الثلاثاء، 7 أبريل، 2015

يروجون الاتفاق .. والشركات «تسن» أسنانها

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"في الواقع، تعتقد إيران أنها تستطيع الاستمرار في خداع العالم، من أجل تحقيق أهدافها"
موشيه كاستاف - رئيس إسرائيل السابق


كتب: محمد كركوتـــي


لندع جانبا حملة الرئيس الأمريكي باراك أوباما الترويجية لاتفاق إطار بين المجموعة الدولية وإيران، وكذلك الأمر بالنسبة للتصريحات الإيرانية المتناقضة حول مستقبل هذا الاتفاق الجزئي. ولنبتعد قليلا عن التطمينات الأمريكية (وملحقاتها الغربية) لدول المنطقة من هذا الاتفاق. فالجميع يعرف أن التطمينات وسط تبدل المصالح بين الدول لا قيمة لها، حتى لو أتت من دولة كبرى. ولنترك مسألة الرابح والخاسر من هذا الاتفاق المبدئي. المهرولون نحو إيران يدعون الربح، وهذه الأخيرة تعلن عوائدها من الاتفاق. ويشيع هنا الخاسر (إن وجد). فكل الأطراف المعنية مباشرة بالمفاوضات النووية، تستعرض (دون خجل) قائمة أرباحها. وإذا كان الأمر كذلك، لماذا كانت المفاوضات إذن؟! وهل يمكن أن يكون هناك رابحون من دون خاسرين؟!
تسن كل الشركات الغربية أسنانها لاقتناص الصفقات في إيران، إذا ما تم رفع العقوبات المفروضة عليها منذ سنوات، سواء تدريجيا أو مرة واحدة. ففي الاقتصاد (كما السياسة)، تكون الأخلاق ترفا. أو كوجبة "كفيار" لأشخاص يعجزون في الحصول على الخبز! وعندما يتعلق الأمر بالأرباح وآفاقها، تكون الأخلاق أكثر ترفا. هناك شركات ومصارف كبرى جدا، لم تجد مانعا في أن تسند نفسها بالأموال القذرة، وقد اضطرت إلى الاعتراف علنا بذلك. وبالمقارنة، يبدو اندفاع الشركات الغربية نحو إيران "طاهرا". دون أن ننسى، أن بعضها استمر في التعامل مع إيران في أوج العقوبات المفروضة على هذه الأخيرة، وتم ابتكار أدوات وأساليب فائقة الجودة للهروب من كماشة العقوبات. من الأفضل أن نقول "الهروب" ومعه "ربما"، لأن حكومات غربية كانت تعلم بأمر هذا التعامل غير القانوني، وصمتت.
لا شك في أن إيران كغيرها من البلدان التي تتمتع بقدر ليس بالقليل من الموارد الطبيعية، تشكل فرصا كبيرة للشركات الأجنبية ولا سيما الغربية منها. ومن هذه الشركات تتصدر النفطية المشهد، لما تملكه إيران من إمكانات كبرى في مجالي النفط والغاز. لكن الأمور، لا تبدو أنها تسير كما تشتهي الشركات النفطية الغربية، لأسباب تعرفها ربما أكثر من حكوماتها. ولن تؤثر "الابتسامات" الإيرانية المريبة في استقطاب المزيد منها في المرحلة المقبلة. والأسباب كثيرة، تبدأ بطبيعة رفع العقوبات أولاً. هل هي جزئية كما يروج الغربيون، أم ستلغى دفعة واحدة كما يعلن الإيرانيون؟ وسواء كانت جزئية أم كلية، فإن الفرص الحقيقية التي تسعى إليها الشركات الغربية، لن تظهر قبل أشهر. ويمضي البعض أبعد من ذلك، بقولهم لن تظهر قبل سنوات. فالمسألة لا تعالج بـ"كبسة زر"، لأن الحقائق على الأرض تؤكد ذلك بالفعل.
تحتاج المنشآت النفطية الإيرانية إلى استثمارات هائلة لكي تصل إلى المستوى المطلوب. فخلال السنوات الماضية توقفت هذه الاستثمارات تماما، بل إن بعض هذه المنشآت وجدت في بعض الأحيان مصاعب في دفع رواتب العاملين فيها. مع ضرورة الإشارة إلى أن العوائد النفطية في المرحلة الراهنة لم تعد مغرية لأي مشاريع نفطية جديدة، في الوقت الذي تقوم فيه شركات نفطية كبرى بخفض نسبة العمالة لديها، وإغلاق عدد من الآبار ولا سيما في الولايات المتحدة. واستقرار الأسواق النفطية يحتاج إلى وقت قد يصل إلى سنوات، لأن ما يجري على الساحة حاليا يمكن اعتباره بمنزلة عملية فرز للمنتجين المصدرين، أو حراكا يحدد القيمة الحقيقية لكل منتج نفطي ولا سيما إذا ما كان خارج منظمة الأقطار المصدرة للبترول (أوبك).
تسن الشركات النفطية الغربية أسنانها. هذا صحيح، ولكن على وليمة لا تحتاج إلى أسنان في الواقع في هذا الوقت بالذات. حتى لو افترضنا أن آليات الإنتاج النفطي الإيراني في أفضل حالاتها، فهناك عقبة أخرى أيضا تقف حائلا دون عودة إيران إلى السوق بكامل زخمها السابق، وتنحصر بالمخزونات النفطية الهائلة. فالسلطات الإيرانية عانت الكثير في الأشهر الماضية من أجل احتواء هذه المخزونات، وقامت حتى باستئجار ناقلات ليس للنقل بل للتخزين. وتصريف هذه الكميات أيضا يحتاج إلى وقت لن يكون قصيرا، مع الأخذ في الاعتبار الآثار السلبية التي سيتركها على الأسعار. أمام هذه الحقائق، لا يبدو "سن الأسنان" مجديا. دون أن ننسى أن الاتفاق الذي يروجه أوباما، ليس أكثر من "اتفاق إطار" من الآخر وحتى حزيران (يونيو) المقبل.
سواء رفعت الولايات المتحدة عقوباتها تدريجيا أم دفعة واحدة، فإن المرحلة المقبلة لن تكون سلسة كما تتمنى الشركات الغربية في كل القطاعات التي تعمل فيها. صحيح يتمنى الرئيس الإيراني حسن روحاني تدفق الاستثمارات الأجنبية خصوصا في القطاع النفطي، لكن الصحيح أيضا أن "حماس" الشركات سيصطدم بالكثير من العقبات. إلى جانب طبعا العقبة الثانية من حيث الأهمية، وهي تبدل أوضاع الأسواق النفطية بصورة دراماتيكية. هناك الكثير من الخطوات يجب أن تتم قبل أن تعود إيران إلى رفع صادراتها النفطية. وهي خطوات تتطلب وقتا، بينما لا أحد من مروجي "الاتفاق" يتحدث عن شيء اسمه "الثقة".

الاقتصاد البريطاني «أعور بين عميان»

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


 
"حكومة المحافظين ستحافظ على الضرائب منخفضة، أكثر من تلك التي تفرضها حكومة حزب العمال. هذا الأمر جزء أصيل من مبادئ المحافظين"
وليام هيج رئيس مجلس العموم البريطاني


كتب: محمد كركوتـــي

مهما لف ودار رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، فالميزانية العامة التي قدمتها حكومته الائتلافية (مع حزب الديمقراطيين الأحرار)، تبقى أكثر الميزانيات التي تستهدف الانتخابات المقبلة في أيار (مايو) المقبل، أكثر مما تستهدف من واقع اقتصادي حقيقي. فالحملات الانتخابية في بريطانيا بدأت في الواقع مبكرا إلى درجة مثيرة للسخرية. فكل الأحزاب خائفة على مصيرها الانتخابي، بما في ذلك بالطبع حزب العمال المعارض، الذي أثبت أنه يعيش حالة من التخبط، وضعفا واضحا، بصرف النظر عن نتائج استطلاعات الرأي، التي لم تعد تشكل مؤشرا واقعيا للحالة الانتخابية ككل. ولأن الأمر كذلك، فقد انغمس حزب الأحرار في المشاركة في الحكومة، مع توجهات المحافظين، في توافق اقتصادي نادر بين حزبين يفترض أنهما لا يلتقيان في ساحة السوق، ولا حتى في الساحة السياسية. إنه ليس إلا تكالب على السلطة، بصرف النظر عن تبريرات قادة الأحرار.
الوضع الاقتصادي البريطاني جيد، ليس لأنه حقق قفزات نوعية في السنوات التي أعقبت الأزمة الاقتصادية العالمية، بل لأن اقتصادات الاتحاد الأوروبي سيئة بكل المقاييس. ولذلك تلقى وزير المالية جورج أزبورن ما يستحق من السخرية، عندما شدد خلال عرضه للميزانية العامة، على أن اقتصاد بلاده تعافى مقارنة بدول أوروبية أخرى. فالمقارنة الحقة، ينبغي أن تكون مع الأكثر نجاحا، وليس مع الأكثر فشلا. ومع ذلك، يرى المنتقدون لهذه "الثقة" عند حكومة كاميرون، أن المشهد ينطبق عليه المقولة الشهيرة "أعور بين عميان". سيكون هذا "الأعور" بمنزلة "تلسكوب" فائقة الجودة والدقة وجلب المشاهد الواضحة. ليس مهما التوصيفات في الوقت الراهن، المهم، يبقى منحصرا في العوائد الانتخابية التي سيجنيها المحافظون ومعهم أعوانهم الأحرار في الشهر الخامس المقبل.
وفي كل الأحوال، لقد قدموا ميزانية مغرية، ولاسيما فيما يرتبط بتخفيض الضرائب على بعض الشرائح، ورفع الحد الأدنى للأجور بنسبة هي الأكبر منذ ثماني سنوات، وتشجيع الادخار، وزيادة قيمة الهدايا المالية المعفاة من الضرائب والمقدمة للجمعيات الخيرية، ودعم المناطق الشمالية في البلاد بصورة أكبر. وإعفاء جديد على المدخرات الشخصية. والأهم في هذا الوقت بالذات، حزمة خفض التكاليف لمكافحة انهيار أسعار النفط، ولمساعدة آلاف العاملين في هذا القطاع للإبقاء على وظائفهم. ليس مهما هنا أيضا، خفض الإنفاق العسكري. لقد تحولت المملكة المتحدة في ظل حكومة كاميرون إلى دولة داخلية جدا، أو إلى دول خارجية قليلة جدا. المنتقدون لسياسة الحكومة الحالية الخارجية، يقولون، إن ديفيد كاميرون يتعاطى مع العالم الخارجي، كمناطق لقضاء العطلات والسياحة.
من حق أي حكومة أن تقدم ميزانيات انتخابية إذا ما كانت الأجواء مناسبة لذلك. ولكن ليس من حقها أن تفترض أشياء غير حقيقية، خصوصا فيما يتعلق بالمقارنة بينها وبين بلدان الاتحاد الأوروبي. كما أن أحدا لا يمكنه أن يثق بتقديراتها للسنوات المتبقية من العقد الجاري. فهي تقول إن العجز سيتحول إلى فائض بحلول عام 2019 - 2020، وتذهب أبعد من ذلك للقول إن ذلك سيساعد على توفير 16 مليار جنيه استرليني، ستخصص لخفض إجراءات وتدابير التقشف، ولتحويل الأموال إلى خدمات! وإذا وجدت الحكومة من "يشتري" تخفيضاتها الضرائبية، فإنها لن تعثر بسهولة على "مشتر" لتقديراتها الخاصة بالسنوات المقبلة. هناك استحقاقات كثيرة أمامها، كما أنها تواجه أيضا مشكلات ناتجة عن الأزمات العامة في الاقتصاد العالمي ككل. ولهذا السبب عليها أن تركز على ما قدمته، وليس ما ستقدمه.
تتمتع الحكومة الائتلافية الراهنة بوضعية ليست ضعيفة، ذلك أن وضعية حزب العمال ليس في المستوى الذي يمكن أن يشكل تهديدا قويا أو حاسما. وحتى لو حقق العمال نتائج أفضل من المحافظين في الانتخابات المقبلة، إلا أنهم (كما تبدو المؤشرات) لن يتمكنوا من تشكيل حكومة بمفردهم، عليهم اللجوء إلى "المحلل" التاريخي حزب الديمقراطيين الأحرار، الذي قبل أن يتناغم (بصورة أو بأخرى) مع حزب لا تجمعه معه قواسم مشتركة، في حين أن هناك الكثير من التطابق مع حزب العمال. وأيا كانت نتائج الانتخابات العامة المقبلة، لن تكون الأوضاع الاقتصادية للبلاد جيدة كما يسوق المحافظون، وهي ليست سيئة كما يروج العمال أيضا. إنها الأفضل بين الأسوأ.
يحارب المحافظون حزب العمال على جبهة الاقتصاد، وهي الجبهة الأولى لأي حزب في العالم الغربي، لأنها ترتبط بالناخب مباشرة، بل ملتصقة به. وعلى هذا الأساس، لا تمثل السياسات الخارجية قضية انتخابية للناخب البريطاني، ولكن في الوقت نفسه لا يتوقف عن طرح التساؤلات عن نفوذ بلاده خارجيا، وحول مكانة بريطانيا على الساحة الدولية. نقول مكانة بريطانيا؟! لنسأل الولايات المتحدة عنها. ولكيلا نبتعد كثيرا جغرافيا، لنسأل حكومة أنجيلا ميركل الألمانية عن هذه المكانة. لدى واشنطن وبرلين الجواب الحق.

«حرب أهلية» في اقتصاد السجائر

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


 
"أستغرب من أولئك الذين يقولون إنهم لا يستطيعون الإقلاع عن التدخين. أنا أقلعت عنه 100 مرة".
برنارد شو أديب إيرلندي راحل



