الثلاثاء، 25 يوليو، 2017




الديون السيئة اليوم .. ديون أسوأ غدا





"لا يمكن أن تكون مدينا وتنتصر" 
ديف رامزي رجل أعمال ومؤلف أمريكي


كتب: محمد كركوتي 

      لا أحد في هذا العالم منيع عن الديون، سواء على مستوى الأفراد أو الحكومات. وهذه حقيقة تكرست في الواقع في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وإذا كانت الديون مبررة في أعقاب الحروب والاضطرابات، ولا سيما تلك التي تنال من البنى التحتية للاقتصاد (أي اقتصاد)، فإن استمرارها في فترات الاستقرار والازدهار أو الهدوء يبدو غريبا، خصوصا تلك الديون الاستهلاكية مرتفعة المخاطر، علما بأن هناك ديونا ذات قيمة إيجابية بالفعل، وهي تلك التي تصب في التنمية المستدامة، غير أن التاريخ يحتضن تجارب مخيفة في هذا المجال. فغالبية الأزمات الاقتصادية الكبرى تستند في الواقع إلى انفجار قنبلة الديون. ولكيلا نذهب بعيدا، هذه الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت في عام 2008، تؤكد هذه الحقيقة. 
      السبب (كما يعرف الجميع) كان واضحا في الأزمة المشار إليها، وهي تراكم الديون العقارية السيئة والاستهلاكية القاتلة على الأفراد، وكذلك ارتفاع العجز المالي للحكومات في غالبية بلدان العالم، بما فيها تلك التي تتسيد المشهد الاقتصادي العالمي. ورغم نجاح "حرب" ما بعد الأزمة على مثل هذه الديون، من خلال تشريعات وتطبيقات إجرائية، وإلغاء بعض المشتقات المالية، وفرض رقابة شديدة على ما بقي من مشتقات، رغم هذا استمرت الحكومات في الاقتراض. 
      وإذا كانت القروض الشخصية تمس الفرد مباشرة، فإن القروض الحكومية تمسه أيضا بصورة غير مباشرة، بل تنال في بعض حالاتها من مستقبل الأجيال القادمة. وكل قرض لا يتم سداده هو في الواقع دين على أجيال من البشر لم تولد بعد! يقول بول كروجمان البروفيسور والعالم الاقتصادي الأمريكي "الدين هو مسؤولية شخص، لكنه أصل من أصول شخص آخر". وهو اختصر بالفعل المشهد العام للدين بصرف النظر عن طبيعته وحجمه وأهدافه. في عشر سنوات فقط زاد حجم الدين العالمي 75 تريليون دولار، ليصل (وفق المؤسسات المالية العالمية) إلى 217 تريليون دولار. 
      وهذا الدين يعني أن كل إنسان على سطح الأرض، أكان رجلا أم امرأة أم طفلاـ مدين بنحو 29 ألف دولار، بحسب المنظمات الدولية المعنية. وإذا لم يتم حل مشكلة هذه الديون الهائلة، فهي في الواقع ستتضاعف ليتحملها الجيل القادم وهكذا. بعض أصحاب الآراء المتطرفة يشرحون الأمر بالصيغة التالية "الجيل الحالي يسرق الجيل الذي لم يولد بعد". أي أن الأعباء على هذا الأخير ستكون "جاهزة" عندما يفتح عينه على هذه الحياة. المروع في الأمر، أنه خلال الأزمة الاقتصادية العالمية بلغ حجم الدين 142 تريليون دولار منها 16 تريليون دولار هي مجموع ديون البلدان الناشئة، قبل أن يصل المجموع الكلي إلى 217 تريليونا. 
      واستنادا إلى آخر الإحصاءات، فقد بلغت ديون الاتحاد الأوروبي 97.7 تريليون دولار، ودين الولايات المتحدة نحو 63 تريليون دولار، وبريطانيا 2.2 تريليون دولار. أما ديون الأسواق الناشئة منها فبلغت 56 تريليون دولار، منها 33 تريليون دولار حجم الدين العام الصيني و3.6 تريليون دولار حجم الدين البرازيلي، و2.9 تريليون دولار حجم الدين الهندي، و500 مليون دولار فقط حجم الدين العام الروسي. وللمقارنة فقط، فقد بلغ حجم الدين العام العالمي في عام 1996 نحو 63.4 تريليون دولار. 
      صحيح أن البلدان المتقدمة يمكنها السيطرة على ديونها من خلال قوة وارتفاع حجم إنتاجها، إضافة إلى الثقة المالية العالمية بها، لكن الصحيح أيضا أنه لا توجد ضمانات دائمة في هذا المجال. فعندما يتجاوز حجم الدين في بعض البلدان الناتج الإجمالي المحلي مرة، وأحيانا مرتين، ترتفع معدلات المخاطر أكثر. في حين أن أسواق السندات والأذونات ظلت منتعشة في مراحل الازدهار والكساد أيضاّ! بالطبع لا أحد يشكك (على الأقل الآن) في قدرة دولة كالولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو بريطانيا على الوفاء بديونها. غير أن ما يمكن وصفه بـ"الانفلات" المالي بدأ يظهر على الساحة بعد سنتين فقط من انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية. دون أن ننسى مخاطر ديون الصين (ثاني أكبر اقتصاد في العالم)، التي ستضرب الاقتصاد العالمي، لمجرد حدوث تباطؤ اقتصادي قوي فيها. 
      لا توجد في الأفق أي إشارات على تراجع وتيرة الدين العالمي. في الواقع تستهل كثير من الحكومات الاقتراض الخطير أحيانا، بدلا من البحث عن مصادر مالية أخرى تعزز التنمية المستدامة. والمؤكد هنا يبقى حاضرا دائما، ويرتبط مباشرة بحقيقة أن الديون السيئة اليوم، هي ديون أسوأ غدا، وهي عبء على "أبرياء" لا دخل لهم بفوضى الاقتصاد العالمي، سواء قبل الأزمة العالمية أو بعدها. كما أنه لا علاقة لهم باستسهال الحلول المالية عن طريق الاقتراض. إنها مصيبة تختص بكل فرد يعيش الآن وسيعيش في الغد. أي أنها من تلك المآسي المتجددة، خصوصا عندما تخرج عن السيطرة هنا وهناك.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 18 يوليو، 2017




التجارة «الاستثنائية» من أجل التنمية



"أنا مدافع قوي عن التجارة الحرة" 
نجيب رزاق، رئيس وزراء ماليزيا 


كتب: محمد كركوتي

      أبرزت عملية انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، جانبا مهما من العلاقات المستقبلية للمملكة المتحدة مع البلدان النامية. وهذا الجانب ليس عابرا، بل هو في صلب عملية التنمية والبناء في البلدان المشار إليها، ويتعلق بالتسهيلات والإعفاءات الجمركية التي توفرها البلدان المتقدمة للدول النامية. وهذه النقطة على وجه الخصوص، تعد في المفهوم الجديد للتنمية في الدول الفقيرة حجر الزاوية، وهي تفوق المساعدات المالية والعينية والمعونات بأشكالها المختلفة أهمية على صعيد بناء اقتصادات ذات صفة مستدامة في هذه الدول. والحق، أن حكومات البلدان المتقدمة تأخرت كثيرا في الوصول إلى النتيجة النهائية، بأن المساعدات الحقيقية هي تلك التي توفر تسهيلات لواردات الدول النامية، فهي بذلك توفر عوائد مالية من العملات الصعبة، وفي الوقت نفسه تعزز الإنتاج المحلي. طمأنت بريطانيا منذ الأيام الأولى لبدء مفاوضات خروجها من الاتحاد الأوروبي، الدول النامية بأنها ستواصل تطبيق دخول السلع الواردة من نحو 50 دولة نامية إلى أسواق المملكة المتحدة بلا جمارك بعد خروجها الفعلي من الاتحاد. وهذا موقف مهم للغاية، ليس فقط للبلدان النامية المعنية، بل أيضا لالتزامات لندن الدولية. وهي بذلك تسعى إلى تأكيد دورها عالميا، في الوقت الذي تشكك فيه بعض الجهات (بما في ذلك جهات بريطانية) بمصير هذا الدور. 
      ويحاول الحريصون على مكانة بريطانيا بعد الخروج، أن يؤكدوا (بصور مختلفة) هذه المكانة، خصوصا في ظل عامين من المفاوضات الشاقة التي لا أحد يعرف نتائجها الحقيقية بالفعل، بمن فيهم المفاوضون أنفسهم. تقوم بلدان الاتحاد الأوروبي منذ عدة سنوات باتباع سياسة تسهيل الواردات من البلدان النامية، كنوع من التنمية، بعد أن ثبت أن المساعدات المباشرة لعدد ليس قليلا من الدول النامية لم تحقق الأهداف المرجوة منها، بفعل الفساد المحلي أولا، وعدم وجود مشاريع تنموية طويلة المدى، يضاف إلى ذلك الاستثمارات العقيمة التي تذهب في غالبيتها هباء جراء القوانين والإجراءات والممارسات غير المعقولة في كثير من الأحيان في البلدان النامية المستهدفة. وفي الأعوام الماضية، حققت سياسة تسهيل الواردات نتائج باهرة، خصوصا في مجال الزراعة، وقطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة. ووفرت هذه السياسة عملات صعبة ضرورية لهذه البلدان، في الوقت الذي دأبت فيه البلدان المتقدمة على رفع مستويات التسهيلات بل والترويج للمنتجات المشار إليها. 
      وباستثناء الأسلحة والذخائر والنفط، فإن كل المنتجات (تقريبا) في البلدان النامية تحظى بالمعاملة التجارية الخاصة، وفي مقدمتها بالطبع الإعفاءات الجمركية. ووجدت السياسة المشار إليها دعما بلا حدود من جانب منظمات الأمم المتحدة المعنية بالتنمية في البلدان النامية والفقيرة. وأصدرت هذه المنظمات سلسلة من الدراسات والتحقيقات الاستقصائية أظهرت جميعها نجاعة ما يمكن تسميته "التجارة من أجل التنمية". والحق أن بريطانيا كانت من أوائل الدول التي تمضي قدما في هذا الطريق، ووفرت الأرضية اللازمة، حتى إن منتجات البلدان النامية تحظى على أرفف المحال التجارية في المملكة المتحدة بامتيازات الترويج، مقارنة بغيرها من المنتجات المشابهة القادمة من بلدان أكثر تقدما أو تلك من البلدان المتقدمة. وتمكنت حكومات الدول المتقدمة في الفترة الأخيرة من الوقوف في وجه الحملات الوطنية المحلية فيها ضد تسهيل وترويج البضائع القادمة من الدول النامية. واستطاعت أن تطرح معادلة فيها جوانب اقتصادية وخيرية في آن معا، ما دعم موقفها، خصوصا أن بعض المنتجات المحلية في البلدان المتقدمة تلقى دعما مباشرا أو غير مباشر هي الأخرى من حكوماتها. وفي فترة ليست طويلة، بات واضحا القبول بمبدأ "التجارة من أجل التنمية" على الصعيد المحلي. وعلى الساحات الأخرى في المقابل، نشأ حراك اقتصادي تنموي حقيقي، مع ضمان وصول المنتجات إلى الأسواق المتقدمة، بل إن مشاريع خاصة بالأمم المتحدة (ولا سيما تلك التي تستهدف القطاع الزراعي) وفرت مساعدات عملية مباشرة أيضا لنقل الحراك من مرحلته الأولى، إلى مرحلة التمكين. 
      في النصف الأخير من القرن الماضي، أبدى عدد من المسؤولين المخلصين حقا في بعض البلدان النامية الرغبة الجامحة من أجل الوصول إلى "التنمية عبر التجارة"، وقد فشلت محاولاتهم بالفعل لأسباب كثيرة في مقدمتها أن البلدان المتقدمة وتلك التي تقدم المساعدات المباشرة لم تكن لديها في الواقع مشاريع تنموية محددة، وكانت تستسهل تقديم المساعدات على توفير المعونة عن طريق التجارة وفق مخططات طويلة الأمد. ناهيك عن المشاكل التي واجهتها الحكومات من المنتجين الوطنيين في بلادها، الذين اعتبروا أنها تعمل ضد مصالحهم. لكن الأمر تغير مع إقدام كثير من الدول المانحة باتجاه السياسة التي تمت المطالبة بها حقا قبل عقود. ومن هنا، لم يعد غريبا أن ترى منتجات البلدان النامية متقدمة من حيث العرض على منتجات الدول الأخرى، كما أنها تتسم بميزة انخفاض أسعارها. 
      ستقوم بريطانيا بدورها في هذا المجال خارج الاتحاد الأوروبي، فالالتزام كان وطنيا قبل أن يكون أوروبيا. ودول الاتحاد لا نية لها في مراجعة هذه السياسة، بل على العكس تماما تمضي بخطوات جديدة من أجل التمكين الذي يسهم مباشرة في بناء اقتصادات مستدامة في الدول النامية والفقيرة.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 11 يوليو، 2017



