الثلاثاء، 21 فبراير، 2017



ما بين حلفاء جدد وحلفاء متخاصمين



"التحالف مع الأقوياء ليس آمنا"
أفلاطون، فيلسوف إغريقي راحل


كتب: محمد كركوتي
بينما لا يزل الغرب في حالة ارتباك من وصول دونالد ترمب إلى السلطة في الولايات المتحدة، لأسباب باتت معروفة للجميع، في مقدمتها، أن أولويات واشنطن تغيرت أو في طريقها إلى التغيير، وبعض الاضطرابات السياسية في الغرب نفسه، كان طبيعيا أن يدعو وزير خارجية روسيا لافروف إلى أهمية إنشاء نظام عالمي جديد! وكأن النظام العالمي الراهن قديم جدا، ولا يعود إلى أقل من عقدين من الزمن فقط. أما لماذا كانت دعوة لافروف طبيعية، فلأن روسيا لا تزال تعيش حالة "الانفراد" على الساحة الدولية، ليس من فرط قوتها، بل من تقاعس الغرب، بقيادة الولايات المتحدة نفسها عندما كانت في ظل إدارة باراك أوباما. الآن، أعلن ترمب بوضوح أن التحالفات العميقة والعتيقة لا تأتي في المرتبة الأولى، بل ربما هي في مراتب بعيدة عنها كثيرا.
من الواضح أن الغرب "بقيادة الاتحاد الأوروبي هذه المرة"، لم يكن مهيأ لأي تحولات بمستوى تلك التي تعتزم الإدارة الأمريكية الجديدة اعتمادها. وهذه نقطة ضعف أخرى، تؤكد أن هذه الكتلة الهائلة من البلدان والبشر، تفتقر في الواقع إلى "استراتيجية طوارئ" لمواجهة المتغيرات السياسية بل الاقتصادية أيضا، واعتمدت دائما على بدهيات العلاقة مع الولايات المتحدة، من خلال مفهوم ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي يستند إلى أن أمن الغرب من أمن الولايات المتحدة وبالعكس. كانت الكتلة الأوروبية "مخدرة" مشلولة القوى، في رحلة أوباما في الحكم، ولا تكفي أزمة ديون اليونان (مثلا)، ولا حتى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لتبرير هذا "الخدر" وذاك "الشلل".  والغريب أن الحكومات كانت مقتنعة بأن تحالفات الأمس لا يمكن أن تمس اليوم! إنها قناعة بائسة في زمن المتغيرات.

أمام هذا الواقع، اندفعت أوروبا إلى تقليل الأضرار المتوقعة من أي سياسة حمائية محلية قد تتبعها الولايات المتحدة في السنوات الأربع المقبلة على الأقل. فما يجري على الساحة العالمية حقيقي بالفعل، وليس مجرد بالونات سياسية، أو شعارات فارغة، أو مناورات إعلامية لا قيمة لها. ومن هنا يمكن فهم إقدام الاتحاد الأوروبي على اختصار الزمن لعقد قمة بينه وبين الصين، هذا البلد الموجود حاليا على رأس قائمة البلدان المستهدفة من قبل إدارة ترمب اقتصاديا. ماذا يريد الاتحاد من الصين؟ يريد ببساطة تسخير دعمها العلني. كيف لا والقيادة الصينية لم توفر مناسبة إلا أكدت فيها أنها تريد "أوروبا قوية". هذا الخطاب الصيني ظهر في الواقع، حتى قبل أن تطفو على السطح حقيقة سياسات ترمب المزمعة.
 أوروبا تتجه إلى إنشاء تحالف ما مع الصين في وجه التوجهات الأمريكية، وأيضا ضد الأمنيات والغايات الروسية. فهي تعلم أن الصين كقوة اقتصادية بوزنها السياسي الدولي يمكن أن تعدل الكفة إذا أنتجت سياسات ترمب ما لا تحمد عقباه، دون أن ننسى، أن أوروبا نفسها "تستصغر" حالها، لأن ما تملكه "حتى في ظل وضعها السياسي الإقليمي الراهن"، يمكن أن يوجد التوازن المطلوب. وضعفها الراهن ليس من خارجها بل من داخلها، شعبوية متنامية، حكومات مهزوزة، افتقارها إلى قيادات سياسية فاعلة، كتلك التي مرت عليها في أعقاب الحرب العالمية الثانية. كل هذه عوامل تسهم في الاضطراب الأوروبي، لكنها لا تلغي حقيقة قوة هذه القارة اقتصاديا وسياسيا، على الرغم من كل المؤثرات السلبية الراهنة.
لا شك أن رفع مستوى التعاون بين الاتحاد الأوروبي والصين، يسهم في توازن المشهد العام، خصوصا أن ترمب نفسه استهدف بلدا كالصين وبعده مباشرة استهدف ألمانيا بمواقف اقتصادية مخيفة، في مقدمتها الاتهامات بخفض قيمة عملتي البلدين. ناهيك عن مطالباته التي لم تتوقف منذ يوم القسم، بضرورة رفع المساهمة المالية الأوروبية في حلف شمال الأطلسي (الناتو). الاندفاع الكندي الواضح والصريح  يسهم أيضا في الرد على ترمب، فرئيس وزراء هذا البلد أعلن صراحة، بعد ساعات من انتهاء زيارته لواشنطن، أن "على كندا والاتحاد الأوروبي قيادة الاقتصاد العالمي". ففي محادثته مع ترمب، لم يجد بارقة أمل واحدة لتغيير في المفهوم "الترمبي" للعلاقات الاقتصادية الدولية، خصوصا بين بلاده وحلفائها.
نحن نعيش تحولات دراماتيكية حقيقية، ليس فقط بسبب السياسات الأمريكية الجديدة، ولكن أيضا من جهة اتجاه التحالفات التي قيل يوما إن شيئا لا يمكنه النيل منها. ستكون هناك مواقف روسية مهللة لهذه التحولات، لأن الصين نفسها وجدت أنها أقرب "بمفاهيمها الحالية المتجددة" إلى الاتحاد الأوروبي منها إلى موسكو. دون أن ننسى، أن هذه الأخيرة لا تمتلك في الواقع استراتيجية واضحة يمكن الاستناد إليها، وهي تقوم بما يمكن وصفه بـ "الصيد غير المناسب، في الأوقات المناسبة"! الأشهر القليلة المقبلة، ستشهد متغيرات حقيقية، كانت حتى وقت قريب جدا، بعيدة عن أي احتمالات. 

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 14 فبراير، 2017

اقتصاد «الحرس الثوري»




"إرهاب نظام ولاية الفقيه أكبر من إرهاب تنظيم داعش"
العلامة الشيعي - محمد الحسيني أمين المجلس الإسلامي في لبنان


كتب: محمد كركوتي

لم يكن اعتراف محسن رضائي سكرتير مجلس تشخيص مصلحة النظام مفاجئا. الرجل (وفي خطوة نادرة بين مسؤولي إيران)، كان صادقا عندما أكد فشل بلاده اقتصاديا، فيما لو قورنت ببلدان كالسعودية وتركيا والولايات المتحدة وغيرها. وكان صادقا أكثر دون مواربة "إن إيران بعد الثورة تطورت من الناحية الأمنية، لكنها فشلت وتخلفت من الناحية الاقتصادية". بالطبع هذا الكلام ليس جديدا من حيث الواقع المعيش، الجديد أن مسؤولا بهذا المستوى يعترف به علانية ورسميا، بعيدا عن أي مخاوف (وربما تهديدات) قد يتعرض لها من جانب العصابات المعلنة والسرية التابعة لعلي خامنئي، الرئيس الحقيقي الفعلي للنظام الإيراني. وكما هو معروف، فإن أكبر الانتقادات في إيران هي تلك التي توجه لحكومة سابقة، أو حتى رئيس سابق، وليس لنظام يؤمن بأنه لا يرتكب الأخطاء، وأنه منزه عنها. إنه نظام ما يسمى بـ"ولاية الفقيه"، الذي مأسس خرابا وطنيا يحتفل به!
ليس مهما مصير رضائي بعد هذا الموقف النادر حقا. قد لا يتعرض لأي شيء، أو ربما سيستهدف بأشكال متفاوتة ألفها الشارع الإيراني مع السياسيين "غير المنضبطين" في البلاد. المهم، أن ما قاله كان صحيحا من الناحية العملية، وعبر الأرقام حتى الرسمية منها، رغم الشكوك الدائمة التي تحوم حول هذه الأخيرة. لا استراتيجية حقيقية على الصعيد الاقتصادي في البلاد، وبالتالي تجد أنه حتى في ظل الاستفادة الواضحة لهذا البلد من رفع بعض العقوبات الغربية عنه بفعل الاتفاق النووي، فإن انعكاساتها لم تظهر بأي صورة على المشهد الاقتصادي العام. الحاصل المؤكد، أن أولوية نظام الملالي تبقى تمويل استراتيجية الإرهاب والإجرام والتدخلات هنا وهناك، وترك التنمية الاقتصادية الوطنية على الهامش.
الناتج المحلي الإجمالي، والنفط، واحتياطيات العملة الأجنبية، وقيمة العملة الوطنية نفسها، والتضخم، والبطالة، والإنتاج الصناعي، وحركة التجارة والفقر، وغير ذلك من مكونات المشهد الاقتصادي الإيراني معروفة للجميع، كلها انتقلت من سيئ إلى أسوأ، حتى بعد الانفراج المالي لهذا البلد عبر الإفراج عن نسبة من الأرصدة التي كانت مجمدة في الخارج، والعوائد النفطية الجديدة، وحصول بعض الحراك الاستثماري الأجنبي المتردد. والمشكلة الرئيسة هنا، لا تتعلق فقط بالفوضى الاقتصادية المحلية، وغياب الاستراتيجية الملائمة للانطلاق من جديد، ولا بالفساد المتعاظم على مختلف المستويات، بل ترتبط مباشرة بما أصبح يعرف في البلاد بأنه لا يوجد في الواقع "اقتصاد إيران" بل "اقتصاد الحرس الثوري"! وهذا التوصيف كاف لإسكات الأفواه التي تفكر في الحديث عن الوضع الاقتصادي حتى بألطف العبارات الممكنة. من يجرؤ حتى على لوم "الحرس"؟ فكيف الحال بانتقاداته؟!
الحرس الثوري الإيراني الإرهابي، زاد من أزمات إيران الاقتصادية تفاقما، ليس فقط لأنه يسيطر على قرابة نصف الاقتصاد الوطني (وربما أكثر)، بل لأن اسمه بحد ذاته يشكل تهديدا للاقتصاد ككل. لماذا؟ لأن كثيرا من المؤسسات الاستثمارية القادرة على التمويل، وكذلك المصارف العالمية الكبرى، تخشى خوض غمار الاستثمارات والعمل في إيران لسببين. الأول عدم وجود حدود لسيطرة "اقتصاد الحرس الثوري" على "اقتصاد إيران الوطني"، والخوف الباقي من العقوبات الأمريكية التي قد تتعرض لها هذه الجهات، رغم كل التطمينات التي أطلقتها واشنطن في أواخر أيام باراك أوباما، بل والتطمينات من جانب إدارة دونالد ترمب، بأن الجهات الغربية غير المخالفة لن تتعرض لأي ملاحقة أو غرامات أو عقوبات في تعاملها مع إيران.
لا يبدو أن هذه التطمينات ذات معنى أو جدوى. فخوف المؤسسات باق بل يتصاعد، خصوصا مع اللهجة السياسية التهديدية لإدارة ترمب تجاه إيران. وببساطة، إذا لم تكن هناك مصارف عالمية كبرى يمكن أن تتعاطى مع الحراك الاقتصادي الإيراني، فإنه لا يمكن لهذا الاقتصاد أن يقوم بأي عملية استثمارية إنتاجية ذات جدوى وقيمة، مهما كانت المغريات الإيرانية. لكن الأمر لا ينحصر فقط في هذا الجانب. فالتدخلات الإيرانية العدوانية التخريبية في هذا البلد أو ذاك، تستنزف (كما هو معروف) أي عوائد مالية للبلاد، و"الحرس الثوري"، يستهلك الحجم الأكبر من هذه الأموال، لتنفيذ عملياته العدائية والإرهابية والإجرامية وفق أوامر مباشرة من علي خامنئي. أما الحجم الآخر من الأموال المشار إليها، فيذهب إلى "إسناد" القيادات "الثورية" ومن يعمل بأمرتها على الصعيد الشخصي.
هذه المعلومات ليست سرية، الكل يعرفها والشارع الإيراني يتحدث عنها بأصوات تعلو مرة وتصمت مرات عدة، لكنها دائمة الحضور بسرية في كل الساحات الإيرانية. كلهم يعرفون أن عوائد الاتفاق النووي كانت كبيرة بالفعل على الصعيد الاقتصادي، لكنها لم تظهر على الساحة بأي شكل من الأشكال. وهم يعرفون أيضا أن "الحرامي" الذي يمتص أموال الشعب الإيراني، هو نفسه الذي يدعي حماية هذا الشعب!

