الخميس، 12 أبريل 2012

قائمة "الخونة" كما وضعها أتباع سفاح سوريا بشار الأسد

نشرت مواقع موالية لنظام سفاح سوريا بشار الأسد قائمة بأسماء شخصيات سورية وعربية إعتبرتها تسيئ "لسوريا" وقيادتها .. كما اعتبرت أن هذه الشخصيات مسؤولة عن سرقة "الأمان والمحبة" من بلدهم .
وأنشر هذه القائمة، مع تحفظاتي على ورود أسماء فيها، لا تقل إجراماً عن بشار الأسد، وفي مقدمتها رفعت الأسد وأبنائه ومن يرتبط به، فضلاً عن تحفظات حول أسماء أعضاء في هيئة التنسيق، التي أعتبرها هيئة تنسيق مع سفاح سوريا. كما يبدو أن واضعي القائمة، لم يسمعوا بعد باستشهاد مشعل تمو.

الأسماء منشورة حسب التسلسل الأبجدي، واسمي بكل فخر يحمل الرقم 134.
وفيما يلي الأسماء والنص، كما ورد تماماً:

(هؤلاء الواردة أسمائهم أدناه يقومون بشكل ممنهج للإساءة لسورية وقيادتها هؤلاء الواردة أسمائهم أدناه يقومون بشكل ممنهج للإساءة لسورية وقيادتها

بعد ال...متابعة والتدقيق توصلنا إلى أن هؤلاء الواردة أسمائهم أدناه يقومون بشكل ممنهج للإساءة لسورية وقيادتها من خلال الدعم المادي وتوفير الغطاء والتصريحات النارية من خلال قنوات الفتنة المعروفة المشرق - بردى - الجزيرة والعربية وذلك للوصول إلى قلب نظام بلدنا رأسا على عقب وهم بالتأكيد ليسوا معنيين بالإصلاح وهم أجانب وعرب وسوريون مقيمون بالخارج أو ممن يقيمون داخل بلدنا. وهذه هي الأسماء حسب التسلسل الأبجدي وعلى الشعب السوري أن لا ينسى من حاول سرقة الأمان والمحبة من بلدنا. ربما هؤلاء لم يحملوا السلاح ولكن التحريض والفتنة أشد من القتل:

1. إبراهيم بن عبد الرحمن التركي سعودي صاحب موقع على الإنترنت

2. إبراهيم الزبيدي كاتب عراقي

3. إبراهيم الشغري المجلس الثوري للتنسيقات

4. أبو عبد الرحمن عيسى المجلس الثوري للتنسيقات

5. أحمد عبد العال مؤتمر العلماء المسلمين إسطنبول

6. أحمد طعمة إعلان دمشق

7. أمال شابة محطة أورينت

8. أشرف المقداد لندن

9. أسامة القاضي رئيس المركز السوري للدراسات واشنطن

10. أكرم البني

11. ألان قادر حقوقي لينز

12. العرعور

13. القرضاوي

14. إلياس حرفوش صحفي

15. إلياس دبانة

16. أمجد ناصر أردني

17. أنس العبدة حركة العدالة والبناء

18. أنور البني محامي

19. أنور المختار لجنة الثورة السورية لندن

20. إياد خضور عضو تنسيقيات في لبنان

21. إيمان شاكر

22. برهان غليون

23. بسمة قضماني مديرة مبادرة الإصلاح العربي باريس

24. بسام الملك

25. بسام بيطار واشنطن

26. بسام جعارة

27. بنكي حاجو كردي سوري

28. بندر بن سلطان

29. بهية مارديني

30. ثائر الناشفن

31. جبر الشوفي إعلان دمشق السويداء

32. جمال الجراح

33. جمال ملا محمود حزب الديمقراطي الكردي

34. جميل صائب

35. جورج صبرا

36. جيفري فيلتمان

37. جيري ماهر لبناني مدير موقع الثورة السورية الفيسبوك

38. حازم النهار

39. حسان حيدر مدير تحرير جريدة الحياة لندن

40. حكم البابا ناقد محطة أورينت دبي

41. حمزة الغضبان عضو تنسيقيات في لبنان

42. حسن عبد العظيم حلب

43. حسين العودات

44. خالد الفيومي المجلس الثوري للتنسيقيات

45. خالد الضاهر نائب لبناني كتلة الحريري

46. رامان كنجو تنسيقيات الثورة حلب

47. رامي عبد الرحمن

48. رجاء الناصر حزب الإتحاد الإشتراكي الديمقراطي حلب

49. رستم جودي

50. رضوان باديني

51. رضوان زيادة الولايات المتحدة الأمريكية

52. رفيق الشامي ألمانيا

53. روز أبو علي ياسين

54. روزا ياسين حسن

55. رولا غازي

56. روناهي شيلان

57. ريبال الأسد

58. رفعت الآسد

59. رياض سيف

60. زكريا السقال

61. زهير سالم إخوان مسلمون لندن

62. زياد السيد مذيع محطة بردى لندن ومراسلها في إسطنبول

63. سليمان محمود عماشة

64. سعد الحريري

65. سمر يزبك

66. سمير الدخيل

67. سمير العيطة صحفي باريس

68. سمير نشار هيئة إعلان دمشق حلب

69. سهير الأتاسي

70. سلمان أحمد إدلب

71. سلامة كيلة دمشق

72. شاكر النابلسي

73. شفكر رفيق البارتي

74. صادق جلال العضم

75. صالح مسلم حزب الديمقراطي الكردي

76. صبحي حديدي

77. صلاح بلال

78. ضياء الدين دغمش لبناني

79. طارق جانودي

80. عادل الطريفي لندن

81. عارف دليلة

82. عامر الصادق تنسيقيات الثورة دمشق

83. عباس عباس ألمانيا

84. عبد الأحد اصطيفوا

85. عبد الإله ثامر طراد الملحم من مشايخ العشائر

86. عبد الباسط حمو

87. عبد الحليم خدام

88. عبد الرافع حاكمي مؤتمر العلماء المسلمين إسطنبول

89. عبد الرحمن الراشد

90. عبد الرحمن جليلاتي لندن

91. عبد الرحيم السمان محامي حماة

92. عبد الرزاق عيد إعلان دمشق باريس

93. عبد الرؤوف درويش رئيس "تجمع 15 آذار من أجل الديمقراطية

94. عبد العزيز الحلبي المجلس الثوري للتنسيقيات

95. عبد العزيز الخير

96. عبد اللطيف المنير واشنطن

97. عبد الكريم الريحاوي

98. عروة الفاضلي المجلس الثوري للتنسيقيات

99. عصام العطار مؤتمر العلماء المسلمين إسطنبول

100. علي القره داغي مؤتمر العلماء المسلمين في اسطنبول

101. علي الأحمد موقع syria.net

102. علي حمادة

103. علي سنقر

104. علي فرزات

105. عماد الدين الرشيد إخوان مسلمون الأردن

106. عمار عبد الحميد محطة بردى لندن

107. عمر قشاش

108. عمر مقداد صحفي

109. عهد الهندي

110. غازي دحمان دمشق

111. غالب محمد مذيع محطة بردى لندن

112. غسان إبراهيم مدير موقع غلوبال أراب نتوورك بريطانيا

113. غسان المفلح سويسرا

114. غسان النجار

115. غسان عبود صاحب محطة أوربت دبي

116. فايز سارة

117. فداء السيد إخوان مسلمون ألمانيا

118. فداء المجذوب

119. فهد المصري

120. فوزي حمادي دير الزور

121. كاميران حاج عبدو حزب الديمقراطي الكردي

122. كاميران حاجو

123. كمال سنقر

124. كمال شيخو

125. لافا خالد

126. مالك العبدة

127. مجاب السمرة بيروت

128. محمد العبد الله

129. محمد العمار تيار إسلامي متشدد

130. محمد دحلان فلسطيني

131. محمد رحال المجلس الثوري للتنسيقيات

132. محمد زهير الصديق الشاهد الكاذب الملك

133. محمد الزعبي ألمانيا

134. محمد كركوتي أنطاليا مؤتمر التغيير أبو ظبي

135. محمد سيد رصاص

136. محمد عبد المجيد منجونة حزب الإتحاد الإشتراكي الديمقراطي حلب

137. محمد علي الصابوني مؤتمر العلماء المسلمين إسطنبول

138. محمد فيزو تنسيقيات الثورة جسر الشغور

139. محمد منصور ناقد محطة أوربت دبي

140. محمد ياسر المسدي مؤتمر العلماء المسلمين في اسطنبول

141. محمد نجاتي طيارة

142. محمود مرعي حقوق الإنسان دمشق

143. محي الدين شيخ آلي

144. محي الدين لادقاني

145. مشعل التمو تيار المستقبل الكردي القامشلي

146. مصطفى رستم حماة

147. مصطفى سعيد المجلس الثوري للتنسيقيات

148. ملهم الدروبي إخوان مسلمون

149. ممتاز سليمان محامي لندن

150. منتهى الأطرش السويداء

151. منير البيطار

152. ميشيل كيلو دمشق

153. نبيل مرزوق إقتصادي دمشق

154. نجم عبد الله

155. نصر حسن

156. نزار توبة لندن

157. نواف البشير من مشايخ العشائر

158. هوزان حسن

159. هيثم المالح

160. هيثم المناع

161. هيثم رحمة المنسق العام للائتلاف الوطني لدعم الثورة

162. لؤي حسين

163. وائل الحافظ باريس

164. وحيد صقر

165. وسيم سنقر

166. وليد البني

167. وليد شخو

168. وهيب أيوب

169. ياسين الحاج صالح دمشق).
انتهى

الثلاثاء، 10 أبريل 2012

الأسد يبيع مستقبل سورية أيضاً

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"الذي يسند السلم للسارق، ليس أقل منه سوءاً وشراً"
مَثَل ألماني

 
كتب: محمد كركوتـــي
 
لن يرحل سفاح سورية بشار الأسد، قبل أن يحول البلاد إلى كيان منكوب، بكل ما يملك من قوة، ومن زمن لا يزال متاحاً له. فهذا النوع من الأشرار لا يقبل إلا بتلك المعادلة الفظيعة المرعبة "إما أنا أو الأمة بأكملها". هكذا فعل نيرون روما، الذي قتله أحد ضباطه لتخليص الأمة من شروره ومجونه وجنونه، وبالأمس.. هكذا فعل سفاح ليبيا معمر القذافي، و"قبل الأمس".. هكذا فعل الألماني أدولف هتلر، الذي تقدم على نيرون والقذافي والأسد بنقطة إيجابية واحدة فقط، عندما انتحر، ليس هروباً من جرائمه، بل فراراً من الاعتقال والمحاكمة. كل هؤلاء، قَتَلوا وحَرَقوا ودَمَروا واعتَقَلوا وعَذَبوا وهَجَروا وشَرَدوا وسرقوا، كي يستمروا في حكم لا يملكونه، وفي سلطة لا شرعية لهم فيها. ولو استطاعوا لأطلقوا الزلازل الطبيعية، ليستمروا يوماً إضافياً واحداً.

بعد سرقة ثروات سورية على مدى أربعة عقود، ومعها المساعدات والمعونات، وإفراغ البنك المركزي من موجوداته (الاحتياطي النقدي فيه انخفض في أقل من عام، من 17 مليار دولار إلى ما بين 5 و6 مليار)، واستحواذ أسرة واحدة (أسرة الأسد) على 65 في المائة من الاقتصاد الوطني، و"تطفيش" رأس المال الوطني، ومعهم المستثمرون الأخيار، واضمحلال قيمة الليرة. وبعد الفساد المُمأسس، والنهب المنهجي، يسعى بشار الأسد لبيع سندات خزينة، لجمع أكبر قدر ممكن من الأموال، لماذا؟ لتمويل حرب الإبادة التي يشنها على الشعب السوري منذ أكثر من عام، ولمواصلة الفظائع التي تُرتكب على مدار الساعة في البلاد. ببساطة.. لإطالة أمد بقائه أطول فترة ممكنة. وهذا يؤكد، على أن الإمدادات المالية التي وصلته من إيران والعراق والبالغة قرابة 12 مليار دولار أميركي خلال أقل من عام واحد، لم تكن كافية لاستكمال حرب الإبادة. ويُؤشر أيضاً، إلى أن النظام الطائفي في إيران، لم يعد يستطيع مواصلة مد النظام مالياً، من جراء الخراب الاقتصادي الذي يعيشه الإيرانيون، والمرشح للمزيد من الفداحة في المستقبل القريب. والأمر ليس أفضل في الحالة العراقية. فما قدمته حكومة نوري المالكي الإيرانية هناك، كان مجموعة من التسهيلات والاتفاقات الاقتصادية، وفرت للأسد 6 مليار دولار، ولا تبدو في الأفق إمكانية تواصلها إلى الأبد.

هناك مثل أفريقي-أميركي يقول: "الكاذب سيَسرُق، والسارق سيَقتُل"، وبشار الأسد جمع بامتياز الصفتين الأولى والثانية. فقد كذب على شعبه وعلى العالم أجمع (بل حتى على من تبقى من أصدقائه)، وسرق وقتل، ولا يزال يقتل. فلا مجال للصدمة هنا من محاولاته بيع الصين (المتخصصة بشراء السندات) سندات خزينة بقيمة 10 مليارات دولار أميركي، وكل من إيران وروسيا سندات بقيمة 10 مليارات أخرى. إنه بذلك يدمر مستقبل سورية، في إطار تدميره المتواصل لتاريخها، بل وحتى آثارها. إنه يكبل الشعب السوري بمزيد من الديون، ويرهن ثرواته وحراكه الاقتصادي لسنوات طويلة بعد زواله إلى الأبد. إنه يسعى إلى إضافة خراب آخر إلى الخراب الذي خلفه للاقتصاد السوري، هو ووالده على مدى أكثر من أربعين عاماً. المعادلة تتحول هنا من "أنا أو الأمة بأكملها"، إلى "أنا ومن بعدي الخراب".

عندما تشتري روسيا سندات خزينة سورية، فهي تقتل الشعب السوري ثلاث مرات. سياسياً من خلال وقوفها سداً في وجه أي قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي ضد الأسد وأعوانه، وعسكرياً عن طريق الإمدادات الحربية المتواصلة له، واقتصادياً بسندات مسروقة. وكذلك تفعل الصين. أما إيران، فهي تمد قاتل السوريين قبل وبعد ثورتهم. وستكون سورية التي يحاصرها الأسد الآن، محاصرة اقتصادياً بعد سقوطه الذي أصبح واجباً عالمياً وإنسانياً. وقد أثبت التاريخ، أن الديون تُسقط دولاً. وفي قلب الاتحاد الأوروبي، كادت دول راسخة في التاريخ والجغرافيا معاً، أن تسقط من جراء ديونها، لولا تهافت الدول الكبرى فيه لإنقاذها.

