الاثنين، 12 سبتمبر 2011

عندما يُسوِق الأسد النفط

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"السارق والقاتل يتبعان طبيعتيهما، تماماً كما يتبع المحسن طبيعته"
توماس هنري هاكسلي عالم بيولوجي بريطاني

 
 
كتب: محمد كركوتــي
 
لا توجد حكومة في العالم، تقوم بحملات لـ "تسويق" عدم أهمية صادراتها النفطية بالنسبة للاقتصاد الوطني، ودورها في الحراك الاقتصادي المحلي، سوى حكومة سفاح سورية بشار الأسد! ولا يعود ذلك (بالتأكيد) إلى أن الأسد يؤمن بالحسد، ويهرب من "عيون" الحاسدين، بل لأنه (كما والده) يسعى للحفاظ على العوائد النفطية في طريقها الذي لا ينتهي عند الخزينة العامة للدولة! بمعنى آخر، أن تبقى خارج إطار الدخل المحلي، بلا سجلات أو دفاتر. ويطيب لمن تبقى من مؤيدي الأسد القول، بأنه لا توجد وثائق أو إثباتات أو قرائن، تؤكد أن العوائد النفطية لا تدخل في الخزينة العامة، وأنها تذهب إلى جيوب "القائد" وأعوانه. وهذا صحيح، لأن العصابات لا تعتمد المستندات في مسروقاتها، ولا تجدولها، ولا تستأجر المحاسبين للجرد السنوي. الشيء الوحيد الذي تقوم به بعد اكتمال عمليات السرقة، هو العثور على ملاذات آمنة لهذه المسروقات، وتحصينها من الملاحقات والضبط. وكان لزعيم المافيا الشهير آل كابون قولاً شهيراً في هذا المجال، عندما حاولت السلطات الأميركية إدانته لامتناعه عن دفع الضرائب. ماذا قال؟ "كيف يمكن دفع الضرائب المشروعة على أموال غير مسجلة وغير مشروعة". ومع ذلك، فقد حاولت المنظمات الحقوقية الغربية في تسعينات القرن الماضي، إثارة قضية سرقة الأسد الأب لعوائد بلاده النفطية، إلا أنها واجهت صداً منيعاً من حكوماتها آنذاك (ومعها الشركات النفطية الأجنبية العاملة في سورية، لأسباب ربحية صرفة)، وذلك لاعتبارات سياسية يعرفها الجميع، من بينها "التخويف الوهمي" من الفراغ السياسي والأمني إذا ما سقط الأسد، والرابطان اللبناني والإيراني، وضمان استقرار إسرائيل أمنياً وعسكرياً، والخوف من قيام الأسد بإعادة تصدير الإرهابيين إلى دول الغرب. والحقيقة أن الاعتبارين الأخيرين هما الأكثر واقعية من كل الاعتبارات، التي اعتاد الغرب تسويقها طوال أكثر من أربعة عقود.

يقول أعوان الأسد، في أعقاب فرض الاتحاد الأوروبي الحظر النفطي على "سورية"، إن الصادرات النفطية ليست ذات قيمة عالية، لأن الغالبية العظمى من الإنتاج يذهب للاستهلاك المحلي. ومع ذلك فقد فشلوا (كما العادة) في إخفاء الحقيقة التي جاءت من الشركات العالمية التي تقوم باستخراج وتسويق النفط السوري المنهوب، إلى جانب ما تعلنه مراراً، منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط المعروفة اختصاراً باسم "أوابيك". وحسب هذه الأخيرة، فقد جاءت سورية في العام 2008 ضمن قائمة الدول العربية المصدرة للنفط في المركز الثامن، بعد قطر وقبل البحرين ومصر، وبلغت العوائد النفطية في ذلك العام، الذي شهد انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، التي أثرت سلباً على أسعار النفط 7989 مليون دولار أميركي. وتشكل هذه العوائد الضخمة بالنسبة لسورية (إذا ما حُسبت ضمن نطاق الإيرادات العامة، ومرة أخرى أقول: إنها لا تُحسب)، قرابة 17 في المائة من إجمالي الدخل المحلي(وإذا ما أُدخلت في الموازنة العامة، فهي تساهم في 24 في المائة منها)، وهي نسبة تدفع أية سلطة شرعية في العالم، إلى أن تشكر الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، على هذا الخير وتلك النعمة، وتعمل لتطويرها والحفاظ عليها. وقد استفادت السلطة في سورية، طوال الأعوام التي سبقت الأزمة الاقتصادية العالمية، بارتفاع هائل لأسعار النفط، حيث وصل سعر البرميل في العام 2008 (الأزمة اندلعت في سبتمبر/أيلول من العام نفسه)، إلى 140 دولار أميركي، ولم ينخفض في العام 2007 دون 90 دولاراً. وفي العامين الماضي والجاري، ظل سعر البرميل متراوحاً في حدود 100 دولار أميركي.