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


الاثنين، 13 فبراير، 2017

المصارف .. المهم «ماتتمسكش»


"كلما ازدادت المعلومات عن كل واحد منا في ملفاتنا لدى المصارف، كلما نقص وجودنا"
مارشال ماك لوهان فيلسوف كندي

كتب: محمد كركوتي

أحسب أن مديري المصارف الأجنبية والأمريكية المتورطة حتى قمم خزائنها بانتهاك الحظر الأمريكي المفروض على عدد من الدول، يرددون قبل نومهم وفي الأحلام وعند الاستيقاظ، هذه اللازمة "أسرع.. أسرع. سوي قضاياك مع السلطات القضائية الأمريكية، قبل فوات الأوان". وفي مكاتبهم، يجتمعون يومياً للوصول إلى الصيغة المثلى للتسوية. أو بمعنى أدق، للوصول إلى أقل الغرامات الممكنة التي تقبل السلطات الأمريكية فيها، دون اللجوء إلى ترك القضايا بين أيدي القضاة. فالقضاء الأمريكي لن يرحم، وسيضع أرقاما فوق أخرى ليصل إلى أعلى الغرامات. والقضاء (كما بقية الجهات) يعرف سلفاً أن هذه المصارف جنت أموالاً طائلة من القفز فوق قوانين الحظر، على مدى السنوات الماضية، وساعدت أنظمة مارقة في إيران والسودان وسورية وليبيا وغيرها، على تدوير الأموال وإعادة صبها مجدداً لدى حكومات هذه الدول. غيرت المصارف نفسها منذ عقود، وبدلت أهداف وجودها أصلاً. وتحولت (بإرادتها مستغلة التسيب الرقابي المروع) إلى مؤسسات لجمع الأموال، بصرف النظر عن مصادرها، ومدى مشروعيتها. المهم أن الأموال تتجمع، ومسألة الأخلاقيات ليست ذات أهمية. في إحدى المسرحيات المصرية القديمة يقول الممثل" أنا عاوز أشتغل شغلانة شريفة، لكن المهم ما تمسكش". ويقول الفيلسوف الأمريكي ناعوم تشومسكي "قبل السبعينيات كانت المصارف، مصارف. تعمل وفق معايير الاقتصاد الرأسمالي. تأخذ الأموال غير المستخدمة من حسابك، وتحولها للاستخدام، كمساعدة أسرة على شراء منزل، أو إرسال طالب إلى الجامعة". بالفعل لم تعد المصارف.. مصارف، خصوصاً الكبرى في العالم الغربي ذات الأسماء الرنانة، ولا بأس من نسبة ليست قليلة من المصارف المتوسطة. المهم بالنسبة لها "ماتتمسكش". لكنها "اتمسكت"، ليس فقط من نافذة انتهاك العقوبات، بل أيضاً من جحور غسيل الأموال، والتهرب من الضرائب، وتوفير ملاذات آمنة لأموال غير مشروعة. وماذا أيضاً؟ مسؤوليتها عن الأزمة الاقتصادية العالمية. يظهر كل يوم مصرف هنا وآخر هناك، ليعلن اعترافه بذنب انتهاك العقوبات على عدد من الحكومات المارقة، واستعداده لتسوية الأمر مع السلطات الأمريكية عن طريق غرامة، يتمنى أن تكون مقبولة لدى الجانب الأمريكي. بالطبع أشهر هذه المصارف كان "بي إن بي باريبا" أكبر مصرف فرنسي، الذي قام بحساب سريع جداً، يقوم على المفاضلة بين تسعة مليارات دولار غرامة طوعية، أو 12 مليار دولار غرامة مؤكدة عبر القضاء. وقد عرف المصرف الفرنسي مبكراً أن تهديدات حكومته للإدارة الأمريكية، بما في ذلك فرض عقوبات تجارية على الولايات المتحدة، لا قيمة لها. بل كانت واشنطن تنشر في الأجواء حتى عدم سماعها لتلك التهديدات. فالدفع كان أفضل وسيلة لحماية المصرف، والدفع الفوري الأقل، أجدى من الدفع المؤجل الأكبر. الغرامات تحط بالمليارات في خزائن الولايات المتحدة. ففي غضون عام تقريباً، جمعت واشنطن أكثر من 80 مليار دولار غرامات من مصارف أمريكية وأجنبية، تتعلق بانتهاك قوانين الحظر، وغسيل الأموال، والتهرب الضريبي، وحماية المتهربين من الضرائب الأمريكية، والمسؤولية عن الأزمة الكبرى. والأسبوع الماضي فقط، دفعت مجموعة "ستي جروب" المصرفية الكبرى سبعة مليارات دولار، عن دورها في الأزمة. وقبله دفع مصرف "جي بي مورجان تشايس" 13 مليار دولار (ضرائب وأزمة). و"بنك أوف أميركا" دفع 9.5 مليار دولار (أزمة). و"كريدي سويس" 2.6 مليار دولار (ضرائب). و"إتش إس بي سي" دفع 1.92 مليار دولار (تبييض أموال). و"جي بي مورجان تشايس" دفع 1.7 مليار دولار (احتيال). ووسط هذا التدفق من الغرامات، يظهر مصرف ألماني هنا وآخر إيطالي هناك، وبريطاني في أي مكان، ليدفع غرامات ما دون المليار دولار. الوضع لا يتوقف عند دفع الغرامات، هناك منهجية "إذلالية"، تقوم بها السلطات الأمريكية ضد المصارف المتورطة في كل شيء تقريباً. ويبدو التشهير بها أقلها عنفاً وأثراً. فقد قدم (على سبيل المثال) مصرف "كريدي سويس" قبل أيام، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ المصارف قائمة بأسماء أكثر من ألف من موظفيه إلى السلطات الأمريكية. وهذه الأخيرة ستحقق معهم، وقد يقدمون للمحاكمة على الأراضي الأمريكية. ومن شروط الاتفاق المهين، أنه يجب على المصرف أن يذكر بدقة اختصاصات ومهام كل مسؤول فيه، والمصرف السويسري طلب من موظفيه أخذ الحذر في التحقيق. حرب "أمريكا" على المصارف المحلية والخارجية مستمرة. ولن تنتهي قريباً. ففي غضون ساعات من اتفاق "كريدي سويس"، أبدى 13 مصرفاً سويسرياً الرغبة في تسوية مماثلة سريعة. بعض هذه المصارف بدأ يتأثر مالياً من جراء الغرامات الهائلة. والبعض الآخر يمكنه الاستمرار والنمو، ليس من فرط النجاح المصرفي الهائل، بل من العوائد المالية الضخمة التي تم جنيها على مدى عقود من العمليات غير المشروعة. مع ضرورة التأكيد دائماً على أن الأموال القذرة أنقذت المصارف نفسها خلال الأزمة الاقتصادية العالمية. إنها "مذبحة المصارف" بكل تأكيد، ولكن دون قطع شريان الحياة.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

عندما تكون صناعة الدواء بلا أخلاق




«لا تقلل أبداً من تأثير المال الذي يذهب رأساً على شكل رشوة»
كلود كوكبورن - صحافي ومؤلف أيرلندي

كتب: محمد كركوتي

يبدو أن لا شيء في السوق محميا من الرشوة والاحتيال والفساد والتهريب والسمسرة السوداء. ها هي شركات الأدوية المعروفة وغير المعروفة، تدخل منذ سنوات في بؤرة الفساد والاحتيال، بحيث أصبحت أخبار التجاوزات فيها أكثر من أنباء الاكتشافات الدوائية الجديدة. وبدلاً من قيام هذه الشركات بين الفترة والأخرى، بطرح منتج دوائي حقيقي رخيص، يقوم ممثلوها في عدد كبير من البلدان، بعقد الصفقات المريبة، التي تستند في الدرجة الأولى، إلى تمرير ما أمكن من المنتجات الدوائية ضمن الأنظمة الطبية والصيدلانية، بصرف النظر عن الاحتياج لها. وهي عمليات احتيال تنال من المنافسة الشريفة التي تضمن في النهاية حقوق المنتج والمستهلك. والمروع أن شركات أدوية شهيرة حتى عند العامة، دخلت في نطاق السوق السوداء المتجددة. بصرف النظر عن مواقفها المعلنة المستنكرة لما يحدث. والاستنكار لا يعفي هذه الشركات من المسؤولية عن تجاوز ممثليها في البلدان المستهدفة للأنظمة التجارية والطبية الشرعية، بل إن هناك عشرات الأسئلة تتعلق بمدى اطلاع مجالس إدارة شركات الدواء على عمليات الاحتيال والرشوة التي تجري في هذا البلد أو ذاك. بعض المعلومات تفيد بأن قرارات تتخذ على مستوى مجالس الإدارة، تدعم عمليات الرشوة لتسويق المنتجات. ولهذا السبب خضعت (ولا تزال) عديد من الشركات للتحقيقات من قبل السلطات في بلدانها (وكلها بلدان غربية)، بينما وجدت بعض الشركات أنه من الضروري التوصل إلى تسويات مع السلطات المشار إليها، وحصر القضايا ضمن تفاهم يحل عبر غرامات مالية، على طريقة المصارف الملوثة التي فضلت دفع الغرامات الهائلة بدلاً من ساحة القضاء. وفي السنوات الماضية، خضعت شركات منتجة للدواء للتحقيقات السرية. من بينها "ميرك"، و"باكستر"، و"بريستول – مايرز سكويب"، و"إلي ليلي"، و"أسترازنيكا"، و"سميث آندنيفيو". وكلها أسماء رنانة في نطاق اختصاصها. وتوصلت شركة "فايزر" الأمريكية في سياق هذه التحقيقات إلى تسوية مع وزارة العدل، حول اتهامات تتعلق بتقديمها دفعات وصفها القانونيون الأمريكيون بأنها "غير لائقة" خارج الولايات المتحدة. ولأن القضايا حساسة، والأدلة قوية لا لبس فيها، أسرع القائمون على هذه الشركات لتسويات مالية. غير أن ذلك لم يوقف عمليات الرشوة والاحتيال وتقديم دفعات "غير لائقة". وطبقاً للمعلومات التي ظهرت على الساحة أخيراً، فإن هناك شركات قامت بتسويات مع حكوماتها بالفعل، لكنها عادت إلى الأسلوب القديم المكرر في الاحتيال. سواء بشكل مباشر، أو عن طريق ممثلين لها في بلدان تفتقر إلى الرقابة الحكومية الصارمة في قطاع مؤثر وحساس مثل قطاع الدواء والعلاج. وفي مطلع العام الجاري، لم يغب اسم شركة الأدوية البريطانية "جالاكسو سميث كلاين" الشهيرة، عن الأخبار الآتية من أنحاء مختلفة في هذا العالم. وفي كل مرة يتم تداول هذا الاسم، يربط برشا هائلة يقدمها وكلاؤها من أجل تمرير صفقات من الأدوية، بما في ذلك عقاقير لعلاج السرطان ومنع جلطات الدم. كان آخر هذه الفضائح من سورية. وجاء في الاتهامات أن الشركة عن طريق ممثليها في المنطقة، قدمت رشا للأطباء ومسؤولين في النظام السوري، من أجل تمرير الصفقات، بما في ذلك منتجات ليست مطلوبة بصورة ملحة في البلاد. هذه القضية جاءت بعد أن افتضح أمر قضايا مماثلة للشركة في كل من الصين ولبنان وبولندا والعراق والأردن. في حين يعتقد محققون أن الشركة متورطة أيضاً في بلدان أخرى. أسرعت الشركة البريطانية بالفعل إلى فتح تحقيقات مع ممثليها في الدول المذكورة، لكن أحداً لم يسمع بنتائج هذه التحقيقات حتى الآن. فهي تؤكد أن إدارتها في المقر الرئيس، لا علاقة لها بقضايا الرشا والفضائح الملازمة لها، وأن التسيب يمكن أن يحصل هنا وهناك، وأنها عازمة على إيقاف هذا النوع من الفساد في مكاتبها ووكالاتها حول العالم. ولكن في النهاية، لا تكفي تحقيقات الشركة ذاتياً، خصوصاً أن الأطراف الأجنبية المتورطة، لا تتمتع قوانين بلدانها بالحد الأدنى المطلوب من النزاهة. فقد أثبتت تحقيقات السلطات الأمريكية مع عدد من شركات الأدوية في الولايات المتحدة أهميتها بل نجاعتها. فلا يمكن ترك الأمور لتحقيقات داخلية، لا يمكن ضمان نتائج نزيهة لها. بل رغم ذلك، فقد رشحت معلومات تفيد بأن الشركات التي خضعت للتحقيقات والغرامات فعلاً، ترتكب مخالفات مشابهة. تحقق شركات الأدوية حول العالم، والمتمركزة بصورة أساسية في البلدان الغربية، أرباحاً طائلة من عملياتها المشروعة. فشركة "جالاكسو سميث كلاين" تحظى بعوائد سنوية تصل إلى أكثر من 26 مليار جنيه استرليني. ويبدو أن هذه الأموال الطائلة، هي أقل مما تسعى إليه الشركة. في حين أن طبيعة إنتاجها ينبغي أن يخضع أيضاً إلى المعايير الأخلاقية، فهي لا تنتج الساعات المرصعة بالألماس، ولا السيارات المطلية بالذهب. إنها تصنع الدواء، بل لنقل إنها تصنع الأمل. وهذا وحده يفرض عليها قيما تخضع لمعايير السوق، بلا شك، ولكن بمستويات أخلاقية مقبولة.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

العدوان على المستقبل


"يا آباء يا أمهات، لا تنتقدوا ما لا تفهمونه. إذا كنتم لا تريدون تقديم يد المساعدة لأبنائكم، لا تقفوا في طريقهم".
بوب ديلان - شاعر ومغن أمريكي

كتب: محمد كركوتي

ستبقى مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الحاضرة الدائمة لسنوات طويلة مقبلة، وهي كذلك على جميع الجهات. محليا وأوروبيا وعالميا. ومهما بلغت براعة أولئك الذين يقللون من آثار هذا الخروج، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يزيلوا المخاوف ليس في أوساط من وقف مدافعا عن البقاء ضمن الاتحاد فحسب، بل ضمن بعض الشرائح التي صوتت للانفصال. وترى القلق باديا حقا على وجوه المسؤولين البريطانيين (وزراء الخارجية والتجارة والأعمال) الذين قادوا حملة الخروج، ومن خلال تصريحاتهم الصارخة بضرورة عدم تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة التي تنظم عملية خروج عضو من الاتحاد الأوروبي. ومن المفارقات، أن الذي صاغ هذه المادة التي أضيفت للمعاهدة قبل عقدين تقريبا الدبلوماسي البريطاني السابق جون كير، الذي لا يزال عضوا في مجلس اللوردات إلى الآن. وبصرف النظر عن أهمية هذه المادة، وما إذا كان أحد يتوقع أن يتم تطبيقها على بلد كالمملكة المتحدة (بمن فيه كير)، فإن الخروج سيحصل إن آجلا أو عاجلا، وإن قادة كبارا في الاتحاد الأوروبي يفضلون عاجلا وفي مقدمتهم الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند. بينما تفضل تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا الإبقاء على المادة 50 جامدة حتى نهاية العام الجاري. وأيا كانت الخطوات لتفعيل المادة المشار إليها، إلا أن الخراب السياسي والنفسي والإجرائي يسود الساحة البريطانية بالفعل، سواء من خلال ارتفاع العجز في الموازنة العامة، والهبوط التاريخي للجنيه الاسترليني، وتراجع ثقة مديري المؤسسات، واستعداد بنك إنجلترا للتدخل في أي لحظة منعا للانكماش، والضبابية في الأسواق المحلية، وبالطبع التحركات التي بدأت تظهر لانتقال نسبة من مراكز المؤسسات الكبرى والمتوسطة إلى خارج بريطانيا، وغير ذلك من الآثار المبدئية التي تركتها نتيجة الاستفتاء البريطاني. التكاليف الاقتصادية الكبيرة المتوقعة للخروج، تحمِّلها جهات عدة في بريطانيا لشريحة كبار السن التي صوتت لمصلحة الانفصال ضاربة عرض الحائط بمستقبل البلاد، والأهم مستقبل أبنائهم وأحفادهم الذين (كما هو معروف) صوتوا بقوة لجانب البقاء في الاتحاد. ورغم الفارق الضيق في نسب التصويت بين الانفصاليين وأولئك الذين رغبوا في البقاء، إلا أن أصوات هذه الشريحة (العجائز) تركت مرارة لن تمحى على الإطلاق في التاريخ البريطاني ككل. وهي شريحة بلا شك شنت عدوانا صارخا على المستقبل اعتقادا منها أن الانفصال يعني حياة أفضل لها، بصرف النظر عن السنوات الباقية لها في هذه الحياة أساسا. ليس هناك تفسير آخر لما جرى. فالاستفتاء الذي قسم المملكة المتحدة، قسم الأسرة الواحدة نفسها بين انفصالي واتحادي، بين الماضي والمستقبل، بين الأكاذيب والحقائق. بعض أولئك الذين حاربوا الاتحاد الأوروبي من الداخل البريطاني، تحدثوا علانية أن الأوروبيين بمفاوضاتهم المقبلة مع بريطانيا، سيعملون على تحويل المملكة المتحدة إلى "دولة من المستعمرات"، وأن المادة 50 من المعاهدة الكبرى ربما تجنب البلاد هذا المصير. والحق، أن "دولة المستعمرات" التي يتحدثون عنها لن تنشأ من فرط قسوة الأوروبيين التفاوضية (إن حصلت فعلا)، بل من الانقسام الاجتماعي والسياسي الداخلي البريطاني. هذه جمهورية إيرلندا تريد مفاوضات خروج سريعة، لأن " متعلقاتها مع بريطانيا أكبر من غيرها من بلدان الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك حرية التنقل بين البلدين والرابط الذي يشكله إقليم إيرلندا الشمالية بين لندن ودبلن. جمهورية إيرلندا لم تنضم إلى اتفاقية "شنجن" بسبب العلاقة الخاصة مع بريطانيا. نسبة كبيرة من سكان الإقليم أسرعوا للحصول على الجنسية الإيرلندية هربا من البريطانية، لأسباب تتعلق بالمنافع الأوروبية التي سيخسرها البريطانيون. وهذا وحده يوجد مشكلة تتعلق بتغيير ديموغرافي إيرلندي يحصل الآن بصورة أو بأخرى. أما مشكلة اسكتلندا فهي أكثر وضوحا من "الإيرلندية"، فغالبية الاسكتلنديين صوتوا للبقاء، ولا يمكن للحكومة المحلية هناك تجاهل هؤلاء. دعك من مدينة لندن التي صوتت كل دوائرها لمصلحة البقاء في الاتحاد، وهذه المدينة تمثل ما يقرب من 25 في المائة من الاقتصاد البريطاني. المسألة، لا تتعلق بـ "عدوانية" الأوروبيين التي يروج لها كارهو أوروبا في مفاوضات الخروج، بل في أمراض الداخل البريطاني، والمرض الأكبر يبقى دائما "خيانة" الآباء والأجداد لأبنائهم وأحفادهم بالوقوف إلى جانب الانفصاليين، الذين لم يقدموا أي سبب واقعي، وإنما سلسلة من الأكاذيب تبين أنها حقيقية ليس بعد سنوات من إعلان نتيجة الاستفتاء، بل في أعقاب أيام منه. في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، ثبت بالأرقام أن الآباء "سرقوا" أبناءهم وأحفادهم بل وأحفاد أبنائهم (على الأقل) من خلال قروض سيئة، وكبلوا معهم الموازنات الحكومية بديون خرافية من حيث الحجم، بتدخل الحكومات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المؤسسات التي تعتبر جزءا من هيبة البلاد. اليوم "طعن" عجائز القرن شباب القرن ومستقبله في المملكة. وهذه الطعنة ستبقى علامة فارقة ظاهرة بقوة، للأنانية والجهل والتضليل.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 7 فبراير، 2017


