الخميس، 24 يوليو، 2014

فقراء الأغنياء وأغنياء الفقراء

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



 
"الأغنياء هم الذين سيشعرون بالألم لو توقفت المساعدات عن إفريقيا. الفقراء لن يلاحظوا الفرق"
دامبيسا مويو - أكاديمية ومؤلفة اقتصادية زامبية
 
 
 
كتب: محمد كركوتـــي
 
 
تبقى المساعدات التي تُقدَم إلى الدول النامية، وخصوصاً الإفريقية منها، مثار جدل تاريخي لا ينتهي، بين مع يعتقد بعدم جدواها، وبين من يرى أنها مورد أساسي للتنمية والإنقاذ، بصرف النظر عن الجوانب السلبية التي تختص بعمليات التوزيع والاستثمار والتوجيه الصحيح لها. وهؤلاء يعتقدون أن وجود نسبة حقيقية من المساعدات، أفضل بكثير من عدم حضورها على أي مسرح اقتصادي معاشي في الدول الإفريقية، ولا سيما تلك التي تحتاج بالفعل إلى أساسيات التنمية، بكل قطاعاتها، وفي مقدمتها الاجتماعية. المعارضون لهذه المساعدات، ليسوا من أولئك الذين يعتقدون بأن التآمر هو أساس العمل. إنهم ينتمون إلى شرائح مختلفة، منها أكاديمية صرفة، يقومون بوزن الأمور من كل جوانبها وبأدق تفاصيلها.
ورغم تحسن أداء (وليس حجم) المساعدات لإفريقيا في السنوات القليلة الماضية، من جراء خطوات اتخذتها الدول المانحة، إلا أن العوائد الفعلية لها على الأرض، لا توازي قيمتها. والسبب يبقى أولاَ وأخيراً في فساد لا يتوقف في الدول المتلقية، وفساد يوازيه من المؤسسات الغربية الخاصة. الدول المانحة تعرف طبيعة هذا الخراب، ولكنها فشلت في الحد منه على مدى عقود. فالمحركات الفاسدة الخاصة، لا تزال أقوى عزماً من المحركات الحكومية في البلدان المانحة. ولعل بيتر بوير الاقتصادي التنموي الأمريكي، أكثر الأشخاص الذي قدموا وصفاً بليغاً لهذه الحالة. ماذا قال؟ "مساعدات الدول المتقدمة هي في الواقع ضرائب يدفعها الفقراء فيها، للأغنياء في الدول الفقيرة". وهذا هو الانطباع السائد لدى الغالبية العظمى من الرأي العام الغربي، حتى في ظل تحسن أداء المساعدات.
يعتقد البعض ومنهم الأكاديمية الاقتصادية الزامبية المعروفة دامبيسا مويو، أن مساعدات الدول المتقدمة لإفريقيا لا تعمل. ويمضي هؤلاء أبعد من ذلك بالقول، إن جهود المنظمات الخيرية المعروفة وحراك عدد من المشاهير الذين ينشطون في نطاق العمل الخيري (مثل بوب جيلدوف، وأنجلينا جولي وغيرهما) أكثر فائدة وحضوراً حقيقياً من مساعدات الغرب. وتقول مويو "إن عائلتي الفقيرة نفسها عانت تبعات المساعدات". ويستند هؤلاء إلى بيانات البنك الدولي التي أظهرت، أن 85 في المائة من المساعدات الغربية في البلدان النامية، تذهب في غير محلها. وأنه بين العامين 1980 و1996، دعمت الدول الغربية حكومات إفريقية مارقة ومجرمة بالمساعدات المباشرة. وقبل أيام، أكدت مجموعة من المنظمات غير الحكومية أن دولا غربية تستغل المساعدات إلى إفريقيا كستار لإخفاء "النهب المنظم" للقارة السمراء التي تخسر نحو 60 مليار دولار سنويا، عبر التهرب الضريبي والتغير المناخي، وتحويل الأرباح، التي تجنيها الشركات متعددة الجنسيات خارج القارة. ورغم حصول إفريقيا (مثلاً) على قروض واستثمارات أجنبية ومساعدات تنموية بقيمة 134 مليار دولار إلا أن 192 مليار دولار تخرج من المنطقة، تاركة فجوة تبلغ 58 مليار دولار.
ويقول مارتن دروري، مدير منظمة هيلث بافرتي أكشن، وهي واحدة من المنظمات، التي وضعت التقرير إن "المفهوم الشائع أن المملكة المتحدة تساعد إفريقيا من خلال المساعدات، لكن الحقيقة أنها توفر ستارا للمليارات المنهوبة". لا شك في أن المساعدات تنهب بطرق مختلفة، وبعض المساعدات تنهب بكل الطرق مجتمعة، ولكن هل فعلاً لا قيمة لها؟ بل هل يمكن أن تسبب المعاناة، كما قالت مويو؟ وهل عجز العالم عن إيجاد طرق مثلى للحفاظ على قيم هذه المساعدات؟ أسئلة كثيرة تطرح في هذا الخصوص، وستضاف إليها أسئلة أخرى في المستقبل، طالما أن الخلل واضح في هذا النطاق المهم والحساس. لكن كثرة هذا النوع من الأسئلة لا تلغي جوانب أساسية محورية إيجابية ومهمة لهذه المساعدات الضخمة.
هنا يظهر أولئك الذين لا يتفقون مع الشرائح المنتقدة للمساعدات الغربية. فوقف المساعدات تعني ببساطة لهؤلاء، إغلاق آلاف المدارس والعيادات الطبية في إفريقيا، وإنهاء برامج مكافحة الإيدز والملاريا ووباء (تي بي) وغيرها من الأوبئة. وهذه برامج يستفيد منها الملايين حالياً في القارة السمراء. كما أن هناك برامج أثبتت جدواها في مسألة التدريب والتأهيل في بعض المناطق الإفريقية، فضلاً عن مشاريع توفير مياه الشرب النقية، إلى جانب سلسلة من مشاريع البنى التحتية، التي تساهم مباشرة في الحفاظ على البيئة، وتحمي السكان في الوقت نفسه. هناك الكثير من الفوائد لهذه المساعدات، صحيح أنها لا توازي قيمتها الحقيقية، ولكنها في النهاية توفر عوائد إنسانية لا غنى عنها، لأعداد هائلة من الأفارقة.
وليس أفضل من إعادة صياغة لهذه المساعدات، لا باختيار مشاريع جديدة، بل بوقف حازم وقاطع لعمليات النهب التي تتعرض لها، فضلاً عن أن جانباً من عوائدها المالية يخرج من الدول المخصصة لها، إلى حسابات مصرفية سرية قذرة، توازي قذارة سارقيها، وغالباً ما تكون في البلدان الغربية نفسها. إنها عملية ضرورية ليست فقط لمستحقي المساعدات، بل للجهات المانحة لها أيضاً.

المصارف .. المهم «ماتتمسكش»

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"كلما ازدادت المعلومات عن كل واحد منا في ملفاتنا لدى المصارف، كلما نقص وجودنا"
مارشال ماك لوهان فيلسوف كندي


كتب: محمد كركوتـــي

أحسب أن مديري المصارف الأجنبية والأمريكية المتورطة حتى قمم خزائنها بانتهاك الحظر الأمريكي المفروض على عدد من الدول، يرددون قبل نومهم وفي الأحلام وعند الاستيقاظ، هذه اللازمة "أسرع.. أسرع. سوي قضاياك مع السلطات القضائية الأمريكية، قبل فوات الأوان". وفي مكاتبهم، يجتمعون يومياً للوصول إلى الصيغة المثلى للتسوية. أو بمعنى أدق، للوصول إلى أقل الغرامات الممكنة التي تقبل السلطات الأمريكية فيها، دون اللجوء إلى ترك القضايا بين أيدي القضاة. فالقضاء الأمريكي لن يرحم، وسيضع أرقاما فوق أخرى ليصل إلى أعلى الغرامات. والقضاء (كما بقية الجهات) يعرف سلفاً أن هذه المصارف جنت أموالاً طائلة من القفز فوق قوانين الحظر، على مدى السنوات الماضية، وساعدت أنظمة مارقة في إيران والسودان وسورية وليبيا وغيرها، على تدوير الأموال وإعادة صبها مجدداً لدى حكومات هذه الدول.
غيرت المصارف نفسها منذ عقود، وبدلت أهداف وجودها أصلاً. وتحولت (بإرادتها مستغلة التسيب الرقابي المروع) إلى مؤسسات لجمع الأموال، بصرف النظر عن مصادرها، ومدى مشروعيتها. المهم أن الأموال تتجمع، ومسألة الأخلاقيات ليست ذات أهمية. في إحدى المسرحيات المصرية القديمة يقول الممثل" أنا عاوز أشتغل شغلانة شريفة، لكن المهم ما تمسكش". ويقول الفيلسوف الأمريكي ناعوم تشومسكي "قبل السبعينيات كانت المصارف، مصارف. تعمل وفق معايير الاقتصاد الرأسمالي. تأخذ الأموال غير المستخدمة من حسابك، وتحولها للاستخدام، كمساعدة أسرة على شراء منزل، أو إرسال طالب إلى الجامعة". بالفعل لم تعد المصارف.. مصارف، خصوصاً الكبرى في العالم الغربي ذات الأسماء الرنانة، ولا بأس من نسبة ليست قليلة من المصارف المتوسطة. المهم بالنسبة لها "ماتتمسكش". لكنها "اتمسكت"، ليس فقط من نافذة انتهاك العقوبات، بل أيضاً من جحور غسيل الأموال، والتهرب من الضرائب، وتوفير ملاذات آمنة لأموال غير مشروعة. وماذا أيضاً؟ مسؤوليتها عن الأزمة الاقتصادية العالمية.
يظهر كل يوم مصرف هنا وآخر هناك، ليعلن اعترافه بذنب انتهاك العقوبات على عدد من الحكومات المارقة، واستعداده لتسوية الأمر مع السلطات الأمريكية عن طريق غرامة، يتمنى أن تكون مقبولة لدى الجانب الأمريكي. بالطبع أشهر هذه المصارف كان "بي إن بي باريبا" أكبر مصرف فرنسي، الذي قام بحساب سريع جداً، يقوم على المفاضلة بين تسعة مليارات دولار غرامة طوعية، أو 12 مليار دولار غرامة مؤكدة عبر القضاء. وقد عرف المصرف الفرنسي مبكراً أن تهديدات حكومته للإدارة الأمريكية، بما في ذلك فرض عقوبات تجارية على الولايات المتحدة، لا قيمة لها. بل كانت واشنطن تنشر في الأجواء حتى عدم سماعها لتلك التهديدات. فالدفع كان أفضل وسيلة لحماية المصرف، والدفع الفوري الأقل، أجدى من الدفع المؤجل الأكبر.
الغرامات تحط بالمليارات في خزائن الولايات المتحدة. ففي غضون عام تقريباً، جمعت واشنطن أكثر من 80 مليار دولار غرامات من مصارف أمريكية وأجنبية، تتعلق بانتهاك قوانين الحظر، وغسيل الأموال، والتهرب الضريبي، وحماية المتهربين من الضرائب الأمريكية، والمسؤولية عن الأزمة الكبرى. والأسبوع الماضي فقط، دفعت مجموعة "ستي جروب" المصرفية الكبرى سبعة مليارات دولار، عن دورها في الأزمة. وقبله دفع مصرف "جي بي مورجان تشايس" 13 مليار دولار (ضرائب وأزمة). و"بنك أوف أميركا" دفع 9.5 مليار دولار (أزمة). و"كريدي سويس" 2.6 مليار دولار (ضرائب). و"إتش إس بي سي" دفع 1.92 مليار دولار (تبييض أموال). و"جي بي مورجان تشايس" دفع 1.7 مليار دولار (احتيال). ووسط هذا التدفق من الغرامات، يظهر مصرف ألماني هنا وآخر إيطالي هناك، وبريطاني في أي مكان، ليدفع غرامات ما دون المليار دولار.
الوضع لا يتوقف عند دفع الغرامات، هناك منهجية "إذلالية"، تقوم بها السلطات الأمريكية ضد المصارف المتورطة في كل شيء تقريباً. ويبدو التشهير بها أقلها عنفاً وأثراً. فقد قدم (على سبيل المثال) مصرف "كريدي سويس" قبل أيام، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ المصارف قائمة بأسماء أكثر من ألف من موظفيه إلى السلطات الأمريكية. وهذه الأخيرة ستحقق معهم، وقد يقدمون للمحاكمة على الأراضي الأمريكية. ومن شروط الاتفاق المهين، أنه يجب على المصرف أن يذكر بدقة اختصاصات ومهام كل مسؤول فيه، والمصرف السويسري طلب من موظفيه أخذ الحذر في التحقيق. حرب "أمريكا" على المصارف المحلية والخارجية مستمرة. ولن تنتهي قريباً. ففي غضون ساعات من اتفاق "كريدي سويس"، أبدى 13 مصرفاً سويسرياً الرغبة في تسوية مماثلة سريعة.
بعض هذه المصارف بدأ يتأثر مالياً من جراء الغرامات الهائلة. والبعض الآخر يمكنه الاستمرار والنمو، ليس من فرط النجاح المصرفي الهائل، بل من العوائد المالية الضخمة التي تم جنيها على مدى عقود من العمليات غير المشروعة. مع ضرورة التأكيد دائماً على أن الأموال القذرة أنقذت المصارف نفسها خلال الأزمة الاقتصادية العالمية. إنها "مذبحة المصارف" بكل تأكيد، ولكن دون قطع شريان الحياة.