وإذا كان مصير الثورة في سورية في أيدي شعبها فقط، بعد تقاعس المجتمع الدولي في سندها، فإن سندات الخزينة تظل في أيدي الأسد حتى ينهار هو ونظامه، وهي بمنزلة حبل شيطاني يخنق الأجيال القادمة، ويربطها بجنازير اقتصادية غليظة، لن تكون طيعة في الكسر. وهذا يتطلب تحركاً دولياً فورياً، ولا سيما من أصدقاء الشعب السوري، يستهدف إقناع حكومتي موسكو وبكين، بأنهما لا ترهنان حاضر سورية فحسب، بل مستقبلها أيضاً. نحن نعلم صعوبة هذه المهمة، لكنها قد تكون أقل حدة من إقناع هذين البلدين، بأن الرهان السياسي على بقاء الأسد، يحمل خسارته معه. على الدول المؤثرة، أن تتجه إلى أية حكومة تسول لها نفسها شراء سندات الخزينة السورية، بأنها لا تستثمر فيها، بل تعيد مجدداً قصة شايلوك في مسرحية "تاجر البندقية" لشكسبير، مع فارق وحيد هنا، أن دولاً كبرى، ستختصر نفسها بهذه الشخصية المرابية المريضة.

إن القضية برمتها ليست سياسية ولا عسكرية ولا اقتصادية، إنها قضية أخلاقية. ألم يصر شايلوك على قطع قطعة من لحم مَدينه؟!

الثلاثاء، 3 أبريل 2012

إيران ستختنق مالياً بنفطها

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


"الولايات المتحدة تحاول إقناعنا بأن العقوبات على إيران ستدفع هذه الأخيرة للتراجع عن برنامجها النووي. لكني لا أرى ذلك على الإطلاق"
راي تقية مسؤول سابق في الخارجية الأميركية




كتب: محمد كركوتــــي

لا شيء يضرب إيران في صميمها الاقتصادي الهش، سوى الشق النفطي من العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة عليها. وهذا أمر طبيعي، عندما تحقق صادراتها ما يزيد عن 80 في المائة من مداخيلها من القطع الأجنبي، أو أكثر من 20 في المائة من ناجها المحلي الإجمالي. فالعقوبات المالية المفروضة عليها (بما في ذلك حظر التعامل مع البنك المركزي)، يمكن الالتفاف حولها من خلال عدد من القنوات، يمثل العراق بحكومته "الإيرانية" الحالية أوسعها، بالإضافة إلى "القناة" الروسية وغيرها، مع ضرورة عدم الانتباه إلى ما يُعلنه مسؤولون في الحكومة العراقية، بتشديد حركة نقل الأموال وتبديل العملات التي يقوم بها النظام الإيراني من خلال بغداد. فكلها تصريحات يجهد مطلقوها أنفسهم للعثور عمن يقبلها أو يصدقها، إلا إذا استثنينا سفاح سورية بشار الأسد، وآلته الإعلامية البائسة اليائسة. والحقيقة لا تنافس الأكاذيب العراقية، سوى السورية والإيرانية، ولا تنافسها مجتمعة إلا أكاذيب حزب الله الإيراني في لبنان، لكن في النهاية لا يوجد نوع واحد من هذه الأكاذيب ذا جودة، فهي تنكشف قبل أن ينتهي إطلاقها.

راهن نظام خامنئي على إرباك السوق النفطية العالمية، من جراء العقوبات المفروضة عليه (بما في ذلك تهديداته الفارغة بإغلاق مضيق هرمز)، لكنه خسر رهانه على الفور. فالاحتياطي النفطي العالمي مستقر، بل ويتزايد حجمه في بعض الدول، فضلاً عن سهولة سد النقص الذي قد يحدثه النفط الإيراني في هذه السوق. وإذا كان الأمر في سياق الرهانات، فإن الرهان الوحيد الذي كسب (ويكسب)، هو رهان الدول التي فرضت هذه العقوبات، والتي حاولت بشتى الوسائل السياسية أن تحول تحركات نظام طهران من جهود نووية عدوانية، إلى جهود نووية أيضاً لكنها سلمية، تخضع للرقابة الدولية، كغيرها من الدول التي سارت على نهج النزاهة والشفافية وحسن النوايا في هذا الطريق. وعلى ضوء "الضربات" النفطية الغربية، سوف تخسر إيران ما يقرب من 50 مليار دولار أميركي في غضون الأشهر القليلة المقبلة. أي نصف عوائدها النفطية تقريباً التي بلغت 100 مليار دولار في العام الماضي. وهذا يعني أنها ستدخل في نفق شح القطع الأجنبي، وإذا ما طال أمد هذه العقوبات، فإن نظام الملالي سيقضي وقته كاملاً في البحث عن دولار هنا ويورو هناك، وحتى روبية هندية وروبل روسي. لن يبحث عن الليرة السورية المتهاوية معه وبه.

ولا تكمن أزمة إيران في العقوبات النفطية الغربية عليها فقط، بل تتجاوز لتشمل تهديد الغرب للدول المستوردة للنفط الإيراني بفرض عقوبات عليها، إذا لم تخفض من حجم وارداتها بنسب كبيرة. فليس هناك حجة لهذه الدول، طالما أن المملكة العربية السعودية تعهدت رسمياً بسد النقص من النفط في السوق العالمية. وحتى لو تمكنت إيران من مواصلة بيع نسبة من حصتها المعروفة من النفط، فإنها ستبيع بأسعار منخفضة، تماماً كما هو الأمر حالياً بالنسبة للأسد الذي يبيع النفط السوري بأي سعر، بحثاً عن القطع الأجنبي من العملات الصعبة. وطبقاً لوكالة الطاقة الدولية، فإن العقوبات قد تخفض صادرات إيرانية النفطية إلى مليون برميل يوميا (من 2,5 مليون برميل)، أو بنسبة 40 في المائة من حجم الصادرات اليومي الكلي. وطبقاً للحالة الإيرانية الراهنة، فإنها ستضطر لبيع البرميل ما بين 80 و90 دولاراً فقط، لأن العقوبات المالية الغربية، ستجعل عملية السداد معقدة وصعبة للغاية. هذا إذا استطاعت أن تجد من يشتريه في المرحلة اللاحقة.

مهلاً.. نظام طهران سيواجه نفس الموقف حتى لو أصر (ونجح) على البيع بسعر السوق العالمية، لأن أسعار النفط مرشحة أصلاً للتراجع، والعودة إلى السعر العادل الطبيعي للبرميل في حدود 100 دولار، فضلاً عن التعقيدات والمخاطر في عمليات الشحن، وارتفاع تكاليف تأمينها. وعلى هذا الأساس، لا تفيد "عنتريات" خامنئي وأحمدي نجاد، وعليمها أن يتعلما من "العنتريات" اليائسة والمضحكة في آن معاً لمندوبهما في لبنان حسن نصر الله.

لقد قرر النظام الإيراني أن يمضي قدماً في إقامة ما أطلق عليه أحد المسؤولين الاقتصاديين في طهران "اقتصاد الحرب". فهذا النظام لا يمكنه بعد أكثر من ثلاثة عقود على وصوله إلى السلطة، أن يؤسس لاقتصاد سِلم. والحالة الراهنة للاقتصاد الإيراني، هي في الواقع حالة حرب، فرضها النظام على بلاده، لن تنال إلا من شعبه، ولا بأس من نيلها لعملائه في كل من سورية ولبنان، وأتباعه في العراق. ولا أعرف لماذا لا يعي خامنئي –حتى الآن- أن الرياح العاصفة المدمرة الكامنة في بلاده، ستنطلق مجدداً وبصورة سيقف مذهولاً أمامها. تماماً كما يقف في الوقت الراهن بشار الأسد. لا أعرف إذا ما كانوا يعرفون، أن أحداً ليس بحاجة إلى خبير في الطقس، لمعرفة اتجاه الرياح.

الاثنين، 2 أبريل 2012

في سورية .. اقتصاد الخراب الكلي

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


«الحقائق كثيرة، لكن الحقيقة واحدة»
طاغور أديب وفيلسوف هندي



كتب: محمد كركوتـــي


استغرق الأمر عاماً كاملاً، كي يشير (لا أن يعترف) بشار الأسد وأتباعه إلى أن أزمة اقتصادية تضرب سورية، أو على الأقل، أن خسائر مادية أصابت البلاد. فقد اعتقد أن الاستمرار في الكذب ونكران الحقائق الموجودة على الأرض، سيُبقي الحقيقة الكُلية متوارية، وسيُقنع العالم بأن سورية التي تشهد واحدة من أبشع المجازر التي يرتكبها نظام ضد شعبه في التاريخ الحديث، تستطيع العيش حتى في ظل الحصار الاقتصادي المفروض على النظام، وأن هذا النظام يمكنه تلبية الحد الأدنى من حاجات المواطنين. وإذا كان الاقتصاد السوري يتداعى في أعقاب الثورة الشعبية السلمية العارمة التي تجتاح البلاد، فإنه كان قبلها يعيش أزمة خراب تاريخية، بدأت في الواقع منذ وصول الأسد الأب إلى السلطة، لتتطور بأشكال مختلفة مع وصول الأسد الابن إلى حكم لم يكن يوماً من حقه (ولا من حق أبيه)، ولتستمر وفق معطيات أخرى جديدة، إلى أن انطلق السوريون لاستعادة حريتهم. وللتذكير فقط، هذا الاقتصاد مر في العهدين غير الشرعيين، بثلاث مراحل هي: اقتصاد التفقير، واقتصاد الفقر وما دونه، واقتصاد التشبيح (أو البلطجة). وفي أعقاب الثورة، استحق بجدارة توصيف اقتصاد الخراب الكلي.

يدعي الأسد وأعوانه، أنه يستحيل حساب الخسائر الاقتصادية التي ضربت البلاد في الأشهر القليلة الماضية، وهو يوجه اللوم إلى الثورة على هذه الخسائر، على الرغم من أن العالم أجمع يعرف أن هذه الثورة قامت أصلاً لوقف خسائر إنسانية وسياسية ومعيشية، إضافة طبعاً إلى الخسائر الاقتصادية، واندلعت لتؤسس لدولة مدنية ديمقراطية طبيعية، في مقدمة عناصرها، اقتصاد وطني لا اقتصاد تستحوذ عليه أُسرة واحدة فقط، ملكت كل شيء، في إطار استكمال استحواذها على أمة بأكملها. والادعاء باستحالة حساب الخسائر الاقتصادية في ظل استمرار الأزمة، ليس إلا محاولة يائسة لإخفاء اقتصاد بائس، وأوضاع معيشية تعج بالخراب. فأسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، وصلت إلى مستويات تاريخية في ارتفاعها، بما فيها تلك المنتجة محلياً. وتكفي الإشارة هنا، إلى المشكلات التي تواجه عمليات استيراد مواد مثل السكر والأرز والشاي وحتى الخميرة المستخدمة في إنتاج الخبز، وهناك مصاعب كبيرة في تأمين استيراد البذور للإنتاج الزراعي، ولا سيما الحبوب، فضلاً عن مصاعب جمة في استيراد الأدوية.

وسط هذه الحقائق، تواصل الليرة السورية خسائرها بصورة يومية، لا شهرية ولا سنوية. ففي أقل من عام، فقدت 72 في المائة من قيمتها، في الوقت الذي لا يزال هناك من أعوان الأسد، من يروج لأن هذه الليرة محسودة على ثباتها! والاحتياطي المتبقي في البنك المركزي من القطع الأجنبي، بلغ قرابة تسعة مليارات دولار، منخفضاً من نحو 18 مليار دولار، تم تهريب نصف هذه الأموال إلى الخارج، واستُهلك النصف الآخر في عمليات إسناد بائسة ويائسة لليرة. وبصورة طبيعية أخذت مدخرات السوريين تتبخر حقاً. فمن كان يحتفظ في جيبه بألف ليرة قبل عام، باتت تساوي الآن قرابة 300 ليرة فقط. وهذا ما يبرر إقدام السوريين على سحب ودائع بلغت قيمتها في عام واحد أكثر من 100 مليار ليرة سورية، أو 30 في المائة من إجمالي الودائع في المصارف. في هذه الأجواء توقفت الغالبية العظمى من أعمال الإنشاءات والبناء والتشييد والإسكان، وذلك بسبب ارتفاع أسعار المواد المستخدمة فيها. أما القطاع السياحي الذي كان يشكل رقماً مؤثراً في الاقتصاد، فلم يحقق شيئاً طوال العام الماضي.

ليس صعباً حساب الخسائر التي ضربت الاقتصاد في سورية، حتى في ظل استمرار الثورة الماضية حتى النهاية لإسقاط الأسد ونظامه. فأسعار المواد الاستهلاكية والأولية وتلك المرتبطة بالبناء والتشييد، والأدوية، والمواد المستخدمة في الإنتاج الزراعي، تسير كلها نحو الارتفاع، وفي بعض الأحيان بصورة أسبوعية. وقيمة الليرة السورية ستواصل الانخفاض، خصوصاً بعدما فشلت كل المحاولات للحفاظ على مستوى ثابت لها، بما في ذلك فرض رقابة مشددة على تصريف العملات الصعبة، وشن حملات ضد مكاتب الصرافة، والتعويم الجزئي الغريب لليرة قبل ثلاثة أشهر، وسيواصل السوريون سحب ما أمكن لهم من ودائعهم، لتحويلها إلى عملات أخرى تضمن ما تبقى من قيمتها. ولكن مهما بلغت الخسائر المادية والاقتصادية الشخصية والعامة، فإنها لا تمثل شيئاً أمام الخسائر البشرية التي يتعرض لها السوريون في كل أرجاء بلادهم، بل هي في الواقع، خسائر طبيعية لحملة وحشية بربرية ضد شعب أعزل.

في مقال سابق لي، أشرت إلى أن الاقتصاد السوري يسير إلى الزوال الفعلي جنباً إلى جنب مع زوال بشار الأسد ونظامه. فالزوال سيشمل كل ما يمتلكه هذا النظام، وفي مقدمة ممتلكاته.. الاقتصاد نفسه. وسيسهم تدهور الاقتصاد (بوضعيته الراهنة) في تسريع رحيل الأسد، لأن الخراب وصل إلى لقمة العيش وإلى الدواء وإلى التفاصيل المعيشية اليومية للفرد السوري. وهنا لا أعني أولئك الذين هبوا لإزاحة الأسد، بل الذين لا يزالون يعتقدون أن نظام هذا الأخير، لا يزال قابلاً للحياة.