كتب: محمد كركوتـــي

منذ أكثر من عقدين من الزمن، لم تتوقف الضربات التي تتلقاها شركات إنتاج التبغ والسجائر. مع كل ميزانية سنوية في البلدان الراشدة، هناك ضرائب مضافة جديدة على السجائر، إلى درجة وصل سعر العلبة الواحدة التي تحتوي على 20 سيجارة في بريطانيا إلى 12 دولارا تقريبا. ولا يمضي أسبوع إلا وتظهر جمعية هنا، وكتلة ضغط أخرى هناك، إلى جانب جمعيات الصحة المختلفة، لتصعد الهجوم على التدخين ومنتجيه. دون أن نذكر الحرب الطاحنة التي يتعرض لها المدخنون في غالبية بلدان العالم، لمنعهم من ممارسة هذه العادة، في كل الأماكن التي يمكن أن يمنعوا فيها. بعض البلدان منعت التدخين حتى على مقربة من مداخل المباني العامة والخاصة. لم يبق إلا الصحاري والغابات المجهولة في العالم لمنع التدخين فيها.
إنها حرب بكل معنى الكلمة على شركات التدخين وزبائنها الذين فشلوا حتى الآن في تشكيل قوة ضغط فاعلة، لمجابهة قوى الضغط المناوئة لهم. ولا يبدو أنهم سيحققون شيئا لافتا في هذا المجال. فالجهات التي "تبغضهم" لا حصر لها. وقد أثبتت التجارب، أن الحملة المستدامة ضدهم، دفعت نسبة منهم للإقلاع فعلا عن التدخين، لأسباب عديدة، في مقدمتها بالطبع المادية. دون أن ننسى، أن معظم بلدان العالم تمنع بصورة صارمة، إدخال أكثر من "خرطوشة" سجائر واحدة من خارج البلاد، حتى ولو ثبت للسلطات أنها للاستهلاك الفردي بالفعل. فالقضية هنا، لا تتعلق بالاستهلاك الفردي أو الجماعي، ولكن بحرص السلطات على الحصول على المزيد من الضرائب من جراء بيع السجائر محليا.
اليوم تواجه شركات التبغ والسجائر الكبرى أزمة حقيقية أخرى، ليس من الحكومات وجمعيات مكافحة التدخين، بل من شركات إنتاج السجائر الإلكترونية. فالحرب صارت في الواقع على جبهتين، ولا أحد يعرف بالتحديد الطرف الرابح فيها. وأيا كان تسمية السجائر فهي بالتأكيد ضارة على الصحة والميزانية الشخصية. ورغم أن بعض شركات التبغ التقليدية تقوم بإنتاج السجائر الإلكترونية أيضا، إلا أنها وجدت بعد نحو عشر سنوات من إطلاق "الإلكترونية"، أن الأخيرة تهدد التقليدية، وأنها يمكن أن تضرب القطاع كاملا في المستقبل، في الوقت الذي تجهد فيه لحماية نفسها من "الأعداء التقليديين" المعروفين. وعلى هذا الأساس، بدأت تدعم بقوة الحملات التي تستهدف السجائر الإلكترونية على أنها أكثر ضررا من التقليدية، كيف؟ بتأييدها التحذير الصحي المطبوع على علب "الإلكترونية" المكونة من 116 كلمة، بينما لا يزيد التحذير المقابل على بضع كلمات.
ماذا يتضمن التحذير "الإلكتروني"؟ "المنتج يمكن إدمانه، ويمكن أن يصبح عادة، وهو سام جدا لدى استنشاقه أو بلعه، أو حدوث اتصال مباشر مع الجلد". وماذا أيضا؟ " لا يناسب المرأة الحامل أو التي ترضع، والأشخاص الذين يعالجون من الاكتئاب أو الربو. النيكوتين يمكن أن يزيد ضربات قلبك، ويرفع ضغط الدم، ويسبب الدوار والغثيان وألما في البطن، وأن المكونات يمكن أن تكون سامة"! لا ينقص إلا أن يحتوي هذا التحذير، على عبارة "إنك ستموت وأنت تستنشق هذا الدخان". أو "نرجو أن تكتب وصيتك قبل استعمال منتجنا"! إنه بالفعل تحذير، يجعل مثيله المطبوع على السجائر التقليدية "وصفة صحية"، أكثر منه تحذيرا من مضار التدخين!
ومهما فعلت شركات التبغ حيال السجائر الإلكترونية، فإنها لا تستطيع أن تخفف من بشاعة الأضرار التي تسببت فيها سجائرها لمئات الملايين من البشر. ومع ذلك، فهي تسعى، لإقناع السلطات المختصة، بأن تفرض إبراز مخاطر أسلوب "البخر" المعتمد في السجائر الإلكترونية، على أمل أن تثني المدخنين عن التحول إلى الأجهزة الجديدة. وتضغط الشركات أيضا، من أجل خفض مدة صلاحية المنتج، وتقييد المبيعات، ومتطلبات خاصة بالاختبارات العلمية. تقول الاختبارات العلمية؟! هذه الأخيرة أثبتت على مدى عقود أن السجائر العادية تسبب أمراضا قاتلة، ابتداء من القلب وانتهاء بالسرطان، مرورا طبعا بالضغط والتنفس وغيرها. فالمسألة لا تنحصر في الواقع في أضرار السجائر الجديدة فقط، بل في استمرار أضرار السجائر القديمة أيضا.
نستطيع الجزم، أن شركات التبغ التقليدية، ليست حريصة على صحة البشر، بدليل أنها لا تزال تنتج السجائر بأنواعها وجاذبيتها ومغرياتها. وكل ما ترغب فيه، هو إخراج الشركات الصغيرة، أو كما يسمونها "اللاعبين الصغار" من السوق. وللتأكيد على وجود هذا الهدف المريب، أن شركات التبغ التقليدية الكبرى، هي نفسها تنتج السجائر الإلكترونية. غير أن هذا المنتج بات سهل الإنتاج بأقل التكاليف الممكنة، الأمر الذي أفسح المجال أمام "اللاعبين" الجدد لدخول الساحة. أي أن المسألة برمتها لا علاقة لها بصحة المستهلكين والحرص على حياتهم، بل هي محصورة في الإبقاء على العوائد المالية الهائلة التي لا تزال شركات التبغ التقليدية تنعم بها، رغم الحرب المستمرة عليها في غالبية بلدان العالم. إنها لا تريد جبهة جديدة، تكفيها جبهة لا يبدو أنها ستهدأ بعد الآن.

الخميس، 26 مارس، 2015

الاقتصاد البريطاني «أعور بين عميان»

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"حكومة المحافظين ستحافظ على الضرائب منخفضة، أكثر من تلك التي تفرضها حكومة حزب العمال. هذا الأمر جزء أصيل من مبادئ المحافظين"
وليام هيج رئيس مجلس العموم البريطاني


كتب: محمد كركوتــي

مهما لف ودار رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، فالميزانية العامة التي قدمتها حكومته الائتلافية (مع حزب الديمقراطيين الأحرار)، تبقى أكثر الميزانيات التي تستهدف الانتخابات المقبلة في أيار (مايو) المقبل، أكثر مما تستهدف من واقع اقتصادي حقيقي. فالحملات الانتخابية في بريطانيا بدأت في الواقع مبكرا إلى درجة مثيرة للسخرية. فكل الأحزاب خائفة على مصيرها الانتخابي، بما في ذلك بالطبع حزب العمال المعارض، الذي أثبت أنه يعيش حالة من التخبط، وضعفا واضحا، بصرف النظر عن نتائج استطلاعات الرأي، التي لم تعد تشكل مؤشرا واقعيا للحالة الانتخابية ككل. ولأن الأمر كذلك، فقد انغمس حزب الأحرار في المشاركة في الحكومة، مع توجهات المحافظين، في توافق اقتصادي نادر بين حزبين يفترض أنهما لا يلتقيان في ساحة السوق، ولا حتى في الساحة السياسية. إنه ليس إلا تكالب على السلطة، بصرف النظر عن تبريرات قادة الأحرار.
الوضع الاقتصادي البريطاني جيد، ليس لأنه حقق قفزات نوعية في السنوات التي أعقبت الأزمة الاقتصادية العالمية، بل لأن اقتصادات الاتحاد الأوروبي سيئة بكل المقاييس. ولذلك تلقى وزير المالية جورج أزبورن ما يستحق من السخرية، عندما شدد خلال عرضه للميزانية العامة، على أن اقتصاد بلاده تعافى مقارنة بدول أوروبية أخرى. فالمقارنة الحقة، ينبغي أن تكون مع الأكثر نجاحا، وليس مع الأكثر فشلا. ومع ذلك، يرى المنتقدون لهذه "الثقة" عند حكومة كاميرون، أن المشهد ينطبق عليه المقولة الشهيرة "أعور بين عميان". سيكون هذا "الأعور" بمنزلة "تلسكوب" فائقة الجودة والدقة وجلب المشاهد الواضحة. ليس مهما التوصيفات في الوقت الراهن، المهم، يبقى منحصرا في العوائد الانتخابية التي سيجنيها المحافظون ومعهم أعوانهم الأحرار في الشهر الخامس المقبل.
وفي كل الأحوال، لقد قدموا ميزانية مغرية، ولاسيما فيما يرتبط بتخفيض الضرائب على بعض الشرائح، ورفع الحد الأدنى للأجور بنسبة هي الأكبر منذ ثماني سنوات، وتشجيع الادخار، وزيادة قيمة الهدايا المالية المعفاة من الضرائب والمقدمة للجمعيات الخيرية، ودعم المناطق الشمالية في البلاد بصورة أكبر. وإعفاء جديد على المدخرات الشخصية. والأهم في هذا الوقت بالذات، حزمة خفض التكاليف لمكافحة انهيار أسعار النفط، ولمساعدة آلاف العاملين في هذا القطاع للإبقاء على وظائفهم. ليس مهما هنا أيضا، خفض الإنفاق العسكري. لقد تحولت المملكة المتحدة في ظل حكومة كاميرون إلى دولة داخلية جدا، أو إلى دول خارجية قليلة جدا. المنتقدون لسياسة الحكومة الحالية الخارجية، يقولون، إن ديفيد كاميرون يتعاطى مع العالم الخارجي، كمناطق لقضاء العطلات والسياحة.
من حق أي حكومة أن تقدم ميزانيات انتخابية إذا ما كانت الأجواء مناسبة لذلك. ولكن ليس من حقها أن تفترض أشياء غير حقيقية، خصوصا فيما يتعلق بالمقارنة بينها وبين بلدان الاتحاد الأوروبي. كما أن أحدا لا يمكنه أن يثق بتقديراتها للسنوات المتبقية من العقد الجاري. فهي تقول إن العجز سيتحول إلى فائض بحلول عام 2019 - 2020، وتذهب أبعد من ذلك للقول إن ذلك سيساعد على توفير 16 مليار جنيه استرليني، ستخصص لخفض إجراءات وتدابير التقشف، ولتحويل الأموال إلى خدمات! وإذا وجدت الحكومة من "يشتري" تخفيضاتها الضرائبية، فإنها لن تعثر بسهولة على "مشتر" لتقديراتها الخاصة بالسنوات المقبلة. هناك استحقاقات كثيرة أمامها، كما أنها تواجه أيضا مشكلات ناتجة عن الأزمات العامة في الاقتصاد العالمي ككل. ولهذا السبب عليها أن تركز على ما قدمته، وليس ما ستقدمه.
تتمتع الحكومة الائتلافية الراهنة بوضعية ليست ضعيفة، ذلك أن وضعية حزب العمال ليس في المستوى الذي يمكن أن يشكل تهديدا قويا أو حاسما. وحتى لو حقق العمال نتائج أفضل من المحافظين في الانتخابات المقبلة، إلا أنهم (كما تبدو المؤشرات) لن يتمكنوا من تشكيل حكومة بمفردهم، عليهم اللجوء إلى "المحلل" التاريخي حزب الديمقراطيين الأحرار، الذي قبل أن يتناغم (بصورة أو بأخرى) مع حزب لا تجمعه معه قواسم مشتركة، في حين أن هناك الكثير من التطابق مع حزب العمال. وأيا كانت نتائج الانتخابات العامة المقبلة، لن تكون الأوضاع الاقتصادية للبلاد جيدة كما يسوق المحافظون، وهي ليست سيئة كما يروج العمال أيضا. إنها الأفضل بين الأسوأ.
يحارب المحافظون حزب العمال على جبهة الاقتصاد، وهي الجبهة الأولى لأي حزب في العالم الغربي، لأنها ترتبط بالناخب مباشرة، بل ملتصقة به. وعلى هذا الأساس، لا تمثل السياسات الخارجية قضية انتخابية للناخب البريطاني، ولكن في الوقت نفسه لا يتوقف عن طرح التساؤلات عن نفوذ بلاده خارجيا، وحول مكانة بريطانيا على الساحة الدولية. نقول مكانة بريطانيا؟! لنسأل الولايات المتحدة عنها. ولكيلا نبتعد كثيرا جغرافيا، لنسأل حكومة أنجيلا ميركل الألمانية عن هذه المكانة. لدى واشنطن وبرلين الجواب الحق.

السمنة المعولمة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«يمكن أن تكون سمينا، وتحب نفسك. ويمكن أن تكون سمينا بشخصية عظيمة. ولكن لا يمكن أن تكون سمينا وبصحة جيدة».
سوزان بوتر متخصصة أسترالية في الصحة الغذائية


كتب: محمد كركوتـــي

لا تتوقف الحكومات في البلدان الراشدة، عن التحرك في مجال التوعية الصحية. وهي تقوم بحملات مستمرة تشمل كل شيء يرتبط بالصحة الشخصية والعامة. من الأمراض المنتشرة المعروفة، إلى تلك الكامنة، إلى السمنة المفرطة في غالبية بلدان العالم، التي أصبحت مع الوقت، ومن فرط انتشارها، أزمة اقتصادية للموازنات العامة. ومنذ سنوات طويلة، بدأت البلدان الأكثر تقدما تنظر إلى هذا النوع من السمنة كمرض لا بد من علاجه، ليس فقط لخفض معدلات السمنة، بل للحيلولة دون انتشار مزيد من الأمراض التي يعانيها أصحاب الأوزان الثقيلة. الضغط، السكري، القلب، الكولسترول، وغيرها من الأمراض التي باتت معروفة للجميع، وأصبحت معلومة حتى في أوساط الشرائح غير المتعلمة بل الأمية أيضا.
يقول الممثل الكوميدي الأمريكي الراحل رودني دانجيرفيلد، في خضم سخريته الدائمة "إذا أردت أن تشعر بأنك نحيف الجسم، ما عليك إلا أن تصاحب البدناء". وهذا يقابله تقريبا التعبير الذي يستخدمه العرب "الذي يرى مصيبة غيره، تهون عليه مصيبته". أي أنك في هذا المشهد ستكون صاحب الجسم الرياضي الأمثل، بصرف النظر عن حجم الزيادة في الوزن لديك. لم تعد في غالبية دول العالم قضية البدانة خاصة أو فردية. كما أنها لم تعد مادة لإطلاق النكات، لأنها ببساطة مسألة خطيرة، على الفرد والمجتمع، ولأن نتائجها بالضرورة سيئة. وفي زمن التقتير الاقتصادي، الذي يطلق عليه"كسادا" أو "ركودا"، يتم وضع كل القضايا المرتبطة بالاقتصاد على الطاولة، بما فيها تلك التي تكون عادة في الأدراج، أو خارج السياق الاقتصادي العام.
ولأن الأمر خطير، تقوم المنظمات الدولية المختلفة بإعداد تقاريرها حول مسألة البدانة، وتقدم دائما حلولا، وتطرح توصيات من أجل احتوائها. وانضمت أخيرا إلى قائمة هذه المنظمات، منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "الفاو"، التي اعتبرت أن المسألة وصلت إلى مستوى أكثر من خطير، وأن على حكومات البلدان المختلفة أن تتقدم بقوة على هذا الصعيد، لاحتواء ما يمكن احتواؤه. وحجم الخسائر الناجمة عن أمراض السمنة الذي توصلت إليه "الفاو" استنادا أيضا إلى تقارير من معهد "ماكينزي العالمي"، صادم للغاية، لأن الخسائر على المستوى العالمي تقدر بـ 1.4 تريليون دولار. وتمضي أبعد من ذلك، عندما تؤكد، أن ارتفاع مخاطر البدانة عالميا يكبد العالم نحو تريليوني دولار سنويا! وقد استندت هذه التقارير، إلى حسابات تأخذ الأبعاد التراكمية للمشكلة في العالم، وآثارها المتشعبة التي تضر بالناتج الاقتصادي.
لا توجد دولة من بلدان العالم، بما فيها تلك التي حققت بعض التقدم في مجال الثقافة الصحية، خارج هذه النتائج. والمثير، أن معدلات السمنة ترتفع بصورة كبيرة في البلدان الأكثر ثقافة صحية، وهي في غالبيتها تتمتع بمستويات معيشية مرتفعة مقارنة بغيرها. وعلى هذا الأساس، يمكن ببساطة أن نطلق مجازا على السمنة العالمية في الوقت الراهن أنها "السمنة المعولمة". فإذا لم تستفد كل دول العالم من العولمة التي سيطرت على الساحة حتى انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، فها هي السمنة "تعولم". أي أنها نشرت قيمها في مسألة خطيرة، أو لنقل في أزمة متصاعدة. وهي كذلك بالفعل، لأن "عداد" البدناء لم يتراجع أو يهدأ طوال العقود القليلة الماضية، في حين أن "عداد" المال لدى الحكومات يزيد أيضا بصورة طردية.
وعلى هذا الأساس، يمكن أن يعاد طرح مسألة السمنة وآثارها الخطيرة من الزاوية الاقتصادية فقط، طالما أن التوعية الصحية والإرشادات لم تحقق شيئا إيجابيا. يضاف إلى ذلك، أن حكومات العالم تواجه مشاكل اقتصادية تعود إلى عام 2008 عندما انفجرت الأزمة العالمية. وقد بلغت حدة الأمر، أن اقترح بعض السياسيين سن قوانين تفرض ضرائب على الأطعمة التي تحتوي على معدلات كبيرة من المواد غير الصحية، وتحديدا الدسم والسكر. واقترح هؤلاء أن تستهدف الضرائب بداية المنتجات الغذائية التي تستقطب الأطفال وصغار السن عادة، على أن يتم تعميمها على كل المنتجات في وقت لاحق. إلى جانب مقترحات، بمنع الإعلانات التجارية لهذا النوع من المنتجات، تماما كما هو الحال بالنسبة للسجائر والتبغ.
لـ "تعولم" فعلا الهيئات التابعة للأمم المتحدة هذه القضية المتفاعلة، وتطرح مشاريعها العامة التي تخدم الهدف الأهم، وهو تقليل نسبة البدناء حول العالم، الحماية الصحية لهم أولا، ولتخفيف أعباء الإنفاق على معالجة أمراض السمنة المختلفة على كاهل الموازنات العامة، لا شك أن المسألة ليست سهلة، بدليل أن حكومات في دول متقدمة تواجه الفشل تلو الآخر بهذا الخصوص. نظرة واحدة إلى تدفق الناس في شارع في إحدى المدن الأمريكية، يمكن أن تعطي صورة واضحة لهذا الفشل القديم المتجدد. والأمر نفسه تقريبا، في المدن الغربية الأخرى. إن الأموال المهدرة بسبب السمنة، يمكن أن تخلق اقتصادا هائلا، ولا سيما عندما ينتقل "عداد" الخسائر من مئات الملايين إلى التريليونات.