الجاسوسية الاقتصادية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




« سيأتي يوم لن يتجسسوا علي عن طريق هاتفي. في الواقع هاتفي هو الذي سيتجسس علي»
فيليب ديك - أديب وكاتب أمريكي


كتب: محمد كركوتـــي

الأمريكيون يقولون للصينيين إنكم تتجسسون علينا اقتصادياً. الصينيون لا يردون على الاتهام ويواصلون العمل. الأمريكيون يصعدون من حملتهم الاتهامية للصينيين بالتجسس. هؤلاء يواصلون الصمت، ولأن الصمت في مثل هذه الحالات أشد فظاعة من الرد يبدأ الأمريكيون بسرد بعض عمليات التجسس الصينية عليهم لأنهم بالطبع غير قادرين على تحديد كل عمليات التجسس هذه. هنا يتحرك الصينيون ويقررون الرد لا يسردون عمليات تجسس الأمريكيين عليهم بل يرسلون قائمة بأسماء الجواسيس الذين يعملون لحساب الولايات المتحدة في قلب المؤسسات الصينية. الأمريكيون يصمتون بفعل الصدمة التي أحدثتها القائمة الرهيبة. الصينيون يضعون وراءهم على الفور الاتهامات ومعها عمليات التجسس التي كشفت عنها في واشنطن، ويمضون إلى مزيد من الإنتاج ولا بأس من مزيد من التجسس. المتهم هنا صار كذلك من متهم آخر وليس من جهة بريئة، والجواسيس لا تتهم الجواسيس عادة.
مع "الانفجار" التقني والتكنولوجي المتصاعد ظهر السؤال هل ما زال هناك شيء يمكن أن يكون هدفاً للتجسس في الاقتصاد على اعتبار أن كل شيء بات مفتوحاً على كل جهة بل أصبحت بعض الجهات أكثر تداخلاً مع منافسيها مما كان عليه في السابق ورغم ذلك فلا تزال هناك الكثير من القطاعات والنشاطات الاقتصادية المختلفة عرضة للتجسس.
في الاقتصاد القائم على التنافسية لا توجد صداقات بين أطرافه بل في حالات كثيرة تكون الأطراف أقرب للأعداء منها لجهات متنافسة. ولعل أبلغ توصيف في هذا السياق ما قاله رئيس سابق للاستخبارات الفرنسية ماذا قال "في الاقتصاد نكون منافسين وليس حلفاء" وهو أصدق تعبير يمكن أن يقوله رئيس للمخابرات سابق أو حالي، كما أنه وضع حدوداً واضحة وصادقة لطبيعة العلاقات حتى بين الحلفاء.
كُشف في السابق أن المخابرات الفرنسية كانت تضع ميكروفونات في مقاعد المسافرين من رجال الأعمال على الطائرات الفرنسية ولكن هل عمليات التنصت هذه على متن الطائرات المدنية هي حكر على الفرنسيين فقط؟ الجواب ببساطة لا، لا يوجد بريء في هذا المجال، هناك فقط "جاسوس متطرف"وآخر أقل تطرفاً، وأقسام التجسس الاقتصادي في أجهزة المخابرات (ولاسيما الغربية منها) تحظى باهتمام يفوق في بعض الأحيان الاهتمام بنظيرتها السياسية. الفارق بين الاثنتين أن الأولى تعمل بصمت أوسع من صمت الثانية دون أن ننسى بالطبع التكامل التلقائي بين الجهتين والتداخل الطبيعي بينهما وكما في المباريات الرياضية، يفوز هذا الفريق مرة ويخسر مرة ويتعادل أحياناً، كذلك الأمر بين الجهات الاستخباراتية الاقتصادية المتنافسة فمساحة التحرك واسعة في ملعب أوسع.
وليس أكثر صدقاً أيضاً في هذا السياق من روبرت جيتس المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي أيه) الذي قال بصراحة "إن أكثر من 40 في المائة من المتطلبات ذات طابع اقتصادي". وبعد جيتس بسنوات جاء إدوارد سنودن الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكية ليكشف بالوثائق مستوى التجسس الأمريكي الاقتصادي على الأعداء والأصدقاء وأيضاً الحلفاء. لا فرق هنا بين هذه الأطراف إلا في درجات المخاطر العائدة إلى هذا الطرف أو ذاك ولكن هناك فارق بين التجسس الاقتصادي والتجسس السياسي أو غيره من الأنواع الأخرى. أن الحجة "حماية الأمن القومي" في الثاني لا تنطبق على الأول فالتجسس الاقتصادي لا يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي وإن أحدث أضراراً غير مباشرة، ومع ذلك فهذه الحجة هي الوحيدة التي تتعلق بها الأطراف الساعية للتجسس، شرقاً وغرباً.
الجاسوس الصيني هو نفسه الأمريكي والفرنسي والبريطاني والياباني والألماني ولكن بأهداف مختلفة، وإذا كانت الأخلاق في السياسة ليست ذات قيمة محورية علينا أن نتخيل المستوى الأخلاقي في عالم التجسس. لقد بات تعاظم مستوى التنافسية على الساحة العالمية في كثير من الأحيان دافعاً للتجسس أكثر منه للابتكار المضاد أو الحراك المتطور وقد قام قادة أقسام الجاسوسية في الغرب والشرق بتقديم تفسير مروع لنشاطاتهم ماذا يقولون "إذا كان التجسس يتم من أجل الأمن السياسي والعسكري فلماذا لا يتم التجسس من أجل الأمن الاقتصادي" ليس مهماً الفارق الحقيقي بين هذا الأمن وذاك، المهم أنه يحمل اسم "الأمن" وانتهينا ستشهد المرحلة المقبلة تعاظماً فظيعاً في نشاطات التجسس الاقتصادي خصوصاً في ظل مرور الاقتصاد العالمي بمرحلة بطيئة من التعافي الذي سيستغرق وقتاً طويلاً لكي يستقر عند مستويات معقولة.
ويبدو أنه في الأزمات "تشرعن" المحظورات أكثر. فإذا كانت المصارف الكبرى استنجدت بالأموال القذرة لإنقاذ نفسها من براثن الأزمة الاقتصادية العالمية، فلن يشكل تعاظم مستويات وعمليات التجسس الاقتصادي بين كل الأطراف صدمة أو حتى خبراً. إنها ممارسات "عادية" في الأوقات العادية وفي الأزمات أيضاً بل هي واجب قومي وطني في معايير الجاسوسية، وليس هناك وقت للنقاش حول الفروقات بين أمن وآخر.

في تبييض الأموال .. عليكم بالحكومات الآن

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«مليار هنا، ومليار هناك، قريبا جدا ستتحدث عن أموال حقيقية»
إيفريت ديركسين - سيناتور أمريكي راحل


كتب: محمد كركوتـــي

عاد مسؤولو البنك وصندوق النقد الدوليين ليؤكدوا للمرة الـ 100 (ربما)، أن عمليات غسل الأموال عالميا تقدر بنحو 2.9 تريليون دولار، وأن 1.6 تريليون دولار أمريكي من الأموال النابعة من مصادر غير مشروعة، يتم نقلها بين دول العالم، مشيرين إلى أن الأموال التي يتم كشفها عبر الحدود لا تعادل 2 في المائة من هذا المبلغ. والحديث عن حجم وطبيعة جني هذه الأموال، بات أكثر من الحديث عن كيفية إدارة أفضل المعارك ضد العصابات والجهات التي تقف وراء تبييض الأموال حول العالم. هناك إجراءات اتخذت بالفعل في الأشهر القليلة الماضية، ركزت فقط على المصارف، ولاسيما الكبرى والمتوسطة منها، بما فيها مصارف حصلت على تمويلات حكومية لمنعها من الانهيار في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية. أي أن أموالا شرعية تلوثت في خزائن هذه المصارف ذات الأسماء الرنانة.
والتركيز على المصارف الكبرى يبدو أسهل كثيرا في الحرب على عمليات تبييض الأموال، رغم أن هذه المصارف غسلت مليارات الدولارات دون حسيب أو رقيب على مدى عقود. وأغلبية المصارف المتورطة، اختصرت الطريق على نفسها وعلى السلطات (ولاسيما الأمريكية)، واندفعت بحثا عن تسويات معها، تضمن لها أقل الغرامات الممكنة. فالغرامات وإن كانت بمليارات الدولارات، ليست ذات قيمة فيما لو قورنت بحجم الأموال القذرة والمشينة التي مرت بها، ودخلت خزائنها، لتخرج نظيفة لا يلتصق بها شيء. الجزء الأكبر من هذه الأموال يدخل في القنوات المالية والاستثمارية المشروعة في كل بلدان العالم. وقد يكون التذكير مفيدا بأن أموال المخدرات على وجه التحديد، شكلت سندا رئيسا للمصارف التي غاصت في الأزمة الاقتصادية، وقد ثبتت السلطات الأمريكية هذه الحقيقة الصادمة في ملفاتها، وستظل وصمة عار إلى الأبد.
لعل من أهم الحقائق المروعة التي توصلت إليها المنظمات الدولية كالبنك وصندوق النقد الدوليين، أنه لا يتم الكشف (حتى الآن) إلا عن 2 في المائة فقط من الأموال المغسولة، وهي نسبة مرعبة، إذا ما قورنت بالحجم الإجمالي الذي اتفق عليه لهذه الأموال. كما أن 1.6 تريليون دولار أمريكي من الأموال النابعة من مصادر غير مشروعة، يتم نقلها عبر دول العالم، وللتذكر أيضا، فقد ورد في تقرير لمنظمة النزاهة المالية العالمية، أن 946.7 مليار دولار هي أموال غير مشروعة، تم تهريبها من 150 دولة نامية في عام 2011. وبحسب المنظمة نفسها، ارتفعت هذه الأموال بما لا يقل عن 13.7 في المائة عن حجمها في عام 2010، وفي هذا السياق، تصل فاتورة الجريمة المنظمة عالميا إلى 870 مليار دولار سنويا، كل هذه الأموال يتم تحريكها ونقلها عبر العديد من البلدان، بما فيها البلدان الغربية. فقد وجدت ملاذات آمنة فيها، على شكل استثمارات "إنتاجية"، وشراء عقارات باهظة، ولا بأس من التبرع لجمعية خيرية هنا وجامعة هناك، وغير ذلك من الأعمال التي تكمم الأفواه في كثير من الأحيان.
اتبعت الكثير من الدول أنظمة مقيدة لحركة الأموال، بعضها لا يسمح بنقل أكثر من عشرة آلاف دولار للفرد الواحد. وفي كل الأحوال، فإن أعلى مبلغ مسموح به هو في حدود 20 ألف دولار. لكن مثل هذه الإجراءات لم يكن لها أي هدف فعلي على صعيد محاربة عمليات تبييض الأموال. وتؤكد الحكومات في الغرب والشرق، أن عدد البلاغات الخاصة بهذه الجريمة قليل جدا، وهذا يعني أن الأموال المغسولة تعج في جميع البلدان، رغم كل الإجراءات الدولية التي تم الاتفاق عليها. لكن علينا ألا ننسى، أن بعض الحكومات، بما فيها حكومات تقوم بأداء تمثيلي رائع في "حربها" ضد تبييض الأموال، تفسح مجالات واسعة لهذه الأموال ضمن حدودها. هناك بعض المناطق في هذا العالم، تم إنقاذها اقتصاديا من خلال الأموال القذرة، قبل التبييض وبعده.
لم تعد الاتفاقات الدولية مهمة في هذا المجال. هناك آلاف الطرق التي يمكن أن تقبلها بعض الحكومات من أجل خزن هذه الأموال لديها. وإذا ما أراد العالم بالفعل الوصول إلى درجة مقبولة في معاركه ضد تبييض الأموال، فعليه أن يكون أكثر صراحة وشفافية مع بعض الحكومات المشكوك في تعاونها مع أصحاب الأموال غير المشروعة. والمصارف الكبرى والمتوسطة لم تعد بعد الحملة الأخيرة عليها، مكانا آمنا لتبييض الأموال. فالعيون عليها، وستبقى لأجل طويل، بصرف النظر عن مستوى النتائج. صحيح أن هناك اعتبارات سياسية تمنع نقل المعركة إلى صميم الحكومات نفسها، ولكن الصحيح أيضا، أنه لابد من القيام بذلك، إذا ما أريد بالفعل لهذه الجريمة أن تتوقف، أو على الأقل أن تصل إلى مستويات متدنية.
نحن نعلم، أن بعض الحكومات الغربية تحتفظ بهذه الملفات لاستخدامها سياسيا في الوقت المناسب، أو لجعلها أداة ضغط مستمرة. ولا يبدو أن هذه الحكومات ترغب في أن تعترف بأن تبييض الأموال ليس قضية سياسية. إنها مسألة حياة أو موت في العديد من البلدان الفقيرة، والمجتمعات التي تعيش على عتبة الكفاف.

الثلاثاء، 24 يونيو، 2014

العنصرية البريطانية الاقتصادية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





"الوطنية لا تكفي. علي ألا أضمر كراهية أو مرارة لأحد"
إديث كافيل - أديبة بلجيكية


كتب: محمد كركوتــــي

تزداد في بريطانيا مشاعر العنصرية تجاه الأجانب. هذا أمر بات مؤكداً من أكثر من جهة بحثية واستقصائية محلية. ومهما كانت الأسباب، هناك سبب رئيس في هذا المجال، يتعلق بالجانب الاقتصادي. فالبريطانيون يعتقدون أن الأجانب يأخذون فرصهم في العمل، ولاسيما أولئك القادمون من شرق أوروبا، الذين باتوا يشكلون بالفعل ثقلاً عمالياً كبيراً في مختلف أنحاء المملكة المتحدة. ويرى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير عكس ذلك، بل يهاجم البريطانيين، ويتهمهم بالكسل، ولذلك فهم يبحثون عن مبرر، ولم يجدوا إلا توجيه الاتهام للعمالة الأجنبية تحديداً، وبصورة متصلة، الأجانب (الأوروبيون منهم وغير الأوروبيين) الذين يستفيدون من نظام المعونة الاجتماعية الحكومية. واستنتاج بلير فيه من الصواب والخطأ في آن معاً. فالأمر لا يتعلق فقط بكسل البريطانيين، بل بتحولات اقتصادية واجتماعية وجغرافية.. وغيرها من المؤثرات الأخرى.
والحديث عن تزايد مستوى عنصرية البريطانيين يجري بصورة أكبر منه عن العنصرية في بقية بلدان القارة الأوروبية، ولاسيما الغنية منها على الرغم من أن بريطانيا تحتل المراتب الدنيا في العنصرية مقارنة ببعض البلدان الأوروبية الأخرى، مثل فرنسا أو ألمانيا أو إيطاليا وغيرها. بل إن العنصرية في العديد من بلدان أوروبا الشرقية تفوق تلك الموجودة في المملكة المتحدة. ولأنها تتمتع بقدر أدنى من العنصرية (تاريخياً)، فإن أي ارتفاع في مستواها داخل الأراضي البريطانية، يبقى لافتاً أكثر من غيره. يضاف إلى ذلك، حوادث الاعتداءات القاتلة الأخيرة التي شهدتها لندن، ضد عدد من الرعايا الخليجيين، وهي بالفعل اعتداءات لم تألفها العاصمة البريطانية سابقاً، التي تتصدر قائمة المدن العالمية، كأفضل مكان لتآلف الأعراق والجنسيات. بل إن سياسيين بريطانيين بارزين، يفخرون بهذه الصيغة الاجتماعية المميزة.
الأوقات تتغير، وتتغير معها المشاعر والرؤى والمفاهيم. فتآلف الأمس ليس بالضرورة أن يحتفظ بآلياته الإنسانية والحضارية. وفي كل الأحوال يعود السبب الرئيس إلى الأوضاع الاقتصادية غير المريحة التي تعيشها بريطانيا، رغم أنها أفضل حالاً من غيرها ضمن نطاق الاتحاد الأوروبي، باستثناء ألمانيا. في بحث لمؤسسة البحوث الاجتماعية البريطانية المعروفة باسم NatCen، أظهر أن ثلث البريطانيين يعترفون بأنهم متعصبون عنصرياً. اللافت في هذا البحث، أن التعصب العنصري عاد إلى الارتفاع منذ انخفاضه إلى أدنى نسبة بلغت 25 في المائة عام 2001! وأكد مرة أخرى ميزة لندن في هذا المجال، إذ اعترف 16 في المائة من سكانها بأنهم متعصبون، في حين ارتفعت النسبة إلى 35 في المائة في منطقة غرب وسط البلاد. مع ضرورة الإشارة إلى أن هذه النسبة ترتفع في أوساط العمال الذكور، أكثر منها في شرائح المتعلمين والمثقفين. وبلغت النسبة لدى حملة الشهادات 19 في المائة، فيما تجاوزت 38 في المائة عند الذين لا شهادة لهم.
هذه النسب وتفاصيلها ليست غريبة. فدائماً.. تكون مشاعر التسامح والتفهم أعلى في أوساط المتعلمين منها في أوساط غير المتعلمين. الغريب فيها أنها ترتفع في ظل انتعاش اقتصادي واضح تتمتع به بريطانيا مقارنة بغيرها من بقية الدول الأوروبية. أي أن العنصرية ارتفعت والبلاد في طريقها للخروج من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية. وهذه الأخيرة كما نعلم، جلبت معها كل خراب ممكن، وأججت مشاعر العنصرية في غالبية بلدان العالم. لقد بات الناس ينظرون إلى القادم الجديد، كمقتنص لفرصة عمل، حتى وإن لم تكن هذه الفرصة متاحة أصلاً! فالمسألة تبقى أساساً اقتصادية، وبقية العوامل الأخرى، ليست سوى تفاصيل تظهر تارة هنا وتارة هناك، لكنها قابلة للتراجع أيضاً هنا وهناك.
و"اقتصادية" المسألة ترتبط ارتباطاً يكاد يكون وحيداً في عملية الهجرة. فحتى ما قبل الأزمة العالمية، كان تدفق الأوروبيين الشرقيين إلى بريطانيا هائلاً، خصوصاً من البلدان التي بدأت بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في أوائل العقد الماضي. وهؤلاء (كالعادة) يوفرون عمالة أرخص من العمالة البريطانية. فضلاً عن أنهم يتمتعون بمزايا الرعاية الاجتماعية المختلفة، باعتبارهم مواطنين ضمن نطاق الاتحاد الأوروبي. ولهذا السبب ليس غريباً، أن يظهر البحث المشار إليه حقيقة اعتبرتها دوائر المؤسسات الاجتماعية البريطانية مقلقة. ففيما قال 90 في المائة من الذين اعترفوا بأن لديهم تعصبا عنصريا، إنهم يريدون خفض عدد المهاجرين إلى بريطانيا، قال 73 في المائة من الذين ادعوا أنهم لا يضمرون مشاعر عنصرية إنهم يريدون ذلك أيضا. وأمام هذه النسب، يمكن تفهم حقيقة ارتفاع مستوى التعصب العنصري في بريطانيا. فهذا التعصب، بات موجوداً حتى بين الشرائح التي لا تضمر مشاعر عنصرية!
حتى ما قبل الأزمة العالمية، كان تدفق الأوروبيين الشرقيين إلى بريطانيا هائلاً، خصوصاً من البلدان التي بدأت الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في أوائل العقد الماضي. وهؤلاء (كالعادة) يوفرون عمالة أرخص من العمالة البريطانية. فضلاً عن أنهم يتمتعون بمزايا الرعاية الاجتماعية المختلفة، باعتبارهم مواطنين ضمن نطاق الاتحاد الأوروبي. ولهذا السبب ليس غريباً، أن يظهر البحث المشار إليه حقيقة اعتبرتها دوائر المؤسسات الاجتماعية البريطانية مقلقة. ففيما قال 90 في المائة من الذين اعترفوا بأن لديهم تعصبا عنصريا، إنهم يريدون خفض عدد المهاجرين إلى بريطانيا، قال 73 في المائة من الذين ادعوا أنهم لا يضمرون مشاعر عنصرية إنهم يريدون ذلك أيضا.