«تهاوش» الحلفاء الفاضح


"تذكر.. تذكر دائما. كلنا.. أنت وأنا أتينا إلى هنا مهاجرين"
فرانكلين روزفلت - الرئيس الأمريكي الأسبق 

كتب: محمد كركوتي

ورد في الوثائق البريطانية، أن رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرتشل، كان أول مسؤول أوروبي على الإطلاق تحدث عن ضرورة إقامة "الولايات المتحدة الأوروبية"، في أعقاب الحرب العالمية الثانية. لماذا؟ لأنه كان يرى، أن هذه "الولايات" ستكون الضامن الوحيد القوي ضد كل الاتجاهات اليمينية المحلية المتطرفة في أوروبا، فضلا عن أنها تمنع نشوب حرب أو حتى معارك صغيرة بين البلدان المنضوية تحت لوائها. كان هذا توجه رئيس الوزراء البريطاني المحافظ، قبل سنوات من انطلاق ما كان يسمى "اتحاد الحديد والصلب"، الذي تدرج فيما بعد على مدى العقود الخمسة الأخيرة من القرن الماضي، إلى السوق الأوروبية المشتركة، فالمجموعة الأوروبية، فالاتحاد الأوروبي. الغريب هنا، أن شخصية تشرتشل سبقت شخصية أخرى كالجنرال ديجول الفرنسي في طرح مثل هذه الأفكار الوحدوية الأوروبية، ربما لأن فرنسا كانت تبني نفسها بصورة أكبر بعد احتلال نازي لم يطل بريطانيا.
الآن تعود نغمة الوحدة الأوروبية إلى المشهد العام، مدفوعة بعاملين اثنين، الأول خروج بريطانيا نفسها من الاتحاد الأوروبي، والثاني وصول دونالد ترمب إلى الحكم في الولايات المتحدة. لقد أدرك زعماء الاتحاد (المؤمنون حقا بجدوى هذا الاتحاد)، أن المخاطر باتت كبيرة وتقترب بسرعة أكبر إلى الأسس التي يقوم عليها الاتحاد. عندما تحدث تشرتشل عن "الولايات المتحدة الأوروبية" كانت الولايات المتحدة الأمريكية حليفة لأوروبا، بل كانت في الواقع بمنزلة المنقذ الأول للقارة في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ناهيك طبعا عن دورها في حسم هذه الحرب، وربما تقليل المدة الزمنية البشعة لها. اليوم، بعد أكثر من سبعة عقود على انتهاء الحرب المشار إليها دب الخوف في أوصال الحلفاء، ليس من خطر عدو خارجي، بل من تهديدات حليف داخلي!
الحليف الأمريكي الذي أسهم مباشرة في إنقاذ أوروبا، هو نفسه (مع تغير إدارته بالطبع) يبارك أي خطوة لتفكيك أوروبا وتجريدها من اتحادها. موقف الرئيس دونالد ترمب واضح إلى درجة  أخرجت العلاقات الأمريكية ــــ الأوروبية عن سياقها الدبلوماسي، بعد أن قفزت بدرجة ما، عن سياقها التحالفي. لم تعد القاعدة هي "الخلافات بين الحلفاء ينبغي أن تبقى مستترة"، إنها خلافات معروضة على الساحة العامة بالفعل، إلى درجة أن وصلت إلى مستوى الاتهامات المتبادلة! في الأيام الأولى لتنصيب ترمب كانت الانتقادات غير مباشرة من جانب الطرف الأوروبي، الآن إنها مباشرة وبالأسماء، وبأقل قدر من الدبلوماسية، خصوصا أن ترمب وإدارته الجديدة كانوا أشد عنفا في هذا المجال، من خلال توجيه الاتهامات بصورة علنية ومباشرة ومحددة.
هناك اختلافات كبيرة بين المفاهيم الأوروبية العامة، وبين تلك التي أتى بها ترمب إلى البيت الأبيض. لكن أن يصل الأمر إلى الحديث عن حرب تجارية بين الحلفاء! فهذا لم يكن أحد يتوقعه. أن يشجع ترمب بريطانيا على سرعة انفصالها عن الاتحاد الأوروبي، ويتحدث عن أهمية انفصال بقية البلدان، هذا أيضا أمر يصعب توقعه قبل ذلك. أن يضع ترمب أوروبا (وتحديدا ألمانيا) بعد الصين في مسألة خفض قيمة عملتها، وإلحاق أضرار بالصادرات الأمريكية، هذا يعني أن هناك مشكلة كبيرة قابلة للانفجار في أي وقت. الشركاء يتخاصمون ويختلفون وأحيانا يتقاتلون، لكن الحلفاء لا تنطبق عليهم هذه الأشياء، لأسباب تتعلق بالأهمية الاستراتيجية لبقاء الجميع ضمن التحالف الواحد، الذي ينشر فوائده على الجميع.
لم تتحمل أوروبا المواقف الأمريكية الجديدة أكثر من ذلك، حتى خرجت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لتدعو في العلن أيضا "إلى وحدة أوروبية لمواجهة تهديدات ترمب". وكان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قد سبقها قبل أيام أيضا بالقول " علينا ألا نصمت على المواقف الأمريكية خصوصا تلك التي تشجع على تمزيق أوروبا. المسؤولون الألمان من كل المستويات، أكدوا مرارا أن ما يقوله مسؤولو الإدارة الأمريكية الجديدة ليس واقعيا. في إشارة إلى مسألة انخفاض قيمة اليورو، واللاجئين، وانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والعقوبات حيال روسيا، ومستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وغير ذلك من قضايا كانت حتى وقت قريب جدا غير مطروحة أساسا في العلاقة الأمريكية ـــ الأوروبية.
الحقيقة، بدا واضحا أن شرخا سياسيا بدأ يتسع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهو شرخ متصل بالجانب الاقتصادي أيضا، في حين كانت أول أسباب تشكل الشرخ المشار إليه فكريا، يتعلق باختلافات واسعة بالفعل بين الذهنية "الترمبية" ـــ إن جاز القول ــــ وذهنية الاتحاد الأوروبي الليبرالية. وهذا وحده يفسر، كيف تجرأت إدارة ترمب فعلا على وضع الاتحاد الأوروبي الحليف الاستراتيجي التاريخي لواشنطن، في المرتبة الثانية بعد الصين من حيث الأضرار التي يسببها للولايات المتحدة على صعيد العملة! يبدو واضحا أن ما قاله تشرتشل قبل 70 عاما عن ضرورة وجود الولايات المتحدة الأوروبية، يناسب الحالة الأوروبية اليوم، حتى بعد عقود من زوال مخاطر نشوب حروب كبرى، على غرار الحرب العالمية الثانية. 

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الجمعة، 3 فبراير، 2017

دعم اللاجئين أرخص من دعم ثورة


"لا أحد يترك منزله، إلا إذا كان المنزل في فم حوت"
ورسان شير ـــ شاعرة صومالية بريطانية

كتب: محمد كركوتي

أصبح باراك أوباما "مستشارا" من جانب واحد لأوروبا، على صعيد تدفق اللاجئين الهائل إلى القارة الأوروبية في الأشهر القليلة الماضية، والمآسي والمخاطر التي يتعرضون لها، إضافة طبعا إلى أولئك الذين قضوا إما غرقا وإما اختناقا أو بردا. وفي الواقع أوروبا لم تطلب من رئيس الولايات المتحدة خدماته الاستشارية هذه، لكنه أقحم نفسه فيها، في محاولة فاضحة أخرى للتغطية على الفشل المروع الذي تسببت به إدارته في الشرق الأوسط، طوال السنوات التي حل فيها رئيسا في البيت الأبيض. فهذا الرئيس الذي يوصف بأنه بلا مشاعر، وبأنه يستطيع تحمل الإهانات الشخصية حتى من موظفين لديه، عطل الكثير من الخطوات والتحركات العالمية الأخرى، لحسم مبكر للأزمات المولدة لـ "إنتاج" اللاجئين، وفي مقدمتها بالطبع الأزمة السورية، التي أرادها مخلوق كأوباما تجري وفق أجندة سفاح سورية بشار الأسد، وهي أجندة ليست سرية بل معلنة. هذا الأخير كان واضحا حقا منذ البداية، حين أعلن للعالم أجمع، إما أن يبقى حاكما (حتى بلا شرعية) أو أنه سينشر الفوضى في كل أرجاء المنطقة، وأن هذه الفوضى ستطول أوروبا وغيرها من مناطق العالم الأخرى. وهذا ما حدث بالفعل. ببساطة يمكن القول، إن العالم يسير الآن وفق أجندة سفاح، وهذا العالم أكثر المتضررين من هذه الأجندة. والمصيبة الناجمة عنها لا يبدو أنها ستتوقف في المستقبل المنظور، بل على العكس تماما. فإلى جانب الخراب التاريخي الهائل الذي أصاب سورية، والمخاطر، التي تعم المنطقة، تنتج أجندة بشار الأسد كل يوم مئات الآلاف من اللاجئين والنازحين. ويعتبر هذا النظام الفاشي أن مسألة اللاجئين ليست سوى سلاح آخر في يده، يمكن أن يضغط من خلاله على عواصم صنع القرار العالمي، هذا إن وجد القرار العالمي حقا. أنتج الأسد أكبر عدد من اللاجئين منذ الحرب العالمية الثانية. حتى اللاجئين الذين أوجدتهم حروب البلقان في القرن الماضي، لم تنتج هذا العدد. ومع ظهور التنظيمات الإرهابية المدعومة الممولة أساسا من الأسد، بات الأمر صناعة يومية حقا. فإضافة إلى مخططات التطهير الطائفي التي يتبعها سفاح سورية وعصاباته، هناك أعداد كبيرة من السوريين والعراقيين على وجه الخصوص، تخشى البقاء حتى في المناطق الحدودية الأكثر أمنا من المناطق الداخلية. فانضمت إلى قوافل اللاجئين الهائلة المتجهة إلى أوروبا. لكن هذا لا يعني الخلاص، ولا الوصول إلى نهايات سريعة لمصاعب وآلام ومشاكل اللجوء باتجاه القارة الأوروبية. ليس آمنا من هؤلاء، إلا من يمكنه الحصول على تأشيرة شرعية لأوروبا. وغير ذلك لا شيء مضمون، إلى أن يتم الوصول لمقصد محدد بعينه. أوروبا لا تحتاج إلى باراك أوباما كـ "مستشار" لشؤون اللاجئين. كانت تحتاج إليه قبل أربع سنوات على الأقل، لوضع حد سريع لنظام فاشي إجرامي يحكم سورية منذ أكثر من 45 عاما، وينشر التوتر والتهديدات والمخاطر في أرجاء المنطقة. تستطيع أوروبا تدبر أمرها في مسألة اللاجئين. ويبدو واضحا، أن دعم اللاجئين واستيعاب الأعداد الهائلة منهم في دول مختلفة، أرخص بكثير من دعم ثورة سورية محقة كانت تسعى فقط إلى التخلص من نظام لا يهدد السوريين فحسب، بل المنطقة والعالم أجمع. والمثير للسخرية أن النصائح التي قدمتها واشنطن لشركائها الأوروبيين، تختصر في واحدة فقط، وهي "انقضوا على مهربي البشر"! لم يقل أوباما وموظفوه، إنه ما كان لهؤلاء المهربين من وجود، إذا ما تم حسم الأزمات التي تصنع الأعداد الهائلة من اللاجئين والنازحين والمشردين. والحسم الناجع، هو ذاك الذي ينفذ بتعاون دولي وإقليمي. في كل الأحوال، لا معنى للنصائح الأمريكية، علما بأن اللاجئين الذين يستطيعون الوصول إلى الولايات المتحدة بطريقة أو أخرى، يواجهون بؤسا شديدا هناك، على عكس أولئك الذين ينجحون في الوصول إلى بلدان أوروبية مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا، وحتى إيطاليا. صحيح أن بلدان الاتحاد الأوروبي المحورية، دخلت في موجة من "الردح" السياسي في الآونة الأخيرة بسبب اللاجئين، وحول حجم الحصص لكل بلد في هذا الاتحاد، لكن الصحيح أيضا، أن المآسي التي يتعرض لها اللاجئون للوصول إلى بلدان المقصد، دفعت بقادة الاتحاد الأوروبي "الرادحين" إلى التخلي عن ردحهم، ومواجهة مسؤولياتهم الإنسانية، بل الرسمية التي يكفلها القانون الدولي. لقد ثبت أن أحدا من البلدان الأوروبية لم يأخذ أكثر من حصته من اللاجئين. لكن المسألة لا تحسب هكذا. فمسؤوليات الكبيرة تكون كبيرة بالضرورة، وإلا عليه ألا يدعي ذلك على الإطلاق. لا يعقل أن تتساوى (مثلا) حصة اليونان أو إيطاليا، بحصة ألمانيا أو بريطانيا أو فرنسا. غير أن الحل الأمثل في النهاية، ليس حسن توزيع اللاجئين على البلدان وفق حصة كل بلد، بل بحل الأزمات من جذورها، والقضاء على منبعها. الأمر لم يعد سهلا، ولكنه قابل للتنفيذ بنجاح، إذا ما كانت هناك إرادة دولية حقيقية، لا صوتية ولا إعلامية فقط.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")
مليارديرات .. بعض الأسئلة بلا أجوبة