نظام واقتصاد معًا إلى الهاوية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


''خراب فوق آخر، هزيمة فوق أخرى، يجعلان من التشوش أكثر إرباكًا''
جون ميلتون شاعر ومؤرخ إنجليزي


كتب: محمد كركوتــــــي

مع تحطيم الدولار الأمريكي أرقامًا قياسية في سورية (ستبلغ قريبًا مرحلة ''حرب إبادة'' لليرة السورية، في سياق حرب الإبادة التي يشنها بشار الأسد ضد الشعب السوري)، ومع ارتفاع حجم السحوبات المالية التي قام بها السوريون في الأشهر الماضية، ومع عجز هائل في الموازنة العامة، ومع انكماش محقق للاقتصاد في العام الجاري، ومع ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الرئيسة، ومع بلوغ مداخيل السياحة الرقم صفر، ومع ارتفاع مؤكد للدين الخارجي يصل إلى تسعة مليارات دولار أمريكي، وأيضًا مع تراجع الإنتاج الزراعي والصادرات، وتفاقم معدلات البطالة والفقر.. مع كل مؤشرات الخراب هذه، لا يزال الأسد (ومعه أعوانه)، يعتقد أن الاقتصاد سينجو، وكأن نظامه الوحشي البربري هو نفسه سينجو من الفظائع التي ارتكبها (ويرتكبها) بحق شعب أراد فقط حرية لاختيار من يحكمه. ولا أعرف إذا كان يعلم أن الأمر لم يعد بحاجة إلى أرقام، لاستكشاف آفاق هذا الاقتصاد. فيكفي استعراض ما يجري على الأرض، لتكتمل صورة الخراب الاقتصادي، بل يكفي إلقاء نظرة على القوانين والقرارات المتضاربة التي ساهمت في تسريع وتيرة الخراب.

منذ اندلاع الثورة الشعبية السلمية العارمة، حاول بشار الأسد وأعوانه، إخفاء حقيقة الوضع الاقتصادي الذاهب ''بقوة'' إلى الخراب. فقد أثبتت هذه الثورة مرة أخرى أن ما يوجد في سورية لم يكن اقتصادًا وطنيًّا، بل كان (ولا يزال) اقتصادًا أُسريًّا يتصرف فيه (بل يمتلكه) عدد محدود من الأشخاص، صادف أنه مرتبط بأمة بأكملها! ولأنه ليس وطنيًّا، فقد كان من الطبيعي أن يتداعى سريعًا. والحقيقة كان هذا الاقتصاد مؤسسًا على الخراب، وما فعلته الثورة أنها نقلت الأساس إلى السطح، وكشفت كيف أن نظام الأسد الأب والابن، لم ينهب البلاد ومقدراتها فحسب، بل لم يترك مجالاً ولا أملاً لإصلاح اقتصادي ما في المستقبل. ولذلك، فإن على السوريين الذين يستعدون لبناء وطنهم سياسيًّا بعد زوال الأسد إلى الأبد، أن يعيدوا بناء اقتصاد جديد من الصفر، بنقله من معايير وسلوكيات اقتصاد قطاع الطرق، إلى معايير الاقتصادات التي تستحقها سورية الحرة وتليق بها.

لا أعرف لماذا يُجهد المحللون الاقتصاديون أنفسهم، لقراءة ما إذا كان الأسد قادرًا على إعادة الاستقرار لاقتصاد سورية أم لا؟ هذا الأمر لا ينطبق على سورية؛ لأن الاقتصاد لم يكن مستقرًّا فيها على مدى ثلاثة عقود على الأقل، إلا إذا اعتبرنا أن عملية تخريب الاقتصاد كانت مستقرة طوال هذه العقود. وقراءة مستقبل أي اقتصاد، عملية تتطلب أرقامًا وإحصائيات ودراسات وبحوث نزيهة، إن لم تكن محايدة، وهذا ما لم تشهده سورية طوال الفترة المذكورة. وعلى هذا الأساس كانت المؤسسات الدولية المختصة، تقرأ الاقتصاد في سورية، وفق تقديرات كانت حريصة دائمًا على إطلاق آمال بأن تكون قريبة من الواقع. ورغم المحاولات الدولية المستمرة مع الأسد الأب والابن، للسماح باستكشاف حقيقة الأرقام والإحصائيات التي تعطي مؤشرات على وضعية الاقتصاد، إلا أنها كانت (ولا تزال) تصطدم برفض حاسم. فهل حدث أن كشفت العصابة (أي عصابة) طواعية عن مسروقاتها؟

الاقتصاد ''السوري'' الآن لا يتجه إلى الانهيار وحده، بل يسير ومعه بشار الأسد ونظامه. فما بدأته هذه الثورة التاريخية، سينهيه حتمًا الاقتصاد، خصوصًا مع تضييق الخناق الاقتصادي حول رقبة الأسد، بما في ذلك الجولات الجديدة من العقوبات الأوروبية والأمريكية عليه، فضلاً عن تفعيل العقوبات العربية ضده، في حين ليس مضمونًا أن يواصل النظام الإيراني توفير الإمدادات المالية له إلى ما لا نهاية، بسبب المصائب الاقتصادية التي تعيشها إيران نفسها، والضغوط الشعبية المتعالية على نظام الملالي من جهة الاقتصاد. فمع وصول سعر صرف الدولار الأمريكي إلى 80 ليرة سورية، وسحب أكثر من 100 مليار ليرة من الودائع خلال أقل من سنة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض هذه الودائع بنسبة 30 في المائة، (علمًا بأن هذه الأرقام والنسب تقديرية، وعادة ما تكون أعلى من ذلك في معظم الحالات)، ومع توقف غالبية القطاعات الإنتاجية والخدماتية، بات على الأسد أن يفكر إذا ما كان يستطيع أن يدفع رواتب الموظفين الحكوميين في الأشهر القليلة المقبلة، إذا ما نجح أصلاً (خلال هذه الأشهر) البقاء في السلطة.

ليس هناك الكثير من الوقت أمام الأسد لتسويق أوهام اقتصادية للسوريين والعالم، بما في ذلك ''إيمان'' أعوانه بأن سورية محسودة على اقتصادها وليرتها! لقد بلغ الاقتصاد حافة الهاوية، التي هي نفسها يسير إليها النظام نفسه، الذي يصر على أنه يستطيع تغيير البدهيات، عن طريق مواصلة حرب الإبادة التي يشنها على الشعب السوري. وإذا كان لا يقرأ التاريخ (أو لا يفهمه، وهذا مرجح)، ألا يوجد شخص بجانبه يبلغه بأنه لم يحدث على مر التاريخ أن انتصر نظام على شعب أو أمة؟

الاثنين، 27 فبراير 2012

الموقف الذي أنقذ المُنقِذين

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"كي تكون بالفعل عظيماً، عليك أن تقف مع الناس لا فوقهم"
تشارلز مونتسكيو فيلسوف وسياسي فرنسي

 
 
كتب: محمد كركوتـــــي
 
لنتخيل للحظة، أن مؤتمر "أصدقاء الشعب السوري" الذي عُقد في تونس، انتهى من دون موقف سعودي صارم وحاسم وواضح وصريح، أو انتهى بالتأكيد فقط على ضرورة الالتزام بالمبادرة العربية الخاصة بالكارثة السورية، أو انتهى فقط أيضاً بإعلان كل الدول المشاركة في المؤتمر عن قناعتها بوحشية بشار الأسد وبربريته، والترحيب به في هذه الدولة أو تلك، كملاذ آمن له ولأسرته وبعض أركان عصابته. سيكون المؤتمر، مهرجاناً جميلاً لمجموعة من الدول، قررت الوقوف حقاً إلى جانب الشعب السوري، لكنها لا تزال تائهة عن المكان الذي ستقف فيه، وضائعة في تحديد المساحة التي ستتحرك فيها. لقد كان الموقف السعودي، وبالصيغة التي طرحها وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل، إنقاذاً لمؤتمر عُقد (من دون شك) لإنقاذ الشعب السوري الأعزل. بمعنى، أنه أنقذ المنقذين، بالرغم من أنه لم يُثبَت في بيان المؤتمر.

ولأن الشعب السوري بحراكه الشعبي والمآسي الناجمة عن هذا الحراك، لم يكن مُمثلاً (في الواقع) في مؤتمر "أصدقاء الشعب السوري"، فقد مثلته المملكة العربية السعودية، بتفويض لم يصلها مكتوباً منه، بل تسلمته من خلال صور أطفال تذبح وتقطع أوصالها، ونساء تُسبى في عقر دارها، ومعتقلين تُمحى هوياتهم، ومعَذَبين يطلبون الموت رحمة، ونازحين في ديارهم وإلى ديار جيرانهم، وأحياء تقصف بكل الأسلحة، ومساجد تدمر على من فيها. من خلال إمدادات متنوعة.. عسكرية معلنة لسفاح سوريا، وعصابات من المرتزقة (المحليين والمستورَدين)، ومالية من النظام الإيراني (سرطان المنطقة كلها)، وسياسية ودبلوماسية واقتصادية من أشقاء محطين بسوريا، وسياسية أخرى، يصعب قهرها، ممن يستطيع تعطيل قرار دولي، بصرف النظر عن عنف القرار أو لطافته. تفويض الشعب السوري، جاء أيضاً من خلال ذلك الهتاف الشعبي الحارق، الذي تختفي أمامه كل الأسباب، وتُمحى كل الحجج "ما إلنا غيرك يا الله".

تفويض الشعب السوري المحاصر بالقتل والدم والدموع، ألغى تلقائياً دبلوماسية سعودية هادئة معهودة. فالكارثة السورية ليست سياسية لتُحل أو تُستخدم فيها أدوات سياسية، ولم تكن عسكرية بين طرفين لإخضاعها لآليات الهدنة التقليدية، وليست اقتصادية كي يتم احتوائها بمساعدات من هنا ومعونات من هناك، وقروض بلا فوائد. إنها منذ اليوم الأول لها، قضية أخلاقية صرفة. إنها حالة جمعت بين قاتل وضحية، بين سلطة لم تكن شرعية في يوم من الأيام، وشعب أراد فقط حرية لاختيار سلطة بديلة عنها. ولأن الأمر كذلك، فقد سمع المعِطل الأول لمجلس الأمن الدولي (رئيس روسيا)، ما يطالب به الشعب السوري عن طريق من؟ عن طريق كبير في العالم العربي، خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز. أرادت موسكو ألا تفهم ما قاله مبكراً للعالم أجمع بـ "أن الحدث أكبر من أن تبرره الأسباب"، وفضلت ألا تسمع ما وصفه "بأن الثقة اهتزت في الأمم المتحدة". قال الملك: "لا حوار حول سورية"، بعد كل هذه السلوكيات. لقد وصلت رسالة الشعب السوري أخيراً، بعد أن فشل في إيصالها لموسكو تحديداً، رغم أنه كان يرسلها كل ساعة. وصلت (وتم استلامها) من قائد لا يقولها إلا مرة واحدة.

هذا الموقف حمله الأمير سعود الفيصل إلى تونس، إلى الأصدقاء لا الأعداء، إلى الحريصين على الشعب السوري، لا الساعين إلى المشاركة في إفنائه. ولأن مؤتمر "أصدقاء الشعب السوري"، كان دون سقف الموقف السعودي، كان من الواجب مساعدة المؤتمر، ليس من أجل المؤتمرين، بل من أجل السوريين. مرة أخرى "إنقاذ المُنقًذين إلى أجل ما". كان لا بد من رسالة عاجلة وواضحة لا تقبل التسييس. قال كلمته وانسحب، ليس على طريقة سفاح ليبيا السابق معمر القذافي، الذي كان ينسحب لتأكيد حضوره السطحي البائس، بل على منهج حامل مأساة شعب ليس له إلا الله. نعم كان حراك الاجتماعات في المؤتمر الذي اختُصر إلى يوم واحد فقط، دون مستوى المأساة. ورغم النوايا الحسنة والجهود المضنية التي يبذلها أصدقاء الشعب السوري (ولا شك في أن السوريين لن ينسوا لهم ذلك)، إلا أن الأمر كان يتطلب موقفاً، يحسم مصير نظام وضع نفسه في مواجهة أمة بأكملها، وهو سيستمر في حرب الإبادة التي يشنها على هذه الأمة، حتى آخر رصاصة وقذيفة وصاروخ ومرتزق، وحتى آخر دولار نهبه من مقدرات الأمة، وحتى آخر ريال إيراني وصله من نظام الملالي، وآخر دينار عراقي، وآخر ليرة لبنانية. حتى آخر قطعة سلاح روسية لا يزال العالم يسمح بوصولها إليه.

نعم، كان ضرورياً أن يتضمن بيان مؤتمر "أصدقاء سورية"، بنداً –ولو كان وحيداً لكان كافياً- أن يرحل بشار الأسد "طوعاً أو كرهاً"، ولا بأس في عنوان آخر هو "أن قواته أصبحت سلطة احتلال".

حقاً.. سورية باتت أرضاً محتلة. كان على المؤتمر أن يناقش الكارثة السورية كقضية احتلال، وليس كمسألة مساعدات إنسانية، أو كمنصة لإحياء مبادرة عربية، قتلها سفاح سوريا ومثل بجثتها.

الثلاثاء، 21 فبراير 2012

هل يصمد الأسد إلى حين جمع كل الليرات السورية؟

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")
"بالنسبة إليه، المال هو أداة في لعبة الاحتكار. هو يريده ليس لقيمته الشرائية، بل للمشاركة في استكماله هذه اللعبة"
كين فوليت مؤلف وكاتب ويلزي

كتب: محمد كركوتـــــي
 
كيف يمكن حماية الليرة السورية؟ الجواب التلقائي (بل والواقعي) هو زوال بشار الأسد إلى الأبد، وقيام دولة ديمقراطية تعددية، تعتمد (بصورة تلقائية أيضاً) اقتصاداً وطنياً، لا أُسرياً. والحقيقة، أن زوال الأسد الذي وضع نفسه مقابل أمة بأكملها، ويقتل السوريين العزل بكل الوسائل الوحشية، سيحمي كل شيء في البلاد، وبالتأكيد أرواح الشعب السوري في مقدمتها. لكن لأعوان النظام الوحشي، "رؤية" في حماية الليرة السورية، التي فقدت 50 في المائة على الأقل من قيمتها في ظل الثورة الشعبية السلمية العارمة التي تجتاح البلاد. وستظل هذه الليرة تترنح إلى أن ينتهي الأسد ومعه أعوانه. فقد ثبت منذ اليوم الأول، أن الليرة السورية ليست محسودة، كما ادعى عدد من "جهابذة" اقتصاد بشار الأسد، وفي مقدمتهم حاكم مصرفه المركزي. ويبدو واضحاً أن قيمة "الأحجبة" المانعة لسقوط العملة السورية، تساوي قيمتها الفعلية المتهاوية.