الثلاثاء، 17 يونيو، 2014

هلع المصارف من عقوبات مستحقة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





"المصرفي هو الشخص الذي يقرضك مظلة في يوم مشمس، ويطلب إرجاعها في لحظة سقوط الأمطار"
مارك توين أديب أمريكي

كتب: محمد كركوتــــي

تمر المصارف الكبرى والمتوسطة في الدول الغربية على وجه الخصوص بحالة هلع شديد، لم تشهدها منذ انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية قبل ست سنوات. وهي حالة تشكل امتداداً طبيعياً للأخلاقيات المصرفية الغائبة عن هذه المؤسسات المالية. وتمثل أيضا استحقاقاً عليها أن تواجهه. وبصيغة أوضح، عليها أن تتحمل عواقبه وعقوباته ومعاييره وقراراته وأحكامه. ظن القائمون على بعض هذه المصارف، أن الكوارث التي مرت بها من جراء الأزمة الكبرى كافية. وأن الأزمة (وآثارها التخريبية) ستبرر السلوكيات المصرفية غير اللائقة، أو في أسوأ الأحوال، ستخفف الغضب من جانب السلطات عليها. واعتقد هؤلاء، أنه في زمن الطوارئ، تباح المحظورات! ألم تستخدم (المصارف) أموال المخدرات القذرة خلال الأزمة المشار إليها، في محاولات يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟!
لكن الأمر ليس بهذه السهولة أو السذاجة. ما كان سارياً قبل الأزمة وخلالها، لم يعد له مكان على الساحة المصرفية. وسلوكيات الأمس المشينة، باتت اليوم تهدد وجود المؤسسات المالية ككيانات مصرفية. وأصبحت خطيرة إلى درجة لا يمكن التهاون فيها، أو التعامل المرن معها. باختصار، لم تعد العيون مغمضة، بل صارت قوتها ضعف ما كانت عليه في السابق. إنه استكمال لعملية إصلاح كانت مستحقة منذ أكثر من ثلاثة عقود. صحيح أنها أتت بفعل أزمة، وليس وفق المعايير الواجبة، لكنها ماضية حتى النهاية للوصول إلى الهدف. والهدف واضح. كل مصرف (أو مؤسسة مالية) يرتكب مخالفات أو تجاوزات سيدفع الثمن غالياً جداً، بما في ذلك إمكانية إغلاقه إلى الأبد. ولذلك ينتشر الهلع والخوف في أجواء المؤسسات المالية، التي تعرف أنها ارتكبت خطايا أكثر مما ارتكبت من أخطاء، وأن أيام الحساب حُددت لكل مصرف متورط.
لا يزال المال غير الأخلاقي يمر عبر المؤسسات المالية، بل إنه تجاوز في بعض المؤسسات المال الأخلاقي نفسه. وهذه مسألة تحتاج إلى سنوات طويلة وقرارات قاطعة من قبل السلطات الرقابية والحكومية المختلفة. اليوم، المسألة السائدة، هي تلك المتعلقة بانتهاك قرارات الحظر المفروضة غربياً على دول مثل إيران والسودان وسورية، وحتى بعض المنظمات الإرهابية، كحزب الله اللبناني - الإيراني. تضاف إليها قضية الملاذات الآمنة للأموال الهاربة من الضرائب في بلادها، وتحديداً من الولايات المتحدة. غالبية المؤسسات المالية الكبرى متورطة في هذه المسألة وتلك القضية. وفي ظل تفعيل التحرك ضدها، زادت المخاطر عليها. لقد بدأت الولايات المتحدة الحملة القوية بهذا الصدد، وتفكر دول أخرى (منها بريطانيا)، في شن حملة مشابهة في أقرب فرصة. وإذا كانت هناك مصارف "تخصصت" في انتهاك قرارات الحظر، وأخرى ركزت في الأموال الهاربة من الضرائب، فإن هناك مصارف مارست المخالفتين معاً.
بعض المصارف اختصرت الطريق وفتحت ملفاتها، أملاً في غرامات مخففة أو بعقوبات يمكن أن تتحملها. وبعضها بدأ سلسلة من المفاوضات. لكن البعض الآخر لا يزال يعاند. بل إن مصرفاً كـ "بي إن بي باريبا" الفرنسي الكبير، تمكن من تحويل مشكلته مع الولايات المتحدة بخصوص انتهاكات قرارات الحظر، إلى مشكلة بين هذه الأخيرة وفرنسا، خصوصاً والحديث يجري عن غرامة قد تصل إلى 10 مليارات دولار، كافية "لقصم ظهر" أي مصرف. وقد بلغ الأمر حداً، أن ربطت الحكومة الفرنسية (نظرياً في الوقت الراهن) المسألة بمستقبل العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، بحيث كان موضوع المصرف المذكور على رأس جدول المحادثات الثنائية الأخيرة التي جرت بين رئيسي البلدين. غير أنه لا توجد أي مؤشرات على تراجع من الجانب الأمريكي. فالمصرف ارتكب بالفعل انتهاكات كبيرة جداً لحساب إيران والسودان، ولا بأس من منظمة إرهابية هنا وأخرى هناك.
تقوم المصارف الكبرى والمتوسطة حالياً بإعادة تقييم الوضع العام. فتلك التي لم يأت دورها، بدأت بالفعل سلسلة من الاتصالات للتوصل إلى صيغة حل يضمن لها دفع الحد الأدنى من الغرامات، بعيداً عن القضاء وساحاته. وهناك عشرات من المصارف السويسرية توصلت بالفعل إلى اتفاق مع واشنطن في الأشهر الماضية حيال الملاذات الضريبة الآمنة، بما في ذلك فتح ملفات عملائها بالكامل للسلطات الأمريكية. على الساحة المصرفية حالياً معايير جديدة، وحملات متجددة، تعيد الحد الأدنى المطلوب من النزاهة إلى القطاع المصرفي العالمي. أما مسألة النزاهة الكاملة، أو المرتفعة، فهي قضية ستبقى بعيدة عن هذا القطاع، لأن الأدوات التصحيحية المصرفية لم تستكمل بعد، والعمل على إحداثها جار.
إن زيادة المال الأخلاقي في المؤسسات المالية، يحتاج أيضاً إلى زمن يوازي الزمن الذي قضم فيه المال غير الأخلاقي الأموال المشروعة. وهذه في النهاية قضية، تفوق انتهاكات العقوبات والتهرب الضريبي بشاعة وعنفاً وضرراً. إنها ترتبط بكل الموبقات، من المخدرات إلى الاتجار بالبشر إلى سرقة المال العام، إلى التهريب، والتزييف وغيرها. هي قضية لا تختص بحكومة ومصرف، أو حكومة وأخرى، بل تتعلق مباشرة بالوجدان الإنساني.

قنبلة الغذاء البشرية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





 
«الجوع ليس قابلاً للنقاش»
هاري هوبكينز - وزير التجارة الأمريكي الأسبق




كتب: محمد كركوتــــي

الفارق بين الجوع وسوء التغذية، أن الأول يُميت الآن، والآخر يُميت لاحقاً. البعض يعتقد أن الجوع أفضل! لأن المعاناة الناجمة عنه تنتهي بمساحة زمنية قصيرة، تمثل ''رأفة قاتلة'' في حين أن سوء التغذية يوفر أطول مدة للمعاناة. أي أنه ''قاتل تدريجي''، وطبعاً ''تسلسلي''. وفي كل الأحوال، هما عار متجدد على الإنسانية، وتحديداً على الدول التي تضع المخططات تلو الأخرى، لماذا؟ لـ ''رفعة'' البشرية، في أن يكون للإنسان حد أدنى للعيش، يتدبر فيه أمر كرامته وإنسانيته. هذه المخططات، لا تختلف كثيراً، عن باب جميل مزخرف، منقوش ومحفور بمهارة عالية، لمنزل عامر بالخراب والمصائب، والويلات المتجددة. لو تحولت كلمات ومواقف السياسيين ''الكبار''، حول ضرورة صيانة الإنسانية، إلى مال يُصرف وتنمية واقعية، لتحققت كل الأهداف قبل مواعيدها، ولوفر المخططون أوقاتهم لعمل شيء آخر. ولا بأس لو استثمروها في إجازات فقط.
اليوم، توصل المختصون إلى ماذا؟ إلى أن الارتفاعات الكبيرة في أسعار المواد الغذائية، توقف التقدم العالمي في خفض معدلات وفيات الأطفال والأمهات. ويمكن لأي إنسان بسيط يجلس على ''ترعة'' في إحدى القرى النائية في أفقر دولة في العالم، أن يتوصل إلى هذه النتيجة، دون الحاجة إلى ''مفكري'' منظمة الغذاء العالمية، ولا ''مبدعي'' البنك وصندوق النقد الدوليين، ولا لخبراء ''ملهَمين''. فارتفاع أسعار الغذاء، يهدد مباشرة حياة أكثر من 165 مليون طفل حول العالم، خصوصاً أولئك الذين يعيشون (إن اكتسبوا هذه الصفة) في البلدان الفقيرة. البنك الدولي ''يُشكر'' على دراسته الأخيرة، التي أكد فيها، أن تمويله لبرامج الغذاء سيزيد إلى 600 مليون دولار أمريكي في عامي 2013 و 2014، من 230 مليوناً في 2011 و 2012، على أن يوزع هذه الأموال، عبر المؤسسة الدولية للتنمية التابعة له، خصوصاً في إفريقيا وجنوب آسيا.
لا يمكن بالطبع تحميل المؤسسات الدولية مسؤولية استفحال هذه الكارثة. فهي تعمل وفق الموارد التي تصلها من الدول المعنية بهذا الأمر، فضلاً عن أن هذه الدول هي التي تسيطر على قرارات هذه المؤسسات، كما تسيطر على قرارات المنظمات والهيئات الدولية الأخرى. وعلى هذا الأساس، ليس هناك مخرج واقعي، إلا بتحويل الأزمة من قيد المؤسسات المذكورة إلى عهدة الحكومات الكبرى مباشرة. فكل المؤشرات، تدل على أن المصيبة لا تتضخم فحسب، بل توسع نطاق انتشارها، حتى في الدول التي تشهد نمواً اقتصادياً عالياً. وطبقاً لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو).. فحتى مع ارتفاع مداخيل الدول، فإن تحسن التغذية لا يحدث تلقائياً. وقد أعطت الهند مثالاً على ذلك. ففي هذا البلد نما الاقتصاد ثلاثة أضعاف في الفترة الواقعة بين عامي 1990 و2005، غير أن 42 في المائة من الأطفال دون الخامسة، كانوا أقل من الوزن الصحي في العام الماضي، وهو المعدل نفسه الذي سُجل قبل خمس سنوات!
أسعار الغذاء ستواصل الارتفاع في العامين الجاري والمقبل، في الوقت الذي ينخفض فيه المخزون الغذائي، بسبب تراجع الحراك الزراعي في الكثير من البلدان. وهذا يعني أن الأسعار ستمضي إلى مزيد من الارتفاع، خصوصاً مع نقص المحاصيل. وفي تقرير (مرعب بالفعل) لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بالاشتراك مع (الفاو)، فإن الصين (أكبر بلدان العالم من حيث عدد السكان) ستستورد مزيداً من اللحوم والبذور الزيتية في السنوات العشر المقبلة. والسبب بسيط وخطير، يكمن في أن وتيرة الاستهلاك فاقت نمو الإنتاج، الأمر الذي سيسهم مباشرة في ارتفاع أسعار الغذاء على الساحة العالمية. ويعطي التقرير صورة قاتمة، عندما يؤكد أن ارتفاع التكاليف وتزايد صعوبة استغلال الموارد، وتنامي الضغوط البيئية، ستعوق الإنتاج الزراعي، في السنوات المتبقية من العقد الحالي. والأهم من هذا كله، فإن متوسط النمو سيبلغ 1.5 في المائة سنوياً بين عامي 2013 و2022 انخفاضا من 2.1 في المائة في العقد السابق. وفي كل الأحوال، ستبقى المخزونات الغذائية في الدول المستهلكة والمنتجة متدنية، وهذا يعني أن قوة على هذه الأرض، لا تستطيع السيطرة على الأسعار، ولا حتى ''تلطيف'' تقلباتها.
قبل أكثر من عامين كتبت مقالاً بعنوان ''قنبلة الغذاء النووية''. غير أن تصاعد أزمة الغذاء وأسعاره، وتراجع نمو الإنتاج الزراعي، ونقص المخزونات، كفيلة بتحويل هذه ''القنبلة'' إلى ''هيدروجينية بشرية''، ستنفجر في العالم أجمع. التوقعات تجمع، على أن أسعار الغذاء سترتفع في السنوات المقبلة ما بين 10 و40 في المائة. وهذه النسب ترفع تلقائياً نسب الذين لا يملكون قوت يومهم. فالذي كان يملك ما يضمن له يوماً آخر في الحياة، سينضم إلى أولئك الذين ليسوا على يقين بأنهم سيشهدون فجراً جديداً آخر. والنظام الاقتصادي العالمي الجديد، الذي لا يزال في مرحلة التشكل، لن يتحقق بالصورة التي يحتاج إليها العالم فعلاً، إذا ما أغفل هول أزمة الغذاء العالمية. فسوء تشكيل هذا النظام، لن يرفع معدلات سوء التغذية، بل سيأكل التغذية نفسها، دون أن يتمكن من هضمها.