"كي تكون ثريا، عليك أن تكسب الأموال حتى وأنت نائم"
ديفيد بيلي ـــ فنان ومصمم بريطاني

كتب: محمد كركوتي

من الواضح أن الاضطراب الاقتصادي على المستوى العالمي، ساهم بصورة مباشرة في انخفاض حجم ثروات المليارديرات عالميا، بصرف النظر عن ظهور 80 مليارديرا في الصين وحدها خلال عام واحد. والعوامل المسببة لتراجع ثروات هذه الشريحة من البشر كثيرة، من بينها إعادة توزيع ثروات بعضهم ضمن الأسرة الواحدة، فضلا عن تراجع أسعار السلع على المستوى العالمي، إلى جانب طبعا، خسائر في الأسواق المختلفة، ولا سيما تلك التي شهدت اضطرابا اقتصاديا أعلى من غيرها. التقرير الأخير المشترك بين المصرف السويسري "يو بي إس"، وشركة "برايس ووتر هاوس" الذي تناول بعضا من شؤون المليارديرات، جاء بمجموعة من الأرقام، حددت معالم أوضاع هؤلاء الأثرياء، علما بأنه لا توجد في الأفق إشارات واضحة على نمو كبير لهم، في ظل الأوضاع الراهنة على الساحة العالمية. لم يعد غريبا ارتفاع معدلات الثراء في القارة الآسيوية، ولا سيما الصين، خصوصا مع الحراك الاقتصادي الكبير فيها، إلا أن هناك علامات استفهام كبيرة منشورة في الأرجاء، تتعلق بواقعية تنامي هذا الثراء في هذه البقعة من الأرض. خصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار أن النمو الأكبر في عدد المليارديرات يأتي من دولة لا تزال الحكومة تمتلك وسائل الإنتاج والخدمات فيها، مثل الصين. صحيح أن هذه الأخيرة فتحت أبوابها (وانفتحت) اقتصاديا على مدى العقدين الماضيين، لكن الصحيح أيضا أن هناك جانبا غير مكشوف في الحراك الاقتصادي والاستثماري، وفي مقدمتها حقيقة الديون المعدومة في هذا البلد، التي قدرت أخيرا بأنها تصل إلى تريليوني دولار، أو ما يوازي 20 في المائة من محفظة القروض الخاصة بالمصارف الصينية! وتطالب المؤسسات الاقتصادية الدولية الصين في كل المناسبات بضرورة أن تكون أكثر انفتاحا فيما يتعلق بالمعلومات الاقتصادية التي تنشرها، وأن تكون (بالطبع) حقيقية. وكلما انضم ملياردير صيني إلى قائمة المليارديرات العالمية ارتفعت الأصوات المنادية بالشفافية، ليس فقط بالكشف عن حجم الديون الحقيقية في الصين، بل أيضا عن مسارات الاقتصاد الوطني نفسه. ومما لا شك فيه، أسهمت الحملة الأخيرة التي قامت بها الحكومة ضد الفساد في البلاد في تحسين الصورة العامة بعض الشيء، لكنها لم توفر الإجابات المطلوبة. ورغم قوة هذه الحملة، بل شراسة العقوبات التي فرضت على المخالفين والفاسدين، إلا أن الأمر يحتاج إلى فترة طويلة جدا للوصول إلى الحد المأمول للشفافية المطلوبة. لا يعني ارتفاع عدد الأثرياء في الصين (دون بقية المناطق في العالم)، أن هؤلاء كلهم جمعوا الأموال بصورة غير مشروعة، أو عن طريق الفساد أو الغش أو ما شابه ذلك، هناك حراك اقتصادي وطني كبير في هذا البلد من الطبيعي أن يولد أموالا هائلة، خصوصا في أعقاب الانفتاح الكبير الذي انتهجته بكين قبل سنوات. غير أن عدم الوضوح الاقتصادي على صعيد المعايير، وتزايد حجم الديون المعدومة، وعدم ثقة العالم كثيرا بالإحصائيات الحكومية الصينية، تمنح دعما للشكوك حول الأموال التي جعلت من هذا الصيني أو ذاك مليارديرا. فوفق دراسة صدرت حديثا، فإن المصارف الصينية تقوم باستخدام خدعة محاسبية، وهذه الخدعة تنحصر في أن القروض التي تقدمها هذه المصارف، لا يتم تقييدها على أنها "قروض"، بل توضع تحت بند الاستثمارات! المثير في الأرقام التي وزعها مصرف "يو بي إس" و"برايس ووتر هاوس"، أن عدد المليارديرات يرتفع في آسيا بشكل عام، والصين على وجه الخصوص، في حين أن ارتفاعه في بلد كالولايات المتحدة يظل بطيئا جدا. فمقابل 80 مليارديرا صينيا جديدا، كان هناك خمسة مليارديرات أمريكيين. والأمر مشابه إلى أبعد الحدود في الحالة الأوروبية، التي تشهد ارتفاعا مقاربا للارتفاع الصيني. وحتى فيما يتعلق بتراجع ثروات المليارديرات على المستوى العالمي، فإن هذا الانخفاض جاء موزعا على الجميع، أي أن المليارديرات في آسيا والصين، لم يتكبدوا خسائر أكثر من غيرهم، بل إن بعض هؤلاء رفع من حجم ثرواته، في الصين على وجه الخصوص. في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، وظهور روسيا في صيغتها السياسية الحالية، أثيرت تساؤلات (لا تزال تطرح) حول العدد السريع والمتعاظم للأثرياء الروس، ولا سيما أن الفارق الزمني بين انهيار الدولة المنغلقة وبداية تكوين الثروات كان قصيرا جدا. وهذا الأمر يطرح بصورة أو بأخرى فيما يتعلق بالثراء المتنامي في الصين، رغم أن الدولة التي فتحت الاقتصاد، أبقت المفاتيح كلها في أيديها. الأسئلة بهذا الصدد قد لا تظهر أجوبتها يوما، فيما لو نظرنا إلى أسئلة مشابهة طرحت حول حالات مشابهة، في مناطق أخرى من هذا العالم.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

اقتصادات جوازات السفر


«يقولون، الوجه الجميل هو جواز سفر. لكن ليس صحيحا، الفيزا هي الوجه الأجمل، وتنتهي صلاحيتها بسرعة»
جولي بورشيل كاتبة بريطانية

قبل انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، لم تكن هناك "عروض" من حكومات عديدة من الدول التي تتمتع بسمعة عالية، لبيع جوازات سفرها. وكان الحصول على جنسيات هذه البلدان "ولا سيما الأوروبية منها"، يتم عبر طريقين أساسيين. الأول، بحكم الإقامة الطويلة في البلد والعمل فيه ودفع الضرائب المترتبة على المقيم العامل. والثاني، يرتبط باللاجئين الذين يسعون إلى أي بلد أوروبي من أجل الإقامة بأي طريقة، بحثا عن حياة أكثر كرامة من بلدانهم، إلى أن يتحول وجودهم إلى صيغة شرعية، سرعان ما تمنحهم الأحقية في الحصول على الجنسية. علما بأن غالبية بلدان العالم، ألغت قوانين تتعلق بمنح المولود في البلد الجنسية، في حين قامت أخرى بتشديد منح هذا النوع من الجنسية، بما في ذلك، أن يكون أحد الأبوين مقيما شرعيا. اليوم، تحول منح "وبالأصح بيع" جوازات السفر لمن يستطيع ويرغب، إلى قطاع اقتصادي حقيقي، يماثل بقية القطاعات الأخرى من حيث الأهمية، وإن كان أقل زخما منها في الوقت الراهن. فالقادرون على دفع مبالغ مالية كبيرة، يمكنهم ببساطة التمتع بجواز سفر أكثر قيمة وأهمية من ذاك الذي يملكه الساعي له. ولأن الأمر مشروط بالمال، وبقيمة محددة، فلا أمل لمن لا يملك الأموال في التمتع بهذه الميزة المطلوبة لشرائح واسعة من المجتمعات، ولا سيما تلك القابعة في البلدان النامية. ولم يعد غريبا في الأعوام الماضية، أن تشتري جنسية أجنبية. لقد أصبحت عروض بيع الجنسيات والجوازات تطلق في إطار حملات إعلانية وترويجية مختلفة الشكل والأسلوب. بما في ذلك، شراء عقار، أو وضع رصيد مالي معين في المصرف. في السابق، كان يمكن للعقار أن يسهل "ولا يضمن" الحصول على سمة إقامة دائمة. الآن تحصل على الجنسية دفعة واحدة! وكلما كان البلد الذي يعرض جوازاته للبيع يتمتع بقيمة عالية، ارتفعت الأموال المطلوبة لإتمام الصفقة. وعلى الرغم من إعلان عدد من البلدان الأوروبية الكبرى معارضتها هذه السوق، إلا أنها هي نفسها تعاني ثغرات قانونية وإجرائية يمكن النفاذ منها للحصول على جنسياتها أو جوازات سفرها. ولا بأس من تبريرات لا تبدو مقنعة، ولكنها تضمن وجود من يقتنع بها. إنها مصلحة اقتصادية داخلية مهمة، في زمن تردي الأوضاع الاقتصادية بصورة عامة، ليس فقط في البلدان الفقيرة أو النامية أو الناشئة، بل حتى في الدول الكبرى المتقدمة. والأمر هنا لا يرتبط فقط بمزايا الإعفاء من تأشيرات الدخول إلى عدد كبير من البلدان، بل يختص أيضا، بتوفير الحماية اللازمة لأموال مشكوك في مصادرها. وهنا أيضا، لا بأس من عدم التدقيق في طبيعة هذه المصادر!. وعندما نتحدث عن "اقتصاد جوازات السفر"، نذكر هنا، أنه في العام الماضي وحده تم استثمار ما يزيد على ملياري دولار أمريكي حول العالم من خلال بيع الجوازات! ففي دولة كمالطا (على سبيل المثال) يصعب العثور عليها في خريطة للعالم بحجمها الطبيعي، جنى هذا البلد 500 مليون يورو من جراء بيع 500 جواز سفر. ومالطا أطلقت الأمر من آخره دون مساومات، أي أنها أعلنت رسميا أنها تمنح الجواز كل من يستثمر مليون يورو. وسبقتها دول أخرى، وأشباه دول أيضا، ولكنها طرحت جوازاتها بأثمان أقل من ذلك بكثير. فاستثمار 250 ألف دولار فقط في دويلة اسمها سانت كيتس ونيفيس، يمكنك أن تصبح أحد مواطنيها الذين لا يزيد عددهم على 48 ألف نسمة. وتشير التقديرات إلى أنه منذ مطلع العام الحالي، بلغ حجم "اقتصاد الجوازات" نحو أربعة مليارات دولار. أي أن النمو في هذا القطاع، يفوق نمو كل القطاعات الأخرى قاطبة. البلدان التي تعاني أزمات اقتصادية أكثر، تقدم عروضا مغرية أكثر. هذه هي الحالة الراهنة على الساحة. والدول التي تمنحك جوازات سفرها حرية أكبر في التحرك حول العالم، ويلقى جوازها احتراما أكبر، تفرض شروطا مالية عالية. وذلك على مبدأ، لا يمكن أن تكون سترة صنعها "فالنتينو" أو "بالزليري" أو "بوس"، بنفس قيمة سترة مصنوعة على أيدي مصمم مجهول لا ماركة معروفة له. باختصار، هناك "جوازات سينيه" وأخرى عادية. ولا يبدو في الأفق أي مؤشر على إمكانية تراجع هذا التدفق الهائل من العروض لشراء جوازات السفر. بل إن العروض باتت تنافسية، ولا ينقصها إلا أن تخصص موعدا للتنزيلات على غرار مواعيد الأوكازيون! والحق، أن العوائد من عمليات البيع هذه لا تقتصر على المبلغ المحدد، بل تشمل أيضا تدفق رؤوس أموال يملكها "المواطنون" الجدد، على شكل استثمارات مباشرة، إلى درجة أن بلغت العام الماضي ما يزيد على أربعة مليارات دولار. نعرف، أنه في أوقات الأزمات الاقتصادية، يضطر المأزوم لبيع أي شيء. لكن في هذا العالم المرتبك بفوضى تاريخية، أقدم على بيع حتى هويته!

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")
أسعار الدواء .. داء لا دواء له بعد