"الرؤية" الجديدة لبعض أعوان سلطة لا شرعية، تنحصر بطباعة أوراق نقدية جديدة، وسحب الأوراق النقدية المتداولة. وهي في الواقع تدخل في مجمل "الرؤى" التخريبية التي تعم البلاد، من تعويم كلي لليرة، إلى تعويم جزئي، ومن حظر استيراد البضائع الكمالية، إلى إلغاء حظرها، ورفع الرسوم عليها، ومن استجداء 500 ليرة من كل مواطن سوري لدعم "الاقتصاد"، إلى فرضها بالقوة على المواطنين. ولأن الاقتصاد في سورية ليس وطنياً، فمثل هذا النوع من الخراب والتخبط يبدو واقعياً. لنترك هذا جانباً. لماذا الدعوة لطباعة أوراق نقدية جديدة؟ يعتقد هؤلاء الغائبون عن الواقع، أن ذلك سيجبر من يملك الليرة السورية إلى تبديلها، وبالتالي فإن السلطة سوف يكون لديها تقدير دقيق لكامل الكتلة النقدية الموجودة من العملة السورية، على اعتبار أنها لا تعرف ما هو موجود منها بالفعل! بل ومضوا أبعد من ذلك، عندما أكدوا أن هذا الإجراء سيساعد في التخلص من الأوراق النقدية المزورة. ولأن الأحلام هي التي تدير اقتصاد سورية (الوطني سابقاً)، فيؤكد هؤلاء على أن قيمة الدولار الأميركي الواحد، ستنخفض إلى 30 ليرة، من 80 ليرة هي القيمة المتداولة للدولار حالياً!!

وسواء قبل بشار الأسد بهذه "الرؤية"، أم لم يقبل، فلاشك أن "منظري" اقتصاد السلطة، ينغمسون بوهم لا حدود له. ربما من فرط إصرار السوريين العزل على الوقوف حتى النهاية في وجه واحد من أكثر الأنظمة وحشية في التاريخ الحديث. وهنا يأتي سؤال متسلل من بين الخراب الاقتصادي في سورية، وهو: هل يصمد بشار الأسد حقاً، حتى تُستكمل عملية طباعة جديدة كاملة للأرواق النقدية، فيما لو تم اعتماد هذه "الرؤية"؟ تكفي الإشارة هنا، إلى أن المظاهرات السلمية اقتربت كثيراً نحو قصر الأسد في قلب دمشق، وهذا الأمر حتمي في سياق ثورة لا رجعة عنها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه (من دون تسلل)، هل ستشكل الطباعة المطلوبة حبل نجاة لليرة السورية؟ الجواب ببساطة هو: لا كبيرة جداً. ففي مثل هذه الحالات، لا تمثل عمليات جمع شبه شاملة للأوراق النقدية، بحجة تبديلها، أي سند لها، لأن الأسس التي تقوم عليها أي عملة، مرتبطة بالاقتصاد الوطني الكلي للبلاد.. لا باقتصاد أسرة واحدة، وبالاستقرار والنزاهة.. لا الخراب والنهب، وبالرؤى.. الواقعية لا الحالمة.

في منتصف سبعينات القرن الماضي كان الدولار الأمريكي يساوي 2.5 ليرة سورية، ويبلغ الآن أكثر من 80 ليرة، ولم يكن السبب (ولن يكون)، هو تهريب الأوراق النقدية السورية إلى الخارج، أو عدم معرفة السلطة بحجم الكتلة النقدية. هذه النتيجة كانت محصلة لمجموعة من الأسباب، في مقدمتها سرقة المال العام، والاستحواذ على مقدرات البلاد، والسيطرة الكاملة على المصرف المركزي، وطبع الأوراق النقدية بدون رصيد أو سند أو غطاء. وإذا أردنا أن ندخل في سياق قناعة حاكم المصرف المركزي، بأن الليرة السورية محسودة، لا مانع لو قلنا: إن من بين أسباب تدمير هذه الليرة، ربما النحس الذي جلبته (ولاتزال) صورة الأسد الأب على ورقة الألف ليرة طوال أكثر من عقدين. لكن الأمر ليس كذلك بالتأكيد.

إن قيمة الأوراق النقدية، لا تُحسب بجمال وأناقة تصميمها، ولا بتاريخ طباعتها، بل بقوة ونزاهة الجهة التي تصدر عنها. ففي بلد يذهب فيها الرئيس (وشقيقه على الأقل) إلى البنك المركزي، لحمل ما يرغب من موجوداته إلى الخارج، لا يبقى للعملة الوطنية قيمة تذكر، حتى لو كان مصممها ليوناردو دافنتشي نفسه، وحتى لو خرجت للتو من المطابع "طازجة". وفي بلد تطبع فيها العملة كما تطبع بطاقات الدعوة إلى الأعراس، لا توجد جهة تقبل التعاطي بها. وفي بلد، يسيطر فيه ابن خال الأسد على 60 في المائة من اقتصاد البلاد، لا يمكن ضمان العملة الصادرة منه. وإذا ما استمر بشار الأسد في السلطة، "ستناضل" الليرة السورية كي تتساوى مع قيمة الورق الجديد (والقديم)، الذي طُبعت عليه.

بيان تيار التغيير الوطني السوري حول مطالبة أعضاء بمجلس الشعب المصري



اسطنبول.....

رحب تيار التغيير الوطني السوري، بمطالبة نواب في مجلس الشعب المصري، بقطع العلاقات نهائياً مع نظام بشار الأسد اللاشرعي الإجرامي. مؤكداً، أنها باتت خطوة ضرورية من أجل إحكام عزل هذا النظام، الذي يشن حرب إبادة ممنهجة ضد الشعب السوري الأعزل، يستخدم فيها كل أنواع الأسلحة وأعمال القتل، فضلاً عن الاعتقال والتعذيب والتمثيل بجثث الشهداء والإخفاء والخطف والتهجير، وفرض حصار على مناطق عدة في سوريا، ومنع المؤن الغذائية والطبية عن سكانها، وتدمير المباني السكنية ودور العبادة. وحيا "تيار التغيير"، النواب الشرفاء في مجلس الشعب المصري، على موقفهم هذا، مشيداً بقرار سابق للمجلس، قضى بقطع العلاقات بينه وبين ما يسمى بمجلس الشعب السوري، الذي لا يمثل في الواقع أي فرد من هذا الشعب.

وبينما يرحب تيار التغيير الوطني السوري، بقرار الحكومة المصرية، سحب سفير مصر الشقيقة من دمشق، يشدد في الوقت نفسه على ضرورة تصعيد العقوبات الدبلوماسية والسياسية على نظام الأسد، وفي مقدمتها قطع العلاقات نهائياً معه، إلى جانب تفعيل العقوبات الاقتصادية التي أقرتها جامعة الدول العربية، في سياق العمل على وقف حرب الإبادة التي يتعرض لها السوريون منذ أكثر من 11 شهراً، وأدت إلى سقوط 9 آلاف شهيد على الأقل من بينهم أطفال ونساء وشيوخ، وتهجير عشرات الآلاف من المدنيين، ونزوح أعداد هائلة منهم داخل الأراضي السورية. وأيد "تيار التغيير" ما أعلنه أعضاء في مجلس الشعب المصري في جلسته يوم التاسع عشر من شباط/فبراير، بأن "معظم الدول العربية اتخذت إجراءات ضد النظام السوري، وبذلك نكون قد تأخرنا كثيراً، ويجب اتخاذ قرار حاسم الآن من المجلس".

وأكد تيار التغيير الوطني السوري، أن أي موقف تتخذه الدول العربية الشقيقة ضد نظام يقتل شعبه وفق استراتيجية واضحة، يصب مباشرة في مصلحة الشعب السوري، والحقيقة، يساهم في الإجراءات والتحركات الهادفة لوقف أعمال القتل، ويصون دماء السوريين الذين يطالبون بالحرية، والخلاص من نظام لاشرعي، قرر مواصلة القتل إلى آخر مدى، واعتبر أن بقائه في السلطة، لا يوازيه مصير شعب حر بأكمله.

20 شباط/فبراير 2012

الثلاثاء، 14 فبراير 2012

بيان تيار التغيير الوطني السوري حول اجتماعات الجمعية العام للأمم المتحدة بشأن جرائم الأسد


اسطنبول.....

أكد تيار التغيير الوطني السوري، أن الجرائم التي يرتكبها نظام بشار الأسد اللاشرعي ضد المدنيين السوريين العزل، تدخل بقوة ضمن نطاق الجرائم ضد الإنسانية، وتفهم "تيار التغيير"، توصيف المفوضة العليا لحقوق الإنسان نافي بيلاي "بترجيح وقوع هذا النوع من الجرائم في سوريا"، على خليفة رفض النظام الإجرامي، دخول أي بعثة تابعة للأمم المتحدة أو المنظمات العربية والأجنبية غير الحكومية سوريا لتقصي الحقائق، وتوثيق الجرائم التي يرتكبها منذ أكثر 11 شهراً.

وشدد تيار التغيير الوطني السوري، على أن الحقائق المفجعة على الأرض داخل سوريا، تفوق ما جاء في تقرير بيلاي، بما في ذلك القتل المباشر والقتل العشوائي، وقتل الأطفال، وقتل الأطباء والمسعفين، والتعذيب البربري والاغتصاب والسحل والاختطاف، وأخذ مدنيين كرهائن، ومنع السكان من دفن قتلاهم، وحظر إمدادات الغذاء والدواء ووقود التدفئة عن المدنيين في مناطق بأكملها، وتلويث مياه الشرب، وقطع التيار الكهربائي عن المنازل والمستشفيات، وقصف الأحياء السكنية ودور العبادة بالأسلحة الثقيلة، وتهجير السكان إلى خارج الأراضي السورية، ودفع آخرين إلى النزوح ضمن نطاق سوريا. وأيد "تيار التغيير" ما قالته المفوضة العليا لحقوق الإنسان، بـ " أن فشل مجلس الأمن الدولي في الاتفاق على تحرك جماعي صارم، زاد من جرأة نظام الأسد في شن هجوم شامل لسحق المعارضة باستخدام قوة هائلة". وأشار، إلى أن هذا النظام، لم يكتف بالقوة التي يملكها، بل استجلب إمدادات أخرى، لاستكمال حرب الإبادة التي يقوم بها.

ودعا تيار التغيير الوطني السوري، المجتمع الدولي للقيام بمسؤولياته، من أجل الحفاظ على أرواح الشعب السوري الأبي، الذي يقدم أغلى ما لديه من أجل الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، مواجهاً نظاماً إجرامياً، بات اقتلاعه واجباً إنسانياً. وحذر "تيار التغيير"، الدول التي لا تزال تقف إلى جانب نظام السفاح بشار الأسد، من أن التاريخ لن يرحمها بوقوفها إلى جانب نظام، لا يستمر إلا بآلة القتل الفظيعة، التي لا يعرف استخدام غيرها.

ودان تيار التغيير الوطني السوري، هجوم مندوب نظام الأسد في الأمم المتحدة، على المنظمة الدولية والأشقاء العرب، ولا سيما المملكة العربية السعودية الشقيقة. وأكد "تيار التغيير"، على أن الشعب السوري يعتز بالمملكة وكل الأشقاء العرب الذين وقفوا إلى جانبه، (بينما يتعرض لحرب إبادة) فضلاً عن تقديره لمواقف الدول غير العربية، التي أيدت مطالبه بالحرية.

13 شباط/فبراير 2012

سوريا وإيران.. ترويج الخراب الاقتصادي

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


"هذا الذي يتغاضى عما يرتكبه الأشرار، ليس سوى مذنب معهم"
مارتن لوثر كينج داعية الحقوق المدنية الأميركي

 
كتب: محمد كركوتــــي
 
في مقال سابق لي تحت عنوان "الليرة السورية والريال الإيراني.. تناغم الخراب"، تناولت فيه تشابه "البؤس" الاقتصادي بين نظامين يحكمان هذين البلدين. واحد لا شرعية له، يقتل شعبه، ولن أستغرب أن يطلب الحماية الدولية له من هذا الشعب. وآخر شبه شرعي، مؤمن بتطرف بتسويق خارجي لثورة مهشمة منذ انطلاقها قبل أكثر من ثلاثة عقود، رغم أنه يواجه مصاعب لا حدود لها في تسويقها وترويجها محلياً! فلا عجب أن يتماهى النظامان في كل شيء، خصوصاً عندما تتحول العلاقة التاريخية بينهما، من تحالف مشين، إلى التحام مريع، تبدو الأخلاق معه سرطاناً ينبغي استئصاله، وعدواً يجب محقه.

لا تحتاج العلاقة التلاحمية بين نظامي بشار الأسد وأحمدي نجاد، إلى أدوات لتطويرها. فهي تتطور تلقائياً، مع التزام هذين النظامين بسياسات الخارجين عن القانون، وبمبادئ قُطاع الطرق. ولأن الأسد لم يعد لديه ما يقدمه لنجاد، لأنه (أي الأسد) يعيش أيامه الأخيرة في حكم اغتصبه أصلاً. فـ "المصانع" الإيرانية المنتجة للمرتزقة (بما في ذلك فرعها اللبناني برئاسة حسن نصر الله)، وآليات القتل الإيرانية المجربة أساساً على الشعب الإيراني، والأموال المسروقة من هذا الشعب، حاضرة دائماً، لنجدة نظام لا يزال في النهاية (ومهما كان ضعيفاً) يوفر موطئ قدم لإيران في قلب العالم العربي. ولأن الأمر مصيري بالنسبة لإيران في عالم عربي لم يتوقف عن فتح ذراعيه للتفاهم والتحاور معها، فإن الحكومة العراقية-الإيرانية، حاضرة لتلبية نداء الأسد المتداعي نظاماً وأركاناً. المهم أن تظل الدائرة الإيرانية-العراقية- السورية- اللبنانية، ضمن خط واحد لا متقطع.

ومع تزايد حدة الحصار الاقتصادي الغربي (وربما العربي في وقت لاحق)، على نظامي طهران ودمشق، كان لابد من أفكار جديدة، تقلل من آثار هذا الحصار، الذي أوصل اقتصادا البلدين إلى ما دون الحراك، وما قبل الانهيار. أوصلهما إلى حالة، يتمنى أي نظام في هذا العالم، أن يتوقف تداول الليل والنهار. ففي كل تداول طبيعي كهذا، تتكون مصيبة اقتصادية. فلا غرابة إذن.. من أن تتفتق أذهان الفريقين إلى تأسيس شركة إيرانية- سورية مشتركة، لترويج وتصدير البضائع السورية إلى إيران، وبالعكس! ولن يكون غريباً أيضاً، أن "تبتكر" السلطتين في البلدين طرقاً جديدة، لتحريك اقتصاديهما. ولكن إلى أي مدى يمكن أن تحقق هذا الطرق البائسة أهدافها؟ وما هو الجديد في الأمر؟ ببساطة إنها محاولة يائسة لتحريك السوقين الإيراني والسوري. أما لماذا يائسة؟ فلأن كلا السوقين تعانيان من شح في العملات الصعبة، ومن تراجع لا يتوقف لقيمة العملتين الوطنيتين فيهما، ولأن الإنتاج السوري لا يختلف كثيراً عن طبيعته في إيران، بمعنى آخر، ما يوجد هنا، يوجد هناك. وعلى هذا الأساس، فإن المشروع "المبتكر"، لا يعدو عن كونه فقاعة إعلامية، ولإثبات ما هو مثبت أصلاً، بتلاحم العلاقة بين النظامين. والمثير للسخرية، أن من صلب المشروع الترويجي المتبادل، إقامة معارض تجارية سورية في إيران، وإيرانية في سورية، ولأن العلاقات بين الطرفين لا تحتاج لهذا النوع من المعارض، فالطرفان سيتحملان تكاليف إقامتها، دون عائد يذكر.