دبلوماسية اقتصادية في «قمة العشرين»



"أشعر بالرضا لأن مجموعة العشرين ـــ عدا الولايات المتحدة ـــ اتفقت على اتفاقية باريس للمناخ" 
أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية 

كتب: محمد كركوتي

لا أحد كان يتوقع نتائج حاسمة أو تاريخية أو فارقة، لقمة مجموعة العشرين، التي انعقدت في ألمانيا. كما لا أحد كان ينتظر إزالة الخلافات أو تباين الموقف، ولا سيما بين الولايات المتحدة بإدارتها الحالية وعدد من بلدان المجموعة. المواقف واضحة لكل الأطراف، والأوضح أن أيا منها لا يرغب في التراجع عنها مستندا إلى أحقيتها من وجهة نظره بالطبع. وهذا أيضا مفهوم ولكن ليس إلى حد أن بيان القمة الختامي خلا من أي موقف عملي واقعي، وأي قرار يمكن على الأقل أن يزيل عدم اليقين في الاقتصاد العالمي ككل، وبالتالي استمرار التخبط في صنع القرار الاقتصادي على الساحة الدولية، هذا إذا كان هناك قرار عالمي فاعل في هذه المرحلة. دون أن ننسى دائما، التأثيرات السلبية "بصور مختلفة" لبؤر الصراعات والمواجهات الموجودة فعلا هنا وهناك. أحب المسؤولون الغربيون قبل وبعد قمة مجموعة العشرين أن يؤطروا المشهد العام في خلاف بين بلدانهم وبين الولايات المتحدة في ظل الرئيس دونالد ترمب حول اتفاقية باريس للمناخ، وذلك لأن الأخير انسحب منها في أعقاب وصوله إلى البيت الأبيض. ورغم أهمية هذا الخلاف وهو موجود بقوة بالفعل، إلا أنه يبقى ثانويا مقارنة بتضارب مفاهيم التجارة العالمية بين إدارة ترمب وبقية بلدان العالم، بمن فيها (بالطبع) الحلفاء التاريخيون للولايات المتحدة. تبعات انسحاب واشنطن من اتفاقية المناخ لا شك ستكون خطيرة ولها روابطها السلبية وتأثيراتها المستقبلية غير الإيجابية، لكن تبعات تطبيق المفهوم التجاري "الترمبي" على العلاقات مع العالم ستكون أخطر بكل المقاييس، لأنها ببساطة تقف عائقا أمام مبدأ التجارة الحرة، وهو ما تسعى إليه المنظومة الدولية بكل مستوياتها الاقتصادية، بل تعده الوسيلة الأنجع للتنمية في البلدان النامية. ومن هنا يمكن فهم دعوة قمة المجموعة "إلى تجارة حرة ونزيهة"، وهذا توجه واضح المعالم، يهدف في الدرجة الأولى إلى استيعاب الموقف التجاري الأمريكي، وإطلاق صيغة مقبولة لكل الأطراف. من في هذا العالم لا يريد تجارة حرة ونزيهة؟ ولذلك يمكن النظر إلى هذا التوصيف في أعقاب قمة مجموعة العشرين، كنوع من المهادنة بين أكبر اقتصادات العالم، وبين اقتصاد الولايات المتحدة. وهذا الأمر بالتأكيد مطلوب في مثل هذه الظروف التي يمر بها العالم. لم تتحمل الساحة الدولية خلافا جديدا أو تفعيل خلاف قديم بصورة خطيرة أو معطلة. المهم الآن مواءمة المواقف بأكبر قدر ممكن، من أجل إبقاء الوضع على ما هو عليه. وهذا في حد ذاته انتصار للجميع. والحق، أن التفسير الأمريكي لفتح الأسواق ليس واقعيا. حتى إن مسؤولين في إدارة الرئيس ترمب يعتقدون أن هذا التفسير اتجه إلى الجانب المتطرف من الطرح. خصوصا أن أحدا من شركاء وحلفاء الولايات المتحدة لم يعترض على الشعار "الترمبي" الذي لا يزال يتداول "أمريكا أولا"، لكن التباين حيال هذا الشعار، يكمن في الواقع في تطبيقه على العلاقات التجارية. ولا سيما بعد أن استهدفت الإدارة الأمريكية حتى حلفاءها التاريخيين تجاريا، من خلال تهديد ألمانيا (مثلا) بفرض عقوبات تجارية عليها لتخفيف تدفق السلع الألمانية إلى السوق الأمريكية، والأمر ينطبق على عدد آخر من البلدان، وبالطبع تتقدمها الصين. المطلوب بالنسبة لهؤلاء، أن تحتفظ الولايات المتحدة بحقها "أمريكا أولا"، ولكن عليها ألا تتسبب في أضرار لغيرها في مرحلة التطبيق. المشكلة هي في القيود التجارية التي قد لا تقتصر على الولايات المتحدة. بعض البلدان سيقوم بذلك كردة فعل طبيعية لفعل مماثل. ولذلك فإن اللغة الدبلوماسية التي خرج بها بيان قمة مجموعة العشرين، كانت ضرورية في هذا الوقت بالذات. لأن العالم (مرة أخرى) لا يمكنه دخول حروب تجارية متواصلة أو متقطعة. "قمة العشرين"، التزمت بالطبع بكل المبادئ التي طرحتها على مدى سنوات عديدة. و"المجموعة" لا يمكنها إلا أن تتبع هذا السلوك لسبب واحد فقط، هو أنها اتخذت زمام المبادرة العالمية من انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008. ومثل هذا التجمع المهم المحوري عالميا لا يمكنه بأي شكل من الأشكال أن يطرح سياسات متناقضة، أو سياسات قابلة بسهولة للانفجار. أولئك الذين يؤيدون ويدعمون التجارة الحرة، يتمسكون بالحفاظ على مبادئ التجارة متعددة الأطراف المفتوحة والمتكافئة ذات المنفعة المتبادلة. بمعنى آخر يصرخون تعبيرا عن تأييدهم لمعايير منظمة التجارة العالمية. وهي معايير أثبتت مع السنوات أنها تصب في المصلحة العامة العالمية، مع بعض التفاصيل السلبية التي يمكن احتواؤها. غير أن التبدلات السياسية على الساحة الأمريكية فرضت حالة جديدة، فيها من "الوطنية" الكثير، لكنها ليست متناغمة مع المتطلبات العالمية المشتركة. ولذلك لا تنفع معها إلا الدبلوماسية الهادئة والتعاون بالصورة الأكثر التزاما. وفي النهاية لا يمكن لمجموعة العشرين إلا أن تمضي قدما بأكبر قدر من الحكمة والواقعية. فمفتاح الاقتصاد العالمي يبقى في حوزتها، والمسؤولية الدولية عليها.. كبيرة.


(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


الممرات «المختنقة» تهدد الغذاء



«الحضارة التي نعيشها اليوم، لم تكن لتتطور أو لتنجو دون إمدادات غذائية كافية» 
نورمان بورلونج مهندس زراعي وناشط إنساني أمريكي راحل 

كتب: محمد كركوتي

أعادت منظمات وجهات دولية مختلفة مسألة الإمدادات الغذائية العالمية إلى الواجهة، وكانت آخرها دراسة لافتة أجراها معهد "تشاتام هاوس" للأبحاث في لندن. وهذه المرة ليس من زاوية الأزمات الزراعية، ولا من التخلف في هذا القطاع الحيوي في بعض المناطق، ولا حتى من جهة نقص المياه اللازمة للإنتاج الزراعي، بل من ناحية الآليات والمعابر المستخدمة لإتمام هذه الإمدادات. وعلى الرغم من أن الإمدادات الغذائية شهدت تحسنا في الأعوام الماضية، من خلال نجاح سلسلة من البرامج العالمية والمحلية في غالبية مناطق العالم، فضلا عن اهتمام الحكومات بهذا الجانب، إلا أن ذلك لم يصنع الأمان التام لإمدادات الغذاء، خصوصا على الجانب الخاص بالنقل والمرور عبر مناطق حساسة أو ملتهبة، إضافة طبعا إلى أن التغير المناخي يسهم بصورة مباشرة في تعطيل أو تأخير الإمدادات الموجودة أصلا! وفي حين تحدد الجهات المهتمة بهذه المسألة 14 نقطة اختناق "كما وصفتها"، إلا أن بعض الجهات المعنية في الأمم المتحدة (مثلا) زادت هذا العدد. ما يعني أن القضية ليست أزمة عابرة، أو مرحلية أو موسمية، بل مشكلة تتعاظم يوما بعد يوم. لماذا؟ لأنه لا يوجد على الساحة تحرك يذكر لمواجهتها أو معالجتها. ويبدو أنها أزمة ستتفاقم في ظل التقاعس الحالي، مثلما تفاقمت أزمات في قطاعات أخرى على مدى عقود، للسبب ذاته. وعلى هذا الأساس تتحرك جهات عدة من أجل وضع القضية على رأس الأولويات، لأنها تختص بالغذاء الذي يشكل محورا رئيسا للاستقرار، خصوصا أن تعاظم نقاط اختناق إمدادات الغذاء، لا يعني النقص في المنتج الغذائي فقط، بل يعني أيضا ارتفاعا تلقائيا للأسعار، وهو أمر لا تتحمله أي حكومة في العالم على المدى البعيد، بصرف النظر عن مدى ملاءتها المالية. مناطق الاختناق هذه متعددة، من بينها نقاط حساسة مثل قناة السويس وموانئ البحر الأسود، وطرق النقل في دولة ضخمة كالبرازيل. وكلها "بحسب تشاتام هاوس" تتعرض لانقطاعات كثيرة الحدوث. والخطير في هذا الأمر، أن البضائع الغذائية التي تمر عبر نقاط الاختناق تشمل مواد أساسية مثل الذرة والأرز وفول الصويا وزيوت الطعام والسكر وغيرها. وارتفاع أسعار هذه المواد يضرب مباشرة الناس العاديين في كل بلدان العالم، بما فيها البلدان المتقدمة. كما أن هذه المواد تعد على نطاق عالمي، مواد "غذائية استراتيجية". وكما هو معروف، تقوم حكومات عديدة بدعمها نظرا لمحوريتها المعيشية لشعوبها. ولذلك، تتعاطى الجهات المهتمة بأمر "الاختناقات" مع هذه القضية من جانب المخاطر القابلة للتفاقم في أي لحظة، مع تداعيات عالية الخطورة أيضا. المثير في الأمر، أن تجارة الأسمدة تمر هي الأخرى بأكثر من نصفها عالميا عبر الممرات "المختنقة". أما الأمر الأكثر إثارة، فإن عددا من البلدان المتقدمة تعاني مشكلات في شبكات النقل المحلية. وعلينا أن نتخيل الأمر في بلدان أقل تقدما أو فقيرة، وكيف تعاني الإمدادات الغذائية ضمن نطاقها الجغرافي تعطيلا واضطرابا حتى أضرارا للأطراف المعنية. بمعنى، أن الأزمة لا تنحصر فقط في نقاط عبور دولية محورية معروفة، بل أيضا في شبكات نقل محلية تزيد من فداحة المشكلة. ومرة أخرى لا توجد استراتيجية واضحة على الصعيد العالمي، لتأمين نقاط العبور، بما في ذلك تلك التي تقع في مناطق مضطربة أصلا، كما أنه لا توجد مساع على مستوى رفيع للوصول إلى اتفاق عالمي بإبعاد النقاط الاستراتيجية المشار إليها عن أي تأثير للصراعات والاضطرابات. لا يمكن التهوين من هذه الأزمة المتفاقمة. فقد حدثت في غير منطقة من هذا العالم اضطرابات بفعل نقص الإمدادات الغذائية الرئيسة، أو من جراء ارتفاع أسعارها، ولا سيما تلك المرتبطة بقطاع الحبوب. ويرى باحثون، أن المخاطر التي تشكلها نقاط الاختناق تتزايد مع تنامي حجم التجارة العالمية، ولكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى نقطة مهمة تتعلق بارتفاع حرارة الأرض أيضا. فالتغير المناخي "كما هو معروف" يسبب مزيدا من العواصف والجفاف ومواسم الحر القاتل. بمعنى، أن المشكلة ناتجة عن مجموعة عوامل، يمكن تلخيصها بالتالي، تخلف شبكات النقل في بعض الدول، ومخاطر تهدد نقاط العبور الدولية، والتغيير المناخي الذي أصاب كل شيء على وجه الأرض. ناهيك عن التعطل الذي يصيب تجارة الأسمدة بين الحين والآخر. في مثل هذه القضية، لا مناص من التحرك السريع، والأهم لا بد من وجود تعاون عالمي على نطاق واسع، بما في ذلك تقديم المساعدات اللازمة لبعض البلدان التي تعاني تخلف شبكات النقل، إضافة طبعا إلى المسألة الأهم، وهي ضمان دولي شامل لنقاط العبور العالمية. ولن يتم هذا إلا بالاعتراف بهذه المصيبة المتفاقمة، والتعاون الحقيقي حتى بين البلدان التي لا تنسجم مع بعضها بعضا.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