"اضحك دائما عندما تستطيع. إنه دواء رخيص"
اللورد بيرون - شاعر إنجليزي

كتب: محمد كركوتي

تظل المشكلة على حالها، حول أسعار الدواء في العالم. من منظور إنساني، يمكن بسهولة وصفها بـ "المصيبة". وبإنسانية أكبر، يمكن أن تكون مشكلة أسعار الدواء بمنزلة داء، لا دواء له. تقوم الحكومات في البلدان الراشدة عادة بتخفيض أسعار الدواء بين الحين والآخر، أو بفرض حدود قصوى لهذه الأسعار. إنها بذلك توفر على نفسها من خلال الضمان الصحي الحكومي، أو على الأفراد الذين لا يشملهم هذا النوع من الضمان. وكذلك الأمر بالنسبة لأولئك الذين لا يستطيعون ماليا حقا الحصول على التأمين الصحي عبر شركات التأمين الخاصة المعروفة. لكن في النهاية تظل الأسعار عالية بالنسبة لجميع الجهات، حتى في البلدان القادرة ماليا. علينا فقط أن نتخيل الوضع في البلدان التي تعاني تلبية الاحتياجات المعيشية الرئيسة لسكانها. صحيح أن الشركات المنتجة لأي شيء هي جشعة "بالفطرة"، بما فيها الشركات المصنعة للأدوية، لكن الصحيح أيضا، أن تكلفة إطلاق دواء جديد، وكذلك الأمر بالنسبة لتطوير دواء موجود أصلا، هي بالفعل عالية. هذا باعتراف الجهات الساعية لإيصال أسعار الدواء في العالم إلى أدنى مستوى ممكن لها. فالدراسات والبحوث والعمليات المخبرية وما يرتبط بها، تتكلف أموالا هائلة، وهذا ما تتمسك به الشركات المصنعة كمبرر لطرح منتجها بسعر مرتفع. فلا يمكن أن تبيع الشركات المعنية أدويتها بخسارة، وإلا تحولت إلى جمعيات خيرية، لكن عليها أن تعي، أنها لا تنتج كافيارا، ولا حقائب فاخرة، ولا ساعات مرصعة بالألماس، بل تقدم منتجا طبيا إنسانيا، بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى. وعليها أن تكون منطقية في المكاسب، بعد أن تمر بمرحلة تغطية التكاليف. هناك تضارب في تقديرات تطوير الدواء. والأمر يعود أساسا إلى طبيعة هذا الدواء، والمرحلة التي مر بها إلى أن بلغ رفوف الصيدليات. توصل خبراء ومختصون في السابق إلى تقديرات لهذه التكلفة، على أمل المساعدة في تحديد الأسعار في مرحلة لاحقة. اتفق هؤلاء على أن 2.6 مليار دولار، هو المبلغ اللازم حقا لتطوير دواء. إنه ليس بسيطا، ولكن علينا أن نعترف بأنه بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، بات المليار دولار رقما عاديا، ليس من فرط توافره، بل من سرعة تبخره. وقد لا يعرف البعض، أن الشركات المنتجة للأدوية لا تنفق هذا المبلغ مرة واحدة أو دون ضمانات، بل إنها تنفق في المتوسط (وفق دراسة نشرتها "فورين بوليسي" الأمريكية) نحو 300 مليون دولار على البحث والتطوير، بعد أن تكون قد حصلت بالفعل على الموافقة على الدواء. أي أنها لا تستمر في مشروعها دون الحصول على الضمانات اللازمة للتسويق والبيع. هذا الأمر على وجه الخصوص، يخفف المخاطر "إلى مستوى الصفر" التي قد تعترض الشركة من المنتج الجديد المزمع. بالطبع تختلف التكاليف من منتج لآخر. لكن ما يطرح من أرقام يبقى في المتوسط. وحتى لو أخذنا في الاعتبار ارتفاع نسب التضخم في الفترات المتباعدة، فإن الحصول على الموافقة المبدئية تبقى حافزا وضامنا للشركة. دون أن ننسى، أن هناك نسبة هائلة تضاف إلى أسعار الدواء، نتيجة وجود أكثر من جهة وساطة في التسويق، وهو أمر ينبغي أن يدفع السلطات المعنية بأمر الدواء في أي بلد كان، على إقرار تنظيم جديد في عمليات التسويق هذه. البعض يقترح أن تكون الحكومات (مثلا) الجهات الوحيدة التي تشتري المنتج الدوائي، ما سيخفض نسبة لا بأس بها من الأسعار، وفي الوقت نفسه لا يؤثر سلبا في الشركات المنتجة. لا أحد يمكنه أن يطلب من الشركات المنتجة للأدوية أن تبيع بالخسارة فهي تقوم باختراعات وحلول صحية لا تقدر بثمن، ولكن لا يمكن فصل الربحية عن الاعتبارات الإنسانية. هناك بعض الشركات قامت بخطوات رائعة في هذا المجال، وخفضت أسعار الدواء لديها بالصورة المناسبة، لكن مثل هذه المبادرات لا تزال قليلة ومحدودة. تستطيع هذه الشركات (مثلا) أن تمد الفترة التي وضعتها لاستعادة تكلفة الدواء لفترة أطول قليلا، دون أن تتأثر عملياتها سلبا. لا أحد يريد لها أن تتعطل في الوقت الذي تقدم فيه المنتجات التي تدعم الحياة وتصونها وتخفف الآلام. ليس مطلوبا منها، سوى التعامل التجاري بطريقة أكثر إنسانية. ولا شك أن التعاون والتنسيق مع الجهات الحكومية في غالبية بلدان العالم، سيمهد الطريق إلى صيغة مثلى تبقى إلى ما لا نهاية. في العالم اليوم "بحسب منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي" 400 مليون إنسان بلا رعاية صحية. وهؤلاء يفتقرون حتى للأسبرين. ليس مطلوبا من شركات الأدوية أن تنفق عليهم. هذا ليس من واجبها ولا من مهامها، ولكن المطلوب ما يمكن وصفه بـ "الرأفة السعرية" للدواء. وهذا لا يعني على الإطلاق، تبرئة حكومات عدد كبير من البلدان غير الراشدة من "جنايتها" الصحية على مواطنيها، ولكن ينبغي عدم منح هذه الحكومات مزيدا من المبررات لفشلها. وأسعار الدواء واحد من هذه المبررات.
اقتصاد الثقافة




"بلا ذاكرة، يعني بلا ثقافة، بلا حضارة، بلا مجتمع، بلا مستقبل"
إيلي ويسيل كاتب وأستاذ روماني

كتب: محمد كركوتي

مثيرة هي الأرقام الأخيرة التي أعلن عنها حول إيرادات القطاعات الثقافية والابداعية العالمية. والإثارة فيها، ليس لأنها مرتفعة، بل لكونها تجاوزت إيرادات قطاع الاتصالات الذي يفترض أنه يسيطر على الساحة العالمية. ومما لا شك فيه، أن الثقافة بكل قطاعاتها، تشهد ازدهارا ملحوظا حتى في ظل الانكماش الاقتصادي في بعض البلدان، وتباطؤه في بلدان أخرى. واللافت أن هذا الازدهار أتى في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية. أي أن الثقافة (بأدواتها جميعا)، ظلت محورا حاضرا في الحراك الاقتصادي، في أوقات الازدهار وأزمنة الركود. وأثبتت البلدان التي حظيت بالنصيب الأكبر من عوائد الثقافة، جادة ليس في الدعم، فهذا أمر محصور في بلدان باقتصادات ريعية، بل بتوفير التسهيلات اللازمة، والمرونة في القوانين الخاصة بالحراك الثقافي كله، من نشر إلى سينما إلى هندسة فنية ومعمارية، مرورا بالتلفزيون والفنون البصرية والألعاب الإلكترونية وغيرها. لم يكن تدني أرقام البلدان العربية في عوائد الثقافة مفاجئا. لأسباب عديدة، لعل أهمها، أن غالبية البلدان العربية لا تنظر إلى هذا القطاع كجهة تنموية محركة للاقتصاد، بل إن بعض البلدان تتعامل معه كنوع من الكماليات بكل أدواته وفروعه. بما في ذلك الجانب الخاص بالنشر. فقد توصل الباحثون إلى نتيجة لا تحتاج لهم أصلا، وهي أن العالم العربي يعاني أزمة قراءة استفحلت خاصة لدى الأجيال الجديدة. ووفق الإحصاءات الجديدة، فإن الفرد العربي يقرأ لمدة سبع دقائق فقط في العام الواحد! في حين ترتفع النسبة بصورة لا يمكن مقارنتها في دول أكثر تخلفا. هذا الأمر ليس جديدا، ويظهر جليا في تراجع وتيرة النشر، بل وإغلاق العشرات من دور النشر سنويا في العالم العربي مطابعها، لتفادي مزيد من الخسائر. الأمر نفسه ينطبق على النشر الإلكتروني. قطاع الثقافة العالمي لا ينافس قطاع الاتصالات فحسب، بل يتحداه. ووفق المسح الأخير لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو)، فإن القطاعات الثقافية والإبداعية تساهم في 3 في المائة من إجمالي الناتج العالمي، وأنها توظف ما لا يقل عن29.5 مليون شخص حول العالم. وتصل عائدات الأوساط الثقافية والإبداعية من إعلانات وهندسة معمارية وكتب وألعاب إلكترونية وموسيقى وسينما وصحف ومجلات وعروض حية وتلفزيون وفنون بصرية، إلى 2250 مليار دولار. وترتز المناطق التي تحفل بهذا الحراك الثقافي- الاقتصادي في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، بحيث فاقت القارة الآسيوية أوروبا في هذا المجال. علما بأن هناك مناطق تتفوق على غيرها في مجالات محددة، وتتراجع في مجالات أخرى، لكنها جميعا تتنافس في الإنتاج الثقافي بكل مكوناته. وعلى سبيل المثال، أظهرت الأرقام الرسمية في الصين، أن صناعة الثقافة في هذا البلد ولدت عوائد بلغت 296 مليار دولار في عام 2013. وهو ما يعادل 3.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي لثاني أكثر اقتصاد في العالم. وإذا ما أضفنا الاستثمارات في قطاع البحوث إلى الحراك المالي الثقافي، فإننا بالفعل أمام اقتصاد ثقافة معرفي. ورغم الأزمات التي أوجدتها الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، فقد ارتفع حجم الإنفاق المحلي الإجمالي على البحث والتطوير في غالبية البلدان التي نالت منها الأزمة، ولاسيما الدول الكبرى. فقد ارتفع هذا الإنفاق من 1132 إلى 1478 مليار دولار بين عامي 2007 و2013. وفي حين استحوذت الولايات المتحدة على 28 في المائة، تقدمت الصين (مرة أخرى) على أوروبا باستحواذها على 20 في المائة، بينما وصل الإنفاق الأوروبي عند حدود 19 في المائة. لكن هذا لا يعني عدم وجود من يخشى من الاستثمار في الثقافة، حتى في البلدان الغربية المتقدمة. فهؤلاء موجودون طالما وجد الانتماء المحافظ في التعاطي مع المتغيرات العالمية على مختلف الأصعدة. غير أنهم أيضا فقدوا "أسنانهم" وما عادوا يمثلون قوى ضغط مؤثرة على الساحات المحلية. ولهذا السبب، لم يتأثر حراك القطاع الثقافي والإبداعي العالمي سلبا في السنوات القليلة الماضية، وكذلك الأمر بالنسبة لقطاع البحوث والدراسات والابتكار. علما بأن بعض البلدان الغربية، لم تشهد تقدما ملحوظا بهذا الشأن، إلا أنها سرعان ما عرفت فداحة الأخطاء التي ترتكبها. فالتقدم الصيني في هذا المجال يعتبره البعض في البلدان المتقدمة حافزا لمواصلة التنمية والتقدم في هذا القطاع الحيوي المستقبلي، خصوصا بعدما ثبت، أن هذا القطاع ليس"عالة" بل مصدرا للدخل، بدليل أن عوائده فاقت عوائد قطاع الاتصالات نفسه.
النزوح المشين في عالم قبيح

"أنا أعرف حقيقة كيف تكون لاجئا ونازحا تعيش على رحمة الآخرين، وعليك أن تتوازن في آن معا"
مارتي أتساري - رئيس فنلندا السابق

كتب: محمد كركوتي

أيا كان مستوى الجهود الدولية التي تبذل للتقليل من كارثة النزوح، فهي قليلة. وأيا كانت "جودة" صدق النيات حيال هذه المصيبة، فلا قيمة لها. وأيا كانت هوية المتسبب أو المتسببين بهذه الكارثة، فهذا أمر يبحث في مرحلة لاحقة للعلاج، أو في أفضل الأحوال مع العلاج نفسه. الشيء الثابت أمام الجميع، أن الحروب والنزاعات المسلحة هي "المنتِج" الأكبر لعديد من النازحين ضمن نطاق الوطن الواحد، وأن ما اصطلح على تسميته بـ "المجتمع الدولي"، لم يقم بما يكفي لإيقاف هذه النزاعات، بل على العكس تماما، تجد دولا كبرى يفترض أنها تمثل جزءا من الأمان العالمي، هي نفسها أطراف في هذا النزاع أو ذاك، وفي هذه الحرب أو تلك. وعندما يكون الأمر كذلك، علينا أن نتخيل مصير أي حل دولي للنزاعات المتفاعلة على الساحة. في العام الماضي بلغ عدد النازحين (وليس اللاجئين) رقما قياسا عند 40 مليون نازح، وفق "مرصد أوضاع النزوح الداخلي" الذي يتخذ من جنيف مقرا له. لا غرابة إذا كان العدد الأكبر من هؤلاء في سورية والعراق واليمن. فهذه البلدان تشهد حروبا ونزاعات طويلة، ولا توجد في الأفق (حتى الآن) أي بوادر للحل فيها. إضافة طبعا إلى نازحين في بلدان كالهند والصين ونيبال. والبلدان الأخيرة "أنتجت" النازحين بفعل الكوارث الطبيعية المتكررة إلى جانب النزاعات بالطبع. إلى جانب هذه البلدان، هناك دول في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، وبعض المناطق الحدودية بين عدد من الدول. أي أن خريطة النزوح الدولية متعاظمة، وستبقى على هذا النحو إلى أجل لا يبدو أنه سيكون قصيرا. والمثير في الأمر أيضا، أن بعض البلدان لم تسجل أي تحسن على هذا الصعيد، منذ أكثر من 13 عاما! على الرغم من أن نسبة النزاعات فيها خفت بعض الشيء. ويرى "المرصد" المذكور، أن مجرد استقرار حالة النزوح يمثل مصيبة. لا أحد يتوقع ألا يكون هناك نازحون في مناطق الصراعات والحروب، غير أن المعضلة، أن كل "الجهود" الدولية التي تبذل لإيقاف هذه النزاعات، لا قيمة عملية لها. والسبب الرئيس (بل الوحيد) يكمن في أن هذه "الجهود" لا ترقى إلى مستوى خطورة هذا النزاع وتلك الحرب. في السنوات القليلة الماضية، فضلت إدارة الرئيس باراك أوباما (مثلا) اتباع سياسة العقوبات والدبلوماسية غير المجدية في كثير من النزاعات المشتعلة. والنتيجة هي تلك التي تسود المشهد العام، بمزيد من النازحين واللاجئين أيضا. فشلت هذه الإدارة حتى في تقريب وجهات النظر مع البلدان الأخرى صانعة القرار العالمي. ليس مهما الآن الحديث عن صناعة القرار العالمي بذهنية الموظف لا القائد. هذا ما قدمه أوباما للعالم طوال السنوات التي قضاها في البيت الأبيض. المهم الآن كيف يمكن الحد من الآثار المدمرة للنزوح في النازحين أنفسهم، طالما أن العالم فشل في إيقاف النزاعات المسببة له؟ بمعنى آخر، هل استطاعت البلدان المحورية في العالم أن تسهم في تخفيف المعاناة عن النازحين؟ الجواب يبقى لا كبيرة جدا. فإذا كان التمويل في بعض الحالات يمثل العائق الأكبر، فإن الفشل حتى في الوصول إلى بعض مناطق النزوح لا يقل عن فداحة العائق الأول. وجدنا مناطق محاصرة في سورية والعراق (على سبيل المثال) لم تستطع المنظمات الدولية من الوصول إليها لا لإطعامها فقط، بل لإيصال الدواء والماء وحليب الأطفال لها! والأمر يمتد إلى بلدان إضافية في قارات مختلفة، ما دفع رئيسة "مرصد أوضاع النزوح الداخلي" ألكسندرا بيلاك للقول: "هذا يثبت مرة جديدة أن الضحايا يستمرون في حالة النزوح سنوات، بل حتى عقودا، ما لم يحصلوا على مساعدة". لا عجب مرة أخرى، إذا ما عرفنا أن السنة الماضية، كانت العام الرابع على التوالي التي يصل فيها عدد النازحين داخل بلادهم إلى رقم قياسي. وبالطبع لم يصل أي تحرك حتى إلى نصف المسافة نحو عين المصيبة. ويضاف إلى هذه الأخيرة حقيقة أن نظام المساعدات الدولي نفسه يحتاج إلى سلسلة من الإصلاحات فشلت أيضا البلدان المعنية به في الوصول إلى حلول وسط بهذا الشأن. وقد بدا هذا واضحا، في قمة الأمم المتحدة الأخيرة بإسطنبول، التي عقدت أساسا لمعالجة نظام المساعدات الإنسانية المعيب. وللعلم فقط، ترك هذا النظام (وفق أرقام المنظمات الإنسانية التابعة للمنظمة الدولية) 130 مليون شخص في حاجة إلى المساعدات! وعندما يكون هذا العدد من البشر بهذه الوضيعة الإنسانية، فإن هذا "النظام" ليس نظاما بل مهزلة. ماذا يريد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون؟ يريد خفض عدد النازحين في العام إلى النصف بحلول عام 2030! هذه أيضا مهزلة أخرى استنادا إلى "الإنجازات" المروعة بهذا الخصوص. لا شيء يضمن حياة إنسانية كريمة، إلا العمل الحقيقي على إيقاف النزاعات والحروب، أو على الأقل حصرها بأقل مساحة جغرافية ممكنة. وأمام الفشل في ذلك، يعيش العالم حاليا أسوأ أزمة نازحين على الإطلاق منذ الحرب العالمية الثانية. علما بأن هذه الأخيرة كانت عالمية، وليست محلية!
«بريكست» ترمب .. وأوروبا هولاند