 

الناتج الإجمالي الإجرامي

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


" كيف يُحصلِون ضرائب شرعية، من أموال غير شرعية؟!"
آل كابون أحد أشهر زعماء المافيا في الولايات المتحدة




كتب: محمد كركوتــــي
 
في التاريخ، يبقى آل كابون أكثر زعماء العصابات في الولايات المتحدة، الذين تمكنوا ببراعة من مقارعة سلطات مكافحة العصابات فيها إلى أن وقع. ويظل هذا المجرم، رمزاً رئيساً ليس فقط للإجرام، بل أيضاً لـ "الذكاء" الذي وفر له مساحات زمنية طويلة قبل الوقوع في أيدي العدالة، وكذلك رمزاً للمكر، والتنظيم، وتشتيت المسؤولية المشينة بين أكثر من طرف. ولكن تبقى المفارقة ماثلة في الذاكرة الأمنية والإنسانية، أن آل كابون لم يقع بالجرم المشهود، بل انتهى عن طريق ملاحقته الضريبية. فرغم قدرات القائد الأشهر لمكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية ادجارد هوفر، لم يتمكن هذا الأخير من اصطياد آل كابون إلا عبر المصيدة الضريبية. وهي مصيدة يمكن أن يقع فيها صاحب بقالة لا يزيد رأسماله على 2000 دولار، أو مدرس خصوصي، يتقاضى عشرة دولارات في الساعة. وكانت مقولة آل كابون الشهيرة.
تتقدم دول في الاتحاد الأوروبي حالياً (كبريطانيا وإيطاليا) نحو احتساب الأموال التي تدرها الدعارة حتى المخدرات والجرائم الأخرى المختلفة، ضمن ماذا؟ ضمن الناتج الإجمالي المحلي! الأمر الذي دفع مفوضية الاتحاد إلى مراجعة القواعد التي تستند إليها في تحديد حجم الناتج المحلي لكل بلد تنضوي تحت لوائه. المعارضون لمثل هذه الخطوة المحلية والأوروبية، أسرعوا بإطلاق تسمية "إجمالي الناتج الإجرامي". وهو تعبير واضح، على أن العوائد الوطنية لم تعد نظيفة، أو في أفضل الأحوال، باتت ملوثة بمداخيل مواخير الدعارة وأزقة المخدرات وشبكات الاتجار بالبشر، وغيرها من الجرائم التي يفترض أنها على رأس أولويات المكافحة العالمية. ببساطة ستكون عوائد باعة الهوى، جنباً إلى جنب عوائد صناعة السيارات والجمارك وكل قطاع توفر الدخل المحلي.
المدافعون عن هذه الخطوة يعتقدون، أنه طالما هناك مدخول يتم محلياً، فلا بد أن يجمع مع الدخل الوطني العام، بصرف النظر عن الجوانب الأخلاقية، التي تبدو بلا قيمة حقيقية، وسط بحث الحكومات الأوروبية عن مزيد من القطاعات لرفد النمو المتواضع الناجم أصلاً عن الأزمة الاقتصادية العالمية. يضاف إلى ذلك، فإن العجز في الموازنات سينخفض تلقائياً، مما يعزز تثمين الاقتصادات المعنية من قبل المفوضية الأوروبية والمؤسسات الأخرى المستقلة، خصوصاً أن كل الاقتصادات الأوروبية (بدون استثناء) تمر بمرحلة مؤلمة من التقشف، الذي لن ينتهي في وقت قريب. ولكن ماذا عن الجانب الأخلاقي؟ يقول المدافعون: الأخلاق؟! لا دخل لها هنا، في رد على الهجوم الذي تعرضت له كل من الحكومتين البريطانية والإيطالية، من جانب وزراء فرنسيين، ورؤساء ورئيسات جمعيات نسائية مختلفة وغيرها.
وفي كل الأحوال، لن تتجاوز أي دولة ترغب في إدراج مداخيل الدعارة والمخدرات وغيرها ضمن ناتجها الإجمالي المحلي، الإجراءات المتبعة أوروبياً. ويدافع معهد "يورستات" الأوروبي للإحصاء عن مثل هذه الخطوة، لأن القائمين عليه ينظرون إلى العوائد المالية بعيداً عن طبيعتها. المهم بالنسبة إليهم قيمتها ودورها بالفعل في حراك الاقتصاد الوطني. فعلى سبيل المثال، تصل عوائد الدعارة والمخدرات في بلد كبريطانيا إلى 17 مليار دولار سنوياً، وهذه الأموال ترفع بالفعل الناتج المحلي. فقد كان عن المعهد الأوروبي المذكور أن يجد رداً مقنعاً على أولئك الذين يبحثون عن الأخلاق في هذا المجال. فلم يجد أن يقول سوى "لنترك الاعتبارات السياسية جانباً". ولكن مهلاً، هل الأمر يتعلق بالفعل باعتبارات سياسية، أم أخلاقية؟!
ولعل السؤال الأهم الذي لم يطرح من قبل المدافعين عن "إجمالي الناتج الإجرامي"، يبقى، كيف يمكن حساب حجم أموال الدعارة والمخدرات بالفعل؟ هل هناك سجلات ودفاتر حسابية؟ هل توجد جداول بعدد وأسماء العاملين في هاتين الجريمتين؟ هل يمكن تحديد دخل كل بائعة هوى مثلاً؟ ما الطريقة التي تكفل حساباً واقعياً لاستهلاك المخدرات؟! وإذا ضبطت بعض المخدرات، هل تحسب ضمن القيمة المضافة؟! أسئلة كثيرة من هذا القبيل تبقى بلا أجوبة، ليس للامتناع عن ذلك، بل لاستحالة التوصل إليها بالفعل. ولهذا السبب بالتحديد، يجري حالياً وضع قواعد حسابية جديدة، ستشمل بالتأكيد تقديرات عوائد الدعارة والمخدرات، بعيداً عن أرقامها الحقيقية المستحيلة. وفي كل الأحوال، لن ينخفض صوت المعارضين، وسيظلون يتحدثون عن الجانب الأخلاقي في هذا الأمر.
لن تشكل هذه الخطوة نفس الخطورة، التي شكلها غياب الأخلاق عن الأسواق المالية العالمية، الأمر الذي أدى إلى الأزمة الاقتصادية الشهيرة، وستكون مشينة بالنسبة للسياسيين الذين اعتمدوها فقط، خصوصاً أن العوائد الدنيئة هذه ستكون اسمية أكثر من كونها فعلية. غير أنها فعلية حقيقة على الأرض، وضمن ساحة المجتمع نفسه. وإذا كانت بعض الحكومات ارتضت بضم أموال قذرة لأموال الوطن المشروعة، عليها أن تواصل تحملها العوائد الاجتماعية الناجمة عن هذا النوع من التجارة أو كما تسمى سوقياً بـ"الصناعة". اليوم، دعارة ومخدرات.. ربما في الغد، الاتجار بالبشر والأموال المنهوبة من الشعوب، والصناعات المزيفة، والتهريب وغيرها، تدخل جميعها ضمن نطاق إجمالي الناتج الإجرامي.

«لا بأس».. إنه دواء قاتل

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





لفن صناعة الدواء درجة عالية من الحب.. هو نفسه حُب للإنسانية"
أبقراط عالم إغريقي يلقب بـ "أبي الطب"

كتب: محمد كركوتــــي

لا شيء صعباً على المجرمين. كل المشاريع الإجرامية قابلة للتنفيذ، والأهم.. كلها قابلة لإنتاج المزيد من الأموال القذرة إلى حد يصعب تنظيفها. وإن تمكنوا من تنظيفها فأدران التخريب تظل عالقة بها. لا مجال لإخفائها. من تجارة الأعضاء البشرية والبشر، والحيوانات المنقرضة، والمخدرات، والدعارة، والمراهنات الرياضية، إلى تجارة الربى (أو بالعامية "الفايظ") التي تستهدف الفقراء على وجه الخصوص، وتجارة الشهادات العلمية. وإذا كانت التجارة المشروعة عرضة للكساد والازدهار، حسب الحراك الاقتصادي العالمي وأزماته، فإن تجارة المجرمين دائماً في ازدهار، وفي تنوع، وفي تطوير. فلا عجب، أن تسند المصارف المشروعة الكبرى نفسها في الأزمة الاقتصادية العالمية بأموال الجريمة، وأرصدة المافيات عابرة القارات. العجيب (ربما)، أن الحكومات التي قامت بإنقاذ هذه المصارف، اعترفت بهذه الحقيقة المخيفة.
المال القذر في كل مكان، وينتج عن كل شيء. بما في ذلك الدواء المغشوش. والدواء.. السلعة الوحيدة التي يفترض أنها تخفف الآلام، لا أن تزيدها، وأن تساهم في مد عمر المريض، لا أن تقصفه، وأن تشكل أملاً لا أن تنشر اليأس والانهيار، وأن تكون بلسماً لا سماً. والدواء المغشوش ليس صناعة جديدة، ولكنها كغيرها من صناعات الهلاك، تتطور شكلاً ومضموناً، والأهم أنها تنتج مع ما تنتجه أدوات الحماية لها. فالقائمون عليها، يستخدمون "أدوية" فاعلة حقيقية، ضد أي تحرك يستهدفهم، ويصنعون أيضاً أدوات الاستدامة لهم ولصناعتهم، في مجالات الإنتاج والتسويق والبيع، والوصول إلى أفقر قرية في أفقر بلاد العالم. ليس مهماً أنهم يستغلون الجهل في تجارتهم المشينة، المهم أنهم يستغلون الفقر. والأهم من كل هذا، أنهم يستغلون حاجة مريض يعيش آلامه بصمت وأمل في دواء عابر يخفف شيئاً من حدتها وعدوانيتها.
حجم تجارة الأدوية المغشوشة يفوق حجم تجارة المخدرات! هذا ما توصلت إليه المؤسسات الحكومية في غير بلد. وكغيرها من أنواع التجارة الإجرامية الأخرى، فإن مرتكبيها لا يلقون إلا جزءاً بسيطاً من العقاب إذا ما ضبطوا، مقارنة بالمجرمين المختصين بتجارة المخدرات. سنة سجن مع غرامة بسيطة لمجرمي الدواء، مقابل 40 سنة أحياناً وغرامات مالية هائلة لتجار ومروجي المخدرات. والمخيف أن تجارة الأدوية المغشوشة تشهد رواجاً في السنوات القليلة الماضية، لأسباب عديدة، أهمها أن مستوى الدخل المالي تراجع في غالبية دول العالم بفعل الأزمة العالمية، إلى جانب الاهتمام شبه الغائب بهذه الجريمة المتوالدة، من قبل السلطات في غالبية البلدان. وبحسب دراسة أمريكية صدرت في عام 2010، فإن حجم مبيعات الأدوية المغشوشة عالمياً بلغ 75 مليار دولار، بزيادة وصلت إلى 90 في المائة عما كان عليه في عام 2005، ووفقاً لمنظمات دولية مختصة، فإن حجم هذا الدواء المروع يتراوح ما بين 26 و48 مليار دولار من الحجم الإجمالي لسوق الدواء العالمي، البالغ 317 مليار دولار.
وإذا ما عرفنا أن الأرقام الأخيرة تعود إلى بداية القرن الحالي، علينا أن نتخيل الحجم الفعلي لتجارة الأدوية المغشوشة الآن. تقول ميراي بالسترازي مديرة شرطة الإنتربول المشاركة في مؤتمر فرنسي عقد في واشنطن حول هذه الجريمة: "هناك انفجار في تجارة الأدوية المغشوشة". وتوصل المشاركون في هذا المؤتمر (الذي كما يبدو لم يحظ باهتمام مستحق إعلامياً) إلى أن ما يقرب من نصف الأدوية المباعة عبر الإنترنت مغشوشة! وكيف تغيب إفريقيا المسكينة عن مثل هذه الجريمة؟! لقد أكد المختصون أن ما بين 30 و40 في المائة من الأدوية المباعة في القارة الإفريقية.. مغشوشة! وبحسب نائبة مديرة الإنتربول ألين بلانسون، توفي عشرات الأطفال في إفريقيا بسبب دواء مغشوش يحتوي على مادة نفطية توضع في البطاريات. ولمزيد من الفاجعة، تودي الأدوية المغشوشة بحياة 200 ألف مصاب بالملاريا سنويا في العالم!
حقائق مرعبة حقاً، مع ضرورة الإشارة إلى أنه من الصعب الوصول إلى أرقام فعلية لعدد ضحايا هذه الأدوية القاتلة، لأسباب تتعلق حتى بالسلطات الحكومية في عدد كبير من البلدان النامية، التي لا تعتبر الرقابة الطبية والصحية ذات قيمة. يقول الشاعر الإنجليزي اللورد بايرون "اضحك دائماً عندما تستطيع.. إنه دواء رخيص". لكن حتى هذا ليس متوافراً في البلدان والمجتمعات الفقيرة، الذي تتوافر لديها مجموعة هائلة من الأدوية الفاسدة. أدوية يعدك تجارها بأنها الوحيدة التي ستخفف آلامك. وهؤلاء (كما العادة) يكذبون، لأنها لا تخفف الآلام بل تزيلها تماماً بزوال متعاطيها إلى الأبد. لا غرابة أبداً، عندما تعلن السلطات (على سبيل المثال) في كردستان العراق، أنها ضبطت أكثر من 900 طن من الأدوية الفاسدة في شهر واحد فقط. السلطات في هذه المنطقة امتلكت الجرأة لتعلن ذلك. لكن كم من السلطات الأخرى تمتلك مثل هذه الجرأة؟! قليل، وقليل جداً، لأن بعضها فاسد كما الأدوية ذاتها.

