الجمعة، 18 مارس 2011

القنوات الإخبارية.. موسمية

(المقال خاص بمجلة "إذاعة وتلفزيون الخليج")

" اليوم.. مشاهدة التلفزيون تعني غالباً، القتال والعنف واللغة غير اللائقة. وهذا يتقرر عند من يمتلك السيطرة على جهاز التحكم"
دونا جيبهارت مؤلفة أميركية

 
 
 
 
محمد كركوتـــي
 
بعد عقدين من انطلاق "الانفجار" التلفزيوني الفضائي عالمياً، وأقل –من حيث الزمن- على الصعيد العربي، وبعد أن امتلأت سماء البشر بأعداد هائلة من القنوات التلفزيونية، التي بات من الصعب حصرها، وبعد أن حفلت المنطقة العربية بأعداد منها وصلت إلى 900 قناة (بعض التقديرات تشير إلى وجود إلى مابين 1000 و1100 قناة)، مازال السؤال في العالم العربي يتردد حول حصص هذه القنوات من المشاهدة، لا من حيث هوياتها، بل من جهة تخصصاتها، المرتبطة مباشرة بالناس. وإذا كان هذا الأمر أكثر وضوحاً في الغرب، إلا أنه ليس كذلك في الشرق، وخصوصاً عند العرب، لأسباب عديدة، في مقدمتها، عدم وجود إحصائيات مسحية دقيقة، وعدم اهتمام غالبية الفضائيات العربية –ولا أقول كلها– بهذا الأمر، على الرغم من الحرص الدائم للمؤسسات المعنية بشؤون الإعلان في المنطقة، على الوصول إلى الإحصائيات الحقيقة، ولو بأدنى جودة ممكنة. ولا شك في أن الغالبية العظمى من الفضائيات العربية، لا ترغب أصلاً بأن تكون ضمن نطاق هذه الإحصائيات، تجنباً لفضائح لا تريدها، والهروب من أرقام، ستكرسها بالتأكيد كـ "بقاليات" تلفزيونية فضائية، لا كفضائيات تتمتع، ولو حتى بالحد الأدنى من الجودة والمهنية المطلوبة.

لكن هذا لا يمنع – والحديث هنا دائماً عن العالم العربي- أن بعض الدراسات والأبحاث الرصينة، تتوصل بين الحين والآخر، إلى نتائج يمكن الاستناد عليها كمؤشرات، تدل إلى أين يتجه المشاهد العربي، وماهية "الأزرار" التي يضغط عليها في جهاز التحكم، وتدل أيضاً على مزاجية هذا المشاهد وسلوكه التلفزيوني. وهذا في الحقيقة، يخدم المُعلِن، ويوضح إلى حد ما "الثقافة التلفزيونية" للمشاهد، ومواقع التأثير فيه.

لقد كان الاعتقاد السائد عند المراقبين العرب، أن المشاهد العربي يميل أكثر إلى متابعة القنوات الإخبارية، لأنه متعطش للحصول على الخبر، من الجهة التي يعتقد بأنها توفره بأعلى درجة من الجودة، وأنه يشكل قناعاته وحتى أفكاره وفقاً لمتابعته هذه، خصوصاً إذا ما كانت تصعب عليه المتابعة الإخبارية من فضائيات تبث بلغات أخرى لا يعرفها. ولا أزال أذكر استطلاعاً أجرته الـ هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" قبل عدة سنوات في أوساط شرائح مختلفة من العرب، أظهر أن الغالبية العظمى من أولئك المشاركين في هذا الاستطلاع، أكدوا أنهم لن يتابعوا القنوات الإخبارية العربية، لو أنهم يجيدون فهم لغة أخرى غير العربية، وفي مقدمتها الإنجليزية. ولكن للإنصاف تغير الحال إلى حد بعيد، بوجود قنوات إخبارية عربية محترفة، أزالت كماً كبيراً من الشكوك عنها، عند المشاهد العربي، بالإضافة طبعاً، إلى انتشار قنوات أجنبية تبث باللغة العربية في أجواء المنطقة.

وبعيداً عن الشك والريبة والنزاهة، وعن المستوى المرتفع لبعض القنوات الإخبارية العربية، وتدني مستوى غالبيتها. فقد بات واضحاً، أن ما كان يعتقده المراقبون سابقاً، لم يكن حقيقياً، في مسألة انحياز المشاهد العربية لـ " الإخباريات" – إن جاز التعبير- أكثر من انحيازه للقنوات الأخرى. والحقيقة أن القنوات الترفيهية المنوعة، وتلك المتخصصة بالأفلام والدراما والأسرة والمرأة. والقنوات الرياضية، والتعليمية، والغنائية، والدينية (رغم كل الملاحظات عليها)، تستقطب القاعدة الأوسع من المشاهدين. وهذا ما يبرر العدد القليل للقنوات الإخبارية ومعها الاقتصادية، مقارنة بعدد القنوات الأخرى. ففي الأجواء العربية، هناك 34 قناة إخبارية – حسب تقرير صدر في أواخر العام 2009 وتبناه اتحاد إذاعات الدول العربية – بينما هناك 115 قناة متخصصة بالموسيقى والمنوعات من قضايا التنمية إلى الفكر والتعليم وحتى البيئة. ويبلغ عدد قنوات الدراما والسينما والمسلسلات والثقافة العامة 75 قناة، ووصل عدد القنوات الرياضية -حسب الدراسة نفسها– إلى 56 قناة. والحقيقة أن هذه الأرقام، تدخل في نطاق الإحصاء الإجمالي الذي تبناه الاتحاد المشار إليه، لعدد القنوات الفضائية العربية البالغ 696 قناة.

وسواء كان العدد الإجمالي 696 أو 1000، فإن حصة القنوات الإخبارية من "سوق" المشاهدة هي الأقل. فحتى القنوات المتخصصة ببث برامج الألغاز أو "الحزازير" – وهي قنوات دون مستوى حتى "البقاليات" التلفزيونية- تجاوزت القنوات الإخبارية عدداً، وحتى استقطاباً، رغم أنه – مرة أخرى – لا توجد إحصائيات دقيقة بهذا الصدد. ولو سُمح لقنوات "قراءة الكف" على الهواء مباشرة الاستمرار في عملها، لتجاوزتها أيضاً من حيث عدد المشاهدين. مع ضرورة الإشارة إلى أن تكاليف تشغيل مثل هذه المحطات، لا تُذكر- بأي حال من الأحوال- أمام تكاليف تشغيل محطة إخبارية ذات نوعية.

تحقق القنوات الإخبارية – ومعها إلى حد ما القنوات الاقتصادية- نسبة مشاهدة عالية في أوقات الأزمات والمشاكل الكبرى والأحداث التي تترك بعداً تاريخياً لها. فكلما كانت هذه القناة أو تلك في قلب الحدث، كلما استحوذت على نسبة عالية من المشاهدين، الأمر الذي يحولها عند المشاهد العربي، إلى قنوات "موسمية". وقد بدا هذا واضحاً في الآونة الأخيرة، من خلال متابعة وتغطية ما جرى في تونس ومصر من انتفاضتين تاريخيتين. وحدث هذا أيضاً في السابق، في الحرب على العراق، والحرب بين حزب الله اللبناني وإسرائيل. ولكن هل تستطيع قنوات الأخبار أن تحافظ على نسبة عالية من المشاهدة في كل الأوقات. الحقيقة أنها لن تتمكن من ذلك، أمام اندفاع المشاهد العربي – وحتى الأجنبي- إلى المنابر التلفزيونية وغيرها، التي تقدم الخدمات الدائرة في فلك المجتمع.

الاثنين، 14 مارس 2011

مكافح ومحارب وثوري.. وثروات

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"أنت تعتقد أن الأموال هي جذور الشر. هل سألت يوماً ما هي جذور كل الأموال؟"
آين راند كاتبة ومؤلفة روسية-أميركية







محمد كركوتــي
 
إنها حقيقة، لا أحد يمكنه الادعاء بمعرفة حجم الأموال التي نُهبت على أيدي رؤساء خُلعوا، أو زعماء في طريقهم إلى الخلع، أو قادة يسعون بكل ما أمكن لهم، إطالة المدة الفاصلة لخلعهم. ولا أحد يستطيع أن يحدد قائمة حقيقية ودقيقة للأموال المنهوبة. فالذين ينهبون الأموال، يعرفون كيف يخفونها، وكيف يمررونها، وكيف يحولونها من أموال قذرة، إلى ملوثة إلى متسخة، إلى نظيفة. وللبعض منهم مهارات، يمكنهم عن طريقها تحويل هذه الأموال، من قذرة إلى نظيفة، دون المرور بالمراحل التقليدية المشينة. وإذا ما أَخفقوا في ذلك، هناك مئات المستشارين من أولئك الذين يرتدون البدلات الإيطالية والفرنسية الفاخرة جداً (لاسيما في الدول الغربية الكبرى، وأشباه الدول)، يقومون بالمهام على أكمل وجه، وبأفضل صيغة ممكنة كانت أم غير ممكنة، مع موجات متواصلة (أو متقطعة، حسب الحاجة) من العلاقات العامة، التي تُسوق هذا السارق (الطاغية) أو ذاك، كراعٍ كريم حنون مرهف القلب والوجدان، لجمعيات خيرية، ولهيئات إنسانية، ولمراكز أيتام، ولا بأس من مؤسسات تقدم إنتاجاً لتأصيل الحضارة البشرية، وتدعو إلى التسامح والحب. ولكل موجة من هذه الموجات سعرها. ولعل هذه الأنواع من الصفقات، هي الوحيدة في هذه الدنيا التي لا يختلف الطرفان حول تكاليفها. مليون دولار أميركي للتلميع، و20 مليوناً للتطبيل، و100 مليون للتنظيف، أين المشكلة؟ ليس مهماً ما قاله يوماً الأديب والشاعر الأميركي الشهير رالف إيمرسون "المال يُكلف الكثير". عذراً أيها الأديب، ليُكلف. فالمال يتكلم أحياناً، وإن كان يشتم غالباً.

وضعت الثورات التي شهدتها تونس ومصر، وتشهدها ليبيا، قضايا الأموال المنهوبة في عين الأضواء. وهذا أمر طبيعي. فالطغاة يحسبون أنهم يمتلكون شعوبهم، فما الذي يمنعهم من امتلاك أموالها ومقدراتها أيضاً؟ وإذا كان هناك من رجال أعمال ومستثمرين يمتلكون مصارف، فالطغاة يمتلكون مصارف المصارف، أي البنوك المركزية نفسها. هكذا فعل العراقي صدام حسين. فعندما فر هارباً من مصيره أرسل ابنه إلى البنك المركزي، ليُفرغ أموال شعب العراق، في حقائب وصناديق، هرَب ما أمكن له منها خارج البلاد، واحتفظ بأموال هائلة، لينفقها على عصاباته، وليشتري حباً شعبياً لم يحصل عليه. لم يكن يعرف (مثل بقية طغاة الدنيا)، أن الحب يُمنح.. لا يشترى، وإذا أتى على شكل سلعة، فتاريخ انتهائه يبدأ مع تاريخ صناعتها.

المخلوعان التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك، وزميلهما المقبل الليبي معمر القذافي، فعلوا الشيء نفسه. حولوا مصارف شعوبهم المركزية، إلى خزائن منزلية، تحت غطاء بائس من حديث لم ينقطع عن أنهم "ضحوا" من أجل هذه الشعوب، وأنهم "أفنوا" أعمارهم كفاحاً، لهناء شعوبهم، وأنهم زاهدون في السلطة، بل أنهم سئموا منها. لا أعرف إن كانوا يدركون، أن أحداً لم يصدقهم، وأغلب الظن أنهم لا يدركون ذلك. وبعيداً عن الخراب الذي نشروه في بلدانهم (وخسائره لا تقدر بثمن)، فقد حصلوا على مكافآت "تضحياتهم وكفاحهم" من دون فواتير. إنهم أكثر الناس كرهاً للفواتير والمحاسبة. فالتقديرات المتفق عليها، أن بن علي وأسرته نهبوا 40 مليار دولار أميركي، كمكافأة نهاية الخدمة، ومبارك وعائلته "كوشوا" على 70 مليار دولار كـ "أتعاب" رئاسة، وسفاح ليبيا نفح نفسه وأولاده وزوجته المفضلة بـ 120 مليار دولار، كـ "إجرة" على قيادة الثورة! وحسب التقديرات الرصينة، فقد انتفع أشخاص حول رئيس تونس المخلوع ممن منحهم "مناصب" رجال أعمال بأكثر من 50 مليار دولار، وانتفعت نفس الفصيلة حول رئيس مصر المخلوع بأكثر من 140 مليار دولار. أما الفصيلة الليبية حول ملك ملوك أفريقيا، فقد استحوذت على ما يقرب من 80 مليار دولار، بما في ذلك الأموال التي أنفقها رئيس الـ "لا نظام" الليبي على معارك خارجية مدمرة، وعلى قبائل لا تعرف الفرق بين الإنسان والحيوان، فهي تأكل لحوم الاثنين معاً. وطبعاً لا أحد يعرف بعد، حجم الأموال التي ينفقها سفاح ليبيا على المرتزقة الذين يستوردهم من صربيا وأوكرانيا وأفريقيا لقتل شعبه. وحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية الرصينة، فإن هذا الأخير يمتلك عشرات المليارات من الدولارات نقداً في طرابلس، الأمر الذي يتيح له مواجهة الثورة، رغم تجميد الأرصدة الليبية دولياً. لا تقلق إذاً يا قائد الثورة.. من الثورة.

على كل حال.. بحساب بسيط، يبلغ حجم الأموال المنهوبة من ثلاث دول عربية 400 مليار دولار أميركي. وإذا أضفنا الخراب الذي خلفه الناهبون في بلدانهم، لا شيء يمكن أن يُعبر عن هذا المشهد الذي يدعو إلى الغثيان، سوى الذهول. وتكفي الإشارة هنا، لتعميق هذا الذهول، أن ثلاث دول غربية هي فرنسا والولايات المتحدة الأميركية والنمسا، استطاعت في ثلاثة أيام فقط، تحديد أرصدة وأصول لـ "قائد الثورة" بلغت 42 مليار دولار أميركي! الأمر الذي يحفز أي مراقب، على مراجعة حقيقة التقديرات الرصينة نفسها، الخاصة بالأموال الليبية المنهوبة. وفي قصر قرطاج حيث كان المقر الرسمي للمخلوع بن علي، وجد المحققون رزم مالية مدموغة بخاتم البنك المركزي، في الخزائن الخشبية (لا الحديدية)، فاقت قيمتها 27 مليون دولار أميركي، وهذه "الفكة" لم يستطع حملها قبل أن يهرب على عجل، بالإضافة إلى مجوهرات أذهل حجمها وقيمتها جميع من كانوا يحصون المسروقات. هذا إلى جانب الآثار المنهوبة التي لا تقدر بثمن.

هناك مثل لا تيني يقول: "إذا أحببت أن تشعر بالثراء، قم باستعراض الأشياء التي تملكها، ولا يمكن أن تُشترى بالمال". ليس لدى هؤلاء شيئاً لا يُشترى. لكل رجل منهم سعره وتسعيراته. قائد الثورة لم يكن سوى رئيس عصابة، تدرج نحو مكانته هذه من قاطع طريق، والرئيس الذي وجه الضربة الجوية الأولى في الحرب ضد إسرائيل (لم أفهم أين البطولة في ذلك إذا ما كان يقوم بواجبه)، لم يكن إلا رئيس ناد عائلي بأعضاء محدودين جداً، للسرقات المُحكمة جداً جداً، والرئيس الآخر الهارب، لم يكن رئيس دولة، كانت رئيساً لتجمع سماسرة، لديهم الكفاءة المرعبة في سرقة الكحل من العين.

