الثلاثاء، 17 فبراير، 2015

عندما لا تكون فضيحة المصرف خبرا

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"هذا العالم تحكمه الوحوش، ولا بد من التعاطي معهم. بعضهم يحكمون دولا، وبعضهم الآخر يديرون مصارف، وآخرون يتحكمون بالأخبار"
كين ليفنجستون عمدة لندن السابق

كتب: محمد كركوتـــي

ليس هناك خبر ماحق في التسريبات التي أطلق عليها "سويس ليكس" الخاصة بمصرف "إتش إس بي سي" البريطاني. الفضائح السابقة للمصرف وغيره من المؤسسات المالية الكبرى، تعج بالأخبار التي باتت عادية من فرط حجمها وتنوعها. وأغلب هذه الفضائح تطورت لتصل إلى مرحلة المحاسبة لدى الجهات القضائية لاسيما الأمريكية منها. بعضها يختص بغسل الأموال، وبعضها الآخر بإخفاء ثروات المودعين لمساعدتهم على التهرب من الضرائب، وغيرها يتعلق بتهرب المصرف نفسه من الضرائب، إلى جانب أموال منظمات إرهابية. كانت هناك فضائح مرتبطة بأنواع من التجارة السوداء. دون أن نذكر بالطبع الأموال المنهوبة من الشعوب، التي دخلت خزائن المصرف المذكور. ولذلك لم يكن غريبا، عندما تبين في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، أن الأموال المشينة القذرة أنقذت عددا كبيرا من المصارف الكبرى، وحتى المتوسطة.
وجد "إتش إس بي سي" سويسرا أرضا خصبة للقيام بالأعمال المالية غير المشروعة. وأيضا لا عجب هنا، لأن الساحة المالية السويسرية صارت على مدى عقود مرتعا لأغلب الأموال غير المشروعة. وحتى عندما تقدمت السلطات السويسرية وفرضت مزيدا من القيود واللوائح، قامت المصارف السويسرية نفسها باللجوء إلى أماكن أكثر أمنا خارج النطاق الجغرافي السويسري. ومن المفارقات، أن المصارف السويسرية المتهمة بإخفاء أموال غير مشروعة، باتت غير أمينة على هذه الأموال، أين؟ في سويسرا نفسها فحتى السرية المصرفية التي تحكم النظام المالي في هذا البلد، لم تعد قوية بما يكفي لحماية الأموال، أو إخفائها أو "شرعنتها". لأن الأوقات تتغير. والأماكن المظلمة سابقا، باتت شيئا فشيئا في بؤرة الضوء. وهذا آخر ما تريده مصارف سويسرا ومودعوها الهاربون من العدالة والقوانين والأخلاق.
في التسريبات الجديدة، هناك حسابات مصرفية لدى فرع "إتش إس بي سي" السويسري تعود لمجرمين دوليين، وسياسيين، ومشاهير فاسدين، إضافة إلى شخصيات من عالم الأزياء والاستعراض والرياضة، وهؤلاء جميعا من كل الجنسيات تقريبا. وهنا حسابات تعود لأشخاص يديرون أموال حكومات خاضعة لعقوبات دولية. وفي السنوات الماضية، ظهر عديد من هذه القضايا على السطح، وخضع المصرف للتحقيقات وحتى لمحاكمات قضائية. الجديد في التسريبات، أن هناك قائمة بأسماء المودعين وصلت إلى الإعلام. وهذا أمر لم ينفه المصرف المذكور، ولكنه أسرع بإقرار وجود "مخالفات ماضية". أي أنه صار أفضل الآن مما كان عليه في السابق. غير أن المعلومات الجديدة، لا علاقة لها بقضايا (أو مخالفات) سابقة، بل تتضمن حراكا ماليا ضخما ضمن المصرف في الفترة الراهنة. وعلامات الفضائح الجديدة، أن المصرف الذي تخصص في تبييض أموال من مصادر غير مشروعة مختلفة، يقوم بتبييض هائل لأموال السياسيين.
حسنا، ستكون هناك تحقيقات. وكما أعلن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، أنه يتعهد بالكشف عن ملابسات تورط المصرف في عمليات التبييض هذه. وستقوم السلطات الغربية بشكل عام في المساهمة في هذه التحقيقات، لاسيما الأمريكية التي أعلنت (قبل غيرها) الحرب على المصارف من عدة جبهات، في مقدمتها تبييض الأموال والتهرب من الضرائب، ومساعدة مواطنيها على إخفاء ثرواتهم الشرعية هربا من الضرائب المستحقة. غير أن القضية لا تتوقف عند مصرف واحد. كما أنه لم توضع آليات واضحة تتضمن أشكال العقاب، بما في ذلك كيفية نزع الأموال غير المشروعة من أيدي ناهبيها. صحيح أن التسريبات لا تشمل مصارف أخرى، لكن هناك معلومات لدى السلطات الغربية بتورط عشرات المصارف الكبرى بشكل أو بآخر بعمليات مشينة ومشينة جدا.
يبدو واضحا، أن الحملة التي شنت على المصارف في أعقاب الأزمة الاقتصادية، لم تثمر إلا شيئا واحدا فقط، وهو إنقاذها من الهلاك. وقد أنقذت في الواقع من أموال ضحاياها. واستحوذت قضايا التهرب الضريبي على حراك السلطات الأمريكية، أكثر من استحواذها على قضايا أخرى أكثر خطورة، لأنها تتعلق بمصير شعوب، سواء من خلال أموال منهوبة، أو التجارة السوداء بكل قطاعاتها، المخدرات والاتجار بالبشر والتهريب والتزييف والرشا وغيرها. ولا يمكن أن تدعي الحكومات الغربية نجاحا ما، إذا لم تضع في حساباتها كل مصادر الأموال القذرة. يضاف إلى ذلك، حقيقة أنه بات حتميا الآن، أن يعاد النظر في فهم الحكومات لأحجام المصارف. فالمصارف الكبيرة توجد مشكلات كبيرة. فالمشكلة كما صورها وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن هي، أن المصارف كبيرة حيث لا يمكن أن تنهار، بل كبيرة بصورة لا يمكن إنقاذها.
والمؤسسات المصرفية الكبيرة، تعم فيها الممارسات المشينة الكبيرة أيضا دون ملاحظة. إن فضائح "إتش إس بي سي" الجديدة، لا يمكن أن تمر دون سلسلة جديدة من الإجراءات الحكومية، تضمن أداء طبيعيا للمصارف بصرف النظر عن أحجامها. والأهم، أن يلقى المذنبون العقاب الموازي لجرائمهم ومخالفاتهم. لا أن يتقاضوا مكافآت هائلة على أموال مشينة، وفي أفضل الأحوال على نتائج هزيلة.
 

ديون متوالدة في عالم مرتبك

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





« ليس هناك طريق مختصر للخروج من الديون»
ديف رامزي مؤلف وكاتب اقتصادي أمريكي


كتب: محمد كركوتــي

تجمع الديون السيادية البلدان الكبيرة والصغيرة، وتلك التي تصنف عظمى أو أقل، والدول الاستعراضية والحقيقية، والأقطار التي تتسبب في الأزمات الاقتصادية العالمية والأخرى التي تتلقى هذه الأزمات بغير ذنب. يمكن القول: هناك "اتحاد" عالمي للديون، لكن ليس وفق قواعد الاتحاد التي تمنح الأعضاء الحقوق متساوية، وتوزع عليهم المهام بعدالة، وتحاسبهم سلبا أو إيجابا. لا يوجد على الساحة العالمية، من يحمل صفة الناجي من الديون. إنها جزء أصيل من الاقتصادات الوطنية، التي تحولت إلى ركن من أركان الاقتصاد العالمي. لم تكن الديون بهذا الحجم الهائل قبل الأزمة الاقتصادية العالمية. ورغم أنها لم تكن قليلة قبل الأزمة المذكورة، إلا أنها كانت أقل عدائية بالنسبة للاقتصادات المرهونة لها، أو المرهونة لجزء منها. العالم يتخبط في بحر الديون، وسيواصل التخبط لأمد بعيد.
لبنجامين فرانكلين الذي يوصف بـ"أب الولايات المتحدة" قول شهير. ماذا قال؟ "أفضل أن أذهب إلى سريري بلا عشاء، على أن أستيقظ بالديون". العالم "يطبق" مقولة فرانكلين ولكن بصورة معكوسة تماما. وبعض هذا العالم، يذهب إلى "السرير" بلا عشاء ويستيقظ على الديون. هناك حكومات استسهلت تحميل أزمة عام 2008 المسؤولية، في محاولات تستهدف نزع حقيقة أن الديون كانت موجودة قبل الأزمة، من الأذهان. لكن هذه الحقيقة على وجه الخصوص لا يمكن إخفاؤها، لأنها تظهر غصبا في أشكال عديدة، وفي مشكلات مختلفة، وفي محن طويلة. الحكومات الخائفة، تتناسى أن مواجهة الحقائق تبقى السبل الأفضل لحل المشكلات العالقة بها، أو لتخفيف وطأتها. والحق أن بعض البلدان الراشدة وقعت في هذه السلوكيات، إلا أنها سرعان ما عادت إلى المواجهة. بعضها بشجاعة، وبعضها الآخر بهشاشة.
تجاوزت ديون العالم 100 تريليون دولار، وارتفعت منذ منتصف عام 2007 (وهو العام الذي شهد ولادة الأزمة) 40 في المائة، حيث كان حجم الديون وقتها في حدود 70 تريليون دولار. وبحسب المؤسسات الدولية المختلفة، فقد ناهزت قيمة ديون الحكومات والأسر والشركات والمؤسسات المالية مائتي تريليون دولار في العام الماضي، وهو ما يمثل 286 في المائة من الناتج المحلي العالمي مقارنة بنسبة 269 في المائة في عام 2007. والمثير في الأمر، ليس حجم الديون الكبير جدا فحسب، بل في وتيرة نموها، في وقت كان ينبغي فيه على العالم أن يحد من الاقتراض، وأن يعمل على سد المديونية قدر المستطاع. الذي حدث، أن مئات المليارات من الدولارات أضيفت إلى الإجمالي الرهيب للديون، وسط ارتباك اقتصادي عالمي لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث.
ليست كل الحكومات تلتزم النزاهة في مسألة الديون، خصوصا تلك التي لا تزال تعيش حالة سياسية تسمح لها بإخفاء ما ترغب في إخفائه. فهناك الصين (مثلا) التي تضاعف حجم ديونها أربع مرات منذ عام الأزمة، تخفي الكثير من الأرقام الحقيقية، بما في ذلك معدلات النمو، التي تفخر بها عادة على الساحة الدولية. وهذا ينسحب حتى على أرقام المديونية الحكومية فيها. غير أن هذا النوع من السلوكيات لا يستمر طويلا، خصوصا عندما تقع أزمات مرتبطة بالأزمة الكبرى، واستحقاقات تلقائية تفرض معاييرها. الاقتراض العالمي ارتفع في الوقت الذي كان عليه أن ينخفض. وعلى أساس هذه المعادلة المقلوبة على الساحة حاليا، تشهد الغالبية العظمى من الدول، مشكلات كثيرة. بل إنها تساهم مباشرة في تقويض وتيرة النمو العالمي، دون أن ننسى المخاطر الهائلة التي تتركها على صعيد الاستقرار المالي عالميا أيضا.
والمشكلة الأكبر، أن الاقتصادات الرئيسية هي التي تمارس أعلى مستوى من الاقتراض، ولذلك فإن الناتج السلبي لهذه الممارسات سيصبغ الجميع بصبغته. فديون الولايات المتحدة قفزت من 4.5 تريليون دولار عام 2007، لتتخطى 16.5 تريليون. أما بعض دول الاتحاد الأوروبي، فتصل ديونها إلى تريليوني دولار. والمصارف الكبرى والمتوسطة حاضرة في الأزمة، ليس لحلها بل لتفاقمها. ويلفت خبراء في أوروبا (على سبيل المثال)، إلى أن المصارف الأوروبية كان لها الدور الأبرز في شراء الدين العام، ما عزز العلاقات "الخطرة" بين الدول الأوروبية والمصارف. ويتم ذلك في ظل محاولات المصرف المركزي الأوروبي والسلطات التنظيمية الأوروبية إقفال بعض المصارف.
لم يعد الاقتراض في العالم حالة عابرة، تفرضها ظروف آنية معينة. لقد أصبح منهجية اقتصادية ثابتة، بكل مخاطرها ومصائبها، والأهم بتبعاتها على الأجيال القادمة. إن الديون التي يصعب على أصحابها الإيفاء بها، تدخل عمليا في نطاق سرقة هذه الأجيال. والحق أن أولئك الذين لم يولدوا بعد، سيأتون إلى هذه الدنيا مكبلين بديون لم يقترضوها، وسيدفعون ثمن سلع لم يشتروها. وإلى أن تتغير المنهجية الاقتصادية في مسألة الاقتراض، فمن المتوقع أن يصبح حجم الدين العالمي في غضون عقد من الزمن 300 في المائة من إجمالي الناتج العالمي. إنها مصيبة تكبر الآن وتتضخم غدا.

أسعار الغذاء تنخفض .. لكن ليس على الكل

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«عندما تهدر الطعام، كأنك تسرق من الفقراء»
 البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان

كتب: محمد كركوتــــي

تتحسن بالفعل أوضاع الإنتاج الغذائي حول العالم. وهي تتحسن من ناحية طبيعة الإنتاج، وكذلك من جانب التكاليف التي تنخفض والأسعار التي تتراجع. وفي كل تطور بهذا الاتجاه، تكمن المطالب (بل الأمنيات)، بأن تتواصل أوضاع الغذاء في التحسن، والأهم أن تشمل مناطق واسعة حول العالم في الإفادة منها. فعلى الرغم من كل التطورات الإيجابية المشار إليها، إلا أن هناك بلدانا لم تستفد منها، لأسباب عديدة، من بينها، عدم تناغم أسعار الغذاء العالمية مع أسعارها المحلية، وكذلك الهدر المتصاعد في معظم بلدان العالم للغذاء، ومساوئ تخزين الغذاء في عديد من البلدان. دون أن ننسى، الجانب الخاص بالتجار، وتحديدا أولئك الجشعين، الذين يحاولون إطالة أمد الأسعار المرتفعة محليا قدر ما استطاعوا. فضلا عن ضعف وترهل القوانين الرقابية على الجودة والأسعار، وعلى وجه التحديد في البلدان التي تحتاج منذ عقود إلى قوانين واضحة، بل "ماحقة" للجشع التجاري.
في الموسمين الماضيين (حتى قبلهما) زخر العالم بمحاصيل زراعية قياسية، وفق "مؤسسة وحدة المخابرات الاقتصادية". وعززت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو"، بيانات المؤسسة المشار إليها، وفي الواقع سبقتها "فاو"، في أكثر من مناسبة للتأكيد على وفرة إنتاج الغذاء بأنواعه، ولاسيما الحبوب التي تمثل في حد ذاتها مؤشرا لمستوى الغذاء حول العالم. أما وصولها إلى مستويات قياسية أخيرا، فيعود إلى تحسن وضعية المناخ في غير منطقة من العالم، إضافة طبعا إلى هبوط أسعار النفط، الذي بدأ عمليا في منتصف العام الماضي. وهذا يؤكد أن استمرار الاستراتيجية النفطية التي وضعتها السعودية منذ سبعة أشهر، يحقق عددا من الأهداف في آن معا، ويفسح المجالات واسعة أمام تعاطٍ مختلف في النواحي الزراعية وغيرها.
الأرقام الجديدة للغذاء يمكن أن تخطف توصيف "التاريخية"؛ لأنه لم يسبق منذ عقود أن وصلت إليها. فأسعار الغذاء العالمية انخفضت 2.8 في المائة، وحولت الأسعار المحلية في 79 بلدا من أصل 109 إلى "أسعار معقولة". ورغم أن أسعار الحبوب لم تشهد انخفاضا يذكر –حسب فاو- إلا أن جميع السلع الغذائية شهدت الانخفاض المطلوب، ولاسيما منتجات الألبان والسكر. في حين سيصل إنتاج فول الصويا هذا العام إلى مستوى قياسي، بل إن إنتاج الذرة سيرتفع متجاوزا كل المستويات السابقة. وبالنظر إلى المعطيات العامة، يمكن لأسعار الغذاء العالمية أن تنخفض بأكثر من 2.8 في المائة في الأشهر القليلة المقبلة، إذا ما استمرت العوامل الراهنة المساعدة فترة معقولة. وعلى المنتجين استغلال كل عامل من هذه العوامل إلى آخر مدى. إنها فرصة يمكن الحفاظ على مكتسباتها، بمزيد من التخطيط والمنهجية.
في أواخر العام الماضي، انخفضت الأسعار فترة وجيزة بمعدل 3 في المائة، أي أنها تجاوزت المستوى القياسي المشار إليه. وفي بعض البلدان تراجعت الأسعار لتشمل حتى الحبوب، التي لم تشهد تراجعا ملحوظا عالميا. هذه الحقائق لم توفر بعد فوائد شاملة؛ أي أنها لم تنسحب على الجميع، وليس فقط على جملة من البلدان، حتى إن شكلت الأغلبية. ومن ضمن المشكلات التي يمكن حلها ببساطة، تلك المرتبطة برداءة التخزين، ولاسيما في البلدان غير المتقدمة، الأمر الذي ينتج كميات هائلة من الغذاء المهدور الذي تحتاج إليه شعوب هنا وأخرى هناك. ويمكن بيعه بأسعار معقولة لكلا الطرفين المشتري والبائع. والاستثمار في التخزين لا يقل أهمية عن الاستثمار في إنتاج السلع المخزنة نفسها. إنها عملية متكاملة لا يمكن أن تحقق كل النتائج إلا بوصل أطرافها بعضها ببعض.
ومن المشكلات الرئيسة أيضا أنه حتى في البلدان الراشدة، هناك مستويات مرتفعة من هدر الغذاء، على الرغم من قيام جهات في هذه البلدان باتخاذ إجراءات مثالية بالفعل للحد من الهدر بشكل عام، سواء المرتبط بالفرد أو بمحال بيع الأغذية. وعلينا أن نتصور مستويات الهدر في بلدان لم تصل بعد إلى الحد الأدنى من ثقافة "عدم الهدر"– إن جاز التعبير-. في أوربوا يهدر الفرد 90 كلج سنويا من الغذاء. وينخفض الهدر من منطقة إلى أخرى، وفق حقائق الوفرة، وليس النضج الاقتصادي والاجتماعي. وعندما تنخفض أسعار الغذاء عالميا ومحليا، يبدو واضحا أن مستويات الهدر ترتفع أيضا. ورغم قيام منظمة "فاو" بحملات مختلفة للتثقيف في هذا المجال، إلا أنها لم تحقق الأهداف كلها في هذا السياق. ولا شك أن الأمر يتطلب انطلاقا آخر جديدا، لتكريس الثقافة الموجودة ولكن الضعيفة.
صحيح أن تراجع أسعار الغذاء (ولاسيما السلع الأساسية) يمثل خطوة عظيمة إلى الأمام على صعيد خفض معدلات الجوع في غير منطقة من العالم، ولكن الصحيح أيضا أنه لا يوجد "استثمار" عالمي مواز للحفاظ على مكتسبات الانخفاض المشار إليه، والبناء عليه لمحاربة الجوع بالطبع، ولإحداث احتياطي غذائي عالمي يكون سندا في الأزمات والكوارث، وفي أزمنة الحاجة.
إنها مسؤولية عالمية لفائدة العالم أجمع. خصوصا عند أولئك الذين يجرمون السياسة في الغذاء.
 

الثلاثاء، 27 يناير، 2015

تيسير كمي في مواجهة تعسير كلي

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية)



"اليورو مصير مشترك، وأوروبا مستقبل مشترك"
أنجيلا ميركل - مستشارة ألمانيا



كتب: محمد كركوتـــي

عارضت ألمانيا برنامج التيسير الكمي التاريخي الأوروبي بشراء سندات حكومية وخاصة بقيمة 60 مليار يورو كمرحلة أولى. لكن البرنامج أُعلن بالفعل وسيدخل حيز التنفيذ في آذار (مارس) المقبل. كان لا بد لألمانيا أن تعارض الخطوة كما كان لابد للبنك المركزي الأوروبي أن يمضي قدما في هذا البرنامج. معارضة حكومة ميركل صوتية ضرورية للسياسة المحلية الألمانية، وإصرار البنك المركزي ضروري أيضا لأن منطقة اليورو لم تعد قادرة (فعلا) على المضي قدما في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعيشها بدءا بالديون وليس انتهاء بالنمو القريب من الصفر للمنطقة بأسرها. إلى جانب تخلف عديد من دول اليورو عن تنفيذ البرامج الخاصة بخفض مستويات العجز لديها بما في ذلك فرنسا البلد "القوي" الثاني في المنطقة المذكورة.
الـ 60 مليار يورو ليس سوى المبلغ الأول لبرنامج قد يصل إلى ألف مليار يورو في غضون عامين. مرة أخرى لم يعد مهما تحذير ميركل لمنطقة اليورو بالابتعاد عن مسار الإصلاحات في أعقاب الإعلان عن البرنامج المشار إليه. لكن كان عليها أن تحذر لسبب بسيط آخر هو أن الحجم الأكبر من الأموال التي سيتم ضخها في البرنامج ستأتي من ألمانيا، تماما كما هو الحال بالأموال التي ضخت لإنقاذ اقتصادات متهاوية في المنطقة، وعلى رأسها الاقتصاد اليوناني. وإذا كان لا بد من هذه الخطوة فلماذا تتم دون التحذير الألماني التقليدي بل وحتى "الإهانات" الألمانية المعهودة. ومع استفحال الأزمة الاقتصادية في منطقة اليورو تعرف ميركل وكل السياسيين الألمان أن الإصلاحات التي تنادي بها لن تتم بمعزل عن برنامج التيسير الكمي، في منطقة بلغ سعر الفائدة فيها حد الصفر.
لا أحد أحسن من أحد. الولايات المتحدة اعتمدت مثل هذا البرنامج طوال السنوات الماضية لدعم اقتصادها وكذلك فعلت اليابان أخيرا. وعندما يزداد الحديث عن إمكانية خروج دولة مثل اليونان من اليورو، بل وحتى إثارة الشكوك على بقاء اليورو نفسه كعملة موحدة، لا يوجد أمام واضعي السياسة المالية الأوروبية غير التيسير الكمي الذي اكتسب أخيرا الصفة الأمريكية في حين أن بريطانيا اعتمدته مرات عدة في السابق. الحقائق كثيرة على تردي أوضاع اقتصاد اليورو لكن المخارج من هذه الأوضاع قليلة جدا. ورغم أن التيسير الكمي ليس علاجا دائما، لكنه يظل الأفضل عندما تصل الخيارات والبرامج المتاحة إلى الصفر ولم تعد هناك حتى حلول وسط. لقد غابت الحلول الحاسمة عن الساحة الأوروبية منذ انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، ولم تعد حتى الآن.
الأزمة التي تواجهها منطقة اليورو معروفة وواضحة: فائدة قرب الصفر، تراجع التضخم بصورة تاريخية، هبوط مستوى الاستثمارات. وهي عوامل مفجعة إذا ما استمرت فترة طويلة. وهذ الفترة طالت بالفعل مقارنة بالأوضاع المشابهة التي سادت دولا أخرى خارجها وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي تعتقد الجهات الدولية الأكثر حيادية أنها ستتمتع باقتصاد في السنوات القليلة المقبلة سيشكل المنارة الوحيدة للاقتصاد العالمي ككل. وهناك ميزة إيجابية لبرنامج التيسير الكمي الأوروبي مقارنة بمثيله الأمريكي. فمخاطر البرنامج في منطقة اليورو ستوزع على جميع الدول الأعضاء فيها في حين أن الأمر عكس ذلك في الحالة الأمريكية. وهذا يعني أن امتصاص المخاطر عن طريق تشتيتها سيوفر حصانة للبرنامج بصرف النظر عن المساحة الزمنية التي سينفذ فيها.
إنه مخرج واقعي مطلوب. بل بعض الجهات تعتقد أن البنك المركزي الأوروبي تأخر في طرحه. وبصرف النظر عن هذه النقطة فإنه مخرج لم يلحظه وزير الخارجية البريطاني السابق وليام هيج الذي قال يوما "إن اليورو مثل مبنى يحترق ولا توجد فيه مخارج". بالطبع يستطيع أي سياسي بريطاني أن يتحدث بهذه الصيغة طالما أن بلاده لا تزال خارج هذا "المبنى". غير أن الحقيقة ليست كذلك على الإطلاق. فحتى البلدان الأكثر تضررا من عمليات الإنقاذ التي تشهدها منطقة اليورو (وبالتحديد ألمانيا) باتت متمسكة باليورو ومنطقه أكثر من أي وقت مضى. فميركل (الرداحة) نفسها تعتبر اليورو "مصيرا مشتركا". والبرنامج يستطيع أن يحقق مجموعة من الأشياء في زمن قياسي. في مقدمتها دعم الصادرات الأوروبية وزيادة الإنتاج، إضافة طبعا إلى رفع التضخم لتحريك النمو أكثر.
كل هذه عوامل يحتاج إليها اليورو الآن حيث أثبتت أنه عملة باقية رغم الشكوك حولها من جهات بعينها، وأن المنطقة التي نشأت على "حسه" لن تتفكك. وكل السياسيين على الساحة الأوروبية بمن فيهم البريطانيين أنفسهم، يعرفون أن هذه المنطقة تستحق "التضحية" المالية فهي لم تقم على أساس مرحلي بل نشأت وفق قواعد المصير. ستكون هناك مصاعب كثيرة حتى في تنفيذ برنامج التسيير الكمي، ولن يتوقف "ردح" ميركل لإرضاء معارضيها الألمان في الداخل، لكن إطلاق هذا البرنامج أثبت أن الأوربيين يختلفون وربما يتبادلون الاتهامات، لكنهم متفقون على أن عملاتهم الوطنية السابقة التي محاها اليورو لن تعود إلى الساحة مجددا. وليس مهما هنا أيضا "شماتة" البريطانيين الذين لا يزالون يتخبطون في مسألة الانتماء للاتحاد الأوروبي.

مصارف هشة بنفط صخري

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



 
"السوق النفطية حساسة بإفراط، حتى بمجرد التلميح لانكماش أو توسع في العرض"
جيمس سورويكي ـــ كاتب وصحافي أمريكي

كتب: محمد كركوتـــي
 
أسئلة كثيرة تطرح على الساحة فيما يخص المصارف الكبرى والمتوسطة. هذه المرة لا ترتبط الأسئلة بعمليات، احتيال أو غسل أموال، أو التهرب من الضرائب، أو حماية أموال منهوبة، أو تضليل العملاء بطرق مختلفة، إنها تتعلق بمشكلة متصاعدة، البعض يعتبرها كارثة من الآن، والبعض الآخر ينظر إليها ككارثة مستقبلية. إنها باختصار، الأموال التي أقرضتها هذه المصارف إلى شركات التنقيب عن النفط الصخري في الولايات المتحدة طوال السنوات الماضية، بما في ذلك القروض التي منحت إلى شركات التنقيب عن النفط في مناطق، تتطلب إنفاقاً على استخراج البترول أكثر من غيرها من المناطق الأخرى. وهذا النوع الأخير من التكاليف، لا يترك مجالاً للشركات المعنية بأي حركة مرنة، في ضوء انخفاض أسعار النفط.
ويمكن وضع كل الأسئلة التي تُطرح حول مصير قروض شركات النفط الصخري تحديداً، ضمن سؤال كبير واحد، هو، هل العالم على أعتاب كارثة مالية جديدة، في حال عجز الشركات النفطية المعنية عن سداد ديونها؟ وهذا يختصر كثيرا من التساؤلات بما في ذلك تلك المحيرة. ولا شك في أن المصارف المتورطة بهذه القروض، تعيش اليوم أحلك أيامها، لأنها تمر أساساً بأسوأ مرحلة من تاريخها، في ظل الهجمة الحكومية الأمريكية على وجه التحديد، الخاصة بفرض غرامات، أو التوصل إلى تسويات مع المصارف المشار إليها، على مخالفات أو تجاوزات سابقة. بعض الغرامات وصلت إلى 16 مليار دولار، وبعضها الآخر في حدود 12 مليار دولار. ومئات الغرامات أو التسويات التي تحسب بعشرات الملايين من الدولارات.
ولا حصانة لمصرف عن آخر في موضوع المخالفات والغرامات والتسويات خارج المحاكم، كما هو الأمر بالنسبة لهذه المصارف حيال القروض التي أغدقتها على شركات التنقيب عن النفط. كما أن المصارف الأمريكية متورطة ومعها الأوروبية الكبرى على وجه التحديد. وبحسب التقديرات المحافظة، تصل القروض التي حصلت عليها شركات التنقيب عن الغاز الصخري (تحديداً) إلى تريليوني دولار، ومع توقف أعداد متزايدة من مناطق الحفر عن العمل في الأشهر القليلة الماضية، دخلت القروض في دائرة الخطر الكبير، خصوصاً مع إعلان مجموعة من الشركات عن عدم إمكانية العودة مجدداً إلى نشاطها الاستخراجي، أو على الأقل عدم استئناف العمل مجدداً قبل سنوات. ورغم تفاوت تقديرات الخسائر الناجمة لشركات النفط الصخري، من جراء تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية، إلا أن سعر 45 دولارا للبرميل، يعتبر الحد الذي ينبغي أن يتوقف فيه الإنتاج نهائياً. البعض يرى أن توقف الإنتاج ضروري حتى لو استقر البرميل عند ما بين 60 و70 دولاراً.
وفي كل الأحوال، فإن المخاطر التي تحدق بالمصارف المقرضة لـ "شركات الصخري"، تتزايد يوماً بعد يوم، وإذا ما تبخرت هذه أموال القروض فعلاً، أو على الأقل تأخر سدادها، فإن النظام المصرفي العالمي ينبغي أن يستعد لأزمة جديدة، خصوصاً في ظل سياسات ومتغيرات حكومية فُرضت على المصارف في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، بما في ذلك، توافر احتياطي مالي آمن في كل مصرف، لتمكنه من مواجهة أي أزمة قد تحدث له أو للقطاع بشكل عام. وطبعاً تم فرض المعايير الجديدة، من أجل تجنيب الخزائن العامة مسؤولية التدخل لإنقاذ هذا المصرف أو ذاك. بمعنى آخر لكيلا تكون الأموال العامة سنداً وحيداً لها. العالم لا يحتمل في هذا الوقت بالذات أي هزة مالية جديدة، فكيف الحال بإمكانية اندلاع أزمة مرتبط بديون الشركات النفطية؟
والذي يزيد الأمر تعقيداً، أن القيم السوقية للشركات المشار إليها تراجعت بصورة خطيرة في الأشهر القليلة الماضية. بعضها تراجعت قيمته حتى 22 في المائة، أي أن عددا من الشركات تقترب من دائرة مهب الريح، كما تقترب المصارف من نطاق العاصفة. وما يعرف من حدة المخاطر، أن الشركات النفطية الكبرى التي تستطيع أن تقاوم الوضع السعري النفطي بنفس طويل، لن تخاطر في استحواذات أو اندماجات في هذا الوقت بالذات، وبالتالي يترك عدد كبير من شركات النفط الصخري متعثرة، وعاجزة في المستقبل القريب عن تسديد ديونها، بل حتى فوائدها. فالتوقف عن العمل نهائياً يعني عدم إنتاج حتى الحد الأدنى من هذا النفط. مع ضرورة الإشارة إلى أن شركات النفط التقليدية نفسها، أقدمت على إغلاق عدد من آبارها في الأسابيع الماضية، التي تتطلب تمويلاً أكثر من غيرها.
العالم لا ينقصه أزمة أخرى بالتأكيد. في حين لم يخرج من تلك التي ضربته في عام 2008. والمصارف (على وجه التحديد) التي كانت شرارة القنبلة المفجرة للأزمة، هي الآن في دائرة الخطر، وبالطبع في دائرة الضوء، بينما لا تزال الآليات والمعايير الجديدة التي فرضتها الحكومات قيد التطبيق، ولم تتكرس بعد. إنها أزمة لن تتحملها حتى الحكومات، في وقت تسعى فيه هذه الأخيرة إلى التخلص من أي التزامات إنقاذية لمصارف تم إنقاذها مرة من قبل الغارقين أنفسهم.
 