قذارة العقارات البريطانية في أموالها

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«مليار هنا ومليار هناك، قريبا سوف تتحدث عن مال حقيقي جدا»
إيفريت ديريكسين سيناتور أمريكي


كتب: محمد كركوتـــي

يقول مايكل بارينتي المؤرخ والأكاديمي الأمريكي "الأرباح، هي تلك التي تجنيها دون أن تعمل". وهذا ينطبق إلى حد بعيد على مالكي الأموال القذرة، وينطبق بإحكام على أولئك الذين ضخوها بكميات هائلة في قطاع العقارات البريطانية. وحول القطاع المذكور صمت رهيب، وإن تخلله بعض الهمس هنا أو هناك، ولا بأس من تصريح لجهة غير حكومية، و"غمزات" من جهات بريطانية وغير بريطانية. غير أن ذلك لن يكسر الصمت بصورة تتضح فيها الحقيقة، بل لنقل بشكل تنفتح فيه كل الملفات. وهي ملفات كثيرة ومتضخمة، تماما كما تضخم الأموال ذات الصلة، بالعقارات التي تقتنصها. إنها عقارات من تلك التي لا يمكن لشخص عادي (حتى ولو تمتع بدخل شهري جيد) أن يفكر في امتلاك شقة منها، وتحديدا في النطاق الداخلي للندن.
تكاد العقارات البريطانية التي يتم شراؤها بالأموال القذرة، تشبه الخزائن المشينة التي تتلقف كل دولار قذر، وكل يورو فاسد، وكل فرنك سويسري ملوث، وكل العملات المنهوبة. الحكومة البريطانية، وتحت الضغط المحلي، تفكر في فرض ضرائب على العقارات التي يزيد سعر الوحدة منها على مليوني جنيه استرليني. وكذلك يعتزم حزب العمال المعارض، إذا ما نجح في الانتخابات العامة التي ستجري في أيار (مايو) المقبل، وسط تقارب شديد في مكانة الحزبين الرئيسين انتخابيا، لكن في الواقع هذا لا يهم أيا من مالكي العقارات. لماذا؟ لأن الذي يمتلك عقارا بهذه القيمة يمكنه أن يدفع، دون أن يتأثر، أي مبلغ مطلوب كضريبة، كما أن الأموال نفسها، ليست أمواله في الواقع، لأنه حصل عليها سرقة وسطوا وتهريبا. حصل عليها بكل الطرق غير الشرعية. فماذا يضيره فيما لو فرضت عليه ضريبة صغيرة؟!
إن القضية بحالتها الواقعية، لا علاقة لها بضرائب تعلنها الأحزاب بقصد جلب الأصوات، بل بأموال قذرة إلى حد مخيف. أموال باتت واضحة للعيان، كما وضوح العقارات نفسها. ولهذا السبب أقدمت منظمة الشفافية العالمية أخيرا على إطلاق تحذير للحكومة البريطانية، لكي تقوم بتحرك ما بهذا الصدد. ولم تترك المنظمة الأمر للحكومة، بل قدمت لها خطة عمل، للحد من تدفق الأموال القذرة إلى عقارات البلاد. وهي تعتمد أساسا على إلزام الشركات الأجنبية التي تشتري العقارات، بالإعلان عن ملاكها الحقيقيين. والهدف من هذه الخطوة، هو تقليل استخدام هذه الأموال في شراء العقارات. نعم في بريطانيا يمكن أن تشتري عقارا بمائة مليون جنيه، دون أن يعرف أحد هويتك الحقيقية. لماذا؟ لأن هؤلاء يشترون العقارات بأسماء شركات وهمية مسجلة في بلاد وراء أعالي البحار، وبالأصح في أنصاف دول.
وفي بلد يعتمد النظم الرسمية في التعاملات منذ قرون، يمكن شراء العقار نقدا! ولهذا السبب ترى المنظمة ضرورة منع الشراء النقدي، وأن يتم ذلك عن طريق المصارف والتحويلات المصرفية المتبعة. ولمزيد من السخرية، فإن الشرطة البريطانية أجرت تحقيقات خلال السنوات العشر الماضية، في صفقات عقارية لا تزيد قيمتها عن 180 مليون جنيه استرليني، في حين هناك عقارات في قلب لندن وصلت قيمة الوحدة منها إلى أكثر من 200 مليون جنيه! أي أن الشرطة كانت ربما تتبع أصغر أصحاب الأموال القذرة، ولم تقترب من أولئك الذين ينقلون المليارات إلى داخل بريطانيا. مهمة تعقب الأموال ليست سهلة، ولكنها أيضا ليست من الصعوبة بحيث لا يتم ضبط نسبة مقبولة على الأقل للجهات التي تسعى إلى الحد من تحرك الأموال المشار إليها.
والأمر برمته بات واضحا للجميع. فعلى سبيل المثال، إن أغلب مالكي العقارات الفارهة المشبوهة في بريطانيا، يأتون من شرق أوروبا ومن روسيا. دون أن ننسى أن نسبة متعاظمة من هؤلاء تأتي بزخم كبير من بعض بلدان آسيا. وكما هو معروف، فإن غالبية البلدان المشار إليها، تعج بمستويات من الفساد اللامحدود. أي أن التحقيق يمكن أن يبدأ ببساطة وفق جنسية المالك، لإثبات أن أمواله نظيفة. وإذا كان من الصعب متابعة الشركات المسجلة في أنصاف الدول، يمكن أيضا وببساطة متابعة مالكيها الحقيقيين، الذين أثبتت الإحصاءات أنهم يفضلون العيش في بريطانيا، عن غيرها من بلدان العالم. أي أن المسألة ليست معقدة كما قد يظهر للوهلة الأولى.
نحن لا نتحدث هنا عن مالكي الأسهم من الأجانب. وتكفي الإشارة هنا إلى أن الإحصاءات الرسمية البريطانية أظهرت أخيرا، أن الأجانب يملكون أكثر من نصف الأسهم البريطانية التي يصل حجمها الإجمالي إلى 1.76 تريليون جنيه. ليس أمام السلطات البريطانية المندمجة مع نظيراتها الغربية في محاربة الفساد وملاحقة الأموال القذرة، إلا أن تبدأ المهمة في عقر دارها. لقد أظهرت المعلومات المتداولة (على سبيل المثال) أن نسبة كبيرة من أموال المسؤولين الحاليين والسابقين في بلدان فقيرة، تقبع في بريطانيا. وهي بلا أدنى شك منهوبة من شعوب تحتاج إلى دولار لتعيش يومها.

الطعام المهدر أرقام صادمة فقط

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





"هناك بشر في هذا العالم يتضورون جوعا. الرحمة لا تظهر لهم إلا على شكل قطعة خبز"
مهاتما غاندي الزعيم الهندي الراحل

كتب: محمد كركوتـــي

لا تتوقف المعلومات المفجعة الخاصة بهدر الغذاء على المستوى العالمي دائما هناك إحصائيات جديدة مرعبة، وأرقام مخيفة، وحقائق صادمة، حتى لدى أولئك الذين ينتمون إلى شريحة المتابعين والمهتمين بمثل هذه القضايا. لقد أضحى هدر الطعام نفسه اقتصادا تذهب عوائده إلى المزابل، لاسيما أن الهدر يشمل كل بلدان العالم دون استثناء، بما فيها تلك التي وصلت إلى مراحل متقدمة من "الرشد"، وتتمتع بمجتمعات أكثر وعيا من مثيلاتها في مناطق أخرى. ولذلك، يمكننا القول إن هدر الغذاء يكتسب صفات العولمة من جهتها السلبية ومن المفجع حقا أن البلدان التي ارتقت في مجال الحفاظ على الغذاء، لا تزال دون المستوى الذي يضعها في قائمة "غير الهادرين" علما بأن هذه القائمة لا تزال خاوية من أي دولة.
المنظمات الدولية والمختصة، بما فيها تلك التي تنتمي إلى شرائح الكيانات غير الربحية، فشلت تماما في جعل الأمور تتحسن، على الرغم من كل ما تبذله من جهود وتنفقه من أموال على جعل هذه القضية ماثلة على الساحة دائما فهي تعلم (كما العالم أجمع)، أن هدر الغذاء، لا يسبب خسائر مالية لمن يهدرونه فحسب، بل يعتدي على حق أمم تحتاج إلى الغذاء حقا ولذلك يمكن أن نفهم أهمية وعمق ما قاله بابا الفاتيكان فرانسيس يوما "عندما تهدر الطعام، كأنك تسرق من الفقراء". صحيح أنك تشتري هذا الغذاء من مالك الخاص، لكن الصحيح أيضا أنك تهدره بصورة يمكن أن يستفيد منها محروم هنا وجائع هناك، والحق، أنه حتى في البلدان المتقدمة تزداد شرائح الذين يستفيدون مما يعرف بـ "بنوك الطعام"، خصوصا في أعقاب الأزمات الاقتصادية التي شهدتها -ولا تزال- هذه البلدان دون أن ننسى، المعونات الحكومية الغذائية التي توفر لهذه الشريحة المتعاظمة.
بعد المنظمات التابعة للأمم المتحدة، لاسيما منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، وبعد عدد كبير من المنظمات الخيرية الأخرى، تؤكد مجموعة بحثية تابعة للجنة العالمية للاقتصاد والمناخ التي يرأسها الرئيس المكسيكي الأسبق فيليب كالديرون، أن تقليص مستويات هدر الغذاء من جانب المستهلكين، قد يوفر للاقتصاد العالمي ما يصل إلى 300 مليار دولار سنويا بحلول عام 2030 وتقول المجموعة نفسها، إن قيمة الهدر الغذائي على مستوى العالم تبلغ 400 مليار سنويا، وإن هذا الرقم قد يقفز إلى 600 مليار دولار في الأعوام العشر المقبلة ومن النتائج الصادمة بالفعل، أن خفض حجم الأغذية التي يتخلص منها المستهلكون ما بين 20 و50 في المائة، قد يوفر ما بين 120 و300 مليار دولار بحلول العقد الثالث من القرن الجاري. أمام هذه الحقائق، تفيد الإحصائيات الدولية، أن أكثر من 805 ملايين نسمة يذهبون إلى النوم كل يوم وهم جوعى!
ومن ضمن المشكلات التي تعج بها هذه القضية، عدم الوصول إلى استراتيجية (وليس نشاطات تقوم بها جماعات ومؤسسات خيرية) ضمن البلدان المتقدمة، لأن هذه الأخيرة تتمتع بالفعل بكل المقومات اللازمة لوضع الاستراتيجية وتنفيذها بصورة عالية الجودة، وطبقا للمفوضية الأوروبية، فإن ما يزيد على 100 مليون طن من الطعام تم هدره في العام الماضي فقط، وتعتقد المفوضية أن هذا الحجم الهائل من الطعام المهدر سيصل إلى 126 مليون طن سنويا بحلول عام 2020! وعلى الرغم من ذلك، لا توجد سياسة أوروبية ناجعة للحد من الهدر، سواء عن طريق التشجيع أو التنظيم الشامل، أو من خلال غرامات أو رسوم أو ما شابه ذلك فالبلدان الأوروبية تعج بالرسوم من كل الأنواع، بما فيها تلك التي تعتبر رسوما غريبة في بلدان العالم الأخرى.
تقدم وكالات الأمم المتحدة والجمعيات غير الربحية في العالم كثيرا من النصائح والإرشادات لتقليل هدر الطعام وهي مفيدة للغاية، وتؤدي حتما لخفض الهدر وتوفير المال الناجم عن الهدر المشار إليه وأقامت هذه الوكالات بوابات إلكترونية بهذا الخصوص، لكن (مرة أخرى) لم يتضح بعد مدى فاعليتها وإذا ما استندنا إلى الحقائق والأرقام التي تظهر دائما فإننا نخلص إلى نتيجة أن هذه البوابات لم تثبت فاعليتها بعد ويبدو واضحا، أن الأمر يحتاج إلى أكثر من ذلك على المدى البعيد، خصوصا في ظل تزايد كبير لمنسوب الهدر الغذائي وإذا كانت نسبة الذين يعيشون في البلدان الصناعية القادرة على الوصول إلى الإنترنت عالية جدا مقارنة ببقية بلدان العالم، تكفي الإشارة هنا، إلى أن الأمم المتحدة قدرت هدر الطعام في البلدان الصناعية بنسبة 40 في المائة !
ستظهر كثير من الأرقام الصادمة في هذا الصدد في المستقبل ولن تتوقف وبالنظر إلى الحراك العام، فإن العالم سيظل يراجع هذه الأرقام ويعبر عن صدمته، ليستكمل بعدها سلوكياته في التعاطي مع الغذاء الذي ينفق عليه ويستهلكه. إن الأمر بات (منذ زمن بعيد) خطيرا حيث تجاوز مرحلة الإرشادات والنصائح، ويتطلب خطوات وقرارات فاعلة، وآليات تنفيذ توازيه فاعلية.
 

الثلاثاء، 17 فبراير، 2015

عندما لا تكون فضيحة المصرف خبرا

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"هذا العالم تحكمه الوحوش، ولا بد من التعاطي معهم. بعضهم يحكمون دولا، وبعضهم الآخر يديرون مصارف، وآخرون يتحكمون بالأخبار"
كين ليفنجستون عمدة لندن السابق