أموال «تغسل» بمياه الأخيار

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«الذي يؤمن بأن المال يفعل كل شيء، قد يفعل أي شيء من أجل المال».
بنجامين فرانكلين كبير مؤسسي الولايات المتحدة

كتب: محمد كركوتــــي


كأن العالم ينقصه المزيد من الأدوات الفاسدة لصناعة المزيد من الأموال القذرة! إنها تسود الاقتصاد العالمي، وتشكل اقتصاداً موازياً، لم تنفع كل الحروب التي قامت (ولا تزال) للوصول به إلى الحد الأدنى المطلوب على الأقل. إنه اقتصاد يتوسع كلما ضاقت حوله الآفاق. تتحقق انتصارات عليه هنا وأخرى هناك، غير أنها تبقى محدودة. فأدواته متجددة مبتكرة، ووسائل أعدائه بقيت دون تغيير تقريباً، منذ أن ظهر على الساحة، وبات يمثل محركاً رئيساً. حتى عندما اعتمدت أساليب جديدة في الحرب عليه، تمكن القائمون على الاقتصاد القذر، من فك “شيفرات” الأسلحة، وطوعوا آلياته ضدها. هناك تعاون دولي بلا شك، لكن هناك أيضاً تعاونا دوليا من حكومات مارقة، مع منتجي الأموال القذرة. ولم تنفع في الكثير من الحالات العقوبات التي تفرض عليها.
غسل الأموال عبر المراهنات الرياضية ليس عملية جديدة، بل يعود إلى أوائل القرن الماضي. وازدهر بصورة أساسية قديما في الولايات المتحدة، لينتشر بصور مروعة في بقية أنحاء العالم، وفي مقدمتها بلدان القارة الأوروبية. الجديد أنه بات يستحوذ على نسبة متعاظمة من حجم الأموال القذرة عالميا، حتى إنه في بعض البلدان، بات يحقق عوائد كبيرة جدا إلى درجة فاقت عوائد المخدرات. مع ضرورة الإشارة إلى أن العقوبات التي قد تفرض على الذين يضبطون في قطاع المراهنات، لا ترقى إلى مستوى طبيعة الجريمة. خصوصاً أن غسل الأموال غير الشرعية، يتم عن طريق أدوات غير شرعية أيضاً، وهي تلك المرتبطة بطبيعة المراهنات التي تتم “تحت الطاولة”.
الدراسة الجديدة التي صدرت في فرنسا أخيرا، تظهر الحجم الهائل للجريمة المنظمة التي تستخدم في غسل الأموال من خلال المراهنات الرياضية. والدراسة أعدها باحثون في جامعة السوربون، على مدى عامين، خلصت إلى نتيجة مرعبة، وهي أن 80 في المائة من الرهانات الرياضية في العالم غير شرعية. وبعيدا عن التفاصيل، فقد ثبت أن كرة القدم ورياضة الكريكت هما أكثر الرياضات عرضة للتلاعب في نتائج الرهانات، تليهما رياضات التنس والسلة ثم تنس الريشة وسباق السيارات. بالطبع شنت مكاتب الرهانات الكبرى المعروفة، حملة شعواء على جامعة السوربون، منتقدين الطريقة التي اعتمد عليها الباحثون في الوصول إلى الاستنتاجات النهائية. لكن الحقيقة، تكمن في أنه في العام الماضي فقط، شهد العالم آلاف الحالات من الغش في هذا المجال، وهي الحالات التي تمت ضبطها، ما يعني أن هناك آلافا أخرى منها تتم على مدار الساعة حول العالم.
المهم في هذه المسألة، أن الجريمة فيها ترتكب مرتين. مرة بضخ الأموال القذرة أصلاً بغية تنظيفها، ومرة عن طريق الغش الرياضي نفسه. وماذا أيضا؟ تغلغل الجريمة المنظمة في قطاع يفترض أنه من القطاعات التي تساهم في تكريس الأخلاقيات العامة والخاصة. وتقدر الأموال التي يتم تبييضها سنويا عن طريق الغش الرياضي بأكثر من100 مليار يورو (هناك تقديرات دولية بوصول الرقم إلى 189 مليار دولار. اللجنة الأولمبية الدولية تتحدث عن 140 مليار دولار). وهو رقم هائل، يضاف إلى خزانة الجريمة المنظمة، والمنظمات المتعاونة معها، إلى جانب الحكومات المارقة المنتشرة في العالم. وإذا ما اعتمدنا على التقديرات الدولية، فإن أموال المراهنات القذرة تشكل12 في المائة من حجم الأموال التي تم تبييضها في الأسواق الناشئة في عام 2011، التي تصل إلى 947 مليار دولار! علينا أن نتخيل الحجم الكلي لهذه الأموال، بإضافة مناطق أخرى في العالم!
كل هذه الأموال “تُغسل بمياه” الأخيار والمحتاجين. هذه هي الحقيقة الثابتة. هناك أموال يتم تبييضها عن طريق مشاريع وهمية، أو مصارف قذرة في العمق ونظيفة في الخارج، أو بشراء عقارات أعلى من قيمتها الحقيقية، أو بإطلاق منتجعات ومؤسسات خاسرة أساسا، إلى آخر الوسائل المعروفة وغير المعروفة. ويتم تبييض الأموال عبر المراهنات عن طريق رشوة الحكام واللاعبين وحراس المرمى في مباريات كرة القدم، لمنعهم (كما يقول المهتمون) من إطلاق صافراتهم أو تسجيل الأهداف أو التصدي للكرات! والغريب بالفعل، أن بعض الجهات الأوروبية غير المتورطة في المراهنات المشينة، تقف ضد أي تغيير في القوانين الأوروبية، لجعل الرقابة أشد على عمليات المراهنة! ما يفسح المجال لمزيد من الأسئلة، حول دور الأموال القذرة في بعض اقتصادات الدول الراشدة نفسها.
لا شك في أن تبييض الأموال عبر المراهنات الرياضية سيتواصل، وسيحقق زخما جديدا في الأعوام المقبلة. فحتى الآن لم يتم اتخاذ قرارات حاسمة قاطعة في هذا المجال في جميع البلدان التي تجيز المراهنات في كل شيء، بما في ذلك اسم المولود الجديد للأمير وليم نجل ولي العهد البريطاني. ولا شك أيضا، أن أموال الجريمة المنظمة ستتعاظم. وليس مهما كثيرا (مثلا) خسارة منتخب إيطاليا أو البرازيل أو نادي ريال مدريد أو برشلونة. المهم أن تكون الخسارة رابحة.

الاثنين، 16 يونيو، 2014

إلى وكالات التصنيف.. البحر لم يكن «طحينة»

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"أن تستحق التقدير ولا تحصل عليه، أفضل من أن تحصل عليه دون استحقاق"
مارك توين، أديب أمريكي

كتب: محمد كركوتـــي

مهما كانت جودة الإصلاحات التي أحدثتها وكالات التصنيف الائتماني العالمية على "سلوكياتها" وأساليب عملها، ستظل تحتل مكاناً بارزاً في "التاريخ الاقتصادي"، على أنها كانت آلية من الآليات التي ضربت الاقتصاد العالمي، وأوقعته في أزمة فاقت كل الأزمات عنفاً وخراباً وبطشاً وهماً. أزمة، لا تزال آثارها ماثلة على الساحة بعد أكثر من خمس سنوات على انفجارها. لقد عملت هذه الوكالات "البحر طحينة". فكل المؤسسات والشركات أداؤها جيد! إلى درجة أنها انهارت في لمح البصر! والمثير للسخرية المُرة، أن مصرفاً كـ "ليمان براذرز" الأمريكي تمتع بتصنيف عال جداً من قبل هذه الوكالات، وكان أول وأسرع المؤسسات المالية التي انهارت في عام 2008. والأمر نفسه انطبق على كل المؤسسات، التي لم تجد في خزائنها في اليوم التالي للانفجار دولاراً واحداً، ولجأت إلى الحكومات لإنقاذها. لقد عادت إلى التأميم!!
حسنت وكالات التصنيف من "سلوكياتها"، ولكن "أدبياتها" ظلت كما هي، وآليات عملها بقيت كما كانت منذ تأسيسها. ورغم ذلك، ورغم "التحسين".. استمرت الشكوك والظنون حولها. بل إن الضرب فيها مستمر من قبل عديد من الجهات، بما فيها تلك التي تسعى لإيجاد صيغة مثلى لقطاع التصنيف الائتماني العالمي. فتحسين "السلوكيات" لم يوفر لها الغطاء المطلوب. وبقي السؤال القديم ــ الجديد مطروحا على الساحة. هل يمكن لوكالات التصنيف القيام بدور نزيه في مهماتها؟ ومنه يُشتق آخر: كيف يمكن أن تصل إلى المستوى المقبول في هذا المجال؟ وهل هناك آليات لم تستخدم في السابق، يمكن استخدامها الآن لتحقيق الهدف؟ هناك أسئلة كثيرة في هذا المجال، تطرح جميعها تحت عنوان عريض "الشك ما زال قائماً في وكالات التصنيف". وعلى هذا الأساس، يطرح موضوع العثور عن بديل نزيه بمعايير لا تشبه المعايير الحالية لهذه الوكالات.
يتمثل العامل الأهم الذي يُبقي الشكوك حول الوكالات المذكورة، أن هذه الأخيرة تقوم بتصنيف المؤسسات ولا سيما تلك المعنية بالسندات، ليس تبرعاً، ولكن بمقابل مالي كـ "أتعاب". أي أن المؤسسات تدفع كي تُصَنَف. وهنا يطرح السؤال التلقائي: هل هناك ضمانات لتصنيف حيادي نزيه، طالما أن الجهة المصنَفة تدفع للجهة المصنفِة أتعابها؟! بعض الذين يكرهون وكالات التصنيف تاريخياً، يشبهون هذه العلاقة، بتلك التي تجمع محام وموكله. فهذا الأخير يدفع في النهاية أتعاب المحامي، الذي سيواصل الدفاع عن موكله بكل قواه، حتى لو كانت كل الأدلة ضده. فلا يمكن الاطمئنان لطبيعة العلاقة بين المؤسسات ووكالات التصنيف. والوكالات لن تعمل أساساً إلا بالحصول على الأجور من المؤسسات. ولذلك، ترى جهات عدة، أنه لا بد من صيغة أخرى، توفر أعلى جودة للتصنيف الائتماني.
تطرح مؤسسة "بيرتلسمان" الألمانية حلاً يبدو واقعياً للغاية، يتمثل في تأسيس وكالة تصنيف ائتماني عالمية غير ربحية، يتم تمويلها كوقف مستدام. واقترحت ضخ رأسمال أولي قوامه 400 مليون دولار، يتم تحصيله من مجموعة واسعة من المانحين، بما فيها الحكومات وهيئات عالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والمجتمع المدني بمؤسساته ومنظماته غير الحكومية وصناعة الخدمات المالية. وهذا الاقتراح (في الواقع) ليس صعباً في تحويله إلى مشروع حقيقي، سيحل كل المشكلات العالقة. فوكالة كهذه تتمتع بالاستقلالية التامة، كما أنها (وهذا النقطة المهمة)، لا تحصل على أجورها من المؤسسات التي يجب أن تخضع للتصنيف، الأمر الذي يمنحها الحرية الكاملة لطرح تصنيفات واقعية بعيدة عن أي التباسات أو شكوك. وستكون أكثر قبولاً (بنتائجها) من جانب المستثمرين والجهات المعنية بالاستثمار في المؤسسات والشركات المصنَفة.
وباستعراض المشهد العام، نجد هناك طلباً بالفعل على وكالات التصنيف. وهذه الأخيرة شهدت في الآونة الأخيرة ازدهاراً قوياً. وهذا يعني أن هناك بيئة حاضنة إيجابية لاقتراح إنشاء وكالة تصنيف مستقلة تماماً. وقد استعرضت وثيقة وضعتها مؤسسة "بيرتلسمان" الخطوط العريضة لهيكلية الحوكمة المعقدة الخاصة بوكالة التصنيف العالمية غير الربحية، بغرض بث الثقة في استقلالية الوكالة من خلال وضع حد بين وظيفة التحليل والممولين. وهذا هو المحور الأهم "فصل التحليل عن الجهات الممولة له". وبالطبع، أطلقت وكالات التصنيف المعروفة مثل "ستاندرد آند بورز" و"فيتش" و"موديز" وغيرها حملة شعواء ضد اقتراح إنشاء وكالة مستقلة، إلى درجة أن وصفها موريتز كريمر، الرئيس التنفيذي للتصنيفات السيادية في ستاندراد آند بورز بأنها "أشبه بوحدة استخبارات اقتصادية".
ستحارب وكالات التصنيف التقليدية أي تحول في قطاعها، بصرف النظر عن أهميته. فهي بذلك تدافع عن "رزقها"، ولذلك فإنها تقوم بحملتها هذه، من منطلق أن أي تصنيف سيصدر عن الوكالة المقترحة لن يكون مفيداً بالنسبة للمستثمرين. وهذا بالطبع ليس صحيحاً. لو وجدت وكالات التصنيف مصدر رزق آخر، ستكون الشكوك حول عملها أقل حدة. غير أن تركيبتها منذ نشأتها، تقوم على المبدأ الثابت "ادفع كي أصنفك".

نمو تخريبي للجريمة المنظمة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"المجرمون لا يموتون على أيدي القانون، بل على أيدي غيرهم من المجرمين"
جورج برنارد شو - أديب إيرلندي



كتب: محمد كركوتـــي

الأموال القذرة المشينة متعددة المصادر. وإذا كانت تتوالد كما السرطان الخبيث، فإنها تولِد مصادر جديدة، ليس فقط من ناحية زخم الأموال، بل أيضاً من جهة تأمين أكبر وسائل الهروب الممكنة من السلطات المخولة بملاحقتها. هناك "قمم" تُعقد لهذا الغرض على مستوى المنظمات الإجرامية المختلفة، إلى جانب تبادل المعلومات الكفيلة بتأمين الأعمال المشينة التي تقوم بها، طالما أن ذلك لا يدخل ضمن "تضارب المصالح". ولهذا السبب أُطلق عليها "المنظمات الإجرامية المنظمة". وهي مطمئنة تماماً. فكل الجهود التي تبذلها الحكومات في الدول الراشدة، لم تحقق غاياتها في الحد حراك الجريمة المنظمة. تنجح مرة وتفشل عشرات المرات. وهذا ما أدى إلى تطوير هذا الحراك التخريبي، والوصول به إلى أفضل مستوى ممكن، بمعيار الإجرام. دون أن ننسى، ما توفره بعض الحكومات المارقة لهذه المنظمات من تسهيلات وحتى الحماية، وفي بعضها تتمتع بحصانة تفوق الحصانة الدبلوماسية قوة ومكانة.
التقارير المختلفة تتحدث عن أن حجم تجارة الجرائم المنظمة يبلغ سنوياً أكثر من 133 مليار دولار. وكان منها تقرير لمجلة "الإيكونومست" البريطانية الرصينة، الذي تحدثت فيه عن بعض المصادر المتجددة لهذه التجارة، من بينها الاتجار بقرون حيوان الكركدن والكافيار، وهي تجارة أكثر أمناً وربحاً. كيف؟ يصل سعر قرن الكركدن إلى 50 ألف دولار لكل كيلوجرام، أي أعلى من قيمة الذهب أو الكوكايين. وفي حال تم إلقاء القبض على من يحاول تهريب كيلو جرام من الكوكايين في الولايات المتحدة، قد يواجه حكماً بالسجن يصل إلى 40 سنة، وغرامة بقيمة خمسة ملايين دولار. على العكس من ذلك، قضت محكمة نيويورك على أحد مهربي قرن كركدن بالسجن 14 شهراً فقط. ويرى المختصون، أن الجريمة المنظمة باتت عالمية ومتنوعة منذ سنوات طويلة. وبحسب هؤلاء، فبعد أن كانت المافيات تتكون من عرق واحد، أصبحت الآن عبارة عن شبكة مكونة من أعراق عدة، تعمل ما بين الحدود.
غير أن هذا النوع من الجريمة والمنظمات التي تخصصت بها، لا يشكل المصيبة الكبرى. وحتى المصادر الجديدة للجريمة، ليست بوحشية ودناءة المصادر التقليدية لها. فهذه الأخيرة تمتد من الاتجار بالبشر والسلاح إلى سرقة المال العام، إلى الفساد والرشا، منتقلة لنهب المساعدات، فضلاً عن السمسرة غير المشروعة، والمخدرات، والمقامرة، والعوائد القذرة الناجمة عن غسيل عوائد أشد قذارة. أمام هذا النوع من الجرائم، لا تبدو عمليات تهريب السجائر وقرون الكركدن وأنياب الأفيال وجلود الفهود والكافيار، والأموال الناتجة عنها أشد فتكاً. إنها جرائم بلا شك، ولكن تأثيراتها المباشرة على الشعوب (ولا سيما المحتاجة منها)، تكون أقل من تأثيرات الأشكال الأولى للجريمة المنظمة. فعلى سبيل المثال، تؤكد منظمة النزاهة المالية العالمية، على أن الدول النامية خسرت نحو تريليون دولار بسبب الاحتيال والفساد والصفقات التجارية المشبوهة في 2011 وهو ما يتجاوز حجم المساعدات الأجنبية التي تلقتها.
المشكلة الكبرى، أن العصابات المنظمة دخلت في حراك الإنتاج الشرعي، بل وحتى في قطاعات الزراعة والإنتاج الحيواني والدواء، أي أنها صارت جزءاً من نسيج الاقتصادات المحلية. وهي مستعدة للدخول في أي قطاع يوفر لها العوائد التي تسعى إليها. صحيح أنها لا تستطيع الدخول في غمار القطاعات الشرعية في البلدان الراشدة، إلا أن الأمر ليس كذلك في البلدان الأخرى وغالبيتها العظمى تنتمي إلى العالم النامي. وحتى في الدول التي تمتلك أنظمة قضائية وشرطية قوية، فإنها تقف عاجزة أمام المجرمين الأذكياء الذين يعملون عبر الحدود. فهؤلاء غالباً ما تصعب محاكمتهم. والسبب أنهم يستفيدون في الفجوات الموجودة في التشريعات نفسها، إضافة إلى الثغرات الكامنة في آليات التنفيذ. إن هؤلاء المجرمين، يخفون أعمالهم المشينة في سلسلة من الأساليب المعقّدة.
هذا في الواقع، ما وفر للجريمة المنظمة ديمومة بل ومساحات لتطوير أعمالها التخريبية. فإذا كانت الدول القادرة لا تستطيع أن تجلب قادة هذه المنظمات إلى العدالة، علينا أن نتخيل الوضيعة في بلدان محكومة بسلطات مشتركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع هذه المنظمات. ولو كان القاضي معرضا للقتل إذا ما تولى قضية من قضايا المنظمات المذكورة في المجتمعات الراشدة، فإنه معرض لمكافأة مالية كبيرة في البلدان المارقة. هذا إذا وصلت قضايا العصابات إلى المحاكم أصلاً! إن الجريمة المنظمة ليست جديدة، ولكنها تتجدد، عن طريق "اختراع" مصادر أخرى وتنمية ما هو متوافر لديها، إضافة إلى ابتكار وسائل معقدة للنجاة الدائمة. ويظهر بوضوح أن المجرمين القائمين عليها، ما زالوا يسبقون السلطات التي تتعقبهم منذ عقود بخطوات طويلة! ولا تبدو في الأفق أي مؤشرات على ضرب هذه المنظمات بما يكفي للحد من أعمالها التخريبية. وفي الوقت الذي ينمو فيه الاقتصاد العالمي بصورة متواضعة، وأحياناً مضطربة، تحقق الجريمة المنظمة نمواً هائلاً.. وهي تنمو حتى في عز الكساد.