"الإدارة الأمريكية الجديدة تشجع الشعبوية، بل التطرف"
 فرانسوا هولاند - رئيس فرنسا

كتب: محمد كركوتي

كان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أكثر قادة الغرب تصديا (كلاميا)، لمخططات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ولنقل للقرارات التنفيذية التي بدأ هذا الأخير بإصدارها يمينا ويسارا. لكن التصدي الأكبر (كلاميا أيضا) جاء من هولاند، عندما أعلن ترمب "أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أمر رائع". الرئيس الفرنسي كان أيضا واضحا، عندما قال بالحرف "عندما نسمع تصريحات حول أوروبا من رئيس الولايات المتحدة، وعندما يتحدث عن بريكست باعتباره نموذجا لسائر الدول الأوروبية، فإني أعتقد أن من واجبنا الرد عليه". لا أحد يتوقع أقل من هذا الموقف من رئيس فرنسي، بصرف النظر عن انتمائه السياسي. ففرنسا تتعاطى مع نفسها على أنها "الأم" الكبرى للاتحاد الأوروبي برمته. وأن الأخلاقيات ينبغي أن تكون جزءا من الحراك الأوروبي في كل الاتجاهات.
وأيا كانت حدة مواقف فرنسا، وطبيعة المواقف الأوروبية الأخرى من توجهات الإدارة الأمريكية، مسيرة خروج بريطانيا من الاتحاد ماضية إلى الأمام، بصرف النظر بالطبع عن إمكانية التعطيل هنا والتأخير هناك، لأسباب باتت ظاهرة على الساحة، من الحكم القضائي، إلى مناقشة مجلس العموم لبنود مفاوضات الخروج، إلى المطالبة بعرض اتفاق الخروج على استفتاء عام، إلى ارتفاع حدة المواقف المعرضة للانسحاب من جانب الحكومتين المحليتين في كل من إيرلندا الشمالية واسكتلندا. لم تتمكن رئيسة الوزراء تيريزا ماي من الصمود أمام التحركات الهادفة للتعطيل أو على الأقل لإطالة أمد الفترة الفاصلة من الآن وحتى تفعيل المادة 50 من المعاهدة الأوروبية، وهي المادة التي تطلق مفاوضات الانسحاب. الضغوط عالية عليها، رغم أنها لم تتزحزح في مسألة احترام تصويت الأغلبية البريطانية على الانسحاب، ضاربة عرض الحائط بأي شيء آخر.
وهذا الأمر مفهوم بالطبع في بلد اعتمد الديمقراطية منذ قرون طويلة. لكن هناك من يعتقد أن في صلب الديمقراطية أيضا أن يقول الشعب رأيه في الاتفاق الذي ستتوصل إليه بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي، خصوصا أن هذا الاتفاق سيتضمن (حسب هؤلاء) خسائر كبيرة لبريطانيا، على الأصعدة التجارية والمصرفية والخدماتية بل حتى العلمية والسياحية وغير ذلك. بمعنى، أنه إذا كان لابد من تنفيذ رغبة الناخبين في الانسحاب، فمن حق من قال لا للانسحاب في الاستفتاء التاريخي الشهير، أن يمنح فرصة أخرى لتقديم رأيه في مسألة تكاليف الانسحاب. وهذه النقطة بالتحديد من الممكن أن تغير آراء نسبة من أولئك الذين دعموا الانسحاب في الاستفتاء المشار إليه. مع الإشارة هنا، إلى أن معسكر البقاء فشل بالفعل في عرض المشهد العام للانسحاب والبقاء على الصعيد الشعبي، ما أسفر عن نتيجة استفتاء حزيران (يونيو).
في كل الأحوال، باتت الأشياء أكثر وضوحا الآن، بعد تأكيد الحكومة أنها لن تستطيع البقاء ضمن السوق الأوروبية في حال الانسحاب من الاتحاد، وبذلك تعلن في الواقع فشلها مبكرا في اتفاقية تتضمن أقل نسبة من الأضرار على المدى البعيد للمملكة المتحدة. ورغم حرص الجانب الأوروبي على ضرورة بقاء بريطانيا ضمن الاتحاد، إلا أن هذا الأخير عليه أن يدافع أيضا عن مصالحه ضد من؟ ضد بريطانيا خلال المفاوضات المزمعة. فإذا كانت لندن تريد بعض الامتيازات في الخروج، فما المقابل الذي يمكن أن تدفعه للاتحاد؟ هكذا يتحدث الأوروبيون الآن، أي أنهم المنسحب الذي سيصبح "غريبا بعد هذه الخطوة، عليه أن يكون مستعدا لدفع تكاليف لا يدفعها في الواقع عضو اختار البقاء ضمن الاتحاد.
كل هذه التفاصيل ستكون أمام مداولات مجلس العموم، الذي أثبت أحقيته من خلال حكم المحكمة البريطانية العليا في الاطلاع على مخطط مفاوضات الخروج مسبقا. لن يكون هناك أي بند سري أو غير معلن. المهم الآن هو كيف يمكن لبريطانيا أن تتوصل إلى اتفاقات تجارية مع بقية بلدان العالم في الفترة المقبلة؟ الجواب هو أنه لا يمكنها أن تعقد أي اتفاقات قبل خروجها نهائيا من الاتحاد. لن ينفع المملكة المتحدة الآن المغريات والعروض الهائلة التي يقدمها ترمب لها. فالعلاقة التجارية الخاصة التي يسعى إليها مع بريطانيا لن تتم قبل أكثر من عامين على الأقل، في حين أن لندن لا يمكنها أن تتجاهل السوق الأوروبية الملاصقة لها بعد الخروج.
وإذا كان "بريكست" يمثل للإدارة الأمريكية حالة لا توصف من السعادة، (على عكس الإدارة السابقة)، انطلاقا من نظرتها الشعبوية الحمائية، فهو في الواقع يمثل ضغوطا لا تنتهي بل متجددة على رئيسة الوزراء البريطانية نفسها. هي بين سلسلة من النيران المشتعلة، تنجح في إطفاء بعضها، لكن سرعان ما تفشل في إخماد بعضها الآخر. أما على الجانب الأوروبي، فلم يعد لدى الاتحاد مزيد من أدوات الترغيب. ما لديه الآن لبريطانيا، ليس أكثر من مفاوضات بين طرفين مختلفين، لا محادثات بين شركاء.
شعبوية اليوم حمائية الغد


"التنويع في ظل العولمة يشكل المفتاح اللازم للمستقبل"
فوجي ميتراري- اقتصادي ياباني

كتب: محمد كركوتي

ليس جديدا مرور العالم بفترات يسود فيها المشهد الاقتصادي، التشكيك وعدم اليقين. فترة ما بعد الأزمة الاقتصادية العالمية كانت الأقرب إلينا، بحيث لم يمض عقد من الزمن على هذه الكارثة الاقتصادية التي "صنعها" الإنسان. أي أنه ليس علينا أن نذهب بعيدا في التاريخ لاستحضار فترة من هذه الفترات المشار إليها. بل يمكن القول، إن آثار الأزمة العالمية لا تزال ماثلة على الساحة بصور مختلفة، وإن قلت بشاعتها عما كانت عليه عند انفجارها في عام 2008. اليوم الأمر مختلف تماما، المشهد الاقتصادي العالمي لا يسوده التشكيك والتردد فقط، بل جهل تام بما يمكن أن يحدث لاحقا. بالطبع لا أحد يتوقع أن يكون العالم مدركا 100 في المائة لما سيحدث، لكن المشكلة، أن معدل الإدارة الآن لا يزيد على الصفر في أحسن الأحوال، خصوصا عندما تتحول المساحة الأوسع من الساحة إلى ميدان لردود الفعل وليس المبادرات.
الشيء المؤكد الوحيد حاليا، هو أن الشعبوية في البلدان التي وصفت مجتمعاتها طوال عقود على أنها راشدة، باتت نجما ساطعا في فضائها، ليس من الناحية التسويقية الإعلانية فحسب، بل أيضا من جهة الوصول إلى المشاركة في صنع القرار المحلي الذي ينعكس بصورة أو بأخرى على القرارات خارج النطاق المحلي. وهذه التيارات الشعبوية، إذا لم تكن تشارك في السلطة التنفيذية مباشرة، فهي بالضرورة لها تأثيرها في التشريع ووضع القوانين في أماكن ومنصات أخرى. وعلى غرار ما كانت عليه حركات المجتمع المدني في الستينيات والسبعينيات من تأثير وحراك كبير يسود الساحتين الاجتماعية والسياسية، أخذت التيارات والحركات الشعبوية مداها منذ العقد الماضي، وتحديدا في أعقاب انفجار الأزمة الاقتصادية مباشرة، وبدأت فعلا تكرس حضورها على هاتين الساحتين.
يحاولون أن يسوقوا هذه الشعبوية على أساس أنها وطنية خالصة. ولكن مهلا كيف يمكن لهذه "الوطنية" أن تحضر في المشهد أصلا، في حين أن العولمة حلت مكان غالبية الكيانات المحلية؟! دون أن ننسى، أن البلدان الأكثر استفادة من العولمة طوال العقود القليلة الماضية كانت تلك التي تتنامى فيها التيارات والحركات الشعبوية في الوقت الراهن. لا أحد يريد أن يوجه الاتهامات للعولمة على دورها في ظهور المشاعر "الوطنية الجديدة". فهي في الواقع لم تكن عادلة مع البلدان الأكثر هشاشة. وكانت ـ أي العولمة ـ غير تشاركية بما يكفل نجاحها. بمعنى، أنها أفادت الازدهار دون أن يكون لها دور حقيقي مباشرة في فترات الكساد وعدم النمو! حتى العولمة كانت نخبوية. وعندما تظهر الشعبوية في البلدان "النخبوية"، يكون هناك ظلم مضاعف على بقية بلدان العالم.
لننظر قليلا إلى وصول دونالد ترمب لرئاسة الولايات المتحدة، وإلى ظروف الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي، وإلى تقدم اليمين الشعبوي وحتى المتطرف في بعض البلدان الغربية المؤثرة، كفرنسا وألمانيا، ناهيك عن الحركات الشعبوية حتى في الدول التي تعتبر من الصف الثاني مثل رومانيا وبلغاريا والتشيك وغيرها. وبوضع المساعي الراهنة من جهات متعددة لتكريس مبدأ الحمائية على الصعيد الاقتصادي، نحن أمام مشهد اقتصادي ليس واضحا، ولكنه بالتأكيد متجه نحو أهداف ستنشر مزيدا من القلق والتوتر والريبة والشك لعد سنوات مقبلة. وإذا ما تم تمكين هذه الأهداف، فإن آثارها (مثل الأزمات الاقتصادية) تطول حتى بعد نهايتها. هل هناك حلول، أو ما يمكن اعتباره خط مواجهة صلبا لهذه الموجة؟
البعض يعتقد أن الحق على العولمة، والبعض الآخر يرى أن السبب عدم إصلاح الرأسمالية، في حين ينظر آخرون للأمر لعدم وجود فكر يصنع سياسات. والحق أن ما يجري حاليا على الساحة العالمية أن السلوكيات تصنع السياسات، وهذه الأخيرة سرعان ما تطرح على أساس أفكار منهجية عالية الجودة! ما لا شك فيه أن الرأسمالية لم تخضع منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية لأي عملية إصلاح باستثناء الفترة التي طرح فيها رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير ما أصبح يعرف بـ "الطريق الثالثة". لكن حتى هذه الأخيرة انتهت بخروج بلير من الحكم. المستفيدون من العولمة لا يريدون المساس بها، ولو نظروا إلى مجتمعاتهم لوجدوا أن العولمة العمياء وعدم إصلاح الرأسمالية أتيا بتيار الشعبوية إلى الواجهة، وصار لا يُحرك فحسب، بل يغير أيضا!
لا يبدو الأفق واضحا للاقتصاد العالمي في غضون ما تبقى من العقد الحالي على الأقل، فحتى "الحلفاء" باتوا يخسرون هذا التوصيف يوما بعد يوم. من فرط غياب قيادات تطرح سياسات تتعاطى مع المستقبل من منطلق إنساني شامل، وظهور حمائية متعاظمة ربما تقود إلى حرب اقتصادية كبيرة. التهديدات بدأت بالفعل حتى قبل أن يدخل ترمب البيت الأبيض كرئيس بلا انتماء سياسي في الواقع.
سوق لندن المالية بين متفاوضين


"بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي ستتحول إلى اقتصاد متوسط في مكان ما في الأطلسي. لا هي في أمريكا ولا في أوروبا".
مارك روتي رئيس وزراء هولندا