كتب: محمد كركوتـــي

ليس هناك خبر ماحق في التسريبات التي أطلق عليها "سويس ليكس" الخاصة بمصرف "إتش إس بي سي" البريطاني. الفضائح السابقة للمصرف وغيره من المؤسسات المالية الكبرى، تعج بالأخبار التي باتت عادية من فرط حجمها وتنوعها. وأغلب هذه الفضائح تطورت لتصل إلى مرحلة المحاسبة لدى الجهات القضائية لاسيما الأمريكية منها. بعضها يختص بغسل الأموال، وبعضها الآخر بإخفاء ثروات المودعين لمساعدتهم على التهرب من الضرائب، وغيرها يتعلق بتهرب المصرف نفسه من الضرائب، إلى جانب أموال منظمات إرهابية. كانت هناك فضائح مرتبطة بأنواع من التجارة السوداء. دون أن نذكر بالطبع الأموال المنهوبة من الشعوب، التي دخلت خزائن المصرف المذكور. ولذلك لم يكن غريبا، عندما تبين في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، أن الأموال المشينة القذرة أنقذت عددا كبيرا من المصارف الكبرى، وحتى المتوسطة.
وجد "إتش إس بي سي" سويسرا أرضا خصبة للقيام بالأعمال المالية غير المشروعة. وأيضا لا عجب هنا، لأن الساحة المالية السويسرية صارت على مدى عقود مرتعا لأغلب الأموال غير المشروعة. وحتى عندما تقدمت السلطات السويسرية وفرضت مزيدا من القيود واللوائح، قامت المصارف السويسرية نفسها باللجوء إلى أماكن أكثر أمنا خارج النطاق الجغرافي السويسري. ومن المفارقات، أن المصارف السويسرية المتهمة بإخفاء أموال غير مشروعة، باتت غير أمينة على هذه الأموال، أين؟ في سويسرا نفسها فحتى السرية المصرفية التي تحكم النظام المالي في هذا البلد، لم تعد قوية بما يكفي لحماية الأموال، أو إخفائها أو "شرعنتها". لأن الأوقات تتغير. والأماكن المظلمة سابقا، باتت شيئا فشيئا في بؤرة الضوء. وهذا آخر ما تريده مصارف سويسرا ومودعوها الهاربون من العدالة والقوانين والأخلاق.
في التسريبات الجديدة، هناك حسابات مصرفية لدى فرع "إتش إس بي سي" السويسري تعود لمجرمين دوليين، وسياسيين، ومشاهير فاسدين، إضافة إلى شخصيات من عالم الأزياء والاستعراض والرياضة، وهؤلاء جميعا من كل الجنسيات تقريبا. وهنا حسابات تعود لأشخاص يديرون أموال حكومات خاضعة لعقوبات دولية. وفي السنوات الماضية، ظهر عديد من هذه القضايا على السطح، وخضع المصرف للتحقيقات وحتى لمحاكمات قضائية. الجديد في التسريبات، أن هناك قائمة بأسماء المودعين وصلت إلى الإعلام. وهذا أمر لم ينفه المصرف المذكور، ولكنه أسرع بإقرار وجود "مخالفات ماضية". أي أنه صار أفضل الآن مما كان عليه في السابق. غير أن المعلومات الجديدة، لا علاقة لها بقضايا (أو مخالفات) سابقة، بل تتضمن حراكا ماليا ضخما ضمن المصرف في الفترة الراهنة. وعلامات الفضائح الجديدة، أن المصرف الذي تخصص في تبييض أموال من مصادر غير مشروعة مختلفة، يقوم بتبييض هائل لأموال السياسيين.
حسنا، ستكون هناك تحقيقات. وكما أعلن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، أنه يتعهد بالكشف عن ملابسات تورط المصرف في عمليات التبييض هذه. وستقوم السلطات الغربية بشكل عام في المساهمة في هذه التحقيقات، لاسيما الأمريكية التي أعلنت (قبل غيرها) الحرب على المصارف من عدة جبهات، في مقدمتها تبييض الأموال والتهرب من الضرائب، ومساعدة مواطنيها على إخفاء ثرواتهم الشرعية هربا من الضرائب المستحقة. غير أن القضية لا تتوقف عند مصرف واحد. كما أنه لم توضع آليات واضحة تتضمن أشكال العقاب، بما في ذلك كيفية نزع الأموال غير المشروعة من أيدي ناهبيها. صحيح أن التسريبات لا تشمل مصارف أخرى، لكن هناك معلومات لدى السلطات الغربية بتورط عشرات المصارف الكبرى بشكل أو بآخر بعمليات مشينة ومشينة جدا.
يبدو واضحا، أن الحملة التي شنت على المصارف في أعقاب الأزمة الاقتصادية، لم تثمر إلا شيئا واحدا فقط، وهو إنقاذها من الهلاك. وقد أنقذت في الواقع من أموال ضحاياها. واستحوذت قضايا التهرب الضريبي على حراك السلطات الأمريكية، أكثر من استحواذها على قضايا أخرى أكثر خطورة، لأنها تتعلق بمصير شعوب، سواء من خلال أموال منهوبة، أو التجارة السوداء بكل قطاعاتها، المخدرات والاتجار بالبشر والتهريب والتزييف والرشا وغيرها. ولا يمكن أن تدعي الحكومات الغربية نجاحا ما، إذا لم تضع في حساباتها كل مصادر الأموال القذرة. يضاف إلى ذلك، حقيقة أنه بات حتميا الآن، أن يعاد النظر في فهم الحكومات لأحجام المصارف. فالمصارف الكبيرة توجد مشكلات كبيرة. فالمشكلة كما صورها وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن هي، أن المصارف كبيرة حيث لا يمكن أن تنهار، بل كبيرة بصورة لا يمكن إنقاذها.
والمؤسسات المصرفية الكبيرة، تعم فيها الممارسات المشينة الكبيرة أيضا دون ملاحظة. إن فضائح "إتش إس بي سي" الجديدة، لا يمكن أن تمر دون سلسلة جديدة من الإجراءات الحكومية، تضمن أداء طبيعيا للمصارف بصرف النظر عن أحجامها. والأهم، أن يلقى المذنبون العقاب الموازي لجرائمهم ومخالفاتهم. لا أن يتقاضوا مكافآت هائلة على أموال مشينة، وفي أفضل الأحوال على نتائج هزيلة.
 

ديون متوالدة في عالم مرتبك

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





« ليس هناك طريق مختصر للخروج من الديون»
ديف رامزي مؤلف وكاتب اقتصادي أمريكي


كتب: محمد كركوتــي

تجمع الديون السيادية البلدان الكبيرة والصغيرة، وتلك التي تصنف عظمى أو أقل، والدول الاستعراضية والحقيقية، والأقطار التي تتسبب في الأزمات الاقتصادية العالمية والأخرى التي تتلقى هذه الأزمات بغير ذنب. يمكن القول: هناك "اتحاد" عالمي للديون، لكن ليس وفق قواعد الاتحاد التي تمنح الأعضاء الحقوق متساوية، وتوزع عليهم المهام بعدالة، وتحاسبهم سلبا أو إيجابا. لا يوجد على الساحة العالمية، من يحمل صفة الناجي من الديون. إنها جزء أصيل من الاقتصادات الوطنية، التي تحولت إلى ركن من أركان الاقتصاد العالمي. لم تكن الديون بهذا الحجم الهائل قبل الأزمة الاقتصادية العالمية. ورغم أنها لم تكن قليلة قبل الأزمة المذكورة، إلا أنها كانت أقل عدائية بالنسبة للاقتصادات المرهونة لها، أو المرهونة لجزء منها. العالم يتخبط في بحر الديون، وسيواصل التخبط لأمد بعيد.
لبنجامين فرانكلين الذي يوصف بـ"أب الولايات المتحدة" قول شهير. ماذا قال؟ "أفضل أن أذهب إلى سريري بلا عشاء، على أن أستيقظ بالديون". العالم "يطبق" مقولة فرانكلين ولكن بصورة معكوسة تماما. وبعض هذا العالم، يذهب إلى "السرير" بلا عشاء ويستيقظ على الديون. هناك حكومات استسهلت تحميل أزمة عام 2008 المسؤولية، في محاولات تستهدف نزع حقيقة أن الديون كانت موجودة قبل الأزمة، من الأذهان. لكن هذه الحقيقة على وجه الخصوص لا يمكن إخفاؤها، لأنها تظهر غصبا في أشكال عديدة، وفي مشكلات مختلفة، وفي محن طويلة. الحكومات الخائفة، تتناسى أن مواجهة الحقائق تبقى السبل الأفضل لحل المشكلات العالقة بها، أو لتخفيف وطأتها. والحق أن بعض البلدان الراشدة وقعت في هذه السلوكيات، إلا أنها سرعان ما عادت إلى المواجهة. بعضها بشجاعة، وبعضها الآخر بهشاشة.
تجاوزت ديون العالم 100 تريليون دولار، وارتفعت منذ منتصف عام 2007 (وهو العام الذي شهد ولادة الأزمة) 40 في المائة، حيث كان حجم الديون وقتها في حدود 70 تريليون دولار. وبحسب المؤسسات الدولية المختلفة، فقد ناهزت قيمة ديون الحكومات والأسر والشركات والمؤسسات المالية مائتي تريليون دولار في العام الماضي، وهو ما يمثل 286 في المائة من الناتج المحلي العالمي مقارنة بنسبة 269 في المائة في عام 2007. والمثير في الأمر، ليس حجم الديون الكبير جدا فحسب، بل في وتيرة نموها، في وقت كان ينبغي فيه على العالم أن يحد من الاقتراض، وأن يعمل على سد المديونية قدر المستطاع. الذي حدث، أن مئات المليارات من الدولارات أضيفت إلى الإجمالي الرهيب للديون، وسط ارتباك اقتصادي عالمي لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث.
ليست كل الحكومات تلتزم النزاهة في مسألة الديون، خصوصا تلك التي لا تزال تعيش حالة سياسية تسمح لها بإخفاء ما ترغب في إخفائه. فهناك الصين (مثلا) التي تضاعف حجم ديونها أربع مرات منذ عام الأزمة، تخفي الكثير من الأرقام الحقيقية، بما في ذلك معدلات النمو، التي تفخر بها عادة على الساحة الدولية. وهذا ينسحب حتى على أرقام المديونية الحكومية فيها. غير أن هذا النوع من السلوكيات لا يستمر طويلا، خصوصا عندما تقع أزمات مرتبطة بالأزمة الكبرى، واستحقاقات تلقائية تفرض معاييرها. الاقتراض العالمي ارتفع في الوقت الذي كان عليه أن ينخفض. وعلى أساس هذه المعادلة المقلوبة على الساحة حاليا، تشهد الغالبية العظمى من الدول، مشكلات كثيرة. بل إنها تساهم مباشرة في تقويض وتيرة النمو العالمي، دون أن ننسى المخاطر الهائلة التي تتركها على صعيد الاستقرار المالي عالميا أيضا.
والمشكلة الأكبر، أن الاقتصادات الرئيسية هي التي تمارس أعلى مستوى من الاقتراض، ولذلك فإن الناتج السلبي لهذه الممارسات سيصبغ الجميع بصبغته. فديون الولايات المتحدة قفزت من 4.5 تريليون دولار عام 2007، لتتخطى 16.5 تريليون. أما بعض دول الاتحاد الأوروبي، فتصل ديونها إلى تريليوني دولار. والمصارف الكبرى والمتوسطة حاضرة في الأزمة، ليس لحلها بل لتفاقمها. ويلفت خبراء في أوروبا (على سبيل المثال)، إلى أن المصارف الأوروبية كان لها الدور الأبرز في شراء الدين العام، ما عزز العلاقات "الخطرة" بين الدول الأوروبية والمصارف. ويتم ذلك في ظل محاولات المصرف المركزي الأوروبي والسلطات التنظيمية الأوروبية إقفال بعض المصارف.
لم يعد الاقتراض في العالم حالة عابرة، تفرضها ظروف آنية معينة. لقد أصبح منهجية اقتصادية ثابتة، بكل مخاطرها ومصائبها، والأهم بتبعاتها على الأجيال القادمة. إن الديون التي يصعب على أصحابها الإيفاء بها، تدخل عمليا في نطاق سرقة هذه الأجيال. والحق أن أولئك الذين لم يولدوا بعد، سيأتون إلى هذه الدنيا مكبلين بديون لم يقترضوها، وسيدفعون ثمن سلع لم يشتروها. وإلى أن تتغير المنهجية الاقتصادية في مسألة الاقتراض، فمن المتوقع أن يصبح حجم الدين العالمي في غضون عقد من الزمن 300 في المائة من إجمالي الناتج العالمي. إنها مصيبة تكبر الآن وتتضخم غدا.

أسعار الغذاء تنخفض .. لكن ليس على الكل

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«عندما تهدر الطعام، كأنك تسرق من الفقراء»
 البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان

كتب: محمد كركوتــــي

تتحسن بالفعل أوضاع الإنتاج الغذائي حول العالم. وهي تتحسن من ناحية طبيعة الإنتاج، وكذلك من جانب التكاليف التي تنخفض والأسعار التي تتراجع. وفي كل تطور بهذا الاتجاه، تكمن المطالب (بل الأمنيات)، بأن تتواصل أوضاع الغذاء في التحسن، والأهم أن تشمل مناطق واسعة حول العالم في الإفادة منها. فعلى الرغم من كل التطورات الإيجابية المشار إليها، إلا أن هناك بلدانا لم تستفد منها، لأسباب عديدة، من بينها، عدم تناغم أسعار الغذاء العالمية مع أسعارها المحلية، وكذلك الهدر المتصاعد في معظم بلدان العالم للغذاء، ومساوئ تخزين الغذاء في عديد من البلدان. دون أن ننسى، الجانب الخاص بالتجار، وتحديدا أولئك الجشعين، الذين يحاولون إطالة أمد الأسعار المرتفعة محليا قدر ما استطاعوا. فضلا عن ضعف وترهل القوانين الرقابية على الجودة والأسعار، وعلى وجه التحديد في البلدان التي تحتاج منذ عقود إلى قوانين واضحة، بل "ماحقة" للجشع التجاري.
في الموسمين الماضيين (حتى قبلهما) زخر العالم بمحاصيل زراعية قياسية، وفق "مؤسسة وحدة المخابرات الاقتصادية". وعززت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو"، بيانات المؤسسة المشار إليها، وفي الواقع سبقتها "فاو"، في أكثر من مناسبة للتأكيد على وفرة إنتاج الغذاء بأنواعه، ولاسيما الحبوب التي تمثل في حد ذاتها مؤشرا لمستوى الغذاء حول العالم. أما وصولها إلى مستويات قياسية أخيرا، فيعود إلى تحسن وضعية المناخ في غير منطقة من العالم، إضافة طبعا إلى هبوط أسعار النفط، الذي بدأ عمليا في منتصف العام الماضي. وهذا يؤكد أن استمرار الاستراتيجية النفطية التي وضعتها السعودية منذ سبعة أشهر، يحقق عددا من الأهداف في آن معا، ويفسح المجالات واسعة أمام تعاطٍ مختلف في النواحي الزراعية وغيرها.
الأرقام الجديدة للغذاء يمكن أن تخطف توصيف "التاريخية"؛ لأنه لم يسبق منذ عقود أن وصلت إليها. فأسعار الغذاء العالمية انخفضت 2.8 في المائة، وحولت الأسعار المحلية في 79 بلدا من أصل 109 إلى "أسعار معقولة". ورغم أن أسعار الحبوب لم تشهد انخفاضا يذكر –حسب فاو- إلا أن جميع السلع الغذائية شهدت الانخفاض المطلوب، ولاسيما منتجات الألبان والسكر. في حين سيصل إنتاج فول الصويا هذا العام إلى مستوى قياسي، بل إن إنتاج الذرة سيرتفع متجاوزا كل المستويات السابقة. وبالنظر إلى المعطيات العامة، يمكن لأسعار الغذاء العالمية أن تنخفض بأكثر من 2.8 في المائة في الأشهر القليلة المقبلة، إذا ما استمرت العوامل الراهنة المساعدة فترة معقولة. وعلى المنتجين استغلال كل عامل من هذه العوامل إلى آخر مدى. إنها فرصة يمكن الحفاظ على مكتسباتها، بمزيد من التخطيط والمنهجية.
في أواخر العام الماضي، انخفضت الأسعار فترة وجيزة بمعدل 3 في المائة، أي أنها تجاوزت المستوى القياسي المشار إليه. وفي بعض البلدان تراجعت الأسعار لتشمل حتى الحبوب، التي لم تشهد تراجعا ملحوظا عالميا. هذه الحقائق لم توفر بعد فوائد شاملة؛ أي أنها لم تنسحب على الجميع، وليس فقط على جملة من البلدان، حتى إن شكلت الأغلبية. ومن ضمن المشكلات التي يمكن حلها ببساطة، تلك المرتبطة برداءة التخزين، ولاسيما في البلدان غير المتقدمة، الأمر الذي ينتج كميات هائلة من الغذاء المهدور الذي تحتاج إليه شعوب هنا وأخرى هناك. ويمكن بيعه بأسعار معقولة لكلا الطرفين المشتري والبائع. والاستثمار في التخزين لا يقل أهمية عن الاستثمار في إنتاج السلع المخزنة نفسها. إنها عملية متكاملة لا يمكن أن تحقق كل النتائج إلا بوصل أطرافها بعضها ببعض.
ومن المشكلات الرئيسة أيضا أنه حتى في البلدان الراشدة، هناك مستويات مرتفعة من هدر الغذاء، على الرغم من قيام جهات في هذه البلدان باتخاذ إجراءات مثالية بالفعل للحد من الهدر بشكل عام، سواء المرتبط بالفرد أو بمحال بيع الأغذية. وعلينا أن نتصور مستويات الهدر في بلدان لم تصل بعد إلى الحد الأدنى من ثقافة "عدم الهدر"– إن جاز التعبير-. في أوربوا يهدر الفرد 90 كلج سنويا من الغذاء. وينخفض الهدر من منطقة إلى أخرى، وفق حقائق الوفرة، وليس النضج الاقتصادي والاجتماعي. وعندما تنخفض أسعار الغذاء عالميا ومحليا، يبدو واضحا أن مستويات الهدر ترتفع أيضا. ورغم قيام منظمة "فاو" بحملات مختلفة للتثقيف في هذا المجال، إلا أنها لم تحقق الأهداف كلها في هذا السياق. ولا شك أن الأمر يتطلب انطلاقا آخر جديدا، لتكريس الثقافة الموجودة ولكن الضعيفة.
صحيح أن تراجع أسعار الغذاء (ولاسيما السلع الأساسية) يمثل خطوة عظيمة إلى الأمام على صعيد خفض معدلات الجوع في غير منطقة من العالم، ولكن الصحيح أيضا أنه لا يوجد "استثمار" عالمي مواز للحفاظ على مكتسبات الانخفاض المشار إليه، والبناء عليه لمحاربة الجوع بالطبع، ولإحداث احتياطي غذائي عالمي يكون سندا في الأزمات والكوارث، وفي أزمنة الحاجة.
إنها مسؤولية عالمية لفائدة العالم أجمع. خصوصا عند أولئك الذين يجرمون السياسة في الغذاء.
 