في مقالي السابق الذي نُشر بعنوان "النفط السوري يقتل السوريين أيضاً"، أشرت إلى أنه كلما علت أصوات الأنظمة الوحشية التي تخضع للعقوبات الدولية، كلما كانت هذه العقوبات مؤثرة عليها. وقد تدافع أعوان السلطة لإطلاق تحدياتهم لهذه العقوبات، بما في ذلك وزير المالية محمد الجليلاتي، الذي قال: "إن العقوبات لن تضر سورية. ستظل سورية واقفة على قدميها. لا مشكلة ما دامت احتياجاتنا المحلية مكفولة". ماذا قال أيضاً؟ "إننا نبحث عن مشترين للنفط المخصص للبيع". والحقيقة أن العقوبات النفطية لن تضر سورية الشعب، بل بدأت أضرارها تظهر على السلطة التي تواجه شحاً متعاظماً في التمويل، الذي يستحق بجدارة توصيف "تمويل الهلاك". وقد كان الاتحاد الأوروبي رحيماً بالشعب السوري، عندما أحجم عن حظر كل أشكال التجارة بين شركات الطاقة الأوروبية وسورية، لأن مسؤوليه لا يرغبون في زيادة معاناة هذا الشعب عن طريق قطع إمدادات الوقود اللازمة لتوليد الكهرباء، حيث يعاني السوريون أصلاً شحاً تاريخياً فيها. وباستثناء بلدان ارتضت على نفسها ممارسة سياسة وأخلاق الشركات، لا سياسة وأخلاقيات الدول، فإن المجتمع الدولي يحاول بشتى الوسائل، فرض عقوبات ذكية على الأسد وأعوانه، بحيث لا تطال الشعب السوري، الذي يرزح منذ أربعة عقود تحت عقوبات محلية مريعة، سادت عهدي الأسد الأب والابن.

يبحث الأسد الآن، عمن يشتري النفط السوري المنهوب، وسوف يعثر بالنهاية على مشترين بشروطهم، وسوف يقبل بأية شروط أو أسعار كانت، لأن صنابير الأموال التي كانت مفتوحة عليه وعلى أعوانه، بدأت تتحول من حالة الدلف إلى حالة الشح، بينما تزداد العزلة الاقتصادية عليه مصحوبة بالعزلة السياسية الدولية، وشيئاً من العزلة العربية. وبعد فشل المساعدات المالية الإيرانية المباشرة (5.9 مليار دولار)، ومعها المساعدات الحكومية العراقية غير المباشرة (6 مليارات دولار)، في توفير الحماية لسلطة الأسد، وبعد هروب (وتهريب) ما يربو على 23 مليار دولار أميركي، إلى خارج سورية في غضون خمسة أشهر فقط، وفي ظل تراجع مفزع للاحتياطي النقدي، سيكون من الصعب عليه، أن يتأخر في العثور على مشتر للنفط السوري. فهذا النفط يوفر للسلطة ما يقرب من 15 مليون دولار في اليوم الواحد، أو 45 مليون في الشهر الواحد، وهي مبالغ مضمونة، بعد توقف الاستثمارات، واضمحلال العوائد السياحية بصورة كاملة حقاً، بينما يتجه الاقتصاد السوري "بثبات" نحو المجهول. لم يعد أمام الأسد مصادر تمويل أخرى، وفي ظل الثورة الشعبية السلمية العارمة، لا توجد بارقة أمل أمام هذه السلطة، للعثور على الإمدادات المالية، إلا إذا قرر جلب الأموال السورية المنهوبة على مدى سنوات طويلة، المخزنة في ملاذات آمنة، لاسيما في لبنان وإيران وفنزويلا، وبعض الدول الأفريقية التي تحكمها أنظمة مارقة وفاسدة. ولم يحدث في التاريخ، أن أقدم طاغية على استخدام الأموال التي سرقتها لحماية سلطته. فالطغاة يسرقون.. يسرقون، إلى أن يفروا من غضب شعوبهم، أو أن يقعوا انتظاراً لعدالة هذه الشعوب.