الحروب .. والناتج الإجمالي العالمي



"البشرية يجب أن تنهي الحروب، قبل أن تنهي الحروب البشرية" 
جون ف. كيندي رئيس أمريكي راحل 


كتب: محمد كركوتي

تبقى الحروب والنزاعات والمواجهات العنيفة حول العالم السبب الرئيس في انخفاض الناتج الإجمالي العالمي. وهذا الناتج يمثل في الواقع الشكل العام للاقتصاد العالمي، وآفاق حراك هذا الاقتصاد، والآثار السلبية أو الإيجابية التي يتركها في هذه المنطقة أو تلك. وغالبا ما تكون الآثار سلبية بل خطيرة. والمؤكد أن البلدان الأكثر فقرا هي التي تتلقى الضربات الأقسى من سلبية الاقتصاد العالمي، الأمر الذي "يدعم" الأزمات في البلدان المشار إليها، بينما تحتاج الساحة الدولية إلى كل سبب لتهدئة التوترات والمواجهات، وتقليل الاحتقان السياسي الذي يتدرج في بعض المناطق ليصل إلى مرحلة المواجهات الخطيرة. وكل ذلك يؤثر بصور خطيرة ومختلفة في كل المخططات العالمية للتنمية أو تقليل الفقر، أو خفض البطالة، أو حتى محاربة الأمراض والأوبئة، إلى كل المخططات العالمية الهادفة إلى عالم أقل سوءا، بدلا من القول، "إلى عالم أفضل"، لأن النقطة الأخيرة يصعب إدراكها في هذا الزمن. الجميع يتحمل مسؤولية انخفاض الناتج الإجمالي العالمي. سواء أولئك الذين يصنعون الحروب والنزاعات، أو الذين يتحولون في غالب الأحيان إلى أدوات مواجهة، بعضها "مدفوع الأجر"، وبعضها الآخر بجهل وبلاهة وتخلف. ولم تفلح كل الجهات الحكومية وغير الحكومية بما في ذلك تلك المرتبطة بالأمم المتحدة في تحقيق خطوات لافتة على صعيد حل النزاعات، ويعني هذا ببساطة أن خسائر الإنتاج الاقتصادي العالمي ترتفع وتستمر. وفق آخر تقرير لمعهد الاقتصاد والسلام المعروف الذي يتخذ من أستراليا مقرا له، فإن العنف العالمي أثر سلبا في جميع القطاعات في عام 2015، حيث خفض الناتج العالمي في العام المذكور بنسبة 13.3 في المائة، أو ما يعادل 1876 دولارا من كل فرد، واستنادا إلى المعهد المذكور، في السنوات العشر الماضية وصلت تكاليف آثار العنف على الاقتصاد العالمي إلى 137 تريليون دولار، وتشمل هذه التكاليف الأموال التي أنفقت على عمليات عسكرية والتأمين الخاص وقوات حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة. والمثير في متابعة المشهد العالمي العام، هو حقيقة أن دولا قليلة جدا تنعم بالسلام والأمن. ما يعني أن فرص التخلص من النزاعات والمواجهات والعنف ستكون قليلة جدا، الأمر الذي سيرفع من الخسائر الاقتصادية العالمية في الوقت الذي يحتاج فيه هذا العالم إلى مزيد من التنمية، ليس من أجل الازدهار الآني والرفاهية فحسب، بل أيضا لضمان حقوق الأجيال المقبلة. فهذه النزاعات هي في الواقع عدوان مباشرة الأجيال التي لم تأت بعد، لأن تكاليفها تسحب من حصة هؤلاء في العيش الكريم، وحقوقهم المعيشية لاحقا. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن النزاعات لا تأخذ أموال الأجيال الحالية وتلك المقبلة فقط، بل لا تترك مجالا للتنمية في مرحلة لاحقة، لأنها تدمر الأسس التي يمكن البناء عليها، سواء كان اجتماعيا أو اقتصاديا. في العام الماضي، استمر الوضع على ما هو عليه. بل إن مناطق شهدت تفاقما في النزاعات بمستوى أكبر، ولم يسجل العالم نقطة إيجابية واحدة لافتة تختص بإنهاء نزاع أو وقف حرب. وتعثر الاقتصاد العالمي في عام 2015 انتقل بصورة تلقائية إلى عام 2016، مع مؤشرات أخطر، حيث تراجعت بقوة معدلات النمو في مناطق لم يكن أحد يظن أنها ستتعثر بنموها، ولا سيما دول منطقة آسيا وعلى رأسها بالطبع الصين. مصائب النزاعات غير المتفجرة لها أضرارها أيضا حيث تتوازى في بعض الحالات مع الحالات المتفجرة نفسها. وهناك في المنطقة الآسيوية عدد من الحالات غير المشتعلة فعليا لكن آثارها السلبية كبيرة. وإذا كانت المنطقة التي يعلق عليها العالم آمال النمو بهذه الصورة، علينا أن نتخيل المناطق الأخرى التي لا تدخل أساسا في قائمة البلدان الناشئة. الثابت أن النزاعات أو الحروب أو المواجهات تلقي بظلالها على بلدان ومناطق لا علاقة مباشرة لها بها. ما يؤكد مجددا الحقيقة المرعبة، أن آثارها تشمل الجميع وستستمر طويلا حتى بعد انتهائها على أرض الواقع حقا. فالخسائر الناجمة عنها لا تتعلق فقط بالإنفاق عليها، بل ترتبط ارتباطا مباشرا بتراجع الإنتاج، وارتفاع الديون بسبب الحروب، وبالطبع تزايد معدلات البطالة والجريمة الاجتماعية، وتدهور التعليم، وغير ذلك من الآثار السلبية الخطيرة على الاقتصاد -أي اقتصاد- بشكل عام. إنها مصائب مستمرة، بعضها يعود لعقود طويلة، وكلها -بصرف النظر عن المدد الزمنية- تضرب الاقتصاد العالمي بأشكال مختلفة. هل يعقل أن تكاليف الحروب والنزاعات والمواجهات تعادل إنفاق خمسة دولارات من كل شخص على مستوى العالم وعلى مدار العام؟ في حين تشير أرقام البنك الدولي الأخيرة إلى أن 10.7 في المائة من سكان العالم يعيشون على أقل من دولارين في اليوم الواحد. لا تبدو في الأفق أي مؤشرات على تغيير الأوضاع من سيئ إلى أحسن. في الواقع المؤشر المؤكد أن السيئ ينقل بثبات وقوة إلى الأسوأ.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الأربعاء، 21 يونيو، 2017


حسنا .. لكن بريطانيا لا يمكنها البقاء



"الباب لا يزال مفتوحا لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي"
إيمانويل ماكرون ـــ رئيس فرنسا

كتب: محمد كركوتي:

فجأة، بدأت أركان الاتحاد الأوروبي تتحدث عن إمكانية قبول بقاء بريطانيا في الاتحاد. القابلون بالبقاء هم الأكبر نفوذا في هذا الاتحاد، يتقدمهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، ناهيك عن رؤساء الوزراء في عدد من البلدان الأوروبية الأخرى. والحق أن كل هؤلاء لم يرغبوا في خروج المملكة المتحدة أصلا، على الرغم من المنغصات البريطانية التي لا تنتهي لهم، ولا سيما فيما يرتبط بإعفاء لندن من بعض الاتفاقيات والالتزامات، ناهيك طبعا عن رفض بريطانيا الانضمام إلى اتفاقية فتح الحدود الأوروبية (شنجن) وكذلك الأمر عن العملة (اليورو). ومهما كانت هذه المنغصات، فالمملكة المتحدة في النهاية بلد محوري عالميا وأوروبيا، ويتمتع بكل الإمكانات التي يحتاج إليها أي تكتل اقتصادي أو سياسي.
ليس هناك رئيس وزراء بريطاني يمكنه المراوغة حول استفتاء الخروج الذي تم في حزيران (يونيو) الماضي، حتى لو كان من أعنف المؤيدين لبقاء بلاده في الاتحاد. فالمسألة تتعلق بالتفويض الشعبي له من أجل الانسحاب، وهذا أمر لا يقبل التراجع أو حتى التفاوض. بل لا يمكن إعادة الاستفتاء بصيغته التي تمت. ويكفي رئيسة الوزراء تيريزا ماي الآن ضعفها السياسي الداخلي، وهشاشة وضعية حزبها على الساحة، وتقدم لافت (وحتى مفاجئ) لحزب العمال المعارض. ولكن كل هذا ليس مهما. فالقفز فوق الاستفتاء لا يجري في بلدان مجبولة على الاستفتاءات الشعبية ــــ الوطنية. وماي التي تُحسب على معسكر البقاء في الاتحاد، هي من أشد السياسيين التزاما وتطبيقا لرغبة الذين صوتوا لمصلحة الخروج، بصرف النظر عن نسبتهم، وهي قليلة كما يعرف الجميع.
المهم، أن "الإغراءات" الأوروبية بإمكانية بقاء بريطانيا ليست ذات قيمة أمام التمسك بالديمقراطية، حتى وإن بلغت هذه "الإغراءات" حد أن أعلنت المفوضية الأوروبية، أنه يمكن إيقاف مفاوضات الخروج مع بريطانيا في أي وقت وبقاؤها عضوا. ولكن هل يمكن وضع العرض الأوروبي المفاجئ ضمن نطاق "الإغراءات"؟ الإجابة المباشرة والسريعة هي لا. والسبب واضح جدا جاء في سياق كلام "العارضين". فهؤلاء يقولون، إن بإمكان المملكة المتحدة البقاء، ولكن عليها أن تكون ملتزمة بكل الاتفاقيات والقوانين الأوروبية. بمعنى آخر، أن بريطانيا إذا ما حدثت معجزة وقررت البقاء، عليها أن تقبل بكل ما هي مستثناة منه أصلا. أي أنها "ستعود" صاغرة. لماذا؟ لأن الاتحاد الأوروبي "الجديد" يلغي كل الاستثناءات لأي بلد ضمن نطاقه.
وهنا يمكننا أن نترك كلام بريجيته تسيبريز وزيرة الاقتصاد الألمانية جانبا، لأنه ببساطة لا معنى له. فهي قالت "إن عدول بريطانيا عن قرار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، سيكون أمرا عظيما، وإن كان حدوث هذا يبدو مستبعدا". ورغم كل هذا الكلام "الجميل"، إلا أنها تقول دون أن تتحدث "حسنا، قررتم الخروج برغبتكم، ولكن بقاءكم ـــ إن حصل- سيتم بشروطنا". وحتى لو حدث المستحيل، وقامت رئيسة الوزراء البريطانية بعرض "الباب" الأوروبي المفتوح على الشعب البريطاني، فهي لا تحمل من بروكسل شيئا يمكن تسويقه على البريطانيين لدخول هذا "الباب". كان ماكرون المرحب بالبقاء فظا حين قال "إن الباب المعروض يشبه أبواب رواية -أليس في بلاد العجائب- أي أن كل باب يختلف عن غيره".
ما سيجري الآن هو التوصل بين الجانبين إلى حلول وسط في اتفاق الرحيل. علما بأن الأوروبيين أعلنوها صراحة أنه ليس في نيتهم السير في هذا الاتجاه. والحلول الوسط تنقذ الجانب البريطاني، كما أنقذته طوال أكثر من أربعة عقود شكلت المدة الزمنية لعضوية المملكة المتحدة في هذا الاتحاد. وفي كل الأحوال، لا يبدو أن مكاسب ذات قيمة كبيرة ستجنيها بريطانيا حتى في حال التوصل إلى هذا النوع من الحلول. وأقصى عائد سيكون اتفاقا تجاريا بينها وبين الاتحاد الأوروبي، يأخذ في شيء من الاعتبار، حقيقة التحالف الاقتصادي الذي ربطهما مع بعضهما بعضا طوال العقود القليلة الماضية. لا يبدو أنه ستكون هناك امتيازات يمكن التحدث عنها، وفي النهاية ستكون بريطانيا دولة "أجنبية" كانت لفترة ما "شقيقة".
من هنا، فإن أي حديث يتم تداوله على الساحة الأوروبية بشأن إمكانية بقاء بريطانيا في الاتحاد، مزيج من التمنيات والأوهام. والجميع يعرف هذه الحقيقة، لكن لا بأس من ترطيب الأجواء، ورفع مستوى النبرة الدبلوماسية إعلاميا فقط. يُظهر ذلك على الأقل أن المفوضية الأوروبية المتحفزة لبدء مفاوضات الخروج، تروج المرونة لنفسها قبل أن تبدأ بكل قدراتها "طحن" المفاوض البريطاني، مستغلة بالطبع حقيقة أن نصف الشعب البريطاني تقريبا أراد بقاء بلاده في الاتحاد. كل التمنيات تتحطم تلقائيا أمام حق الذين انتصروا في استفتاء الخروج. وكل المحاولات لا قيمة لها لتغيير هذا الواقع. في بريطانيا، كغيرها من البلدان المتقدمة، لا شيء يعلو فوق رغبة الناخب، بصرف النظر عن جهل هذا الناخب، وأحيانا بلاهته.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الأحد، 18 يونيو، 2017



خروج من صعب إلى أصعب



كتب: محمد كركوتي

ستكون المفاوضات الخاصة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي التي تنطلق أكثر من صعبة. بعد أن كانت صعبة فقط قبل الانتخابات البريطانية العامة التي حولت نتائجها "تمنيات" رئيسة الوزراء تيريزا ماي إلى مجموعة من الهموم. هموم تتعلق بحزبها، وأخرى ترتبط بمصير بقاء المملكة المتحدة على شكلها الراهن، وهموم تخص التركيبة الانتخابية المحلية الجديدة، وأخرى لها صلة مباشرة بالصعود المفاجئ لحزب العمال المعارض. هذا الحزب الذي كان قبل شهرين فقط من الانتخابات العامة "مَضحكة" انتخابية، لاعتقاد الجميع (بمن فيهم شرائح من العمال) بأنه لا يمكن أن يحقق تقدماً في أي انتخابات طالما ظل جيرمي كوربين على رأسه. وهذا الأخير قاوم كل الضغوط والمحاولات لعزله، إلا أنه نجح في البقاء، وجلب لحزبه مقاعد برلمانية مُقتنصة من حزب المحافظين الحاكم وبقية الأحزاب الأخرى.