سرقة، نهب، اختلاس، فساد، استبداد، قمع، ظلم، إهانة، ازدراء للإنسانية، استغلال نفوذ، تخريب المؤسسات، تمكين عائلة الزعيم وأصهاره والهائمين بحبه.. هكذا كانت الأحوال في تونس ومصر وليبيا. الأولى كانت يديرها "مكافح"، والثانية كانت يتسيدها "محارب"، والثالثة كانت يملكها "ثوري". ومثل كل الكاذبين بالسليقة، صدق هؤلاء توصيفاتهم، وحولوا أنفسهم إلى رموز أرادوا لها أن تكون تاريخية. أحبوا أن تكون محفورة في ذاكرة الشعوب. سعوا ليدخلوا التاريخ من أوسع أبوابه. إنهم بلا شك، سيدخلون التاريخ الذي يحتضن الخير والشر. سيدخلونه من الباب الخلفي له، وهو نفس الباب الذي دخله طغاة سابقون، تعاملوا مع الإنسانية، كعدو بغيض لا قيمة له، وتعاطوا مع الشعوب، كقطيع لا يستحق إلا الذبح، خصوصاً في المناسبات.

الاثنين، 7 مارس 2011

توني القذافي ومعمر بلير

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


"نحن نتحدث وفق المبادىء، ونعمل وفق المصالح"
وولتر لاندور كاتب إنجليزي




محمد كركوتــي

اتصل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير، مرتين في يوم واحد بحاكم ليبيا غصباً وقهراً معمر القذافي، لاقناعه بالتنحي (وربما نصحه بالفرار بجلده). لم يجد رئيس وزراء بريطانيا الحالي ديفيد كاميرون، ومعه الرئيس الأميركي باراك أوباما، شخصية أفضل من بلير للقيام بهذه المهمة، التي فشلت، فور تبادل كلمة "ألو" بين بلير والقذافي. فهذا الأخير فَقَدَ اتصاله مع الواقع، منذ عقود من الزمن. هذا إن كان هناك اتصال أصلاً. وإذا تبقت عنده مساحة من التفكير، فقد خصصها لتمتعه بأمجاد وهمية، وانتصارات كاذبة، وادعاءات بائسة- مضحكة، وبطولات ورقية، إلا إذا اعتبر هو، أن قصف الأبرياء براً وجواً، وقتل الجرحى في أسِرتهم، وحظر الطعام والدواء على شعبه، وتشغيل المرتزقة ضد شبان يسعون إلى كرامة سُلبت منهم، وآمال واجبة التحقيق.. نوعاً من أنواع بطولاته.

أغلق بلير سماعة الهاتف، ليقول لرئيس وزرائه: إن هذا المقيم في باب العزيزية بطرابلس، لن يتنحى، وسيقاتل حتى آخر رجل وامرأة. بالطبع لم يقل القذافي لوكيله، أن الرجال والنساء الذين سيقاتل بهم إلى آخرهم، ليسوا من عائلته. إنهم الشعب الليبي كله.

لم يظهر في بريطانيا، منذ 110 عاماً رئيس وزراء يعاني من اضطراب أخلاقي، مثل توني بلير. وهذه المدة هي الفاصلة بينه وبين آرثر بلفور، صاحب أحط قرار في التاريخ البشري، وهو إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وحتى أنتوني إيدن الذي نظم وشن العدوان الثلاثي على مصر في خمسينات القرن الماضي، لم يكن أكثر اضطراباً أخلاقياً من بلير. فقد أظهرت الوثائق أن إيدن، ونتيجة فشل مفزع لعملية عادية أُجريت له لاستئصال المرارة، كان يتناول حبوباً وعقاقير أشبه ما تكون الآن إلى حبوب الهلوسة (ليست كتلك التي يتناولها الليبيون بالطبع كما يدعي القذافي!)، وقد أثرت في قراراته التي كان يتخذها، إلى جانب "السرطان" السياسي والعدواني الإسرائيلي، ومعه "الطاعون" السياسي الفرنسي.

أتى توني بلير إلى الحكم في العام 1997 نظيفاً، وخرج منها ملوثاً عصياً على التنظيف. علقت به كل الأدران، بما في ذلك إعادة سفاح ليبيا إلى المجتمع الدولي، رغم معرفته، بأن القذافي، بطل من أبطال إزدراء الإنسانية، لا يختلف عن الثائر "المخملي" روبرت موغابي في زيمبابوي، أو الراحل "الامبراطور" بوكاسا في أفريقيا الوسطى، ولا عن الراحل الآخر أنستازيو سوموزا في نيكاراجوا. وبدلاً من أن يفخر، بأنه تم القبض على طاغية تشيلي السابق أوغاستو بينوشيه، في لندن في عهد حكومته لمحاكمته على الفظاعات التي قام بها ضد شعبه، عمل بلير على توفير أفضل الوسائل والآليات، لدمج الطغاة في مجتمع عالمي يكرههم، بل ويسعى إلى الاقتصاص منهم. استغل حب جورج بوش الابن (غير العذري) له، ليساهم هذا الأخير في تلميع صورة القذافي، في الوقت الذي تناسى فيه، أن الصورة عفنة لا تُلمَع، وأنها مهشمة لا تُرمم، وأنها قبيحة لا تُجمل.

تناسى بلير، على أنغام موسيقى الانتفاع المالي له شخصياً، وللشركات التي يعمل بها مستشاراً، أو تلك التي تنفحه بهداياها الثمينة جداً جداً، دم الشرطية البريطانية البريئة إيفون فليتشر، التي قُتلت برصاص "دبلوماسيي" القذافي في لندن وهي تحميهم، وتناسى دماء ضحايا طائرة الركاب الأميركية التي انفجرت فوق لوكربي، وتناسى أسلحة القذافي المُصدرة إلى الإيرلنديين وقتلت بريطانيين، وتناسى عمليات قتل المعارضين الليبيين فوق الأراضي البريطانية، وتناسى التهديدات الرسمية، من ليبيا "العظمى" لبريطانيا العظمى، من مغبة مواصلة استضافتها لمعارضيين ليبيين، وتناسى المخالفات التي تفوق الجنح لأولاد القذافي في المملكة المتحدة. تناسى كل القضايا المشينة التي لا تنتهي بالتقادم. لماذا؟ لأن توني بلير، لم يكن سوى شخصية بطولية في معارك المصالح الشخصية، التي استهجنت الأخلاق، واعتبرتها صرعة، من تلك التي تظهر مرة واحدة خاطفة، وتختفي إلى الأبد.

ترك بلير زعمامة حزبه ورئاسة الوزراء قسراً، على أمل أن يصبح أول رئيس للاتحاد الأوروبي، لكنه خرج من السباق لهذا المنصب قبل أن يدخل. فقد عرف الأوروبيون أنه لا مكان للملوثين هنا. وفشل أيضاً في أن يكون مبعوثاً للشرق الأوسط، له وزن وقيمة واحترام. لكنه نجح إلى آخر مدى، في أن يكون مستشاراً شخصياً لسفاح ليبيا، ولماذا أيضاً؟ لهيئة الاستثمار الليبية، المملوكة في الواقع لأسرة القذافي، وتبلغ أصولها ما يزيد عن 94 مليار دولار أميركي. هو يقول: لا.. لا أعمل مستشاراً له، ويقول سيف الإسلام القذافي علانية: إن بلير هو بالتأكيد مستشار لوالدي. البعض يقول: إنها مفارقة أن يعمل بلير مستشاراً للقذافي، بينما هذا الأخير يقف ضد الحرب على العراق التي قادها بلير نفسه مع "مُحبه" بوش الابن، وهو أيضاً منحاز إلى الجانب الإسرائيلي كمبعوث للشرق الأوسط. والحقيقة، أن القذافي لم يكن ضد الحرب على العراق، بقدر خوفه على نفسه من مصير صدام حسين، كما أنه من أكثر الزعماء العرب أذى للقضية الفلسطينية برمتها. قد يكون من المفيد الإشارة إلى ما قاله مندوب ليبيا الدائم في الأمم المتحدة عبد الرحمن شلقم، بأن سفاح ليبيا يستعين بخبراء إسرائيليين لقتل ما أمكن من الشعب الليبي.

لم ينتظر توني بلير الخروج من السلطة، ليشتغل مندوب تسويق لشركات بريطانية، بل وغير بريطانية أيضاً. فقد دخل التاريخ كأول رئيس وزراء بريطاني (وهو في منصبه)، يبعث برسائل رسمية، للتوسط لشركات نفطية وغير نفطية، للفوز بعقود هائلة الحجم. وبعد معانقته الحميمية للقذافي في إحدى خيمه في العام 2004، لم يتوقف هذا النوع من الرسائل (بلير هو أول رئيس وزراء بريطاني يزور ليبيا منذ استقلالها عام 1951). وقتها انطلقت صفقة بين الجانبين المشينين سميت بـ "صفقة في الصحراء"، والأفضل أن تسمى "صفقة الغاب"، لأنها تضمنت كل شيء ضد الشعب الليبي. تصدير أسلحة بريطانية مخصصة لضرب المدنيين العزل في مقدمتها، بما في ذلك الرصاص الحي الذي ينفجر في الجسم. صفقة كُللت بقُبل وابتسامات، وسط "مهرجان" من حرمان يعيشه الليبيون. وكأن توني بلير أراد أن يطبق بالحرف ما قاله الأديب الإيرلندي الشهير أوسكار وايلد. ماذا قال؟ "يمكن للإنسان أن يعطي رأياً غير متحيز على الإطلاق، حول أشياء لا مصلحة لأحد فيها". وهذا "الأحد" لم يكن سوى الشعب الليبي.

في السنوات التي بدأ فيها بلير يعمل مسوقاً للنظام الليبي (والأصح أن نقول لـ لا النظام)، وتحديداً لعائلة القذافي، امتزج اسمه بهذا الأخير بصورة مريعة، قبل طرد بلير من السلطة، وتوحد الإسمان بعد أن أصبح طليقاً وحراً من القيود (التي تجاوز جلها) وهو في السلطة. كان مستشاراً للسفاح، وبعدها أصبح مندوبه المتجول الدائم. كان بائعاً لمُنتَج انتهت صلاحيته، حتى قبل أن يُصنع. لمُنتَج انتهت إنسانيته قبل أن يُولد. لا أعرف إن كان توني بلير، يشعر بمدى الأضرار التي ألحقها بالشعب الليبي وبالإنسانية، من جراء دوره المشين، ولهفه للأموال المغمسة بالدماء، وأغلب الظن أنه لا يشعر بذلك على الإطلاق. لكن الذي أعرفه، أنه سيدخل التاريخ من الباب المجاور لذاك الذي سيدخله سفاح ليبيا.


الاثنين، 28 فبراير 2011

سارقون.. سارقون لآخر مدى

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





" الفأر ليس هو السارق، بل الفتحة التي تمكنه من المرور بها"
هيرمان جاكوب قاض أميركي





محمد كركوتــي

كانت حادثة تثير الاشمئزاز والشعور الفوري بالتقيؤ. كنت جالساً مع أصدقاء في بهو أحد الفنادق اللندنية، عندما أتى رجل بسمات عربية- إفريقية، وطلب مني (ربما لأني كنت أكبر الجالسين سناً)، أن ننتقل إلى جهة أخرى في المكان نفسه. وعندما استفسرت عن السبب قال لي: إن السيد سيف الإسلام القذافي (يحتل "منصب" نجل العقيد معمر القذافي منذ ولادته!) ومرافقيه، يرغبون في الجلوس في نفس المكان، وأن نجل "قائد الثورة" يعتبرنا ضيوفه. بمعنى آخر، إنه سيسدد الفاتورة. لم أكلف نفسي عناء الرد على هذا الرجل، فطلبت من أحد العاملين استدعاء مدير الفندق الذي أتى في غضون ثوان، وأمرته بصوت مسموع أن يُبعد هذا الرجل، معبراً عن عدم اهتمامي في أي مكان يرغب الجلوس فيه، هو أو حتى والده، إن وجد آنذاك. أخذ المدير رجل القذافي مبتعدان إلى حيث كان يقف سيف الإسلام، وعلى وجهه علامات "الغضب الباسم". فقد عرف، أن تطور المشهد لن يصب إلا في مصلحتي، وأن السلوك الاستبدادي لا يصلح إلا في ليبيا، وغيرها من الدول، التي اختُصرت حضاراتها وكراماتها وإمكانياتها ومقدراتها، مع تاريخها، في شخص واحد، يأسف في قرارة نفسه، أن زمن الأنبياء توقف قبل أكثر من 1400 سنة. مدير الفندق (الإنجليزي الأنيق)، همس لأحد أصدقائي عند خروجنا، بأن سيف الإسلام، كان يود نفحنا بمكرمات مالية، كما يفعل عادة في مثل هذه الظروف. فرد عليه الصديق: تقصد أنه ينفح بمسروقات مالية، وتركه بعد أن أودع في وجهه نظرة اشمئزاز.. وانصرف.

تذكرت هذه الحادثة، وسط طوفان من المعلومات عن الثروة المقدرة لمعمر القذافي وعائلته. ورغم اختلاف مصادر المعلومات، إلا أن هناك شبه تطابق حول قيمة الثروة، والأماكن التي تصب فيها. وتذكرت أيضاً الأموال التي بُددت على مدى أربعين عاماً، في كل الأرجاء. إقليمياً وعالمياً. وتذكرت، كيف أن هذه الثروة والأموال المبددة، ألغت اقتصاد دولة بأكملها، تماماً كما ألغت "الثورة" حضارة وطن بأكمله. في ليبيا الاقتصاد –إن استحق هذا التوصيف- يخص أسرة واحدة، ولا بأس من وجود أسرتين أو ثلاث إلى جانبها! والنمو لا يُحسب فيها بالمقدرات والحراك الاقتصادي، بل بالهبات التي يجود بها القذافي نفسه.

تلك الحادثة، دفعتني لاستعراض حال الليبيين البالغ عددهم 6 ملايين و400 ألف، بينهم 1,5 مليون عاطل عن العمل، و30 في المائة من المجموع الكلي للسكان، يعيشون تحت خط الفقر، في الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه متوسط دخل الفرد السنوي 8400 دولار أميركي، وأكثر من 17 في المائة منهم في عداد الأميين. وماذا أيضاً؟ تنتج ليبيا من النفط ما يقرب من 2 مليون برميل يومياً، وتعيش فوق احتياطي مؤكد من النفط يصل إلى 42 مليار برميل، ويبلغ إجمالي الدخل القومي أكثر من 50 مليار دولار سنوياً، لكن قلة من الليبيين يشعرون بهذا الدخل. ماذا يفعلون؟ يقوم المئات من الشباب الليبي يومياً، بمحاولات الفرار باتجاه أوروبا، بل هناك من يحاول الهروب حتى إلى دول أفريقية، هي نفسها تحتاج إلى مساعدات لمواصلة الحياة! لا يوجد في ليبيا صندوق للأجيال القادمة، بل هناك صناديق للأنجال، يخصصون جزءاً منها لتشكيل كتائب عسكرية تسمى بأسمائهم! والنمو الاقتصادي في ليبيا يبدو سرياً، تماماً مثل النمو الذي تحققه الصناديق المشار إليها. والقرارات التي تحدد مصير الاقتصاد، هي إما تلقائية أو عفوية أو مزاجية. في إحدى المرات، قرر القذافي إلغاء الأوراق المالية، ودعا إلى التعامل بالمقايضة! أي أنك تقدم بيضاً لتحصل على وقود! وفي مرات أخرى، دعا إلى توزيع عوائد الثروة النفطية على شعبه نقداً، أي مثل عمال "التراحيل"! ودعا في المناسبة نفسها، إلى إلغاء المدارس والجامعات، وطالب الأسر الليبية بـ "تأجير" المعلمين والأساتذة لأبنائهم! لا غرابة في ذلك، عندما يتوصل "الفيلسوف" إلى اكتشاف هائل الوقع، ضمن نظرية لم يفهمها إلا هو. فقد اكتشف أن المرأة مختلفة عن الرجل، لأنها تحيض، والرجل لا يحيض، وأن الديمقراطية ديكتاتورية، لأنها تعني "ديمو كراسي"، أو الديمومة على الكراسي!