إيران اليوم التي تعيش تحت وطأة العقوبات الغربية المتصاعدة، دفعتها إلى إعادة الحياة لـ "اقتصاد المقايضة". فقد بدأت بالفعل في عرض سبائك ذهبية في خزائن موجودة في الخارج، وحمولات شاحنات نفط، مقابل الحصول على المواد الغذائية. فلم تعد تملك المال الصعب لشراء حتى الغذاء. وعلى الرغم من أن العقوبات الغربية، لا تحظر على إيران استيراد المواد الغذائية، إلا أن التعاملات المالية لإتمام عمليات الشراء هذه، تخضع للعقوبات أو في أفضل الأحوال إلى الرقابة المشددة. والأمر ليس أفضل حالاً في سورية، التي ليس لديها في الواقع ما تقايض به، لأن نظام الأسد الأب والابن، لم يتسبب فقط في الخراب الاقتصادي المحلي، بل نهب مقدرات البلاد على مدى أكثر من أربعة عقود. الأسعار في إيران وسوريا، بلغت مستويات مرتفعة بالغة الخطورة. ففي الأشهر الماضية زادت هذه الأسعار إلى الضعفين، لأن العملتين الوطنيتين، خسرتا أكثر من نصف قيمتيهما، مقابل العملات الرئيسية الأخرى، ولاسيما الدولار الأميركي. وتبيع إيران نفطها بعملات مثل الروبية الهندية والوون الكوري الجنوبي والين الياباني، لكن من الصعوبة بمكان، أن تتحول عوائد هذه الصفقات إلى إيران.

كيف يمكن أن تكون هناك مخططات ترويجية بين بلدين يعيشان ما يشبه الحرب، بقرارات من نظاميهما؟ في دمشق، يضع نظام الأسد مصيره مقابل مصير أمة بأكملها، رافضاً كل العروض السخية التي قدمت له لتخليصه من مصيره المحتوم. وفي طهران، يقف نظام ضد العالم أجمع، يهدد مرة ويتراجع مرات، ولا يبدو أنه يفهم مخاطر اللعبة التي أشغل نفسه بها. وبين نظامين لا يعرفان كيف سيلبيان الاحتياجات الغذاء لشعبيهما، تأتي شراكة ترويج الخراب الاقتصادي بينهما، بعد تناغم فريد لخراب سياسي جمعهما.

الاثنين، 13 فبراير 2012

بيان تيار التغيير الوطني السوري حول مقررات المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية

اسطنبول....

أشاد تيار التغيير الوطني السوري بقرارات المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية، الخاصة بالمأساة السورية المتعاظمة. وحيا موقف المملكة العربية السعودية الشقيقة، الذي أعلنه سمو الأمير سعود الفصيل وزير خارجيتها، كما ثمن دعوة الجمهورية التونسية الشقيقة، لعقد مؤتمر لـ "أصدقاء سوريا" فيها، ورحب باستقالة رئيس بعثة المراقبين العرب في سوريا محمد الدابي من منصبه، وإنهاء عمل البعثة هناك، ودعا إلى ضرورة استكمال القطيعة العربية لنظام بشار الأسد اللاشرعي، الذي يرتكب الفظائع بحق الشعب السوري الأبي. واستهجن "تيار التغيير" في الوقت نفسه رفض نظام بشار الأسد الإجرامي لقرارات "الجامعة العربية"، مؤكداً، أن هذا النظام لا يملك أن يرفض شيئاً، وليس أمامه إلا الرحيل فوراً وإلى الأبد.

واعتبر تيار التغيير الوطني السوري، دعوة جامعة الدول العربية مجلس الأمن الدولي لإصدار قرار بتشكيل "قوات حفظ سلام عربية دولية مشتركة"، خطوة جيدة إلى الأمام، مع التأكيد على أنه لا يوجد سلام أصلاً في سوريا لحفظه، لأن ما يجري هناك هي في الواقع حرب إبادة، يشنها نظام وحشي ضد شعب أعزل، بكل الوسائل العسكرية التي يملكها، والتي يستكملها بإمدادات متواصلة من دول قررت الوقوف إلى جانبه، ضد شعب لا يملك إلا كرامته، قرر استعادة حريته مهما كانت التكاليف.

ورحب تيار التغيير الوطني السوري، بقرار "الجامعة العربية" فتح قنوات اتصال مع المعارضة الوطنية السورية، وتوفير كافة أشكال الدعم السياسي والمادي لها، مشيراً إلى أن من صلب أهداف "تيار التغيير" الوصول إلى أفضل حالة لتوحيد المعارضة الوطنية، التي لا تقبل بأقل من زوال النظام الإجرامي بكل أركانه ورموزه، وعلى رأسه بشار الأسد.

وفيما يتعلق بقرار "الجامعة"، إنهاء مهمة بعثة المراقبين العرب، أشار تيار التغيير الوطني السوري، إلى أن مهمتها لم تكن مجدية منذ البداية، بل وفرت لنظام الأسد فرصاً جديدة لتطوير عمليات قتل المدنيين السوريين الأحرار، أدت إلى ارتفاع مذهل لعدد الشهداء في أوساطهم، بما في ذلك الأطفال والنساء والشيوخ، بعد أن حرمهم هذا النظام الوحشي، حتى من الغذاء والدواء والكهرباء والماء ووقود التدفئة. ورغم تأخر وقف أشكال التعاون الدبلوماسي العربي مع ممثلي النظام الإجرامي في سوريا، إلا أن قرار جامعة الدول العربية بهذا الشأن، يمثل نقلة على صعيد إتمام عزل النظام نهائياً، سياسياً ودبلوماسياً. وطالب "تيار التغيير"، بسحب الاعتراف بهذا النظام فوراً، وطرده نهائياً من كل المؤسسات التابعة لـ "الجامعة العربية". وحيا بهذا الصدد، دعوة "الجامعة"، كافة الدول الحريصة على أرواح الشعب السوري، إلى مواكبة الإجراءات العربية.

وحول قرار "الجامعة، بسريان إجراءات المقاطعة الاقتصادية ووقف التعاملات التجارية مع نظام الأسد، أكد تيار التغيير الوطني السوري، على أهمية هذه الخطوة التي سترفع من حدة الخناق حول رقبة هذا النظام على الصعيد المالي، لاسيما وأن الإجراءات العربية لا تمس بالمواطنين السوريين مباشرة. ودعا "تيار التغيير"، الدول العربية التي لا تزال تتعاطى مع النظام الإجرامي اقتصادياً، الامتثال إلى قرارات "الجامعة"، حرصاً على الشعب السوري.

واعتبر تيار التغيير الوطني السوري، أن دعوة الجمهورية التونسية الشقيقة، لعقد مؤتمر "أصدقاء سوريا" فيها، يمثل إشارة واضحة لمن تبقى من الدول التي لا تزال تعتقد أنه بإمكان نظام بشار الأسد (ونظامه) النجاة من جرائمه الفظيعة، التي نالت من الضمير الإنساني، كما تنال يومياً من أرواح السوريين العزل.

وحول التزام جامعة الدول العربية بقراراتها الخاصة بخطة "خارطة الحل السلمي للأزمة السورية"، أكد تيار التغيير الوطني السوري، أنه بعد سقوط آلاف الشهداء، واعتقال عشرات الآلاف، وتهجير مثلهم، وتدمير الأحياء السكنية، وقصف أماكن العبادة، وقتل الأطفال، وتجويع السكان، وحرمانهم من أبسط الاحتياجات الإنسانية، وجلب المرتزقة، واستخدام الأسلحة الثقيلة بما في ذلك المقاتلات والمروحيات، والسفن الحربية، والتعذيب والسحل والتمثيل بالجثث. بعد هذا كله، ليس هناك إلا حل واحد فقط، وهو التخلص من نظام الأسد بكل أركانه ورموزه.

ورغم ترحيب تيار التغيير الوطني السوري، بطلب جامعة الدول العربية من المجموعة العربية في الأمم المتحدة، تقديم مشروع قرار للجمعية العامة بشأن سوريا، إلا أنه يرى أن ذلك لن يحقق شيئاً ملموساً على الأرض، وأن الحل الوحيد هو تكثيف الجهود الدولية بكل الوسائل المتاحة، من أجل إنهاء وجود نظام ازدرى الإنسانية، واستهزأ بكل القيم والمعايير الأخلاقية. وأشاد "تيار التغيير"، بإشارة "الجامعة العربية"، إلى أن ما ارتكبه نظام الأسد الإجرامي، يقع تحت طائلة القانون الجنائي الدولي ويستوجب معاقبة مرتكبيه.

13 شباط/فبراير 2012

السبت، 11 فبراير 2012

عقوبات اقتصادية عربية رداً على الفيتو

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"كل طاغية هو عدو للحرية، وغريم للقانون"
ديموستيني رجل دولة إغريقي

 
كتب: محمد كركوتـــــي
 
جُرد مشروع القرار العربي في مجلس الأمن الدولي، الخاص بإيقاف بشار الأسد وأعوانه عن قتل السوريين العزل، من كل أدواته، ورغم ذلك وجدت روسيا ومعها الصين، أن "أسنان" القرار لا تزال حادة على نظام لم يتردد في ارتكاب مجزرة "متميزة" أخرى عشية مناقشة القرار في الأمم المتحدة، فاقت (من حيث الوحشية وعدد الضحايا) كل مجزرة ارتُكبت في كوسوفو والبوسنة والهرسك في تسعينات القرن الماضي، مع فارق محوري. فالمدنيون في البلقان "تمتعوا" بتدخل دولي، أوقف المجازر، بينما يهتف المدنيون العزل في سوريا "ما إلنا غيرك يا الله". لم تكتف روسيا والصين، بإسقاط بنود تنحي الأسد، وحظر تصدير السلاح له، وفرض عقوبات اقتصادية عليه، من مشروع القرار، الذي تحول من مشروع متأخر لا يتساوى مع فداحة الأحداث، إلى آخر بائس مطروح من باب رفع العتب، فقامتا بقصفه "بصاروخي" فيتو، سقطا على الشعب السوري، من جملة الصواريخ النارية المدمرة التي تسقط عليه منذ 11 شهراً. لقد سجل التاريخ أن هذا الشعب يضرب بالأسلحة السياسية والعسكرية في آن معاً.

صحيح أن لبنان بحكومته التابعة لحزب الله التابع بدوره لكل من سوريا وإيران، هو الدولة العربية الوحيدة التي وقفت ضد المشروع العربي حيال سوريا. لكن الصحيح أيضاً، أن العرب لا يستطيعون لوحدهم تنفيذ كل البنود التي أسقطها الروس والصينيون من مشروع القرار. فهم غير قادرين على إجبار بشار الأسد على التنحي، كما أنهم لا ينتجون سلاحاً لكي يصدروه أو يمنعوا تصديره. لكنهم في النهاية يملكون ما لا تستطيع أية دولة أخرى مهما عظمت أن تسلبهم إياه، وهو "سلاح" العقوبات، يضاف إلى ذلك أنهم اتخذوا بالفعل قراراً بهذا الشأن، لكنهم أجلوا تنفيذه إلى حين نضوج الحراك السياسي، وإعطاء الصبغة الدولية لمشروعهم العام. فلا نضج الحراك، ولا دمغت الصبغة شيئاً. وهذا الوقت بالذات هو في الواقع أنسب الأوقات، لتفعيل قرار العقوبات العربية، وإن ترك القرار الحرية لكل دولة في تطبيقه. ولعل من المفيد الإشارة هنا، إلى أن الدول العربية، وضعت بالفعل قبل أكثر من شهرين، خططاً مُحكمة لتطبيق هذه العقوبات، مستفيدة من مثيلاتها الأميركية والأوروبية. فلا يعقل أن يفرض الاتحاد الأوروبي-مثلاً- 11 جولة من العقوبات على الأسد وأعوانه في غضون تسعة أشهر، بينما لم تتقدم دولة عربية واحدة بجولة واحدة!

تستطيع الدول العربية التي أبدت حرصاً واضحاً على الشعب السوري، أن تبدأ بتطبيق عقوباتها على الأسد وأعوانه، دون المساس بالحالة المعيشية للشعب السوري. فتجميد الأرصدة –على سبيل المثال- لن يؤذي هذا النظام اللاشرعي فحسب بل يحمي الأموال التي نُهبت من الشعب السوري نفسه، مع الاعتراف بأن الأسد قام في الأشهر الماضية بسحب ما يستطيع من أموال في بعض الدول العربية، وحولها إلى أين؟ إلى روسيا، وذلك بعد أن ازدادت حدة التهديدات الدولية للحكومة اللبنانية من مغبة تلقي الأموال السورية المنهوبة، والتي وصلت في الأربعة أشهر الأولى من الثورة الشعبية السلمية العارمة في سوريا، إلى ما بين 20 و23 مليار دولار أميركي. ويستطيع العرب الاستعانة بالخبرات الأوربية في هذا المجال، وهي متاحة الآن أكثر من أي وقت مضى، ولاسيما في أعقاب القوانين والإجراءات والمعايير المشددة التي أوجدتها الأزمة الاقتصادية العالمية.

هذه الخطوة، سوف ترفع من حدة الخناق حول رقبة الأسد، خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار أن التمويل المالي الإيراني للأسد، والذي بلغ أكثر من 6 مليارات دولار أميركي في أربعة أشهر فقط، لن يستمر إلى الأبد بسبب المشاكل المتصاعدة التي يواجهها الاقتصاد الإيراني، من جراء العقوبات الدولية، والفوضى الاقتصادية المرتبطة بالفوضى السياسية، كما أن الحكومة العراقية التي فعَلت مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية (بلغت قيمتها 6 مليارات دولار أيضاً) في أعقاب الثورة، لسند الأسد ونظامه (بناء على طلب إيراني)، تعاني هي أيضاً من أزمات كبرى في هذا المجال، الأمر الذي دفعها مؤخراً لفرض قيود على التعامل بالعملات الصعبة.

لا تزال هناك بعض المؤسسات والشركات العربية تعمل في سوريا بمعايير الأسد لا بمعايير الاقتصاد الوطني هناك، وهذا يوفر فرصة في سياق العقوبات، خصوصاً وأن هذه المؤسسات لم تعد تأمن على أموالها في ظل الأوضاع المدمرة في سوريا. يمكن أن تشجع الحكومات العربية هذه المؤسسات للانسحاب النهائي، بل ويمكنها أن تعرض تعويضات لها إذا ما لزم الأمر. وطبعاً هناك أيضاً حظر الطيران المدني، ووقف كل الاتفاقات مع نظام الأسد، ومنع توريد البضائع التي لا تنال من الشعب السوري، ولا سيما تلك التي تمر عبر بعض الدول العربية.