عام 2014 نفطي

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




 
«لسنا مدمنين على النفط. سيارتنا هي المدمنة»
جيمس وولسي رئيس جهاز الاستخبارات الأمريكية السابق


كتب: محمد كركوتـــي

أيا كانت طبيعة وأهمية الأحداث الاقتصادية التي مرت على العالم في النصف الثاني من العام المنصرم، كان النفط "سيدها" غطى حتى على أزمة الديون في منطقة اليورو والنمو الاقتصادي الخجول في الولايات المتحدة وتباطؤ نمو الاقتصاد الصيني. فرض مسبباته على الأسهم العالمية في الأخبار الاقتصادية كان الخبر الأول، وفي التحليلات شغل مساحات واسعة النفط صبغ عام 2014 بألوان عدة، مشتقة أساسا من لونه الأساسي لتستمر هذه الألوان في العام الجديد وربما إلى ما بعده. فاق الحدث النفطي مستواه الذي كان عليه في عام 2008 عندما تعرضت الأسعار للنزيف، ونسي البعض "في زحمة تلاحق الحدث" ما حدث في أواخر تسعينيات القرن الماضي عندما وصل سعر برميل النفط إلى أدنى مستوى له وفي كل الأحوال يبقى النفط تلك السلعة التي تخشى منها وتخاف عليها.
يقول المؤلف والأديب الاسكتلندي جيمس بوتشان "قبل قرن من الزمن، كان النفط مجرد سلعة. اليوم، توازي أهميته بالنسبة للجنس البشري، أهمية الماء نفسها". وهو بالفعل كذلك. في أحد الأيام قالت رئيسة وزراء إسرائيل جولدا مائير الراحلة كفرا بهذا الصدد. ماذا قالت؟ "دعوني أقول لكم ما لدى الإسرائيليين ضد النبي موسى. سار بنا 40 عاما عبر الصحراء، لكي يأتي يجلبنا إلى بقعة في الشرق الأوسط بلا نفط". لقد نسيت مائير لوهلة، ادعاءاتها الباطلة ومعها قادة إسرائيل بـ "الأرض الموعودة"، من فرط حاجات كيانها للنفط. فلا غرابة أن تتصدر هذه السلعة المشهد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في أي لحظة. وعندما تكون التحولات النفطية أكثر دراماتيكية، يكون معها المشهد العام كله أكثر محورية.
وأيا كانت التحولات أيضا، تبقى السعودية اللاعب الأهم على الساحة النفطية. حاولت بعض الجهات في السنوات الماضية التقليل من هذه الحقيقة. ولكنها نسيت أنها حقيقة، تُحسب كما هي، لا كما تشاء التمنيات. واستراتيجية المملكة عززت من قوتها. البعض اعتبرها مخاطرة، لكن التطورات أظهرت أنها ليست كذلك بأي صورة من الصور. وعندما توضع الاستراتيجيات وفق معايير وحقائق السوق، لا مخاطر تظهر، خصوصا عندما يكون واضع الاستراتيجية محوري المكانة في السوق، لا هامشيا أو موسميا. وهذه الاستراتيجية هي التي عززت صبغة عام 2014 كـ "عام النفط". العام الذي سجل في التاريخ، لا لكونه شهد تراجعا بلغ أكثر من 50 في المائة في أسعار النفط في غضون ستة أشهر، بل لأنه عام السياسة الجديدة لهذه السلعة. عام تغيير "الثقافة" التي تخصها. عام الحفاظ على الكبير النفطي الحقيقي، لا ذاك الذي يدخل ويخرج من السوق، على مبدأ "اضرب واهرب". إن السلعة الاستراتيجية ليست قابلة لهذا النوع من الإنتاج والتجارة.
التحولات كثيرة تلك التي انطلقت في عام 2014 على الصعيد النفطي. من بدء نجاح استراتيجية محاصرة النفط الصخري، إلى خسارة شركات النفط العالمية الكبرى جزءا من قيمها السوقية، إلى ازدهار ما يمكن وصفه بـ "التخزين العائم". ففي الأسابيع الستة الأخيرة من العام المنصرم، انخفضت أعمال حفر النفط الصخري في الولايات المتحدة بمعدل 17 في المائة. وهناك عديد من الآبار الصخرية تتوقف أسبوعيا. بل تراجعت حتى أنشطة التنقيب التقليدية في أمريكا الشمالية، وهي مرشحة للتراجع بمعدلات عالية جدا في العام الجديد تصل إلى 14.1 في المائة. بعض الجهات الأمريكية، تعتبر أنها لا تستطيع المضي قدما في الإنتاج إذا بقي سعر برميل النفط في حدود 50 دولارا للبرميل. البعض الآخر تحدث عن 60 دولارا.
إنها تحولات تاريخية على الصعيد النفطي بكل معنى الكلمة. فحتى النصف الأول من العام المنصرم، لم تكن مثل هذه التطورات مطروحة للنقاش أصلا، خصوصا مع ارتفاع التوتر في أكثر من منطقة حول العالم تنتج النفط والغاز. لن تمر هذه المرحلة بالطبع دون خسائر، فعلى سبيل المثال تراجعت أسهم 22 شركة تنتج النفط والغاز من أصل 24 شركة كبرى تعمل في هذا المجال. وبلغت خسائر "شيفرون" و"إكسون موبيل" معا "وفق آخر البيانات" 95 مليار دولار. بعض الشركات خفض رواتب العاملين فيها، والبعض الآخر بدأ في تنفيذ خطة تسريحات. وسينخفض الإنفاق العالمي في مجال الطاقة في العام الجديد في حدود 6.7 في المائة. ويرى بنك "باركليز" البريطاني في تقرير أخير له، أن الشرق الأوسط سيكون مصدر القوة الوحيد في العالم حيث يتوقع أن يزيد الإنفاق 14.5 في المائة مع تمسك الشركات بخطط الحفر.
لقد انطلقت شرارة التغيير في عام 2014، وستستمر إلى العام الجديد وما بعده، إلا أن الحالة الطبيعية للسوق لم تكن طبيعية تماما في السنوات القليلة الماضية. سيكون هناك المزيد من الخاسرين وأيضا المزيد من الرابحين وستتبدل قناعات كثيرة، كما ستتكرس حقائق عديدة موجودة أصلا على الساحة لكل تغيير ثمنه وعام 2014 كان عام النفط المتغير نحو الثبات.

«فاتكا» ليس سياسيا

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





"الناس جائعون، لأن السلطة تأكل من الضرائب بإفراط"
لاوتزه - فيلسوف صيني

كتب: محمد كركوتـــي

هناك سلسلة من المشكلات المرتبطة بقانون الامتثال الضريبي الأمريكي للحسابات الأجنبية المعروف اختصارا بـ "فاتكا". فهذا القانون يلاحق المتهربين الأمريكيين "وحتى الذين يتمتعون بالإقامة الدائمة الأمريكية" من الضرائب، ولكنه يطرح قضايا أخرى أشد، توازي الضرائب وأحقيتها حساسية، خصوصا في البلدان التي تمنع ازدواج الجنسية، فضلا عن أولئك الذين يتمتعون بالإقامة الدائمة في الولايات المتحدة، ولكنهم في الواقع لا يعيشون فيها، والآخرين الذين حصلوا عليها أوتوماتيكيا بحكم الولادة. هذا القانون فتح في الواقع كل شيء على كل شيء. يكشف عن الأموال المستورة، والجنسيات المستورة أيضا، وتحديدا في البلدان الأصلية لحامليها. ولكنه في النهاية لا يمثل معيارا للوطنية، بدليل أن الأمريكيين الأصليين يتهربون من الضرائب، وهناك مؤسسات أمريكية بأسماء رنانة إلى الأبد "أبل ومايكروسوفت وغيرهما" تتهرب من الضرائب.
في المملكة بدأ تنفيذ القانون مطلع العام الميلادي الجديد، وفق النموذج الذي اختارته السعودية الذي تم الاتفاق عليه مع الأطراف المعنية. والدول الخليجية الأخرى وافقت على تطبيق القانون بالتعاون مع السلطات الأمريكية، وهناك بلدان في كل أنحاء العالم، امتثلت لقانون "الامتثال"، وذلك خوفا على مؤسساتها المالية والمصرفية من عقوبات أمريكية ستكون فادحة بكل المقاييس. ومن الواضح أن إدارة أوباما، تسعى بكل ما لديها من نشاط وما تبقى لها من زمن في البيت الأبيض، إلى تعميم القانون على جميع بلدان العالم، التي ترتبط معها بعلاقات طبيعية. وقد نجد بعد فترة من الآن، أن كوبا نفسها العدو اللدود للولايات المتحدة، امتثلت للقانون الأمريكي، مع التقارب المتسارع بين واشنطن وهافانا.
راسلني أحد الأصدقاء حول موضوع "فاتكا"، ملمحا بأن هناك بعدا سياسيا لهذا القانون، وهو أولا: "تطفيش" الناس من الحصول على الجنسية الأمريكية، على اعتبار أن أصوات المجنسين الأمريكيين كانت تحمل وزنا في الانتخابات الرئاسية السابقة التي فاز بها باراك أوباما في المرة الأولى. وثانيا- ولا أجد أي رابط سياسي في هذا الأمر- أن اعتماد الدول الغربية على الضرائب ليس جديدا، بل يزداد يوما بعد يوما ويصل إلى أوجه في أزمنة الأزمات. كما أنه يشكل في النهاية "كما هو معروف" حجز الزاوية في الدخل الوطني. وهذا الأمر يدفع إلى تطوير قوانين الضرائب، بل وسن قوانين جديدة، دون أن ننسى أن الأزمة الاقتصادية العالمية، دفعت العالم أجمع للبحث عن مصادر مالية، حتى تلك التي كانت جزءا من أموال عصابات منظمة.
ومن الأسباب الأخرى التي لا تجعل من "فاتكا" سياسيا، أنه تم الاتفاق عليه من قبل الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه أوباما الملون، أكثر من الجمهوريين الذين أشاروا إلى أصوات المجنسين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. فضلا عن أنه بدأ تطبيق القانون فعليا في عام 2010، أي بعد وصول أوباما إلى البيت الأبيض بعامين تقريبا. وهناك نقطة أساسية أخرى، أن أغلب المجنسين "وفق الجداول الرسمية الأمريكية" ليسوا من مرتفعي المداخيل، بل إن نسبة كبيرة منهم تعيش على المعونة الحكومية، وهؤلاء لا يشكلون هدفا على الإطلاق لقانون "فاتكا" أو غيره. في الواقع هذه الشريحة تدعم تقليديا قوانين الضرائب المشددة، لأن ذلك سينعكس عليها بصورة إيجابية على صعيد المعونات الحكومية الاجتماعية.
أما بالنسبة لأولئك الذين اعتادوا التهرب من الضرائب، فهم تقليديا من أصحاب المداخيل المرتفعة جدا، وهؤلاء "أيضا تقليديا" من الناخبين للحزب الجمهوري، على اعتبار أن هذا الأخير أقل فرضا للضرائب، كحال الأحزاب اليمينية الغربية الأخرى التي لا تتعجل فرض ضرائب عالية، بل إن بعض هذه الأحزاب، يخفض الضرائب ضمن برامجها الانتخابية لجذب أصحاب رؤوس الأموال. وهؤلاء اعتادوا على منح الأحزاب اليمينية تبرعات سخية جدا. وفي كل الأحوال، قانون "فاتكا" لم ينطلق سياسيا، ولا يطبق كذلك. فحتى التخلي عن الجنسية الأمريكية لا يتم بقرار واحد ونهائي من حامل الجنسية، الأمر قد يستغرق سنوات، فضلا عن دفع رسوم حكومية تم رفعها في الواقع في الأشهر القليلة الماضية.
يريد أوباما وإدارته أن ينتهوا من تنفيذ هذا القانون بصورة شاملة، لأنهم بذلك يسجلون نقطة تاريخية في مصلحتهم "حسب اعتقادهم"، فهذا الرئيس ركز منذ البداية على القضايا الداخلية في بلاده، ولم يهتم بما يوازي أهمية بلاده بالقضايا الخارجية. وكأنه أراد أن يقول "فهمت استراتيجية سلفي جورج بوش الابن، وأنا أقوم باستراتيجية عكسية". وقوانين الضرائب المحلية وتلك التي لها صلات خارجية، جزء أساسي من القضايا الداخلية. وقانون "فاتكا" الذي شمل أغلب بلدان العالم، بدا مغريا حتى لبلدان غربية أخرى، ولا سيما الأوروبية منها. فهذه الأخيرة تفكر بالفعل في قانون مماثل يستهدف مواطنيها وحاملي جنسياتها، في غضون سنوات قليلة جدا. وقد بدأ المختصون بوضع الخطوط العريضة لقانون جذاب لكل الدول، خصوصا في أوقات الأزمات والمحن الاقتصادية.
الضرائب في البلدان الغربية الراشدة، أكثر أهمية حتى من الصناعات والتجارة. إنها الدخل الوطني المحلي المضمون الذي لا يخضع كثيرا لعوامل خارجية أو حتى داخلية.
 

التنويع .. وقود الاقتصاد

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«أساس الاقتصاد القوي لا يقوم على قرارات وزير المالية وبرنامج الإنفاق الحكومي»
جورج أوزبورن وزير مالية بريطانيا


كتب: محمد كركوتـــي

لا يحتاج الخطأ (أي خطأ) لأزمة كي يتم إصلاحه. كما لا تحتاج أي حالة مهما تفاقمت إلى أي شكل من أشكال الأزمة أو الضرر لإدخال إصلاحات محورية عليها. في الأزمات تكمن الفرص (بصرف النظر عن أشكالها)، ولكنها لا توفر أدوات فاعلة أو مطلوبة لإنهائها وأولئك الذين يعتقدون غير ذلك، هم في الواقع يسعون إلى تبرير الخطأ ومرتكبه، ويحاولون (بحسن أو سوء نيات) توفير حماية ما للجهة أو الجهات التي تقف وراء هذا الخطأ، لا أزال أتذكر مقولة ساذجة ومروعة في آن معا للممثل المصري محمد صبحي، خلال لقائه بطاغية العراق السابق صدام حسين في أعقاب العقوبات التي فرضت على العراق. ماذا قال لهذا الأخير؟ "سيدي الرئيس، علينا أن نشكر العقوبات لأنها تحض على العمل المحلي والإنتاج"! مثل هذا الكلام، ليس أقل من مبرر للخراب والمخرب.
القضية المطروحة الآن لا تتعلق بصدام ولا صبحي، إنها خاصة بالبلدان النفطية (لا على وجه الخصوص) التي لا تزال تفكر في تنويع اقتصاداتها أو أنها تسير نحو التنويع بعربة بلا محرك. فتراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية خلال أقل من ستة أشهر ما بين 40 و50 في المائة لم يكن ضروريا لكي تعرف هذه البلدان أنها تأخرت بل إنها تعيش باقتصاداتها فيها من المخاطر أكثر مما فيها من المكامن الآمنة. إن المسألة واضحة منذ عشرات السنين. فإما اقتصاد أكثر تنوعا أو الارتهان إلى "مزاج" السوق النفطية وألاعيبها والسوق وإن شكلت المحور الأول للاقتصاد إلا أنها تخضع لمعايير متغيرة غير ثابتة. بل حتى الممارسات غير الأخلاقية وعلى هذا الأساس لا يمكن الاستناد عليها (بمفردها) كرافد مستدام بوتيرته لحماية الاقتصادات الوطنية المختلفة. ويكون الأمر مفجعا عندما تكون أحادية السلعة.
البدهيات لا تحتاج إلى أزمات أو حتى تفسيرات وشروحات والاعتماد على السلعة الواحدة يعني إبقاء الأمة أسرى لها، يقول هنري روس رجل الأعمال والمرشح السابق للرئاسة في الولايات المتحدة: "العملة الضعيفة تكون مؤشرا لاقتصاد ضعيف والاقتصاد الضعيف يقود إلى أمة ضعيفة" ويمكن ببساطة المقاربة هنا بالقول "السلعة الوحيدة لا توفر اقتصادا قويا وبالتالي لا تجعل الأمة قوية" والأمم الكبرى القوية هي كذلك بقوتها الاقتصادية وليست العسكرية، هذه روسيا بترسانتها العسكرية الهائلة تئن تحت وطأة تراجع أسعار النفط حتى لو لم تكن تحت العقوبات الغربية الراهنة المفروضة عليها والأمر نفسه (مع اختلاف مكامن القوة العسكرية) في بلدان مثل فنزويلا ونيجيريا وإيران وغيرها وهي في حالة سيئة مضاعفة لأنها تفتقر إلى الفوائض المالية.
ولكن الفوائض المالية التي تنعم بها غالبية بلدان الخليج العربية لا تشكل ضمانات مستدامة هي الأخرى فهذه الفوائض (مهما عظمت) لا بد أن تنتهي طالما أنها تتراجع ولا توجد آليات أخرى للإبقاء على زخمها فهي بلا شك محورية في الأزمات لكنها لا توفر حلولا دائمة لمشكلات الاقتصاد الكلي كما أنها تجمعت نتيجة فورة في أسعار النفط يعتقد البعض أنها انتهت إلى غير رجعة وإذا كان هذا الاعتقاد سلميا فإن الفوائض المشار إليها ستتآكل طالما ظل الرافد النفطي الوحيد للاقتصاد. وليس غريبا (على سبيل المثال) أن تتصدر بورصات البلدان غير النفطية قائمة أفضل الأسواق المالية في 2014 وفقا لوكالة "سي إن إن موني" الأمريكية وفي المقابل لم يكن غريبا تصدر بورصات بعض البلدان النفطية (وفي مقدمتها روسيا) قائمة الأسواق المالية الأسوأ في العام المذكور. في الأفضل كانت الأرجنتين والصين والهند وفي الأسوأ كانت روسيا والكويت.
هناك مشكلات مفصلية تعانيها البلدان النفطية في مجال تنويع اقتصاداتها في مقدمتها التخلص من ذهنية الإنفاق الحكومي والتحذيرات لا تتوقف من جانب المؤسسات المالية الدولية لهذه البلدان بأنها ستواجه مشكلات أعمق فيما لو لم تتقدم بخطوات فاعلة على صعيد إصلاح استراتيجية الإنفاق المتصلة مباشرة بمشاريع الدعم إلى جانب طبعا الارتباك الذي لا يزال موجودا في العلاقة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق وعدم الاستثمار في تطوير الصناعات (في حالة روسيا) فهذه الأخيرة لا تستطيع (مثلا) أن تجعل مصانعها تعمل دون التكنولوجيا الغربية أما بالنسبة للبلدان النفطية الأخرى (وتحديدا الخليجية العربية) فإن عجلة التنويع البطيئة تجعلها في حالة الاستماع فقط لمطالب الحد من الإنفاق الاستهلاكي وخفض الدعم.
صحيح أن بلدان الخليج تمضي قدما نحو تغيير "ثقافتها الاقتصادية" ولكن تداعيات السوق تسير بوتيرة أسرع منها وإذا كان من المرجح ألا يعود سعر برميل النفط إلى مستوى 100 دولار فليس أمام هذه البلدان إلا التحرك بسرعة أكبر نحو التنويع. فحتى الـ80 دولارا للبرميل لا توفر مساحة آمنة. بل يمكن القول حتى 200 دولار للبرميل لا توفر أمانا مستداما لأن المسألة تبقى هي.. هي "الأمان الاقتصادي" يكفله التنويع فقط وثقافة اقتصادية متغيرة بسرعة أيضاً دون خوف.
 