         ليس مهماً في الوقت الراهن الحديث عن نتائج الانتخابات. فأرقامها التي صبت في صالح العمال مذهلة، وتختصر المشهد السياسي والانتخابي العام. المهم الآن وحتى عامين مقبلين على الأقل، هو شكل مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والأهم طبيعة اتفاقات الخروج التي سيتم التوصل إليها. بينما عبرت دوائر المفوضية الأوروبية عن مخاوفها ليس من خروج بريطانيا، بل من تباطؤ الخروج في ظل وجود حكومة بريطانية ائتلافية هشة قابلة للانهيار عند أول مشروع قرار يعرض للتصويت في مجلس العموم، حتى لو كان هذا المشروع يختص بمنع "مضغ اللبان -العلكة"! أو شكل الزينة العامة في أعياد الميلاد! حكومة الائتلاف اليوم قد لا تكون موجودة في أسبوع أو أسبوعين من الآن، ليعود الاضطراب السياسي إلى حاله فوراً. واضطراب من هذا النوع في ظل مفاوضات تاريخية، له تداعياته السلبية على طرفيها.

        كانت تيريزا ماي قبل الانتخابات العامة التي دعت "ببلاهة" إليها، تريد أن تشكل حكومة قوية من أجل المفاوضات. ولا سيما إذا علمنا أن يوجد على طاولة المفاوضات ما لا يقل عن ألفي اتفاقية بين أوروبا والمملكة المتحدة، تضاف إليها مذكرات تفاهم تتحول تلقائياً إلى شكل من أشكال الاتفاقات، إلى جانب التزامات بريطانيا المالية تجاه الاتحاد نفسه. بعض التقديرات أشارت إلى أن تكاليف الخروج ربما تتساوى مع كلفة البقاء. وهناك تخمينات أخرى تتحدث عن أن الخروج أكثر كلفة من البقاء. وقد تصل التكاليف إلى أكثر من 100 مليار يورو، كما أنها ستُدفع على مدى سنوات. باختصار، الخروج لا يوفر لبريطانيا الدفعات المالية الهائلة المستحقة عليها بشكل أو بآخر.

        وهنا في الواقع تكمن صعوبة المفاوضات. فكما يقال "دخول الحمام ليس مثل خروجه"، ولندن تعرف هذه الحقيقة الآن بصورة أكثر وضوحاً، ولاسيما مع تأكيدات الأوروبيين على ألا تتوقع بريطانيا معاملة خاصة. وهذه النقطة بحد ذاتها هي عبارة عن رسالة أوروبية لكل البلدان المنضوية تحت لواء الاتحاد، بأن لا تفكر للحظة في خروج سلس أو غير مكلف. مع التأكيد أيضاً على أنه لن يسمح لبريطانيا بعقد اتفاقات تجارية ثنائية مع أي دولة في العالم (بما فيها الاتحاد الأوروبي نفسه) خلال فترة المفاوضات. ما يجعل الوضعية التجارية للبلاد أكثر اضطراباً، لتضاف مباشرة إلى الاضطراب السياسي المحلي العام، إلى جانب عامل مهم أيضاً، يرتبط مباشرة بمعسكر البريطانيين الذين لا يزالون متمسكين بقوة ببقاء بلاده ضمن الحضن الأوروبي.

        أمام هذه المعطيات، كانت بريطانيا بحاجة لحكومة تحكم بأغلبية، ولا تهتم بالمناوشات السياسية من هنا وهناك. حكومة تعرض اتفاقها التاريخي على الشعب البريطاني، ولو تطلب الأمر تصويتاً عليه في مجلس العموم. تعرضه دون خوف من تمرد نواب أحبوا أوروبا وكرهوا الانفصال، بصرف النظر عن الشرعية "الاستفتائية" لهذا الانفصال، وهي حق مكفول عند المحبين والكارهين لأوروبا. الخروج الذي كان صعباً، صار أشد صعوبة. وتحتاج تيريزا ماي في الواقع إلى مجموعة من العيون الخاصة بها في وقت واحد. عين على المفاوضات المروعة قبل أن تبدأ، وأخرى على حكومتها الضعيفة التي لا تتمتع بأغلبية برلمانية ضامنة، وعين على علاقات بريطانيا مع العالم، وأخرى على المملكة المتحدة نفسها المهددة بالتفكك. بل عين على منصبها المستهدف من وزرائها الكبار.

        تريد خروج "سلس"؟ عليها أن تعترف علناً أنها لا تضمنه. تسعى لخروج سريع، من واجبها اليوم أن تقول "إنه ربما سيكون طويل.. طويل". لا مقاومة عملية لرئيسة الوزراء أمام "وحشية" المفاوضين الأوربيين، والأهم أنه لا ملجأ وطني قوي أو عملي لها أيضاً أمام هذه "الوحشية". إنها تمضي قدماً إلى المفاوضات وهي تسير بثبات إلى "أحضان" التاريخ، الذي ستدخله من كل الأبواب. رئيسة الوزراء التي خرجت بلادها من الاتحاد في عهدها، والرئيسة التي فاوضت بضعف (إن بقيت فعلاً في منصبها حتى نهاية المفاوضات)، والمسؤولة التي كسرت نفسها بيدها عندما دعت لانتخابات مبكرة ظنتها أنها مضمونة. دون أن ننسى بالطبع، أنها قد تكون في منصبها، إذا ما نجحت اسكتلندا من نزع التاج البريطاني عن رأسها، وحققت ايرلندا الشمالية تقدماً هي الأخرى في الانفصال عن هذا التاج.


(المقال خاص بجريدة "الاتحاد" الإماراتية)

السبت، 17 يونيو، 2017


المقامرة التي كسرت تيريزا


"الفن، والحرية، والإبداع تغير المجتمع بقوة أسرع من السياسة"
فيكتور بينشوك رجل أعمال أوكراني وفاعل خير معروف

كتب: محمد كركوتي

ليست
ماما تيريزا الراحلة المعروفة. إنها تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية، التي أطلقت المقامرة على مستقبلها رغم أنها لم تكن بحاجة إليها. أما المقامرة، فهي الدعوة لانتخابات عامة مبكرة جدا، في وقت كانت تتمتع بمقاعد برلمانية في مجلس العموم تسمح لها بالمضي قدما في رسم سياساتها وصنع القوانين والقرارات، والأهم البدء بمفاوضات ستكون بالقطع مضنية مع الاتحاد الأوروبي للانسحاب منه. صحيح أن أغلبيتها لم تكن ساحقة، ولكنها بالتأكيد تكفل لها وقودا للحراك السياسي دون منغصات، في وقت نشر الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي المنغصات في كل الأركان، وصنع خلافات حتى ضمن التيار السياسي والاجتماعي الواحد في البلاد كلها. كانت تيريزا ماي تأمل أن تحصد مزيدا من المقاعد في الانتخابات العامة التي دعت إليها، لتشكل حكومة قوية. ولأن الأمر كان مقامرة غير محسوبة على الإطلاق، خسرت رئيسة الوزراء أغلبيتها البرلمانية!
الثابت أن ماي عندما دعت لانتخابات مبكرة، كانت تستند إلى حقيقة أن شعبية حزب العمال المعارض المنافس الأكبر في الحضيض. وليس هذا فحسب، بل كان هناك صراع علني عنيف بين قيادات الحزب العمالي من أجل التخلص من زعيمه جيرمي كوربين الذي اعتبرته الغالبية العظمى، زعيما لا يمكن أن ينتصر الحزب بزعامته، في أي انتخابات، بصرف النظر عن توقيتها. وقعت ماي وفريقها الاستشاري بهذا المطب، مستندة بالطبع إلى أن ما يجري على الساحة العمالية هو في الواقع حملة انتخابية مضادة لهذا الحزب، وبالتالي هي حملة تصب تماما في سياق مصالح حزب المحافظين الذي تتزعمه. "تغنت" رئيسة الوزراء بالفارق الهائل في شعبية حزبها مع العمال وفق استطلاعات للرأي كانت حقيقية بالفعل، لكنها لم تكن طويلة الأمد في حقائقها.
الذي حصل، أن كوربين وأعوانه المخلصين، قدموا مشروعا انتخابيا عالي المستوى، والأهم قريبا جدا من شرائح الشباب، وهو أمر لم ينتبه إليه المحافظون، يضاف إلى ذلك أن المحافظين أنفسهم تعرضوا لهجوم بالبراهين والإثباتات من زاوية ماي نفسها، في أعقاب الهجمات الإرهابية التي استهدفت بريطانيا في غضون ثلاثة أشهر فقط. فقد تم تحميل ماي المسؤولية لأنها قلصت قوة الشرطة في بريطانيا بأكثر من 20 ألف فرد، عندما كانت وزيرة للداخلية على مدى خمس سنوات في حكومة ديفيد كاميرون. أمام الأعمال الإرهابية لابد من ضحايا مباشرين وآخرين غير مباشرين، وكانت تيريزا ماي من أولئك. وفي الغرب، لا حلول وسط عادة في التعاطي مع المسألة الأمنية. رغم أن الجميع يعرف، أن الـ20 ألف شرطي الذين سرحوا، لا يضمنون بالطبع عدم وقوع أعمال إرهابية هنا أو هناك.
بعد الانتخابات العامة الأخيرة، تحولت حكومة المحافظين من سلطة قوية كانت تسعى لمزيد من القوة، إلى سلطة ضعيفة تتسول تحالفا مع أحزاب صغيرة لتتمكن من تشكيل حكومتها. في حين أظهرت تقدما مذهلا لحزب العمال بزعيمه كوربين على حساب كل الأحزاب وفي مقدمتهم المحافظون أنفسهم. الخسارة كانت مفجعة بالفعل "رغم أن المحافظين حافظوا على التفوق بعدد المقاعد" إلى درجة أن عشرة وزراء في حكومة تيريزا خسروا مقاعدهم البرلمانية، وبالتالي مناصبهم الوزارية. وهذه إشارة مروعة "سياسيا" إلى أن الخسائر لم تصب مرشحي الحزب الحاكم فقط، بل مرشحيه الذين يحتلون مناصب في الحكومة. ومع أن زعيم الحزب "عادة" الذي يخسر الأغلبية البرلمانية يستقيل من زعامة الحزب، أصرت ماي على المضي قدما في تشكيل حكومة ائتلافية معرضة في أي لحظة للانهيار على أهون الأسباب.
والانهيار هنا في هذا الوقت بالذات سيكون كارثة على البلاد كلها، لأن بريطانيا تحضر نفسها في أيام لبدء مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي بحكومة ائتلافية هشة مضطربة. ففي حين أن هذه المفاوضات التاريخية الحرجة الصعبة تتطلب وحدة وطنية، فإن ما حصل في المملكة المتحدة عكس ذلك تماما. لم تمر بريطانيا بهذا المشهد السياسي المروع منذ سبعينيات القرن الماضي، ولكن ما يجعل الوضع أكثر ترويعا في الحالة الراهنة، ليس سوى المفاوضات المرعبة حقا، خصوصا أن تكاليف الخروج ستتساوى مع تكاليف البقاء، وبعض التقديرات تتحدث عن أنها ستكون أعلى حتى من تكاليف استمرار بريطانيا عضوا في الاتحاد. هل الأجواء ضبابية في بريطانيا؟ لا، إنها سوداء حالكة، وتبقى مليئة بالمفاجآت لاسيما تلك المرتبطة بإمكانية انفراط عقد الحكومة الائتلافية الهشة عند أول منعطف.
المستشارون "الناصحون" الذين شجعوا تيريزا ماي على إطلاق انتخابات عامة مبكرة رحلوا في الساعات الأولى التي أعقبت إعلان النتائج. لكن هذا لم يؤثر بأي صورة في حقيقة الأوضاع في أعقاب الانتخابات. وبينما كان زعيم العمال كوربين يعاني العصيان داخل حزبه، صارت ماي في وضع كوربين الآن تماما، خصوصا مع بدء بعض المحافظين الحديث عن ضرورة استقالة تيريزا فورا، وعن أنها ليست مؤهلة في الواقع لحكم البلاد بصرف النظر عن نجاحها في استدراج حزب إيرلندي صغير جدا لمنحها الشرعية البرلمانية.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الاقتصاديون في أزمة مستدامة