الثلاثاء، 6 سبتمبر 2011

النفط السوري يقتل السوريين أيضاً

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"العقوبات الأمثل على الطاغية، هي تلك التي يفرضها عليه ضحاياه"
إين راد كاتبة ومؤلفة أميركية

 
 
كتب: محمد كركوتـــي
 
عندما فرضت أوروبا عقوبات مختلفة على طاغية زيمبابوي روبرت موغابي، تشمل حظر السفر إليها، قال هذا الأخير، الذي بلغ به الفساد، أنه ربح اليانصيب الوطني في بلاده!: "لا نحفل بمنعنا من السفر إلى أوروبا، نحن لسنا أوروبيون"! ومع ذلك فهو يتحرك حتى داخل منزله وسط حراسة مشددة. وكان سفاح ليبيا الساكن في الجحور معمر القذافي، لا يترك مناسبة – قبل أن ينصاع إلى أوامر الغرب- إلا وردد فيها عبارته المقززة: "ظز في أوروبا ومعها أميركا"! لكنه ينتقل من جحر إلى آخر هروباً من عدالة شعبه. وعندما وقفت أوروبا ضد سفاح سورية بشار الأسد، وفرضت عليه عقوبات ومنعته وأعوانه من السفر إليها، ظهر وزير خارجيته وليد المعلم، الذي يعيش في غيبوبة دبلوماسية منذ زمن بعيد، ليقول: "لقد مسحنا أوروبا من الخارطة"! ماذا حدث؟ خشي الأسد حتى من تأدية صلاة عيد الفطر في المسجد الأموي الكبير، ليؤديها في أحد المساجد الصغيرة المجهولة، التي لا يزال بإمكانه السيطرة عليها، حفاظاً على أمنه الشخصي. لم يحدث في التاريخ أن صمت طاغية على العقوبات التي تُفرض عليه، بل يتحداها –بصرف النظر عن آثارها السلبية على شعبه- حتى يصل إلى نهايته الحتمية، والأمثلة كثيرة، صدام حسين عربياً، وسلوبودان ميلوسوفيتش أوروبياً، وتشارلز تيلور أفريقياً، وغيرهم.

بعد خمس موجات أوروبية وموجتين أميركيتين من العقوبات على الأسد، في غضون ستة أشهر تقريباً، خرج أعوان هذا الأخير، ليتحدوا العقوبات، وارتفعت أصواتهم بعد أن دخلت العقوبات الخاصة بحظر تصدير النفط السوري إلى أوروبا حيز التنفيذ. وقد عودتنا هذه الأنواع من الأنظمة، أنه كلما علا صوتها ضد عقاب ما يفرض عليها، كلما كان هذا العقاب مؤثراً وفاعلاً عليها، ومرعباً لها. والحقيقة أن القطاع النفطي في سورية، هو في الواقع قطاع حساس ليس للاقتصاد الوطني، بل للأسرة الحاكمة وأعوانها، فعوائد هذا القطاع لا تدخل (منذ عهد الأسد الأب) في الخزينة العامة، وتصب كلها في خزائن السلطة و"جيوبها"، وقد حافَظَ الأسد (الأب والابن)، على هذه الإمدادات باتجاه أوروبا حتى في عز الاضطرابات الدبلوماسية بين الأوروبيين والسلطة الحاكمة في دمشق، مستفيداً من دعم الشركات النفطية الأوروبية له. وتكفي الإشارة هنا، إلى أن شركة (شل) الهولندية- البريطانية، قاومت القرار الأوروبي الأخير، على أمل الاستمرار في أعمالها داخل الأراضي السورية، رغم الحقائق والأدلة والبراهين العارمة، التي أثبتت أن الأسد يرتكب الفظائع ضد شعبه.

ولكن لماذا علا صوت أعوان الأسد، ضد الموجة العقابية الأوروبية الأخيرة؟ الجواب ببساطة هو أن أوروبا تستورد قرابة 90 في المائة من النفط السوري، تستخدم إيراداتها بالتحديد في الأعمال الوحشية التي يقوم الأسد بها ضد شعبه، وقبلها في تثبيت سلطته. وهذا يعني أن السلطة السورية ستبحث عن مشترين آخرين بأسرع وقت ممكن، للحيلولة دون توقف الإمدادات المالية، خصوصاً في ظل العقوبات الأوروبية والأميركية التي شملت شخصيات سورية ولبنانية وإيرانية هي في الواقع، ممولة تقليدية للأسد، فضلاً عن مؤسسات سورية كانت تدر أموالاً هائلة له، بما في ذلك تلك التي يمتلكها ابن خاله رامي مخلوف. وبات من الواضح، أن المساعدات المالية الإيرانية (إلى جانب الأمنية، إضافة إلى تصدير المرتزقة)، والاتفاقات الجمركية السريعة التي أبرمتها حكومة نوري المالكي "العراقية" مع السلطة في سورية، والتي تبلغ في مجموعها 12 مليار دولار أميركي، لم تحقق الأمن المالي المطلوب للأسد، لأنه يتوجب عليه (في سياق احتفاظه في السلطة أطول فترة ممكنة)، الإيفاء بالالتزامات الداخلية، ليس من منطلق تأمين الحد الأدنى من مستوى المعيشة للشعب السوري، بل لتأخير الانطلاق الحتمي للعصيان المدني الشامل، الذي بدأت بوادره تظهر بصور متقطعة على الساحة الداخلية. فمع توجه الاقتصاد السوري نحو حافة الهاوية، لا شيء سيقف أمام الشعب الذي يقوم بثورته السلمية العارمة، في التحول إلى العصيان المدني.