خسائر خراب سورية على الجوار

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"يمكن دائما العثور على الخراب، إذا كنت تبحث عنه"
توم كيتي - أكبر لاعبي الجولف في الولايات المتحدة



كتب: محمد كركوتــي

لا يتطلب الأمر نحو أربع سنوات فأكثر، وقوع 300 ألف قتيل، و18 مليون نازح ولاجئ (من أصل 22 مليونا)، وانهيار كامل للاقتصاد، وإفساح المجال أمام المخربين والمجرمين والإرهابيين للعب أدوارهم، وتفتيت كيان عربي راسخ، لا يتطلب الأمر كل هذا لمعرفة أن إزالة نظام سفاح سورية بشار الأسد إلى الأبد، أرخص بما لا يترك مجالا للمقارنة، من إبقائه يوما واحدا في حكم لا يستحقه، وفي سلطة اغتصبها ابنا عن أب. ليس صعبا منذ اليوم الأول للثورة السورية الشعبية ضد هذا الحكم البربري، قراءة الحقيقية كاملة وبلمح البصر. وهي تتلخص في التالي. بقاء الأسد وعصاباته في حكم سورية، لا يعني فحسب حدوث كل ما تقدم، بل يقود بالتأكيد إلى انتشار الخراب في محيط سورية، بل في مناطق مختلفة من العالم.
كان بشار الأسد صادقا عندما هدد بتحويل ما يحدث في سورية بفعل الثورة، إلى أزمة إقليمية بروابط عالمية. لكن الغرب لم "ينتبه". كان مشغولا برسم الخطوط الحمراء للأسد، بل لم "ينتبه" أساسا إلى أن هذا الأخير كان يقفز على الخط الأحمر تلو الآخر، دون أن يدفع الثمن الوهمي الباهظ الذي فرض من قبل الغرب نفسه. كل هذا الكلام لا معنى له الآن. فالخطوط، أزالها نظام ينظر إلى الإنسانية باحتقار متصاعد. فالهدف المشروع له، هو رجل مسلح ورضيع، أو امرأة تعلك كسرة الخبز اليابسة لإطعام أطفالها، أو مسن يدعو الله أن يميته قبل أن يهبط عليه برميل متفجر. أيضا هذا الكلام ليس مهما الآن. فالصورة الآتية من سورية لا تتكلم، بل تصرخ بملء محتواها.
يقول المؤلف الأمريكي جويل أوستين "أحيانا، إذا تمكنت من التملص مما يتطلب منك القيام به، فإنك تصنع الخراب". وهذا ينطبق على البلدان التي كان بإمكانها أن توفر الصيغة النهائية الأقل ضررا للحالة السورية، شرط أن تقوم بذلك منذ البدايات لا النهايات، ومنذ الشرارة الأولى لا الحرب الماحقة، ومنذ مقتل أول طفل، لا المرحلة التي ضاعت معها أرقام القتلى. ومن هنا، لا غرابة في أن ينتقل وبسرعة قياسية الخراب السوري إلى الجوار. وغرابة أيضا، من تقرير البنك الدولي، الذي توصل إلى أن خسائر دول شرق المتوسط من الأزمة السورية بلغت 35 مليار دولار. وهذه الخسائر تعادل في الواقع حجم الاقتصاد السوري الذي سجل في عام 2007. خسائر مرحلية في حجم اقتصاد كامل؟ يا له من عنوان مروع. مع ضرورة الإشارة إلى أن مثل هذه التقديرات تبقى في الحدود الدنيا، لأن مؤسسة مثل البنك الدولي، تفضل عادة مثل هذه الحدود، حرصا على التحرك في الحدود الآمنة للتقديرات.
كل البلدان الإقليمية تأثرت سلبا بل بصورة خطيرة من تداعيات الخراب السوري، سواء اقتصاديا أو على الصعيد الأمني. صحيح أن الأضرار متفاوتة بين كل بلد وآخر، ولكنها في النهاية شاملة لكل الأطراف. تقول تركيا -على سبيل المثال-: إنها أنفقت ما يقرب من خمسة مليارات دولار لمواجهة أمواج اللاجئين السوريين إليها. وعلى الرغم من بعض السلبيات في تعاطي الأردن مع أزمة اللاجئين السوريين، نال ضرره الاقتصادي منها. وعلى الرغم من بشاعة تعامل لبنان في نواحٍ كثيرة ومتعددة الأشكال مع هؤلاء اللاجئين، إلا أنه يتصدر قائمة البلدان الأكثر ضررا، وذلك وفقا للبنك الدولي نفسه. أما في العراق، فهو حالة متداخلة بصورة أكبر بكثير مع الأزمة السورية مقارنة بالتداخلات مع بقية بلدان المنطقة، لاسيما في أعقاب زوال الحدود على أيدي تنظيم "داعش" الإجرامي.
لا مجال للحديث هنا عن التعاطي الطائفي الفاضح للحكومة العراقية السابقة مع اللاجئين السوريين. المهم أن الخسائر التي نالت جميع دول المنطقة كبيرة، وتأتي في ظروف اقتصادية هي الأسوأ في هذه البلدان. وعلى هذا الأساس، فإن البنك الدولي يعتبر أن تكلفة الحرب تتوزع بشكل غير متساو في المنطقة، حيث تتحمل (بالطبع) سورية والعراق عبء التكلفة المباشرة للحرب، فتراجع الإنفاق على الرفاهية لكل فرد في سورية بنسبة 14 في المائة، وفي العراق 16 في المائة، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي السوري بنسبة 30 في المائة بسبب الحظر على التجارة. كما هبط نصيب الفرد من الدخل في الدول المجاورة، حيث كانت أكبر نسبة في لبنان وبلغت 11 في المائة، بينما لم يتجاوز التراجع في تركيا ومصر والأردن 1.5 في المائة.
أمام هذا المشهد المروع، يظهر السؤال بصورة ملحة. ألم يكن من الأفضل اقتصاديا لكل الأطراف (عدا إسرائيل وإيران وروسيا على وجه التحديد) إزالة نظام الأسد نهائيا؟ لا نتحدث هنا عن الخسائر البشرية (لاسيما السورية) التي لا يمكن بأي حال أن تخضع لمعايير الربح والخسارة. كما لا نتحدث عن الخسائر المتواصلة التي تسببها التنظيمات الإجرامية التي اخترعها سفاح سورية وعصاباته على مدى السنوات الأربع الماضية، لا لشيء، إلا لرفع معدلات الخراب، وإبقاء آثاره أطول زمن ممكن، وبقائه يوما إضافيا آخر.
 

«التشبيح» في مواجهة العقوبات

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"ليس هناك ضريبة دخل في روسيا، لأنه لا يوجد دخل أصلا"
ويل روجرز - كوميدي أمريكي راحل


كتب: محمد كركوتـــي

بالطبع، هناك ضرائب دخل في روسيا الآن. وما قاله الكوميدي روجرز بهذا الصدد، كان يخص المرحلة التي كانت فيها الشيوعية بروسيا هي السياسة والاقتصاد والتعليم والمجتمع والفن والأدب، بل حتى الزواج والعلاقات العاطفية والسجائر والخمور. لكن روسيا اليوم، تئن من عقوبات غربية متعاظمة وتطورات اقتصادية عالمية تختص بالدرجة الأولى بوضعية السوق النفطية. لم يستغرق أنين روسيا طويلا كي يظهر بوضوح وبصوت عال، الأمر الذي يطرح سؤالا عن طبيعة معايير الدولة العظمى. لقد أثبتت الأشهر القليلة الماضية، أن روسيا دولة عظمى فقط بما تملكه من سلاح (ولا سيما النووي)، وليست كذلك وفق أي معايير أخرى بما فيها المعايير السياسية. وأي قوة سياسية يتمتع بها هذا البلد حاليا، هي في الواقع آتية نتيجة ضعف السياسة الأمريكية على الساحة الدولية، وتشتت قوة السياسة الغربية بشكل عام نتيجة لهذا الضعف.
وما يقوم به فلاديمير بوتين منذ وصوله الثاني إلى حكم روسيا، ليس إلا "تشبيح" سياسي، وجد البيئة الملائمة عالميا له. وقع هذا الأخير في المصيدة، ليس من فرط قوة العقوبات الغربية التي تفرض عليها تباعا، بل من وهم وضعية الاقتصاد الروسي نفسه. كان الواهمون يعتقدون أن هذا الاقتصاد يمكنه أن يصمد طويلا أمام أي عقوبات، دون أن يطرحوا أي مبررات لهذا الاعتقاد. ولم يعرفوا، أن اقتصادا بمصدرين أو ثلاثة مصادر للدخل، ينكسر بفعل أول عاصفة تمر به، سواء كانت عاتية أو متواضعة. والذي يحب أن يلعب بالاستقرار العالمي وقلب الحقائق، عليه أن يمتلك أدوات فاعلة تكفل له اللعب المستدام، أو اللعب بأطول مدة ممكنة. أراد أن يحتل جزيرة القرم، ويحاصر أوكرانيا، لكن روسيا الآن وبعد أربعة أشهر فقط أصبحت محاصرة اقتصاديا، بل عسكريا أيضا.
كان رئيس وزراء بريطانيا الراحل ونستون تشرشل يقول "إن روسيا لغز ملفوف بالغموض داخل أحجية". كان يراها غامضة، لكنها اليوم مفضوحة، تعرت ذاتيا دون أي عوامل خارجية. يريد بوتين أن يحقق "أمجادا" ما، لكنه سرعان ما وجد نفسه عاجزا حتى عن استعادة النسبة الدنيا من هيبة بلاده. تحول بفعل عقوبات الغرب والتطورات المتلاحقة في السوق النفطية، إلى أكثر من رئيس غرفة تجارة وأقل من وزير اقتصاد. صار مسؤولا مباشرا عن ملفات البنك المركزي والاستثمارات الداخلية، وعن لوائح شركات النفط الروسية. وربما بات يشرف على حركة أرصفة الموانئ التي تنطلق منها الشحنات النفطية إلى الخارج. وأكبر خطوة على مستوى رئيس دولة قام بها بعد العقوبات، أنه حاول (دون نجاح) ابتكار اتفاقات تجارية مع بلد كإيران يعاني الحصار والأنين الاقتصادي أيضا، والصين التي استفاقت "فجأة" على شبح تراجع النمو الاقتصادي فيها. ولا بأس باتفاقات ليست قابلة للتنفيذ الفوري مع الهند أو البرازيل وفنزويلا!
وسط هذا المشهد، تخسر العملة الروسية 65 في المائة من قيمتها، وتهرب أموال من البلاد وصلت في عام واحد إلى 100 مليار دولار، والبنك المركزي يستنزف نفسه بـ 110 مليارات دولار من الاحتياطي النقدي. وماذا أيضا؟ تراجعت عوائد روسيا النفطية بنسبة وصلت إلى 45 في المائة. هذه التطورات الدراماتيكية حدثت في الواقع قبل تغليظ العقوبات الغربية على موسكو. وعلينا أن نتخيل طبيعة المشهد نفسه في العام المقبل، بعد أن تكون هذه العقوبات قد فعلت فعلها بصورة أكبر وأشد وأعنف. حاول بوتين الحريص حتى في هذه المصيبة على إجراء الصيانة الدورية لوجهه "البوتكسي"، أن يغير شيئا ما من الصورة - المشهد، لكنه كان على موعد مؤكد مع الفشل. لم ينفع تسويقه لخفض الضرائب أو حتى إلغائها بالنسبة لبعض مصادر التمويل، في حين لم يقتنع أصحاب رؤوس الأموال بأنه قادر على الصمود وتغيير الأوضاع.
لقد أثبتت الأزمة الروسية الغربية، أن روسيا "نمر اقتصادي ورقي"، وأن "استراتيجية التشبيح" سلاح ذو حد واحد فقط ينال من "الشبيح"، وليس من الجهة المستهدفة بالتشبيح. كما أثبتت أن الاتفاقات المهزوزة مع دول هي نفسها تواجه أزمات، سرعان مع تتحول إلى فقاعات لا ينتبه إليها أحد. عندما اشتدت الأزمة الاقتصادية على روسيا، نشر بوتين أعوانه في الأرجاء للترويج بأن الغرب يريد تغيير النظام الحاكم في روسيا. وهذه في الواقع حجة كل الطغاة الذين عملوا ضد المجتمع الدولي، بل ضد شعوبهم. أراد رئيس روسيا أن يسوق الترويج الخارجي داخليا، تجنبا لتمرد داخلي قد يظهر بفعل تردي الأوضاع الاقتصادية. إن القوة الاقتصادية الوحيدة، التي يتمتع بها بوتين هي النفط والغاز، لكن هذه القوة باتت تشكل عبئا كبيرا عليه، في ظل تدني عوائدها. روسيا لم تكن دولة عظمى على الإطلاق، وفق المنظور الكلي للدولة العظمى، ربما هي دولة كبرى بحكم حجمها، لكنها ليست كذلك من ناحية عوائدها. لقد سمى سفاح ليبيا السابق معمر القذافي بلاده الجماهيرية العظمى، لكن "جماهيريته" انهارت في أيام.