"نحن نعلم جميعا، أن الاقتصاديين وجدوا، لجعل أحوال الطقس تبدو جيدة"
روبرت ميردوخ - مستثمر عالمي في مجال الإعلام

كتب: محمد كركوتي

ليست الأزمة الأولى التي يمر بها الاقتصاديون حول العالم. بل لا توجد مرحلة لم يمر بها هؤلاء في أزمة، أو شيء منها. ورغم محاولاتهم الابتعاد عن الأزمات (أو إبعادها عنهم لا فرق)، إلا أنهم ظلوا بمنزلة الوعاء الذي يحتضن كل السلبيات والانتقادات والهجوم، وأحيانا كثيرة الوعاء الذي يحتوي على الشتائم أيضا. حتى إنهم في بعض المراحل، تحملوا أخطاء حكومات ظلما، وإن كانوا في نظر شرائح عديدة من هذا المجتمع أو ذاك، ليسوا من المظلومين. لماذا؟ لأنهم هم السبب الرئيس للمشكلات، رغم أن أغلبيتهم العظمى لا تملك القرار أو السلطة لاتخاذ قرارات تؤدي لهذه المشكلات. فباستثناء بعض الاقتصاديين الذين جلسوا في موقع صناع القرار، تبقى الأغلبية العظمى منهم بعيدة عنه، وإن اقتربت منه عبر علاقات يصنعها الميدان الاقتصادي تلقائيا.
لا أحد "مثلا" سينسى قريبا المأساة التي شاركوا فيها وأخذت شكل الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت عام 2008. في الواقع دخلوا التاريخ في هذا المجال، وباتوا جزءا لا يتجزأ من أي دراسة أو بحث أو تحليل يتناول هذه الأزمة - المصيبة. وضع الاقتصاديون جنبا إلى جنب المصرفيين الذين "اخترعوا" مشتقات مالية مروعة، وقاموا بتسهيل الحصول على قروض غير مضمونة، وأغرقوا الناس بالوعود الوردية الجميلة، وضللوا حتى المسؤولين في بعض الحكومات حول العالم، الأمر الذي أنتج الأزمة العالمية المشار إليها. مرة أخرى لم يكن للاقتصاديين سلطة القرار، ولكن بلا شك كان "ولا يزال" لديهم امتياز التلاعب بالحقائق، أو في أفضل الأحوال الجهل في قراءة الآثار المترتبة على حراك اقتصادي هنا وآخر هناك.
والحق إن الهجوم على الاقتصاديين ليس مقتصرا على الناس العاديين لاسيما أولئك الذين تضرروا بصورة عميقة جراء توقعاتهم وقراءاتهم المضللة أو الخاطئة. بل شمل أيضا باحثين مختصين وأكاديميين. وانفجر هؤلاء عليهم، في أعقاب تصويت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي. ففي حين يعتبر الاقتصاديون أن خطأ طفيفا حدث في توقعاتهم حول ما سيحدث في أعقاب الخروج البريطاني، يرى المنتقدون أنهم فشلوا. ويرد مارك هاريسون الأستاذ في جامعة وورك البريطانية على مهاجمي الاقتصاديين قائلا: "هل علم الأوبئة في أزمة بسبب عدم تنبؤ مسؤولي الصحة العامة بأكبر وباء إيبولا في التاريخ؟". ولكن الأمر لا يحسب وفق هذه المقارنة، خصوصا أن التاريخ أثبت عدة مرات أن النسبة الأكبر من الاقتصاديين لا يتعلمون بسرعة.
ورغم أن جانبا كبيرا منهم يعترف بالأخطاء، إلا أنهم يقعون فيها مجددا، أو يسقطون بحالات مشابهة لها. فاعتراف بنك إنجلترا المركزي بأنه بالغ في التأثير قصير المدى لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي "مثلا"، لا يزيل عنه الخطأ الفادح. ومثل هذه "المبالغة" حملت عواقبها الخطيرة معها. والحق إن مثل هذه الاعترافات كثيرة في الساحة الاقتصادية العالمية. فحتى ألان جرينسبان رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق قال في أعقاب انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية "إنه لم يتوقع أن تكون الأزمة بهذا المستوى، وإنها تحصل مرة كل 100 عام". ماذا حدث؟ وقع العالم أجمع في براثنها، وفي المقدمة كانت الولايات المتحدة نفسها. فالخطأ الذي لا يمكن تصحيحه إلا بعد عقود من الزمن، ليس خطأ بل خطيئة، لاسيما عندما يرتبط بأجيال لم تولد بعد.
وللملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا موقف شهير في هذا المجال، عندما زارت كلية الاقتصاد في لندن، وطرحت سؤالها الشهير للقائمين على الكلية "لماذا لم يشاهد أحد الأزمة المقبلة (أزمة 2008) وهي في الطريق؟" وكان الجواب أن المسألة لا تتعلق بالتنبؤ، بقدر ما تتعلق بالتفكير الهائل بالتمني والغطرسة في كامل حوكمة النظام المالي. ولكن مهلا، لماذا لم يتحرك الاقتصاديون ويكشفون "تفكير التمني والغطرسة"؟ لا جواب هنا. لكن عندما تحرك بعضهم بالفعل وحذر من المصيبة القادمة، كانت الأغلبية العظمى منهم تتعاطى معهم بسخرية، ناهيك طبعا عن تأييد الحكومات التي كانت قائمة لـ"اقتصاديي التمني والمتغطرسين". الحكومات أحبت سماع هؤلاء، وسخرت هي أيضا من منتقديهم.
لا يمكن التعميم هنا، فهناك اقتصاديون وقفوا بالفعل في وجه الحراك المالي السيئ سواء ذاك الذي يخص الأزمة أو غيرها، لكن أدواتهم كانت معدومة. ومن الواضح أن السياسيين استخدموا الشريحة الأكبر من الاقتصاديين الذين "يلحنون قصائدها" غير البريئة"، وهي قصائد تفيد مرحلتهم فقط وتنال من المراحل الأخرى المقبلة. وابتعد السياسيون عن أولئك الذين يظهرون الركاكة في "قصائد الحكومات" ما يؤثر بالطبع سلبيا في أدائهم الشعبي. إنها مسألة مصالح منذ البداية، غير أنها مصالح لا تضر فردا ولا جماعة، بقدر ما تنشر المصائب والأعباء في المجتمع ككل. وليس هذا فحسب، بل تنال أيضا من هذا المجتمع لسنوات طويلة، وطويلة جدا
.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الخميس، 1 يونيو، 2017



ناهب إفريقيا ليس أجنبيا فقط



"لا تحتاج إفريقيا اليوم للمساعدات، بل للتجارة والاستثمارات، من أجل تحقيق التطور والنمو"
بول كاجامي رئيس رواندا



كتب: محمد كركوتي

ليس
جديدا أن نسبة كبيرة من الثروات الإفريقية تنهب، وعمليات النهب هذه تجري منذ عقود، وبأشكال مختلفة، تشمل معظم الميادين، من الثروات الكامنة في الطبيعة، إلى الفساد والتهريب والسمسرة وغير ذلك من الأدوات التي تضمن لك ثروة كبيرة في أقل مساحة زمنية ممكنة، بصرف النظر عن ماهيتها وشرعيتها والأذى الذي تتسبب فيه للبلاد كلها. ليس جديدا ما يجري في هذه القارة في هذا السياق، صحيح أن مستويات النهب والفساد تختلف من بلد لآخر، لكن الصحيح أيضا أن الغالبية العظمى من البلدان، تعيش تحت وطأة وعبء النهب والفساد. والحقيقة الأبشع، أن تكاليف النهب ستعيش لعقود طويلة قادمة. فالأجيال التي لم تولد بعد، ستنال حصتها من هذا الخراب، بمعنى أنها تتحمل أعباء جريمة لم ترتكبها.
الجديد في هذه القضية المتواصلة، أنه رغم تراجع معدلات عمليات النهب والفساد بأشكالها المختلفة في أنحاء العالم بشكل عام، فإنها ترتفع في مناطق عديدة في القارة الإفريقية. فلا عجب في أن ترى أفقر البلدان تقبع في هذه القارة. والأرقام المتداولة صادمة بالفعل، على الرغم من أنها تقريبية، إلا أن الأمر لا يحتاج إلى جهد كبير لمعرفة مدى صحتها. فنظرة عامة على الأحوال الاجتماعية والاقتصادية في البلدان المعنية، تعطي الجواب الأمثل لواحدة من أسوأ الأزمات التي تعيشها إفريقيا. علما أنه لا يوجد نقص في المعلومات الآتية من هذه المنطقة، لاسيما مع وجود عشرات المنظمات الدولية الرصينة في القارة، بما فيها تلك التابعة للأمم المتحدة، وبعض المنظمات الأهلية العالمية ذات السمعة العالية.
يجري تحميل الغرب المسؤولية في استمرار عمليات النهب وارتفاع معدلات الفساد في إفريقيا. وهذا صحيح إلى حد ما لكنه ليس السبب الوحيد والرئيس. على الصعيد الحكومي حققت البلدان المتقدمة ذات النشاطات الإنمائية في إفريقيا خطوات مهمة في المجال التنموي، لكنها تبقى خطوات محدودة، لأنها تصطدم بالفعل بجدار الفساد الذي يمثل الأساس في عدد كبير من البلدان الإفريقية، أما النزاهة فتظل استثناء هناك، ما يرفع بالضرورة مستوى نجاح عمليات النهب، بصرف النظر عن الجهات الناهبة غربية كانت أو شرقية. فالأساس لا يتغير هنا، وهو يكمن في الجهات المحلية التي يفترض أنها تعمل للمصلحة الوطنية العامة! ويتحمل الغرب "على وجه الخصوص" مسؤولية كبيرة، ليست في ارتفاع معدلات النهب والفساد، بل لأنه تأخر عن تعديل سياساته الإنمائية في القارة. مع التعديل الذي تم بالفعل منذ عقد من الزمن، بدأت الأمور تتجه في مسارات عالية القيمة والعوائد والجودة.
غير أن هذا لا يكفي، في ظل وجود حكومات لم تصل إلى السلطة إلا بالفساد، ولا يمكن أن تواصل عملها إلا به أيضا. فهل يعقل أن بلدا كالكونغو يمتلك ثروة من الألماس والنحاس والنفط تصل قيمتها إلى 24 تريليون دولار هو من أوائل البلدان الأفقر في العالم؟! لنترك جانبا تقرير الشفافية العالمية الذي أظهر معلومات مرعبة عن الفساد في القارة الإفريقية. وهو من أفضل التقارير في هذا المجال. وفق "وثائق بنما" الشهيرة التي فضحت الجميع، فإن "رجال أعمال" أفارقة يلجأون لشركات وهمية، من أجل إخفاء الأرباح التي يجنونها من بيع الموارد الطبيعية والرشا والتهريب بأنواعه. وهذه الموارد وغيرها تقدر بعدة عشرات من مليارات الدولارات، وتجري العمليات دون توقف، مع وجود "الحواضن" اللازمة لها.
وفي آخر تقرير لمؤسسة "جلوبال جستس ناو"، أظهرت هذه الأخيرة، أن القارة الإفريقية تلقت ما مجموعه 162 مليار دولار عام 2015 على شكل قروض ومساعدات وتحويلات شخصية، لكن في العام نفسه تم أخذ 203 مليارات دولار من القارة، إما بشكل مباشر عن طريق الشركات متعددة الجنسيات التي تحوّل أرباحها إلى موطنها الأصلي خارج القارة، إضافة إلى استخدامها طرقا ملتوية وغير قانونية للحصول على ملاذات ضريبية، أو بشكل غير مباشر عن طريق التكاليف التي تفرضها بقية دول العالم على القارة للحد من الاحتباس الحراري وتقليل آثاره. في حين بلغت التدفقات المالية غير المشروعة 68 مليار دولار سنويا. طبعا الفارق مروع بين الداخل والخارج من الأموال، مع ضرورة أن كل الأموال الداخلة تصل بصورة شرعية، وغالبية الأموال الخارجة لا تخرج بهذه الصورة.
الجميع يتحمل مسؤولية النهب والفساد في القارة الإفريقية. وللإنصاف لا يمكن أن تتساوى مسؤولية جهات أجنبية في غالب الأحيان تلعب حتى على حكوماتها، مع مسؤولية الجهات الإفريقية "الوطنية" التي يتوجب عليها أن تكون حامية لثروات بلدانها. فالمسؤولية الأولى تقع على أولئك الذين لديهم الاستعداد لتدمير بلادهم اقتصاديا واجتماعيا، من أجل بناء ثروة سرية هنا، وملكية وهمية هناك. وحسابات ليست لتأمين مستقبل أمة، بل لضمان رفاهية بأعلى المستويات لعدد من أفراد أسرة واحدة أو عدة أسر فقط.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