الثلاثاء، 27 يناير، 2015

تيسير كمي في مواجهة تعسير كلي

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية)



"اليورو مصير مشترك، وأوروبا مستقبل مشترك"
أنجيلا ميركل - مستشارة ألمانيا



كتب: محمد كركوتـــي

عارضت ألمانيا برنامج التيسير الكمي التاريخي الأوروبي بشراء سندات حكومية وخاصة بقيمة 60 مليار يورو كمرحلة أولى. لكن البرنامج أُعلن بالفعل وسيدخل حيز التنفيذ في آذار (مارس) المقبل. كان لا بد لألمانيا أن تعارض الخطوة كما كان لابد للبنك المركزي الأوروبي أن يمضي قدما في هذا البرنامج. معارضة حكومة ميركل صوتية ضرورية للسياسة المحلية الألمانية، وإصرار البنك المركزي ضروري أيضا لأن منطقة اليورو لم تعد قادرة (فعلا) على المضي قدما في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعيشها بدءا بالديون وليس انتهاء بالنمو القريب من الصفر للمنطقة بأسرها. إلى جانب تخلف عديد من دول اليورو عن تنفيذ البرامج الخاصة بخفض مستويات العجز لديها بما في ذلك فرنسا البلد "القوي" الثاني في المنطقة المذكورة.
الـ 60 مليار يورو ليس سوى المبلغ الأول لبرنامج قد يصل إلى ألف مليار يورو في غضون عامين. مرة أخرى لم يعد مهما تحذير ميركل لمنطقة اليورو بالابتعاد عن مسار الإصلاحات في أعقاب الإعلان عن البرنامج المشار إليه. لكن كان عليها أن تحذر لسبب بسيط آخر هو أن الحجم الأكبر من الأموال التي سيتم ضخها في البرنامج ستأتي من ألمانيا، تماما كما هو الحال بالأموال التي ضخت لإنقاذ اقتصادات متهاوية في المنطقة، وعلى رأسها الاقتصاد اليوناني. وإذا كان لا بد من هذه الخطوة فلماذا تتم دون التحذير الألماني التقليدي بل وحتى "الإهانات" الألمانية المعهودة. ومع استفحال الأزمة الاقتصادية في منطقة اليورو تعرف ميركل وكل السياسيين الألمان أن الإصلاحات التي تنادي بها لن تتم بمعزل عن برنامج التيسير الكمي، في منطقة بلغ سعر الفائدة فيها حد الصفر.
لا أحد أحسن من أحد. الولايات المتحدة اعتمدت مثل هذا البرنامج طوال السنوات الماضية لدعم اقتصادها وكذلك فعلت اليابان أخيرا. وعندما يزداد الحديث عن إمكانية خروج دولة مثل اليونان من اليورو، بل وحتى إثارة الشكوك على بقاء اليورو نفسه كعملة موحدة، لا يوجد أمام واضعي السياسة المالية الأوروبية غير التيسير الكمي الذي اكتسب أخيرا الصفة الأمريكية في حين أن بريطانيا اعتمدته مرات عدة في السابق. الحقائق كثيرة على تردي أوضاع اقتصاد اليورو لكن المخارج من هذه الأوضاع قليلة جدا. ورغم أن التيسير الكمي ليس علاجا دائما، لكنه يظل الأفضل عندما تصل الخيارات والبرامج المتاحة إلى الصفر ولم تعد هناك حتى حلول وسط. لقد غابت الحلول الحاسمة عن الساحة الأوروبية منذ انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، ولم تعد حتى الآن.
الأزمة التي تواجهها منطقة اليورو معروفة وواضحة: فائدة قرب الصفر، تراجع التضخم بصورة تاريخية، هبوط مستوى الاستثمارات. وهي عوامل مفجعة إذا ما استمرت فترة طويلة. وهذ الفترة طالت بالفعل مقارنة بالأوضاع المشابهة التي سادت دولا أخرى خارجها وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي تعتقد الجهات الدولية الأكثر حيادية أنها ستتمتع باقتصاد في السنوات القليلة المقبلة سيشكل المنارة الوحيدة للاقتصاد العالمي ككل. وهناك ميزة إيجابية لبرنامج التيسير الكمي الأوروبي مقارنة بمثيله الأمريكي. فمخاطر البرنامج في منطقة اليورو ستوزع على جميع الدول الأعضاء فيها في حين أن الأمر عكس ذلك في الحالة الأمريكية. وهذا يعني أن امتصاص المخاطر عن طريق تشتيتها سيوفر حصانة للبرنامج بصرف النظر عن المساحة الزمنية التي سينفذ فيها.
إنه مخرج واقعي مطلوب. بل بعض الجهات تعتقد أن البنك المركزي الأوروبي تأخر في طرحه. وبصرف النظر عن هذه النقطة فإنه مخرج لم يلحظه وزير الخارجية البريطاني السابق وليام هيج الذي قال يوما "إن اليورو مثل مبنى يحترق ولا توجد فيه مخارج". بالطبع يستطيع أي سياسي بريطاني أن يتحدث بهذه الصيغة طالما أن بلاده لا تزال خارج هذا "المبنى". غير أن الحقيقة ليست كذلك على الإطلاق. فحتى البلدان الأكثر تضررا من عمليات الإنقاذ التي تشهدها منطقة اليورو (وبالتحديد ألمانيا) باتت متمسكة باليورو ومنطقه أكثر من أي وقت مضى. فميركل (الرداحة) نفسها تعتبر اليورو "مصيرا مشتركا". والبرنامج يستطيع أن يحقق مجموعة من الأشياء في زمن قياسي. في مقدمتها دعم الصادرات الأوروبية وزيادة الإنتاج، إضافة طبعا إلى رفع التضخم لتحريك النمو أكثر.
كل هذه عوامل يحتاج إليها اليورو الآن حيث أثبتت أنه عملة باقية رغم الشكوك حولها من جهات بعينها، وأن المنطقة التي نشأت على "حسه" لن تتفكك. وكل السياسيين على الساحة الأوروبية بمن فيهم البريطانيين أنفسهم، يعرفون أن هذه المنطقة تستحق "التضحية" المالية فهي لم تقم على أساس مرحلي بل نشأت وفق قواعد المصير. ستكون هناك مصاعب كثيرة حتى في تنفيذ برنامج التسيير الكمي، ولن يتوقف "ردح" ميركل لإرضاء معارضيها الألمان في الداخل، لكن إطلاق هذا البرنامج أثبت أن الأوربيين يختلفون وربما يتبادلون الاتهامات، لكنهم متفقون على أن عملاتهم الوطنية السابقة التي محاها اليورو لن تعود إلى الساحة مجددا. وليس مهما هنا أيضا "شماتة" البريطانيين الذين لا يزالون يتخبطون في مسألة الانتماء للاتحاد الأوروبي.

مصارف هشة بنفط صخري

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



 
"السوق النفطية حساسة بإفراط، حتى بمجرد التلميح لانكماش أو توسع في العرض"
جيمس سورويكي ـــ كاتب وصحافي أمريكي

كتب: محمد كركوتـــي
 
أسئلة كثيرة تطرح على الساحة فيما يخص المصارف الكبرى والمتوسطة. هذه المرة لا ترتبط الأسئلة بعمليات، احتيال أو غسل أموال، أو التهرب من الضرائب، أو حماية أموال منهوبة، أو تضليل العملاء بطرق مختلفة، إنها تتعلق بمشكلة متصاعدة، البعض يعتبرها كارثة من الآن، والبعض الآخر ينظر إليها ككارثة مستقبلية. إنها باختصار، الأموال التي أقرضتها هذه المصارف إلى شركات التنقيب عن النفط الصخري في الولايات المتحدة طوال السنوات الماضية، بما في ذلك القروض التي منحت إلى شركات التنقيب عن النفط في مناطق، تتطلب إنفاقاً على استخراج البترول أكثر من غيرها من المناطق الأخرى. وهذا النوع الأخير من التكاليف، لا يترك مجالاً للشركات المعنية بأي حركة مرنة، في ضوء انخفاض أسعار النفط.
ويمكن وضع كل الأسئلة التي تُطرح حول مصير قروض شركات النفط الصخري تحديداً، ضمن سؤال كبير واحد، هو، هل العالم على أعتاب كارثة مالية جديدة، في حال عجز الشركات النفطية المعنية عن سداد ديونها؟ وهذا يختصر كثيرا من التساؤلات بما في ذلك تلك المحيرة. ولا شك في أن المصارف المتورطة بهذه القروض، تعيش اليوم أحلك أيامها، لأنها تمر أساساً بأسوأ مرحلة من تاريخها، في ظل الهجمة الحكومية الأمريكية على وجه التحديد، الخاصة بفرض غرامات، أو التوصل إلى تسويات مع المصارف المشار إليها، على مخالفات أو تجاوزات سابقة. بعض الغرامات وصلت إلى 16 مليار دولار، وبعضها الآخر في حدود 12 مليار دولار. ومئات الغرامات أو التسويات التي تحسب بعشرات الملايين من الدولارات.
ولا حصانة لمصرف عن آخر في موضوع المخالفات والغرامات والتسويات خارج المحاكم، كما هو الأمر بالنسبة لهذه المصارف حيال القروض التي أغدقتها على شركات التنقيب عن النفط. كما أن المصارف الأمريكية متورطة ومعها الأوروبية الكبرى على وجه التحديد. وبحسب التقديرات المحافظة، تصل القروض التي حصلت عليها شركات التنقيب عن الغاز الصخري (تحديداً) إلى تريليوني دولار، ومع توقف أعداد متزايدة من مناطق الحفر عن العمل في الأشهر القليلة الماضية، دخلت القروض في دائرة الخطر الكبير، خصوصاً مع إعلان مجموعة من الشركات عن عدم إمكانية العودة مجدداً إلى نشاطها الاستخراجي، أو على الأقل عدم استئناف العمل مجدداً قبل سنوات. ورغم تفاوت تقديرات الخسائر الناجمة لشركات النفط الصخري، من جراء تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية، إلا أن سعر 45 دولارا للبرميل، يعتبر الحد الذي ينبغي أن يتوقف فيه الإنتاج نهائياً. البعض يرى أن توقف الإنتاج ضروري حتى لو استقر البرميل عند ما بين 60 و70 دولاراً.
وفي كل الأحوال، فإن المخاطر التي تحدق بالمصارف المقرضة لـ "شركات الصخري"، تتزايد يوماً بعد يوم، وإذا ما تبخرت هذه أموال القروض فعلاً، أو على الأقل تأخر سدادها، فإن النظام المصرفي العالمي ينبغي أن يستعد لأزمة جديدة، خصوصاً في ظل سياسات ومتغيرات حكومية فُرضت على المصارف في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، بما في ذلك، توافر احتياطي مالي آمن في كل مصرف، لتمكنه من مواجهة أي أزمة قد تحدث له أو للقطاع بشكل عام. وطبعاً تم فرض المعايير الجديدة، من أجل تجنيب الخزائن العامة مسؤولية التدخل لإنقاذ هذا المصرف أو ذاك. بمعنى آخر لكيلا تكون الأموال العامة سنداً وحيداً لها. العالم لا يحتمل في هذا الوقت بالذات أي هزة مالية جديدة، فكيف الحال بإمكانية اندلاع أزمة مرتبط بديون الشركات النفطية؟
والذي يزيد الأمر تعقيداً، أن القيم السوقية للشركات المشار إليها تراجعت بصورة خطيرة في الأشهر القليلة الماضية. بعضها تراجعت قيمته حتى 22 في المائة، أي أن عددا من الشركات تقترب من دائرة مهب الريح، كما تقترب المصارف من نطاق العاصفة. وما يعرف من حدة المخاطر، أن الشركات النفطية الكبرى التي تستطيع أن تقاوم الوضع السعري النفطي بنفس طويل، لن تخاطر في استحواذات أو اندماجات في هذا الوقت بالذات، وبالتالي يترك عدد كبير من شركات النفط الصخري متعثرة، وعاجزة في المستقبل القريب عن تسديد ديونها، بل حتى فوائدها. فالتوقف عن العمل نهائياً يعني عدم إنتاج حتى الحد الأدنى من هذا النفط. مع ضرورة الإشارة إلى أن شركات النفط التقليدية نفسها، أقدمت على إغلاق عدد من آبارها في الأسابيع الماضية، التي تتطلب تمويلاً أكثر من غيرها.
العالم لا ينقصه أزمة أخرى بالتأكيد. في حين لم يخرج من تلك التي ضربته في عام 2008. والمصارف (على وجه التحديد) التي كانت شرارة القنبلة المفجرة للأزمة، هي الآن في دائرة الخطر، وبالطبع في دائرة الضوء، بينما لا تزال الآليات والمعايير الجديدة التي فرضتها الحكومات قيد التطبيق، ولم تتكرس بعد. إنها أزمة لن تتحملها حتى الحكومات، في وقت تسعى فيه هذه الأخيرة إلى التخلص من أي التزامات إنقاذية لمصارف تم إنقاذها مرة من قبل الغارقين أنفسهم.
 

عام 2014 نفطي

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




 
«لسنا مدمنين على النفط. سيارتنا هي المدمنة»
جيمس وولسي رئيس جهاز الاستخبارات الأمريكية السابق