 

حظوظ البلدان «المعطوبة»

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«الدول الثرية ترسل المساعدات للبلدان الفقيرة منذ أكثر من 60 عاماً. معظم هذه المساعدات فشلت».
إقبال قادر رجل أعمال وأكاديمي من بنجلادش

كتب: محمد كركوتـــي

لنلق نظرة على هذه النتيجة. معظم الدول الأكثر فقرا "الـ 48" لم تتمكن من تحقيق "أهداف الألفية" الإنمائية، على الرغم من تسجيلها نموا قويا! النتيجة توصلت إليها الأمم المتحدة أخيرا، والعالم يقترب من الموعد الحاسم لأهداف الألفية وهو عام 2015. والنتيجة مثيرة، ليس ببقاء حال هذه البلدان على ما هي عليها، بل إنها ستراوح مكانها، رغم أنها حققت نموا قويا بالفعل في السنوات الماضية. وهذا يعني أن هناك خللا فظيعا يشترك فيه كل الأطراف المحلية والدولية. فنحن نعرف أن النمو يحقق أهداف الازدهار، وفي أسوأ الأحوال بعض أهداف التنمية، الأمر الذي ينبغي أن يشكل قوة دافعة للحراك نحو تحقيق أهداف الألفية. لكن الواضح، أن حظوظ البلدان "المعطوبة"، ليست أفضل كثيرا من أقدار البلدان المنكوبة.
من أهم أهداف الألفية، خفض معدلات الفقر في البلدان التي تعانيه عقودا طويلة. ويتبع هذا، توفير التعليم الابتدائي لجميع الأطفال، ووقف انتشار الأوبئة والأمراض ولاسيما "الإيدز"، وحتى المواءمة بين التغير المناخي الخطير والحقائق الماثلة في هذه البلدان. إنها أهداف شاملة، تضع الإنسان في المقدمة، لكن آليات التنفيذ لا تتوافق مع المعطيات على الأرض. يضاف إلى ذلك، وجود ثغرات لم تسد في هيكلية المساعدات التي تقدمها الدول المانحة للبلدان الفقيرة، رغم أن العالم أجمع بات، منذ سنوات، يعرف حقائق هذه الثغرات ومكامن الضعف في المساعدات، بل والفوضى التي تعم بعضها. لقد أصبحت المساعدات في بعض الأحيان عبئا على البلدان المتلقية لها. ومع ذلك لم تتطور آلياتها بما يتطلبه الحال.
والمشكلة الكبرى هنا، لا ترتبط فقط بالمساعدات "الفالتة" أو غير المجدية بما يكفي، بل تشمل في الدرجة الأولى وقبل كل شيء تلك المعادلة الغريبة. هل يعقل أن تحقق البلدان الفقيرة حتى في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية نموا وصل في بعضها إلى 7 في المائة، بينما لا ينعكس هذا النمو على الحد من الفقر فيها؟! لا يمكن قراءة هذه المعادلة، إلا من خلال الفساد الذي يعم البلدان المذكورة، إضافة طبعا إلى المخططات المستقبلية التي لا تتلاءم مع المتطلبات المحلية والعالمية في آن واحد. كل هذه البلدان ظهرت في المراتب الدنيا من تقرير الشفافية الدولية الذي صدر أخيرا. والذي يزيد من مصداقية هذا التقرير، أن البلدان الأقل تقدما في القارة الآسيوية، حققت تقدما على صعيد محاربة الفقر، أكثر من البلدان الأقل تقدما في القارة الإفريقية. لقد وضع تقرير الشفافية البلدان الإفريقية في ذيل القائمة.
ومن المشكلات التي تواجه البلدان الفقيرة، أن الدول المانحة قللت من حجم مساهماتها في السنوات الماضية، بحجة واهية. بل إن بعض الدول أوقفت المساعدات كليا للحجة نفسها. فالمانحون الذين أوقفوا مساعداتهم يقولون، إنهم قاموا بذلك، لأن حكوماتهم وافقت على شطب ديون البلدان الفقيرة المستحقة لها! لكنّ المانحين لم يقولوا، إن هذه الديون لم تصل في الواقع إلى مستحقيها في العقود الماضية، بل إن بعضها استخدم ضد الشعوب نفسها. يضاف إلى ذلك، أنها لم تشر أيضا إلى مسألة أن حال المساعدات لم تكن أفضل كثيرا من وضعية الديون. فأغلب هذه الأموال كانت تذهب في الطرق الملتوية. صحيح أن أوضاع الدول المانحة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية ليست جيدة بما يكفي، لكن الصحيح أيضا أنها مشاركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تراجع قيمة استنفاع المستحقين لمساعداتها.
يقول الكاتب الأمريكي جميس بولدوين "أي إنسان عانى الفقر يعرف تماما حجم تكاليف هذا الفقر على الفقراء". لكن يبدو أن بعض البلدان المانحة نسيت المعاناة التي مرت بها في مرحلة الفقر. ولعل السبب في ذلك أن هذه المعاناة وقعت قبل قرون، وليس بالأمس. ومسؤولية البلدان الكبرى لا تقل أهمية عن مسؤولية البلدان الفقيرة المعنية بأهداف الألفية مباشرة. ولكي تحقق بالفعل أهداف الألفية، حتى بعد الوقت المحدد لها، فعليها أن تكون أكثر اندماجا بمشكلات ومصاعب البلدان الفقيرة، ليس فقط من خلال مساعدات مجدية، بل عن طريق استراتيجية تستند إلى رقابة مشددة لأموال الشعوب. وعليها أن تكون جزءا من إدارة الأموال الممنوحة، إلى جانب توفيرها المخططات المثلى لتحقيق الأهداف الموضوعة. سيمضي عام 2015 دون أن تتحقق أهداف الألفية كلها. وهذا لا يمثل كارثة. كم من المخططات والاستراتيجيات الدولية حتى في البلدان الراشدة تجاوزت مواعيدها المحددة؟ المهم أن تكون هناك استراتيجية تقوم على الشراكة بين البلدان الفقيرة وتلك القادرة على القيام بمهام المساعدة في تحقيق أهداف الألفية. وهذا أفضل ضامن لحقوق الشعوب الفقيرة المستهدفة، بل وحقوق شعوب الدول المانحة نفسها. وهي شعوب تريد أن ترى عائدا إنسانيا تنمويا ناجحا حقيقيا لما تقدمه.
 

الجمعة، 5 ديسمبر، 2014

المصارف للمرة «الألف».. التلاعب بالمعادن

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





« كلما زاد حجم المعلومات عنا لدى المصارف، قل وجودنا»
 مارشال ماك لوهان فيلسوف كندي

كتب: محمد كركوتــــي

يبدو أن المخالفات (وأحيانا الجرائم) التي ترتكبها المصارف لا حدود لها، ليس فقط من حيث حجم الأموال العائدة من هذه المخالفات، ولكن أيضاً من جهة تنوعها. وهي تراوح ما بين الجنح والجرائم، ولنا أن نتخيل الأضرار الناجمة عن مثل هذه الممارسات. كانت المصارف على مدى سنوات طويلة تعتقد، أنها عصية على الوقوع في أيدي العدالة. ولولا الأزمة الاقتصادية العالمية، لاستمرت المصارف بسلوكياتها، لاسيما تلك التي تمثل جزءا أصيلا من الهيبة الاقتصادية لبلدانها. والحق، أن كل ما كتب عن مخالفات وجرائم المصارف، لم يحط بما يكفي من الحقائق، والممارسات خلف الخزائن، وسياسات القفز فوق اللوائح والمعايير. وسينقضي وقت طويل، حتى يمكن اعتبار أن المصارف تعرت بما يوازي مخالفاتها وآثارها في الناس والنظام المصرفي نفسه. حتى إدجار هوفر أول مدير لمكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية يقول: “المصارف لا تقاوم. لماذا؟ لأنها مغرية لأولئك الذين يسعون إلى صنع أموال لا يستحقونها”. وهو يعتقد أن المصارف غير المنضبطة، أو غير الخاضعة لرقابة حقيقية لا اسمية، يمكنها أن توفر العوائد المالية الهائلة، دون الحاجة إلى أن تسبقها رؤوس أموال. وهذه حقيقة بالفعل، تجلت بوضوح في أعقاب الأزمة العالمية، التي تحولت إلى آلية لا شبيهة لها من حيث القوة، لتعرية كل شيء. المصارف والحكومات والمؤسسات المالية بكل أنواعها. والأهم عرت المبدأ المروع الذي يقول: “السوق لا تخطئ. وإن أخطأت فإنها تصحح نفسها”. الذي حدث، أن السوق بمؤسساتها المالية المحركة الأولى لها، لم تصحح نفسها، بل لجأت قسرا وطوعاً للحكومات لإنقاذها. لتتم عملية الإنقاذ هذه من أموال المتضررين أنفسهم،
بعد تبييض الأموال، وتضليل المودعين والمتعاملين، وحماية المتهربين من الضرائب، والتلاعب بأسعار الصرف وسعر الفائدة الدولي، وفتح حسابات لمنظمات إرهابية إجرامية، وتخزين الأموال المنهوبة من الشعوب، تواجه المصارف حالياً قضايا جديدة تتعلق بالتلاعب في أسعار المعادن، وهذا التلاعب تم على مدى سنوات طويلة، أي أنها كما المخالفات والجرائم الأخرى، حققت مكاسب هائلة من جراء هذا التلاعب. والحق، أن أحداً من المتابعين لم يفكر في مثل هذه المخالفة الجديدة القديمة. بل إن نسبة من هؤلاء اعتبروا أنه ظهر ما يكفي من المخالفات، ليس فقط لكي تجبر المصارف على الاستقامة، بل أيضاً لكي تبدأ عملية تنظيف واسعة في القطاع المصرفي على الساحة الغربية على وجه التحديد. ويبدو أنه كلما ظننا أن عملية التنظيف سائرة بصورة مستحقة، تظهر حقائق ومعلومات جديدة لتعيد تقييمنا لهذه العملية.
الأسماء المتهمة بالتلاعب بأسعار المعادن هي نفسها التي اتهمت في كل شيء تقريباً. يتقدمها مصرف “إتش إس بي سي هولدينجز” و”جولدمان ساكس” و”ستاندارد تشارترد”. ومن أيضاً؟ وحدة المعادن التابعة لـ “بي إيه إس إف” وهي شركة تعد من أكبر مؤسسات الكيماويات في العالم. وتأتي القضية الجديدة، بعد أقل من عام على قضية رفعت ضد المصارف أيضاً تتعلق بتلاعبها بالذهب. ومن يدري ربما وجدت هذه المصارف مدانة في التلاعب بأسعار علب الصفيح؟ والمعادن في القضية الجديدة تنحصر بصورة أساسية في البلاديوم والبلاتين. وهي صادرات تأتي نسبة كبيرة منها من دول إفريقية فقيرة. وعلى الرغم من أن القضية لا تزال في بداياتها، فلن يكون غريباً ثبوت تورط مسؤولين أفارقة في عمليات التلاعب هذه. وكل شيء يعود في النهاية إلى حيثيات القضية.
تقول جهات الاتهام: إن المصارف المشار إليها قامت باستخدام معلومات داخلية حول مشتريات العملاء وطلبات البيع، للتربح من تحركات أسعار المعادن المستخدمة في منتجات تراوح بين المجوهرات والسيارات. أي أن هذه المعادن (إلى جانب البلاديوم والبلاتين) تدخل في كل شيء تقريباً على صعيد الإنتاج، وهذا يعطي مؤشراً على حجم الأموال التي حققتها المصارف المتهمة من جراء هذه العمليات المشينة. ولا غرابة أن تصل الغرامات إلى مئات الملايين من الدولارات. والحق أن هذه المصارف اعتادت منذ ثلاثة أعوام تقريباً على القبول بدفع الغرامات الهائلة، بل أعلنت بسرعة قبولها الغرامات بدلاً من المضي قدماً في طريق القضاء. بعض الغرامات وصلت إلى 16 مليار دولار، وبعضها الآخر إلى 15 مليارا. هل تكفي الحرب الراهنة التي تشن على المصارف؟ لا، لا تكفي إلا إذا خضعت أدواتها للتطور المستمر. والأهم، إلا إذا استطاعت السلطات المختصة الوصول إلى الحقائق الكاملة حول عمل المصارف على مدى قرابة ثلاثة عقود. صحيح أن العصر الذهبي للمصارف المنفلتة انتهى، لكن الصحيح أيضا أن من حق الأمم التي اكتوت بسلوكيات المصارف لفترة طويلة، التعويض. دون أن ننسى أن الأموال التي أنقذت المصارف المعنية كانت عامة، وبعضها لا يزال يضخ في خزائنها خوفاً من انهيارها. ولا شك أن الأهم من التعويضات، معاقبة المسؤولين على المصارف الذين مارسوا كل الموبقات المالية. ليس فقط لتحقيق أرباح غير مستحقة لمصارفهم، بل أيضا لجني أموال ومكافآت مشينة، وأحيانا تدعو إلى السخرية.

الأربعاء، 26 نوفمبر، 2014

مصارف تكفكف دموع مساهميها

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



«النظام المصرفي الحديث يصنع المال من لا شيء»
جوزيف ستامب اقتصادي إنجليزي



كتب: محمد كركوتــــي

يستحق المساهمون في الشركات والمؤسسات الغربية الكبرى والصغرى التعاطف، من جراء الخسائر الفادحة التي أصيبت بها شركاتهم، كنتيجة طبيعية للأزمة الاقتصادية العالمية. فالخسائر نالت في الواقع من كل البنى التحتية والفوقية للاقتصاد العالمي. ولذلك شملت مستثمرين بملايين الدولارات، وفي الوقت نفسه أصحاب بقالات يستثمرون بألف دولار فقط. الخسائر واحدة، فمصيبة الخاسر لمئات الملايين من الدولارات هي نفسها الواقعة على الخاسر لبضعة آلاف من الدولارات. وفي كل الأحوال، يستحق الجميع التعاطف، ولاسيما أولئك الذين لا علاقة لهم بألعاب الاقتصاد المفتوح على كل شيء وأي شيء، دون ضوابط ومعايير. وبالطبع مع انعدام الأخلاق التي تمثل حصانة للسوق، بصرف النظر عن مكانها. لقد سخر المتلاعبون على مدى أكثر من عقدين من "أخلاق السوق"، بل كانوا يعتبرونها وهمية!
اليوم يندب المساهمون في المصارف حظهم، لأنهم يدفعون غرامات ضخمة تفرضها الحكومات الغربية على مصارفهم، عقاباً على سلسلة من المخالفات، بل ومن الجنح التي يرقى بعضها إلى الجرائم الاقتصادية التغرير بالمودعين، والتلاعب بأسعار الصرف، الغش الواضح في القروض السكنية، إلى جانب تبييض الأموال العائدة لمنظمات وعصابات إرهابية وإجرامية، وتوفير الحصانة لأموال المتهربين من الضرائب في بلدانهم. ولكن، هل يستحق مساهمو المصارف "النادبون" التعاطف على غرار غيرهم من المساهمين في الشركات غير المصرفية؟ هذا السؤال طرح أخيرا في أكثر من ساحة إعلامية عالمية، من بينها جريدة "الفاينانشيال تايمز"، خصوصا في أعقاب الإعلان عن حقيقة الغرامات الهائلة التي فرضت على هذه المصارف. مع قبول إدارات المصرف تلو الآخر بهذه الغرامات دون اعتراض ذي قيمة، خوفاً من محاكمات قد تؤدي إلى انهيار بعض المصارف بالفعل.
يقول توماس جيفرسون الرئيس الثالث للولايات المتحدة "أؤمن تماما، بأن المؤسسات المصرفية أشد خطرا من الجيوش الجرارة". وهو بذلك لخص حقيقة الخراب الذي يمكن أن تتسبب فيه هذه المؤسسات. ويبقى الجواب المباشر على السؤال العريض، هو أن مساهمي المصارف المعنية لا يستحقون أي تعاطف، بل على العكس تماما، عليهم الإجابة عن تساؤلات عديدة، تخص أداء مصارفهم في السنوات التي سبقت الأزمة العالمية. لماذا لم تعترضوا على أرباحكم الهائلة غير المبررة؟ لماذا لم توقفوا الإدارات التي قامت بكل الأعمال الموبوءة على مدى سنوات طويلة؟ لم قبلتم صمتا مروعا أدى إلى ما آلت إليه أحوال مصارفكم والاقتصاد العالمي كله؟ لماذا لم تطرحوا (حتى ملاحظات) عن مصادر الأرباح؟ حسنا، لم تكونوا على علم بالحقائق، ألم تسمعوا بالتحذيرات المتكررة عن فقاعة مصرفية تتشكل؟!
هناك أسئلة أخرى عديدة يمكن أن توجه للمساهمين، لكن أحدا منهم لم يجب عنها، بل لا يجرؤ على الإجابة حقا. ولعل ذلك ما يتوافق مع ما قاله يوما الصناعي الأمريكي الشهير هنري فورد "من الأفضل أن الناس لا يعرفون نظامنا المصرفي والمالي. لو عرفوا بالفعل، أعتقد أن ثورة ستندلع قبل صباح اليوم التالي". هذا بالنسبة للناس العاديين الذين لا يرقون لمستوى المساهمين، وحتى المساهمين الذين لا يعرفون التفاصيل حقا، ألم تثر الأرباح الهائلة غير المبررة التي تلقوها أي شبهة أو حتى استغرابا عابرا؟! بالطبع لا يمكن تحميل المساهمين المسؤولية وحدهم فيما وصلت إليها أحوال المؤسسات المالية، ولكنهم يبقون جهة رئيسة توفر التمويل اللازم للأعمال المريبة لإدارات المصارف التي يتهمونها بالمخالفات والتجاوزات وحدها.
والحق أن الحكومات نفسها التي تفرض الغرامات الهائلة حاليا، تتحمل الجانب الأكبر من المسؤولية. لماذا؟ لأنها تركت "الحبل على الغارب"، رغم علمها بأن الكارثة قادمة لا محالة، وأن التحذيرات التي تصدر من هنا وهناك حقيقية، وأن الظلام آت في عز النهار، وأنها (الحكومات) ستتحمل مسؤولية ما بعد الانهيار، من خلال إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المؤسسات المالية، ولاسيما تلك التي تمثل جزءا أساسيا (وأحيانا وحيدا) من السمعة الاقتصادية والمالية للبلاد كلها. على الجميع المسؤولية، ولا حجة لدى مساهمي المصارف في التهرب، عليهم أن يدفعوا الآن "ضرائب" لأرباح لم يكونوا يستحقونها بأي حال من الأحوال. والحق أنهم يعيدون حالياً ما حصلوا عليه، ليس بالغش فقط، بل بالمخالفات الخطيرة. والمثير، أن إدارات المصارف التي تمكنت من البقاء حتى بعد الانهيار، لم تتوقف نهائيا عن ممارساتها المريبة، إلا بعد أن تضافرت الجهود في البلدان الغربية من أجل كبح جماحها. وحتى الإجراءات ضدها أخذت وقتاً طويلاً قبل أن تنفذ بصورة قطعية. بعض المصرفيين يعتقدون أنه بمجرد شعور إدارات المصارف بالذنب وتأنيب الضمير والاعتذار، يكفي لإنهاء الحملة المتواصلة عليها. ولكن لم يثبت التاريخ الحديث حالة واحدة، أظهرت أن "مشاعر" هذه الإدارات صادقة. ففي عز الانهيار، منح المديرون التنفيذيون أنفسهم مكافآت صادمة من حيث حجمها الهائل. تم ذلك في وقت كانت الحكومات تضخ الأموال فيها للإبقاء عليها! ومن السخرية، أنه يتم إنقاذ المصارف من قبل أموال الناس الذين خسروا بسببها!