عين على أوروبا وأخرى على اسكتلندا


"استفتاء اسكتلندا في 2018 لن يكون قانونيا"
ديفيد ماندل ـــ الوزير البريطاني لشؤون اسكتلندا

كتب: محمد كركوتي

ينبغي أن يكون لرئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي عدة عيون في آن معا. لا تكفي اثنتان في المرحلة المقبلة، ولا سيما بعد أن حددت الـ 19 من الشهر المقبل موعدا لإطلاق مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي. عين على أوروبا، وعين على اسكتلندا، وأخرى على إيرلندا. عين على مفاوضات ما بعد مفاوضات الخروج، مع بلدان العالم من أجل إبرام اتفاقيات تجارية مع المملكة المتحدة. عين مكانة بريطانيا على الساحة العالمية ككل، وأخرى على الولايات المتحدة. تحتاج ماي إلى سلسلة من العيون في آن معا. ولكن هل هناك أهمية لـ "عين" على أخرى؟ الجواب بالتأكيد يبقى نعم. فإذا كانت لندن تستطيع تأجيل النظر في مفاوضات التجارة مع بقية دول العالم، لا يمكنها التأجيل في التعاطي مع الحراك الاسكتلندي الانفصالي. هي تحتاج في الوقت الراهن إلى عينين اثنتين، واحدة تحملق في المفوضية الأوروبية التي ستتفاوض مع بريطانيا نيابة عن كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والثانية تجحظ على المسيرة السياسية التي تقودها الحكومة المحلية الاسكتلندية للانفصال عن التاج البريطاني. التفكك الداخلي في المملكة المتحدة يخيف أي حكومة بريطانية بصرف النظر عن هوية الحزب الحاكم. وإذا كانت هذه "المملكة" قد نجت قبل عامين من فخ الانفصال الاسكتلندي عنها، فإن فرصها الآن ليست بالقوة نفسها التي كانت عليها آنذاك، لسبب واحد فقط، هو أن حقائق جديدة أفرزها استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، لم يكن أحد يفكر فيها أصلا في السابق. فالذين قبلوا بالبقاء تحت التاج البريطاني من الاسكتلنديين، كانوا في الواقع "يعزون" أنفسهم بوجود هذا التاج تحت راية الاتحاد الأوروبي. وتبدو الإشارة ضرورية هنا، حول الأضرار التي ستنجم عن انفصال اسكتلندي. فإذا كانت الأضرار سياسية أكثر منها اقتصادية بالنسبة لبريطانيا، فالأضرار ستكون اقتصادية أكثر منها سياسية على اسكتلندا. يرى (مثلا) بنك أوف ميريل لنش، أن أدنبره ستواجه ضغوطا تمويلية، وضبابية حيال العملة التي ستتبناها. يضاف إلى ذلك التجارة بين اسكتلندا وبريطانيا، التي ستتضرر بصورة كبيرة. دون أن ننسى، أن العجز الاسكتلندي سيتفاقم، وسجل 9.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2015 و2016. باختصار تشكل بريطانيا بالنسبة لاسكتلندا الأهمية نفسها التي يشكلها الاتحاد الأوروبي بالنسبة للمملكة المتحدة، خصوصا مع صادرات اسكتلندية لبريطانيا تمثل 64 في المائة من إجمالي الصادرات. وهذا يعني أن أدنبره ستخسر كثيرا فيما لو قررت الانفصال عن بريطانيا، إلا أن السؤال الأهم يبقى حاضرا، وهو هل تستطيع اسكتلندا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بصورة سريعة؟ وإذا تم ذلك، هل ستكون قادرة على البقاء في هذا الاتحاد؟ للوهلة الأولى هناك ترحيب أوروبي بهذه الخطوة، والأوروبيون حريصون على أن يكون الترحيب آت من مستويات بعيدة نوعا ما عن الحكومات الأوروبية، لأن الاتحاد لا يريد أن يظهر أنه يشجع على الانفصال أو أي انفصال أوروبي آخر. كما أنه لا يريد أن يظهر بصورة المنتقم من بريطانيا لأنها تنسحب منه. ولا شك أن الاتحاد يستطيع أن يحتوي اسكتلندا بسهولة، ويمكن أن يكون مرنا معها، حيث يترك لها مساحة زمنية لتوائم أوضاعها الجديدة مع الأوضاع العامة في الاتحاد الأوروبي ككل. الواضح للوهلة الأولى أن استمرار عضوية اسكتلندا في السوق الأوروبية المشتركة، سوف يعوضها عن بعض ما ستخسره من تضرر التجارة مع بريطانيا، وهذا الأمر تتفق عليه كل الجهات، بما فيها مسؤولون في الحكومة البريطانية نفسها. وفي الفترة السابقة أبدت حكومة أوروبية (إسبانيا) ترحيبا رسميا بدخول اسكتلندا الاتحاد الأوروبي. والترحيب الإسباني له دلالاته، لأن مدريد كانت تعارض هذه الفكرة من أساسها انطلاقا من موقفها الرافض لانفصال كتالونيا عنها. فهي لا تريد أن تكون هناك سابقة أوروبية. إلا أن الأمر تغير الآن. فالترحيب بأدنبره يتزايد من أطراف أوروبية عديدة، الأمر الذي يمهد الطريق أمام الاسكتلنديين لطرح استفتاء العام المقبل للانفصال من المملكة المتحدة، بصرف النظر عن معارضات الحكومة المركزية في لندن. في الداخل البريطاني ستتغير الأمور، ولن تكون مشابهة لتلك التي كانت سائدة أثناء عضوية البلاد في الاتحاد الأوروبي. فالمشاعر القومية تحت التاج البريطاني تأججت بفعل مشاعر وسلوكيات شعبوية بريطانية شاركت فيها شريحة من الاسكتلنديين أنفسهم. وفي كل الأحوال، الاتحاد الأوروبي الذي تمكن من السيطرة على مشاكل اقتصادية مخيفة في اليونان وإسبانيا والبرتغال وإيرلندا وإيطاليا على مدى السنوات القليلة الماضية، يمكنه ببساطة استيعاب أي آثار سلبية قد تظهر في المرحلة الأولى لانضمام اسكتلندا إليه. ويبدو واضحا أن غالبية الاسكتلنديين يفضلون الراية الأوروبية على التاج البريطاني ليس بسبب ضغائن انتهت في الواقع منذ قرن، ولكن من أجل ازدهار على المستوى الأوروبي العالمي، لا المحلي.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


ضمير بلير الأوروبي لا غير


"بريطانيا العظمى فقدت الإمبراطورية، ولم تجد بعد دورا لها" دين أشيسون وزير خارجية أمريكي راحل

كتب: محمد كركوتي

حسنا، قرر رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير العودة إلى الحياة السياسية، ليس كزعيم أو نائب برلماني، أو وزير مثلا، بل كشخصية تتصدى لعملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. هو يعرف قبل غيره، أنه لا يستطيع العودة إلى العمل السياسي بمفهومه التقليدي المعروف، والسبب يعرفه العالم أجمع، في أنه لم يترك لسمعته السياسية أي مدخل للعودة. فـ "التلوث" السياسي الذي أصيب به، لا يترك مجالا أمامه لـ "تطهير" نفسه. مع وصول بلير إلى الحكم في عام 1997، اكتسب توصيفا بالغ الأهمية، في أنه مثل "التفلون"، وهذه الأخيرة مادة معروفة لا يلتصق بها شيء. فكان يتقدم دون شوائب عالقة (وإن وجدت حقا). ومع الوقت تحول "التفلون" إلى مادة صمغية يلتصق بها كل شيء.
اليوم يريد توني بلير العودة فقط للمحاربة على صعيد خروج بريطانيا من الاتحاد، وهو إذا كان كاذبا في عشرات المسائل والقضايا، فإنه (للحق) يتمتع بصدق شديد في هذه المسألة على وجه الخصوص. إنه من الأشخاص الذين لا يستطيعون أن يتابعوا مستقبل المملكة المتحدة خارج الاتحاد الأوروبي، وهو مؤمن تماما ولديه المبررات الحقيقية بأن الخسائر البريطانية ستكون فادحة عند الخروج الفعلي، وأن تصحيح هذا الخطأ (إن تم بعد سنوات أو عقود مثلا) سيكون على حساب بلاده، وأن الذين أرادوا الانفصال، تمكنوا بالفعل من تحقيق نجاح باهر في ترويج الأكاذيب التي انطلت على الناخب البريطاني. وبالطبع فشل المؤيدون للبقاء في ترويج مضاد لهؤلاء، وكانت النتيجة "بريكست" خطير آنيا ومستقبليا.
ورغم أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق لا يمكنه (ولا غيره من الشخصيات) إعادة الساعة إلى الوراء، إلا أنه يراهن على النقطة الأهم الباقية حاليا على صعيد عملية الخروج، وهي تلك الخاصة بالنتائج التي ستتوصل إليها مفاوضات الخروج، وكل التوقعات تشير إلى أنها لن تكون في مصلحة بريطانيا. بل إن التصريحات الأوروبية ظلت واضحة منذ اليوم الأول لقرار بريطانيا الانسحاب، وكلها تدور حول مفاوضات لن تتضمن أي معاملة خاصة للندن، بل على العكس تماما، على هذه الأخيرة أن تدفع ثمن خروجها معنويا وماليا. والثمن كما هو واضح أيضا سيكون كبيرا، والأهم لن ينتهي بانتهاء المفاوضات بل سيستمر لسنوات طويلة بعد إقرار أي اتفاق بين الطرفين.
بالطبع يروج بلير إلى شرعية أن يُستفتى الشعب البريطاني على نتيجة المفاوضات، ويعتبر ذلك قمة الديمقراطية. إلا أن الإشارات الواردة من حكومة تيريزا ماي لا تذكر أي شيء بهذا الخصوص، والواضح فيها أنه لا استفتاءات أخرى، وأن اتفاق الانفصال سيطبق فور إقراره. ومن هنا ستكون حملة بلير إعلامية فقط لأنها لن تصل إلى مرحلة تغيير اتجاه البوصلة، وكل ما ستحققه ليس أكثر من سلسلة جديدة لمسلسل التخويف من الانفصال، وعرض الحقائق بالفعل على الناخب، لكن مهما كانت هذه الحقائق صادمة، فالآلية الاستفتائية لن تكون حاضرة، ولا سيما بعد الانتخابات البريطانية العامة الشهر المقبل، التي من المرجح أن يحقق فيها حزب المحافظين بزعامة ماي انتصارا كبيرا.
الأمر سيان، فيما لو كانت عملية "بريكست" متشددة أو مرنة، أو رقيقة بالنسبة للبريطانية أو خشنة. دون أن ننسى، أن الاتحاد الأوروبي يريد من خلال المفاوضات مع بريطانيا أن يهدد بصورة غير مباشرة أي دولة ضمن نطاقه تفكر في الانسحاب، أو حتى تطلب معاملة خاصة. كانت هذه المعاملة حكرا (تقريبا) على بريطانيا وانتهت الآن. أي أن الاتحاد "سيربي" الأوروبيين ببريطانيا. وبلغت مؤشرات صعوبة وضع بريطانيا في المفاوضات مع وصول الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون إلى الحكم. فهذا الأخير لا يعتبر الاتحاد الأوروبي مهما فحسب، بل إنه يشكل المصير المشترك لكل القارة الأوروبية، وهذا التوجه يلقى قوة دفع لا محدودة من موقف ألمانيا، التي اعتبر بعض مسؤوليها أخيرا، أن البريطانيين يحلمون باتفاق جيد، وهو حلم لن يتحقق.
أمام هذه الحقائق والتوجهات، لا يوجد أمام توني بلير إلا تفعيل نشاطه إعلاميا. وبصرف النظر عن صحة رصد عشرة ملايين جنيه استرليني لحملة مضادة لـ "البريكست" خلال مفاوضات الخروج، فكل الأمور تتجه إلى المسار الذي يرسمه الاتحاد الأوروبي. إنه الطرف الأقوى الآن، بينما تواجه المملكة المتحدة مخاطر حتى من داخلها، عبر توجهات الاسكتلنديين والإيرلنديين الانفصالية بحجة الانفصال الأوروبي. لا شك في أن توني بلير يتحلى (على غير العادة) بصدق كبير في هذه المسألة المصيرية، وهو مستعد للمضي إلى آخر الشوط في سبيل تكريس الحقيقة. لكنه في النهاية جاء متأخرا جدا، فضلا عن أن سمعته لا توفر له وقودا في مواجهة أولئك الذين اعتبروا أن كل مصائب بريطانيا آتية من أوروبا. وهؤلاء يعبرون عن التوجه الشعبوي المشين في الواقع الذي، تلقى ضربة شديدة البأس من انتخاب الفرنسيين ماكرون رئيسا لفرنسا. هذا البلد الذي يحب أن ينظر إليه، على أنه ضمير الاتحاد الأوروبي.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