المتعة الاقتصادية الإيرانية المنقوصة


(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





 
 
"هناك قدر كبير من الاضطراب، ينبغي الاعتراف بوجوده"
وليام بالي - فيلسوف إنجليزي

كتب: محمد كركوتـــي

وفر الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ما كان يريده رئيس إيران حسن روحاني. منح طهران فرصة تتمناها، وتعمل على إيجادها بكل السبل. حصل روحاني على الفرصة الألف (ربما)، مستغلاً اضطراب السياسة الخارجية الأمريكية، أو ضعفها، أو مفهومها الملتبس لحل القضايا المحورية. أوباما دفع بنفوذ بلاده إلى أدنى مستوى منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وروحاني يدفع باتجاه المزيد من المكاسب. وهذا الأخير يعرف أن أي خطوة مهما كانت متواضعة ستحقق شيئاً في الداخل الإيراني، ليس فقط من فرط مزايا الاتفاق النووي المؤقت بين طهران والقوى الدولية، بل لأنه أتى إلى السلطة بعد أن أضاف سلفه أحمدي نجاد مزيداً من الخراب للاقتصاد والمجتمع الإيراني. فأي إنجاز هو في الواقع قفزة هائلة في البلاد. وأي قرار هو بالتأكيد أفضل من كل القرارات التي اتخذت سابقاً.
غير أن المتعة التي حصلت عليها إيران من القوى الدولية (وفي مقدمتها بالطبع الولايات المتحدة) ليست كاملة. هي أساسية بل محورية في المشهد الداخلي الحالي، إلا أنها تبقى ناقصة على الرغم من مزاياها. صحيح أن واشنطن أفرجت عن دفعات من الأموال الإيرانية المجمدة، وكذلك فعلت بعض الجهات الأخرى، لكن الصحيح أيضاً أن الوضع الاقتصادي المتردي في إيران، يحتاج إلى المزيد من "الهدايا" خصوصاً الغربية. بل إنه بحاجة إلى حالة اقتصادية طبيعية مستدامة (وليس مؤقتة)، للتخلص من الآثار التي تركتها العقوبات الدولية على البلاد، إضافة طبعاً إلى التخريب الاقتصادي الذي أحدثته فترة أحمدي نجاد. وجود هذا الأخيرة في السلطة لفترتين انتخابيتين، كان بحد ذاته عقوبة أخرى تطرح آثارها على الساحة مع العقوبات الخارجية.
وجدت حكومة حسن روحاني في الفترة الماضية، أن الوضع الاقتصادي لا يسير كما تشتهي. ولم تنفع كثيراً الأموال التي صبت في خزانتها، كما لم ينفع الارتفاع المؤقت في إنتاج النفط. فالعملة عادت لتهبط من جديد، إلى درجة دفعت القادرين الإيرانيين مالياً على العودة لتخزين العملة الصعبة والتخلص من عملتهم الوطنية. فقد هبط الريال الإيراني مقابل الدولار الأمريكي في السوق الحر الأسبوع الماضي إلى 33 ألف ريال بانخفاض 9 في المائة من نحو 30 ألفا أوائل أبريل الماضي. الفارق بين هذا الهبوط، والتراجع الهائل الذي حصل للعملة في عام 2012 يضيق. في ذلك العام خسر الريال الإيراني أكثر من ثلث قيمته أمام الدولار. وما يحدث على الساحة الاقتصادية الإيرانية الآن، يدفع حكومة روحاني إلى إعادة النظر ليس في سياسته الاقتصادية، بل في تقييمه لوزن الإيرادات الجديدة - القديمة.
في غضون تسعة أشهر تقريباً انخفض معدل التضخم الرسمي (التضخم الحقيقي أعلى دائماً) إلى32.5 في المائة، من قرابة 40 في المائة. ورغم أن هذا الانخفاض كان جيداً بالمعيار الاقتصادي الإيراني، إلا أنه بات مهدداً من التراجع الجديد المخيف للعملة، الذي يهدد أيضاً مستويات النمو المتوقعة. وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، فإن الاقتصاد الإيراني شهد نمواً في العام الماضي بلغ 1.7 في المائة، وسيشهد نمواً في العام الجاري بنسبة 1.5 في المائة. ويؤكد صندوق النقد، أن الاقتصاد انكمش في عام 2012بحدود 5.6 في المائة. إنها نقلة مهمة بالفعل فيما لو صحت هذه التقديرات، لكنها لا يبدو أنها ستسير إلى الأمام لأمد طويل. فحتى لو افترضنا أن العملة ستعود إلى التماسك بعض الشيء، فإن التراجع في تقديرات النمو بين العامين الماضي والجاري، هو بمنزلة جرس إنذار خطير.
رئيس إيران لا يتحرك دون منغصات داخلية، مما يضيف عليه الضغوط التي لا يتمناها أحد في وضعيته. الجناح المحافظ (الحاكم الفعلي في البلاد)، يرفع من حدة هذه الضغوط لأسباب عديدة، في مقدمتها عدم قناعته أصلاً بالسياسة العامة التي يتبعها روحاني، الذي لا يزال يتمتع ليس بدعم علي خامنئي، بل بعدم تعطيل هذا الأخير لسياسة الرئيس. وهو أسلوب غير إيجابي، لكنه في الوقت نفسه أقل سلبية. وتنقل وسائل الإعلام الموالية لروحاني، أن رجال الأعمال الإيرانيين الأثرياء المعارضين لإصلاحاته، دفعوا عمداً الريال للهبوط لتحذيره من التمادي في اتجاهه. غير أن الأهم من هذه الاتهامات أن العدد الأكبر من الإيرانيين، قاموا في الأسابيع الماضية بعمليات شراء هائلة للعملة الأجنبية، ليس احتجاجاً على سياسة روحاني، بل خوفاً على مدخراتهم من أن "يأكلها" التضخم.
إن الوضع الاقتصادي الإيراني الذي دخل –كما يقول المتابعون- مرحلة التشاؤم، يتجه نحو مزيد من التأزم. فالمرحلة التي مر بها في أعقاب الاتفاق النووي المؤقت، لا يمكن أن تكتسب صفة الاستدامة، كما أن هناك الكثير من الأمور لا تزال عالقة بين طهران وعواصم صنع القرار العالمي. هناك حقائق مريرة على الأرض، لا يمكن لـ "هدايا" أوباما أن تغير من طبيعتها. إنها استحقاقات لا بد من مواجهتها، تضاف إلى الاستحقاقات الداخلية السياسية والاقتصادية.

الثلاثاء، 29 أبريل، 2014

النوم في العمل .. أو «العمل» في النوم

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







«الحلم لا يصبح حقيقة عن طريق السحر. إنه يتطلب تصميما جميلا وعملا شاقا»
كولن باول وزير الخارجية الأمريكي الأسبق


كتب: محمد كركوتـــي

عندما تكون موظفاً صغيراً، تحلم كل ليلة بأن تصبح موظفاً كبيراً (مدير، رئيس مؤسسة، عضو مجلس إدارة منتدب، رئيس قسم...). وعندما يشاء القدر وتسعفك مؤهلاتك (لا الواسطة، ولا لقرابتك من ذوي النفوذ)، تحلم بـ "حلم" فيه أي شيء، إلا عملك وزملائك وموظفيك وناتج شركتك.. وخصوصاً رئيسك. باختصار.. تأمل بحلم بلا كوابيس العمل، بل وحتى بلا مسراته إن أمكن أيضاً. ترغب "بإجازة" ولو في سياق حلم، لأنك ببساطة لست مؤهلاً لإجازة بمفهومها التقليدي، ونتائجها النفسية الإيجابية، وعوائدها المثمرة عندما ترجع مرة أخرى إلى طاحونة العمل. أنت أصبحت الآن في ورطة، لن تخرج منها إلا بخروجك من موقعك الذي حلمت به يوماً، وتمنيت أن تصل إليه بأسرع وقت ممكن. عليك أن تتحمل تبعات رغبتك هذه. أنت لست موظفاً.. أنت محرك الموظفين، تحمل إذن.
في السنوات العشر الماضية، ذابت الحدود الفاصلة بين الحياة الخاصة ومعترك العمل. والسبب ليس سوى الأجهزة الذكية "اللعينة". وإذا كان هناك من نصيحة، لا تذكر هذا التوصيف أمام صاحب القرار الأخير في مؤسستك، سواء كنت مديراً أو غير ذلك. عليك في الكثير من الأحيان، أن تشكر التكنولوجيا أمامه، تملقاً أو قناعة، وتصور الحياة العملية كمشهد خراب شامل بدونها. لقد باتت أجهزة الاتصال الذكية بمنزلة شهادة دائمة (شرط أن تكون البطارية مليئة) على إخلاصك وتفانيك في عملك، وعلى عدم اكتراثك بحياتك الخاصة. فالعمل أولاً، وليس مهماً أمامه شؤون الأسرة، أو حتى شؤونك الشخصية إن لم تكن لديك أسرة. ولاؤك للأجهزة الذكية هو ولاء مباشر لعملك. لا تنسى أنها حولتك إلى ملكية لجهة عملك، ليس وفق عقد العمل، بل بالتماهي بين حياتك الخاصة والعملية. مهلاً.. تذَكرْ أن الدوام الرسمي يبدأ ولا ينتهي!
تقول الكاتبة لوسي كيلاواي، إنها توصلت إلى حل جذري لهذه القضية زوال الحدود بين العمل والحياة الخاصة، وهي على الشكل التالي: "يأتي الجميع إلى المكتب في وقت محدّد كل صباح، ويعملون لمدة ثماني ساعات يتاح لهم بعدها أن يعودوا إلى بيوتهم، وعمل كل ما يرغبون فيه من دون تدخل أو إزعاج إلى صباح اليوم التالي! حاولت جاهداً أن أعثر على حل في صيغة "حلها"، لكني فشلت. هي في الواقع أعادت كتابة بند تتضمنه جميع عقود العمل، بصرف النظر عن طبيعة الجهات التي تصدرها. ولوسي بلا شك تسخر من الحالة كلها، عندما تقدم شيئاً يعرفه الجميع وموثق، ولكن أحداً لا يطبقه. وإذا ما كان هناك جديداً حقاً في هذا الأمر، فليس سوى صفقة أثارت الجدل العارم، توصلت إليها إحدى النقابات في فرنسا، يحظر بموجبها على العاملين تبادل الرسائل النصة والإيميلات فيما بينهم خارج ساعات العمل.
ولكن هل يمكن تطبيق ذلك فعلاً؟ رغم النفوذ القوي الذي لا تزال النقابات الفرنسية تتمتع به (زال هذا النفوذ تماماً في بلد كبريطانيا) هل تستطيع هذه النقابات أن تتابع سلوكيات الترغيب والترهيب التي يمكن أن تمارسها الإدارات العليا في المؤسسات على موظفيها الكبار والصغار؟ وإن تمكنت من متابعتها، هل يمكنها أن تتخذ شيئاً حيالها، خصوصاً عندما يظهر شيئاً من الضعف من جانب الموظف نفسه؟ أغلب الظن أنها لن تستطيع أن تضمن تنفيذاً واقعياً للصفقة التي توصلت إليها. دائماً هناك من يمكنه أن يحل مكان الموظف، ويقبل أن "يمزج" عمله بـ "أحلامه" الليلية إلى جانب الكوابيس التي تأتي في أي وقت. لقد أصبح نظام العمل المحدد بثماني ساعات من الماضي فعلاً. وهذا الماضي بدأ في الواقع بالانفجار التكنولوجي في مجال الاتصالات والتواصل. فأنت معرض لأن تحضر اجتماعا مهما أو مملا أو مضنيا على الهواء مباشرة، بينما تلبس البيجاما.
يقولون إن العديد من عباقرة العالم وعمالقة الابتكار يعملون وفق نظام صارم، يفصل بين عملهم وحياتهم الخاصة. ربما يكون هذا الأمر صحيحاً، ولكن المؤسسات لا تبحث عادة عن عباقرة، بل عن منتجين مباشرين. وإذا ما احتاجت إلى عبقري، فمن السهل عليها أن تمنحه الاستثناء اللازم. فهو في النهاية فرد واحد أو اثنان. إنهم يحاولون التأكيد على أن نظام العمل المحدد بفترات زمنية معلومة لا مجهولة، يحقق النتائج المطلوبة والعوائد المرغوبة والنجاح المنتظر. غير أن الأمر ليس بهذه السهولة، لأن الذي يضع المعايير حالياً طرفان لا ثالث لهما. الإدارات العليا في المؤسسات، و"شريكتها" تكنولوجيا الاتصالات. وهذه الإدارات لا تعترف إلا بوجود حراك، والحراك في النهاية (بصرف النظر عن توقيته) يعني الإنتاج.. وهذا الأخير هو الهدف ومعه الغاية. وليس مهما طبيعة الأحلام التي تمر في "منامات" الموظف، طالما أن بطارية هاتفه الذكي Full.