وسط هذه الفوضى المدمرة، تخرج التقديرات عن ثروة العقيد معمر القذافي بين 80 إلى 131 مليار دولار أميركي. وبحساب بسيط، فهي تعادل (بحدها الأقصى) 6 أضعاف ميزانية ليبيا كلها لعام 2011، والتي تبلغ 22,4 مليار دولار. وطبقاً لبحث عن الأمن الغذائي العربي، فإن واردات الوطن العربي من الغذاء سنوياً تتراوح بين 20 و25 مليار دولار، ما يعني أن ثروة القذافي تكفي لسد حاجة سكان الوطن العربي البالغ تعدادهم نحو (340 مليون نسمة) من واردات الغذاء بين 3 و4 سنوات. هذه الثروة موزعة في كل أنحاء الأرض، لاسيما عند صديقه المتهاوي رئيس وزراء إيطاليا سيلفيو برلسكوني، وفي بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية. إنها على شكل أرصدة، واستثمارات في شركات بترول وقصور ويخوت وأندية أوروبية. والحق أن القذافي "عادل" في توزيع الثروة على أبنائه. فحسب التقديرات المتداولة، منح 5 مليارات دولار أميركي بالتساوي لكل واحد منهم. لم يظلم أحد! واستناداً إلى جريدة "التايمز" البريطانية الرصينة، فإن القذافي (وعائلته) هو المسيطر الأوحد على كافة قطاعات الاستثمار في ليبيا، وعلى رأسها النفط، وهذه الاستثمارات يمرر معظمها من خلال إيطاليا.

الثروة التي لم يحتفظ بها معمر القذافي، وزعها تبديداً في كل الأرجاء. فقد أنفق مئات الملايين من الدولارات، دعماً لمنظمة الجيش الجمهوري الأيرلندي. ولأنه خاف من مصير زميله العراقي صدام حسين، فقد قدم لائحة بالأسلحة ومخابئها وبأسماء كبار المسؤولين في المنظمة، إلى المخابرات البريطانية. وقد دخل التاريخ أيضاً، كمُسدد لأكبر تعويض في التاريخ البشري بلغ 1,5 مليار جنيه إسترليني، عندما خاف على نفسه، ودفع تعويضات لأسر ضحايا طائرة الركاب الأميركية التي انفجرت في أواخر ثمانيات القرن الماضي فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية. أنفق مليارات الدولارات دعماً لفصائل أفريقية، هي في الواقع بمنزلة "قطاع الطرق". ولأنه أحب الألقاب، بدد مئات الملايين من الدولارات، على مجموعة من رؤساء القبائل الأفريقية، الذين يلبسون الريش ولا يعرفون الملابس، من أجل الحصول على لقب ملك ملوك أفريقيا. واشترى بمئات غيرها، لقب إمام المسلمين، من "بائع" مجهول!

بعد انتفاضة شعبه، انشغل معمر القذافي في شيئين، لا ثالث لهما. الأول: قتل ما أمكن من الليبيين، وتحويل البلاد من "خضراء" إلى حمراء من فرط سيلان الدم الليبي. والثاني: إخفاء ثروته بأسرع وقت ممكن، وبأفضل طرق متاحة. فهو يعرف، أن زمن هروب الطغاة بأموال شعوبهم قد تغير. صحيح أن هذا الزمن لم ينتهي تماماً، ولكنه بالتأكيد تغير بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ. فهو مرة يأمر طائراته بضرب المدنيين العزل، ويوجه المرتزقة إلى أماكن القتل، ومرة يُجري الاتصالات ويرسل المبعوثين، لنقل المليارات من الدولارات، من مكان إلى آخر. لندن تحقق، روما برلسكوني تنتظر، واشنطن تجمد، باريس تتصل، بيرن (سويسرا) تحجز، برلين تتحرى. وفي ظل هذا المشهد، ارتبك القذافي، تماماً كما ارتبك أما المد الشعبي الليبي نحوه.

لم يفهم "ملك ملوك أفريقيا"، أن الوقت أهم من المال. بالإمكان نهب المزيد من الأموال، لكن يستحيل الحصول على مزيد من الوقت.

الاثنين، 21 فبراير 2011

أشباه الدول والأموال المنهوبة

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






"الذي يسند السُلَم للص لا يختلف عنه"
مَثَل ألماني




محمد كركوتــي

يدخل رجل (أو امرأة لا فرق) يرتدي بزلة إيطالية فاخرة جداً، يحمل حقيبة (أو حقائب) سفر جلدية فاخرة جداً، إلى أحد المكاتب الفاخرة جداً، في إحدى "أشباه" الدول المنتشرة حول العالم. يأتي موظف (أو موظفة لا فرق) لا يقل أناقة عن الرجل، يفتح الحقيبة، يحصي ما فيها من أموال مع مساعدين له، يعطي الرجل إشعاراً بهذه الأموال، ويصاحبه إلى حيث تقف سيارته الفارهة، ويتمنى له أوقاتاً سعيدة. المشهد يتكرر على مدار الساعة، لماذا؟ لأن أشباه الدول منتشرة جغرافياً وزمنياً حول الكرة الأرضية، بحيث ما أن تنام دولة منها حتى تستيقظ أخرى. بمعنى آخر أن مجموعة هذه الدول، مثل بريطانيا التي كانت في السابق لا تغيب عنها الشمس. ورغم ذلك، فمع الأموال المسلوبة أو المنهوبة، هناك دائماً معاملة خاصة "للموُدع"، تسمح له بأن يطلب فتح المكاتب المريبة، المرتبطة بالمصارف المشكوك بها، في الأوقات غير الرسمية. بل أن هناك كثير من هذه المكاتب تفضل عمليات الإيداع تحت جنح الظلام، تماماً مثل اللصوص الذين يمثل لهم الليل، الوقت الأكثر مثالية لسرقاتهم، ويمنحهم الغطاء المطلوب للنهب والسلب، ولا بأس من القتل لو استدعى الأمر ذلك.

الأموال في الحقائب الثمينة شكلاً ومحتوى، ليست سوى مغانم لحكام طغاة، يسرقون بلدانهم طالما ظلوا في الحكم، ويخبئون هذه الأموال لأيامهم السوداء. فهم يعرفون أنه لا بقاء لهم على كراسيهم إلى الأبد، وهم متأكدون من أن يوماً سيأتي، سيضطرون فيه للبحث في خارطة العالم، عن ملاذ يقبلهم من دون منغصات، وعن دولة ترضى بهم من غير تهديدات، وأن يعيشوا غارقين بأموال سُرقت غالباً من فقراء، ونُهبت حتماً من محتاجين، واختفت في حسابات معقدة، يصعب على أكبر المحققين وأفطنهم فك خيوطها كاملة. لماذا؟ لأن الغطاء الرسمي لها في أشباه الدول، وحتى في الدول الكاملة، لا يزال يوفر لها شيئاً من الحماية، حتى مع وجود قرارات أصدرتها الدول الكبرى، في أعقاب انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، بملاحقة الأموال الناجمة عن الفساد وسرقة المال العام، لاسيما في الدول التي تحكمها أنظمة أقرب إلى العصابات منها إلى أنظمة حكم. أنظمة تحتكر المال العام لنفسها، وتسرق منه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. أنظمة تدعي دائماً، أنها لم تسمع أنين جائع، ولا أنات مريض يحتاج إلى دواء، لا للتعافي، ولكن لتسكين الآلام.

أشباه الدول هذه، مرتبطة بصورة مباشرة بدول كبرى، يفترض أنها تقود الحملة الجديدة على أموال الفساد وسرقة المال العام. ورغم وضوح هذا الارتباط، فإن العلاقة بينها وبين الدول الكاملة يشوبها الغموض دائماً، بما في ذلك العلاقة التي تربط –مثلاً- بريطانيا بكل من جزر الكايمان وبرمودا وجزر العذراء البريطانية وجزر تركس وكايكوس وجبل طارق وجيرسي. وهذه الأقاليم أو التابعيات –إن صحت التسمية- تستقطب أكبر قدر من الأموال المسروقة من الشعوب، بالإضافة طبعاً إلى أموال الناجمة عن الجريمة المنظمة والمخدرات والاتجار بالبشر والسلاح غير الشرعي. وطبقاً لكتاب صدر حديثاً بعنوان "الملاذات الضريبية والرجال الذين سرقوا العالم"، للمؤلف نيكولاس شاكسون، فإن لندن تلعب دوراً كبيراً في ماذا؟ في إخفاء ثروات العصابات والسياسيين الفاسدين! وأن شبه دولة مثل جزر الكايمان (يتم تعيين الحاكم فيها من قبل الملكة البريطانية اليزبت الثانية)، تعتبر خامس أكبر مركز مالي في العالم، وتحتضن 80 ألف شركة مسجلة، وأكثر من ثلاثة أرباع صناديق التحوط المريبة الموجودة في العالم، كما أنها معقل ودائع قيمتها 1.9 تريليون دولار أميركي، أي 4 مرات أكثر مما هو موجود في بنوك نيويورك! ولعل من المفيد الإشارة هنا، إلى أن عالم "الأوفشور" في الدول أو المناطق أو الأقاليم الهجينة، منتشر في كل مكان حول الكرة الأرضية، إلى درجة أن نصف تجارة العالم تمر من خلاله، والغالبية العظمى من هذه التجارة، تكون في الواقع على الورق!

لم يجد الطغاة الذين حكموا –ويحكمون- بلداناً مختلفة في هذا العالم، سوى أشباه الدول لتأمين مسروقاتهم، ولا بأس ببعض الدول الأخرى التي كانت تدعي النزاهة، أو في أحسن الأحوال، عدم المعرفة بوجود هذه الأموال السليبة في مصارفها ومؤسساتها المالية. وتكفي الإشارة هنا، إلى أن جهات غربية رسمية (أميركية وأوروبية) اعترفت في العام الماضي، بأن بعض المصارف الكبرى في الدول الغربية، أنقذت نفسها من الانهيار، بماذا؟ بالأموال المسروقة من أصحابها، بالإضافة طبعاً إلى أموال المخدرات، وغيرها من السيولة المالية المشينة. ولأن الأموال المنهوبة تكاثرت في العقود الماضية –ولا تزال- مع تكاثر الأنظمة الاستبدادية وتوالد طغاتها، فقد قام المسؤولون المتعاقبون في أشباه الدول، بهدم المنازل القديمة فيها ومتاجر الهدايا والتذكارات التي تبيع للسياح منتجاتها، ومحال التجارة التقليدية البسيطة، والاستعاضة عنها بالمصارف ومجمعات المكاتب الفاخرة، بالإضافة طبعاً إلى الحانات وأماكن الدعارة، لكي يكتمل المشهد. فالأموال المسروقة هائلة، ولابد أن يتوفر لها أرضية لاستيعابها.

المصيبة أن الأموال المشينة، تُستثمر في الدول الكبرى، وتدخل إليها بطرق مختلفة. ولا يمكن بأي حال من الأحوال، أن يتبرأ المسؤولون منها، أو أن يُبعدوا أنفسهم عن التلوث بها. فالجميع يعلم أن كميات هائلة من هذه الأموال تحديداً، تدخل في صلب تعاملات أسواق المال الكبرى، وفي مقدمتها سوق لندن. ويقول نيكولاس شاكسون في كتابه الجديد: "في الربع الثاني من عام 2009، تلقت بريطانيا تمويلاً صافياً قدره 332.5 مليار دولار أميركي، من ثلاث تابعيات للتاج البريطاني فقط". ويمضي كاشفاً "أن التابعية البريطانية –شبه دولة- جيرسي تروج لنفسها بصفتها مركزاً مالياً عالمياً، وتقول عن نفسها: إنها تمثل جيرسي امتداداً لحي المال في لندن"! وعلينا أن نتخيل حجم الأموال المشكوك في مصادرها، التي تتدفق إلى لندن من بقية التابعيات.

لابد من الاعتراف بأن الأمور تغيرت في العامين الماضيين، فيما يرتبط بأموال الفساد، أو مسروقات الحكام السابقين. وقد صدرت مجموعة من القوانين الدولية التي تصب في مصلحة أصحاب الأموال الحقيقيين. وباستثناء الخطوة السويسرية السريعة لتجميد أموال وأصول الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، فقد جاءت الخطوات الغربية الأخرى متقاعسة أو متهادية. نحن نعلم أن سويسرا أرادت من خطوتها السريعة هذه، أن تبرهن أنها لم تعد ملاذاً آمناً للسارقين الكبار، بغية الحصول على تعاطف دولي معها، لكن تردد بقية الدول، يطرح علامات استفهام كبيرة، لاسيما موقف بريطانيا المتأني كثيراً، إلى درجة دفعت قادة حزب العمال البريطاني المعارض، بل ونواب من حزب الأحرار المشارك في الحكومة، إلى توجيه اتهامات لها بالتقاعس في قضية، ستوفر لبريطانيا تعاطفاً مطلوباً لها عند الشعب المصري، والشعوب الأخرى التي عاشت وتعيش في ظل أنظمة مشابهة.

إن العالم لم يعد يحتمل أشباه قرارات، ولا أشباه دول تمارس النشاط المالي، بسلوكيات "قُطاع الطرق".




الثلاثاء، 15 فبراير 2011

مصر التي في خاطرهم

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"سر السعادة هو الحرية، وسر الحرية هو البسالة"
ثوكوديدس مؤرخ ومؤلف إغريقي




محمد كركوتــي

في 18 يوماً فقط، خرجت مصر من عصر إلى آخر. وفي هذه المدة الضئيلة زمناً، العميقة قوة، خرجت البلاد، من مرحلة طويلة جداً، كان يُكتب لها تاريخها السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالنيابة، وكان يتقرر مصيرها على أيدي مفوضين لم يَتَفوضوا، وممثلين لم يُمثَلوا، ومندوبين لم يُنتَدبوا. وكانت مرحلة طويلة جداً، شهدت اتخاذ قرارات لم تُناقَش، وخطوات لم تُبحَث. شهدت خلطاً كبيراً بين العام والخاص. بين الملكية المطلقة، والملكية الغائبة. بين الأمل والواقع المفروض بقرار. شهدت ظهور رأسمالية سياسية، لا رأسمالية اقتصادية. رأسمالية من ذلك النوع، الذي يفرز رجال أعمال، يستحوذون على كل شيء على مدار العام، ويختارون يوماً من أيام هذا العام، يحرصون فيه على التقاط الصور مع مسؤولين عن جمعية خيرية هنا، أو ملجأ أيتام هناك، ولا بأس من صور لهم، خاشعين فيها داخل مساجد تحمل أسمائهم. رأسمالية ناشئة عن "زواج" بين سلطة معروفة، ورؤوس أموال بلا مصادر معروفة. المصدر ليس مهماً. المهم أن ينجح هذا الزواج بين المال والنفوذ، وبين الحرية الاقتصادية الخالية من الضوابط، وبين السياسة الضاغطة أو المفروضة قسراً. بين مال هو في دائرة الشك، وبين سلطة أحكمت الدائرة لمصلحته.

والمصيبة التي واجهتها مصر منذ الثالث والعشرين من يوليو/ تموز 1952 وحتى الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، أنها عاشت بين رحى اقتصادين اثنين، لا ثالث لهما. الأول أغلق البلاد وقُذِف بالمفتاح عرض البحر، والثاني أغلق البلاد أيضاً، ولكنه منح مفاتيح قليلة جداً، لعدد قليل جداً، من الرأسماليين الجشعين جداً. رأسماليون، أقصوا ما تبقى من الرأسماليين الوطنيين (الذين يملكون أموالاً واستثمارات معروفة المصادر) على مدى ثلاثة عقود. رأسماليون، نجحوا باستثمار علاقاتهم بالسلطة (خِطبة وزواجاً وعشقاً)، لكنهم لم ينجحوا حتى في المساهمة بتوفير فرص عمل تبرر لهم، ما يجمعون من مال، وما ينعمون من ثروات. ماذا حدث؟ تحولت مؤسسات عامة، إلى مؤسسات خاصة جداً جداً، وبلغت الخسائر الناجمة عن التهرب الضريبي، وبعض أشكال الفساد، وليس كلها 6 مليارات دولار أميركي سنوياً، واستُثمرت ديون مصر، بأبشع طريقة ممكنة، وبيعت أراض هائلة المساحة بـ "تراب الفلوس"، وضاع النمو الاقتصادي منسلاً إلى جيوب الملوثين الاقتصاديين الجدد، بينما لم تجد الإصلاحات ولو نافذة واحدة للانسلال إلى الساحة الاقتصادية. في نهاية العام 2009 أوردت مؤسسة دولية تُعرف باسم "إيه إم بيست" في تقرير لها، إن مصر أصبحت دولة تعاني من وجود نسبة مخاطر عالية فيها، وأنه لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يحدث فيها لاحقاً، ولا يمكن رسم صورة واضحة للمناخ السياسي والاقتصادي فيها. وهو ما يعني أنها صارت دولة تعاني من غياب تام للشفافية، وعدم قدرة الناس على الوصول لمعلومات حقيقية ودقيقة فيها، وهذا كله لا يمكن أن يخلق مناخاً آمناً للاستثمار. وقد ذهب التقرير أبعد من ذلك، عندما توقع إمكانية انهيار الاقتصاد المصري في نهاية العام 2010.