كتب: محمد كركوتي

لا مجال أمام رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، إلا أن تكشف عن خطط المفاوضات التي ستجريها مع الاتحاد الأوروبي حول انسحاب بلادها من هذا الاتحاد. ليس أمام ماي فرصة للاحتفاظ بسرية الخطة، حتى وإن كان الكشف عنها يضعف الجانب البريطاني في مفاوضاته. والسبب بسيط، يتعلق بأحقية مجلس العموم البريطاني في الاطلاع على استراتيجية وبنود المفاوضات قبل انطلاقها في أواخر آذار (مارس) المقبل. دون أن ننسى الإشارة بالطبع إلى المعركة القضائية الدائرة حاليا حول شرعية موافقة المجلس من عدمها. إنها معضلة تشريعية جديدة، تتلخص في التالي: إذا كان الشعب هو الذي يقرر في استفتاء عام، فإن ممثلي الشعب نفسه لهم الحق في صنع القرار من خلال مداولات. إنها "تركيبة" فريدة في التاريخ البريطاني الحديث، لأن ممثلي الشعب ليسوا في الواقع مع ما اختاره هذا الشعب.
ومن هنا، يمكن النظر باهتمام إلى ما طلبته اللجنة البرلمانية البريطانية لـ "بريكست". ماذا طلبت؟ كتاب أبيض من الحكومة يتضمن خطتها المفصلة للخروج من الاتحاد بحلول منتصف الشهر المقبل، أي قبل ستة أسابيع تقريبا من الموعد الذي قررته رئيسة الوزراء لتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة الشهيرة. البقاء في السوق المشتركة، أو الانسحاب منها، القبول ببعض التعديلات على مسألة فتح الحدود، إبقاء لندن عاصمة المال الأوروبية - العالمية، الوضع الجمركي، مسألة المهاجرين الأوروبيين أنفسهم، الاتفاقات التجارية البريطانية في ضوء الانسحاب، الصادرات البريطانية والواردات إليها. وقضايا أخرى كثيرة متشعبة ستكون في صلب المفاوضات المنتظرة. البريطانيون يتمنون انسحابا سهلا، لكن الإشارات بل المواقف القادمة من أوروبا لا تدل على هذه السهولة.
على الرغم من القوة التي تمتلكها المفوضية الأوروبية بشكل عام، مقارنة بقوة دولة عضو في الاتحاد، إلا أن بريطانيا لا تزال تحتفظ ببعض الأوراق التي ستستخدمها في المفاوضات. والحقيقة هي ورقة قوية كبرى تكمن في السوق المالية البريطانية التي تمثل الركيزة المصرفية للاتحاد الأوروبي بالفعل، على الرغم أن بريطانيا نفسها ليست منضمة لمنطقة اليورو. وبعد سلسلة من تصريحات أطلقها مسؤولون أوروبيون كبار، تضمنت ألا  تحلم بريطانيا بمفاوضات سهلة بل عليها أن تتوقعها قاسية جدا. وعلى الرغم من هذا، خرج ميشال بارنييه كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي الفرنسي ليتحدث عن ضرورة إبرام اتفاق "خاص" مع القطاع المالي البريطاني، بحيث تبقي سوق المال في لندن مفتوحة أمام شركات ودول الاتحاد. والحق أن مثل هذا الموقف المعلن يمثل دعما مبكرا للجانب البريطاني الذي يمكن أن يفاوض على التجارة مقابل السوق المالية.
ومن الواضح أن أيا من العواصم الأوروبية، لن تستطيع، على الأقل في السنوات القليلة المقبلة، احتلال المكانة التي حققتها لندن بهذا الشأن تحديدا منذ قرون. وهذه حقيقة دعمت بصورة أخرى حقيقة موقف العاصمة البريطانية نفسها في الاستفتاء. فقد أيدت البقاء بكل قواها، لأنها تعرف مدى أهمية العضوية الأوروبية ماليا وتجاريا وخدماتيا. كما أن لندن خبرت التلاقي الثقافي أكثر من غيرها من المناطق الأخرى في المملكة المتحدة. هذه نقطة مهمة تدعم الموقف البريطاني في المفاوضات، علما بأن هذا الموقف ليس قويا كما يحاول أنصار الانسحاب ترويجه. وهم بحق أثبتوا براعة هائلة في تسويق الخروج، أمام فشل ذريع لأولئك الذين تحركوا من أجل الإبقاء على بريطانيا ضمن الاتحاد.
لنترك جانبا فشل الحكومة البريطانية الواضح في تطمين كلا الجانبين المتعارضين على الساحة المحلية (المؤيدون للبقاء والمعارضون له). وهذا الفشل تحدث عنه الجانبان أيضا، إلا أن الجانب المالي للندن يبقى الصرح الأقوى الذي يمكن للحكومة أن تستند إليه. غير أنه أيضا متصل بالمسألة المعضلة الكبرى التي تنحصر في قضية فتح الحدود بين دول الاتحاد الأوروبي. هذه القضية على وجه الخصوص كانت وراء فوز الرافضين لعضوية بريطانيا على معسكر البقاء. بمعنى أن الوصول إلى السوق المالية يتطلب فتحا ما للحدود. هل تقبل الحكومة البريطانية بهذا؟ لا يبدو أنها تستطيع أن تقبل وإن كانت ترغب بالفعل، لأنها بذلك ستعارض الناخبين الذين صوتوا بلا، وهي التي أقسمت على احترام رغبتهم.
لا بد أن تكون هناك صيغة ما حول السوق المالية اللندنية، دون أن ننسى، أنه باستطاعة الاتحاد الأوروبي المضي قدما من دون هذه السوق، والاعتماد على أسواقه المالية الكبرى، إذا ما فشلت المفاوضات بهذا الصدد. ومهما كان الموقف البريطاني قويا، يبقى الموقف الأوروبي أقوى، ليس فقط من حيث حجم المنطقة الاقتصادية الأوروبية الموحدة، بل أيضا من جهة التأثير العالمي للاتحاد، وقوته ككتلة بكل عناصرها السلبية والإيجابية.
الاستثمار في «قطاع» المستقبل


كتب: محمد كركوتي

أينما توجد الفرص الاستثمارية المجزية ذات العوائد المرتفعة والآمنة والمستدامة، فإنها تمثل في الواقع أهدافا لمن يسعى إلى التطوير الحقيقي (لا الوهمي) لاستثماراته. بعض القطاعات لم تعد لها آفاق حقيقية لأسباب منها ما يختص بالتطور الطبيعي للحراك التنموي الشامل، ومنها ما هو جديد، وآخر متجدد. وآفاق هذا الأخير واسعة، يعترف حتى المختصون فيه بأنهم أنفسهم لا يعرفون الحدود التي يمكن أن يقف عندها. ومن هنا يمكن فهم التوجه الاستثماري السعودي الكبير نحو قطاع التكنولوجيا بكل فروعه، ولا سيما تقنية المعلومات التي باتت منذ سنوات ليست قصيرة، تمثل حجر الزاوية ليس للتقدم فحسب، بل لعوائد استثمارية كبيرة، باتت مطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى، وأصبحت تمثل المحور الرئيس لـ "رؤية المملكة 2030" وبرنامج التحول المصاحب لها.
وجاء التأكيد واضحا من صندوق الاستثمارات العامة بأنه "لا سقف لحجم استثماراتنا في التقنية". فذهنية التحول الاقتصادي في المملكة، تحاكي المستقبل بكل استحقاقاته وتطوراته. وكيف لا؟ و "الرؤية" تستهدف الغد، كما تختص بالحاضر. والاستراتيجية التي اعتمدتها تستند بصورة أساسية إلى أدوات متطورة، في وقت لم تعد فيه الأدوات التقليدية المعروفة ذات قيمة حقيقية. وعلى هذا الأساس يأتي التنوع الاقتصادي من كل الجهات. وكيف يكون تنوعا إذا لم تكن جهاته متعددة؟! جهات قابلة للنمو وفق حراك متسارع على الساحة العالمية، والأهم جهات تستوعب المتغيرات بكل عناصرها. وهنا يكمن الفارق بين استثمارات تقليدية، وأخرى تحمل معها تجددها على مدار الساعة، وتفتح آفاقا بعد أخرى، وتستجلب بجودة عالية، عوائد مرتفعة آمنة و"متوالدة".
المخططات السعودية الجديدة في مجال الاستثمار التكنولوجي هائلة بالقياس إلى الحراك الاقتصادي العام في المملكة. خصوصا، أن الخطوة الأولى الكبيرة تستهدف استثمار صندوق الاستثمارات العامة 45 مليار دولار في مجموعة "رؤية سوفت بنك"، ما يسمح للمجموعة بتحقيق هدفها بجمع 100 مليار دولار. وهذا يعني أن المملكة ستمتلك حصة في "رؤية سوفت" تصل إلى 45 في المائة، إلى جانب (طبعا) الاستحواذ على 5 في المائة من شركة "أوبر" الشهير بقيمة تصل إلى 3.5 مليار دولار، ناهيك عن امتلاك "الاستثمارات العامة" حصة 50 في المائة من منصة "نون" المستقلة للتجارة الإلكترونية، وهي أول منصة من هذا النوع في الشرق الأوسط. وإذا ما أضفنا امتلاك "الاستثمارات العامة" قطاعات تقنية محلية عديدة، إضافة إلى امتلاك حصة 70 في المائة من شركة الاتصالات السعودية STC، فإننا أمام استثمارات كبيرة عالمية ومحلية. استثمارات واعدة بكل المقاييس.
التوجه السعودي اللافت، دفع صناديق سيادية أخرى للتخطيط للدخول في استثمارات ضمن نطاق قطاع التكنولوجيا بكل فروعه وفرصه، بل إن شركة "أبل" أكبر شركة تكنولوجيا في العالم، قررت أخيرا الدخول بحصة إلى "رؤية سوفت بنك" بمليار دولار. وهذه لفتة ذات دلالات كبيرة، لأن الشركة الأمريكية المذكورة هي نفسها رائدة في هذا المجال، ما يعزز الجانب المعنوي لهذا المشروع التقني الكبير. يأتي ذلك، في الوقت الذي تعمل فيه المملكة على رفع قيمة صندوق الاستثمارات العامة من 600 مليار ريال في الوقت الراهن إلى سبعة تريليونات ريال بحلول عام 2030. وهذا الموعد له أيضا مدلول لا يخطئه أحد. إنه الموعد الأقصى لتنفيذ "رؤية المملكة 2030"، بعد أن تمر بسلسلة من التحولات الهادفة إلى صياغة أخرى جديدة للاقتصاد الوطني بكل عناصره وخصائصه ومعطياته.
وإذا كانت مساهمة السعودية في "رؤية سوفت بنك" تمثل انطلاقة كبيرة لها على صعيد الاستثمار التقني المتنوع، فهي في الواقع خطوة نحو مزيد من الاستثمارات المشابهة سواء المحلية أو تلك المتوافرة على الساحة العالمية. لقد بات من المسلمات، أن الذي يتخلف عن هذا الركب الاستثماري التقني الواسع، سيظل يراوح مكانه، دون أن نشير بالطبع إلى أنه لن يحقق مكاسب تساعده على مواجهة الاستحقاقات التي تحملها الفترة المقبلة. والتقنية صارت جزءا أصيلا من كل شيء تقريبا، من طلب سيارة تاكسي، إلى الإعداد لرحلة نحو كوكب المريخ. وقبل أيام (على سبيل المثال)، أكدت مؤسسة البحوث "ريسرش آند ماركت" في دراسة معمقة لها، أن حجم سوق التعليم الذكي بلغ أكثر من 193 مليار دولار العام الماضي، وسيصل إلى أكثر من 586 مليار دولار بحلول عام 2021.
مرة أخرى، ليس هناك حدود لهذا القطاع الواسع المتسارع المتجدد. وميزة التجدد هي التي تكفل له مستقبلا مشرقا، ما يعني أنه خال من المطبات. وهذا يصب في صلب المخططات التنموية السعودية التي تستهدف العقود المقبلة وليس العام الآتي. و"رؤية المملكة 2030" تكتسب أصلا بعدا متطورا للغاية، توفر لها الاستثمارات التقنية الكبيرة أدوات متناغمة دافعة إلى الأمام. ومن هنا يمكن فهم تأكيدات القائمين على "صندوق الاستثمارات العامة"، أن لا حدود لمثل هذه الاستثمارات، وأن الفرص في القطاع التقني تبقى هدفا للاستثمارات السعودية بشكل عام. ومع الإصرار الكبير والمنهجية عالية الجودة، من السهل رؤية العوائد المرجوة لهذا النهج الواسع.
إيران .. وهم الأموال «النووية»


"كل شيء على ما يرام اليوم، هذا هو الوهم"
فولتير، أديب وفيلسوف فرنسي راحل

كتب: محمد كركوتي

الأمر برمته ليس كما يتوهم النظام الإيراني. الاتفاق النووي أثمر شيئا، لكنه لم يأت بما كانت تتوهمه إيران، خصوصا على الصعيد الاقتصادي. هذا النظام لا يسعى إلا وراء المال، ليس من أجل التنمية والبناء والإصلاحات ورفع مستوى العيش للإيرانيين، ولا لكي يرسم معالم اقتصاد باتت البلاد في أمس الحاجة إليه، بعد الخراب الذي حدث (ويحدث)، بل لتغذية استراتيجيتها العدوانية هنا وهناك. لا تهم الجغرافيا ولا الحقائق ولا الحقوق، المهم أن تمضي هذه الاستراتيجية إلى آخر هدف وضع لها. ومن هنا نستطيع أن نشهد، دمارا اقتصاديا في إيران، وصل إلى مستوى تعاظم فيه الفقر، وارتفعت البطالة، ووصلت فيه التنمية إلى مرحلة الصفر. المهم المال الآتي من اتفاق لا يزال مشكوكا في جدواه، بل في غاياته، وهو مهم لأن الأموال مطلوبة في مناطق الخراب التي أحدثها النظام الإيراني خارجا، بعد أن أكمل الخراب في الداخل. المشهد الإيراني المحلي الآن يتلخص في التالي: العملة الوطنية تنهار، الفشل في جذب الاستثمارات، إخفاق في بناء علاقات مصرفية عالمية فاعلة، بطالة متزايدة بصورة خطيرة، فقر منتشر حتى بين الطبقات المتوسطة، سخط يرتفع صوته، على سيطرة ما يسمى بالحرس الثوري على أكثر من ثلث الاقتصاد الوطني. العوامل كثيرة تلك التي أسهمت في تشكيل هذا المشهد، لكن العقوبات بقيت على رأسها، لأنها منعت عن إيران حراكا اقتصاديا طبيعيا على مدى سنوات. أما الآن وقد زالت العقوبات، فالأمر لم يتغير كثيرا، باستثناء استرداد النظام الإيراني نحو 11 مليار دولار على مدى أكثر من عام تقريبا، كانت إما مجمدة، أو محتجزة. وهي بلا شك من حق هذا البلد، لكن هل يستحقها النظام الإيراني باستراتيجيته التخريبية العدوانية؟ وفي كل الأحوال الأموال المجمدة ــــ المحتجزة لا تصنع اقتصادا، بل لا تعيد الاقتصاد إلى مسار مقبول محليا، ليس لأنها أقل مما هو مطلوب لتغيير المشهد الاقتصادي العام، بل لأنها تدخل في إطار تكاليف دفعت بالفعل. والمهم لإيران (ولغيرها) حراك اقتصادي إقليمي وعالمي، يوفر لها مزيدا من الاستدامة المالية والإنتاجية، ويضمن حراكا تنمويا مطلوبا الآن أكثر من أي وقت مضى. هذا الحراك لم يأت كما كان نظام علي خامنئي يتوهم ويتمنى. لماذا؟ لأن المؤسسات الغربية الفاعلة على الصعيد الاقتصادي لا تزال تخشى الخوض في غمار اقتصاد إيراني تغطيه الشبهات، بل تفضحه الحقائق في مناح كثيرة. دعك من بعض الشركات التي تتهافت اليوم على العودة لإيران، فهذا مفهوم من منطلق استثماري ربحي، لكن الآليات المالية غير متوافرة على الساحة، لأن المؤسسات المالية ترفض المشاركة الآن على الأقل. في الواقع، المؤسسات المالية خائفة من النظام المالي العالمي، ومن النظام الإيراني نفسه، لأنه يبقى متهما في مسائل خطيرة، بل مدانا في مسائل عدة ظهرت على السطح في السنوات القليلة الماضية. وليس مهما هنا أيضا، ما قدمته إدارة باراك أوباما من تطمينات للشركات الغربية غير الأمريكية، بأنها لن تكون عرضة للملاحقة في حال تعاملت مع إيران. فهذه الإدارة لم تكتسب احتراما يذكر حتى عند أصغر الشركات قاطبة، لماذا؟ لأنها أثبتت على مدى ثماني سنوات أنها غير قادرة على صناعة قرار واضح، وموقف أكثر وضوحا حيال كثير من المسائل. كما أنها باتت ماضية الآن خارج الحكم إلى غير رجعة. خصوصا أن ما قدمته في الواقع كان مجرد تطمينات وليس سياسات وتشريعات موثقة محليا. ومع فوز دونالد ترمب بالرئاسة الأمريكية، زادت المخاوف أكثر، لأن هذا الأخير أبدى علنا موقفا سلبيا من النظام الإيراني ومن الاتفاق النووي الذي لا يزال البعض يتحدث عن ملاحق سرية له. أسفر هذا الوضع عن فشل إيران في جذب استثمارات أجنبية. وباستثمار بعض المشاريع النفطية وشراء طهران لطائرات نقل مدنية، فإن الاستثمارات المأمولة لم تتدفق على هذا البلد، في حين كان نظامه يحلم بجذب 200 مليار دولار في السنة الأولى التي تعقب توقيع الاتفاق النووي. وإذا كانت المصارف العالمية الكبرى تخشى الوقوع في مشكلات قانونية مع الولايات المتحدة إذا ما تعاملت مع إيران في عهد أوباما؟ علينا أن نتخيل خشيتها الآن، وترمب يتسلم الرئاسة هذا الشهر. قبل أيام من رحيل باراك أوباما من البيت الأبيض، قال مشرعون في الكونجرس الأمريكي إن إيران تستخدم الأموال المفرج عنها لدعم الإرهاب في اليمن وسورية والعراق، وكذلك تطوير ترسانتها من الأسلحة المتطورة وخاصة الصواريخ. وكل هذا من المحظورات الغربية بالطبع. خصوصا عندما لا يكون للسلطة التي حظيت بمباركة علي خامنئي الحق حتى في توجيه الأسئلة، عن مصير الأموال التي يقتطعها "الحرس الثوري" والعصابات التابعة له من العوائد الوطنية. الأمر خطير بالفعل بالنسبة للمصارف والمؤسسات المالية العالمية، وهو خطير الآن، مع وصول رئيس ينظر إلى إيران كراعية متأصلة للإرهاب ومعه الخراب.
بريطانيا العظمى «الناشئة»