إن هذه العقوبات ستمنح السوريين الذين يتعرضون لأبشع أنواع القتل والتعذيب والاعتقال والتهجير، بعضاً من أمل بنهاية نظام الأسد، الذي وصف العرب في يوم من الأيام بأنهم "أنصاف رجال"، واعتبرهم في خطاب مريع له بأنهم مستعربون.

الليرة السورية والريال الإيراني.. تناغم الخراب

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"هذا ليس إنكاراً، إنني فقط أختار من الحقيقة ما يناسبني"
بيل ووترسون فنان ورسام كاريكاتير أميركي



كتب: محمد كركوتي

حسناً.. ليست الليرة السورية ومعها الريال الإيراني عملة موحدة، وليستا ضمن آلية صرف واحدة، وليستا وليدتان مصرف مركزي واحد، وليستا مرتبطتان باقتصاد مشترك، لكنهما "ملتحفتان" بمصير واحد، فرضته سياسة مشتركة لنظامين، قررا التخاصم الدائم مع المجتمعات المحيطة بهما، وبعدها المجتمع الدولي. كرها التعاون والحوار والحلول الهادئة. والحقيقة أن هذه السياسة ليست سوى سلوكيات مريعة، تستحق بجدارة توصيف "سلوكيات الخراب" نالت من الشعبين السوري والإيراني أولاً وأخيراً. وكما كل الأنظمة التي تختار فقط ما ترغب من الواقع والحقيقة، ولا تتعاطى معهما بكل عناصرهما ونتائجهما ودلالتهما وتبعاتهما ومسراتهما ومصائبهما، كذلك نظامي الأسد ونجاد، اللذان تفرغا للجدل والصراع مع المنطق، ولا بأس من ضربه، سواء سنحت لهما الفرصة أم لم تسنح، بصرف النظر عن النتائج، وهي دائماً، محصلة كارثية عليهما وعلى شعبيهما.

سلوكيات الخراب، أوجدت بصورة طبيعية معها تناغم الخراب، حول كل شيء وأي شيء. ومن الطبيعي أن تكون العملتان السورية والإيرانية في عينه. وإذا كانت العملات–بشكل عام- تشكل رموزاً للهيبة الوطنية، ومن أجل ذلك تسعى الدول بكل ما أوتيت من قوة للحفاظ على مكانتها، فإن الأمر ليس كذلك في حالتي ليرة سورية وريال إيران، فقد أصبحتا رمزاً من رموز الانهيار الاقتصادي، والهموم المعيشية، والمصائب اليومية. أصبحتا جزءاً أصيلاً من آليات التمرد والغضب، التي تقود أوتوماتيكياً إلى عصيان مدني، متعدد الأشكال. ففي شهر واحد فقط خسرت الليرة السورية 20 في المائة من قيمتها، بعد أن خسرت على مدى الأشهر الأربعة التي سبقته قرابة 40 في المائة. وفي الشهر نفسه خسر الريال الإيراني أكثر من 30 في المائة من قيمته. ماذا يعني هذا؟ يعني أن الأسعار ارتفعت بصورة جنونية، وأن المواطن في كلا البلدين، مضطر ليس إلى تقليل حجم مشترياته (بما في ذلك مشترياته من المواد الغذائية الأساسية)، بل إلى التخلي عن عدد منها! ومع كل انخفاض في قيمة العملتين، ترتفع معدلات الغضب لدى الشعبين. وفي الوقت الذي تشهد فيه سورية ثورة شعبية سلمية عارمة، طلباً لحرية اغتصبت فيها على مدى أكثر من أربعة عقود، بدأت بوادر الغضب تظهر في إيران، من خلال صدامات بين أفراد الشرطة ومواطنين في مدينة قم، وتوتر شعبي هنا وآخر هناك، وسط أجواء مشحونة أصلاً من سياسات محلية اقتصادية وغير اقتصادية.

لا شك أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الدول الأوروبية والولايات المتحدة على كل من سورية وإيران، ساهمت بصورة كبيرة في انخفاض قيمة عملتي البلدين، وأن مزيداً منها سيسرع وصولهما إلى الحضيض. لكن هل كانت هذه العقوبات هي السبب الوحيد؟ السبب الأساسي هو السياسات الاقتصادية التي اتبعها النظامين السوري والإيراني على مدى أكثر من ثلاثة عقود، بما في ذلك عمليات السرقة والنهب والفساد. ففي منتصف سبعينات القرن الماضي كان الدولار الأميركي يساوي 2,5 ليرة سورية، وبلغ الآن أكثر من 80 ليرة. وفي الفترة نفسها كانت قيمة الدولار توازي 70 ريالاً إيرانياً، وهي اليوم 18 ألف ريال! المواطنون في كل من سورية وإيران، يقومون منذ أشهر بتخزين المواد الغذائية، ليس خوفاً من فقدانها في السوق، بل تفادياً لارتفاع أسعارها. فما تشتريه الليرة والريال اليوم، لن يشترياه غداً. وغداً يعني بالفعل بعد 24 ساعة، وليس توصيفاً مجازياً. ولأن الخراب الاقتصادي في كلا البلدين بات جزءاً من الأداء العام، فلم ينفع في سورية قرار تعويم العملة، بل جاءت نتائجه عكسية، وفشلت كل المحاولات الإيرانية الرامية لرفع قيمة الريال أو إيقاف تدهوره، بما في ذلك رفع نسبة الفائدة عليه. الذي يحدث، أن السوريين يتخلصون بأسرع وقت ممكن وبأي ثمن كان من عملة بلادهم التي يملكونها، والأمر كذلك مع الإيرانيين.

نعم لقد نجحت العقوبات الغربية المفروضة على نظامي بشار الأسد المتهاوي من جراء قتله لشعبه، وأحمدي نجاد المرتعد خوفاً من تبعات شر أعماله، في رفع وتيرة الغضب الشعبي، لكن التي سبقها في "النجاح"، سياسات اقتصادية لا دخل للغرب ولا غيرهم بها. سياسات وضعت مصالح الشعبين في زيل القائمة، هذا إن دخلت أصلاً إلى القائمة. سياسات لم يكن نظامي الأسد الأب والابن، ومعه نظام الملالي بحاجة إلى إخضاعها للتجربة أكثر من ثلاثة عقود، لمعرفة نتائجها. هذه السياسات أسست لواحد من أسوأ التحالفات في المنطقة، بين نظام سوري غير شرعي، ونظام إيراني يرى الواقع وهماً، ويرى الوهم واقعاً. وها هو الأسد الابن ومعه نظام خامنئي، يقطفان ثمرات هذا التحالف، الذي أوجد –من ضمن ما أوجد- اقتصاداً فريداً من نوعه، مبني على اقتصادين منفصلين لا يشبهان بعضهما البعض، ولا يرتبطان بالحد الأدنى من الروابط المشتركة. فلا غرابة إذن أن تكون النتيجة اقتصاد خراب، نال من شعبي البلدين، وينال الآن من نظاميهما.

بيان تيار التغيير الوطني حول كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بشأن سوريا

اسطنبول...

أيد تيار التغيير الوطني السوري، موقف خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز عاهل المملكة العربية السعودية الشقيقة، الخاص بحالة الأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها، بشأن سوريا. واعتبر "تيار التغيير"، أن الملك عبد الله قدم توصيفاً دقيقاً للحالة البائسة التي يعيشها مجلس الأمن الدولي، فيما يرتبط بسوريا والمجازر التي يرتكبها نظام بشار الأسد اللاشرعي بحق المدنيين العزل، واتخاذ كل من روسيا والصين هذا المجلس رهينة سياسية، في كارثة يومية يعيشها الشعب السوري الأعزل، فرضت على العالم واجباً أخلاقياً، لا سياسياً.

وأكد تيار التغيير الوطني السوري، على أن الكارثة تكمن فعلاً في تحكم عدة دول في قرار عالمي محق، لا يهدف إلا إلى إنقاذ الشعب السوري الأبي من حرب الإبادة التي يشنها عليه سفاح سوريا وأعوانه. معتبراً، أن الواجب الإنساني والأخلاقي، ينبغي أن يتجاوز الاعتبارات السياسية، لأن الفظاعات التي يتعرض لها السوريون العزل بكل شرائحهم وفئاتهم، بما في ذلك القتل والاعتقال والتعذيب والتهجير والتدمير، باتت مسؤولية إنسانية وليست سياسية بأي حال من الأحوال. وأشار "تيار التغيير"، إلى خادم الحرمين الشريفين كان على حق عندما اعتبر أن "ثقة العالم بالأمم المتحدة اهتزت، وأنه لا يمكن أن تحكم العالم عدة دول".

وحيا تيار التغيير الوطني السوري، تمسك الملك عبد الله بن عبد العزيز، بالعقل والأخلاق والإنصاف من المعتدي، كقيم أصيلة ينبغي أن يُحكم بها العالم. لا أن يَحكم هذا العالم من يزدرون هذه القيم والمبادئ. وأشار "تيار التغيير"، إلى أن نظام سفاح سوريا بشار الأسد اللاشرعي، لم يمتلك في يوم من الأيام، الحد الأدنى من الأخلاق لأنه يفتقدها أصلاً وبحكم التكوين، وهو لم يضع مصيره مقابل مصير أمة بأكملها فحسب، بل اعتدى على الإنسانية، بعد أن ازدراها بكل الوسائل الوحشية التي يملكها.

إن الشعب السوري الأبي الأعزل، يدافع اليوم عن الإنسانية وقيمها جمعاء.

10 شباط/فبراير 2012

بيان تيار التغيير الوطني السوري حول قرار الدول الخليجية الشقيقة

أسطنبول....

حيا تيار التغيير الوطني السوري، الدول الخليجية العربية الشقيقة، على قرارها طرد سفراء سوريا من أرضيها، واستدعاء سفرائها في دمشق. مؤكداً أنها تطرد في الواقع سفراء لنظام لا شرعي وحشي، وضع نفسه مقابل أمة بأكملها، بارتكابه فظائع ضد الشعب السوري الأعزل، الذي يقف في وجه آلة القتل لاستعادة حرية سلبت منه منذ أكثر من أربعة عقود. وأشار "تيار التغيير"، إلى دقة توصيف الأشقاء الخليجيين لنظام سفاح سوريا بشار الأسد "بأنه يقوم بأعمال قتل وعنف، لم ترحم طفلاً أو شيخاً أو امرأة، من خلال جرائم شنيعة أقل ما يمكن وصفها بأنها مجزرة جماعية، ضد الشعب السوري الأعزل، دون رحمة أو شفقة أو حتى مراعاة لأية حقوق أو مشاعر إنسانية وأخلاقية". وهذه في الواقع ليست سوى حرب إبادة ضد شعب أعزل إلا من كرامته وعزته.

ودعا تيار التغيير الوطني السوري، الدول العربية الشقيقة الأخرى، إلى اتخاذ خطوات مماثلة بأسرع وقت ممكن، من أجل استكمال عزل هذا النظام الخارج عن كل الشرائع الإنسانية. وطالب الدول التي لا تزال تتعاطى مع هذا النظام كنظام شرعي، أن تعي بأن الرابح الوحيد من هذه الكارثة، رغم كل ويلاتها على الشعب السوري، هو الشعب الأبي نفسه، وأن استمرار نظام كهذا يوماً آخر في سلطة لا يملكها، هو بمثابة عدوان مستمر على المعايير الإنسانية والأخلاقية، لاسيما بعد أن حظي بفرص ومهل ونصائح من كل الجهات العربية والدولية (منذ انطلاق الثورة الشعبية السلمية العارمة)، ضرب بها عرض الحائط.

وطالب تيار التغيير الوطني السوري، جميع الدول العربية الشقيقة إلى تفعيل العقوبات الاقتصادية التي أقرتها جامعة الدول العربية مؤخراً ضد سفاح سوريا وأعوانه، لتجفيف الموارد المالية التي يرصدها لشراء الأسلحة والمرتزقة. مؤكداً على أنه بات من الضروري سحب الاعتراف العربي الرسمي بشرعيته، من خلال تجميد كامل لعضوية سوريا في الجامعة العربية، لا الاكتفاء فقط بتجميد مشاركة وفودها في اجتماعات الجامعة. وفي هذا السياق، رحب "تيار التغيير" بدعوة مجلس التعاون الخليجي الدول العربية في اجتماع مجلس الجامعة العربية المقبل، لاتخاذ كافة الإجراءات الحاسمة ضد نظام الأسد، خصوصاً بعد أن تأكد العرب والعالم (وإن في وقت متأخر)، بأنه لا بارقة أمل في حل سياسي للكارثة السورية.

وثمن تيار التغيير الوطني السوري، ما جاء في بيان مجلس التعاون الخليجي من "شعور بالأسى البالغ والحزن الشديد على هدر الأرواح البريئة، وتكبد التضحيات الجسيمة، لا لشرف الدفاع عن الوطن ضد معتد أجنبي، ولكن لتحقيق مآرب شخصية تهدف إلى الصراع على السلطة دونما أي اعتبار لكرامة المواطن السوري وحريته". وأشار "تيار التغيير"، إلى أن المآرب الشخصية لهذا النظام الوحشي، لم تظهر من جراء الثورة الشعبية السلمية العارمة التي تجتاح سوريا، بل صبغت البلاد من أكثر من أربعة عقود.

7 شباط/فبراير 2012

الاثنين، 6 فبراير 2012

بيان تيار التغيير الوطني السوري حول إخفاق مشروع القرار العربي-الأوروبي في مجلس الأمن

اسطنبول...

دان تيار التغيير الوطني السوري بشدة، استخدام كل من روسيا والصين النقض (الفيتو)، ضد مشروع قرار عربي أوروبي، يهدف إلى وقف حرب الإبادة التي يشنها نظام بشار الأسد اللاشرعي، ضد الشعب السوري الأعزل، بعد 11 شهراً من مبادرات سياسية عربية ودولية لم تتوقف من أجل حقن دماء المدنيين في كل أنحاء سوريا. وأعرب "تيار التغيير"، عن صدمته من تصميم كل من موسكو وبكين، على الوقوف إلى جانب نظام، ضرب عرض الحائط كل المحاولات الرامية إلى حل يضع حداً لحمام الدم، مؤكداً على أن الحق هو دائماً إلى جانب الشعوب، لاسيما الشعب السوري الذي يقدم كل التضحيات لاستعادة حرية سُلبت منه منذ أكثر من أربعة عقود، ولا يملك إلا كرامته وعزته.