مصر لم تبرح خاطر المصريين أبداً. بل لم تبرح خاطر حتى غير المصريين أيضاً. لكن ما من شك في أنها برحت خاطر أولئك الذين يحبونها فقط، عندما يدوم التواصل بينهم وبين خيراتها. فلا عجب في أن هؤلاء كانوا أول الهاربين منها، عندما اندلعت الاحتجاجات، تماماً مثل الفئران التي تكون أول القافزين من السفينة الغارقة. لقد أثبت بعض المستثمرين الأجانب، حباً أكبر لمصر وولاءً لها، من أولئك المصريين الفارين. فظلوا يحتفظون بأموالهم واستثماراتهم، رغم التحذيرات بتعرضها للمخاطر من جراء استدامة الحالة الاحتجاجية.

حصل المصريون على حريتهم، وكما يقول الأديب الفرنسي ألبير كامو: "الحرية ليست سوى فرصة نحو الأفضل". وأمامهم الآن ما يمكن وصفه بـ "الثورة الاقتصادية"، لأن الحالة الاقتصادية في البلاد تجاوزت مرحلة الإصلاح والترقيع. وعلى العالم الذي بقيت أيديه الخفية –أو المعلنة لا فرق- بعيدة عن التحول التاريخي الذي شهدته مصر، أن يتقدم الآن، لوضع أيديه من أجل إعادة البناء. لقد أربكت الأحداث في مصر الاقتصاد العالمي. صحيح أنها لم تهزه، ولكنها أحدثت خسائر كبيرة، ومخاوف أكبر. وتكفي الإشارة هنا، إلى أنه بمجرد إعلان حسني مبارك تخليه عن رئاسة الجمهورية، قفزت البورصات العالمية نحو الأعلى، وهدأت المخاوف فيما يرتبط بالإمدادات النفطية، وأسرعت المؤسسات الكبرى لتخفيض تكلفة التأمين على الديون الحكومية المصرية، وتلقى الجنيه المصري دفعة "معنوية" هائلة، كان يحتاجها بالفعل. تستطيع مصر أن تعيد بناء اقتصادها، بما يكفل تكافؤ الفرص، وإشراك كل المصريين بالغنائم الناجمة عن النمو، واستئصال السرطان الذي خلفته الأموال الفاسدة والمسروقة، ويكفل أيضاً خارطة طريق واضحة ومحددة للتنمية الاقتصادية الشاملة. فقد كان النظام السابق مجرداً من الرؤى، رغم السنوات الطويلة التي حط فيها رحاله في الحكم، وقد بلغت المصيبة الاقتصادية في مصر حداً، لم يعد النظام قادراً حتى على ممارسة رد الفعل على ما يجري داخلياً وخارجياً.

المصريون يستطيعون تطوير نظام اقتصادي، يشمل كل شيء (الصناعة والزراعة والتجارة)، ويشمل في الوقت نفسه أحقية الناس في العمل والعيش الكريم. نظام يقلل من حجم شريحة أولئك الذين يعيشون على دولار أميركي واحد في اليوم (تصل نسبتهم إلى 40 في المائة)، ويخفض عدد الذين يعملون بنظام "المياومة" البالغين17 مليون إنسان. لقد هللت الولايات المتحدة الأميركية ومعها الاتحاد الأوروبي–بالتدريج- بالتغيير الذي حصل في مصر، إلى درجة أن قال الرئيس الأميركي باراك أوباما: "إن حركة الشباب في مصر ألهمتنا جميعاً". ورغم إيجابية هذا الموقف، إلا أنه لا يقدم شيئاً على الأرض، ولا يوفر آلية لدعم الجهود. الذي يفيد التحول التاريخي الهائل حالياً ، أن يقوم الغرب، بفتح أسواقه أمام المنتجات المصرية، وأن يعقد اتفاقات تضمن أفضلية للصادرات الآتية من مصر. إن هذا يضمن استقراراً اقتصادياً وسياسياً طبيعياً، وليس استقراراً مفروضاً. وكم من أنظمة في هذا العالم، حكمت عقوداً بحجته؟

إن مصر التي في خاطر المصريين، ليست تلك التي تعيش على مساعدات، غالباً ما كان يسرق جلها، ولا تلك التي تعيش دائماً تهديد وقف المساعدات أو المعونات. إنها مصر المحورية والقوية والمؤثرة. إنها مصر التي سجل التاريخ لها، كيف كانت هي التي تمنح المساعدات. إنها مصر بمقدراتها ومكتسباتها الهائلة. إنها مصر التي بقيت شامخة، حتى في ظل نظام لا يليق بها. وما أن تتخلص من الاقتصاد "المُسرطن" أو من السرطان الاقتصادي الذي أَعمل في جسدها، وامتص ما أمكن من دمها، فالطريق أمامها ليس سهلاً، ولكنه بالتأكيد سيكون طريقاً لعدالة تستحقها، ولحلم سيتحقق.




الاثنين، 7 فبراير 2011

نمو فاسد وآخر مسروق

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


"من السهل أن نراوغ في مسؤولياتنا، ولكن لا نستطيع أن نراوغ في تبعات مراوغتنا"
جوش ستامب كاتب اقتصادي بريطاني ومدير سابق لبنك إنجلترا المركزي





محمد كركوتــي

من الغرائب المفهومة، أن الدول العربية التي تشهد اضطرابات واحتجاجات، وطاقة هائلة مهيأة للانفجار السلبي في دول أخرى، الذي يدمر ما تبقى من مكونات اقتصاداتها الوطنية، تتمتع بنمو يعتبر كبيراً بالمعايير العالمية. ومن الغرائب أيضاً، أن هذا النمو موجود على الساحة، حتى في عز الانكماش الاقتصادي العالمي. ومنها أيضاً، أن النمو يسود غالبية القطاعات، من السياحة إلى النفط والغاز، ومن الاتصالات إلى الجامعات والمعاهد الخاصة الجيدة والرديئة، التي تنتشر كما تنتشر البضائع الصينية في كل مكان، باستثناء كوكب المريخ. ومنها –أي الغرائب- أن الحكومات تتغنى بالنمو، وسط أنين لا يتوقف، من فرط العوز والفقر والجوع والبطالة، ويصل الأنين إلى أعلى مستوى من "الطرب البائس"، بانضمام "جوقة" الأمية إلى المعزوفة. لم يحدث في تاريخ الدول الراشدة، أو تلك التي تتجه نحو الرشد، هذا التناقض المريع، بين نمو اقتصادي شبه شامل، موجود في الواقع، وبين فقر وجوع وبطالة تشكل المشهد الاجتماعي العام! لم تشهد دولة، حتى وإن كانت تحكمها حكومة هشة سياسياً، هذه المعادلة المضحكة إلى حد بكاء بلا دموع. فالمعادلة المعروفة هي نفسها في كل الأزمنة: النمو الاقتصادي –مهما بلغ حجمه- يساوي تقدماً معيشياً. والعكس صحيح بالتأكيد: الكساد الاقتصادي –مهما كان متواضعاً- يساوي تراجعاً معيشياً.

إن الأمر لا يحتاج إلى فذلكة اقتصادية لشرحه، كما أنه عصيٌ على أي مبرر. وقد أجهدت حكومات نفسها في التبرير على مر السنوات –ولا يزال بعضها يعيش حالات تبرير مستدامة- إلا أنها أخفقت حتى في إقناع نفسها. أرادت هذه الحكومات أن تراوغ في مسؤولياتها تجاه مجتمعاتها، لكنها فشلت. ورغب بعض منها في تحميل المسؤولية إلى أية جهة –إلا نفسها بالطبع- لكنها خسرت. ولو تذكرت ما قاله الكاتب الأميركي ألفريد منتابيرت، لأعفت نفسها من مشقة المراوغة ومن تعب البحث عن مبررات. ماذا قال؟ :"لا أحد استطاع أو سيستطيع الفرار من تبعات اختياراته". فالذين اختاروا إتباع المعادلة المقلوبة الغريبة المريعة، لن يستطيعوا الهروب، لا إلى الأمام ولا إلى الوراء، بل لن يتمكنوا من الخلاص من شرارات تبعات اختياراتهم، حتى ولو جنحوا إلى التنحي والانزواء. وعندما تكون القضية عامة، تكون تبعاتها أوقع وأعنف، فكيف الحال والقضية تمس أمماً، بحياتها ومستقبلها وبخبزها وكرامتها؟

هناك من يقول، إن الحالة المصرية المتفاعلة تختلف عن الحالة التونسية التي تفاعلت، بل وعن الحالات المرشحة للتفاعل. لكن الأمر ليس كذلك. ربما كان هناك اختلاف في طريقة نقل السلطة، أو في النسيج السياسي العام. لكن الحقائق التي دفعت الناس إلى الشارع هي ذاتها، والمسببات في انفصال الاقتصاد بنموه عن هؤلاء الناس هي نفسها. ونحن نعلم، أنه إذا كنا نريد أن نحل مشكلة ما، لابد من الرجوع إلى مسبباتها. الأمراض الاقتصادية المنتشرة في مصر، هي بعينها الأمراض التي تسود اقتصادات الغالبية العظمى من الدول العربية. ففي عز الأزمة الاقتصادية العالمية، وفي أوج ضرباتها، بلغت نسبة النمو في مصر العام 2009 قرابة 7,2 في المائة، وفي العام الماضي انخفضت إلى 4,2 في المائة –وهي نسبة مرتفعة أيضاً- بينما بلغت في تونس ما بين 4 و5 في المائة في الفترة نفسها. المصريون -كما التونسيون- لم يشعروا بهذا النمو. ففرص العمل التي وفرها، لم تحرك مؤشر البطالة نحو الأسفل، بل على العكس زادت نسبة الخريجين المكدسين في المقاهي وعلى زوايا الشوارع، وبعض رواد المقاهي من هؤلاء، انضموا إلى أولئك على النواصي، لأن ذلك لا تكلفة مادية له. والأمر نفسه ينطبق على دول مثل اليمن والجزائر وسوريا والأردن وغيرها.

ولكن أين ذهبت الفرص التي يوفرها النمو؟ يأتي هنا في الدرجة الأولى، الفساد الحكومي والإداري، وأيضاً عدم تكافؤ الفرص. بالإضافة طبعاً، إلى عدم وجود رؤية اقتصادية واقعية، ليس للإصلاحات فحسب، بل للتعاطي المباشر مع الكارثة الاقتصادية-الاجتماعية المستدامة. ولا أزال أتذكر قولاً لوزير الخارجية البريطاني الأسبق دوجلاس هيرد، حول الإصلاحات التي كان المؤيدون لحزبه (المحافظين) يطلبونها من أجل أن يستعيد الحزب الحاكم شعبيته، ويتمكن أكثر في الحكم. ماذا قال؟:"لايمكن القيام بإصلاحات والحزب في السلطة". وبالفعل ما أن خرج المحافظون من الحكم، حتى بدءوا سلسلة من الإصلاحات شبه التاريخية، وعادوا بعدها إلى السلطة، وإن كان ذلك بمعاونة حزب آخر.

ومن الحقائق المريعة أيضاً، أن النمو الناجم عن المشاريع الحكومية الضخمة، في الدول المضطربة سياسياً واقتصادياً، ينتقل بصورة مباشرة إلى جيوب المسؤولين، على شكل رشاوى وسمسرة غير مشروعة ومحسوبيات. وهذا أيضاً ينسحب على المشاريع التي تقوم بها شركات كبرى أجنبية في هذه الدول. ولأن الأمر كذلك، فإن "النمو الفاسد"، يخفض التوظيف في القطاع الخاص عن طريق إجبار شركات الأعمال على الانتقال إلى القطاع غير الرسمي، وعن طريق إقامة الحواجز أمام دخولها، وزيادة نفقات القيام بالأعمال. وتحاول الحكومات غير الراشدة، أن تلتف حول الوضع المعيشي والاجتماعي لشعوبها، عن طريق توفير وظائف بأجور متدنية، على اعتبار أن ذلك يدخل ضمن نطاق النمو الموجود على الساحة، إلا أنها لم تنجح في إقناع، حتى أولئك الذين يحتاجون لثمن كسرة خبز، بأنهم يتشاركون في "نعيم" النمو. وقد ثبت من خلال وثائق المؤسسات الحكومية، أن الحكومات المشار إليها، لا تمنح هذه الوظائف –رغم عدم آدميتها- إلا لمناصري الحزب الحاكم، و"محبي" الحاكم نفسه. فـ "المؤهل" الوحيد المطلوب للفوز بوظيفة متواضعة جداً، هو القدرة على إظهار مشاعر الحب، بأبلغ تعبير ممكن، ويا حبذا لو كان عبر بصمة ممهورة بالدم، مع الصيحة التاريخية الخاصة بالعرب فقط "بالروح بالدم نفديك"! أما مؤهل الوظيفة العليا، هو نفسه، بالإضافة إلى البراعة في تقديم خدمات مشينة ومعيبة.

لن أتحدث هنا، عن معاناة الشركات الكبرى الأجنبية في إطلاق مشاريع في الدول المضطربة سياسياً واقتصادياً، من حجم أموال الرشاوى التي تدفعها، ولن أتحدث أيضاً، عن المشاريع الحكومية -لاسيما تلك المرتبطة بمؤسسات أجنبية- غير المجدية، ولا عن الخصخصة المريبة للشركات الحكومية، التي تنتقل من ملكية عامة إلى ملكية خاصة جداً جداً، ولا عن قهر الرأسمالية الوطنية، ولا عن العمولات التي وصلت في بعض الأحيان، إلى 50 في المائة من قيمة المشروع نفسه، ولا عن مئات الآلاف من الشركات المعفاة من الجباية أو الضرائب. هذه كلها قضايا يمكن أن تُرَكِع أي اقتصاد مهما كانت قوياً وكبيراً ومتماسكاً.

ولكن.. ورغم كل الحراك الاقتصادي المشين، والمشاريع المريبة، هناك نمو كان بإمكان الحكومات وأنظمتها أن توزع خيراته، بصورة قد يكفل لها بقاء أطول – رغم طول وجودها أصلاً- أو على الأقل خروجاً لائقاً من حياة الناس والبلاد.