وعلى الرغم من أن العقوبات الأوروبية على الأسد، لم تشمل الاستثمارات (على عكس العقوبات الأميركية)، إلا أنها لا شك سوف تؤثر بصورة كبيرة على الوضعية المالية له، إلا إذا استنجد بالأموال المنهوبة (وهذا أمر مستبعد) الموزعة بصورة كبيرة بين لبنان وإيران وفنزويلا. وحتى هذه الأموال لن تكفل له بقاء طويلاً في السلطة، في ظل تعاظم الثورة ضده. غير أن الأوروبيين لم يغلقوا الباب أمام مزيد من العقوبات، فقد اتبعوا منذ بداية الثورة فرضها تدريجياً بما يتناسب –من وجهة نظرهم- مع حجم الفظائع والجرائم التي يرتكبها الأسد، علماً بأن حجم الفظائع التي يتحدثون عنها، لا تتناسب والبطء التدريجي للعقوبات التي فرضوها، بل لا تتناسب أيضاً مع حجم الإجراءات الدبلوماسية والسياسية التي اتخذوها ضد الأسد. وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم. هل ستنحصر أضرار العقوبات المفروضة في الأسد وأعوانه فقط، أم أنها ستنال من الشعب السوري؟

في الحقيقة، أن هذه العقوبات التي حاول فارضوها أن تكون "عقوبات ذكية"، مختلفة عن تلك التي فُرضت على العراق منذ احتلاله الكويت، وحتى انتهاء حكم صدام حسين، ستنال من الشعب السوري، مهما بلغت درجة "ذكائها". وهذا يضع الأوروبيين والغرب عموماً أمام مسؤولية تاريخية بكل معنى الكلمة. لن يكون هناك تأثير على المدى القصير للعقوبات على الشعب السوري، ولكن تأثيرها سيظهر بوضوح على المدى المتوسط والطويل. وإذا ما كان الأوروبيون (والمجتمع الدولي عموماً)، جادون في مساندة الشعب السوري الذي يتعرض لحرب إبادة، عليهم أن يتحركوا بصورة أكبر وأقوى للوقوف إلى جانب هذا الشعب في إزالة سلطة تحكم البلاد بلا شرعية منذ عهد الأسد الأب. ولا يتم ذلك، إلا باستكمال عملية عزل الأسد وأعوانه، عزلاً تاماً، والعمل المثابر على تذليل العقبات الدبلوماسية أمام إدانته في مجلس الأمن الدولي، على شكل قرار لا بصيغة بيان رئاسي من المجلس المذكور.

إن بشار الأسد سيستخدم هذه العقوبات في مرحلة لاحقة ضد شعبه (إذا ما استمر في الحكم)، لتمثل سلاحاً جديداً يضاف إلى أسلحته الخفيفة والثقيلة، التي لم يوفر شيئاً ضد المدنيين العزل. فقد بدأ حاكم المصرف المركزي السوري، بإطلاق الإشارات بهذا الخصوص، حينما دعا السوريين إلى شد الأحزمة، في خطوة أولى ضمن حرب تخويفية. وفي كل الأحوال، يراهن الأسد على الوقت، على أمل أن ينجو من مصيره المحتوم، وعلى المجتمع الدولي العمل الآن لاختصار هذا الوقت بل ولقطعه إلى الأبد.

الاثنين، 29 أغسطس 2011

في سورية.. أكاذيب اقتصادية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







"أكبر وأكثر الأكاذيب، هي تلك التي يكذب فيها الإنسان على نفسه. الكذب على الآخرين ليس سوى استثناء"
فريدريك نيتشه فيلسوف ألماني

 
 