وعبر تيار التغيير الوطني، عن امتعاضه من موقف هاتين الدولتين الكبريين، من مشروع القرار الدولي، حتى بعد أن أفرغتاه من محتواه في مشاورات بائسة، على الرغم من أنه بصيغتيه الأولى والمعدلة، جاء متأخراً كثيراً عن التطورات المريعة التي يشهدها التراب السوري، بما في ذلك المجزرة الوحشية التي ارتكبها نظام الأسد في حمص عشية التصويت على القرار المذكور، والتي راح ضحيتها أكثر من 320 من المواطنين العزل. وأشار "تيار التغيير"، إلى أنه ما بين الفيتو الروسي-الصيني الأول والثاني، سقط أكثر من 3000 شهيداً في مختلف المناطق السورية، على أيدي نظام استخدم كل أنواع الأسلحة بما في ذلك الطائرات والسفن الحربية والمدرعات والدبابات. وتساءل، كم من الشهداء ينبغي أن يسقطوا على أرض سوريا، لتجنب فيتو آخر؟

ووجه تيار التغيير الوطني، الشكر إلى الدول العربية والأجنبية التي وقفت سياسياً إلى جانب الشعب السوري، لأنها عرفت أن الشعوب هي التي تبقى في النهاية، مهما بلغت التضحيات والآلام والمآسي. وناشد "تيار التغيير"، الدول العربية الشقيقة، على المضي قدماً بفرض حصار عربي سياسي واقتصادي محكم على الأسد وأعوانه، بما في ذلك تفعيل قرار العقوبات على هذا النظام، الذي اتخذه سابقاً المجلس الوزاري في جامعة الدول العربية. كما ناشد أيضاً الدول الصديقة، بتكثيف الجهود ليس فقط من أجل إنقاذ الشعب السوري من حرب الإبادة، ولكن من أجل حماية القيم الإنسانية أيضاً. فقد أثبت هذا النظام أنه عدو للإنسانية ومعاييرها وأخلاقياتها.
إن استمرار نظام الأسد اللاشرعي، بات يشكل وصمة عار على كل من يحاول أن يمنح هذا النظام فرصة أخرى للنجاة. فالقضية برمتها لم تعد سياسية، بل أصبحت منذ بداية الثورة الشعبية السلمية العارمة في سوريا، قضية أخلاقية.
5 شباط/فبراير 2012

البيان الختامي لتأسيس "تيار التغيير الوطني" في سوريا


الأحد، 29 يناير 2012

من يشتري النفط الإيراني؟

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





"ليس بالضرورة أن يكون الشيء حقيقة، إذا مات أحد ما من أجله"
أوسكار وايلد أديب وشاعر ايرلندي

 
 
كتب: محمد كركوتــــي
 
كما فشل نظامي الأسد في سورية وأحمدي نجاد في إيران، في استجلاب التعاطف الإقليمي والدولي معها، وهما يتعرضان للعقوبات تلو الأخرى، والضغوط المتواصلة، كذلك يفشل هذان النظامان في إيجاد مشترين لنفطهما، حتى في ظل لجوئهما إلى سماسرة دوليين يستطيعون بيع حتى الوهم، و"يعملون البحر طحينة". وبعيداً عن نظام الأسد المتهاوي نفطياً واقتصادياً وسياسياً.. وبالطبع أخلاقياً، أتناول هنا إيران في ظل العقوبات وما بعدها، ولا سيما بعد أن دخل المسؤولون الإيرانيون في مرحلة تهديد الأعداء عن طريق طرف ثالث، لا دخل له بين طهران وهؤلاء الأعداء، وفي ظل تضارب في مواقف المسؤولين، بين مهدد مرة، ومستعطف مرة أخرى، وبين مستكبر حيناً ومستضعف حيناً آخر. والحقيقة، أن هذا التضارب لا يدل إلا على خوف لا حدود له يعيشه المسؤولون الإيرانيون، من سلسلة لن تنتهي من العقوبات حتى يعود هؤلاء إلى رشدهم، وإلى واقعهم.. وإلى حكمة ناطحها نظام الملالي على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، واستطاع القضاء عليها.

فرض حظر على النفط الإيراني، يعني ببساطة أن إيران ستخسر ما لا يقل عن 50 في المائة من دخلها القومي، وهي نسبة لا يتحملها أي اقتصاد في العالم، ويعني أيضاً - سواء قبِل خامنئي ومعه نجاد أم لم يقبلا- أن بلادهما مرشحة لاضطرابات شعبية كبيرة، قد تكون الاضطرابات السابقة مجرد زوابع في فناجين، ويعني المزيد من تدهور قيمة العملة الإيرانية، ويعني وقف تام للاستثمارات المحلية، ويعني استحالة حتى مجرد التفكير في استثمارات ضمن القطاع النفطي، ويعني مزيداً من البطالة، ويعني ضرب التمويل الإيراني لكل من نظام الأسد وحزب الله الطائفي في لبنان، ويعني فقدان السيطرة ليس على النمو، بل على الانهيار الاقتصادي. وبدلاً من أن يقوم المسؤولون الإيرانيون بالحيلولة دون ذلك، والدخول في طريق التعاون والتفاهم الذي وفرته الدول الكبرى، بما في ذلك إمكانية حصول إيران على قوة نووية سلمية خاضعة للرقابة الدولية، يقوم هؤلاء بإطلاق التهديدات، وبتقديم قراءات وهمية (بل وتضليلية) لحقائق مجردة وحاسمة على الأرض.

إنهم يروجون أن سعر برميل النفط سيصل في أعقاب تنفيذ حظر شامل على النفط الإيراني، إلى 200 دولار أميركي، وأن الأسواق ستدفع ثمناً باهظاً نتيجة لذلك. والأمر لا يتطلب خبيراً اقتصادياً لضرب حملاتهم "الترويجية" هذه، لأن ما ستخسره السوق النفطية من نفط إيران، قابل للتعويض بسهولة شديدة، ولأن الاقتصاد العالمي ليس نشيطاً بما يكفي لرفع الاستهلاك النفطي، بل أن تقريراً للبنك الدولي، أشار إلى أن هذا الاقتصاد سيشهد ثباتاً في العام الجاري، خصوصاً وأن التقرير نفسه، أورد بأن الناتج المحلي العالمي، سينخفض في العام الحالي إلى 2,5 في المائة من 2,7 في المائة سجلها في العام 2011. ولعل المفيد الإشارة، إلى أن الاتحاد الأوروبي يستورد 450 ألف برميل يومياً من النفط الإيراني (أو 18 في المائة من مجموع صادرات إيران)، موزعة على كل من إسبانيا واليونان وإيطاليا، وهي دول لا أحد يتوقع حراكاً اقتصادياً متصاعداً لها في السنوات القليلة المقبلة، نتيجة لكارثة الديون الغارقة فيها، يضاف إلى ذلك العبء الاقتصادي الكبير الذي ترزح الدول الأوروبية الكبرى تحته، من جراء محاولات إنقاذ اقتصادات هذه الدول، وغيرها في هذه القارة.

لن يصل سعر البرميل إلى 200 دولار أميركي. ففي زمن ما بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، لم تعد الاحتياطات الهائلة من النفط التي تتمتع بها إيران، تشكل فارقاً على الساحة الاقتصادية، ولا في ميادين الأسواق النفطية، حتى لو امتلكت إيران 9,3 في المائة من الاحتياطي العالمي، و12 في المائة من احتياطيات دول منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبيك). وبدلاً من أن تنشر إيران الخوف الوهمي بهذا الخصوص، عليها أن تجد مشترين لنفطها بأسرع وقت ممكن. فحتى الصين التي تستورد ما يزيد عن 11 في المائة من احتياجاتها النفطية من إيران، بدأت بعقد صفقات بعيدة عن هذا البلد. فثاني دولة في العالم في استهلاك النفط، لا تستطيع أن تربط مصير جزء من احتياجاتها النفطية بدولة متخاصمة دائماً مع المجتمع الدولي، ومشجعة دائمة على عدم الاستقرار الإقليمي، ومحرضة مستمرة على الاضطرابات الخارجية. ولهذا السبب، وفي إشارة خطيرة بالنسبة لخامنئي ونجاد، لجأت الصين مؤخراً إلى استيراد كميات من النفط من فيتنام لأول مرة منذ أكثر من عام، ورفعت من حجم وارداتها النفطية من روسيا، وتحاول بشتى الوسائل أن تكون بعيدة عن آثار الحظر الدولي المفروض على النفط الإيراني. ليس مهماً اعتراض الصين على الولايات المتحدة الأميركية، لفرض الأخيرة عقوبات على شركة صينية تبيع النفط الإيراني. فمثل هذه الاعتراضات لا تلبس أن تتحول إلى اعتراضات صوتية، خصوصاً عندما "يجد الجد".

تطالب إيران دول الخليج العربية باتباع سياسات حكيمة بهذا الصدد، بينما لا دخل لهذه الدول بالبرنامج النووي الإيراني المشبوه، ولا بالعقوبات الغربية. في حين أن المسؤولين الإيرانيين لا يتذكرون آلاف المطالبات الخليجية العربية التي وجهت لهم على مدى ثلاثة عقود، لكي يعتمدوا الحكمة في سياساتهم وسلوكياتهم ونواياهم.

السبت، 21 يناير 2012

بين الأمن الغذائي وأمن الأسد

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"لا أحد يستطيع الكذب، لا أحد يمكنه إخفاء أي شيء، عندما ينظر مباشرة إلى عينيك"
باولو كويلهو أديب ومؤلف برازيلي



كتب: محمد كركوتـــي
 
يطيب لبشار الأسد وأعوانه الحديث عن قدرة سورية في مجال الأمن الغذائي، واستعذب هؤلاء تكثيف حديثهم هذا، في ظل العقوبات التي تفرضها الدول الغربية، وبعض الدول الأخرى على الأسد، بسبب حرب الإبادة التي يشنها ضد السوريين العزل، علماً بأن العقوبات العربية التي أُعلنت، لم تدخل حيز التنفيذ بعد، وذلك لاستكمال "ما تبقى لدى العرب" من مهل وفرص، كانت كافية لإنقاذ أي طاغية على مر التاريخ، رغم العدوان اللفظي تلو الآخر الذي يشنه الأسد على العرب، بما في ذلك التشكيك بعروبتهم، واتهامهم بأنهم ينفذون "مؤامرات بأجندات خارجية"! والمشكلة هنا، أن أحداً لا يعرف الحجم المتبقي من تلك المهل والفرص.

وبعيداً عن هذه الإشكالية التي باتت تحرج العرب يومياً طبقاً لما يجري حقيقة في سورية، فإن الإنكار اليومي للسلطة هناك بأن الأمن الغذائي في البلاد بخير، وأن سورية تفخر بكونها من الدول التي تتمتع بمثل هذا الأمن، لن يغطي على الواقع الخطير للأوضاع الغذائية، وهو يواجه التهديد حقاً، تماماً كما الأمن العام في البلاد، الذي اختصره الأسد بعملياته العسكرية ضد الشعب الأعزل، بأمنه الشخصي وأمن نظامه فقط. فليس مهماً أن تتحول حمص وإدلب ودير الزور وعشرات المناطق الأخرى في سورية إلى محافظات ومدن منكوبة، المهم أن يبقى النظام بكل التكاليف، والمهم أيضاً ألا تتوقف "غزارة" المهل والفرص العربية، التي بات ينظر إليها السوريون الأحرار، على أنها "هدايا بلا مناسبات".

في كل مرة تتعرض فيها السلطة لعقوبات ما، يؤكد الأسد وأعوانه، بأن سورية "محسودة" على وضعها المالي والغذائي خاصة، والاقتصادي عموماً. وكالعادة، فالحقيقة هي عكس ذلك تماماً. والغريب أن نكران الواقع لا يتطلب عناء لدحضه من جانب الشعب السوري أولاً، ومن جهة المتابعين لسير الأوضاع في هذا البلد. فماذا يعني الأمن الغذائي؟ يعني أن تكون البلاد مكتفية من المواد الأساسية أولاً، وأنها قادرة على الحفاظ على مستوى إنتاجها من الغذاء في كل الظروف والأوضاع التي تمر بها، سواء تعرضت للحصار أو الضغوط، أو أنها استُهدفت –كغيرها- من أزمة اقتصادية إقليمية أو عالمية. ولكن ما هو الوضع حقيقة على الأرض؟ سأستعين بأرقام حكومية سورية، لا بأرقام تطلقها "جهات مندسة". تحتاج سورية سنوياً لاستيراد أكثر من مليوني طن من الذرة، و300 ألف طن من الأرز، و800 ألف طن من الشعير، وآلاف الأطنان من السكر، واستوردت البلاد أكثر من 4،6 ملايين من الحبوب مثل القمح والشعير في العام الماضي، وطبقاً لأرقام حكومية أيضاً، فإنها سترفع نسبة استيرادها من هذه المواد الأساسية 700 ألف طن أخرى في العام الجاري. يضاف إلى ذلك، أنها تستورد كميات كبيرة جداً من بذور الحبوب، أي أنها ليست مكتفية ذاتية في هذا المجال. وعلينا أن نتخيل الصورة كاملة، عندما نأخذ في الاعتبار القرارات الاقتصادية الرعناء بوقف التعامل بالدولار الأميركي واليورو واللجوء إلى ماذا؟ إلى الروبل الروسي. فعمليات الاستيراد هذه (وغيرها)، لا تتم إلا بعملات لها قيمتها ووزنها وحصانتها، وبالتأكيد الروبل لا يتمتع بأي منها، وهذا يعني خسائر فادحة إضافية يتكبدها الشعب السوري. ومن جانب آخر، فقد أعلنت منظمة الأغذية والزراعة التابعة (الفاو) للأمم المتحدة، قبل عام ونيف (أي قبل الثورة الشعبية السلمية العارمة في سورية)، أن أسعار المواد الغذائية في سورية، ارتفعت في العام 2010 أكثر من 16 في المائة، وأن أسعار الخضار ارتفعت بنسبة خرافية بلغت 80 في المائة! ومن المتوقع أن تواصل الأسعار ارتفاعها (بما في ذلك أسعار الخبز) في الأسابيع الأولى من العام الجاري.

ينطبق ما قاله الكاتب الأميركي إيرك هوفر قبل أربعين سنة، على حال الأسد وأعوانه. ماذا قال؟ "نحن نكذب بصوت عال جداً، عندما نكذب على أنفسنا". فرئيس السلطة في سورية يعرف الحقيقة كاملة، إلا إذا اعتبرنا أنه مجرد سائق سيارة مقودها في المقعد الخلفي، وهو ليس كذلك على الإطلاق. ويعرف ومعه أعوانه، أن سورية تعاني أزمة في الغذاء، ترتفع حدتها مع سياق عمليات السرقة والنهب والفساد في البلاد، وأن العقوبات الغربية المفروضة عليه، لا تمس بأي حال من الأحوال الجانب الغذائي والخدمات الضرورية للمواطن السوري. وفي الواقع، تأخرت هذه العقوبات كثيراً، لأن فارضيها قضوا أشهراً يبحثون عن أنجع الطرق، لكي تنال من السلطة لا من الشعب، الذي يعاني أصلاً من مآس معيشية يومية.