قتل السوريين لكيلا يموتوا جوعا

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«عندما يكون الطغيان حقيقة،  تكون الثورة محقة»
فيكتور هوجو أديب فرنسي راحل




كتب: محمد كركوتــــي

بعد تصدير اللاجئين والنازحين بحيث وصل عددهم إلى المستوى الثاني بعد اللاجئين الذين خلفتهم الحرب العالمية الثانية، يقوم سفاح سورية بشار الأسد بتصدير غذاء السوريين. إلى من؟ إلى روسيا. والحق يمكن لأتباع الأسد (الذي يستوي عنده قتل مسلح وقتل رضيع) يمكنهم القول، إن عدد سكان سورية بلغ النصف منذ ثلاث سنوات ونصف السنة، وبالتالي هناك مبرر لتصدير المنتجات الزراعية بأنواعها! بالطبع لا يقولون ذلك علانية؛ لأنهم يعترفون رسميا بأن هذا النظام الوحشي إلى لا حدود، قلص عدد البشر في سورية إلى النصف في مدة زمنية صادمة من حيث قصرها، ومفجعة من جهة ما حفلت بالفظائع والخراب، إلى جانب الأكاذيب والمشاعر الطائفية الصادقة التي أظهرها الأسد وأعوانه ضد كل فرد صادف أن يكون سوريًّا.
رهن أسوأ نظام عربي على الإطلاق، مستقبل سورية للخراب المستدام حتى بعد أن يأتي اليوم المؤكد لزواله. ليس فقط عن طريق الديون التي اقترضها باسم السوريين لقتل السوريين أنفسهم بناتجها، وليس من خلال تملك جهات أجنبية حكومية إيرانية وروسية حقوقا طويلة الأجل في البلاد، وليس أيضاً بإفراغ كل خزائن البلاد للإنفاق على السلاح الذي يضمن استمراريته في الحكم ليوم إضافي آخر، وليس عبر السرقة التاريخية لمقدرات البلاد، وفي مقدمتها النفط. هناك دائما أدوات جديدة للخراب الآني والمستقبلي. والأسد الأب والابن تخصصا في ابتكار الجديد في الخراب، لا الجديد في النمو والانتعاش، والأهم لا الجديد في الوطنية والتسامح. لقد أثبتا طائفية دنيئة متجددة، من تلك التي تبرر قتل الرضيع، وبقر بطن المرأة الحامل. بل من تلك التي تستسهل ضرب الأطفال بالسلاح الكيماوي.
اليوم، غذاء السوريين يصدره الأسد لروسيا. ولا غرابة في أن تقبل موسكو هذا النوع من الصادرات، لسبب واحد فقط، أن من يحكمها هو نظام مارق، يمارس سياسة قطاع الطرق، بدلا من سياسة الدول، وهذا النوع من الأنظمة يمثل الوقود الحيوي والعضوي والاصطناعي لأنظمة مشابهة لنظام الأسد، رغم أنه لا يوجد له نظير، على الأقل منذ أعقاب الحرب الثانية. والأهم من هذا، أن روسيا (كما إيران) شريكة في الحرب على الشعب السوري. وغذاء السوريين الذي يصل إليها، هو في الواقع مرسل من حليف إلى حليف في هذه الحرب. دون أن ننسى أن روسيا الهشة اقتصاديا وإنتاجيا منذ الأزل، تعرضت إلى ضغوطات غذائية حقيقية، بمجرد إعلان العقوبات الغربية عليها. وهي الآن تئن ماليا واستثماريا، فضلا عن أنينها الناتج عن التراجع الكبير في أسعار النفط. فهي في النهاية بلد لا يرتزق إلا على النفط وتصدير السلاح حتى إلى العصابات. والقمح (مثلا)، لا يشكل شيئاً أمام عوائد النفط والسلاح.
يصدر الأسد غذاء السوريين إلى روسيا، بعد أن زادت أسعار الغذاء في كل أنحاء سورية إلى أكثر من 300 في المائة. وحتى في المناطق التي يحاول الأسد وعصاباته تسويق "هدوئها"، يعاني سكانها مشاكل معيشية لا تتوقف عند حد، بسبب الغلاء الناجم أيضا عن التراجع "الماراثوني" لسعر صرف الليرة. أي أن ما تبقى من السوريين في سورية، يواجهون شح الغذاء بسبب تصديره إلى الحليف المارق، وارتفاع أسعار المتوافر منه لشح المعروض وانخفاض العملة التي تتآكل قيمتها كل يوم. ويتم تصدير كل شيء تقريبا، ولو أراد فلاديمير بوتين استيراد القمح من سورية! لما تردد الأسد في التصدير، حتى لو كان هذا القمح روسيا أصلا. لقد وصل الأمر (وفق مسؤولين في النظام نفسه) لتصدير منتجات زراعية معلبة! فالأمر ليس مقتصرا على منتجات زراعية فقط!
يتم كل هذا في الوقت الذي أعلنت فيه أكثر من جهة دولية، بما فيها منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، أن عدد محتاجي المساعدات الماسة للغذاء في سورية ارتفع بنسبة 50 في المائة منذ يونيو 2013 وحتى مطلع العام الحالي. وهناك مساحة زمنية لم تغطها (الفاو) بعد فاصلة بين الربع الأول من العام الجاري والربع الأخير منه. واستنادا إلى المنظمة نفسها، فإن ما يزيد على 6.3 مليون نسمة بحاجة ماسة إلى الغذاء، وإلى ماذا أيضا؟ إلى المساعدة الزراعية. وترى (الفاو)، أن الأسباب الرئيسة لهذه الوضعية الخطيرة، تتمثل في محدودية الغذاء، وعدم قدرة الناس على الوصول إليه أو تحمل تكلفته، وتقول "فالحقول والأصول الزراعية تركت أو دمرت بسبب العنف والتشريد، وزيادة تكاليف الإنتاج ونقص الإمدادات الزراعية الأساسية".
التقديرات الأكثر محافظة، تشير إلى أن عدد النازحين السوريين ضمن بلادهم بلغ سبعة ملايين نسمة، إلى جانب ما يقرب من 5 ملايين باتوا في عداد اللاجئين. ونظام وحشي طائفي كنظام الأسد، لن يتردد في خفض عدد النازحين لتحويلهم إلى لاجئين، إذا ما وجد أن ذلك يتوافق من الناحية الاقتصادية مع جدوى تصدير غذاء سورية إلى روسيا. بل لن يتردد على الإطلاق في قتل هؤلاء، ربما بحجة عدم تعريضهم للموت جوعا.

الغذاء .. في دائرة الصراعات والمناخ والهدر

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«سيأتي يوم سيكون فيه الزمن المطلوب لإنتاج الغذاء، موازيا للزمن المطلوب لجني المال من أجل شراء الغذاء»
فرانك كلارك، سياسي أمريكي راحل



كتب: محمد كركوتـــي

الفارق بين دولة نفطية كفنزويلا باتت مضطرة لاستيراد الوقود وبين مجموعة من الدول الزراعية تواجه نقصا في الغذاء أن الأولى وصلت إلى هذه الوضعية نتيجة سياسة تخريبية خرقاء نفذها رئيسها الراحل هوغو تشافيز على مدى سنوات، أما بلوغ الدول الزراعية حالة نقصان الغذاء فهو مسؤولية جماعية تشترك فيها حكومات الدول نفسها إلى جانب حكومات دول أخرى في العالم. إنها نتاج سياسة محلية إقليمية عالمية. بينما حالة فنزويلا محلية خالصة. والعجب يبقى موجودا في الحالتين وربما اختصرته بأفضل بلاغة إحدى قصائد طرفة بن العبد "كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ.. والماء فوق ظهورها محمول". دولة نفطية تستورد النفط، ودول زراعية مهددة في الواقع بمجاعات!
الأضرار الزراعية التي تحذر منها أكثر من جهة دولية لا تشمل فقط نقص الغذاء بتراجع مستويات المنتج الزراعي، بل تنال مباشرة من سكان البلدان المهددة عن طريق إخراج أعداد هائلة منهم من العمل وانضمامهم إلى صفوف المتعطلين. وبحسب شركة "مابلكروفت" الاستشارية البريطانية فإن ما يقرب من 65 في المائة من سكان 32 دولة يعملون في الزراعة، التي تمثل ما بين 28 و30 في المائة ناتجها المحلي. أي أن الكارثة غذائية واجتماعية أيضا. وهذه الدول تتعرض لصراعات واضطرابات منذ سنوات بأشكال مختلفة، وأطراف متعددة (منها خارجي). ولا يبدو في الأفق أي مؤشر على تراجع حدة هذه الصراعات، بل إن المختصين يتوقعون استمرارها لـ 30 عاما مقبلة. مما يعني، أن نقص الغذاء الآن سيتحول تدريجيا إلى مجاعة لاحقا، الأمر الذي يزيد من مسؤولية العالم عن كوارث محققة، أو في أفضل الأحوال شبه مؤكدة.
إن غالبية هذه البلدان تقبع في إفريقيا والبقية في القارة الآسيوية. علما بأن آثار المجاعة التي عمت القارة الإفريقية في ثمانينيات القرن الماضي لا تزال ماثلة على النسيج الاجتماعي في غير بلد إفريقي. والصور المؤلمة لأطفال ببطون منفوخة وأطراف مثل أعواد الكبريت لم تغب على الأقل عن أولئك الذين يشعرون حقا بالهم الإنساني لا السياسي.. بهمّ البشر لا بهموم الأحزاب والتيارات والقبائل وغيرها. وبصرف النظر عن تحسن أوضاع الغذاء بشكل عام في السنوات القليلة الماضية في المناطق التي شهدت الكوارث الغذائية إلا أن هذا لا يخفف من الحقيقة القادمة في الطريق. بنجلادش وسيراليون وجنوب السودان ونيجيريا وتشاد وهاييتي وإثيوبيا والفلبين وجمهورية إفريقيا الوسطى وإريتريا كلها عرضة للخطر الماحق، يضاف إليها دول سريعة النمو حقا، لكنها مهددة بلقمتها مثل كمبوديا والهند وميانمار وباكستان وموزامبيق.
 
وإنصافا للحالة التي تعيشها البلدان المذكورة لا بد من الإشارة إلى أن عوامل المناخ تسهم هي أيضا في المأساة المتعاظمة. ويؤكد المختصون أنهم لم يتوقعوا هذا القدر من الصلة بين الأمن الغذائي وتغير المناخ. وهنا تزداد مسؤولية المنظمات الدولية ليس فقط في توصيف المشهد المأساوي العام، بل أيضا في التثقيف المطلوب لمواجهة استحقاقات البيئة وتوفير الأدوات السريعة واللازمة لذلك. في مقابلة أجريتها مطلع تسعينيات القرن الماضي مع الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران قال: "كيف يمكن أن نطلب من امرأة في قرية إفريقية نائية التوقف عن قطع شجرة للطبخ لأطفالها إذا لم نوفر لها نحن الوقود؟!". أي أن حماية البيئة وحماية البشر منها أيضا لا تتم نظريا وتخويفيا، بل بأدوات فاعلة وذات جدوى. والمسؤولية لا تختص بتلك المرأة الإفريقية، بل بالمجتمع الدولي كله.. بالدول القادرة على إحداث التغيير وليس فقط التحذير من الأسوأ القادم.
والأمر هنا لا يتعلق فقط بالصراعات المحلية والإقليمية وبالتغير المناخي، بل يشمل أيضا وبصورة مرعبة كميات الغذاء التي تهدر حول العالم. ففي آخر إحصائية صادرة عن الأمم المتحدة جاء أن العالم يهدر 30 في المائة من الغذاء. وهذه الكميات الهائلة تكفي لإطعام 800 مليون جائع! وطبقا لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) فإن ما يقدر بنحو 1.3 مليار طن من الإنتاج العالمي للغذاء تفقد أو تهدر سنويا. وبحسب التفاصيل، فإن أكثر من 40 في المائة من المحاصيل الجذرية والفواكه والخضراوات و20 في المائة من البذور الزيتية و35 في المائة من الأسماك لا تصل لأفواه الجائعين في العالم. والحقيقة، أن هذه الكميات المهدرة، تكفي البلدان الـ 32 المهددة بنقص الغذاء ومعها بلدان أخرى أيضا.
يقول العالم البيولوجي الأمريكي الراحل نورمان بورلوج: "الإنسانية كما نراها اليوم ما كانت لتتطور وتنجو بلا إمدادات غذائية كافية". وكما تهددت الإنسانية في السابق في بعض مناطق هذا العالم فإنها معرضة للمزيد من التهديد في المناطق نفسها تقريبا على الرغم من بعض الإنجازات التي تحققت في العقود الثلاثة الماضية. مع التأكيد على أنه حتى هذه الإنجازات دخلت دائرة الخطر وتنتظر منقذين لا سياسيين.. منقذون يتعاملون مع حالة بشرية متفاقمة.