كتب: محمد كركوتــي
 
كما الأكاذيب السياسية وبالتأكيد الأمنية التي تبتكرها السلطة في سورية على مدار الساعة، هناك الأكاذيب الاقتصادية المنتشرة في هذا البلد، منذ أن خضع لحكم أسرة الأسد، قبل أكثر من أربعة عقود. ولأن الشعب السوري لم يصدقها بكل أنواعها (السياسية والأمنية والاقتصادية)، كان على الأسد الأب والابن، أن يفرضاها بالقوة في سياق منظومة، القتل والبطش والقمع والتنكيل والاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري. فحتى نصف الحقيقة–إن وجدت- عندهما هي في الحقيقة.. كذبة كبيرة جداً. فكيف الحال بربعها أو عشرها؟! فبعد أن كانت الأكاذيب الاقتصادية، قبل الثورة الشعبية السلمية العارمة في سورية، تُطلَق على شكل إحصاءات وهمية، وأرقام مجهولة، وبيانات مريبة، ودراسات مضحكة، وبحوث بلا مصادر، ومشروعات بلا هوية، بما في ذلك نسب التنمية والبطالة والاستثمار والعجز والتضخم والاقتراض والناتج المحلي ومصادر الدخل، أخذت الأكاذيب تُطلَق بعد الثورة، في صيغ ردود على حقائق، لم يقدمها الثوار، بل وضعتها على الطاولة، جهات دولية مستقلة رصينة، كانت قبل الثورة تحظى باحترام وتقدير كبيرين من قبل السلطة الحاكمة في سورية، فضلاً عن معلومات أكدتها الأحداث على الأرض، وهذه توفر أجود أنواع "التأكيدات"، لأن الحدث –أي حدث- هو المصدر الأمثل والأقوى للحقائق، أياً كانت طبيعتها وهمومها ومرارتها.

كان من المناسب –وفق أكاذيب الأسد- أن يظهر ابن خاله رامي مخلوف الذي يسيطر على 60 في المائة من الاقتصاد السوري، ليقول إنه "وهب" نفسه لأعمال الخير، وإنه ابتعد عن الأعمال! وذلك في محاولة بائسة ويائسة تثير الغثيان، لإلباسه ثوب النزاهة. وكان من المناسب أيضاً، أن يقوم عدد من رجال الأعمال الذين عُينوا من قبل الأسد، بإطلاق التصريحات حول مناعة الاقتصاد الوطني من الانهيار، بينما يعرف العالم أجمع، بأنه لا يوجد في سورية اقتصاد وطني، بل هناك اقتصاد أُسري، يقوم على أسس "التشبيح" والارتزاق و"البلطجة"، ولا بأس من سلوكيات قُطاع الطرق. وكان من المناسب أيضاً وأيضاً، أن يُطلق الأسد حاكم مصرفه المركزي "السوري"، لينشر هنا وهناك تطمينات، لا يصدقها هو شخصياً، بأن الاحتياطي النقدي في المصرف لم يتضرر من جراء الثورة الشعبية العارمة، وأن الليرة متماسكة، وأنه ليس هناك مساعدات مالية إيرانية لإنقاذ الأسرة الحاكمة، وأن العراق –بحكومته الإيرانية- لم يرفع –مع سبق الإصرار والترصد- من وتيرة تعاونه الاقتصادي مع سورية في أعقاب الثورة، لحماية الأسرة نفسها.

وقد تحدثت في مقالات سابقة، عن المساعدات الإيرانية للأسد، التي بلغت 5,8 مليار دولار أميركي، وكيف يتم توزيعها وإنفاقها، على مجموعة من أولويات السلطة، يمكن اختصارها بالتالي: شراء المزيد من الأسلحة لتمكين السلطة وعصاباتها من مواصلة عمليات قتل الشعب السوري. الإنفاق على عصابات المرتزقة –بما في ذلك عصابات حزب الله اللبناني (الإيراني)-. تدعيم وحدات عسكرية معينة في أماكن معينة، تحسباً لسقوط الأسد في دمشق. تمويل قصير الأجل لدفع مرتبات العاملين في القطاعين الحكومي والعسكري، لتأخير اندلاع العصيان المدني الحتمي. تقديم رشى لمن يقبل من السوريين –إن وجد أصلاً- الوقوف إلى جانب السلطة حتى النهاية، بما في ذلك رجال الأعمال المُعَنين، ورجال أعمال تقليديين، قبلوا بما فُرض عليهم من آليات اقتصاد التشبيح، خوفاً عن أنفسهم، ورضى بما خصص لهم من فتات الأموال المشينة.

وعلى الصعيد العراقي، ربما كان من المفيد أن أنقل تصريحاً وصلني من مكتب الدكتور رافع العيساوي، وزير المالية العراقي، يكذب فيه الأنباء التي تحدثت عن قيام بلاده بدفوعات مالية إلى سورية بلغت 10 مليارات دولار أميركي. لكن التوضيح يحمل معه تأكيدات واضحة في مساندة حكم الأسد. وفيما يلي النص الكامل للتصريح –البيان دون أي تدخل من جانبي:" ينفي مكتب الوزير الدكتور رافع العيساوي نفياً قاطعاً الأنباء التي وردت عن الدفوعات المالية التي قدرتها الأنباء بعشرة مليارات دولار لحكومة سوريا الشقيقة. وإذ يؤكد الوزير حرص العراق على مسندة أشقاؤنا في سوريا حكومة وشعباً، تعلن الوزارة عن الاتفاق مع وزارة المالية السورية على توحيد التعرفة الجمركية بين البلدين، وعلى مساندة مالية وقدرها ستة مليارات دولار سيتم تحويلها على دفعات ثلاثة خلال مدة تسعة أشهر من تاريخ توقيع الاتفاقية بين البلدين يوم 27-07-2011 . ولذا لزم التنويه الى الالتزام بدقة المعلومات والاتصال بالمكتب الاعلامي للحصول على البيانات الصحيحة". إن نظرة واحدة إلى تاريخ توقيع الاتفاقية، يمكن أن تمنح المشهد أقوى قدر من الوضوح!