ليس هناك بلداً يستورد الحبوب يمكن أن يتبجح مسؤوليه بوجود أمن غذائي، ولا توجد دولة ترتفع فيها أسعار المواد الغذائية بصورة جنونية، يمكن أن تتحدث عن مثل هذا الأمن. والاقتصاد السوري ليس محسوداً كما يروج الأسد وأعوانه، في محاولات بائسة لإزالة الشكوك حول مصيره المحتوم. وإذا كان هناك محسود في سورية، فهو في الواقع الأسد نفسه، الذي ما زال يتمتع بفرص ومهل عربية، وتردد غربي في حسم الوضع المأساوي في سورية، دون أن يعرف أن كذبة واحدة تدمر كل النزاهة.

"فيلق الإنكار" بين نجاد وبشار

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"تعلمت الإنكار من أمي. لا أستطيع أن أواجه الحقائق، وإذا فعل أحد ذلك، فإنه يجرني إلى الجنون"
تاب هانتر ممثل ومغن أميركي



كتب: محمد كركوتــــي
 
لم يشهد التاريخ الحديث علاقة "تلاحمية" بين نظامين حاكِمَين، كتلك التي تربط النظامين السوري والإيراني، إلا إذا استثنينا تلك العلاقة التي جمعت نظامي النازي الألماني أدولف هتلر والفاشي الإيطالي بينيتو موسوليني. وإذا كانت الأولى تحمل معها الخراب، فإن الثانية أتت بالدمار. وللتذكير فقط، فإن رصاصة واحدة أنهت النازي وحُرقت جثته، بينما سُحِل الفاشي في شوارع روما، وعُقلِت جثته على أسلاك الكهرباء.

استكملت العلاقة بين بشار الأسد ونظام خامنئي عناصرها التلاحمية في أعقاب الثورة الشعبية السورية السلمية العارمة. ليس فقط من ناحية تزويد إيران الأسد بالآليات المخصصة لقتل المدنيين العزل، ولا بالمرتزقة الإيرانيين ومعهم قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني، ولا بالتنسيق مع حزب الله الإيراني في لبنان لهذا الغرض، ولا بالأموال التي بلغت 6 مليارات دولار أميركي لسند الأسد مالياً، ولا بإجبار طهران حكومة بغداد لعقد اتفاقيات "اقتصادية" سريعة مع سلطة الأسد توفر الإمدادات المالية له.. أقول، استكملت العلاقة عناصرها ليس بكل هذا فحسب، بل أيضاً بسياسة الإنكار التي باتت تشكل جزءاً أصيلاً من سلوكيات النظامين السوري والإيراني، خصوصاً فيما يرتبط بالعقوبات الاقتصادية الدولية المختلفة التي فرضت عليهما. فكلما تنوعت هذه العقوبات وتوسع نطاقها وازدادت حدتها، كلما تأصل الإنكار لآثارها على الساحتين المستهدفتين. ولأن العقوبات لن تنتهي بسرعة، بل مرشحة للمزيد من التنوع، فأنا أقترح على كل من الأسد وزميله أحمدي نجاد، تشكيل فيلق جديد، يضاف إلى الفيالق التي تربطهما، وليطلقا عليه اسم "فيلق الإنكار". وسأتفهم كثيراً جداً، أن يظهر أحد ليطلق عليه "فيلق مسيلمة".

وللإنصاف، لا يزال الأسد (وأعوانه) يتقدم خطوة واحدة فقط على نجاد (وأصحابه)، في إنكار المصائب الاقتصادية الناجمة عن العقوبات الدولية. فالأول مُصر على أن سورية محسودة على قدرتها المالية، وخصوصاً "قوة" الليرة، بينما لم يتجرأ الثاني على قول مماثل يخص اقتصاد بلاده، إذا ما استثنينا طبعاً، إصرار نجاد على انتظار المهدي "المنتظر" لحل مشاكل الكون كله، بما في ذلك الكارثة الاقتصادية الإيرانية. في كل مرة تفرض فيه عقوبات على الأسد ونجاد، يخرج أعوانهما للتأكيد بأنها لن تؤثر على أداء اقتصاديهما. وسواء قبلا أم رفضا، أو أنكرا أم اعترفا، فليس هناك أداء واقعي لهذين الاقتصاديين. إنهما اقتصادان يسيران بقوة نحو الهاوية السحيقة، لن تنفع معها (في مرحلة لاحقة) إصلاحات أو "ترقيعات"، كما أنهما لن يتمكنا من صد النيران الاقتصادية المصوبة عليهما. وفي ظل هذه الحقيقة البائسة، تحول الأسد ومعه نجاد، إلى "حلول وجدانية" فريدة! فالأول يقول: "إن الشعب السوري قادر على مواجهة الحرب الاقتصادية التي تشن ضده"! والثاني يعلن: "أن كل الفاعلين الاقتصاديين هم جنود في مواجهة الأعداء الذين لن يتمكنوا من تقييد شعبنا، فيحاولون تقييد اقتصادنا"!

والمشكلة التي يواجهها كل من الأسد ونجاد، أن الشعبين السوري والإيراني يعرفان الحقيقة، ليس من مصادر غربية معادية، ولا من جهات متآمرة، ولا من أطراف مغرضة، بل من واقع يعايشانه، جعل من تداول الليل والنهار مصيبة يومية عليهما. ولأن النظامين الحاكمين في كل من سورية وإيران، لا يريدان التعاطي مع الحقائق، بما في ذلك بعض الحقائق التي يمكن انتقائها، فإن "فيلق الإنكار" باتت ضرورة حتمية لهما. عليهما أن يضعا معايير متطورة في استراتيجية الإنكار، من أجل الحد الأدنى من الواقعية. والحقيقة أنني لا أملك ما يمكنني من تقديم النصائح بهذا الصدد، خصوصاً عندما تكون الحالة المستهدفة للإنكار واقعية لا نظرية، وحقيقية لا وهمية، وحتمية لا متوقعة. ويبدو واضحاً أن هذين النظامين بلغا مرحلة، لا يمكنهما معها تغيير مسارهما، لأنهما استنفذا كل الفرص ومعها الوقت، واستهلكا كل الأكاذيب، بما في ذلك تلك التي كانت تستعذبها شرائح شعبية بسيطة، حركتها مشاعر "وطنية" رُبطت بنظامين لا بأمتين. وعلى عكس النظرية الشهيرة لجوزيف غوبلز وزير دعاية هتلر: "اكذب.. اكذب، سيصدقونك الناس في النهاية"، فالذي صدق الأكاذيب في كل من سورية وإيران، هم الذين أطلقوها فقط، وباتوا أسرى لها.

لا أعرف كيف سيكون أداء "فيلق الإنكار"، إذا ما أسسه الأسد ونجاد معاً، ووضعا له منهجية واستراتيجية مشتركة، كتلك التي ينفذانها في سورية اليوم ضد شعب أعزل أراد حرية فقط. لكن الذي أعرفه حقاً، أن أحداً لن يصدقهما حتى لو "خاطرا" بقول الحقيقة وعرضاها مجردة بمرارتها أما شعبيهما، وحتى لو اعترفا بما هو موجود على الأرض فعلاً، وحتى لو أرادا التعاون مع محيطهما الإقليمي والدولي، وحتى لو سامح الشعب السوري بشار الأسد على جرائمه (وهذا أمر مستحيل)، وحتى لو استحضر أحمدي نجاد "المهدي المنتظر"، لإقناع الإيرانيين بأنه أصبح صادقاً فيما يقوله، واعترف بأنه نجح في الانتخابات بالتزوير.

على كل حال، إن الإنكار في النهاية، هو بمنزلة إطار للوحة تغص بالأكاذيب.

لماذا لا يكون اقتصاد سِلم؟

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"الحكماء يتحدثون لأن لديهم شيئاً يقولونه. الحمقى يتحدثون لأن عليهم أن يقولوا شيئاً"
أفلاطون فيلسوف إغريقي

 
كتب: محمد كركوتـــــي
 
مهما استسهلت إيران خطتها "المؤجلة" لإغلاق مضيق هرمز، حتى لو اعتبرتها مجرد "شربة ماء"، ومهما كان التزامها بنشر توتر دائم في المنطقة، ومهما استحسنت عدم الاستقرار الإقليمي، ومهما تصلب رفضها للحوار ولعلاقات طبيعية إقليمياً ودولياً. فإنها بلا شك تعيش أزمة اقتصادية عميقة، مهما حاولت تجاهلها، ومهما بلغ مستوى نكرانها لوجودها، ومهما سعت لتكميم أفواه الإيرانيين الذين يعرضون الحقائق الموجودة على الأرض، لا الأوهام ولا التمنيات. وكما الأنظمة السياسية المتخاصمة مع نفسها أولاً، ومع واقعها وبيئتها ثانياً، ومع التحولات المحلية والإقليمية والدولية ثالثاً، ومع متغيرات الفكر السياسي العالمي رابعاً، كذلك النظام في طهران، يحمل الآخرين مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية، دون مراجعة واقعية لدوره في ذلك، ويلتزم خطاباً محلياً عقيماً يجهد نفسه بصورة بائسة لتعميمه عالمياً. ولا أدري إذا ما كان النظام الإيراني، يعرف بأن الإيرانيين أنفسهم، اكتشفوا هذا العقم منذ زمن؟ والحقيقة إنهم يعيشون تداعياته وأثاره وهمومه. يدفعون تكاليف "منتجات ومُستهلكات سياسية"، لم "يشترونها"، وأوهام إقليمية، تأكدوا منذ سنوات أنها عصية عن التحول إلى حقائق.

عودتنا إيران منذ ثورتها في العام 1979، أنها تصيغ سلوكياتها (ولا أقول سياستها)، من مادة خام واحدة، وهي المصاعب الداخلية التي تواجهها، دون أن يحمل النظام الحاكم فيها نفسه (ولو مرة واحدة) مسؤولية هذه المصاعب. وعندما يهدد نظام خامنئي باستحداث توتر في المنطقة، رداً على تصعيد العقوبات الاقتصادية الغربية عليه، يتجاهل أن الأزمة الاقتصادية الداخلية في بلاده، اندلعت في الواقع قبل هذه العقوبات. صحيح أنها تعمقت بعدها (وهذا طبيعي)، لكنها كانت موجودة، تضرب المجتمع الإيراني في كل القطاعات.. البطالة، تراجع قيمة العملة الوطنية، تردي الاستثمارات، ارتفاع كلفة الواردات، تقليص موارد البلاد من العملات الصعبة، توقف حتى الاستثمارات في القطاع النفطي.. منها. ولمن نسي، كانت هذه المشاكل والأزمات حاضرة على الساحة الإيرانية، قبل 18 شهراً، هي في الواقع عمر العقوبات الغربية المفروضة على إيران، بسبب برنامج نووي، يصر خامنئي وأعوانه على المضي قدماً فيه، رغم كل العروض التي قدمت له، بما في ذلك إمكانية أن تمتلك البلاد قوة نووية سلمية خاضعة للرقابة الدولية. لقد عززت طهران من خلال رفضها التعاون في هذا المجال، الشكوك التي تحوم حول نيتها من امتلاك قوة نووية، ستكون خاضعة لحلم "الثورة"، (بل أحلامها)، ليست المحلية فقط بل الخارجية أيضاً. ولا أشعر بالتردد في وضع عدة خطوط حمراء تحت هذه الأخيرة، لا لفت الانتباه إليها، بل للتأكيد على حقيقتها.

ماذا كانت نتيجة السلوكيات الإيرانية الحالمة منها والوهمية؟ كانت مطالبة المسؤولين الإيرانيين الذين قرروا أن يكونوا واقعيين، بضرورة أن تتبع البلاد "اقتصاد الحرب"! وهم بذلك استبعدوا علانية، أي احتمال لاتباع "اقتصاد السلم"، على الرغم من أن تكاليف الثاني لا تقارن بأي حال من الأحوال، بتكاليف الأول، هذا إذا كانت هناك تكاليف حقيقية أصلاً لـ "اقتصاد السلم". ورغم واقعية هؤلاء المسؤولين، لم يجرؤا على القول، إن "اقتصاد الحرب"، سيؤدي إلى ارتفاع خطير لمعدلات البطالة، وتعاظم هائل لنسبة التضخم، وإن الشرائح التي تعيش تحت خط الفقر ستتوسع، وإن إيرادات الخزانة العامة ستتقلص، وإن ارتفاع الدين العام سيتواصل، وإن القدرة الشرائية للتومان ستزداد ضعفاً. وبالتأكيد لم يجرأ هؤلاء على طرح ضرورة اتباع "اقتصاد السلم"، لأن ذلك يتطلب شيئاً واحداً، لا يبدو أن النظام الإيراني الحالي يمكن أن يوفره، أو (على الأقل) يفسح المجال أمامه، وهو التخلص من سلوكيات سياسية "ثورية"، تحولت إلى عملة لا قيمة لها، مرفوضة إقليمياً، وغير مقبولة دولياً. سلوكيات تحاصر أصحابها لا المستهدفين منها. سلوكيات لا يستعذبها سوى نظام واحد في المنطقة العربية، هو نظام بشار الأسد في سوريا، الذي من المفترض أن إيران تعرف أنه آيل إلى السقوط، ومعه توابعه الإيرانية أيضاً. سلوكيات باتت تحرج حتى ما تبقى من أصدقاء لإيران (وهم قليلون جداً)، يحاولون الآن التخلص من تبعات هذه الصداقة.

لقد خلفت "سلوكيات الحافة" التي تمارسها طهران منذ سنوات، مصائب اقتصادية كبرى. فقد بلغت التنمية مستويات لا تذكر، وارتفع عدد العاطلين إلى أكثر من 25 في المائة، بل باتت البطالة المقنعة في البلاد، بؤرة أوئبة خطيرة في الكيان الاقتصادي. ولا أشك في أن النظام القائم هناك، يعرف مدى المخاطر الداخلية الناجمة عن مثل هذا الوضع الاقتصادي. فقد اكتوى بنارها في انتفاضات عدة، وكلما ازداد الاقتصاد تردياً، كلما أكملت الانتفاضات عناصرها، خصوصاً وأن "اقتصاد الحرب" الحتمي، لم يفرضه عدوان على إيران، ولا نوايا لاحتلالها، ولا مخططات لإزاحتها عن الخريطة، ولا أجندات لتجويع الشعب الإيراني. إنه اقتصاد بفعل فاعل.. إنه فاعل وطني لا إقليمي ولا دولي، أحبه كثيراً، في زحمة كراهية لا حدود لها لـ "اقتصاد السلم"، بعناصره السياسية الحكيمة.