الخميس، 6 نوفمبر، 2014

قانون «فاتكا» أوروبي أيضا

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


«الفارق بين الضرائب والموت أن الموت لا يمكن أن يصير أسوأ عندما يجتمع الكونجرس».
ويل روجرز كوميدي أمريكي




كتب: محمد كركوتــي

سيكون لعام 2017 محور خاص في التاريخ من جهة الحرب المستعرة على المتهربين من الضرائب. وهو العام الذي تبدأ به 51 دولة غالبيتها أوروبية، بتبادل المعلومات حول الأرصدة المصرفية لرعاياها خارج نطاق حدود دولهم. الذي يرفع من أهمية هذه النقلة، أن بلدانا مثل سويسرا وإمارة ليختنشتاين وجزر العذراء البريطانية وجزر كايمان. وبعض من أشباه الدول الأخرى. فهذه البلدان لم تعد قادرة على المقاومة ضد الهجمة الغربية على وجه التحديد، لفتح الحسابات، سواء للبحث عن ضرائب أو للعثور على أموال قذرة بصور مختلفة. لقد استسلمت، ليس حبا في القوانين والإجراءات الجديدة، بل خوفا من عقوبات لا تقوى عليها، عقوبات قد تؤدي إلى "إغلاق" أبواب البلدان المشار إليها نفسها، ومعها مصارفها ومؤسساتها المالية المارقة.
ولعل اللافت أيضا، أن الولايات المتحدة لم تنضم إلى الدول الموقعة على اتفاق تبادل المعلومات المصرفية الخاصة بالأفراد، على الرغم من أن واشنطن، هي التي بدأت الحرب على التهرب من الضرائب، وأقرت في عام 2010 قانون "فاتكا" المعروف، وهو يماثل في حيثياته ومعاييره وقواعده طبيعة اتفاق الدول الإحدى والخمسين، بل إن قانون "فاتكا" نفسه، بات معتمدا من الدول الأوروبية وبعض أشباه الدول الأخرى. المسؤولون الأوروبيون يرون، أن للأمريكيين مناقشاتهم وطروحاتهم الخاصة بهذا الأمر، لكنهم يؤكدون في الوقت نفسه أنه لن يحدث تعارض على الإطلاق على طرفي الأطلسي، بل على العكس، فالاتفاق يصب في صميم "فاتكا" والعكس صحيح. فإذا كانت واشنطن تبحث في مصارف الدول الأخرى عن حسابات مواطنيها، فإن العواصم الأخرى تستعد للبحث عن حسابات مواطنيها أيضا في الولايات المتحدة.
ولا شك أن التأخر الأمريكي في الانضمام إلى الاتفاق الـ (51)، يعود إلى أسباب إجرائية، خصوصا أن الاتفاق نفسه لن يدخل حيز التنفيذ قبل أيلول (سبتمبر) من عام 2017، وهناك ثلاث سنوات على الأقل، للوصول إلى صيغة مشتركة. فقد أثبتت الأحداث ومعها التطورات، أن إدارة باراك أوباما، أكثر الإدارات الأمريكية ملاحقة للمتهربين من الضرائب، بل استخدمت ما يعرف بسياسة "العصا والجزرة" منذ البداية مع البلدان التي أبدت ترددا في التعاون مع "فاتكا". وسرعان ما استبدلت "الجزرة" بـ "العصا"، عندما وجدت مقاومة من الطرف الآخر، وهذا يعني أن الولايات المتحدة بإدارتها الراهنة، لن تتوانى عن أي تعاون في مجال التهرب الضريبي، فهي (كغيرها من البلدان الغربية الأخرى)، تعتقد أن الأموال الهاربة من الضرائب، تمثل محورا ماليا مهما لمواصلة محو آثار الأزمة الاقتصادية العالمية على اقتصاداتها.
المنتدى الكبير الذي عقد في برلين أخيرا، وأنتج الاتفاق المذكور، حظي بتأييد 80 دولة، والدول التي لم توقع على الاتفاق ولكنها تؤيده، تعمل على تمهيد الطريق للتوقيع عليه في الوقت المناسب. هناك الكثير من القضايا القانونية والإجرائية وحتى السيادية تتعلق بتنفيذ الاتفاق كما هو، يتطلب بعضها اللجوء إلى البرلمان في بعض البلدان. وفي كل الأحوال، لا عودة عن الاتفاق، تماما مثلما لا عودة عن "فاتكا". وكما قبلت بعض الدول العربية معايير القانون الأمريكي، فإنها قبلت القانون الأوروبي بهذا الخصوص، الأمر الذي يُدخل هذه الدول في صلب حراك الحرب على المتهربين من الضرائب، وهم في غالبيتهم من الرعايا الغربيين، كما أنهم ليسوا بالضرورة من أصحاب الملايين. فالقوانين الجديدة تلاحق حتى الموظفين ذوي الدخل المحدود.
يقول كالفين كوليدج الرئيس الثلاثون للولايات المتحدة: "جني الضرائب بصورة تفوق الحاجة، ليس إلا عملية سطو قانونية". والحق أن العالم الغربي بملاحقته المتهربين من الضرائب، لا يتقاضى أموالا زائدة، بل يحتاج إلى المزيد من الأموال لسد العجز في الموازنات العامة، والوصول بالإصلاحات الاقتصادية إلى المستوى المقبول، والأموال المتوقعة من الضرائب المفقودة هائلة بالفعل، ويمكن ببساطة أن تحدث فرقا في الموازنات المشار إليها. في تقديرات لمنظمة التعاون والتنمية الدولية المعروفة بـ OECD، حصلت 25 دولة على 47 مليار دولار من أموال الضرائب التي قام أصحابها بدفعها للسلطات المالية المختصة طواعية. وكلها تقريبا أموال جاءت من مصارف تتخذ من بلدان "الأوفشور" مقرات لها. ورغم أنه تم تحديد سبتمبر من عام 2017 موعدا لتنفيذ الاتفاق الأوروبي- الدولة، فقد سمح لبعض البلدان (ومنها سويسرا والإمارات وأستراليا) أن تبدأ بالتنفيذ في عام 2018. فقد أثبت الأوروبيون أنهم أكثر مرونة من الأمريكيين بهذا الصدد.
قبل نهاية العقد الجاري، لن تكون هناك ملاذات آمنة للمتهربين من الضرائب من الرعايا الغربيين. ولا يبقى أمام هؤلاء إلا البحث عن جنسيات أخرى والتخلي عن جنسياتهم الأصلية أو المكتسبة، وقد تكون وظائف شرائح من هؤلاء في بلدان لا تفرض ضرائب بلا مكاسب حقيقية، وربما وجدوا أن أعمالهم في بلدانهم الأصلية تقدم المزايا نفسها التي يحصلون عليها خارجها. من أهم الأشياء في قضايا "فاتكا" الأمريكية والأوروبية، أن البلدان "المتمردة ماليا"، لم تعد كذلك إلى الأبد.

 

المهاجرون الأوروبيون أقوى من كاميرون

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"الأمة التي لا تستطيع السيطرة على حدودها، ليست أمة"
رونالد ريجان، رئيس أمريكي راحل


كتب: محمد كركوتـــي


يجهد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون نفسه منذ أشهر، لإقناع البريطانيين الخائفين من المهاجرين، بأنه حازم في هذه المسألة، وأنه سيتخذ سلسلة من الإجراءات للحد من الهجرة، وقبل أقل من عام على الانتخابات البريطانية العامة، يتجه كاميرون نحو اليمين أكثر وأكثر، بحجج عديدة، لعل أبرزها، أنه لا يريد للحزب القومي البريطاني أن يحصل على مكاسب انتخابية. وهذه حجة فيها من المكر أكثر مما فيها من الحقيقة. مع التأكيد أن الحزب القومي المشار إليه، كغيره من الأحزاب القومية الأخرى، التي لا تنظر للأمور (مهما بلغ تشعبها) إلا من خلال عينها الخاصة، والخاصة جدا. ولذلك، فهي توفر الحجة الأقوى لكاميرون، خصوصا بعد أن حقق الحزب القومي بالفعل، مكاسب محلية في الآونة الأخيرة.
لكن الأمور لا تجري كما يشتهي رئيس الوزراء البريطاني. فهو لا يستهدف فقط المهاجرين القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي، بل يضع المهاجرين الأوروبيين أنفسهم في دائرة "الحرب" على الهجرة بصورة عامة. وهنا تكمن مشكلته. فأي تغيير في القوانين الخاصة برعايا الاتحاد الأوروبي، لا يمكن أن يتحقق إلا بموافقة الاتحاد نفسه. فمثل هذه التغييرات تنال مباشرة من القوانين التي اتفقت عليها كل دول الاتحاد. يضاف إلى ذلك، أنه لو سار بالفعل في طريقه نحو التغيير، فالأمر يتطلب وقتا طويلا جدا، لحسمه. ولن يحسم مثل هذا الأمر إلا بشيء واحد فقط، وهو خروج المملكة المتحدة نفسها من الاتحاد الأوروبي. وقد وعد كاميرون بالفعل البريطانيين، أنه سيطرح موضوع عضوية بلاده في الاتحاد على استفتاء شعبي عام، في حال نجح حزب المحافظين الذي يتزعمه في الانتخابات العامة المقبلة.
قبل أيام، تلقى كاميرون الضربة الكبرى حتى الآن في سعيه لوقف تدفق المهاجرين الأوروبيين إلى بلاده. لقد قالت له المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بوضوح، إنها لن تؤيد فرض قيود على حرية تنقل العمال داخل الاتحاد الأوروبي. وكانت أوضح من ذلك حين قالت "ألمانيا لن تعبث بالمبادئ الأساسية لحركة التنقل في الاتحاد الأوروبي". والموقف هو نفسه لدى بقية قادة الاتحاد الأوروبي، بمن فيهم أولئك الذين لا يحبون المهاجرين. فالنظام الأوروبي اكتسب قوة متزايدة على عقود، بحيث سحب الكثير من الصلاحيات وبعض أدوات صنع القرار من الدول المنضوية تحت لوائه. ورغم أن مساعي كاميرون، لا تستهدف منع المهاجرين الأوروبيين من دخول بلاده، بل العمل على وضع حد أقصى لأعدادهم (ولاسيما أولئك الذين يصنفون بـ "محدودي المهارة")، إلا أن الفكرة مرفوضة من أساسها من مؤسسات الاتحاد. فهذا الأخير أقيم لضمان حرية التنقل بين دوله. وحرية التنقل هذه ترتبط مباشرة بالاقتصاد والتنمية.
في عام 2004، وصلت نسبة المقيمين في بريطانيا الذين ولدوا خارجها إلى 9 في المائة. وهذا العام بلغت النسبة 12 في المائة. وقبل 20 عاما، كان أغلب هؤلاء من أصول هندية وباكستانية وكاريبية. لكن الأزمنة تتغير، وتتغير معها الأوضاع. اليوم، يصل عدد الأوروبيين المقيمين في المملكة المتحدة إلى أكثر من 2.5 مليون نسمة، أغلبهم (بالطبع) من دول أوروبا الشرقية، والعدد الأكبر من هؤلاء جاؤوا من بولندا، وتقدم عدد البولنديين حتى على عدد الباكستانيين الذين يشكلون النسبة العليا من المهاجرين في البلاد. وإذا كانت هناك مصاعب أمام الآسيويين بشكل عام للوصول إلى بريطانيا، فإن الأمر ليس كذلك على الإطلاق بالنسبة للقادمين من أوروبا.
وبعيدا عن حسابات كاميرون الانتخابية، التي يعتبرها البعض خرقاء، لأنه لا يستهدف الناخبين المترددين، بل الناخبين المتطرفين. فإن وعوده حول مسألة المهاجرين الأوروبيين لا قيمة لها. لماذا؟ لأن تحقيقها يتطلب إصلاحا شاملا لقواعد وقوانين الاتحاد الأوروبية، وهذا يعتبر من المستحيلات السياسية الأوروبية. ليس لأن القوانين لا تعدل، بل لأن الدافع لها يستهدف كينونة الاتحاد نفسه. ظلت بريطانيا خارج اتفاقية "شنجن"، لكن وضعيتها هذه لم توفر لها حصانة من مهاجري أوروبا على وجه الخصوص. والحق، أن معظم المهاجرين الأوروبيين الذين قدموا إلى بريطانيا تحتاج إليهم البلاد من ناحية الخدمات والمهن المختلفة. وليس هناك توصيف واضح للمهاجر الذي يتمتع بالمهارة. لقد استخدم حزب المحافظين الحاكم هذا لدعم توجهاته المشار إليها فقط.
سيمضي ديفيد كاميرون إلى النهاية في حربه على مهاجري أوروبا. لكن لن يصل إلى غاياته على الإطلاق، على الأقل قبل الانتخابات العامة التي ستجري في أيار (مايو) من العام المقبل. وكما كاد يغرق بالاستفتاء الذي وعد به ونفذه حول استقلال اسكتلندا، ربما سيغرق في الاستفتاء الشعبي الذي وعد به حول وجود بريطانيا نفسها في الاتحاد الأوروبي، متجاهلا تحذيرات قادة الأعمال في المملكة المتحدة، بأنها خطوة خطيرة ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل والاقتصادي في الدرجة الأولى. لقد أثبت تاريخ الاتحاد الأوروبي، ومخرجاته الاقتصادية، أن بريطانيا الأوروبية، أفضل بكثير من بريطانيا البريطانية.
 

الاثنين، 27 أكتوبر، 2014

أزمة جديدة أم متجددة؟

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"ما نعرفه عن الأزمة الاقتصادية العالمية، أننا لا نعرف شيئا"
بول سامويلسون - اقتصادي أمريكي حائز على "نوبل" في الاقتصاد



كتب: محمد كركوتـــي

يتحدثون عن أزمة اقتصادية جديدة. بعض الجهات تتوقع أن تكون "الأزمة" أسوأ من تلك التي انفجرت في عام 2008، وجرفت العالم معها. البعض الآخر يراها أقل من ذلك، وهناك من يعتقد، أن الأزمة "المقبلة" هي خليط بين الركود وضعف النمو. وأيا كانت التعريفات والتوقعات (وهي لا تتوقف)، فالأمر ببساطة لا يتعلق بأزمة جديدة، بقدر ما يرتبط بأزمة لا تزال موجودة، غير أنه ما زال منها على مدى ست سنوات قد يعود. بمعنى آخر، الأزمة المتوقعة يمكن تسميتها "أزمة متجددة"، مع الأخذ في الاعتبار بالطبع، التحولات الإيجابية التي طرأت على الساحة العالمية في الفترة الفاصلة بين انفجار أزمة 2008، وتخبط الاقتصاد العالمي حاليا.
لا تزال هناك الكثير من الملفات التي فتحتها الأزمة الكبرى، قيد الحلول، بل إن بعضها تعمق هنا، واستفحل. هناك ملفات الإفلاس، الفساد المالي، الديون المتعثرة، التضخم، حالات الإنقاذ المستمرة، والنظام المالي العالمي، كلها ملفات لا تزال مفتوحة، بصرف النظر عن تصريحات بعض الجهات الدولية، التي تحاول من خلالها التخفيف من المخاوف، والتقليل من الاضطراب المصاحب لها. إنها قضايا لم تستطع الحكومات (بعد الأزمة) الادعاء بأنها نجحت في حلها تماماً، وأنها باتت من ملفات التاريخ. وتحسن الوضعية الاقتصادية لدولة ما مؤثرة، لا يعني بالضرورة أن أمور الاقتصاد العالمي بخير. هناك عوامل طبيعية لا دخل للإصلاحات فيها، تساهم في إضافة تحسن ما في هذا القطاع أو ذاك، وغالبا لا يكون تحسنا مستداما.
ترى بعض الجهات الدولية، أن الاقتصاد العالمي يواجه حاليا اختبار ثقة. والحق أن هذا الاقتصاد لا يواجه هذا الاختبار، بل الإجراءات الإصلاحية هي التي تواجهه. ورغم أن الدول الكبرى، قطعت شوطا لا بأس به على صعيد إصلاح الأنظمة المالية فيها، إلا أن المفاهيم القديمة لا تزال موجودة بصورة أو بأخرى. ومبدأ الإنقاذ الحكومي للمؤسسات التي "يجب ألا تنهار"، موجود وبقوة. يضاف إلى ذلك، أن الإجراءات الإصلاحية التي اتخذت تحتاج إلى وقت ليس بالقصير، سواء للتنفيذ أو لجني ثمارها. الحكومات (ولاسيما في العالم الغربي)، اتخذت بالفعل الكثير من الإصلاحات، ولكنها دخلت في نفق الإجرائي الطويل، وهو نفق فيه من الثغرات الكثير أيضا.
في كتلة مصابة ككتلة منطقة اليورو، يحذر البنك المركزي الأوروبي حكومات دول المنطقة من مخاطر التباطؤ، والأهم يحذر من عدم التوسع في خطط دعم اقتصاداتهم. ورغم تحسن الأوضاع الاقتصادية على الساحة الأمريكية، إلا أن الثغرات لا تزال موجودة. فالاحتياطي الفيدرالي الأمريكي نفسه، الذي يحاول بين الحين والآخر تمرير "معزوفة" الانتعاش، بات أكثر صراحة مما كان عليه في السابق. وهذه المؤسسة بالتحديد، عليها أن تكون حذرة جدا في مسألة تلوين" الاقتصاد الأمريكي باللون الوردي. والسبب يعرفه الجميع. لقد سوق الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أسوأ مرحلة اقتصادية في الولايات المتحدة، التي كانت مخرجاتها، ليس أقل من أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة على الإطلاق.
وعلى رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاجارد أن تكون حذرة جدا في تصريحاتها وتوقعاتها. فهذه المؤسسة أيضا ساهمت في مرحلة التضليل التي سبقت الأزمة الكبرى. ولذلك يبدو غريباً ما قالته أخيرا "إن الأسواق العالمية تشهد عملية تصحيح، وربما تبالغ في رد الفعل". الأسواق في الواقع لا تبالغ في ذلك، لأن المعطيات الاقتصادية العالمية الضعيفة واضحة، ليست فقط على صعيد ديون منطقة اليورو، أو عدم اليقين الاقتصادي الأمريكي فقط، بل بتقهقر النمو في الأسواق الناشئة، التي تشكل محركا محوريا لاقتصاد العالم. هذه الحيوية الصينبة (كما يقولون) متلاشية، وهذا هو الأداء الضعيف لدول أوروبا الشرقية، ناهيك عن التباطؤ المخيف في أمريكا اللاتينية. مهلا.. مهلا، هذه ألمانيا التي تتغنى بالنمو حتى في وسط الأزمات، تعاني تراجعا فيه في الوقت الراهن.
ولعل من المفيد الإشارة، إلى بيانات 19 اقتصادا ناشئا، جمعتها شركة الأبحاث "كابيتال إيكونوميكس"، التي أظهرت أن الناتج الصناعي في آب (أغسطس)، والإنفاق الاستهلاكي في الربع الثاني، انخفضا إلى أدنى مستوياتهما منذ عام 2009. كذلك انخفض نمو الصادرات في الشهر نفسه. ويرى نيل شيرينج، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة الشركة المذكورة، أن هذا هو الوضع الطبيعي الجديد، بالنسبة لبقية العقد هذا هو الوضع. ويقول: "إنه أفضل وضع يمكن أن يحصل". وإذا كان هذا حال دول يفترض أنها المحرك الأنشط للاقتصاد العالمي، علينا أن نتخيل أوضاع الدول الأقل نشاطا في ذلك، وآثارها في الساحة عالميا!
إن العالم، لا يزال يمر بمرحلة الخروج من الأزمة العالمية الكبرى. فالأزمات الشاملة لا تنتهي آثارها بسرعة. بل تحمل معها مناعة في بعض القطاعات، تحتاج إلى مزيد من المقاومة للقضاء عليها. والمستقبل ليس مشرقا. ولعل أفضل شيء في الوقت الراهن، أن رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ألان جرينسبان، أصبح سابقا، لا حاليا.