الذي يبدو واضحاً أيضاً، أن الـ 6 مليارات "العراقية" وتقريباً الـ 6 مليارات "الإيرانية"، لم تمنح الشعب السوري بارقة أمل اقتصادية، لأن توزيعها هو خارج نطاق الفوائد المنتظرة من مثل هذه المساعدات أو الدفوعات أو "المسندة" حسب تعبير بيان الوزير العراقي. وعلى هذا الأساس، يمكن أن نفهم تصريحات حاكم المصرف المركزي "السوري" المريعة الذي قال فيها: "إن على السوريين شد الأحزمة بعد فرض عقوبات أوروبية وأميركية قاسية على بلدهم، الذي أضعفته اقتصادياً. وإننا سنواجه صعوبات متزايدة بسبب العقوبات والأحداث، وبالتالي سيكون علينا شد الأحزمة". يا إلهي، يطلب من السوريين الذين يشدون الأحزمة منذ أكثر من أربعة عقود، أن يشدوها أكثر، بينما لم يعد في الحزام ثقب آخر لمزيد من الشد!! وفي محاولة سمجة وغليظة لاجترار قصة مشكوك بصحتها تاريخياً، قال حاكم المصرف السوري:" أقول عكس ما دعت إليه ماري انطوانيت، عندما طلبت من الشعب أن يأكل البسكويت، إذا لم يكن لديه خبز. أعتقد أنه سيكون علينا التخلي عن تناول البسكويت لنأكل الخبز الأسمر". وبعيداً عن استعراضه التاريخي الباهت، فقد تأخرت العقوبات الغربية على الأسد وأسرته وأعوانه، لأن الدول الكبرى، أرادت أن تفرض عقوبات ذكية على حاكم سورية غير الشرعي، وذلك بقطع الإمدادات المالية عنه (بما في ذلك حظر النفط الذي لا يدخل منذ أربعين عاماً الخزينة العامة)، التي لا يستخدمها في تنمية البلاد، ورفاهية شعبه –وهذا أمر يستحيل أن يقوم به- بل تُنفَق في استكمال مواجهة نادرة، بين سلطة تستخدم الدبابات والمدرعات والطائرات والسفن الحربية والعصابات المستوردة والمحلية، وشعب أعزل إلا من كرامته وعزته. إن عمليات السرقة والنهب، هي التي ستضيع ما تبقى من "خبز أسمر"، بعدما أضاعت مقدرات البلاد. إن المرحلة الطويلة المفجعة، التي شهدت - ولاتزال- مجموعة من الاقتصادات التخريبية، بدءاً من اقتصاد الفقر، واقتصاد التفقير وما دونه، واقتصاد التشبيح، هي التي استهلكت ثقوب الحزام، فلم تعد فيه مساحة لثقب آخر.

كان الأسد الاب، "يستنجد" بالعقوبات لتبرير الفساد والسرقة، وفعل الأسد الابن الشيء نفسه، مع فارق واحد، هو أن جرائم الأول، كانت عديمة "البث"، أما جرائم الثاني، فقد استحوذت على كل وسائل البث.

الاثنين، 22 أغسطس 2011

الكماشة الاقتصادية حول عنق الأسد

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

"الطغاة يركبون على النمور جيئة وذهاباً، يخشون الترجل من على ظهرها، عندما تشعر بالجوع"
ونستون تشرتشل رئيس وزراء بريطانيا الراحل





كتب: محمد كركوتــــي

الكماشة تضيق حول عنق سفاح سورية بشار الأسد، بطرفيها السياسي والاقتصادي. فقد بلغ هو وعصابته مراحل متقدمة في الطريق نحو نهايته، بعد أن انتهت إلى الأبد مسلماته البائسة التي كان يطلقها قبل الثورة الشعبية السلمية العارمة ضده بأن سورية محصنة من نسائم التغيير التي هبت على الساحة العربية. فالذي حدث أن سورية أطلقت في الواقع أعاصير التغيير، والمرحلة التي سبقت الخامس عشر من مارس/ آذار الماضي، باتت تاريخاً قاتماً ومريعاً، في ظل صناعة هائلة لمستقبل بلد، ظن السفاح أنه يملكه إلى الأبد. ولأنه كان –ولايزال- جاهلاً وفاقداً لعقله، لم يفهم ما قاله الأديب الفرنسي فيكتور هوغو –مع شكي في أنه يعرفه- ماذا قال: "عندما يكون الطغيان حقيقة، تكون الثورة محقة".