كتب: محمد كركوتـــي

أيا كانت طبيعة وأهمية الأحداث الاقتصادية التي مرت على العالم في النصف الثاني من العام المنصرم، كان النفط "سيدها" غطى حتى على أزمة الديون في منطقة اليورو والنمو الاقتصادي الخجول في الولايات المتحدة وتباطؤ نمو الاقتصاد الصيني. فرض مسبباته على الأسهم العالمية في الأخبار الاقتصادية كان الخبر الأول، وفي التحليلات شغل مساحات واسعة النفط صبغ عام 2014 بألوان عدة، مشتقة أساسا من لونه الأساسي لتستمر هذه الألوان في العام الجديد وربما إلى ما بعده. فاق الحدث النفطي مستواه الذي كان عليه في عام 2008 عندما تعرضت الأسعار للنزيف، ونسي البعض "في زحمة تلاحق الحدث" ما حدث في أواخر تسعينيات القرن الماضي عندما وصل سعر برميل النفط إلى أدنى مستوى له وفي كل الأحوال يبقى النفط تلك السلعة التي تخشى منها وتخاف عليها.
يقول المؤلف والأديب الاسكتلندي جيمس بوتشان "قبل قرن من الزمن، كان النفط مجرد سلعة. اليوم، توازي أهميته بالنسبة للجنس البشري، أهمية الماء نفسها". وهو بالفعل كذلك. في أحد الأيام قالت رئيسة وزراء إسرائيل جولدا مائير الراحلة كفرا بهذا الصدد. ماذا قالت؟ "دعوني أقول لكم ما لدى الإسرائيليين ضد النبي موسى. سار بنا 40 عاما عبر الصحراء، لكي يأتي يجلبنا إلى بقعة في الشرق الأوسط بلا نفط". لقد نسيت مائير لوهلة، ادعاءاتها الباطلة ومعها قادة إسرائيل بـ "الأرض الموعودة"، من فرط حاجات كيانها للنفط. فلا غرابة أن تتصدر هذه السلعة المشهد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في أي لحظة. وعندما تكون التحولات النفطية أكثر دراماتيكية، يكون معها المشهد العام كله أكثر محورية.
وأيا كانت التحولات أيضا، تبقى السعودية اللاعب الأهم على الساحة النفطية. حاولت بعض الجهات في السنوات الماضية التقليل من هذه الحقيقة. ولكنها نسيت أنها حقيقة، تُحسب كما هي، لا كما تشاء التمنيات. واستراتيجية المملكة عززت من قوتها. البعض اعتبرها مخاطرة، لكن التطورات أظهرت أنها ليست كذلك بأي صورة من الصور. وعندما توضع الاستراتيجيات وفق معايير وحقائق السوق، لا مخاطر تظهر، خصوصا عندما يكون واضع الاستراتيجية محوري المكانة في السوق، لا هامشيا أو موسميا. وهذه الاستراتيجية هي التي عززت صبغة عام 2014 كـ "عام النفط". العام الذي سجل في التاريخ، لا لكونه شهد تراجعا بلغ أكثر من 50 في المائة في أسعار النفط في غضون ستة أشهر، بل لأنه عام السياسة الجديدة لهذه السلعة. عام تغيير "الثقافة" التي تخصها. عام الحفاظ على الكبير النفطي الحقيقي، لا ذاك الذي يدخل ويخرج من السوق، على مبدأ "اضرب واهرب". إن السلعة الاستراتيجية ليست قابلة لهذا النوع من الإنتاج والتجارة.
التحولات كثيرة تلك التي انطلقت في عام 2014 على الصعيد النفطي. من بدء نجاح استراتيجية محاصرة النفط الصخري، إلى خسارة شركات النفط العالمية الكبرى جزءا من قيمها السوقية، إلى ازدهار ما يمكن وصفه بـ "التخزين العائم". ففي الأسابيع الستة الأخيرة من العام المنصرم، انخفضت أعمال حفر النفط الصخري في الولايات المتحدة بمعدل 17 في المائة. وهناك عديد من الآبار الصخرية تتوقف أسبوعيا. بل تراجعت حتى أنشطة التنقيب التقليدية في أمريكا الشمالية، وهي مرشحة للتراجع بمعدلات عالية جدا في العام الجديد تصل إلى 14.1 في المائة. بعض الجهات الأمريكية، تعتبر أنها لا تستطيع المضي قدما في الإنتاج إذا بقي سعر برميل النفط في حدود 50 دولارا للبرميل. البعض الآخر تحدث عن 60 دولارا.
إنها تحولات تاريخية على الصعيد النفطي بكل معنى الكلمة. فحتى النصف الأول من العام المنصرم، لم تكن مثل هذه التطورات مطروحة للنقاش أصلا، خصوصا مع ارتفاع التوتر في أكثر من منطقة حول العالم تنتج النفط والغاز. لن تمر هذه المرحلة بالطبع دون خسائر، فعلى سبيل المثال تراجعت أسهم 22 شركة تنتج النفط والغاز من أصل 24 شركة كبرى تعمل في هذا المجال. وبلغت خسائر "شيفرون" و"إكسون موبيل" معا "وفق آخر البيانات" 95 مليار دولار. بعض الشركات خفض رواتب العاملين فيها، والبعض الآخر بدأ في تنفيذ خطة تسريحات. وسينخفض الإنفاق العالمي في مجال الطاقة في العام الجديد في حدود 6.7 في المائة. ويرى بنك "باركليز" البريطاني في تقرير أخير له، أن الشرق الأوسط سيكون مصدر القوة الوحيد في العالم حيث يتوقع أن يزيد الإنفاق 14.5 في المائة مع تمسك الشركات بخطط الحفر.
لقد انطلقت شرارة التغيير في عام 2014، وستستمر إلى العام الجديد وما بعده، إلا أن الحالة الطبيعية للسوق لم تكن طبيعية تماما في السنوات القليلة الماضية. سيكون هناك المزيد من الخاسرين وأيضا المزيد من الرابحين وستتبدل قناعات كثيرة، كما ستتكرس حقائق عديدة موجودة أصلا على الساحة لكل تغيير ثمنه وعام 2014 كان عام النفط المتغير نحو الثبات.

«فاتكا» ليس سياسيا

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





"الناس جائعون، لأن السلطة تأكل من الضرائب بإفراط"
لاوتزه - فيلسوف صيني

كتب: محمد كركوتـــي

هناك سلسلة من المشكلات المرتبطة بقانون الامتثال الضريبي الأمريكي للحسابات الأجنبية المعروف اختصارا بـ "فاتكا". فهذا القانون يلاحق المتهربين الأمريكيين "وحتى الذين يتمتعون بالإقامة الدائمة الأمريكية" من الضرائب، ولكنه يطرح قضايا أخرى أشد، توازي الضرائب وأحقيتها حساسية، خصوصا في البلدان التي تمنع ازدواج الجنسية، فضلا عن أولئك الذين يتمتعون بالإقامة الدائمة في الولايات المتحدة، ولكنهم في الواقع لا يعيشون فيها، والآخرين الذين حصلوا عليها أوتوماتيكيا بحكم الولادة. هذا القانون فتح في الواقع كل شيء على كل شيء. يكشف عن الأموال المستورة، والجنسيات المستورة أيضا، وتحديدا في البلدان الأصلية لحامليها. ولكنه في النهاية لا يمثل معيارا للوطنية، بدليل أن الأمريكيين الأصليين يتهربون من الضرائب، وهناك مؤسسات أمريكية بأسماء رنانة إلى الأبد "أبل ومايكروسوفت وغيرهما" تتهرب من الضرائب.
في المملكة بدأ تنفيذ القانون مطلع العام الميلادي الجديد، وفق النموذج الذي اختارته السعودية الذي تم الاتفاق عليه مع الأطراف المعنية. والدول الخليجية الأخرى وافقت على تطبيق القانون بالتعاون مع السلطات الأمريكية، وهناك بلدان في كل أنحاء العالم، امتثلت لقانون "الامتثال"، وذلك خوفا على مؤسساتها المالية والمصرفية من عقوبات أمريكية ستكون فادحة بكل المقاييس. ومن الواضح أن إدارة أوباما، تسعى بكل ما لديها من نشاط وما تبقى لها من زمن في البيت الأبيض، إلى تعميم القانون على جميع بلدان العالم، التي ترتبط معها بعلاقات طبيعية. وقد نجد بعد فترة من الآن، أن كوبا نفسها العدو اللدود للولايات المتحدة، امتثلت للقانون الأمريكي، مع التقارب المتسارع بين واشنطن وهافانا.
راسلني أحد الأصدقاء حول موضوع "فاتكا"، ملمحا بأن هناك بعدا سياسيا لهذا القانون، وهو أولا: "تطفيش" الناس من الحصول على الجنسية الأمريكية، على اعتبار أن أصوات المجنسين الأمريكيين كانت تحمل وزنا في الانتخابات الرئاسية السابقة التي فاز بها باراك أوباما في المرة الأولى. وثانيا- ولا أجد أي رابط سياسي في هذا الأمر- أن اعتماد الدول الغربية على الضرائب ليس جديدا، بل يزداد يوما بعد يوما ويصل إلى أوجه في أزمنة الأزمات. كما أنه يشكل في النهاية "كما هو معروف" حجز الزاوية في الدخل الوطني. وهذا الأمر يدفع إلى تطوير قوانين الضرائب، بل وسن قوانين جديدة، دون أن ننسى أن الأزمة الاقتصادية العالمية، دفعت العالم أجمع للبحث عن مصادر مالية، حتى تلك التي كانت جزءا من أموال عصابات منظمة.
ومن الأسباب الأخرى التي لا تجعل من "فاتكا" سياسيا، أنه تم الاتفاق عليه من قبل الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه أوباما الملون، أكثر من الجمهوريين الذين أشاروا إلى أصوات المجنسين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. فضلا عن أنه بدأ تطبيق القانون فعليا في عام 2010، أي بعد وصول أوباما إلى البيت الأبيض بعامين تقريبا. وهناك نقطة أساسية أخرى، أن أغلب المجنسين "وفق الجداول الرسمية الأمريكية" ليسوا من مرتفعي المداخيل، بل إن نسبة كبيرة منهم تعيش على المعونة الحكومية، وهؤلاء لا يشكلون هدفا على الإطلاق لقانون "فاتكا" أو غيره. في الواقع هذه الشريحة تدعم تقليديا قوانين الضرائب المشددة، لأن ذلك سينعكس عليها بصورة إيجابية على صعيد المعونات الحكومية الاجتماعية.
أما بالنسبة لأولئك الذين اعتادوا التهرب من الضرائب، فهم تقليديا من أصحاب المداخيل المرتفعة جدا، وهؤلاء "أيضا تقليديا" من الناخبين للحزب الجمهوري، على اعتبار أن هذا الأخير أقل فرضا للضرائب، كحال الأحزاب اليمينية الغربية الأخرى التي لا تتعجل فرض ضرائب عالية، بل إن بعض هذه الأحزاب، يخفض الضرائب ضمن برامجها الانتخابية لجذب أصحاب رؤوس الأموال. وهؤلاء اعتادوا على منح الأحزاب اليمينية تبرعات سخية جدا. وفي كل الأحوال، قانون "فاتكا" لم ينطلق سياسيا، ولا يطبق كذلك. فحتى التخلي عن الجنسية الأمريكية لا يتم بقرار واحد ونهائي من حامل الجنسية، الأمر قد يستغرق سنوات، فضلا عن دفع رسوم حكومية تم رفعها في الواقع في الأشهر القليلة الماضية.
يريد أوباما وإدارته أن ينتهوا من تنفيذ هذا القانون بصورة شاملة، لأنهم بذلك يسجلون نقطة تاريخية في مصلحتهم "حسب اعتقادهم"، فهذا الرئيس ركز منذ البداية على القضايا الداخلية في بلاده، ولم يهتم بما يوازي أهمية بلاده بالقضايا الخارجية. وكأنه أراد أن يقول "فهمت استراتيجية سلفي جورج بوش الابن، وأنا أقوم باستراتيجية عكسية". وقوانين الضرائب المحلية وتلك التي لها صلات خارجية، جزء أساسي من القضايا الداخلية. وقانون "فاتكا" الذي شمل أغلب بلدان العالم، بدا مغريا حتى لبلدان غربية أخرى، ولا سيما الأوروبية منها. فهذه الأخيرة تفكر بالفعل في قانون مماثل يستهدف مواطنيها وحاملي جنسياتها، في غضون سنوات قليلة جدا. وقد بدأ المختصون بوضع الخطوط العريضة لقانون جذاب لكل الدول، خصوصا في أوقات الأزمات والمحن الاقتصادية.
الضرائب في البلدان الغربية الراشدة، أكثر أهمية حتى من الصناعات والتجارة. إنها الدخل الوطني المحلي المضمون الذي لا يخضع كثيرا لعوامل خارجية أو حتى داخلية.
 

التنويع .. وقود الاقتصاد

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«أساس الاقتصاد القوي لا يقوم على قرارات وزير المالية وبرنامج الإنفاق الحكومي»
جورج أوزبورن وزير مالية بريطانيا


كتب: محمد كركوتـــي

لا يحتاج الخطأ (أي خطأ) لأزمة كي يتم إصلاحه. كما لا تحتاج أي حالة مهما تفاقمت إلى أي شكل من أشكال الأزمة أو الضرر لإدخال إصلاحات محورية عليها. في الأزمات تكمن الفرص (بصرف النظر عن أشكالها)، ولكنها لا توفر أدوات فاعلة أو مطلوبة لإنهائها وأولئك الذين يعتقدون غير ذلك، هم في الواقع يسعون إلى تبرير الخطأ ومرتكبه، ويحاولون (بحسن أو سوء نيات) توفير حماية ما للجهة أو الجهات التي تقف وراء هذا الخطأ، لا أزال أتذكر مقولة ساذجة ومروعة في آن معا للممثل المصري محمد صبحي، خلال لقائه بطاغية العراق السابق صدام حسين في أعقاب العقوبات التي فرضت على العراق. ماذا قال لهذا الأخير؟ "سيدي الرئيس، علينا أن نشكر العقوبات لأنها تحض على العمل المحلي والإنتاج"! مثل هذا الكلام، ليس أقل من مبرر للخراب والمخرب.
القضية المطروحة الآن لا تتعلق بصدام ولا صبحي، إنها خاصة بالبلدان النفطية (لا على وجه الخصوص) التي لا تزال تفكر في تنويع اقتصاداتها أو أنها تسير نحو التنويع بعربة بلا محرك. فتراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية خلال أقل من ستة أشهر ما بين 40 و50 في المائة لم يكن ضروريا لكي تعرف هذه البلدان أنها تأخرت بل إنها تعيش باقتصاداتها فيها من المخاطر أكثر مما فيها من المكامن الآمنة. إن المسألة واضحة منذ عشرات السنين. فإما اقتصاد أكثر تنوعا أو الارتهان إلى "مزاج" السوق النفطية وألاعيبها والسوق وإن شكلت المحور الأول للاقتصاد إلا أنها تخضع لمعايير متغيرة غير ثابتة. بل حتى الممارسات غير الأخلاقية وعلى هذا الأساس لا يمكن الاستناد عليها (بمفردها) كرافد مستدام بوتيرته لحماية الاقتصادات الوطنية المختلفة. ويكون الأمر مفجعا عندما تكون أحادية السلعة.
البدهيات لا تحتاج إلى أزمات أو حتى تفسيرات وشروحات والاعتماد على السلعة الواحدة يعني إبقاء الأمة أسرى لها، يقول هنري روس رجل الأعمال والمرشح السابق للرئاسة في الولايات المتحدة: "العملة الضعيفة تكون مؤشرا لاقتصاد ضعيف والاقتصاد الضعيف يقود إلى أمة ضعيفة" ويمكن ببساطة المقاربة هنا بالقول "السلعة الوحيدة لا توفر اقتصادا قويا وبالتالي لا تجعل الأمة قوية" والأمم الكبرى القوية هي كذلك بقوتها الاقتصادية وليست العسكرية، هذه روسيا بترسانتها العسكرية الهائلة تئن تحت وطأة تراجع أسعار النفط حتى لو لم تكن تحت العقوبات الغربية الراهنة المفروضة عليها والأمر نفسه (مع اختلاف مكامن القوة العسكرية) في بلدان مثل فنزويلا ونيجيريا وإيران وغيرها وهي في حالة سيئة مضاعفة لأنها تفتقر إلى الفوائض المالية.
ولكن الفوائض المالية التي تنعم بها غالبية بلدان الخليج العربية لا تشكل ضمانات مستدامة هي الأخرى فهذه الفوائض (مهما عظمت) لا بد أن تنتهي طالما أنها تتراجع ولا توجد آليات أخرى للإبقاء على زخمها فهي بلا شك محورية في الأزمات لكنها لا توفر حلولا دائمة لمشكلات الاقتصاد الكلي كما أنها تجمعت نتيجة فورة في أسعار النفط يعتقد البعض أنها انتهت إلى غير رجعة وإذا كان هذا الاعتقاد سلميا فإن الفوائض المشار إليها ستتآكل طالما ظل الرافد النفطي الوحيد للاقتصاد. وليس غريبا (على سبيل المثال) أن تتصدر بورصات البلدان غير النفطية قائمة أفضل الأسواق المالية في 2014 وفقا لوكالة "سي إن إن موني" الأمريكية وفي المقابل لم يكن غريبا تصدر بورصات بعض البلدان النفطية (وفي مقدمتها روسيا) قائمة الأسواق المالية الأسوأ في العام المذكور. في الأفضل كانت الأرجنتين والصين والهند وفي الأسوأ كانت روسيا والكويت.
هناك مشكلات مفصلية تعانيها البلدان النفطية في مجال تنويع اقتصاداتها في مقدمتها التخلص من ذهنية الإنفاق الحكومي والتحذيرات لا تتوقف من جانب المؤسسات المالية الدولية لهذه البلدان بأنها ستواجه مشكلات أعمق فيما لو لم تتقدم بخطوات فاعلة على صعيد إصلاح استراتيجية الإنفاق المتصلة مباشرة بمشاريع الدعم إلى جانب طبعا الارتباك الذي لا يزال موجودا في العلاقة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق وعدم الاستثمار في تطوير الصناعات (في حالة روسيا) فهذه الأخيرة لا تستطيع (مثلا) أن تجعل مصانعها تعمل دون التكنولوجيا الغربية أما بالنسبة للبلدان النفطية الأخرى (وتحديدا الخليجية العربية) فإن عجلة التنويع البطيئة تجعلها في حالة الاستماع فقط لمطالب الحد من الإنفاق الاستهلاكي وخفض الدعم.
صحيح أن بلدان الخليج تمضي قدما نحو تغيير "ثقافتها الاقتصادية" ولكن تداعيات السوق تسير بوتيرة أسرع منها وإذا كان من المرجح ألا يعود سعر برميل النفط إلى مستوى 100 دولار فليس أمام هذه البلدان إلا التحرك بسرعة أكبر نحو التنويع. فحتى الـ80 دولارا للبرميل لا توفر مساحة آمنة. بل يمكن القول حتى 200 دولار للبرميل لا توفر أمانا مستداما لأن المسألة تبقى هي.. هي "الأمان الاقتصادي" يكفله التنويع فقط وثقافة اقتصادية متغيرة بسرعة أيضاً دون خوف.
 