الجريمة .. المصيبة التي كانت مشكلة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






«الجرائم مثل المناقب .. لها مكافآتها الخاصة»
جورج فارجوهر كاتب ومسرحي أيرلندي


كتب: محمد كركوتـــي



إنها المصيبة المتأصلة. ولا يبدو في الأفق أي أمل على حلها أو حتى التقليل من ضرباتها. أما لماذا هذا التشاؤم، فإن هذه المصيبة تتعاظم على مدار الساعة، وتأخذ أشكالاً جديدة، بل وتطرح "ثقافات" باتت تشكل حالة طبيعية في بعض المناطق، وغير صادمة في مناطق أخرى. وهذا من أخطر التحولات قاطبة، أن تكون ثقافة "المصيبة"، شيء خاضع للتطور الطبيعي. إنها ببساطة الجريمة على المستوى العالمي. لا يوجد مجتمع محصن منها، بما في ذلك البلدان التي تنعم بالرخاء، أو على الأقل، الغالبية العظمى من سكانها ينعمون بهذا الرخاء. وإذا كان لكل جريمة أسبابها، فليس هناك مبررات لكل هذه الأسباب. لقد أصبحت بعض المجتمعات تتفاخر بأن نسبة الجريمة المرتكبة فيها تتضمن معدلات أقل من جرائم القتل! حتى ولو كانت النسبة العامة للجريمة مرتفعة فيها!
بالفعل، بات للجريمة "ثقافاتها"، والخوف أن تتحول هذه "الثقافات" إلى "استحقاقات" بأشكال مروعة أكثر وأبشع. وانتشار إفرازات الجريمة يرتفع بارتفاع نسبها وطبيعتها. ولكن الأهم من هذا كله أن هناك تفاوتا مخيفا على صعيد مستويات الإدانة في هذا البلد أو ذاك. ونسبة الإدانة المنخفضة في بلد ما، تعني ببساطة ارتفاع معدلات الجريمة فيها، وتنوع أشكالها، بما في ذلك الأشكال التي لم تكن موجودة أصلاً في عالم الجريمة. ففي الدول الأكثر فساداً، يمكن بسهولة أن تصدر أحكام البراءة بحق أشد المجرمين عنفاً وقتلاً وضرراً للمجتمع. وبالطبع ترتفع مستويات العدالة، بانخفاض معدلات الفساد. إنها مصيبة في المعيار العالمي والمحلي. وهي قضية لا تتعلق "مثلا"، بارتفاع حجم الثروات "الجاهزة" للسرقة أو النهب، أو قتل أصحابها للفوز بها، بل ترتبط ارتباطاً مباشراً بمستويات التنمية الموجودة في هذا المجتمع أو ذاك.
لقد ظهرت هذه الحقيقة واضحة مجدداً، من خلال التقرير الأخير لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، الذي صدر تحت عنوان عريض "الدراسة العالمية حول القتل". وردت بالفعل نسب وأرقام مرعبة، تمنح المشكلة توصيف المصيبة. ومن أهم النقاط التي تستحق التركيز عليها، هي تلك المتعلقة بربط التنمية بمعدلات الجريمة. وليس المقصود هنا الرخاء، بقدر توفير الفرص المناسبة وفق طبيعة المجتمعات. والتنمية الطبيعية لا تحد من الجريمة فحسب، بل تضع حدوداً لـ "الثقافات" التي نشرتها الجريمة ضمن الكيانات المجتمعية، ولا سيما في المجتمعات التي ارتضتها بديلاً عن الثقافات الطبيعية لها. في هذه المجتمعات، صارت معايير الجريمة، هي الثقافة الطبيعية التي تخضع للتطور أيضاً! ليس هناك محصن من الجريمة، والفارق بين دولة وأخرى، يكون عادة في حجم الإدانات.
وحسب هذا التقرير، تسببت الجرائم في فقدان حياة أكثر من 430 ألف شخص حول العالم في عام 2012. نصف جرائم القتل حدثت في إفريقيا والأمريكتين. وأمام هذا الواقع، يرى المختصون التابعون للأمم المتحدة، ضرورة النظر برؤية مختلفة لطريقة التعاطي مع الجرائم ومسبباتها ونتائجها. وهنا يظهر الرابط بين التنمية والجريمة. فقد أظهرت الأرقام، أن المجتمعات التي تعاني نسب تنمية عالية تقل فيها معدلات الجريمة. وكلما حدث تطور اقتصادي جيد وارتفع نوعية المساواة في الدخل، تقل أيضاً نسب الجريمة. ويقول واضعو التقرير "إذا كان هناك بلد يعاني اقتصاديا، ويعاني أيضاً انعدام المساواة في الدخل .. فإننا سنرى الكثير من جرائم القتل والعنف".

واستناداً إلى التقرير، فإن متوسط معدل جرائم القتل العالمي تبلغ 6.2 لكل 100 ألف شخص، غير أن جنوب إفريقيا سجلت 30 ضحية لكل 100 ألف، وأمريكا الوسطى سجلت 26 ضحية لكل 100 ألف، إضافة إلى أن معظم الضحايا ومرتكبي جرائم القتل هم من الرجال. يشير التقرير إلى أن نسبة الإدانة العالمية لجرائم القتل المتعمد هي 43 لكل 100 جريمة قتل، ولكن هناك تفاوت بين المناطق، موضحا أنه مقابل 100 جريمة قتل، يدان 81 شخصا في أوروبا، أما في آسيا فتتم إدانة 48 شخصا. في حين يدان في الأمريكتين 24 شخصا فقط. إنها أرقام مرعبة، ليس فقط على صعيد ارتفاع معدلات الجريمة، بل أيضاً على صعيد تفاوت مستويات الإدانة. وكل ذلك بالفعل، يعود إلى غياب التنمية. حتى في البلدان المتقدمة الثرية، ترتفع معدلات الجريمة في المناطق الأفقر منها. ففي قلب مدينة كلندن أو باريس أو نيويورك هناك أيضاً تفاوت كبير في نسب الجرائم المرتكبة فيها بين منطقة وأخرى. ولا شك أن السجون لا تشكل حلولاً مثالية. في الولايات المتحدة ينفق على السجون أكثر من 8.5 مليار دولار سنوياً، وهي أموال هائلة بالفعل، يمكن ببساطة أن يذهب جزء منها إلى التنمية التي تحتاج إليها حتى داخل الولايات المتحدة. دون أن ننسى، أن العالم أنفق في العام الماضي أكثر من 1750 مليار دولار على التسليح. وعشرة في المائة منها، تحل 40 في المائة من المشكلات الناجمة عن الجريمة.


اقتصاد سورية .. من الصفر إلى الصفر

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«لن أُفاجأ فيما لو تفككت سورية بالكامل»
جيمس ستافريديس أدميرال في سلاح البحرية الأمريكية

كتب: محمد كركوتـــي


قبل عام ونصف العام تقريباً، نقل الأخضر الإبراهيمي المبعوث العربي - الدولي لحل الأزمة السورية، عن سفاح سورية بشار الأسد قوله في اجتماع خاص بينهما: "لن أترك سورية إلا دماراً وخراباً". وهذا الأخير يعرف (كما الجميع)، أن أحداً في هذا العالم لن يُوقف تنفيذ أهدافه الإجرامية الهمجية المتوارثة. فالقرار الأمريكي واضح منذ البداية، لا تدخل ولا حسم، بل إن الموقف الأمريكي يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعطيل حراك الثورة نفسها! لأسباب بعضها لا يثير إلا السخرية، وبعضها الآخر ملتبس حتى لدى أصحاب الموقف نفسه! في حين أن إمدادات الأسد (المالية، والعسكرية، والنفطية، والمرتزقة.. وغيرها) لم تتوقف من الأنظمة المارقة المساندة له، كإيران وروسيا وغيرهما. وقد تمكن الأسد بالفعل، من بسط شعاره على المشهد كله "إما أنا أو الخراب الشامل". شعار مرادف للترجمة "التشبيحية" له "الأسد أو نحرق البلد".
في ثلاث سنوات خسرت سورية 37 سنة من التنمية. وكان السوريون قد خسروا البلاد كلها على مدى أربعين عاماً، ظلت ملكاً لنظام تحكمه أسرة طائفية دنيئة. والأمر لا ينتهي عند هذا الحد. فإذا توقفت الحرب اليوم، فإن البلاد تحتاج إلى قرابة ثلاثة عقود لاستعادة اقتصادها. وهذه النتيجة الأخيرة، توصلت إليها بعد سلسلة من الأبحاث وجمع الإحصائيات المباشرة على الأرض، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). أي أن سورية تحتاج إلى ثلاثين عاماً كي تعود إلى ما كانت عليه قبل الثورة الشعبية العارمة. بمعنى أن هذه المدة الطويلة، لا تضمن ازدهاراً ولا تنمية ولا أي شكل من أشكال الإنجازات الاقتصادية. فقط العودة إلى الصفر من الصفر! فاقتصاد ما قبل الثورة، لم يكن اقتصاداً بالمفهوم المعروف. كان اقتصاد أسرة، تقوم بتطبيقه على بلاد بأكملها.
وبعيداً عن الضحايا الذين بلغ عددهم (وفق للأمم المتحدة) أكثر من 200 ألف مدني من كل شرائح المجتمع، فقد وصلت الإنتاجية في سورية بالفعل إلى ما دون الصفر. وهو أمر مفهوم، إذا ما استندنا إلى استنتاج (الأونروا) بأن ما جرى في البلاد وصل إلى مستوى الدمار في الحرب العالمية الثانية. ويقول الخبراء المحايدون، إن الأسد لم يترك لهم شيئاً لقياسه وتقييمه في المدن المدمرة، التي فقدت سكانها. وجرى تدمير منظم لكيان الأسرة فيها، وانهار اقتصادها وغابت مظاهر الحياة عنها. هذا هو توصيف الخبراء الذي يحاولون الوصول إلى توفير أفضل دراسة ممكنة للوضع الاقتصادي السوري في أعقاب سقوط الأسد. فالحصيلة الراهنة لحرب الأسد على السوريين، هي مجموعة من الخسائر للاقتصاد بلغت في العامين الأولين من هذه الحرب أكثر من 84 مليار دولار، ولو أضيفت حصيلة العام الثالث، فإن الاقتصاد خسر ما لا يقل عن 110 مليارات دولار، إلى جانب طبعاً، الخسائر الناجمة عن ارتفاع عدد العاطلين عن العمل إلى مستويات لم يسبق لها مثيل. ففي عامين اثنين انضم 2.33 مليون سوري إلى "جيوش" العاطلين في البلاد. دون أن ننسى، وصول عدد النازحين داخل سورية إلى أكثر من تسعة ملايين نسمة، وعدد اللاجئين في الدول المجاورة وحول العالم بلغ أكثر من أربعة ملايين فرد.
سيسقط بشار الأسد. هذا مؤكد، ولكن بتكاليف أكثر من هائلة. مرة أخرى لا يمكن حساب تكاليف أرواح الأبرياء بأي ثمن. ويكفي قياس هذه التكاليف بتشبيه الخبراء المحايدين الذين وضعوا سلسلة من الدراسات وفق المعايير العلمية المتبعة في المؤسسات الدولية، لحالة الدمار في سورية بناتج الدمار الذي خلفته الحرب الثانية. حسناً، هذا يعني، أن أولئك الذين امتنعوا عن وقف قتل الشعب السوري (خصوصاً الأمريكيين والأوروبيين)، عليهم (أخلاقياً على الأقل)، أن يقدموا المساعدات الكفيلة بإعادة بناء اقتصاد البلاد لمن تبقى من هذا الشعب. لا تكفي تسهيلات اللجوء التي اعتمدتها بعض البلدان الغربية، والمساعدات الإنسانية التي تمر عبر المؤسسات الدولية. من واجبهم أن يتقدموا بصورة عملية وواقعية نحو إعادة البناء هذه، تعويضاً على الأقل لدورهم في الكارثة التي شاركوا فيها بصورة مباشرة وغير مباشرة.
لن يُبقي سفاح سورية شيئاً يمكن البناء عليه في سورية. فلديه ابناً عن أب عن جد، من الحقد الطائفي ما يكفي كي يترك البلاد أرضاً محروقة خالصة. الذي يضرب الأطفال بالمواد الكيماوية، ويلقي البراميل المتفجرة على الأحياء السكنية والمساجد والكنائس والقلاع التاريخية وأضرحة الرموز الدينية، لا يهتم بمصير مؤسسة أو طريق أو سد أو مدرسة. على العالم أن يواجه الحقيقة التي شارك هو نفسه فيها، بتقاعس منقطع النظير في التاريخ. سورية لن تكون مجرد أشلاء. فحتى هذه سيقضي عليها الأسد. سورية ستكون لا شيء. فقط لا شيء. وستحتاج بعد زوال الأسد وعصاباته إلى كل شيء.. كل شيء.

معاهدة الأشرار

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«واجب عدم التعاون مع الأشرار، كواجب التعامل مع الأخيار»
مهاتما غاندي الزعيم الهندي الراحل



كتب: محمد كركوتـــي

يتسيد فلاديمير بوتين الساحة، المشهد، اللوحة. يتراجع قليلاً هنا بعض الشيء، ولكنه يتقدم كثيراً هناك. ليس مهماً التهديدات الغربية له، إلا في الحدود التي تمكنه من عدم التفجير أكثر. فالغرب يعيش حالة ارتباك سياسي (مع بوتين وغيره من المارقين)، من فرط خمول السياسة الخارجية الأمريكية، التي فضل لها باراك أوباما ذلك، إلى حين انتهاء ولايته. إلى جانب عدم وجود قيادات في بقية الساحة الغربية، يمكنها أن تُحدث توازنا ما في ظل السياسة الأمريكية الحالية. يرسل بوتين الجيوش على الحدود من أوكرانيا ويسحبها، ويتلقى مواقف غربية لا تتوازى مع هول التحرك العدواني له. لقد وجد الساحة خالية له ومعه عدد آخر من المارقين كسفاح سورية بشار الأسد، وعلي خامنئي. فلا بأس من اللعب على المكشوف وبعدوانية، طالما أن التبعات لن تكون سوى سلسلة من التصريحات التي ينتهي مفعولها بانتهاء إلقائها.
بوتين يعد الآن اتفاقاً نفطياً-عسكرياً مع إيران، على عدة مراحل، تصل تكلفته الإجمالية مبدئياً إلى 20 مليار دولار، وتبلغ تكلفة المرحلة الأولى منه ثمانية مليارات دولار. ولا تزال بنود الاتفاق سرية، أو غير معلنة. وبمجرد التوقيع عليه رسمياً، لن يتردد رئيس روسيا ولا زميله رئيس إيران في الإعلان عن تفاصيله. فليس هناك ما يردعهما على الساحة. بل على العكس، هناك صمت أمريكي رهيب إلى حد الملل. ولعل من أسباب هذا الصمت، أن البيت الأبيض نفسه، بدأ في منح الموافقات للمؤسسات والشركات الأمريكية للتعامل مع إيران. صحيح أنها لا تزال في البداية، ولكن الصحيح أيضاً، أن حواجز كثيرة على صعيد العقوبات المفروضة على طهران تحطمت بالفعل، من قبل الشركات الغربية بشكل عام. بعض رؤساء هذه الشركات لا يزالون يخشون تحولا مفاجئا سلبيا في الموقف الأمريكي حيال إيران، فالتزموا الحذر والترقب.
وعلى الرغم من أن روسيا تصدر الطاقة بمختلف أنواعها، فإن الاتفاق الذي تم تسريب بعض بنوده، يحول موسكو إلى وكيل إيران المعتمد في هذا المجال، فضلاً عن قيام الروس بمهام عديدة على صعيد تأهيل المنصات النفطية الإيرانية، وتطوير البنى التحية للقطاع النفطي بشكل عام. والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل إن روسيا ستساعد طهران على بناء محطتين نوويتين جديدتين! أي أن بوتين لا يتجاوز فحسب، بل ويتحدى الغرب كله، ولا سيما الولايات المتحدة. وللعلم، إن الاختلاف الوحيد بين الجانب الروسي والإيراني الآن هو على تسعير النفط في هذا الاتفاق. وهو خلاف يدخل ضمن نطاق تلك المساومات التي تفضي في النهاية إلى الصفقة. خصوصاً إذا ما علمنا، أن السعر المختلف حوله لا ينقص إلا دولارات قليلة عن سعر النفط في السوق الدولية.
هذا الاتفاق لن يتوقف عند بنوده، بل سيتطور لاحقاً وفي فترة قريبة إلى ما يشبه معاهدة بين الطرفين، في الوقت الذي لا تزال الشكوك تحوم حول نيات إيران حيال المنطقة والعالم. ولكن مرة أخرى، لا أحد في الأجواء قادر على إبداء الاعتراض على مثل هذه الاتفاقات، على الأقل في الوقت الراهن. ستزود روسيا إيران بالسلاح، وفق الاتفاق المذكور، وعلينا أن نتخيل خطورة ونوعية هذا السلاح، طالما أن الرقابة الغربية تساوي صفراً الآن. وبإمكان بوتين الخبير بالصفقات المروعة، أن يعلن شيئاً وينفذ شيئاً آخر في هذا المجال. فليس صعباً أن يضمن الاتفاق بنداً بتسليح إيران مثلاً بمليار دولار، بينما يورد في الحقيقة أسلحة بعشرات المليارات من الدولارات. هذا إذا فكر رئيس روسيا ببعض الاحترام للغرب النائم.
والغريب أن تحذيراً واحداً لم يصدر حتى من قبل شركاء أوباما الغربيين على هذا الاتفاق. نحن نعلم (على سبيل المثال) أن موقف فرنسا هو الأقوى على الصعيد الغربي حيال طهران، ولكنها لا تزال صامتة. والحق أن الموقف الفرنسي المتشدد، بات موقفاً صامتاً. دون أن ننسى تكالب الشركات الفرنسية على إتمام عقود مختلفة مع إيران في الآونة الأخيرة، بما في ذلك شركات لصناعة السيارات، وبالطبع الشركات النفطية والمصارف وغيرها. لن نتحدث هنا عن بريطانيا، التي فضلت الانصياع للرغبة الأمريكية حيال طهران دون حتى نقاش جدي. لا أحد يطالب هنا بالمبادئ. فهذه الأخيرة لا وجود لها على الساحة العالمية. المطلوب هو تدارك المخاطر. فاتفاق بوتين وخامنئي هذا، يعني ببساطة انفراط نصف عقد العقوبات الغربية على إيران. وإلى جانب الخروقات التي أحدثتها طهران في هيكلية هذه العقوبات، علينا أن نتخيل في المستقبل القريب، مستوى "النعم" الاقتصادية التي سيتمتع بها النظام الإيراني.
إن هذا الاتفاق ليس سوى شراكة اقتصادية مريبة بين نظامين يسعيان إلى تحدي العالم، ويتبعان أسوأ الأساليب للوصول إلى غايتهما. وهو بلا شك خطوة أولى لمعاهدة بين الأشرار، في حين لا يزال أوباما يفكر.. وسيظل يفكر حتى نهاية فترة رئاسته.