“بريطانيا تتعرض للهجوم ليس بسبب استقلاليتها بل بفعل معايير انفتاحها”
ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني السابق

كتب: محمد كركوتي

لم تتردد مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية الرصينة في القول “إن بريطانيا في طريقها لتصبح أشبه بالأسواق الناشئة في العالم”. لماذا؟ لأن هناك مخاطر سياسية، وتختبر قيمة عملتها، ويعاني اقتصادها حالة عدم الاستقرار وعدم وضوح المستقبل”. لم يكن الأمر بهذه الصورة القاتمة في أعقاب الاستفتاء على انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. كان الجميع في حزيران (يونيو) الماضي مصدوما، والجميع هنا يعني المعسكرين، معسكر البقاء ومعسكر الانفصال. تطلب الأمر وقتا لاستيعاب الصدمة في كلا الاتجاهين، لكن مع الوقت ظهرت الحقائق المروعة، وبات الأمر لا ينحصر في تكاليف عضوية بريطانيا في الاتحاد، بل في الخسائر الفادحة التي ستتكبدها الآن وعلى مر السنوات المقبلة. ناهيك طبعا، عن السمعة الاقتصادية للبلاد، التي بلغت حد أن طلبت الحكومة اليابانية من رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، أن تطلعها على طبيعة مفاوضات الخروج، لأن الأمر يتعلق بمستقبل الاستثمارات اليابانية في بريطانيا. بل إن شركات ومصارف كبرى تقدمت بطلبات مشابهة. وباستثناء البلدان التي وقعت تحت وصاية ما، لم يحدث أن طلبت دولة من حكومة بلد مستقل ذات سيادة مثل هذا الطلب. الأمر الذي لا بد أن يدفع تيريزا ماي إلى مراجعة مواقفها حيال عملية الانفصال. نحن نعرف أنها ماضية في هذه العملية، وإن أخرتها لأسباب تتعلق بمصلحة بريطانيا وليس الاتحاد الأوروبي. لكن مع كل حقيقة مروعة تظهر على الساحة، تجد نشاطا متصاعدا لمواجهة عملية الانفصال هذه، حتى من المسؤولين الموالين جدا لرئيسة الوزراء. وهؤلاء رغم إيمانهم العميق بقيمة رأي غالبية الشعب، إلا أنهم يعتقدون أن توضيحات جديدة للخسائر، قد تغير من الحراك على الساحة المحلية البريطانية. ولا سيما بعد أن قضت المحكمة البريطانية العليا، بضرورة تصويت مجلس العموم على قرار بدء إجراءات الانسحاب من الاتحاد. رئيسة الوزراء أسرعت للإعلان أنها ستسعى لتجاوز دور القضاء في هذه المسألة، إلا أن زملاء لها أسرعوا أيضا للتمسك بهذا الحكم البعيد عن المعايير السياسية. وهناك حجة منطقية لأولئك الذين يأملون إعادة طرح الموضوع مجددا للاستفتاء، تستند إلى أنه إذا كان من حق مؤيدي الانفصال احترام نتيجة التصويت، فمن حق مؤيدي البقاء أن يطرحوا الأمر لتصويت جديد، وفق نتيجة المفاوضات التي ستعقدها بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي بعد تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة. وهي المادة التي تنظم عملية خروج عضو من هذا الكيان الأوروبي الكبير، وتحدد الأطر المستقبلية للعلاقة بينه وبين الاتحاد. وهذه النقطة بالتحديد ترهب الساحة البريطانية ومعها البلدان التي لها مصالح في المملكة المتحدة، وهي مصالح اقتصادية واستثمارية هائلة. أما لماذا هذه الرهبة؟ فلأن المفوضية الأوروبية أعلنت مرارا، وكذلك فعل عدد من قادة الاتحاد الأوروبي، أن بريطانيا لن تحظى بمعاملة خاصة إذا ما خرجت، وأن الشيء الوحيد الذي يجب أن تقبل به هو الموافقة على حرية التحرك منها وإليها. وأقل من ذلك لن تكون العلاقة أفضل من العلاقة القائمة حاليا بين الاتحاد وأي دولة خارجه. بتنا نعلم الأضرار التي ستضرب بريطانيا، وشاهدنا الأضرار التي ضربتها بالفعل من تدهور قيمة الجنيه الاسترليني، إلى تراجع الثقة بالاقتصاد البريطاني. وكان طبيعيا أن تتقدم وكالات التصنيف العالمية لتعلن من جانبها، أنها ستعيد النظر في التصنيف الائتماني للمملكة المتحدة وفق طبيعة الاتفاق الذي ستتوصل إليه مع الاتحاد. ليس مهما هنا نتيجة الاستفتاء، المهم وضعية بريطانيا الاقتصادية وحتى السياسية. باختصار، لا يبدو أي أمل لبريطانيا في أن تكون في قلب المشروع الأوروبي، وبالطبع لن يسمح لها بذلك مهما كانت المبررات. لتحترم تيريزا ماي نتيجة الاستفتاء هذا حقها وحق المشاركين فيه الذين وقفوا مع الانسحاب، لكن لا يعني للأوروبيين هذا الأمر شيئا. اللافت في تداعي أحداث انسحاب بريطانيا، ليس فقط حكم المحكمة العليا، بل أيضا ما أعلنه الدبلوماسي البريطاني السابق جون كير. وأهمية ما قاله تنبع من أنه هو شخصيا من أعد المادة 50 في تعديل معاهدة لشبونة. ماذا قال؟ “بإمكان بريطانيا التراجع عن قرارها بالخروج من التكتل بعد بدء محادثاتهما الرسمية بهذا الشأن”. وهو يؤكد أنه “بإمكانك تغيير رأيك أثناء المفاوضات”. لكن هذا الكلام (على أهميته) لا قيمة له أمام تمسك ماي حتى الآن ببدء المفاوضات في آذار (مارس) المقبل. ستكون هناك “معارك” محتدمة كلما اقترب هذا الموعد. فأصحاب البقاء لديهم بالفعل نقطة لمصلحتهم ترتبط مباشرة بعرض نتائج المفاوضات على استفتاء جديد، كما أن القانون يحتم على مجلس العموم نفسه التصويت على مسألة خطيرة كهذه. والجميع يعلم أن نواب الشعب البريطاني (بأغلبيتهم) يقفون مع بقاء بلادهم ضمن الاتحاد الأوروبي.
وكالات التصنيف «الملهمة» المتهمة



"أحترم وجهة نظر وكالات التصنيف، لكني لا أضع الموازنة من أجل هذه الوكالات، بل أضعها للشعب الهندي"
ب. شيدانبارام، وزير المالية الهندي السابق

كتب: محمد كركوتي

بعد المصارف والمؤسسات المالية، جاء الدور على وكالات التصنيف لكي تدفع الثمن على دورها المستتر في الأزمة الاقتصادية العالمية. ولم ينفع مع هذه الوكالات أنها تعلمت الدروس من الأزمة، لأن الأخطاء التي ارتكبتها لن تزول قبل أن تدفع ثمنها على شكل تعويضات وغرامات وما شابه ذلك في المحاكم التي تنظر في الأمور المالية الكبرى. الولايات المتحدة صعدت في الأشهر الماضية حملتها ضد المصارف الأمريكية والأجنبية التي غشت مودعيها وكذلك المقترضين منها، ببيع الوهم العقاري، عن طريق أساليب متعددة من التضليل. لقد قدمت "منتجات" مالية مغشوشة ومضللة، كان عليها أن تكون أكثر نزاهة في عرضها على المتعاملين. الذي حدث، أن هؤلاء غرقوا في الديون مع وهم جدوى الاقتراض العقاري. وماذا حدث أيضا، نقلوا خيبتهم المالية إلى ورثتهم بصورة أو بأخرى. مصارف كبرى مثل "بنك أوف أمريكا" و"إتش إس بي سي" و"جي بي مورجان" و"دويتشه بنك" و"باركليز" وغيرها من المصارف ذات الأسماء الرنانة، تلقت الضربة تلو الأخرى من السلطات الأمريكية التي توصلت مع بعض هذه المصارف إلى تسويات خارج المحاكم، تحسب بعشرات المليارات من الدولارات. ولا تزال الملاحقة القضائية "أو التهديد بها" تمضي قدما ضد هذا البنك أو ذاك. بات واضحا، أن الخسائر التي تكبدتها الحكومة الأمريكية جراء إنقاذ مؤسسات مالية بسبب الأزمة تسترجعها على شكل غرامات هائلة الحجم. في حين أن المصارف المستهدفة لا يمكنها أن تعاند في هذا المجال، وإن اتبعت أسلوب المعاندة في الأيام الأولى لتوجيه الاتهامات لها. ولا يوجد مدير عاقل لمصرف يمكنه أن يعاند حتى النهاية. لماذا؟ لأن المصارف وقعت في الجرم المشهود، و"بصماتها" منتشرة في مسرح "الجريمة". المصارف والمؤسسات المالية المتهمة والمدانة، تمتعت بأفضل تسويق ممكن من جانب وكالات التصنيف العالمية المعروفة "الملهمة"، ما أسهم مباشرة في تغطية الأكاذيب والأوهام التي "باعتها" المصارف للناس. وكان التضليل سائدا على الساحة طوال سنوات وليس لفترات قصيرة. بالطبع تتحمل الحكومات كلها المسؤولية أيضا، بعضها دفع الثمن غاليا بإجباره على ترك الحكم، وبعضها الآخر قام بإصلاحات جيدة. غير أن وكالات التصنيف كانت تتلقى أجورها على أكاذيب محبوكة، وأوهام "مرئية". وقدمت المصارف على أنها مؤسسات ليست قابلة للخسائر، فكيف يمكن أن تنهار؟ الذي حدث أنها انهارت في غضون دقائق، نعم دقائق من انكشاف حقيقة أو مصرف فجر الأزمة الاقتصادية كلها. ومن هنا على هذه الوكالات أن تنتظر دورها في الملاحقات القضائية أو التسويات الممكنة. وقد اعترفت وكالة "موديز" أخيرا، بأنها تتوقع رفع وزارة العدل الأمريكية دعوى قضائية ضدها، بسبب قرارات تصنيف ائتماني خاصة بسندات وأوراق مالية أخرى، أصدرت قبل أزمة سوق الإسكان عام 2008. وبالفعل تحقق وزارة العدل، في أمور تتعلق بدرجات تصنيف ائتماني مرتفعة لبعض الأوراق المالية خلال الأزمة المالية العالمية. إضافة طبعا إلى التصنيفات غير الحقيقية لأوضاع المصارف والمؤسسات المالية. لقد أظهرت الأزمة الكبرى، أن هذه الوكالات ليست نزيهة، بل تخصصت على مدى سنوات بـ"المحاباة" التي تدر عليها مداخيل هائلة، مستغلة في الواقع الحراك غير المنطقي للرهن العقاري في الولايات المتحدة وخارجها. نشوة هذا الحراك، أعمت أعين حتى المشرعين في البلدان التي تلقت أكبر ضربات الأزمة ولا تزال. المصيبة التي تواجه هذه الوكالات، أن ملاحقتها قضائيا لا تقتصر على الحكومة الفيدرالية، بل تشمل أيضا الحكومات المحلية في الولايات الأمريكية المختلفة، خصوصا تلك التي تعرضت لأكبر أضرار مالية. وتعرف الوكالات مدى خطورة مثل هذا التحرك، خصوصا أن مؤسسات مالية كبرى لم تستطع أن تصمد لفترة طويلة أمام الاتهامات التي وجهت إليها من الجانب الحكومي الأمريكي، واضطرت للقبول بتسويات مؤلمة للغاية. غالبية هذه المصارف باتت تجنب أموالا هائلة لتكون جاهزة في حال تم الوصول إلى التسويات. على وكالات التصنيف أن تدفع الثمن، فالذي يروج للأوهام والأكاذيب والتضليل، ليس أقل شرا وأذى من الذي يمارسها. ولم توفر الإصلاحات التي أدخلتها الوكالات على نفسها في أعقاب الأزمة، أي حصانة لها من الملاحقات والغرامات. انتهجت إدارة باراك أوباما أسلوبا جديدا بالفعل في عالم المصارف والتصنيفات، بعد إطلاقها سلسلة من الملاحقات القضائية. وهذا يفتح المجال أمام الحكومات الأخرى، ولا سيما في البلدان الغربية للقيام بالخطوات نفسها، خصوصا أنها استخدمت المال العام لإنقاذ مؤسسات تسببت في خسائر المواطنين أصحاب المال العام أنفسهم! الأمور بعد الأزمة الاقتصادية العالمية لا يمكن أن تعود كما كانت. كما أن الحكومات لا تستطيع بأي صورة من الصور أن تخاطر بسياسات مالية منفلتة، لأن الأزمة كانت كبيرة بحيث لا تزال ضرباتها ماثلة على الساحة بصور مختلفة، وبآلام وهموم مختلفة أيضا.
حدث خطأ في هذه الأداة