الاثنين، 31 يناير 2011

"تيار" الفقر والبطالة وراء الانتفاضات التلقائية

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





" أياً كانت نسبة البطالة.. فهي تقلقني"
جيرهارد شرويدر مستشار ألمانيا السابق

 
 
 
محمد كركوتـي
 
تستطيع أي جهة أن تدعي حصة أو حتى قيادة في المظاهرات الشعبية التي تندلع تلقائياً، لا عفوياً. ويستطيع أي حزب سياسي الإدعاء أيضاً بأنه هو الذي يغذي إيديولوجياً هذه المظاهرات، التي تصفها عادة الأنظمة المستَهدفة بـ "مظاهرات مثيري الشغب أو انتفاضات الحرامية". ويمكن لأي تيار سياسي، القيام بمحاولات لركوب هذه المظاهرات، أو للاستحواذ عليها، كما يمكن حتى للأفراد أو الشخصيات المستقلة، أن تحاول الحصول على ما أمكن لها من الرصيد الشعبي والوطني لهذه المظاهرات. كل هذا مرتبط بمدى نجاح المظاهرات الاحتجاجية، وحجم الانجراف الشعبي معها، ومستوى جماهيريتها. ومرتبط أيضاً، بمدى اهتزاز الأنظمة من ترددات زلازلها. ولذلك نسمع عادة الأصوات المُدعية تعلو في مراحل متقدمة لهذه المظاهرات أو الاحتجاجات أو الثورات أو الانتفاضات. وكلما حققت خطوة نوعية، ارتفعت هذه الأصوات درجة. تبدأ بالحناجر، وتنتهي بمكبرات الصوت المتنقلة، أو تبدأ همساً وتنتهي صراخاً. إنها نوع من أنواع الانتهازية التي ظهرت في التاريخ كثيراً. فحتى الثورة البلشفية الشهيرة في روسيا، قامت في الواقع مطلع القرن العشرين، عن طريق استحواذ التيار الشيوعي (الذي كان في مرحلة التشكل) على تحركات شعبية تلقائية، اندلعت من أجل كرامة الحياة. ركبت هذه الثورة الموجة بأعلى درجة من الذكاء والتدبير، وبأعلى مستوى من العنف أيضاً.

ليس مهماً أن يُعلن هذا التيار أو ذاك أحقية ما في هذه الانتفاضة أو تلك، وليس مهماً أيضاً الإدعاء بدور أو بآلية تحريك مهما صغر حجم الإدعاء أو كبر، مع التأكيد على أن المدعين لن يتوقفوا عن محاولات قطف ثمار المجهود الشعبي والوطني. ومهما كثر المدعون وتنوعوا، فـ"التيار" التي يقف وراء المظاهرات الوطنية، ليس سوى الفقر. وهذا "التيار" يفرز في الواقع تيارات عدة، في مقدمتها البطالة، بالإضافة طبعاً إلى الظلم، وغياب العدالة الاجتماعية، والفساد الذي يجسد دائماً عدم تكافؤ الفرص. بعض المتمسكين بصوابية الأنظمة وامتعاضهم من الانتفاضات التلقائية، يبرر ارتفاع معدلات البطالة، خصوصاً في أوساط الشباب والخريجين، بأن هناك بطالة في كل دول العالم، بما في ذلك الدول المتقدمة الثرية. وبالطبع لا يقول هؤلاء: إن العاطلين في الدول المتقدمة، لا يعيشون عند أهاليهم، ولا يقتسمون اللقمة معهم. ولا يقولون أيضاً: إن الحكومات في الدول المذكورة، توفر للعاطلين الحد الأدنى من الدعم المالي الذي يحفظ الكرامة، في معركة البحث عن وظائف، ولا يقولون: إن الحكومات نفسها، تقدم للعاطلين برامج تدريبية لتجعلهم أكثر جاذبية لسوق العمل، ولا يقولون: إن هناك تكافؤ في نطاق البحث عن فرص العمل. لا يقولون: إن التأمينات الاجتماعية، تجنب العاطلين البحث عن لقمة في صناديق القمامة. وبالتأكيد لا يقولون: إن المظاهرات التي تندلع بين الحين والآخر في الدول المشار إليها، لا تواجَه بالدبابات ولا بمندسين من عناصر الأمن فيها. ولا يذكرون – على سبيل المثال– ما قاله ذات مرة رئيس الوزراء البريطاني الراحل هارولد ويسلون:"إن أفضل جائزة يحصل عليها رئيس دولة، أن يحظى بنوم هانئ لليلة واحدة".

نعم "تيار" الفقر "المنتج الأوتوماتيكي" المباشر للبطالة، هو الذي يُطلق الانتفاضات أو المظاهرات، ويُطلق معها مُتغيرات تتجاوز الحكومات فور حدوثها، وهو الذي يرفع سقف المطالب، بصورة يصعب على الأنظمة أن تطاولها، أو حتى أن تلاحقها. بين العامين 2005 و2008 بلغت معدلات البطالة في الدول العربية 12 في المائة، وذلك طبقاً لتقرير الأمم المتحدة حول "أهداف التنمية في الألفية الثانية". والحقيقة أن هذه النسبة ليست دقيقة، فهي تستند إلى أرقام حكومية يصعب الاعتماد عليها، مع الأخذ بعين الاعتبار، أن هذه النسبة – رغم عدم دقتها- تشمل السنوات التي سبقت اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، التي بدورها أضافت مزيداً من العاطلين إلى صفوف زملائهم. وفي كل الأحوال، فإن البطالة في أوساط الشباب العربي تصل إلى 30 في المائة، وهي نسبة لا تماثلها أخرى على مستوى العالم أجمع. والمصيبة، أن هؤلاء الشباب ينظرون إلى أنفسهم كعالة على مجتمعاتهم، حتى قبل أن يجتازوا مرحلة التعليم والإعداد، على اعتبار أن "المكتوب يُعرَف من عنوانه"، وأنهم لن يحصلوا على فرص عمل حتى لو تمكنوا من النجاح بامتياز. فكيف يمكن التعاطي مع شباب يتسرب الإحباط إليه، حتى قبل أن تأتي ساعة الحقيقة؟ وينتشر اليأس في صفوفه قبل أن يخوض غمار العمل أو سراديبه! إن هؤلاء ليسوا مُسيسين، وليسوا حالمين أيضاً. إنهم لا يريدون أكثر من حقهم بالعمل والعيش الكريم. وسواء كانت هناك أزمات اقتصادية كبرى أو صغرى تواجه هذه الحكومة أو تلك، فإن أحداً لا يمكنه أن يقبل بمبررات لتكدس العاطلين، ومبررات أخرى لحرمانهم من الضمان الاجتماعي، أو شيء منه.

لم تحقق غالبية المشاريع التي طرحتها الحكومات العربية للحد من البطالة أية نتائج مُرضية، خصوصاً في أوساط الخريجين. بل أن بعضها تحطم برمته أمام الحقائق الموجودة على الساحة. لماذا؟ لأن الخلل في سوق العمل ما زال قائماً، ولأن الموائمة بين مخرجات التعليم والتأهيل وبين احتياجات السوق لا زالت مفقودة، ولأن الظلم في توزيع الوظائف مازال سائداً. فكلنا يعرف أن بعض البلدان العربية، لا توظف أي خريج مستحق للعمل فيها، إذا لم يكن منتسباً للحزب الحاكم، أو دائراً في فلك المجموعات التابعة لهذا الحزب. وحتى فرص التعليم العالي في البلدان المشار إليها، خاضعة لهذه الاعتبارات. فلا عجب – مثلاً- أن يكون الحزب الحاكم الهدف الأول للثورات التلقائية، ورموزه الأهداف الأكثر وضوحاً أمامها. صندوق النقد الدولي يرى –على سبيل المثال- أن الانتفاضة التي شهدتها تونس، وأدت إلى فرار الرئيس زين العابدين بن علي من غضب المنتفضين، تظهر أهمية إيجاد حلول سريعة للبطالة في العالم العربي. ووجد مسؤولو الصندوق أن "ضغوطاً اقتصادية تتراكم في المنطقة. وأن تسوية مسألة البطالة المرتفعة، هو تحد اقتصادي معروف منذ زمن طويل، ولكنه أصبح أكثر إلحاحا". والحقيقة أن الأمر لا يحتاج إلى تحليل من صندوق النقد أو أي مؤسسة عالمية أخرى. فطالما هناك بطالة هائلة، كانت هناك آليات لتحرك شعبي تلقائي يكسر حاجز الخوف من كل شيء وعلى أي شيء. فعندما لا يمكن الإنسان شيئاً، لا يخشى من الخسارة.

لقد كان العاطلون عن العمل في السابق، مكدسون في المقاهي ودور السينما التي تعرض الأفلام الرديئة بدون توقف. الآن تركوا هذه الأماكن، لأنهم باتوا عاجزين حتى عن مواجهة تكاليفها المالية البسيطة. لقد خرجوا إلى الشارع، بدون إيديولوجيات أو مؤثرات سياسية، للمطالبة بحقوقهم في العمل والأمل، وفي حياة كريمة. إنه تيار البطالة هذا الذي يقود الشارع الآن.

الاثنين، 24 يناير 2011

"بلاطات" لأموالهم؟

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")










"اللص يعتقد أن الجميع يسرقون"
إدوارد هاو كاتب أميركي

 
 
محمد كركوتـي
 
يخرج هذا الحاكم أو ذاك مطروداً من بلاده (وغالباً فاراً منها)، بعد تحرك شعبي أو انقلاب عسكري، وعلى الفور يُطرح السؤال الثاني بعد الأول (الأول هو أين ذهب؟)، كم تبلغ الثروة التي جمعها طوال سنوات حكمه؟ ومن السؤال نفسه يظهر سؤالان. ما هو حجم ممتلكاته غير المنقولة؟ وأين يحتفظ بالأموال. هذا طبعاً إلى جانب الأسئلة التقليدية المتفرعة، حول ثروات أركان الحكم وأفراد أسرة الحاكم والنخبة المنتفعة، التي ينتهي مفعولها بمجرد انتهاء مفعول الحاكم نفسه. ويبقى السؤال الأهم، وهو كيف يمكن استعادة الأموال، وإعادة دمجها بأموال الخزينة العامة، التي –إن لم تكن خاوية- فهي بالتأكيد دون قيمتها التي يجب أن تكون عليها. وفي أحسن الأحوال –وهذا عادة ما يكون نادراً- مضطربة. وفي كل الأحوال، إعادة هذه الأموال إلى أصحابها الحقيقيين، إلى أولئك الذين تمنحهم أموالهم المسترجعة بعضاً من أمل، وشيئاً مما كانوا محرمون منه. ألم يفر هذا الحاكم أو ذاك من المحرومين الذين "صنعهم"؟ ومن المظلومين الذين أوجدهم؟ ومن المحتاجين الذين كدسهم؟

في العالم اليوم، تغيرت (قليلاً وليس كثيراً) قواعد اللعبة الناتجة عن حاكم فارٍ وأموال مسلوبة. تغيرت الطريقة التي تتعاطى بها الدول الكبرى أو تلك التي تعج بالحسابات السرية هائلة القيمة، وبالأرصدة المالية المكونة من تسعة أرقام وما فوق! فأرصدة الحكام الفارين أو أولئك المهيئين للفرار في أية لحظة، باتت تنافس بعضها البعض من حيث الحجم، ومن جهة الأساليب التي جُمعت بها، ومن ناحية سرعة وضع اليد عليها. ويبدو واضحاً من خلال التسريبات وبعض الوثائق التي تكشف بين الحين والآخر، أن الحاكم الفار (أو المقبل على الفرار)، يظل "فقيراً" إذا ما فشل في جمع أموال تحسب بالأرقام التسعة. ومع ذلك، فحتى "الفقير" منهم لا يمكنه العثور على "بلاطة"، يستطيع أن يُخفي أمواله تحتها. فكل "البلاطات" المتوافرة هي تلك التي تستوعب فقط بعضة دولارات تخفيها جَدة لأيامها المتعثرة، أو أم تخبئها لحالة طارئة ليست أكثر من مصاريف المدرسة لا عطلة، أو ملابس الشتاء لا معطف فراء، أو دواء لمرض، لا حبوب للتخسيس.

"البلاطات" الوحيدة التي يمكن أن تستوعب هذه الأموال الهائلة، هي الحسابات في مصارف أشباه الدول (مثل جزر الكيمان و ليختنشتاين وأنجويلا والباهاماس وغيرها)، والدول "الكاملة" وفي مقدمتها سويسرا. ولأن الأمور تغيرت، فهذه " البلاطات" لم تعد مُحكمة تماماً، ليس حباً من جانب الدول المستوعبة للحسابات المشينة، للشعوب المسلوبة، بل لتغير المعايير الدولية في التعاطي مع الأنظمة المنهارة بقوة التغيير الشعبي، ولتبدل المناخ السياسي العالمي. وقد قاومت هذه الدول طوال العقود الماضية، كل المحاولات الرامية لجعلها أكثر إنسانية في مسألة الأموال المنهوبة من الشعوب، وحاولت بكل ما لديها من حجج، أن تُكرس وهْمَ أن الأرصدة المشبوهة التي تعم مصارفها، هل عبارة عن ملكيات خاصة وليست عامة، ولا يحق لأحد التصرف بها إلا صاحبها المباشر! وهي تعرف أن "صاحبها" المباشر لا يريد لأمواله أن تبرح خزائنها. ومن ناحية أخلاقية، فهي بهذا السلوك المشين كانت تشاركه بأموال لا يملكها، وبفوائد لا حق له بها، وبممتلكات كانت لشعب يريد أن يعيش.

ولأن المفاهيم والسلوكيات تغيرت، فقد بدا واضحاً إسراع عدد من الدول الكبرى وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا، بتجميد حسابات مالية محتملة للرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي. وكانت ألمانيا أكثر وضوحاً في موقفها حين أعلنت على لسان وكيل وزارة خارجيتها فيرنر هوير، بأنها تعمل على ألا يصبح الاتحاد الأوروبي بمنزلة ملاذ آمن لثروات مشبوهة. بل وأكد على أنه "في حال حصل اتفاق بين دول الاتحاد، على إجراءات معينة، مثل تجميد حسابات مصرفية فستدعمها ألمانيا". هذا التوجه يؤسس في الواقع إلى مرحلة جديدة أخرى، في مسألة التعاطي مع أموال الأنظمة المخلوعة، ويدفع قادة الأنظمة المرشحة للانهيار في أي وقت، إلى إعادة حساباتها – ليس المصرفية- بل التخطيطية في التصرف بالأموال. فمع الوقت، فإن هذه الأموال قد تتحول إلى عبء على من جناها بغير وجه حق، ودليل مادي على جرائم سرقة الأموال العامة.

وعلى الرغم من تحسن السلوك السويسري في مسألة الأرصدة المشبوهة لا المسروقة، ورغم حرصها على إظهار تعاونها في هذا المجال، بهدف تلميع صورتها، إلا أن تحركها في هذه القضية بالذات جاء دون المستوى المطلوب، وأقل من أن تعثر على آلية لـ "التلميع". فحسب القانون السويسري، فإنه يتعين على الحكومة التونسية الجديدة أن تجري التحقيق الخاص بها، وبعد ذلك تطلب من سويسرا المساعدة القضائية! وهذا يعني أن القضية ستستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تجمد الأموال ، علماً بأن سويسرا ( ما غيرها) قررت في السابق من جانب واحد تجميد أموال بمصارفها تخص حكاماً مخلوعين، مثل الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس, والنيجيري ساني أباتشا، والهاييتي فرانسوا دوفالييه، من أجل كسب الوقت حتى يتسنى لممثلي الادعاء في الدول المعنية رفع دعاوى قضائية لاستعادة تلك الأموال. ولكن في الحالة التونسية، لا يبدو أن الوقت مهم بالنسبة للحكومة السويسرية والمشرعين فيها!

وحتى لو أدركت سويسرا أنه من الضروري كسب الوقت في هذه القضية بالتحديد، فإن نظامها القضائي المالي، بطيء في أدائه، إلى درجة الغيظ، كما أن القضايا ليست مضمونة لصالح حكومة الدول المنهوبة. فقد حكمت محكمة الجنايات الاتحادية السويسرية –على سبيل المثال- بعدم إعادة 7 ملايين دولار باسم حاكم زائير السابق (الكونغو الديمقراطية حالياً) موبوتو سيسي سيكو إلى حكومة كينشاسا، وأقرت بأن تبقى هذه الأموال لمن؟ للورثة! وذلك بعد سنوات طويلة من المداولات. لا شك في أن دولة كسويسرا، تريد أن تكشف "البلاطات" عن الأموال المنهوبة التي تخزنها مصارفها، ولكن دون أن يمسها أحد. لا بأس في النظر إليها فقط! ولهذا السبب أشرت في البداية إلى أن قواعد اللعبة تغيرت قليلاً لا كثيراً. فهناك الكثير من المناورات التي يمكن للدول (وأشباه الدول) الحاضنة للأموال المسروقة القيام بها، في ظل غياب قانون دولي واضح المعالم بهذا الصدد. وتكفي الإشارة هنا، إلى أن منظمة "أكشن" السويسرية غير الحكومية المعنية بمكافحة غسيل الأموال، أوردت في تقرير لها، أن قيمة الثروات الأجنبية التي تديرها المصارف السويسرية تصل إلى 3000 مليار دولار أميركي! وأن ما بين 30 و40 في المائة من هذه الأموال، هي في الواقع أموال أودعها حكام وثروات ناتجة عن غسيل أموال أو عن فساد!