البطالة العربية .. إلى الأمام سر



"في الحقيقة، عدد قليل جدا من الحكومات تفكر ببطالة الشباب، عندما تقوم بوضع الخطط الوطنية" كوفي عنان، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة

كتب: محمد كركوتي

تتصدر البطالة العربية مشهد الأزمات في المنطقة، إلى جانب طبعا الخراب الحقيقي الذي يحدث في غير بلد عربي. ورغم أن هذه الأزمة ــ المصيبة ليست جديدة بل متجددة، إلا أن الجديد فيها يبقى دائما محصورا في الأرقام التي تصدر بين وقت وآخر حول نسب البطالة وشرائح المتعطلين، وأوضاع سوق العمل، ومخرجات التعليم وهذه السوق، والقطاعات العاجزة عن توفير فرص العمل. وكلها أرقام ترتفع سلبا في كل مرة. وعلى الرغم من قيام بعض الحكومات بخطوات عملية للحد من البطالة في بلادها، إلا أن وتيرة التوظيف تبقى أقل مما هو مستهدف أو مأمول. ما يطرح أسئلة حول الحراك الاقتصادي العام، والأهم حول القطاعات الموجودة وتلك الجديدة، ومدى ارتباط مخرجات التعليم فيها. وهذه وحدها معضلة لا أحد يتوقع أن تشهد حلولا سريعة، لأنها تراكمت ببطء، وبالتالي فهي بحاجة إلى علاج متوافق مع طبيعة الحالة. ومثل هذا العلاج يأخذ وقتا حتى في البلدان الأكثر تقدما. البطالة ليست حكرا على العالم العربي. فهي منتشرة بل متزايدة في دول كثيرة، بما فيها تلك التي تتمتع باقتصادات متقدمة. الفارق بين الحالتين، أن الاقتصادات المشار إليها، يمكنها ببساطة أن تعيش مع البطالة، وتوفر الحد الأدنى المطلوب للعيش الكريم للمتعطلين، دون أن تتأثر اقتصاداتها بصورة خطيرة من جراء ذلك. ومع أن النمو في البلدان المتقدمة أعلى مستوى منه في البلدان العربية خصوصا والنامية عموما، إلا أن فارق النمو لا يدخل عمليا في مشاريع التوظيف، وإن دخل يبقى أقل مما هو مطلوب. الأمر لا يتعلق بدول تعيش حروبا داخلية مخيفة مثل سورية والعراق واليمن. فهذه الدول عليها أولا أن تستعيد الأمن والاستقرار كي تبدأ في مناقشة مسألة البطالة. فلا يمكن حل أي مشكلة مهما كانت بسيطة، في أجواء حروب لا أحد يعرف أين وكيف ستنتهي. البلدان العربية الأخرى الأكثر استقرارا وأمنا يمكنها أن تناقش هذه القضية، وتبدأ بصورة عملية وليست نظرية في وضع الحلول الناجعة لها، مع الإشارة إلى أنه ليس المطلوب منها حلولا سحرية سريعة، لأنها ببساطة ليست قادرة عليها. وبالنظر إلى أرقام صندوق النقد العربي حول البطالة العربية، نجد مصيبة متعاظمة، ولا سيما فيما يختص ببطالة الشباب. ففي حين أن هذا النوع من البطالة يصل إلى 12 في المائة على مستوى العالم، يبلغ 28 في المائة على الصعيد العربي ككل! والمصيبة الأكثر فداحة، أن المتعلمين يشكلون ما نسبته 40 في المائة من هؤلاء! وهي نسبة مخيفة حقا. في بعض البلدان العربية، يتفوق غير المتعلمين "الأميين، والحرفيين وغيرهم" على المتعلمين في الفوز بفرص العمل! وهذا يطرح سؤالا رئيسا حول ما إذا كانت مخرجات التعليم المتخلفة في أحيان كثيرة هي السبب، أم فشل المخططات الاقتصادية للبلدان المعنية؟ إنها مزيج من الاثنين معا. فأغلبية الاقتصادات العربية فشلت في الواقع في محاكاة المستقبل بما تحتاج إليه هي لا غيرها! والآن تقوم بإعادة النظر في هذه المسألة الخطيرة، إلا أن الأمر "مرة أخرى" يتطلب وقتا لن يكون قصيرا للمواءمة بين حقائق المستقبل الاقتصادية والتنموية والآليات التنفيذية المطلوبة. ففي بعض الحالات تكون مخرجات التعليم أكثر تقدما مما هو متوافر في سوق العمل! وهذه أيضا معضلة لا دخل لاتجاهات التعليم فيها. لكن هذا لا يمنع من الاعتراف بأن نسبة من التوجهات التعليمية الفردية تسير بصورة معاكسة لما هو مطلوب على الساحة. لنترك جانبا البطالة العربية بين النساء، التي تفوق مثيلتها عند الرجال. فالنسبة مخيفة تصل إلى 34 في المائة مقابل 13 في المائة فقط على المستوى العالمي. فمشكلة البطالة في العالم العربي من الفداحة حيث لا يمكن تحسينها بين النساء في حين أنها مستفحلة بين كل الشرائح. المسألة برمتها مرتبطة بصورة مباشرة بالاقتصادات الوطنية ووتيرة التنمية، والفهم المطلوب للاستحقاقات الاقتصادية التي تفرضها التطورات المختلفة، من احتياجات السوق إلى التكنولوجيا إلى النمو الرهيب في عدد السكان في بعض البلدان ولا سيما مصر، وغير ذلك من الحقائق الواضحة على الأرض. ما تواجهه أغلبية البلدان العربية قنبلة موقوتة بصورة مستمرة. وهذا التوصيف بات مستهلكا ليس من كثرة استخدامه بل فرط بدهيته. والحكومات تعرف قبل غيرها، أنه لا يمكن ادعاء التنمية إذا ما كانت معدلات البطالة عند مستويات عالية مروعة اقتصاديا واجتماعيا. فحتى الوظائف الحكومية التي يتم توفيرها كمخرج للأزمة، باتت اليوم عبأ ثقيلا على الاقتصادات الوطنية كلها. فالمسألة لا تتعلق فقط بتوفير وظائف لا يعمل الموظفون فيها حقا، بل مرتبطة بالتنمية التي لا تختص بأولئك المتعطلين، بل بالأجيال القادمة أيضا.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الخميس، 4 مايو، 2017

التعليم والمستقبل ضحيتا الحروب



"التعليم ليس تحضيرا للحياة، بل هو الحياة نفسها"
جون ديوي، فيلسوف وإصلاحي تعليمي أمريكي راحل

كتب: محمد كركوتي

بعد القتل، واللجوء والنزوح والموت جوعا وبالغازات السامة، وتدمير مستشفيات ومدارس، وغيرها من أدوات الحروب الإجرامية المشينة، بعد كل هذا، هناك أكثر من 25 مليون طفل بلا تعليم نهائيا في البلدان والمناطق التي تشهد نزاعات، وذلك حسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف". وحتى البلدان التي خفت فيها النزاعات أو ضاق نطاقها، فإن الأطفال فيها ليسوا بحال أفضل في التعليم كثيرا من تلك التي تستعر فيها الحروب والمواجهات. فما تتركه الحروب هنا، يبقى لفترات طويلة قبل أن يزول، وقبل أن تظهر القوى الحقيقية لإزالته بأسرع وقت ممكن. والتعليم أحد عناوين الخراب في مناطق النزاع. فالكلمة للسلاح، لا للدفتر، والاستثمار في التسليح والمرتزقة وقُطاع الطرق، لا في التعليم. إنها حقيقة الحروب والنزاعات في هذا الزمن وفي الأزمان السابقة أيضا، فالتعليم ضحية أولية لهذه الحروب، تستمر آثارها إلى سنوات قد تتعدى جيلين أو أكثر.
حصة العرب من الـ 25 مليون طفل بلا تعليم، كبيرة، خصوصا أن نسبة من النزاعات والحروب لا بأس بها تجري في المنطقة العربية، وتمثل جزءا كبيرا من إجمالي هذه النزاعات. إضافة طبعا إلى حروب تجري في جنوب السودان وأفغانستان والنيجر وجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد وغيرها. والحق أن إحصائية "يونيسيف" لم تشمل العدد الحقيقي للأطفال الذي أصبحوا بلا تعليم في بلدان كسورية والعراق واليمن. ولعل الأسوأ بينها تبقى سورية في الوقت الراهن، مع وصول عدد النازحين واللاجئين نتيجة الحرب الجارية فيها إلى أكثر من 13 مليون نسمة من كل الشرائح والأعمال ومن كل المناطق في البلاد. وعلى هذا الأساس، يمكن أن يكون الرقم الفعلي أكبر بكثير من 25 مليون طفل.
إنه الواقع الملموس الواضح للجميع، ويتلخص في أن الحروب والنزاعات لا تدمر الاقتصاد وتقضي على أي أمل للتنمية فقط، بل تحرم أطفال اليوم من التعليم، وهذا الأخير هو في الواقع الوقود الوطني المحلي الذي لا غنى عنه، خصوصا في البلدان والمناطق التي تحتاج إلى إعادة إعمار ما دمرته الحروب ذاتها. ففي الوقت الذي تحتاج فيه هذه البلدان إلى كل فرد للبناء، فإنها ستجد نفسها أمام ملايين الأميين والجهلة، دون أن ننسى، أنه ليس أسهل من تحويل هؤلاء الأطفال غير المتعلمين إلى قتلة ومرتزقة وقطاع طرق ومجرمين وإرهابيين. فبدلا من أن يكون لهذا البلد أو ذاك كوادر قادرة على البناء ما بعد الحرب، ستكون لديه أعباء بشرية مخيفة اقتصادية وأمنية.
ليس هناك مجال لتحميل أي جهة دولية مسؤولية تزايد أعداد الأطفال المحرومين من التعليم في مناطق النزاعات. فلا يمكن لأي جهة دولية مهما كان تأثيرها كبيرا، أو حتى قدراتها المالية والبشرية عالية المستوى أن تؤدي دورا محوريا في هذا المجال. والسبب معروف بالطبع، أنه لا توجد أرضية آمنة لإطلاق برامج تعليمية فعالة وضم ما أمكن من هؤلاء الأطفال إليها. نجحت بعض الجهات في توفير التعليم بالفعل لبعض الأطفال، لكن ليس فيها بلدانهم، بل في مناطق خارجية. والوصول إلى هذه المناطق الآمنة أو الأقل خطرا، هو في حد ذاته انتحار، لأن كثيرا من هؤلاء يُقتلون على الطرق، أو تتم سرقة الأطفال أنفسهم لبيعهم، على اعتبار أن هذه التجارة تنشط بصورة لا مثيل لها خلال النزاعات والحروب.
وتفضل نسبة كبيرة من أسر الأطفال المشار إليهم البقاء في مناطقهم على أمل انتهاء المواجهات. وهنا يتزايد عدد الأطفال المحرومين لأن كل المناطق التي يبقون فيها بلا مؤسسات تعليمية أساسا وبالتالي بلا مدارس من أي نوع. إنها مصيبة العصر بلا مبالغة. فهي مرتبطة بصورة مباشرة بالمستقبل الذي من المفترض أن يكون ساحة لأطفال اليوم. المصيبة الأكبر، أن حرمان الأطفال من التعليم يتم حتى في البلدان التي ليس فيها حروب أو نزاعات، وذلك لأسباب اقتصادية بحتة. الطفل يمثل "كادرا" مهما اقتصاديا وفق هذه المعايير المخيفة حقا، وغالبا ما تحظى هذه المعايير بقبول بل وترحيب أسر الأطفال أنفسهم، لأسباب اقتصادية طبعا! فإذا كانت وضعية الأطفال التعليمية في مناطق الحروب والنزاعات مفهومة، فكيف يمكننا فهم الحالات الأخرى؟
وهنا يمكن ببساطة توجيه مزيد من اللوم للجهات الدولية المختصة. صحيح أنها تملك عذرها في صعوبة بل استحالة الوصول إلى مناطق القتال، لكنها لا تملك مثل هذا العذر في المناطق التي لا تشكل أي خطر على عملها، حتى لو واجهت مناوشات من بعض الأنظمة الحاكمة التي لا ترغب في وصول هذه الجهات التعليمية أساسا. الأنظمة المشار إليها، تعتبر الحرف والكلمة من الأسلحة مؤجلة الاستخدام ضدها، وفي أغلب الأحيان لا تستطيع منعها من تأدية واجباتها حيال الأطفال بشكل عام. المهم أنه يمكن تخفيف كارثة أطفال مناطق النزاعات، بتدعيم أكثر لتعليم الأطفال في المناطق التي تشهد مناكفات ومناوشات فقط.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