خسائر خراب سورية على الجوار

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"يمكن دائما العثور على الخراب، إذا كنت تبحث عنه"
توم كيتي - أكبر لاعبي الجولف في الولايات المتحدة



كتب: محمد كركوتــي

لا يتطلب الأمر نحو أربع سنوات فأكثر، وقوع 300 ألف قتيل، و18 مليون نازح ولاجئ (من أصل 22 مليونا)، وانهيار كامل للاقتصاد، وإفساح المجال أمام المخربين والمجرمين والإرهابيين للعب أدوارهم، وتفتيت كيان عربي راسخ، لا يتطلب الأمر كل هذا لمعرفة أن إزالة نظام سفاح سورية بشار الأسد إلى الأبد، أرخص بما لا يترك مجالا للمقارنة، من إبقائه يوما واحدا في حكم لا يستحقه، وفي سلطة اغتصبها ابنا عن أب. ليس صعبا منذ اليوم الأول للثورة السورية الشعبية ضد هذا الحكم البربري، قراءة الحقيقية كاملة وبلمح البصر. وهي تتلخص في التالي. بقاء الأسد وعصاباته في حكم سورية، لا يعني فحسب حدوث كل ما تقدم، بل يقود بالتأكيد إلى انتشار الخراب في محيط سورية، بل في مناطق مختلفة من العالم.
كان بشار الأسد صادقا عندما هدد بتحويل ما يحدث في سورية بفعل الثورة، إلى أزمة إقليمية بروابط عالمية. لكن الغرب لم "ينتبه". كان مشغولا برسم الخطوط الحمراء للأسد، بل لم "ينتبه" أساسا إلى أن هذا الأخير كان يقفز على الخط الأحمر تلو الآخر، دون أن يدفع الثمن الوهمي الباهظ الذي فرض من قبل الغرب نفسه. كل هذا الكلام لا معنى له الآن. فالخطوط، أزالها نظام ينظر إلى الإنسانية باحتقار متصاعد. فالهدف المشروع له، هو رجل مسلح ورضيع، أو امرأة تعلك كسرة الخبز اليابسة لإطعام أطفالها، أو مسن يدعو الله أن يميته قبل أن يهبط عليه برميل متفجر. أيضا هذا الكلام ليس مهما الآن. فالصورة الآتية من سورية لا تتكلم، بل تصرخ بملء محتواها.
يقول المؤلف الأمريكي جويل أوستين "أحيانا، إذا تمكنت من التملص مما يتطلب منك القيام به، فإنك تصنع الخراب". وهذا ينطبق على البلدان التي كان بإمكانها أن توفر الصيغة النهائية الأقل ضررا للحالة السورية، شرط أن تقوم بذلك منذ البدايات لا النهايات، ومنذ الشرارة الأولى لا الحرب الماحقة، ومنذ مقتل أول طفل، لا المرحلة التي ضاعت معها أرقام القتلى. ومن هنا، لا غرابة في أن ينتقل وبسرعة قياسية الخراب السوري إلى الجوار. وغرابة أيضا، من تقرير البنك الدولي، الذي توصل إلى أن خسائر دول شرق المتوسط من الأزمة السورية بلغت 35 مليار دولار. وهذه الخسائر تعادل في الواقع حجم الاقتصاد السوري الذي سجل في عام 2007. خسائر مرحلية في حجم اقتصاد كامل؟ يا له من عنوان مروع. مع ضرورة الإشارة إلى أن مثل هذه التقديرات تبقى في الحدود الدنيا، لأن مؤسسة مثل البنك الدولي، تفضل عادة مثل هذه الحدود، حرصا على التحرك في الحدود الآمنة للتقديرات.
كل البلدان الإقليمية تأثرت سلبا بل بصورة خطيرة من تداعيات الخراب السوري، سواء اقتصاديا أو على الصعيد الأمني. صحيح أن الأضرار متفاوتة بين كل بلد وآخر، ولكنها في النهاية شاملة لكل الأطراف. تقول تركيا -على سبيل المثال-: إنها أنفقت ما يقرب من خمسة مليارات دولار لمواجهة أمواج اللاجئين السوريين إليها. وعلى الرغم من بعض السلبيات في تعاطي الأردن مع أزمة اللاجئين السوريين، نال ضرره الاقتصادي منها. وعلى الرغم من بشاعة تعامل لبنان في نواحٍ كثيرة ومتعددة الأشكال مع هؤلاء اللاجئين، إلا أنه يتصدر قائمة البلدان الأكثر ضررا، وذلك وفقا للبنك الدولي نفسه. أما في العراق، فهو حالة متداخلة بصورة أكبر بكثير مع الأزمة السورية مقارنة بالتداخلات مع بقية بلدان المنطقة، لاسيما في أعقاب زوال الحدود على أيدي تنظيم "داعش" الإجرامي.
لا مجال للحديث هنا عن التعاطي الطائفي الفاضح للحكومة العراقية السابقة مع اللاجئين السوريين. المهم أن الخسائر التي نالت جميع دول المنطقة كبيرة، وتأتي في ظروف اقتصادية هي الأسوأ في هذه البلدان. وعلى هذا الأساس، فإن البنك الدولي يعتبر أن تكلفة الحرب تتوزع بشكل غير متساو في المنطقة، حيث تتحمل (بالطبع) سورية والعراق عبء التكلفة المباشرة للحرب، فتراجع الإنفاق على الرفاهية لكل فرد في سورية بنسبة 14 في المائة، وفي العراق 16 في المائة، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي السوري بنسبة 30 في المائة بسبب الحظر على التجارة. كما هبط نصيب الفرد من الدخل في الدول المجاورة، حيث كانت أكبر نسبة في لبنان وبلغت 11 في المائة، بينما لم يتجاوز التراجع في تركيا ومصر والأردن 1.5 في المائة.
أمام هذا المشهد المروع، يظهر السؤال بصورة ملحة. ألم يكن من الأفضل اقتصاديا لكل الأطراف (عدا إسرائيل وإيران وروسيا على وجه التحديد) إزالة نظام الأسد نهائيا؟ لا نتحدث هنا عن الخسائر البشرية (لاسيما السورية) التي لا يمكن بأي حال أن تخضع لمعايير الربح والخسارة. كما لا نتحدث عن الخسائر المتواصلة التي تسببها التنظيمات الإجرامية التي اخترعها سفاح سورية وعصاباته على مدى السنوات الأربع الماضية، لا لشيء، إلا لرفع معدلات الخراب، وإبقاء آثاره أطول زمن ممكن، وبقائه يوما إضافيا آخر.
 

«التشبيح» في مواجهة العقوبات

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"ليس هناك ضريبة دخل في روسيا، لأنه لا يوجد دخل أصلا"
ويل روجرز - كوميدي أمريكي راحل


كتب: محمد كركوتـــي

بالطبع، هناك ضرائب دخل في روسيا الآن. وما قاله الكوميدي روجرز بهذا الصدد، كان يخص المرحلة التي كانت فيها الشيوعية بروسيا هي السياسة والاقتصاد والتعليم والمجتمع والفن والأدب، بل حتى الزواج والعلاقات العاطفية والسجائر والخمور. لكن روسيا اليوم، تئن من عقوبات غربية متعاظمة وتطورات اقتصادية عالمية تختص بالدرجة الأولى بوضعية السوق النفطية. لم يستغرق أنين روسيا طويلا كي يظهر بوضوح وبصوت عال، الأمر الذي يطرح سؤالا عن طبيعة معايير الدولة العظمى. لقد أثبتت الأشهر القليلة الماضية، أن روسيا دولة عظمى فقط بما تملكه من سلاح (ولا سيما النووي)، وليست كذلك وفق أي معايير أخرى بما فيها المعايير السياسية. وأي قوة سياسية يتمتع بها هذا البلد حاليا، هي في الواقع آتية نتيجة ضعف السياسة الأمريكية على الساحة الدولية، وتشتت قوة السياسة الغربية بشكل عام نتيجة لهذا الضعف.
وما يقوم به فلاديمير بوتين منذ وصوله الثاني إلى حكم روسيا، ليس إلا "تشبيح" سياسي، وجد البيئة الملائمة عالميا له. وقع هذا الأخير في المصيدة، ليس من فرط قوة العقوبات الغربية التي تفرض عليها تباعا، بل من وهم وضعية الاقتصاد الروسي نفسه. كان الواهمون يعتقدون أن هذا الاقتصاد يمكنه أن يصمد طويلا أمام أي عقوبات، دون أن يطرحوا أي مبررات لهذا الاعتقاد. ولم يعرفوا، أن اقتصادا بمصدرين أو ثلاثة مصادر للدخل، ينكسر بفعل أول عاصفة تمر به، سواء كانت عاتية أو متواضعة. والذي يحب أن يلعب بالاستقرار العالمي وقلب الحقائق، عليه أن يمتلك أدوات فاعلة تكفل له اللعب المستدام، أو اللعب بأطول مدة ممكنة. أراد أن يحتل جزيرة القرم، ويحاصر أوكرانيا، لكن روسيا الآن وبعد أربعة أشهر فقط أصبحت محاصرة اقتصاديا، بل عسكريا أيضا.
كان رئيس وزراء بريطانيا الراحل ونستون تشرشل يقول "إن روسيا لغز ملفوف بالغموض داخل أحجية". كان يراها غامضة، لكنها اليوم مفضوحة، تعرت ذاتيا دون أي عوامل خارجية. يريد بوتين أن يحقق "أمجادا" ما، لكنه سرعان ما وجد نفسه عاجزا حتى عن استعادة النسبة الدنيا من هيبة بلاده. تحول بفعل عقوبات الغرب والتطورات المتلاحقة في السوق النفطية، إلى أكثر من رئيس غرفة تجارة وأقل من وزير اقتصاد. صار مسؤولا مباشرا عن ملفات البنك المركزي والاستثمارات الداخلية، وعن لوائح شركات النفط الروسية. وربما بات يشرف على حركة أرصفة الموانئ التي تنطلق منها الشحنات النفطية إلى الخارج. وأكبر خطوة على مستوى رئيس دولة قام بها بعد العقوبات، أنه حاول (دون نجاح) ابتكار اتفاقات تجارية مع بلد كإيران يعاني الحصار والأنين الاقتصادي أيضا، والصين التي استفاقت "فجأة" على شبح تراجع النمو الاقتصادي فيها. ولا بأس باتفاقات ليست قابلة للتنفيذ الفوري مع الهند أو البرازيل وفنزويلا!
وسط هذا المشهد، تخسر العملة الروسية 65 في المائة من قيمتها، وتهرب أموال من البلاد وصلت في عام واحد إلى 100 مليار دولار، والبنك المركزي يستنزف نفسه بـ 110 مليارات دولار من الاحتياطي النقدي. وماذا أيضا؟ تراجعت عوائد روسيا النفطية بنسبة وصلت إلى 45 في المائة. هذه التطورات الدراماتيكية حدثت في الواقع قبل تغليظ العقوبات الغربية على موسكو. وعلينا أن نتخيل طبيعة المشهد نفسه في العام المقبل، بعد أن تكون هذه العقوبات قد فعلت فعلها بصورة أكبر وأشد وأعنف. حاول بوتين الحريص حتى في هذه المصيبة على إجراء الصيانة الدورية لوجهه "البوتكسي"، أن يغير شيئا ما من الصورة - المشهد، لكنه كان على موعد مؤكد مع الفشل. لم ينفع تسويقه لخفض الضرائب أو حتى إلغائها بالنسبة لبعض مصادر التمويل، في حين لم يقتنع أصحاب رؤوس الأموال بأنه قادر على الصمود وتغيير الأوضاع.
لقد أثبتت الأزمة الروسية الغربية، أن روسيا "نمر اقتصادي ورقي"، وأن "استراتيجية التشبيح" سلاح ذو حد واحد فقط ينال من "الشبيح"، وليس من الجهة المستهدفة بالتشبيح. كما أثبتت أن الاتفاقات المهزوزة مع دول هي نفسها تواجه أزمات، سرعان مع تتحول إلى فقاعات لا ينتبه إليها أحد. عندما اشتدت الأزمة الاقتصادية على روسيا، نشر بوتين أعوانه في الأرجاء للترويج بأن الغرب يريد تغيير النظام الحاكم في روسيا. وهذه في الواقع حجة كل الطغاة الذين عملوا ضد المجتمع الدولي، بل ضد شعوبهم. أراد رئيس روسيا أن يسوق الترويج الخارجي داخليا، تجنبا لتمرد داخلي قد يظهر بفعل تردي الأوضاع الاقتصادية. إن القوة الاقتصادية الوحيدة، التي يتمتع بها بوتين هي النفط والغاز، لكن هذه القوة باتت تشكل عبئا كبيرا عليه، في ظل تدني عوائدها. روسيا لم تكن دولة عظمى على الإطلاق، وفق المنظور الكلي للدولة العظمى، ربما هي دولة كبرى بحكم حجمها، لكنها ليست كذلك من ناحية عوائدها. لقد سمى سفاح ليبيا السابق معمر القذافي بلاده الجماهيرية العظمى، لكن "جماهيريته" انهارت في أيام.

 

حظوظ البلدان «المعطوبة»

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«الدول الثرية ترسل المساعدات للبلدان الفقيرة منذ أكثر من 60 عاماً. معظم هذه المساعدات فشلت».
إقبال قادر رجل أعمال وأكاديمي من بنجلادش

كتب: محمد كركوتـــي

لنلق نظرة على هذه النتيجة. معظم الدول الأكثر فقرا "الـ 48" لم تتمكن من تحقيق "أهداف الألفية" الإنمائية، على الرغم من تسجيلها نموا قويا! النتيجة توصلت إليها الأمم المتحدة أخيرا، والعالم يقترب من الموعد الحاسم لأهداف الألفية وهو عام 2015. والنتيجة مثيرة، ليس ببقاء حال هذه البلدان على ما هي عليها، بل إنها ستراوح مكانها، رغم أنها حققت نموا قويا بالفعل في السنوات الماضية. وهذا يعني أن هناك خللا فظيعا يشترك فيه كل الأطراف المحلية والدولية. فنحن نعرف أن النمو يحقق أهداف الازدهار، وفي أسوأ الأحوال بعض أهداف التنمية، الأمر الذي ينبغي أن يشكل قوة دافعة للحراك نحو تحقيق أهداف الألفية. لكن الواضح، أن حظوظ البلدان "المعطوبة"، ليست أفضل كثيرا من أقدار البلدان المنكوبة.
من أهم أهداف الألفية، خفض معدلات الفقر في البلدان التي تعانيه عقودا طويلة. ويتبع هذا، توفير التعليم الابتدائي لجميع الأطفال، ووقف انتشار الأوبئة والأمراض ولاسيما "الإيدز"، وحتى المواءمة بين التغير المناخي الخطير والحقائق الماثلة في هذه البلدان. إنها أهداف شاملة، تضع الإنسان في المقدمة، لكن آليات التنفيذ لا تتوافق مع المعطيات على الأرض. يضاف إلى ذلك، وجود ثغرات لم تسد في هيكلية المساعدات التي تقدمها الدول المانحة للبلدان الفقيرة، رغم أن العالم أجمع بات، منذ سنوات، يعرف حقائق هذه الثغرات ومكامن الضعف في المساعدات، بل والفوضى التي تعم بعضها. لقد أصبحت المساعدات في بعض الأحيان عبئا على البلدان المتلقية لها. ومع ذلك لم تتطور آلياتها بما يتطلبه الحال.
والمشكلة الكبرى هنا، لا ترتبط فقط بالمساعدات "الفالتة" أو غير المجدية بما يكفي، بل تشمل في الدرجة الأولى وقبل كل شيء تلك المعادلة الغريبة. هل يعقل أن تحقق البلدان الفقيرة حتى في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية نموا وصل في بعضها إلى 7 في المائة، بينما لا ينعكس هذا النمو على الحد من الفقر فيها؟! لا يمكن قراءة هذه المعادلة، إلا من خلال الفساد الذي يعم البلدان المذكورة، إضافة طبعا إلى المخططات المستقبلية التي لا تتلاءم مع المتطلبات المحلية والعالمية في آن واحد. كل هذه البلدان ظهرت في المراتب الدنيا من تقرير الشفافية الدولية الذي صدر أخيرا. والذي يزيد من مصداقية هذا التقرير، أن البلدان الأقل تقدما في القارة الآسيوية، حققت تقدما على صعيد محاربة الفقر، أكثر من البلدان الأقل تقدما في القارة الإفريقية. لقد وضع تقرير الشفافية البلدان الإفريقية في ذيل القائمة.
ومن المشكلات التي تواجه البلدان الفقيرة، أن الدول المانحة قللت من حجم مساهماتها في السنوات الماضية، بحجة واهية. بل إن بعض الدول أوقفت المساعدات كليا للحجة نفسها. فالمانحون الذين أوقفوا مساعداتهم يقولون، إنهم قاموا بذلك، لأن حكوماتهم وافقت على شطب ديون البلدان الفقيرة المستحقة لها! لكنّ المانحين لم يقولوا، إن هذه الديون لم تصل في الواقع إلى مستحقيها في العقود الماضية، بل إن بعضها استخدم ضد الشعوب نفسها. يضاف إلى ذلك، أنها لم تشر أيضا إلى مسألة أن حال المساعدات لم تكن أفضل كثيرا من وضعية الديون. فأغلب هذه الأموال كانت تذهب في الطرق الملتوية. صحيح أن أوضاع الدول المانحة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية ليست جيدة بما يكفي، لكن الصحيح أيضا أنها مشاركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تراجع قيمة استنفاع المستحقين لمساعداتها.
يقول الكاتب الأمريكي جميس بولدوين "أي إنسان عانى الفقر يعرف تماما حجم تكاليف هذا الفقر على الفقراء". لكن يبدو أن بعض البلدان المانحة نسيت المعاناة التي مرت بها في مرحلة الفقر. ولعل السبب في ذلك أن هذه المعاناة وقعت قبل قرون، وليس بالأمس. ومسؤولية البلدان الكبرى لا تقل أهمية عن مسؤولية البلدان الفقيرة المعنية بأهداف الألفية مباشرة. ولكي تحقق بالفعل أهداف الألفية، حتى بعد الوقت المحدد لها، فعليها أن تكون أكثر اندماجا بمشكلات ومصاعب البلدان الفقيرة، ليس فقط من خلال مساعدات مجدية، بل عن طريق استراتيجية تستند إلى رقابة مشددة لأموال الشعوب. وعليها أن تكون جزءا من إدارة الأموال الممنوحة، إلى جانب توفيرها المخططات المثلى لتحقيق الأهداف الموضوعة. سيمضي عام 2015 دون أن تتحقق أهداف الألفية كلها. وهذا لا يمثل كارثة. كم من المخططات والاستراتيجيات الدولية حتى في البلدان الراشدة تجاوزت مواعيدها المحددة؟ المهم أن تكون هناك استراتيجية تقوم على الشراكة بين البلدان الفقيرة وتلك القادرة على القيام بمهام المساعدة في تحقيق أهداف الألفية. وهذا أفضل ضامن لحقوق الشعوب الفقيرة المستهدفة، بل وحقوق شعوب الدول المانحة نفسها. وهي شعوب تريد أن ترى عائدا إنسانيا تنمويا ناجحا حقيقيا لما تقدمه.
 