مجموعة الثماني .. «النضال» في الوقت الضائع

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«الرجل يموت، الأمة تنهض وتخبو..لكن الفكرة تظل حية»
جون كيندي رئيس أمريكا الراحل



كتب: محمد كركوتـــي

لا يَصدُق وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف غالباً. لقد تخصص على يد رئيسه فلاديمير بوتين في لي الحقائق، وهو من السياسيين المستعدين لإنفاق كل وقتهم، لإثبات أن مياه البحر ليست مالحة، وأنها صالحة للشرب! إنه يبالغ في تزوير الحقائق، لدرجة تجاوز بمراحل طويلة نظراءه في عصر الاتحاد السوفياتي. وإذا أخطأ أحد مساعديه، ونطق بالحقيقة (وقد حدث ذلك بالفعل)، فإن لافروف جاهز "لتصحيح" الخطأ! ولا بأس من تأنيب هذا المساعد أو ذاك. لقد أعاد بوتين لروسيا سوفياتيتها، ولا معنى لتغيير الاسم، ووجد في لافروف الأداة الطيعة لتنفيذ سياسة لا تقود إلا إلى الخراب. السياسيون يكذبون، لَكِنْ هناك سياسيون يكذبون أكثر من نظرائهم. ولا شك أن لافروف مثال يحتذى وفق هذه القاعدة.
ومع ذلك، فإن وزير الخارجية الروسي صدق مرة واحدة نادرة، حين اعتبر أن مجموعة الثماني لا قيمة لها أمام مجموعة العشرين. وقال "إن إخراج روسيا من مجموعة الثماني ليس مأساة". وهذا صحيح، لأن هذه المجموعة لم تعد كما كانت قبل الأزمة الاقتصادية العالمية، ولأن وجود روسيا أصلاً فيها، كان نوعاً من أنواع المجاملة الذي فرضه الانفراج الدولي، في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، ولأن مجموعة الثماني، لم تخضع نفسها للتطوير طوال السنوات الخمس الماضية. أما قبل الأزمة الاقتصادية، فلم يكن هناك داع للتطوير أصلاً. فقد كانت هذه المجموعة تسيطر بالفعل على الاقتصاد العالمي، وهذه السيطرة كانت سبباً رئيساً للكارثة الاقتصادية العالمية الكبرى. وعندما يسيطر المرء على شيء، لا يفكر عادة في التغيير أو التطوير أو الإصلاح. أذكر أن وزير الخارجية البريطاني الأسبق دوجلاس هيرد، قال في خضم تردي أوضاع حزب المحافظين الحاكم في بريطانيا مطلع التسعينيات "إذا أردنا أن نصلح الحزب، علينا أن نكون في المعارضة، وليس في السلطة".
لافروف الذي استهجن تجميد عضوية بلاده في مجموعة الثماني، تلقى دعماً قوياً ممن؟ من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي قالت علانية "إن مجموعة الثماني التي تضم روسيا ماتت". والحق أن موت المجموعة لا يرتبط بخروج روسيا، بل بوجودها كمجموعة على الساحة. لقد تحولت بعد الأزمة الاقتصادية إلى ناد ارتبط بقائه بهيبة الدول الأعضاء فيه. فكان لا بد من استمراره بأي صورة من الصور. في وقت، أعادت فيه الأزمة طرح مفهوم الهيبة للنقاش، بل و"إعادة تدوير" هذا المفهوم.. إن جاز القول. وسواء دخلت روسيا أم خرجت أم جمدت، فقيمة مجموعة الثماني استمرت بشكل مختلف، ضمن مجموعة العشرين فعلاً. فهذه المجموعة الأخيرة، هي التي أخذت زمام المبادرة على الساحة العالمية في أعقاب الانفجار الاقتصادي الكبير. وأهمية الأعضاء الثماني، باتت متماهية مع أهمية "العشرين" كلها.
ورغم الأهمية الكبرى للدول الأعضاء في "الثماني"، إلا أنها باتت جزءاً من مجموعة أهم. و"الثماني"، ليست كما الاتحاد الأوروبي، الذي يمكن أن يُحدِث مصيبة فيما لو قرر طرد دولة عضو فيه. التشابك في مجموعة الثماني يستحيل أن يصل إلى التشابك في الاتحاد. فعلى سبيل المثال، لا ترتبط - حتى الآن - الدول الأوروبية ضمن"الثماني" باتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة، وكذلك الأمر بالنسبة لدولة كاليابان، التي لا تزال "تقاتل" من أجل اتفاقية تجارية عادلة مع أمريكا. وحتى التشريعات الأمريكية الراهنة – مثلاً - لا تسمح بتصدير الغاز الأمريكي لأوروبا المتعطشة له، في حين أن هذا القطاع هو أول القطاعات الأوروبية التي ستتضرر من التخارج مع روسيا. وعندما تقع المصائب العالمية، لا تتجه الأنظار إلى"الثماني" بل إلى "العشرين".
لن تخسر روسيا من خروجها من مجموعة الثماني، لكنها بلا شك ستواجه خسائر كبيرة جراء العقوبات التي تفرضها أوروبا وأمريكا واليابان وغيرها. والخسارة الوحيدة التي يمكن أن تضرب موسكو بطردها من المجموعة، ليست سوى خسارة رمزية. إنها ستفقد وضعية وجودها في ناد يضم الكبار فقط، بصرف النظر عن أهمية هذا النادي. لم يخف وزير الخارجية البريطاني وليم هيج مشاعر الألم عندما قال عن اجتماع لمجموعة الثماني بدون روسيا "بالطبع إنها ضربة قوية للمجموعة". غير أن هذا ليس حقيقياً، لأن الضربة القوية لا تؤثر في جثة هامدة، أو في أفضل الأحوال، في مجموعة هي جزء رئيس في مجموعة أكبر وأكثر فاعلية وقوة.
إذا أراد "أبطال" مجموعة الثماني أن يُحدثوا تحولاً حقيقياً في هذا المجال، ليس أمامهم سوى العمل على شكل من أشكال العزل ضمن مجموعة العشرين نفسها. غير أن هذا الأمر لن يكون سهلاً لاعتبارات ومواقف سياسية متباينة مفهومة. كما أن الأمور لم تنضج بعد، للانتقال إلى مثل هذه الخطوة. وفي كل الأحوال، تستطيع مجموعة الثماني، أن تعتبر أحداث منطقة القرم في أوكرانيا وتطوراتها، بمنزلة دافع جديد لإعادة النظر في المجموعة نفسها، وقبل ذلك، لإعادة "تثمينها" في ضوء المتغيرات التي حدثت في الأعوام الخمسة الماضية، وليس من منطلق التمنيات.

لعنة السندات الإفريقية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






«الرجل المدين.. هو في الواقع عبد»
رالف إيمرسون فيلسوف وشاعر أمريكي


كتب: محمد كركوتـــي

حسناً، حجم مديونية القارة الإفريقية مرتفع.. ويرتفع. وهذا أمر سيئ. وفي أفضل الأحوال، غير متوافق مع آمال النمو التي تعيشها الدول الإفريقية، وغير الإفريقية التي تتعاطف معها وتعمل بصدق من أجل الوصول إلى أجود نقطة اقتصادية ممكنة. الإعفاءات السابقة من الديون، شكلت في الواقع ما يمكن اعتباره "رأس مال" للدول الإفريقية للنهوض، أو على الأقل لبدء التحرك نحو شكل من أشكاله. وتقدمت بعض الدول في هذا الاتجاه. فأعباء الديون التي كانت تعيش تحتها، شكلت كابحاً للحراك، ورغم أن الدول الدائنة أخذت وقتاً ليس قصيراً، لتعفي من الديون، إلا أنها أخذت في النهاية خطوة كانت واجبة، أكثر مما كانت خطوة سخية. ولم تتم هذه الخطوة، إلا بعد حملات مختلفة، تزعّمها نيلسون مانديلا رئيس جنوب إفريقيا الراحل، وانضمت إليها مجموعة كبيرة من القوى والشخصيات المختلفة، فيها المطربون.
يقول الشاعر والكاتب البريطاني الكندي روبرت سرفيس "الوعد هو دين لم يسدد". لقد وعدت الدول الكبرى أن تخفف ما أمكن من الأزمات الاقتصادية في القارة الإفريقية، وعليها أن تفي بوعدها. هناك بلا شك عوائق كثيرة في عدد من الدول الإفريقية، ناتجة أساساً من حال الفساد المتواصل. مع ضرورة الإشارة إلى أن دولاً أخرى في هذه القارة، حققت قفزات نوعية في مجال محاربة الفساد. ومن السخرية، أن طبيعة العون أو المساعدة التي تقدمها القوى الكبرى للبلدان التي تشهد فساداً، تسهم هي الأخرى في تعظيم الفساد، عن طريق وصول الأموال إلى غير مستحقيها، وفي طرق مريبة. على كل حال، هذه قضية أخرى، تستحق التركيز عليها في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل ظهور وثائق رسمية في الغرب، أثبتت ضياع نسبة كبيرة من أموال المساعدات والمعونات الاقتصادية والإنسانية.
الديون لا تصنع الأعباء فحسب، بل تنشر الهموم أيضا. فقد قال بنجامين فرانكلين أحد مؤسسي الولايات المتحدة "الأفضل أن تذهب إلى سريرك بدون عشاء، بدلاً من أن تستيقظ بالديون". لقد عادت بالفعل مستويات الدين للارتفاع من جديد في كثير من الدول الإفريقية، وأول ضحية لها هو النمو الاقتصادي في المنطقة. وفي السنوات القليلة الماضية، تحققت مكاسب لافتة على الصعيد الاقتصادي الإفريقي. وهذه المكاسب باتت مهددة بالفعل، بإجماع كل الاقتصاديين، الذين حذروا مما أسموه "لعنة السندات". وإصدار السندات فيه من المخاطر أكثر من المكاسب، خصوصاً في بلدان لا تزال تسير بخطوات بطيئة في اتجاه "ثقة اقتصادية" لا تزال غائبة عن المشهد. فقد قامت دول مثل غانا والسنغال ونيجيريا ورواندا وزامبيا.. وغيرها بإصدار سندات بحثاً عن مزيد من الاقتراض. ومع تراجع حجم المساعدات الخارجية، زادت وتيرة الاقتراض، بما في ذلك القروض الأعلى كلفة من جهات تجارية.
ورغم أن مستوى المخاطر في هذا الشأن لا يزال منخفضا، إلا أن الأمر لن يبقى كذلك في المستقبل القريب، خصوصاً في ظل التنامي غير الصحي للاقتراض، وإصدار السندات. وعلى صعيد القروض العالية التكلفة، يقول الاقتصادي جوزيف ستيجليتز الحائز على جائزة نوبل "القطاع المالي يحب أن يجد من يفترسهم وأحدث فرائسه هي الحكومات في الدول النامية". والمعادلة باتت مكشوفة. سترتفع مستويات الدين بصورة لن تستطيع الدول المدينة تحملها، وبعد ذلك سيتدخل البنك وصندوق النقد الدوليين للإغاثة الاقتصادية. وحسب ستيجليتز، سيتكرر المشهد من جديد! والوضع الاقتصادي العالمي الآن ليس كما كان قبل الأزمة الاقتصادية العالمية؛ فالدول التي شطبت في السنوات التي سبقت الأزمة ما يقدر بـ 100 مليار دولار من ديون القارة الإفريقية، ليست على استعداد الآن للقيام بخطوة مماثلة.
والدول الدائنة هي نفسها تعيش أزمات ديون هائلة، وضعت بعض بلدان الغرب تحت ما يمكن تسميته بالوصاية من جانب المنقذين. مع ضرورة التذكير بأن المنقذين أنفسهم، باتوا في السنوات القليلة الماضية يخضعون لمجموعة من الضغوط. سواء تلك الناجمة عن ارتفاع الدين الحكومي، أو ضغوط سياسية محلية تكبل أو تعيق تحرك الحكومات. كل المؤشرات تدل على أن مستويات الديون في بلدان مثل غانا وأوغندا وموزمبيق والسنغال والنيجر ومالاوي وبنين.. وغيرها تتجه للعودة إلى ما كانت عليه قبل الإعفاءات من الديون، التي تتمتع بها. ورغم أن متوسط الزيادة في الدين بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي لا يزال متواضعاً، لكن المؤشرات على المخاطر بدأت تظهر.
بعض الدول الإفريقية حافظت على توازن الحالة الاقتصادية فيها، غير أنه لا توجد ضمانات لعدم انضمامها إلى شريحة البلدان الساعية لمزيد من الاقتراض. والحق أن مسؤولية القوى الكبرى لا تنحصر فقط في الإعفاء من الديون، بل تشمل أيضاً مراقبة مباشرة لما يجري على الساحة الاقتصادية في القارة الإفريقية. فأي انفلات اقتصادي مقبل لن يبقى في إطاره الإفريقي بل سيخرج من هذه القارة إلى أرجاء أخرى من العالم.

تسجيل الدخول