انتخابات مبكرة في بلد بلا بوصلة



"حكومة بريطانية جديدة قبل مفاوضات الخروج، جيد بالنسبة لنا أيضا"
أنطونيو تاجاني، رئيس البرلمان الأوروبي


كتب: محمد كركوتي

لنترك جيرمي كوربين زعيم حزب العمال البريطاني المعارض يواصل عيشه في أحلام تحمل معها خيبتها، ولندع الحزب الديمقراطي الليبرالي المتضائل جانبا. ولسنا مضطرين إلى تناول موضوع تيارات أو أحزاب أو تجمعات سياسية بريطانية متطرفة، لأنها ببساطة لا تشكل أية أهمية فاعلة على ساحة التغيير، خصوصا في زمن الانتخابات العامة الطبيعية، فكيف الحال بالانتخابات المبكرة غير الطبيعية التي تأتي وسط متغيرات يمكن وصفها بالمخيفة بالنسبة لأولئك الذين يسعون إلى أن تكون بريطانيا جزءا من محيطها والعالم بصورة سلسة، لا أن تصبح أداة أو عامل اضطراب في العلاقات الدولية. لنضع كل هذا جانبا، لأنه لا يشكل عمليا محاور رئيسة في الانتخابات المقبلة التي ستجري في حزيران (يونيو) المقبل، أي بعد عام واحد من الاستفتاء التاريخي على انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وقبل أيام من بدء رسمي لمفاوضات الانسحاب. رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي تعرف أنها منتصرة في هذه الانتخابات، ليس من فرط قوة حزبها (المحافظين) على الساحة الشعبية أو الانتخابية، بل من هزالة مكانة أحزاب المعارضة كلها "ولا سيما العمال" على الساحتين الشعبية والسياسية. فالديمقراطيون الأحرار، الذين خسروا أكثر من 80 في المائة من مقاعدهم النيابية في آخر انتخابات عامة فاز بها حزب المحافظين بهامش ضئيل أيضا، هؤلاء لا أمل منهم على الأقل من الآن وحتى الانتخابات العامة العادية المقبلة. لقد انهار في الواقع هذا الحزب بفعل تلك الخسائر المهينة، ولم يستطع أن يلعب دورا مؤثرا في ساحة بقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، باعتباره الحزب الأكثر تمسكا بهذا الاتحاد. دون أن ننسى، أنه فقد جزءا من ساحته بالتحالف مع المحافظين في حكومة ائتلافية. وتيريزا ماي التي دعت إلى الانتخابات العامة المبكرة، تعرف أيضا وأيضا، أن غريمها الأساس (حزب العمال) في أسوأ أوضاعه منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي. والسبب أيضا واضح يعود إلى وجود قيادة لهذا الحزب لا يهمها الفوز في الانتخابات بقدر ما يهمها تكرار الشعارات الكئيبة السمجة، والتمنيات بالنصر والنجاح التي ينتهي مفعولها عند أول خطوة خارج الاجتماعات. لقد أعاد جيرمي كوربين زعيم الحزب أدوات بالية إلى العمل، وهو بذلك يقدم أفضل خدمة ممكنة لحزب المحافظين في هذا الوقت بالذات. أما لماذا هذا الوقت؟ فلأن الحكومة المحافظة هي نفسها هشة ومعها الحزب تحمل اسمه. كما أن بريطانيا دخلت مرحلة "الهشاشة"، في أعقاب التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي. أي أن الأحزاب والبلاد هشة بلا بوصلة مضطربة سياسيا وإجرائيا. طبعا حجة تيريزا ماي للدعوة إلى انتخابات مبكرة، تكمن في أن إجراء الانتخابات في موعدها المحدد في عام 2020، سيكون في ذروة المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، وهو أمر لا يتناسب مع الحالة العامة. إنه مبرر مقنع بالفعل، غير أن هذا لا يجعلنا ننسى المآرب الأخرى لماي من انتخابات مبكرة، وهي تنحصر بصورة رئيسة في الضعف الشديد لأحزاب المعارضة. وليس أفضل للمحافظين من هذا الوقت لإطلاق انتخابات يعرفون مسبقا أنهم منتصرون فيها. لن تكون هناك حكومة ائتلافية، وحتى حكومة محافظة بأغلبية ضئيلة، بل ستكون هناك (كما هو واضح) حكومة تمضي في كل الاتجاهات بأغلبية مريحة، بينما سينشغل حزب العمال بطرد زعامته الحالية، وإعادة تجميع صفوفه بما يتناسب مع المعطيات الحقيقية لا الوهمية. لا شك في أن الانتخابات العامة المبكرة ستعطل "بعض الشيء" مسيرة اسكتلندا نحو الاستقلال عن المملكة المتحدة، وهذا أمر مفيد لرئيس الوزراء البريطانية في هذا الوقت بالذات، غير أنه لا يضمن بالطبع توقع مسيرة الاستقلال التي تتخذ بعدا أكثر خطوة يوما بعد يوم بالنسبة لكيان المملكة ككل. في كل الأحوال، لم يتوقع أحد أن تجري بريطانيا انتخابات عامة مبكرة، تماما كما لم يتوقع أحد أن يفوز الانفصاليون باستفتاء الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. ومن توقع (مثلا) فوز دونالد ترمب بالرئاسة الأمريكية؟! غير أن انتخابات حزيران (يونيو) المقبل تبدو نتائجها أكثر وضوحا من كل الانتخابات والاستفتاءات الماضية، ليس بسبب قوة ماي والمحافظين، بل من فرط ضعف العمال وأحزاب المعارضة الأخرى، وهشاشة الوضع في كل البلاد. لن تكون هناك مفاجآت في هذه الانتخابات، وستعزز ماي مكانتها زعيمة لحزب المحافظين، وستعطي نفسها شرعية لم تتمتع بها بعد على اعتبار أنها تسلمت منصبها من دون انتخابات عامة. لكن القوة المتوقعة لرئيسة الوزراء، تأتي في وقت تفقد فيه البلاد كلها قوتها، ليس فقط بسبب انسحاب مؤكد من الاتحاد الأوروبي، بل من جهة تنامي التوجهات الاستقلالية الوطنية البريطانية. في حين أن هذه الأخيرة قد لا تكون موجود في غضون عقد من الزمن.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

السبت، 22 أبريل، 2017

تلك الكارثة المتوارثة







الآلاف عاشوا بلا حب، لا أحد منهم عاش بلا ماء
أحد شعارات حملات توفير المياه العالمية

كتب: محمد كركوتي

ربما تتحسن وضعية الغذاء العالمي، أو تتراجع معدلات التخريب اليومي للبيئة على هذا الكوكب، أو تنخفض معدلات الفقر في بعض المناطق، أو تهبط أعداد الأميين حول العالم، أو تتراجع نسبة وفيات الأطفال. ربما يحدث كل هذه التطورات على تلك الأصعدة، إلا أن المصيبة أو الكارثة المتوارثة المتوالدة المرتبطة بالمياه وإمداداتها، تتحرك من سيئ إلى أسوأ. وإذا ما بقيت هذه المصيبة ضمن مستواها المخيف، فإن ذلك يعتبر شيئا إيجابيا بل "نجاحا". لماذا؟ لأن كل البرامج والمشاريع العالمية والإقليمية والمحلية فشلت بالفعل في الوصول إلى مناطق قريبة من الأهداف التي حُددت على أكثر من مستوى طوال العقود الماضية لمواجهة نقص مياه الشرب، أو لنقل نقص المياه النظيفة. ومن هنا، فبقاء المصيبة على حالها يعتبر "نجاحا"!
تعترف المؤسسات والمنظمات العالمية باستفحال أزمة المياه، مع اعترافها بالطبع بأن الحراك نحو مواجهتها على صعيد التمويل المالي يظل ضعيفا في مناطق وبلا وجود في مناطق أخرى. والغريب أن أزمة طويلة كهذه الأزمة، كان بالإمكان مواجهتها بأقل التكاليف، لو اهتمت الجهات المعنية المؤثرة عالميا بها منذ البداية. ليس فقط عن طريق توفير الأموال اللازمة، بل أيضا من جهة نشر الثقافة المطلوبة للحفاظ على المياه، أو لتسهيل الوصول إليها وفق أسس اقتصادية ذات جدوى. الذي حدث أن التغير المناخي المتسارع، أسهم في رفع معدلات مخاطر أزمة المياه، من خلال امتداد مساحات التصحر حول العالم، فضلا عن عدم متابعة حقيقية لمشاريع إصلاحية ذات جدوى طرحتها المؤسسات العالمية المعنية في المناطق التي تواجه النسبة الأكبر من هذه الأزمة.
منظمة الصحة العالمية أطلقت أخيرا تحذيرا كان متوقعا، يتعلق بعدد البشر الذين لا يستطيعون الوصول إلى مياه الشرب النظيفة، بمعنى آخر عدد البشر الذين يصلون إلى مياه ملوثة. كم هو هذا العدد المرعب؟ مليارا نسمة في مختلف المناطق حول العالم! والمنظمة تمضي أبعد من ذلك، بالتأكيد عبر إحصاءات مباشرة على أن المياه الملوثة بمياه الصرف الصحي، تتسبب سنويا في أكثر من 500 مليون حالة وفاة، في الوقت الذي يرتفع فيه الطلب على المياه بمعدل 50 في المائة بحلول عام 2030. تقرير منظمة الصحة خطير، لأنه يدعو إلى تدوير كميات من المياه، غير أن الأدوات اللازمة لمثل هذا التدوير غير متوافرة في غالبية المناطق التي تعاني نقصا في المياه أو مياها ملوثة.
الشرق الأوسط من تلك المناطق التي تواجه مستقبلا مائيا مظلما، لأسباب تتعلق بالأزمة ـــ الكارثة العالمية بشكل عام، إضافة إلى أسباب إقليمية محلية تتعلق بترشيد الاستهلاك، وهذا الأمر على وجه الخصوص لم يحقق المطلوب أو الهدف منه. ومشكلة المياه لا تنحصر في إطارها على الإطلاق، بل تأخذ معها جوانب عديدة، في مقدمتها التنمية، ووضعية الاقتصاد بشكل عام، والهجرة والكثافة السكانية في مناطق دون غيرها، والضغط على الخدمات في بعض المناطق، دون أن ننسى جانب الأمن والاستقرار. البنك الدولي نفسه يعتقد أن أزمة ـــ كارثة المياه تشكل تحديا خطيرا للأمن والسلم الدوليين، إلى جانب كل ما تمت الإشارة إليه، هي ببساطة أزمة شاملة تحمل معها دمارا شاملا، أو مصائب متكاملة. ويقول مسؤول في البنك الدولي، إنه يعتقد أن المياه ستصبح أم المشاكل في الدول النامية.
وهذا الكلام لا مبالغة فيه، إذا ما عرفنا أن مثل هذه الأزمة تسهم في فقدان الناتج المحلي في الشرق الأوسط 14 في المائة، وفي آسيا 11 في المائة و12 في المائة في بلدان الساحل الإفريقي! هذه الأرقام أجمعت عليها مؤسسات دولية سواء تلك التابعة للأمم المتحدة، أو غير الحكومية منها. أما الحلول، في الواقع هي موجودة، وليست مستعصية على الخبراء في هذا المجال. وهي تنحصر بالطبع في الإرشاد الفاعل وليس النظري، إلى التمويل اللازم، وهو ليس منخفضا كما قد يتصور البعض. ما يحتاج إليه الاقتصاد العالمي لحل أزمة ـــ كارثة المياه نحو تريليون دولار. وهذه الأموال لن تذهب هدرا بالطبع، لأن العائد عن كل دولار منها سيكون ما بين 3 و34 دولارا، بمعنى أن الاستثمار في حل أزمة المياه هو في الحقيقة استثمار بجدوى اقتصادية عالية، وليس فقط استثمارا لحل أزمة.
استطاعت منظمات الأمم المتحدة المختلفة الاقتراب من أهدافها التي حددتها للألفية الجديدة، لكنها على الجانب المائي لم تصل إلى نقطة قريبة من الهدف، وكذلك الحكومات، خصوصا في البلدان النامية، فشلت في صناعة ثقافة مائية عالية الجودة، ومارس بعضها أسلوبا عقيما يعتمد على قطع المياه مثلا لفترات طويلة جدا. المسألة لا تتعلق بقطع الإمدادات لتفعيل أو صناعة ثقافة من هذا النوع، إنها كوكتيل من التعاون العالمي على كل المستويات، والاستثمار الواعي في المياه. ألا يكفي موت نصف مليار شخص سنويا جراء المياه الملوثة للتحرك العملي؟!
(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

حدث خطأ في هذه الأداة