير ليس صانعاً للسياسات أصلاً. والبرنامج الوحيد الذي يسعى بالفعل إلى تطبيقه، كان ولا يزال ''الرعاية الصحية''، لكن حتى هذا البرنامج تمت صناعته في الواقع بتفاصيله الراهنة، خلال عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون.
بعد يومين ''في السابع عشر من الشهر الجاري''، سيعرف أوباما بالتحديد عمق الجرح الذي أصيب به. مساحة من ''جوف'' الجرح كانت بسببه هو شخصياً، عندما أصر على عدم التفاوض مع أعضاء الكونجرس، الذين يبحثون عن مكسب سياسي من خلال صفقة اقتصادية. الذي حدث، أن المتطرفين من الجمهوريين بدأوا يتسيدون المشهد. لقد أحرج تعنت أوباما في الحوار مع خصومه السياسيين، أولئك الذين يقفون عند درجة أقرب إلى الاعتدال. لم تنفع الحملات التخويفية التي نظمها الرئيس الأمريكي، في دفع أعضاء الكونجرس إلى تغيير موقفهم من مسألة رفع سقف الدين. بما في ذلك تلك الصادرة عن مؤسسات دولية كصندوق النقد والبنك الدوليين. لا شك في أن العالم كله سيتأذى من جراء عدم الاتفاق بين الجمهوريين وأوباما، بما في ذلك دول نامية كثيرة، ودول مستثمرة داخل الولايات المتحدة، بأشكال مختلفة. إضافة طبعاً إلى الأضرار المحلية الهائلة، التي بدأت تظهر على الساحة. غير أن الرئيس الأمريكي، يراهن على أن دفع الأمور إلى حافة الهاوية، قد ينقذ الأوضاع من الهاوية. لكن هذا النوع من الممارسة السياسية، بات منذ سنوات طويلة، أشبه بالنكتة القديمة التي سمع بها كل الناس إلا قائلها.
بالطبع لم تبدل ''تخويفات'' وزير الخزانة جاك ليو، في الأمر شيئاً، حتى وإن قال علناً، إن التفوق الاقتصادي لبلاده، يمكن أن يكون عرضة للخطر بسبب الميزانية الحالية، وأزمة الدين التي وصلت إلى طريق مسدود في الكونجرس. وهو يقول ''لا يمكن للولايات المتحدة أن تنظر إلى هذه السمعة المكتسبة بشق الأنفس، على أنها أمر مسلم به''. هذا الكلام ليس صحيحاً تماماً، وكما هو واضح، يلعب أركان إدارة أوباما على الجانب السيادي للولايات المتحدة وسمعتها العالمية. وهم يعرفون أن الوهم الاقتصادي الذي تسيدت به بلادهم المشهد الاقتصادي العالمي، لم يعد وهماً، بل أصبح واقعاً منذ عشرات السنين، حيث صار للوهم نفسه قيمة سوقية! لا يمكن لأي ''وهم'' اقتصادي غير أمريكي منافسته. وعلى هذا الأساس، فإن ''تخويفات'' إدارة أوباما ليست في محلها، خصوصاً أن كل شيء بات مكشوفاً أمام الجميع، بل وكل شيء أصبح معروفاً للجميع.
لم يتبق أمام أوباما، الذي وصفته في مقال سابق بأنه الرئيس الوحيد الذي يشرح أشياء لا يقوم بها، سوى ساعات للتوصل إلى اتفاق مع الكونجرس. وعليه أن يقبل بالعرض المقدم له، وهو رفع سقف الدين لأسابيع محددة متفق عليها. وبدون ذلك فإن الموازنة ستظل عالقة، والولايات المتحدة ستعلن رسمياً أنها لن تستطيع سداد ديونها. هناك تحولات واضحة في معسكر الرئيس الأمريكي نفسه. فحتى أولئك الذي يعتبرون أن الجمهوريين يلعبون سياسة بصورة غير أخلاقية، باتوا يعتقدون أن الاتفاق والتفاهم هما الأفضل لأمريكا. ولا يهم عمق الجرح الذي أصيب به أوباما، الذي سيمضي معه إلى آخر يوم في حياته. الجمهوريون يعرفون أن هذه الساحة هي الميدان الأهم بالنسبة لهم، لتمرير سياستهم الاقتصادية المحلية، بما في ذلك ''عدم تمرير'' نظام الرعاية الصحية. وهم متمسكون بأرض المعركة، التي لا تتهيأ عادة بسهولة.
ورفع سقف الدين لفترة محددة وقصيرة، يبقى أداة الضغط الكبرى في أيدي الجمهوريين، الذين يريدون أن يتفاوضوا حول عديد من القضايا، بما في ذلك الرعاية الصحية والاجتماعية والتشغيل وغيرها من القضايا الخاصة بمكامن المجتمع الأمريكي. لا يمارس أحد في هذه الدنيا السياسة ببراءة. والجمهوريون الأمريكيون يتصدرون الجهات التي لا تعترف حتى بالبراءة من ناحية نظرية لا عملية. فمادية هؤلاء تجعلهم يلعبون سياسة في ساحات لا تتحمل ذلك. لكن حتى هذه السلوكيات، لا يمكن ممارستها إلى ما لا نهاية، إذا ما كانت هناك جهة قوية تتمتع بالحد الأدنى من المؤهلات السياسية المختلفة. ومن سوء حظ الولايات المتحدة والعالم معها، عدم وجود جهة ذات قيمة مضافة أمام الجمهوريين في الولايات المتحدة.

تسجيل الدخول