آلية بيانات مصرفية أوروبية .. أين المفر؟

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







كتب: محمد كركوتـــي
 
ها هي أوروبا، تتعلم من الحملة الأمريكية الهائلة ضد المتهربين من الضرائب. إنها تستعد لرص صفوفها، ضد المتهربين الأوروبيين من الضرائب. لا ملاذ أوروبيا آمنا لأموال أوروبية في هذه القارة، التي تعيش واحدة من أسوأ أوضاعها الاقتصادية قاطبة. إلى درجة أن أقوى وأكبر اقتصاد فيها (الألماني) بدأت بوضوح يعاني التباطؤ. في حين ترتفع الأصوات في أروقة المفوضية الأوروبية، بضرورة عدم منح فرنسا مزيدا من الامتيازات والمهل، لتسوية أوضاع ميزانيتها المتعثرة جدا. لا يوجد في الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن، بلد يمكن أن يعتبر نفسه خاليا من المشكلات المالية. وفي عز المشكلات الاقتصادية، تبحث الحكومات عادة عن مصادر دخل إضافية، أو تبحث في دفاترها القديمة. تماما مثلما يحدث مع تجارة تواجه أزمة، أو حتى بقال، يتعرض لكساد في حانوته.
تبقى الضرائب المصدر الأهم بالنسبة لكل الدول القائمة على اقتصاد السوق. وهي أموال هائلة للغاية، خصوصا، أنها تصل في بعض البلدان إلى 50 في المائة من الدخل السنوي، وهناك بالطبع ضرائب متعددة المستويات. وتبقى في النهاية، المصدر المشروع الحاسم بالنسبة للموازنات العامة. الضرائب المرتفعة، تدفع جانباً من الأعمال، وحتى المشاريع الكبيرة، إلى النزوح باتجاه بلدان تفرض ضرائب أقل، أو في أفضل الأحوال، ضرائب رحيمة أكثر. وحتى ضمن نطاق الاتحاد الأوروبي، هناك تفاوت في الضرائب، ليس كبيرا، ولكنه يوفر على الأقل بعضا من الأموال التي تذهب للموازنة العامة. لكن الأمر لا يختص بهذا الجانب فحسب، بل يشمل أيضا الحسابات المصرفية التي يفتحها أوروبيون في بلدان أوروبية أخرى.
ستنتهي هذه الميزة قريبا، لأن وزراء مالية الاتحاد الأوروبي، وافقوا مبدئيا على التبادل الآلي للبيانات المصرفية. والأهم، أنه لا توجد دولة واحدة ضمن الاتحاد سجلت اعتراضا ما على هذه الخطوة، أو حتى قدمت ملاحظات. فكل الحكومات تريد أن تكشف عما يملكه مواطنوها في مصارف أوروبا، وإذا ما كانت الأرصدة خاضعة للضرائب المحلية أم لا؟ بعض المتحمسين لهذه الخطوة، اعتبر أن الاتحاد الأوروبي تأخر كثيراً، وكان عليه أن يتقدم الولايات المتحدة في هذا الخصوص، خصوصا في ظل تنامي التشابك بين مؤسسات الدول المنضوية تحت لوائه، فضلا عن فتح الحدود على مصراعيها بين 24 دولة ضمن هذا الاتحاد. فلا معنى (بحسب هؤلاء) لأي تأخير لفرض هذه الآلية المصرفية المهمة والحساسة.
في ظل الآلية المرتقبة، إذا فتح شخص يعيش في إحدى دول الاتحاد الأوروبي حسابا مصرفيا في دولة أخرى عضو في الاتحاد، فإن سلطات الضرائب في بلده الأصلي، سيجري إبلاغها بشكل تلقائي. أي أن الأمر لا يحتاج إلى مراسلات أو طلبات قانونية وغير ذلك. لا تزال هناك فرصة للباحثين عن هروب جديد من مصالح الضرائب في بلدانهم. لماذا؟ لأن القانون الجديد، لن يقر بصور شاملة قبل بداية عام 2017، وهذه المدة وضعت أساسا، لإتمام إجراءات الربط، وتفادي أي تضارب في الأداء المصرفي بين هذه الجهة أو تلك. والذين يبحثون عن ملاذات آمنة لأموالهم، سيقومون بالتأكيد بالبحث عن ملاذات جديدة، بعيدا عن أعين أو أدوات المشرعين الأوروبيين. فحتى سويسرا، لم تعد ملاذا ضريبيا آمنا، لقد فتحت حسابات مودعيها الأمريكيين، أمام السلطات الأمريكية، وهناك تعاون كبير بينها وبين دول الاتحاد الأوروبي.
لا شك في أن آلية الربط المصرفية الأوروبية، ستسهل الأعمال فضلا عن تسهيلات لحركة الأفراد المالية، هذا لا ينطبق على أولئك الذين يقومون بالأعمال، للتهرب من الضرائب، أو لدفع أقل ما يمكن منها. هذه شركة "أبل" الأمريكية العملاقة، تقوم بالتحايل على الضرائب منذ سنوات، وغيرها مؤسسات عديدة أمريكية وأوروبية. الاتحاد الأوروبي، يبدأ الآن بالمصارف على ساحاته، وسيكون الأمر طبيعيا بعد ذلك، في عقد اتفاقات مع دول خارج الاتحاد، لدفع المصارف فيها على فتح حسابات الأوروبيين أمام سلطات بلدانهم الضريبية. هذا ما تفعله الآن الولايات المتحدة، وحققت إنجازات كبيرة في هذا المجال، في أقصر مدة.
وقد أعرب مسؤولون أوروبيون بالفعل عن إعجابهم بالحملة الأمريكية على المتهربين الأمريكيين من الضرائب، وأكدوا في أكثر من مناسبة، أنه يمكن أن يتبع الأوروبيون الخطوات نفسها للوصول إلى الاتفاقات المطلوبة. وبالفعل تحتاج هذه الاتفاقات إلى زمن طويل، نظرا لمعاناة العدد الأكبر من المصارف في مسألة الكشف عن أرصدة عملائها ومودعيها. لقد مانعت المصارف السويسرية كثيرا، ولكنها رضخت في النهاية تحت التهديد، وليس لقناعتها بالأمر. ومن المتوقع، أن تتحرك دول الاتحاد الأوروبي في هذه الحدود بصورة فردية في البداية، ولكن لن يكون غريبا، إذا ما طرح الأمر كخطة أوروبية شاملة، خصوصاً بعد أن يدخل موضوع الآلية المصرفية الأوروبية الموحدة، موضع التنفيذ.
حاول بعض المسؤولين في المفوضية الأوروبية تمرير معلومات عبر الإعلام، بأن مسؤولين أوروبيين اجتمعوا مع الأمريكيين، للاطلاع على الخطة الأمريكية التي تنفذ حالياً. وهم (أي الأوروبيين)، بدأوا الحملة إقليمياً، تمهيداً لتحويلها إلى حملة عالمية لا تستثني أحداً.

منتهكون مصرفيون أم لصوص؟

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

 
"السرقة عن طريق إنشاء مصرف ما، أسهل من القبض على مدير مصرف"
برتولت بريخت، شاعر وكاتب مسرحي ألماني



كتب: محمد كركوتـــي


تمضي حملة فرض غرامات هائلة على المصارف إلى الأمام. ولا سيما تلك التي أدينت أو اتهمت بانتهاكات هائلة أيضا، لأموال المودعين وللقوانين المصرفية المرعية. وهي ليست كتلك الغرامات (العالية أيضا) التي فُرضت على المصارف المدانة بتبييض الأموال، وخرق العقوبات الدولية المفروضة على حكومات مارقة حول العالم. علما بأنه قد تجد مصرفا متورطا بكل بالانتهاكات جميعها، وهي مصارف ذات أسماء رنانة "موسيقية" في سماء عالم المصارف والمال. "إتش إس بي سي"، "مورجان ستانلي"، "بنك أوف أمريكا"، "ستي بنك"، وغيرها من تلك التي وصلت موجوداتها في يوم من الأيام، إلى مستويات فاقت ميزانيات بلدان مجتمعة، بل بلغت حدا فرضت معه معاييرها على الحكومات المنتخبة في بلدانها!
ومع مضي الحملة على المصارف التي تلاعبت بأموال مودعيها، وبسوق العملات، وبقطاع الإسكان، وبأفخاخ صناديق التحوط، وعملت "البحر طحينة"، يظهر سؤال كبير في المشهد العام، على الشكل التالي: هل تتعلم المصارف من الغرامات أم من القوانين؟ وقد يكون السؤال مناسبا أكثر بهذا الشكل: هل تعلمت المصارف حقا؟ لا شك في أن الهجمات الحكومية عليها - ولاسيما في الولايات المتحدة - كبيرة ومتصاعدة، وهناك حكومات بدأت بالانضمام إلى هذه الحملة في بلدانها، وعددها يتزايد أيضا، خصوصا على الساحة الأوروبية التي تشهد يوما بعد يوم، تخلي مصرفها المركزي عن لغته الدبلوماسية، فيما يرتبط بالسؤال الذي تطوعت الحكومات بتوجيهه لأنفسها، لحل معضلة مقولة تاريخية مروعة، تُطرح عادة بهذه الصيغة "يجب عدم السماح للمصارف الضخمة بالانهيار".
حسنا، ولكن كيف يمكن عدم السماح بانهيارها؟ والأهم، كيف يمكن إبقاء الأموال العامة بعيدا عن عمليات الإنقاذ؟ بمعنى آخر، هل يمكن إنقاذ المصارف الضخمة، دون أن يُجبر المتضرر منها على إنقاذها؟! الحكومات الغربية وجدت "الحل"، وهو يستند إلى إجبار هذه المصارف على احتياطي رأسمالي على شكل سندات وأدوات مكافئة، بما يعادل نسبة معينة من أصولها التي تستهدفها المخاطر. لكن الأمر ليس بهذه السهولة. فبعض بلدان مجموعة العشرين (على سبيل المثال)، طالب بمرونة في القوانين الجديدة، خصوصا بعدما تحولت قضية المصارف الكبرى وحتى المتوسطة، إلى مسألة عالمية، تنال في الدرجة الأولى من البلدان التي اتخذت زمام المبادرة الاقتصادية، في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت عام 2008.
الأوروبيون يعتقدون أن الاحتياطي الرأسمالي للمصارف المعنية الذي يصل إلى 16 في المائة، لا بأس به. غير أن ذلك لا يقلل من صعوبة وصول المصارف إلى هذا المستوى من الاحتياطي. ولهذا فإن الأمر لم يحسم بعد، وترك لما أطلق عليه "محاكاة" ستتم في نهاية العام المقبل. وإلى أن يتم ذلك، فإن دافعي الضرائب سيظلون المنقذين الحقيقيين للمصارف التي ترتكب الأخطاء، والأهم، تلك التي ترتكب الانتهاكات والتجاوزات والسرقة والتلاعب، وتضع أموال المودعين فيها في دائرة الخطر، عن طريق ممارسات استثمارية عالية المخاطر. يضاف إليها، "الاستشارات" المضللة التي تقدمها المصارف للمستثمرين، على أمل في إقناع هؤلاء بموافقات سريعة، على عمليات استثمارية تهدد ما يملكونه من أموال.
وعلى الرغم من كل الفضائح، بل والعمليات الاستثمارية السافرة جدا، لا يزال بعض المصارف مستمرا في مواصلة بعض السياسات المالية التي أدت إلى كوارث. هم يقولون عنها "سياسات"، ولكنها في الواقع مصائب تنال من المودعين مرتين. في الأولى، عندما تتبخر أموالهم في عمليات خطيرة وأحيانا غير مشروعة، والثانية، عندما يضطرون إلى إنقاذ مدمرهم المالي، عبر الضرائب التي يدفعونها للموازنات العامة في بلدانهم. فعلى سبيل المثال، لم تنفع في بعض المصارف، "استغاثات" صندوق النقد الدولي، بحتمية وقف التلاعب بالعملات. والصندوق يعرف أكثر من غيره، أن هذا التلاعب ينال في الدرجة الأولى من الانتعاش الاقتصادي العالمي الهش. لقد عثر أخيراً على عشرة مصارف (مثل باركليز، ودوتشيه بنك، كريدي سويس، جي بي مورجان بي إن بي باريبا.. وغيرها)، لا تزال في خضم التلاعب بالعملات!
المفزع، أن هذه المصارف بدأت بعقد صفقات مع الحكومات لدفع غرامات مقابل عدم تقديمها للقضاء. واللافت، أن هذه الحكومات تفضل الغرامات عن أي شيء آخر، مما يجعل جهودها في تطبيق قوانين مصرفية جديدة مشددة عرضة للتآكل، وفي أفضل الأحوال، عرضة للالتفاف حولها. لا شك أن الحملة ضد المنتهكين المصرفيين جدية. فالحكومات نفسها لم تعد قادرة ماليا على إنقاذ المصارف بسلاسة. وإذا ما تعاطت السلطات المختصة مع بعض المسؤولين عن المصارف كلصوص، فإنها تستطيع أن تحقق قفزات نوعية في حملتها الشاملة، وتكسبها زخما قويا على الساحة العالمية. لقد أثبتت التجارب، أنه ليس من السهل تطويع المصارف بالغرامات. فحتى في أعقاب انهيار آلاف المصارف حول العالم، وجد القائمون عليها منافذ لتحقيق المكاسب غير المشروعة. وإذا لم تتحول الحملة إلى حرب، ستبقى أبواب هذه المنافذ مشرعة، أو على الأقل مواربة.
 

تسجيل الدخول