الجمعة، 5 ديسمبر، 2014

المصارف للمرة «الألف».. التلاعب بالمعادن

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





« كلما زاد حجم المعلومات عنا لدى المصارف، قل وجودنا»
 مارشال ماك لوهان فيلسوف كندي

كتب: محمد كركوتــــي

يبدو أن المخالفات (وأحيانا الجرائم) التي ترتكبها المصارف لا حدود لها، ليس فقط من حيث حجم الأموال العائدة من هذه المخالفات، ولكن أيضاً من جهة تنوعها. وهي تراوح ما بين الجنح والجرائم، ولنا أن نتخيل الأضرار الناجمة عن مثل هذه الممارسات. كانت المصارف على مدى سنوات طويلة تعتقد، أنها عصية على الوقوع في أيدي العدالة. ولولا الأزمة الاقتصادية العالمية، لاستمرت المصارف بسلوكياتها، لاسيما تلك التي تمثل جزءا أصيلا من الهيبة الاقتصادية لبلدانها. والحق، أن كل ما كتب عن مخالفات وجرائم المصارف، لم يحط بما يكفي من الحقائق، والممارسات خلف الخزائن، وسياسات القفز فوق اللوائح والمعايير. وسينقضي وقت طويل، حتى يمكن اعتبار أن المصارف تعرت بما يوازي مخالفاتها وآثارها في الناس والنظام المصرفي نفسه. حتى إدجار هوفر أول مدير لمكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية يقول: “المصارف لا تقاوم. لماذا؟ لأنها مغرية لأولئك الذين يسعون إلى صنع أموال لا يستحقونها”. وهو يعتقد أن المصارف غير المنضبطة، أو غير الخاضعة لرقابة حقيقية لا اسمية، يمكنها أن توفر العوائد المالية الهائلة، دون الحاجة إلى أن تسبقها رؤوس أموال. وهذه حقيقة بالفعل، تجلت بوضوح في أعقاب الأزمة العالمية، التي تحولت إلى آلية لا شبيهة لها من حيث القوة، لتعرية كل شيء. المصارف والحكومات والمؤسسات المالية بكل أنواعها. والأهم عرت المبدأ المروع الذي يقول: “السوق لا تخطئ. وإن أخطأت فإنها تصحح نفسها”. الذي حدث، أن السوق بمؤسساتها المالية المحركة الأولى لها، لم تصحح نفسها، بل لجأت قسرا وطوعاً للحكومات لإنقاذها. لتتم عملية الإنقاذ هذه من أموال المتضررين أنفسهم،
بعد تبييض الأموال، وتضليل المودعين والمتعاملين، وحماية المتهربين من الضرائب، والتلاعب بأسعار الصرف وسعر الفائدة الدولي، وفتح حسابات لمنظمات إرهابية إجرامية، وتخزين الأموال المنهوبة من الشعوب، تواجه المصارف حالياً قضايا جديدة تتعلق بالتلاعب في أسعار المعادن، وهذا التلاعب تم على مدى سنوات طويلة، أي أنها كما المخالفات والجرائم الأخرى، حققت مكاسب هائلة من جراء هذا التلاعب. والحق، أن أحداً من المتابعين لم يفكر في مثل هذه المخالفة الجديدة القديمة. بل إن نسبة من هؤلاء اعتبروا أنه ظهر ما يكفي من المخالفات، ليس فقط لكي تجبر المصارف على الاستقامة، بل أيضاً لكي تبدأ عملية تنظيف واسعة في القطاع المصرفي على الساحة الغربية على وجه التحديد. ويبدو أنه كلما ظننا أن عملية التنظيف سائرة بصورة مستحقة، تظهر حقائق ومعلومات جديدة لتعيد تقييمنا لهذه العملية.
الأسماء المتهمة بالتلاعب بأسعار المعادن هي نفسها التي اتهمت في كل شيء تقريباً. يتقدمها مصرف “إتش إس بي سي هولدينجز” و”جولدمان ساكس” و”ستاندارد تشارترد”. ومن أيضاً؟ وحدة المعادن التابعة لـ “بي إيه إس إف” وهي شركة تعد من أكبر مؤسسات الكيماويات في العالم. وتأتي القضية الجديدة، بعد أقل من عام على قضية رفعت ضد المصارف أيضاً تتعلق بتلاعبها بالذهب. ومن يدري ربما وجدت هذه المصارف مدانة في التلاعب بأسعار علب الصفيح؟ والمعادن في القضية الجديدة تنحصر بصورة أساسية في البلاديوم والبلاتين. وهي صادرات تأتي نسبة كبيرة منها من دول إفريقية فقيرة. وعلى الرغم من أن القضية لا تزال في بداياتها، فلن يكون غريباً ثبوت تورط مسؤولين أفارقة في عمليات التلاعب هذه. وكل شيء يعود في النهاية إلى حيثيات القضية.
تقول جهات الاتهام: إن المصارف المشار إليها قامت باستخدام معلومات داخلية حول مشتريات العملاء وطلبات البيع، للتربح من تحركات أسعار المعادن المستخدمة في منتجات تراوح بين المجوهرات والسيارات. أي أن هذه المعادن (إلى جانب البلاديوم والبلاتين) تدخل في كل شيء تقريباً على صعيد الإنتاج، وهذا يعطي مؤشراً على حجم الأموال التي حققتها المصارف المتهمة من جراء هذه العمليات المشينة. ولا غرابة أن تصل الغرامات إلى مئات الملايين من الدولارات. والحق أن هذه المصارف اعتادت منذ ثلاثة أعوام تقريباً على القبول بدفع الغرامات الهائلة، بل أعلنت بسرعة قبولها الغرامات بدلاً من المضي قدماً في طريق القضاء. بعض الغرامات وصلت إلى 16 مليار دولار، وبعضها الآخر إلى 15 مليارا. هل تكفي الحرب الراهنة التي تشن على المصارف؟ لا، لا تكفي إلا إذا خضعت أدواتها للتطور المستمر. والأهم، إلا إذا استطاعت السلطات المختصة الوصول إلى الحقائق الكاملة حول عمل المصارف على مدى قرابة ثلاثة عقود. صحيح أن العصر الذهبي للمصارف المنفلتة انتهى، لكن الصحيح أيضا أن من حق الأمم التي اكتوت بسلوكيات المصارف لفترة طويلة، التعويض. دون أن ننسى أن الأموال التي أنقذت المصارف المعنية كانت عامة، وبعضها لا يزال يضخ في خزائنها خوفاً من انهيارها. ولا شك أن الأهم من التعويضات، معاقبة المسؤولين على المصارف الذين مارسوا كل الموبقات المالية. ليس فقط لتحقيق أرباح غير مستحقة لمصارفهم، بل أيضا لجني أموال ومكافآت مشينة، وأحيانا تدعو إلى السخرية.

الأربعاء، 26 نوفمبر، 2014

مصارف تكفكف دموع مساهميها

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



«النظام المصرفي الحديث يصنع المال من لا شيء»
جوزيف ستامب اقتصادي إنجليزي



كتب: محمد كركوتــــي

يستحق المساهمون في الشركات والمؤسسات الغربية الكبرى والصغرى التعاطف، من جراء الخسائر الفادحة التي أصيبت بها شركاتهم، كنتيجة طبيعية للأزمة الاقتصادية العالمية. فالخسائر نالت في الواقع من كل البنى التحتية والفوقية للاقتصاد العالمي. ولذلك شملت مستثمرين بملايين الدولارات، وفي الوقت نفسه أصحاب بقالات يستثمرون بألف دولار فقط. الخسائر واحدة، فمصيبة الخاسر لمئات الملايين من الدولارات هي نفسها الواقعة على الخاسر لبضعة آلاف من الدولارات. وفي كل الأحوال، يستحق الجميع التعاطف، ولاسيما أولئك الذين لا علاقة لهم بألعاب الاقتصاد المفتوح على كل شيء وأي شيء، دون ضوابط ومعايير. وبالطبع مع انعدام الأخلاق التي تمثل حصانة للسوق، بصرف النظر عن مكانها. لقد سخر المتلاعبون على مدى أكثر من عقدين من "أخلاق السوق"، بل كانوا يعتبرونها وهمية!
اليوم يندب المساهمون في المصارف حظهم، لأنهم يدفعون غرامات ضخمة تفرضها الحكومات الغربية على مصارفهم، عقاباً على سلسلة من المخالفات، بل ومن الجنح التي يرقى بعضها إلى الجرائم الاقتصادية التغرير بالمودعين، والتلاعب بأسعار الصرف، الغش الواضح في القروض السكنية، إلى جانب تبييض الأموال العائدة لمنظمات وعصابات إرهابية وإجرامية، وتوفير الحصانة لأموال المتهربين من الضرائب في بلدانهم. ولكن، هل يستحق مساهمو المصارف "النادبون" التعاطف على غرار غيرهم من المساهمين في الشركات غير المصرفية؟ هذا السؤال طرح أخيرا في أكثر من ساحة إعلامية عالمية، من بينها جريدة "الفاينانشيال تايمز"، خصوصا في أعقاب الإعلان عن حقيقة الغرامات الهائلة التي فرضت على هذه المصارف. مع قبول إدارات المصرف تلو الآخر بهذه الغرامات دون اعتراض ذي قيمة، خوفاً من محاكمات قد تؤدي إلى انهيار بعض المصارف بالفعل.
يقول توماس جيفرسون الرئيس الثالث للولايات المتحدة "أؤمن تماما، بأن المؤسسات المصرفية أشد خطرا من الجيوش الجرارة". وهو بذلك لخص حقيقة الخراب الذي يمكن أن تتسبب فيه هذه المؤسسات. ويبقى الجواب المباشر على السؤال العريض، هو أن مساهمي المصارف المعنية لا يستحقون أي تعاطف، بل على العكس تماما، عليهم الإجابة عن تساؤلات عديدة، تخص أداء مصارفهم في السنوات التي سبقت الأزمة العالمية. لماذا لم تعترضوا على أرباحكم الهائلة غير المبررة؟ لماذا لم توقفوا الإدارات التي قامت بكل الأعمال الموبوءة على مدى سنوات طويلة؟ لم قبلتم صمتا مروعا أدى إلى ما آلت إليه أحوال مصارفكم والاقتصاد العالمي كله؟ لماذا لم تطرحوا (حتى ملاحظات) عن مصادر الأرباح؟ حسنا، لم تكونوا على علم بالحقائق، ألم تسمعوا بالتحذيرات المتكررة عن فقاعة مصرفية تتشكل؟!
هناك أسئلة أخرى عديدة يمكن أن توجه للمساهمين، لكن أحدا منهم لم يجب عنها، بل لا يجرؤ على الإجابة حقا. ولعل ذلك ما يتوافق مع ما قاله يوما الصناعي الأمريكي الشهير هنري فورد "من الأفضل أن الناس لا يعرفون نظامنا المصرفي والمالي. لو عرفوا بالفعل، أعتقد أن ثورة ستندلع قبل صباح اليوم التالي". هذا بالنسبة للناس العاديين الذين لا يرقون لمستوى المساهمين، وحتى المساهمين الذين لا يعرفون التفاصيل حقا، ألم تثر الأرباح الهائلة غير المبررة التي تلقوها أي شبهة أو حتى استغرابا عابرا؟! بالطبع لا يمكن تحميل المساهمين المسؤولية وحدهم فيما وصلت إليها أحوال المؤسسات المالية، ولكنهم يبقون جهة رئيسة توفر التمويل اللازم للأعمال المريبة لإدارات المصارف التي يتهمونها بالمخالفات والتجاوزات وحدها.
والحق أن الحكومات نفسها التي تفرض الغرامات الهائلة حاليا، تتحمل الجانب الأكبر من المسؤولية. لماذا؟ لأنها تركت "الحبل على الغارب"، رغم علمها بأن الكارثة قادمة لا محالة، وأن التحذيرات التي تصدر من هنا وهناك حقيقية، وأن الظلام آت في عز النهار، وأنها (الحكومات) ستتحمل مسؤولية ما بعد الانهيار، من خلال إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المؤسسات المالية، ولاسيما تلك التي تمثل جزءا أساسيا (وأحيانا وحيدا) من السمعة الاقتصادية والمالية للبلاد كلها. على الجميع المسؤولية، ولا حجة لدى مساهمي المصارف في التهرب، عليهم أن يدفعوا الآن "ضرائب" لأرباح لم يكونوا يستحقونها بأي حال من الأحوال. والحق أنهم يعيدون حالياً ما حصلوا عليه، ليس بالغش فقط، بل بالمخالفات الخطيرة. والمثير، أن إدارات المصارف التي تمكنت من البقاء حتى بعد الانهيار، لم تتوقف نهائيا عن ممارساتها المريبة، إلا بعد أن تضافرت الجهود في البلدان الغربية من أجل كبح جماحها. وحتى الإجراءات ضدها أخذت وقتاً طويلاً قبل أن تنفذ بصورة قطعية. بعض المصرفيين يعتقدون أنه بمجرد شعور إدارات المصارف بالذنب وتأنيب الضمير والاعتذار، يكفي لإنهاء الحملة المتواصلة عليها. ولكن لم يثبت التاريخ الحديث حالة واحدة، أظهرت أن "مشاعر" هذه الإدارات صادقة. ففي عز الانهيار، منح المديرون التنفيذيون أنفسهم مكافآت صادمة من حيث حجمها الهائل. تم ذلك في وقت كانت الحكومات تضخ الأموال فيها للإبقاء عليها! ومن السخرية، أنه يتم إنقاذ المصارف من قبل أموال الناس الذين خسروا بسببها!

تسجيل الدخول