لن أتحدث هنا عن الطرف السياسي للكماشة، فقد أصبح واضحاً، ويمكن اختصاره بأن سفاح سوريا بات قاب قوسين أو أدنى، من العزل الدولي الشامل. والحقيقة أنه يستحقه منذ أن بدأ بقتل وحشي منظم للسوريين الأحرار، وهو يستحقه قبل ذلك بأعوام طويلة. كان النظام الإيراني الذي صدَر قطاع الطرق (بمن فيهم عصابات حزب الله الإيراني في لبنان)، والوسائل المساعدة لقتل الشعب السوري، يعرف أن الكماشة الاقتصادية مطبقة لا محالة حول رقبة الأسد، ولذلك، فقط استبق استحقاقات الثورة في حركة بائسة ويائسة، وضخ ما يقرب من 5,8 مليار دولار أميركي، في خزائن أسرة الأسد وعصاباتها، على أمل نجدته من مصيره المحتم، وهو الزوال. وعلى الرغم من مرور أكثر من شهرين على ضخ هذه الأموال الطائلة، إلا أنها لم تمنع مظاهرة سلمية واحدة، بما في ذلك تلك التي تضم العشرات، لا عشرات الآلاف ولا مئاتها. ومع ارتفاع حدة العقوبات وتعدد ماهياتها ضد العصابة الحاكمة في سورية، وإضافة المزيد من أسماء الخارجين عن الشرعية والقانون، بمن فيهم بشار الأسد نفسه، بات نظام الملالي ومعه عصابة حزب الله، يواجهون أزمة أخرى مشتقة من الأزمات التي طالتهم من جراء ثورة السوريين الأحرار، خصوصاً بعد أن أضافت الدول الكبرى أسماء إيرانيين إلى قوائم الحظر التي أصدرتها تباعاً.

وبعد تردد يولد الغيظ، أقدمت دول الاتحاد الأوروبي على فرض حظر على استيراد النفط السوري، الذي يمثل الشريان المالي الدائم للأسد الفاقد للشرعية منذ وصوله إلى السلطة. ولمن نسي، فإن موارد النفط السوري لا تدخل في نطاق الخزينة العامة أصلاً، وتذهب منذ عهد السفاح الأكبر حافظ الأسد مباشرة، إلى العصابة الحاكمة في البلاد. فقد كان الأسد (الأب والابن) أكثر فساداً في هذا المجال، من سفاح ليبيا معمر القذافي. فهذا الأخير اختلق صندوقاً أطلق عليه اسم "الحساب المجنب"، كان يضع فيه قسماً من الموارد النفطية، ولا يحق لأحد الاقتراب منه، بينما كان الأب والابن في سورية يضعان كل الموارد النفطية السورية في جيوبهما، ولا بأس من جيوب بعض أفراد عصابتيهما. يصدر الأسد لحسابه الخاص، قرابة أربعين في المائة من النفط السوري إلى السوق الأوروبية، وهذا يعني أن الموارد التي يستخدمها لقتل شعبه، سوف تنخفض في الأيام القليلة المقبلة، إلى جانب تراجع العوائد المالية الناجمة عن مختلف القطاعات الاقتصادية في البلاد، فضلاً عن تراجع مخيف لعوائد غسيل الأموال، وإن كان الذراع المالي اللبناني-السوري لهذه التجارة المشينة، لا يزال يتحرك. والغريب أن الأسد هرَب إلى لبنان ما يقرب من 23 مليار دولار أميركي منذ اندلاع الثورة ضده، في الوقت الذي تضيق فيه الكماشة الاقتصادية حول رقبته، وهذا أسلوب يعتمده عادة رؤساء العصابات الذين يتعرضون إلى الملاحقة. فقد كان عليه أن يُبقي هذه الأموال في البلاد، لإعانته على مواصلة حكمه غير الشرعي أطول فترة ممكنة. لكن الواضح أنه بات يعرف –حتى بعد أن فقد عقله- بأن أيامه باتت معدودة، أو على الأقل أصبح يعرف ماهية مصيره المحتوم.