الأوقات والأوضاع تتغير في قضية الأموال المنهوبة من الشعوب، ولكنها تتغير ببطء. إنها تخرج من جيوب أصحابها الحقيقيين بسرعة البرق، وإن عاد منها شيء، فإنه يعود على ظهر سلحفاة!

الثلاثاء، 18 يناير 2011

قنبلة الغذاء "النووية"

(هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")




" المنزل لا يكون منزلاً إذا كان خالياً من الطعام "
بينجامين فرانكلين أحد مؤسسي الولايات المتحدة الأميركية





محمد كركوتـي

أيهما أخطر على أنظمة الحكم في العالم كله؟ التيارات السياسية المعارضة لها، أم ارتفاع أسعار المواد الغذائية ( ولاسيما الأساسية منها)؟. أيهما أشد وطأة على هذه الأنظمة؟ فصيل سياسي نشط "يقض المضاجع"، أم زيادة بضعة قروش لسعر رغيف الخبز؟. أيهما يهز الاستقرار السياسي (بصرف النظر عن طبيعته، ديمقراطية كانت أم ديكتاتورية)؟ تفجير هنا وآخر هناك تقوم به مليشيا إرهابية ما، أم احتجاج شعبي قد يتحول إلى انتفاضة وبعدها إلى ثورة، التي بدورها قد تؤدي إلى الانقلاب؟. لا مجال للمقارنة هنا. فاحتواء هذا التفجير، أسهل مئات المرات، من الوقوف في وجه احتجاج شعبي عفوي، لا خلفيات سياسية، ولا آليات ميليشيا له. والجدل السياسي العنيف مع هذا الفصيل، أهون آلاف المرات، من انتفاضة شعبية، لا تهدف إلا للحصول على حق المنتفضين فيها بالطعام الممكن، لا الطعام الفاخر، وفي اللقمة المشبعة، لا اللقمة الفائضة أو المتخمة. والشتائم والاتهامات المتبادلة بين النظام ومعارضيه لا قيمة لها، أمام شخص مشغول بحرق نفسه، لأن قيمة رغيف الخبز بالنسبة له، باتت بقيمة علبة فاخرة من الكافيار، ولأن حلمه بعشاء يقي من الموت، مثل عشاء في مطعم "مكسيم" الباريسي الفاخر جداً.

قليلة هي أنظمة الحكم في هذا العالم، التي تفهم هذه الحقائق في وقتها، لا في مرحلة اللاعودة. وقليلة هي تلك الأنظمة، التي تعتبر أن الخبز وسعره، أهم بكثير من حزب المعارضة وقيمته. وإذا كانت هذه المعادلة في الدول الديمقراطية تؤدي حتماً إلى التخلص من الحكومة عبر البرلمان ومجالس الشعب، فإنها في الدول غير الديمقراطية تؤدي بالتأكيد إلى زوال الحكومة عبر الشارع، الذي يتحول (دون تخطيط أو برنامج)، إلى صاحب الكلمة الحاسمة، التي تؤدي بدورها إلى تقهقر سقف النظام، وارتفاع سقف الشارع. إنها معادلة بسيطة، لا تحتاج إلى مُفسِر. فكلما ارتفعت حدة الجوع، ارتفعت معها حدة النقمة، وكلما تأخرت الأنظمة في فهم الأولويات، كلما اقتربت نهاياتها، وفي أحسن الأحوال، كلما زادت هشاشتها تمهيداً لنهايتها.

يعيش العالم اليوم، أسوأ حالة فيما يرتبط بالغذاء، ليس من جهة شحه بل من ناحية ارتفاع أسعاره. وتواجه الحكومات - على المستوى العالمي - مخاطر جمة، تهدد وجودها، بل وتهدد استقرار بلدانها، من جراء الارتفاع المتزايد لأسعار المواد الغذائية الأساسية، إلى درجة بات معها تدخل المجموعات العالمية التي تمسك بزمام الأمور والمبادرة الاقتصادية، أمراً ملحاً، بل وواجباً قبل فوات الأوان. وتكفي الإشارة هنا، إلى أن أسعار الغذاء ارتفعت في الشهر الأخير من العام الفائت، إلى مستوى فاق الحد الذي وصلت إليه في العام 2008، عندما كان المراقبون يقولون: إنها وصلت إلى معدلات تاريخية، لم يكن يتوقعها أحد!. ولأن الأمر كذلك، فإن المخاوف باتت متعاظمة من انفلات التضخم، واتخاذ إجراءات حمائية، واندلاع قلاقل واضطرابات، وتراجع طلب المستهلكين في اقتصادات ناشئة رئيسة. بعض المسؤولين ( من بينهم رئيس اندونيسيا)، طالبوا مواطنيهم بزراعة غذائهم في حدائقهم الخاصة!. وبعض هؤلاء المسؤولين، قام بالفعل بالزراعة في حديقته الخاصة، ليبرهن لمواطنيه "جدية" المطالب. وكأن كل فرد من شعوبهم يمللك حديقته الخاصة!.

الحقيقة.. أن القضية أكبر وأخطر من ذلك بكثير. كما أنها أعظم من زراعة بضعة حبات من الطماطم والفلفل والخيار. فهي تختص بكيفية الحد من ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية برمتها على المستوى العالمي، والوصول إلى حالة من الأمن الغذائي العالمي، لاسيما في البلدان الفقيرة، التي لا تعاني فقط من ارتفاع الأسعار، بل ومن شح المياه، ومن تراجع الاستثمارات بأنواعها فيها ( بما في ذلك الزراعية)، ومن نقص في الدعم الزراعي المادي والإرشادي أيضاً. يضاف إلى ذلك – وهذه نقطة خطيرة للغاية – أن إجراءات الحمائية الزراعية، تساهم إلى حد بعيد في ارتفاع الأسعار. فقد ثبت أن الأسواق الحرة الخاضعة للضوابط ( لا المفتوحة على الغارب)، هي وحدها التي يمكن أن توفر مواد غذائية أساسية، بأسعار "ممكنة" لا مستحيلة.

إذن.. القضية ليست وطنية أو محلية، وليست إقليمية. إنها قضية عالمية تاريخية بكل معنى الكلمة. ولأنها كذلك، فلابد من تدخل عالمي على مستويات كبرى، ترقى إلى مجموعة العشرين، ولا بأس من مجموعة الثماني. ورئيس البنك الدولي روبرت زوليك، كان على حق عندما أعلن صراحة، "بأن الرد على تقلبات أسعار المواد الغذائية ( والأفضل له أن يقول: ارتفاع الأسعار)، ينبغي أن لا تُعتبر بمثابة مقاضاة أو وقف عمل الأسواق، بل استخدامها بشكل أفضل، ومن خلال إعطاء القدرة للفقراء، يمكن لمجموعة العشرين اتخاذ خطوات عملية نحو ضمان إتاحة المواد الغذائية". والحقيقة أن التدخل الدولي، سيكون ملائماً الآن أكثر من أي وقت مضى، للبلدان الفقيرة، التي تعج بأكثر من 1,02 مليار جائع. كما أنه سيرسم معالم حقيقية لمستقبل الغذاء بشكل عام. وهذه القضية بالتحديد تفوق أزمة الديون الحكومية ومشاكل المصارف الغارقة، بل وتفوق حتى كارثة البطالة. فكل قضية ترتبط باللقمة، هي بمثابة "قنبلة نووية" قابلة للانفجار في أية لحظة. فقد صدق المدير العام السابق لوكالة الطاقة الذرية الدولية محمد البرادعي عندما قال: "إن أسلحة الدمار الشامل الحقيقية، هي في الواقع الفقر والجوع".

لنكن صرحاء لبعض الوقت. لم تنفع قمم الغذاء والمؤتمرات المنبثقة عنها واللجان المُشَكلة منها، طوال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، في الوصول إلى صيغة مُرضية، لعلاج أزمة الغذاء العالمي، من حيث نقصه وارتفاع أسعاره، مع التقدير – بالطبع – لحسن النوايا في هذا المجال (وهي موجودة، بصرف النظر عن زخمها). وأقصى ما وفرته هذه المحافل الموسمية وأدواتها، أرضية هشة، لا تصمد أمام ''أرق'' الأزمات! أرضية تتلاشى مع أول مشكلة، سواء كانت بيئية أو بشرية أو اقتصادية أو سياسية. أرضية يغرق فيها المنقذون، فما بالنا بالمُنقَذين!.

وعلى هذا الأساس، لابد من أن تخرج مسألة الغذاء العالمي من ملفات المنظمات، إلى أيدي الدول التي تملك مفاتيح القرار الاقتصادي العالمي اليوم. فهذه الدول التي ترسم معالم النظام الاقتصادي العالمي الجديد ( ما بعد الأزمة الاقتصادية العالمية)، تعرف بأن النظام المزمع، لن يستقيم أو يحقق خطوات ناجحة، إذا لم يكن نظاماً متكاملاً، يأخذ في الاعتبار مصالح الأسواق المالية وما يرتبط بها، ومصالح البشر الإنسانية المباشرة.

وهل هناك أكثر مباشرة من اللقمة؟!.

الثلاثاء، 11 يناير 2011

هَرِمٌ في عز طفولته

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")







"عمالة الأطفال يجب أن لا تتحول إلى منظومة أمان اقتصادي واجتماعي"
كايلاش ساتيارسي المنسق العام للحركة العالمية المناهضة لتشغيل الأطفال

 
 
محمد كركوتـي
 
إذا كانت البطالة تستحق توصيف أزمة، فإن عمالة الأطفال لا تستحق توصيفاً أقل من مصيبة. وإذا كان الفقر كارثة مُعيبة للمجتمع، فإن القبول بتشغيل الأطفال (كحل متواضع للفقر)، هو بمثابة كارثة مشينة. لا مجال هنا للتوصيفات المعتدلة أو "التجميلية"، ولا مكان للمبررات مهما كانت قوية. ولا مساحة هنا أيضاً، لذلك السؤال المريع: إذا كانت عمالة الأطفال تقلل شيئاً من آلام الفقر.. فهل تؤيدها؟!. وبطرح آخر، إذا كان الطفل يستطيع أن يؤمن من عمله خبزاً لأسرته.. فهل تقف في وجهه؟!. وبصيغة أكثر مباشرة، إذا كانت الأسرة تموت جوعاً.. هل تمنع طفلاً فيها من العمل؟!. أقول لا مساحة لهذا السؤال، لأن الفقر هو بالضرورة عار ارتكبه المجتمع، ومعه الأنظمة القائدة له، ولأن تشغيل الطفل هو بالتأكيد جرم مشين ارتكبه الجميع، إلا الطفل نفسه. وحول هذه النقطة بالتحديد، أتذكر ما قالته طفلة من بنغلاديش، اسمها سلطانا، في الثانية عشر من عمرها تعمل بمصنع للملابس في بلادها. قالت: " لماذا ينبغي علينا دفع فاتورة الفقر؟. نحن لم نصنع الفقر، البالغون هم الذين صنعوه"!!. بعد سلطانا بسنوات، قال أوم باركاش الحائز على جائزة نوبل للسلام :" من حقنا أن يصغي إلينا الكبار – قصد هنا البالغين -. وإذا لم يسمعوا إلينا، سوف نعمل بقوة وثبات وجهد لنجعلهم يصغون".

لابد من الإشارة، إلى أن عمالة الأطفال هي عبارة عن سرطان يصيب كل المجتمعات المتقدمة وغير المتقدمة، وينال من الدول النامية وتلك التي نمت واستقرت نمواً. وكما للسرطان مستويات، بين السطحي والقاتل، كذلك عمالة الأطفال، هي سطحية في المجتمعات المتقدمة، وقاتلة في غيرها. وبما أنه لا تتوفر إحصائيات دقيقة عن حجم عمالة الأطفال في العالم، باعتبارها عمالة غير شرعية، وحراكها يجري تحت الأرض، إلا أن تقارير المنظمات الدولية المستقلة، تتفق على أن عدد الأطفال المنخرطين بأسواق العمل، على مستوى العالم يقدر بنحو 300 مليون طفل وربما أكثر، من بينهم أكثر من 90 في المائة في قارتي آسيا وأفريقيا!. مهلاً.. مهلاً، من بين هؤلاء هناك مائة مليون طفل مشردين في الشوارع، ومليونان يتعرضون للاستغلال الجنسي!. أيضاً.. الغالبية الساحقة من المشردين الأطفال، "يسوحون" في القارتين الأفريقية والآسيوية، اللتان تضمنان كل الدول العربية مجتمعة، مع التذكير – لمن نسي – بأن قوانين دول العالم كلها، تمنع تشغيل الأطفال تحت أي مسميات، وبالطبع تتضمن الكثير من العقوبات على من يخالفها. لكن لا القوانين ولا معايير المجتمعات ساهمت في الحد من هذه الجريمة المتواصلة والمستدامة (التي أصبحت اقتصاداً بحد ذاتها)، بل هناك من يبرر الجريمة على اعتبارها تساهم في تخفيف حالة الفقر المدقع!. لم يسمع هؤلاء ما قاله زعيم التبييت المنفي دالاي لاما (لاما تعني بلغة التبييت "محيط الحكمة"): "إن مشاكل هذا العالم بما في ذلك تشغيل الأطفال والفساد، هي أعراض لأوبئة روحية، وافتقار إلى الرحمة".

للعرب حصة مريعة من "الأطفال الهَرمون"! أو "الأطفال الكبار قسراً"! أو "الأطفال البالغون بقرار"!. تضاف إلى حصصهم الهائلة من البطالة والأمية، وإلى تخلفهم عن بعض بديهيات الحياة نفسها. فقد أقرت سوريا رسميا عن طريق وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، بالعجز في مواجهة عمالة الأطفال. وأقرت أيضاً، بأن نسبة الأطفال العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و14 سنة، تشكل 4 بالمئة من النسبة الكلية لعمل الأطفال!. وحسب المكتب الإقليمي لمنظمة العمل الدولية، فإن سوريا تعج بـ 650 ألف طفل، يعمل أغلبهم في القطاع الزراعي والمؤسسات العائلية!. وفي لبنان، يقدر عدد "القوى" العاملة من الأطفال بأكثر من 45 ألف طفل، في بلد لا يتجاوز عدد سكانه 4 ملايين نسمة. ولا توجد تقديرات عن أعداد الأطفال الفلسطينيين العاملين الذين يعيشون في هذا البلد. ولا شك في أنها ستكون هائلة. وبالانتقال إلى الأردن، تؤكد دائرة الإحصاءات العامة – حسب إحصاء العام 2007 - بأن عدد الأطفال العاملين في قطاعات الزراعة والأعمال المنزلية وغيرها يبلغ 33 ألف طفل، أي بنسبة 2 في المائة تقريباً من عدد سكان البلاد!. وفي تقرير رسمي يمني، وصل متوسط معدل نمو عمالة الأطفال في اليمن إلى 3 في المائة سنوياً من إجمالي عدد الأطفال العاملين ما دون سن الـ 12 عاماً!. وأن الإناث يمثلن نسبة 51 في المائة من إجمالي الأطفال العاملين، المقدر تعدادهم بـ 3,2 ملايين طفل وطفلة.

وأتوجه إلى العرب في أفريقيا، حيث يصل عدد الأطفال العاملون في مصر إلى مليونين و786 ألف. وطبقاً لوزارة القوى العاملة المصرية، فإن هؤلاء يعملون في ظروف صعبة تعرض حياتهم للمخاطر الدائمة، كما أنهم يعملون فترات طويلة تتجاوز أوقات العمل للكبار. لا مجال هنا للشكوى، لأن العمل غير الشرعي، ليست له ضمانات عمالية شرعية. وأنقل عن المندوبية السامية للتخطيط في المغرب، بأن 16.6 في المائة من "الأطفال الكبار قسراً" في المغرب، يجمعون بين العمل والدراسة، وأن 1. 56 في المائة متسربون من التعليم، بينما لم يسبق لـ3. 27 في المائة منهم الذهاب للدراسة!. وفي الجزائر أظهرت دراسة مسحية أعدها أكاديميون جزائريون، أن عدد الأطفال العاملين يصل إلى 1.8 مليون طفل، من بينهم 1.3 مليون تتراوح أعمارهم بين 6 و13 عاماً، ومنهم أيضاً 56 في المائة من الإناث. في حين أحصت الدراسة 28 في المائة من الأطفال العاملين الذين لا يتعدى سنهم الـ15 عاماً!. وتقدر المؤسسات الدولية والمحلية العربية عدد الأطفال العرب العاملين بأكثر من 13 مليون طفل!. ثلاثة ملايين منهم تقريباً في بلد كمصر!.

والمصيبة، أن هذه الإحصائيات أو التقديرات، تعود في غالبيتها إلى ما قبل انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، التي زادت – كما هو معروف – من المآسي والكوارث الاقتصادية والاجتماعية، في كل بلدان العالم، خصوصاً الدول الفقيرة أصلاً. وقد استغل "المشغِلون المُشينون" تلك الأزمة الحاضرة دائماً، بإتباع أحقر أنواع التشغيل. فقد اكتشفت حكومات في دول غربية، أن بعض المؤسسات والشركات التي تخلصت من نسبة من موظفيها وعمالها، قامت بإحلال أطفال في أماكنهم. فالطفل العامل، يتقاضى أقل ولا يظهر في ملفاتها ضمن لوائح العاملين، وبالتالي لا حقوق له، ولا تأمينات أو ضمانات. فإذا كان هذا التشغيل القبيح تجري في دول متقدمة، تحكم حراكها الاقتصادي قوانين متماسكة ورقابة مشددة تكفل حقوق العاملين، لنا أن نتخيل الأمر في الدول الأخرى!. ولنا أن نشاهد – قسراً – طفلاً يحمل معولاً بدلا من حقيبة المدرسة!. أمام هذا المشهد، لا مجال هنا للنيات الحسنة، والتمنيات الطيبة، والإدانات الإعلامية، والتصريحات الثورية. كما أنه لا مكان هنا أيضاً لدموع صادقة لا تجلب لذارفها إلا احمرار عينيه، ولا تقدم للضحية شيئاً.

في مقال سابق لي، كتبت عن مصيبة عمالة الأطفال، ووصفتها بأنها قضية الأمس.. يحضنها اليوم.. ليقذفها إلى الغد. ومع استفحال المصيبة، خصوصاً على الساحة العربية، أقول: إنها مصيبة ما بعد الغد أيضاً. إنها تغير في " الجينات" البشرية، عن طريق تحويل اليافع إلى هرم، في عز طفولته!.

الثلاثاء، 4 يناير 2011

مهاجرون لإنقاذ اقتصاد أوروبا

(هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")


" ربما نحن نواجه مشكلة في الهجرة، لكنها ليست مشكلة جدية. المشكلة الحقيقية تكمن في القدرة على الاحتواء"
صموئيل هانتيجتون أستاذ أميركي في العلوم السياسية

 
 

محمد كركوتـي
 
لا أعرف إذا كانت الحكومات الأوروبية المختلفة (وهي منغمسة في معرفة مصير بلدانها المالي)، تسمع النصائح التي تظهر بين الحين والآخر، خصوصاً تلك التي لا تتوافق مع سياساتها، أو لا تتناغم مع "آذانها"، بما في ذلك نصائح مؤسسات دولية وأوروبية كبرى، عادة ما تأتي ضمن نطاق تقارير ودراسات، لا تستحق القراءة فحسب، بل التأمل أيضاً. ولا أعرف – على وجه الدقة – كيف تتعاطى الحكومات المشار إليها، مع هذه الدراسات، إذا ما اهتمت بقراءتها. الذي أعرفه – ويعرفه الجميع – أن هذه الحكومات الهشة سياسياً وشعبياً، بدأت في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، تمارس سياسة رد الفعل، أكثر من سياسة الفعل نفسه، وتقبع منتظرة الفعل يتشكل، لتطلق عليه ردودها!. لقد "استعارت" حكومات الدول المتقدمة ( والأوروبية في أساسها)، سياسات حكومات دول متخلفة أو نامية، على مدى عامين من عمر الأزمة الاقتصادية المديد. وأهم ما يمز هذه السياسات أنها بلا رؤية إستراتيجية متكاملة. فالذي لا يصنع الفعل، لا يمكنه عادة وضع استراتيجيات مُعمرة، ولا سياسات تحاكي المستقبل، والجهود التي تُستهلك في رد الفعل، لا تصنع قراراً، ولا تأتي عادة إلا بأنصاف حلول، أو بحلول آنية، سرعان ما ينتهي مفعولها لتذهب بعيداً عن الساحة.

ووفق هذا السلوك السياسي والاقتصادي، تعيش القارة الأوروبية حالة من التخبط، بين سياسة "الصد" وإستراتيجية الغد. والنتيجة هي أن "الصد"، لا يصب في استحقاقات الغد!. وعندما يكون أحد أهم الأهداف هو استمرار الحكومات في السلطة لأطول فترة ممكنة، فإن النتائج لا تخرج عن نطاق " الترقيع" السياسي والاقتصادي. ولعل هذا ما يفسر غضب دولة كفرنسا أو كألمانيا – مثلاً - من جراء تأخر الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة في الدول الأوروبية الغارقة في الديون والبطالة والتخبط الاقتصادي، ويبرر دعوة هاتان الدولتان، بفرض عقوبات على أي دولة أوروبية لا تفي بوعودها في عملية الإصلاح. والمصيبة أن الدول الأوروبية المنكوبة مالياً، تقودها حكومات أضعف من أن تتخذ قرارات وفق مفهوم إستراتيجي. فهي إن فعلت ذلك، فإنها ستغادر السلطة في اليوم التالي. هذه الحكومات، تعيش في الواقع على الاستقطاب الشعبي، من خلال محاكاة العاطفة الوطنية أو القومية، ومن خلال التخلص – على الأقل في هذه المرحلة – من التسامح الذي كانت تتحلى به بلدانها – بصرف النظر عن مستوياته - طوال السنوات التي سبقت الأزمة الاقتصادية الكبرى.

ماذا فعلت هذه الحكومات؟ وضعت مجموعة من القوانين الطاردة للمهاجرين الشرعيين، ومجموعة أخرى مانعة لوصولهم إليها!. والحقيقة أن هذا التصرف، سيمنح الحكومات المعنية مزيداً من "الأوكسجين الشعبي" للبقاء على "قيد" السلطة، ويوفر الحماية – ولو لبعض الوقت – لهشاشة الأحزاب الحاكمة. فهي تعرف أن "تهييج" المشاعر الوطنية، يمنحها بعض الشعبية التي تحتاجها للاستمرار، وليس للاستدامة. لكن الأمر – من منظور إستراتيجي- ليس سوى كارثة مستقبلية محققة. لأن سياستها حيال المهاجرين الآن، هي ببساطة عبارة عن أزمة مؤجلة لها في السنوات المقبلة. وتكفي الإشارة هنا، إلى دراسة خطيرة أصدرتها منظمة العمل الدولية بالتعاون مع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وخلصت إلى أن "الهجرة وإن كانت تساعد في علاج العجز الذي تعاني منه الدول الأوروبية، في الحصول على الأيادي العاملة والمهارات المتخصصة، إلا أنها لا يمكن أن تحل تماماً مشكلة شيخوخة سكان القارة"!. وحسب هذه الدراسة، فإن أوروبا تحتاج إلى 13 مليون مهاجر سنوياً، لتعويض نسبة المسنين المحالين إلى التقاعد، الذين تفوق أعمارهم 65 عاماً، وتثبيت نسبة القوى العاملة في المرحلة العمرية بين 15 و64 عاماً حتى عام 2050. بل يمضي واضعو الدراسة أبعد من ذلك، حين يطالبون "بتنظيم الهجرة بشكل فعال من خلال شراكات وتعاون، بين الدول المصدرة للقوى العاملة والكفاءات البشرية، وبين دول المقصد، اعتماداً على أطر من المعايير والسياسات الدولية".

وأحسب أنه من الضروري الإشارة هنا، إلى أن ما يفيد أوروبا من المهاجرين الضروريين لها، يضر البلدان المصدرة لهم. فهجرة العقول والكفاءات البشرية الماهرة والمتميزة، سيؤدي حتماً إلى نقص في الموارد البشرية، الأمر الذي يعوق التقدم الاقتصادي في البلدان الأقل نمواً. وتستحق هذه القضية وقفة مطولة، لأنها تضع الدول الكبرى أيضاً، أما معضلة أخلاقية وتنموية في الدول النامية، خصوصاً فيما يرتبط بالعقول المبدعة المهاجرة، أو التي تخطط للهجرة باتجاه الغرب، وتحديداً نحو أوروبا. بل أن هناك مشاكل كبيرة أيضاً بهذا الخصوص تواجهها دول أوروبية "جانبية"، مثل ألبانيا وبلغاريا وأوكرانيا. فهذه الأخيرة – مثلاً – فقدت نحو 30 في المائة من علمائها، بمغادرتهم البلاد في غضون العشر سنوات الماضية. مرة أخرى، إن ما يفيد أوروبا بدولها الكبرى عن طريق العمالة الوافدة الضرورية، لا يفيد على المدى البعيد بالتأكيد الدول المصدرة لهذه العمالة.

ومع ذلك، فقد فضلت الدول الأوروبية الكبرى، وفي مقدمتها ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، سن قوانين للتقليل من الهجرة العمالية الشرعية. دون أن تأخذ بالاعتبار استحقاقات السنوات المقبلة. فعلى سبيل المثال، أعلنت وزارة العمل والمعاشات البريطانية، أن واحداً من كل خمسة أشخاص في المملكة المتحدة، سيعيش إلى سن المائة على الأقل. وطبقاً لمسح أجرته الوزارة نفسها، فإن 10 ملايين شخص، أو ما يساوي 17 في المائة من إجمالي عدد السكان، سيصبح "مئوياً" في وقت ما مستقبلاً. وحسب تقديرات الوزارة، فإن العام 2066 سيشهد وجود 507 آلاف شخص بين المائة و109 أعوام، إضافة إلى 7 آلاف و700 آخرين فوق سن 110 !. والأمر ليس مختلفاً كثيراً في بلدان كفرنسا وألمانيا وحتى إيطاليا. ومع ذلك وضعت الحكومات القوانين المناوئة للهجرة الشرعية التي ستساهم على المدى البعيد في تخفيف ضغط "شيخوخة" أوروبا على اقتصادها. ولمزيد من الأرقام الإحصائية المخيفة، فإن عدد البالغين من العمر 60 عاماً سيتضاعف بمعدل مليوني شخص كل عام في دول الاتحاد الأوروبي، خلال الـ 25 سنة المقبلة!، وإن أعمار الطبقة العاملة في أوروبا سيتباطأ بشدة، وسيتوقف نمو هذه الطبقة بعد ست سنوات فقط، كما ستتناقص الطبقة العاملة بعد السنوات الست المقبلة، بمليون إلى 1.5 مليون كل عام، وستتزايد شريحة الأعمار بين 65 و79 بمعدل الضعف بحلول عام 2060 !.

ولأن الأمر كذلك، فقد كانت إحدى المحاكم البريطانية، أكثر واقعية وحكمة من حكومتها، عندما قضت ببطلان سقف مؤقت لأعداد العمال المهاجرين المهرة من خارج الاتحاد الأوروبي، لأن الحكومة لم تتشاور مع البرلمان، ولأن القاضي وجد أن القضية تحتاج إلى إعادة النظر بصورة أكثر إستراتيجية، لا آنية أو ارتجالية. ولكن إذا ما نجحت الحكومات الأوروبية – ومن ضمنها الحكومة البريطانية – في تمرير القوانين الجديدة، فإنها بلا شك ستضع بلدانها أمام مصيبة مؤجلة، لن تكون المدة لانفجارها طويلة. كما أنها ستمنح الدول المصدرة للعمالة والعقول فرصة وطنية ذهبية، لكي تعيد النظر في سياساتها الطاردة لمواردها البشرية. وقتها لن تستجدي الدول الأوروبية العمالة، بل ستبحث عن مشرفين يرعون مئات الآلاف من العجزة الذين سيتجاوز عمر الواحد منهم، قرناً من الزمن!.

الاثنين، 27 ديسمبر 2010

هل تشتري الصين أوروبا؟

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")




" إذا لم تُغير وجهتك، سوف تنتهي في الوجهة التي تسير نحوها"
ليو توز فيلسوف صيني

 
 
محمد كركوتـي
 
أحسب أنه لو كانت ألمانيا تُدار في القرن الحادي والعشرين بمبادئ وذهنية النازية، وسلوكياتها العنيفة، لقامت مستشارة البلاد أنجيلا ميركل، باحتلال كل دولة أوروبية، تطلب معونات مالية إنقاذية، لتفادي الانهيار الاقتصادي، بسبب الديون الحكومية التاريخية. فوفق المفهوم النازي، يكون الاحتلال "أرخص" من تقديم المساعدات، ويكون إلغاء الهويات الوطنية، أسهل من العمل الجماعي وصيانة الأمم، وتكون العنجهية الرخيصة، أوفر من التسامح الغالي والرفيع. لكن النازية، لم تعد في ألمانيا منهجاً، ولهذا السبب استبدلت ميركل ( تلك المرأة الآتية من شرق ألمانيا، أو ألمانيا الشرقية سابقاً) السلوك النازي، بتوجيه اللعنات والإهانات والذل.. مع الأموال، إلى الدول الأوروبية الغارقة في الديون، على اعتبار أن ألمانيا هي الممول الأكبر لصندوق الإنقاذ الأوروبي، الذي يشبه صندوق الإنقاذ الأميركي ( بعد الأزمة الاقتصادية العالمية) مع فارق وحيد، هو أن هذا الأخير موجه لإنقاذ المؤسسات والشركات والمصارف، بينما "الأوروبي" مخصص لإنقاذ الدول، ومعها حكوماتها الهشة، سياسياً وشعبياً.

في قلب هذا المشهد، يظهر بطل على الساحة، يمكن أن يقوم بدور ( أو يحتل دور) المنقذين الأوروبيين للأوروبيين، ولكن من دون إهانات ولا إذلال ولا تهديد ولا وعيد. بطل – في الواقع – يقوم بنفس الدور في الولايات المتحدة الأميركية. بطل يمكنه أن يسدد الديون ( ليس مجاناً بالطبع ) بأعلى درجة من المعايير الاقتصادية العالمية. إنه الصين، ذلك المارد القادم من الشرق باتجاه الغرب، والذي استطاع – حتى في عز الأزمة العالمية – من تحويل مجرى الاقتصاد العالمي، من الغرب إلى الشرق. تَمكن هذا المارد الاقتصادي والبشري الهائل، من تحويل الأستاذة التقليديين للاقتصاد العالمي، إلى مجرد تلاميذ في مدارسه!. لماذا؟ لأن الصين استطاعت احتواء الأزمة بسرعة، وحققت نمواً كبيراً بلغ 10 في المائة، حتى في ذروة الركود. لقد باتت السرعة التي يخرج بها اقتصاد ما في هذا العالم من مطبات الأزمة، مؤشراً واضحاً لمدى قوة هذا الاقتصاد، وقابليته على الاستدامة، ومرونته في أوقات المحن والمصاعب. وعلى العكس تماماً أصبح البطء في خروج اقتصاد آخر منها، علامة أكثر من واضحة، على أنه ليس ضعيفاً فحسب، بل يعاني "موروثات" اقتصادية، كانت حتى وقت قريب، جزءاً أساسياً من عظمته.

بصرف النظر عن الجهود التي تبذلها الدول الأوروبية الكبرى – وتحديداً ألمانيا – لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الدول الأوروبية السابحة بالديون، فإن الصين تبرز على الساحة، كمنقذة محتملة لهذه الدول، ليس نظرياً بل عملياً. أما لماذا عملياً؟ فلأن للصين تجربة تاريخية مستمرة مع الولايات المتحدة، كأكبر دولة دائنة لها ( يقول الخبير الاقتصادي الأميركي توم وينيفريث: إن أميركا في الواقع مملوكة للصين)، ولأنها تمتلك احتياطي هائل من العملات ( بلغ 2684 مليار دولار أميركي في نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي)، ولأن الإنقاذ الصيني يصب في مصلحة بكين نفسها. فالدفاع عن اليورو يخدمها، على اعتبار أن الاتحاد الأوروبي هو في الواقع شريك الصين التجاري الأول، وبذلك تضمن مواصلة شراء الأوروبيين للسلع والمنتجات الصينية، أو عدم اضطراب صادراتها إلى دول الاتحاد. ولأن الأمر في مصلحتها، فلا تخفي بكين توجهاتها في هذا الصدد، فقد أعلنت وزارة الخارجية الصينية رسمياً: " أن أوروبا ستكون في المستقبل سوقاً رئيسة لاستثمار احتياطينا من القطع، وأننا مستعدون لمساعدة دول منطقة اليورو على تجاوز الأزمة المالية، والنجاح في انتعاشها الاقتصادي". ولأن الأمر كذلك، أبدت الصين رغبة معلنة وقوية، في أن تساهم بصندوق النقد الدولي من أجل أوروبا.

إذن.. يمكن للصين أن "تشتري" أوروبا، بما تملك من احتياطيات مالية ضخمة، حتى وإن كانت هناك مخاطر. فالمخاطر الكبيرة تجلب عوائد كبيرة. وفي النهاية، فالضمانات الأوروبية هي من أجود الضمانات على الصعيد العالمي، وبالتالي فإن المخاطر – إن وجدت – لن تتحول إلى مصيبة للدائن. وقد وجد أستاذ الاقتصاد في جامعة "تسنغوا" الصينية باتريك شوفانيك، أن الدور الجديد الذي يلعبه الصينيون، يوفر لهم فائدة على الصعيد السياسي، كما أن هذا الدور يتفق مع خطط بكين للتنويع. ويقصد هنا أن الصينيين سيصبحون أقل ارتباطاً بالدولار الأميركي. وهذا صحيح إلى أبعد الحدود. فالتدخل الصيني في إنقاذ أوروبا من آثار ديونها، سيمنح بكين حصانة تسعى إليها، من الانتقادات الغربية ( بل والهجوم الغربي في بعض الأحيان)، الموجهة لها، على عدة أصعدة، في مقدمتها، حقوق الإنسان والحريات، وطبيعة ومفهوم اقتصاد السوق في الصين. فنحن نعرف – وخبرنا ذلك في أكثر من منطقة في العالم – بأن المعايير الأخلاقية والإنسانية، تنزوي أمام المصالح الاقتصادية. وإذا كانت الصين ستقوم بدور المنقذ لأوروبا، فلا مانع من الاعتراف الأوروبي المطلوب، بطبيعة الحراك الاقتصادي الصيني، ولا مانع أيضاً أن " تغضب" الولايات المتحدة قليلاً - أو حتى كثيراً – من هذا الاعتراف، مع الإشارة إلى أن الصين اشترت في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي سندات خزينة أميركية بقيمة 907 مليار دولار، رغم أن عائداتها ضعيفة. وليسمح لنا المسؤولون في المفوضية الأوروبية، أن نتجاهل تصريحاتهم، التي يمررون من خلالها " الأكليشيه" الممل، بأن التدخل المالي الصيني، لن يكون مقابل موضوعات أخرى قابلة للتفاوض.

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تدخلت الولايات المتحدة بمشروعها الشهير "مشروع مارشال" لإعادة إعمار أوروبا، ومع هذا المشروع احتلت مكانة الإمبراطوريتين الكبريين البريطانية والفرنسية، وإن تقاسمت النفوذ على العالم مع " الإمبراطورية" السوفيتية آنذاك. وفي خضم الحرب على الأزمة الاقتصادية العالمية، احتلت الصين بهدوء مركز ألمانيا كثالث أكبر اقتصاد عالمي، وبعدها بقليل احتلت – بهدوء أشد – مركز اليابان كثاني أكبر اقتصاد. وحسب دراسة لمؤسسة " كونفرس بورد" الكندية، التي وصفتها صحيفة "الديلي تلجراف" البريطانية الرصينة، بأنها تحظى باحترام كبير، فإنه يمكن للصين أن تتخطى الولايات المتحدة خلال عامين فقط، لتحل محلها كأكبر قوة اقتصادية في العالم، ليس من ناحية القيمة الدولارية، بل من جهة القدرة الشرائية. ومضت الدراسة أبعد من ذلك، حين حددت العام 2020 ليشهد تفوق الناتج الإجمالي الصيني على الناتج الأميركي. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار العوائد الضئيلة لشراء السندات (الديون)، أو المخاطر الناجمة عنها، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل حقيقة أن للصين دوافع سياسية وإستراتيجية على الساحتين الأوروبية والعالمية، أكثر منها دوافع مالية.

لنضع المفارقات جانباً، خصوصاً فيما يرتبط بتدخل دولة نامية لإنقاذ دول متقدمة من الإفلاس. فالصين تسير بقوة لتكريس نفسها كقطب اقتصادي يناطح الولايات المتحدة، ويجني الكثير من "الثمار" السياسية والإستراتيجية. قطب يُغير – حباً أو كرهاً – المفاهيم الاقتصادية العالمية، التي كان الغرب حتى وقت قريب، "يرجم" كل من يمسها. هذا القطب هو الذي سيكون "اقتطاعي" النظام الاقتصادي الجديد المتُشكل عنوة. سيكون " اقتطاعي"، بلا عنجهية أو تكبر، وبلا أحكام مسبقة. سيتعاطى من السوق كسوق، لا كمكان لـ "العبادة" الاقتصادية، أو كساحة لـ " كهنوت" اقتصادي مريب، كان يجرم المُستفسر عما يحدث، تماماً كما كان يجرم من يحاول الإصلاح!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الاثنين، 20 ديسمبر 2010

فقراء الأثرياء

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")



" إننا نرتكب إثماً، عندما يكون بؤس الفقير سببه قوانين المؤسسات، لا قوانين الطبيعة "
تشارلز داروين عالم الطبيعة الإنجليزي

 
 
 

محمد كركوتـي
 
يستطيع الفقراء "التقليديين" ( أو الذين لا يعرفون سوى الفقر في حياتهم)، أن يواسوا النفس قليلاً. فآفة الفقر لم تعد حكراً عليهم، ولم تعد صفة أبدية ملتصقة بهم، بصرف النظر عن ضخامة أعدادهم. وبإمكان هؤلاء النظر إلى جهة الغرب الثري ( أو الذي كان ثرياً قبل الأزمة الاقتصادية العالمية)، لا إلى بعض الشرق الفقير في آسيا، ولا كل الجنوب الفقير في أفريقيا وأميركا اللاتينية، لكي يشهدوا انضمام " زملاء" جدد لهم. من أين؟ من قلب القارة الأوروبية!. يمكن للفقراء والجوعى، الذي "يتوارثون" الفقر أباً عن جد، أن يستغربوا من هوية "الزملاء" الجدد، ويمكن أن يُشككوا في فقرهم، على اعتبار أن أوروبا، تجاوزت الفقر – بمفهومه العام - منذ قرنين من الزمن، وأسست لمجتمعات فيها الحد الأدنى من الكرامة الغائبة عن قارات بأكملها في هذا العالم. ويمكن أن يرتابوا أيضاً، لأن الفقراء الغربيين الجدد، انضموا إليهم من دول باتت جزءاً أصيلاً من هيكلية الاتحاد الأوروبي. هذا الاتحاد الذي يهدف أساساً – منذ بدء خطواته الأولى في خمسينات القرن الماضي – إلى جعل الرخاء السمة الأساسية لشعوبه، وتكريس الكرامة كجزء رئيسي من العمل السياسي – الاقتصادي – الاجتماعي، وقتل المعاناة أينما وجدت ضمن حدوده. لكن الأمر ليس كذلك في الواقع. نعم.. هناك ملايين الأوروبيين من الذين يعيشون في فقر مدقع، وهناك ملايين آخرين من أولئك الذين نالوا جانباً واحداً على الأقل من آثام الفقر، ومن شظف العيش، ومن فقدان الكرامة.

يقول نيكولاس تشامفورت الأديب والكاتب الفرنسي :" هناك طبقتان في المجتمع. الأولى: تمتلك الطعام أكثر من شهيتها، والثانية تمتلك الشهية أكثر من طعامها". وبعده قال الفيلسوف الأميركي وليام جيمس :" إن الفقر السائد في الطبقة المتعلمة، هو أسوأ الأوبئة الأخلاقية التي تعاني منها الحضارة". والحقيقة، أن فحوى المقولتين ينطبق بصورة واقعية على الحالة الغربية، لاسيما الأوروبية منها. فهناك طبقتان بالفعل. الأولى تستحوذ على الطعام أكثر مما تحتاج، والثانية "تستحوذ" على الشهية أكثر مما تملك من طعام. والطبقة المتعلمة في أوروبا، تشكل الشريحة الأعرض والأكبر فيها، فيما لو قورنت بالطبقات المماثلة في مناطق أخرى من العالم. أن تَعثر عن الفقر في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، هو أمر طبيعي. فبلدان هذه القارات، امتزجت حياةً وكرامةً، بالعوز والشح والقحط والجوع والمرض والأوبئة. لكن أن " تتعثر" بالفقر في قلب أوروبا، هو أمر يدعو إلى التأمل، ولا بأس من الاستغراب معه.

بعد عامين تقريباً من اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، يتوصل المركز الأوروبي للإحصاء (يورستات)، إلى نتائج تنطبق على دول نامية، لا على الدول الـ 27 التي تشكل الاتحاد الأوروبي!. فقد وجدت دراسة المركز التي حملت عنوان " الدخل وظروف الحياة في الاتحاد الأوروبي"، أن 116 مليون إنسان ( أي ما يوازي ربع سكان الاتحاد تقريباً)، تعرضوا للفقر أو إلى شكل من أشكاله، منذ العام 2008، وأن 42 مليون من هؤلاء، عانوا من الحرمان الشديد، مثل عدم القدرة على دفع الفواتير، والمحافظة على دفء منازلهم، وامتلاك سيارة وهاتف. ويتركز أغلبهم في بلغاريا ورومانيا ولاتفيا، في حين كانت النسب الأقل في السويد وهولندا والدانمارك وإسبانيا ولوكسمبورغ. وعلى صعيد آخر من الفقر، فقد أظهرت الدراسة أن 34 مليون أوروبي ينتمون إلى أُسر ضعيفة مهنياً، حيث يعمل الراشدون بنسبة أقل بـ20 في المائة من قدراتهم، ومعظمهم في أيرلندا.

وعلى الرغم من أن الفقر نال من جميع شعوب الاتحاد الأوروبي، إلا أنه يبدو مستحكماً بصورة كبيرة في دول شرق القارة، الأمر الذي يكرس وجود طبقية أوروبية، لم تقم إستراتيجية الاتحاد بتخفيف فوارقها طوال السنوات الماضية. ففي داخل الاتحاد الأوروبي هناك غرب بوفرة – وإن تقلصت هذه الوفرة كثيراً بسبب الأزمة – وشرق بشح!. والحقيقة أن دول الشرق الأوروبي، تحولت بعد انضمامها إلى الاتحاد، من دول العالم الثاني على الصعيد الدولي، إلى دول نامية على ساحة الاتحاد!. فقد أثبتت آليات الاتحاد فشلها في رفع دول "الصف الثاني"، إلى "الصف الأول" عالمياً. وهذا الأمر يحتاج إلى مراجعة حقيقية وفورية، إذا ما أراد القائمون على الاتحاد، أن يكون منظومة متناغمة بشكل كامل، لا بصورة جزئية، وأن يستحق توصيفه، كواحد من أفضل الاتحادات العالمية.

هذا بالنسبة إلى الدول الأوروبية التي استحوذت على أكبر عدد من الفقراء منذ اندلاع الأزمة العالمية. أما فيما يتعلق بالدول التي "احتضنت" العدد الأقل، فالوضع ليس جيداً، بل ويتفاقم بصورة خطيرة، مع تفاقم أزمة الديون الحكومية، و"الاستحقاقات التقشفية" لهذه الأزمة. وقد شهدت الدول التي تعاني من أزمة الديون والعجز في موازناتها ( من بينها بريطانيا واليونان وأسبانيا وأيرلندا)، موجات خطيرة من الاحتجاجات الشعبية، وضعت مستقبل حكوماتها على المحك. وفي دولة كبريطانيا تتمتع بثالث أكبر اقتصاد أوروبي، وسادس أكبر اقتصاد عالمي ( بعد احتلال الصين المركز الثاني عالمياً)، يرغب ثلاثة أرباع سكانها – حسب استطلاع لجريدة " ديلي ميل" البريطانية – بالهجرة بسبب الصعوبات الاقتصادية!. وأن ربع هؤلاء يعتزمون فعلاً الهجرة، مع تآكل القوة الاقتصادية لبلادهم!. وفي النمسا – مثلاً – البلد الأوروبي الرابع من حيث الثراء في القارة، ارتفع عدد المتاجر الخيرية، التي تبيع بضائعها بأسعار رمزية جداً، وفي بعض الأحيان مجاناً، حسب حالة المشتري المعيشية. لا نتحدث هنا عن اليونان أو البرتغال أو أسبانيا، التي تمكنت منها مؤشرات الفقر بكل أشكاله، ونالت بعض الشرائح فيها، شكلاً واحداً على الأقل من الفقر والشح والحاجة، لاسيما شريحتا العاطلين عن العمل وكبار السن. وعلى الرغم من أن الاتحاد أعلن نهاية العام 2009، أن العام 2010 سيكون " عام أوروبي لمكافحة الفقر والإقصاء الاجتماعي"، إلا أنه لم يحقق أي تقدم في هذا المجال. فعدد الفقراء الأوروبيون، لم ينقص، ومعاناتهم لم تخف، بينما تزداد مخاوفهم من الآثار الاجتماعية لمخططات التقشف المختلفة.

لن تمر قضية الفقر في الاتحاد الأوروبي، ومعها أزمة الديون والعجز في الموازنات العامة، وارتفاع معدلات البطالة، دون أن تسبب تحولات سياسية واقتصادية، لا توجد حكومة في هذا الاتحاد ترغب فيها. وقد قذفت الأزمة الاقتصادية العالمية إلى السطح، قضايا لم تكن موجودة على طاولة الاجتماعات الأوروبية، أو على الأقل كانت قيد التأجيل الدائم ( أو إلى حين ميسرة!)، وفي مقدمتها الفجوة الهائلة بين دول غرب الاتحاد وشرقه. فالتفاوت في الرواتب والأجور وبعض المزايا الاجتماعية، يعكس بالضرورة التفاوت في الاقتصاد بين دول الاتحاد. وهذا أمر طبيعي. والحل الوحيد للقضاء على هذا التفاوت، أو حتى تقليل دائرته، ليس أقل من قيام الدول الثرية في الاتحاد، التخلي عن بعض مداخليها لصالح اقتصادات الدول الفقيرة فيه. وأستطيع أن أجزم، بأن هذا الأمر لن يحدث، بعد الأزمة الاقتصادية العالمية. فهذه الأزمة، لم تنل من المداخيل الأوروبية فحسب، بل نالت من التسامح الأوروبي نفسه، وأحيت مشاعر الوطنية – المحلية الضيقة. لقد أوجدت "قومية اقتصادية" متطرفة، تحتاج إلى عقود من الزمن لكي تزول عن الساحة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