شكلت أموال نظام الملالي الإيراني طوق نجاة للأسد لفترة زمنية محدودة، ولم تمثل طوق إنقاذ له. فمع خمس جولات من العقوبات الأوروبية، وجولتين أميركتين مماثلتين، استهدفت كيانات اقتصادية مختلفة، وبعد وضع أسماء 50 شخصية سورية وإيرانية ولبنانية ضمن قائمة الخارجين عن القانون، وعلى رأسهم سفاح سورية، باتت المعونات الإيرانية المالية بلا قيمة، خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار المشاكل الاقتصادية التي تعيشها إيران، من جراء سياسات نظامها العدواني الذي يسعى إلى نشر أوبئته السرطانية في المنطقة العربية كلها. هذا الوضع، يستحضر الساحة السورية إلى أكثر ما يخشاه الأسد وعصابته، وهو العصيان المدني، التي بدأت بوادره بالظهور من خلال اضرابات تلقائية في العديد من المدن التي تشهد حرب إبادة يشنها واحد من أسوأ الأنظمة على الإطلاق منذ النازي الألماني أدولف هتلر، والفاشي الإيطالي بينيتو موسوليني، يضاف إلى ذلك امتناع شرائح متعاظمة من الشعب السوري، عن تسديد التزاماتها المالية للحكومة، بما في ذلك دفع فواتير الخدمات، بل وامتناع أعداد من الموظفين الحكوميين للالتحاق بوظائفهم، خوفاً من عصابات القتل المأجورة من الأسد مباشرة.

إن الوضع الاقتصادي الراهن في سورية هو على الشكل التالي: تراجع مخيف في الاحتياطيات المالية للبنك المركزي( اعترف به حاكم البنك نفسه)، الذي تسيطر عليه مباشرة عائلة الأسد. انخفاض متواصل لقيمة الليرة السورية. هروب كبير لرؤوس الأموال الشرعية وغير الشرعية. اضمحلال العوائد السياحية كاملة. إغلاق مشاريع استثمارية كبيرة ومتوسطة. تأجيل مشاريع أخرى. ولو أضفنا إلى ذلك كله، العقوبات الدولية المختلفة، واحتمالات فرض عقوبات عربية مشابهة في المستقبل القريب، فإن الكماشة الاقتصادية، ستتحول إلى ما يشبه حبل المشنقة حول رأس السلطة الحاكمة في سورية. وبالتالي يمكن القول، إن ما بدأته الثورة السلمية الشعبية العارمة في البلاد، الهادفة لإزالة حكم الأسد غير الشرعي، ووقف حرب الإبادة ضد السوريين الأحرار سينهيه الاقتصاد. إن ذلك من حقائق التاريخ، وأحسب أن سفاح سورية لم يقرأ التاريخ جيداً.

الاثنين، 15 أغسطس 2011

تاريخية الكلمة من تاريخية قائلها

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







"وما المرء إلا بإخوانه.. كما تقبض الكف بالمعصم
ولا خير في الكف مقطوعة.. ولا خير في الساعد الأجذم "
محمد بن عمران الضبي شاعر عربي

 
 
 
 
كتب: محمد كركوتـــي
 
إنها ليست من تلك الكلمات التي ينتهي أثرها، قبل أن تُستكمل سطورها، وليست من تلك المليئة بشعارات بدون معنى، وبلاغة بلا وقع، وإنشاء بدون وزن، وقافية بلا موسيقى. إنها كلمة تاريخية بكل معنى الكلمة، تلك التي وجهها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، إلى سورية. والحقيقة أن تاريخيتها لا تنبع فقط من زخم وفداحة الحدث "الدرامي" السوري، بل من تاريخية ووزن ومكانة قائلها. ولأن الأمر كذلك، فقد كانت الكلمة التي بدأها خادم الحرمين الشريفين بـتلك العبارة -التي ألهبت المشاعر مستندة إلى الحقائق والصدق لا الأوهام- "إلى أشقائنا في سوريا.. سوريا العرب والإسلام"، بليغة في تاريخيتها ، وتاريخية في بلاغتها. كانت كلمات مقتضبة، لكنها أقوى من غالبية الخطابات (العربية تحديداً)، ذكرتني بمقولة شهيرة لرئيس وزراء بريطانيا الراحل ونستون تشرتشل " لقد كتبت خطاباً طويلاً، لأنني لا أملك الوقت لأكتبه قصيراً"، وعندما تكون كلمة واحدة من القائل، تفوق ملايين الكلمات أهمية، لا معنى للمساحة، بل المعنى كله يكون في الأثر، وقبل هذا وذاك ينصهر المعنى بقوتها.

والحقيقة، أن هذه الكلمة سبقتها نصائح لم تتوقف من الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى سفاح سورية بشار الأسد، وتقدمتها اتصالات لم تهدأ من أجل حقن دماء الشعب السوري الأبي، وأيضاً من أجل التوصل إلى حلول للكارثة التي تسبب بها الأسد وأعوانه، بأقل الأضرار الممكنة، لكن الذي بدا واضحاً، أن سفاح سورية، فقد عقله في ظل فقدانه للشرعية الوطنية، منذ وصوله إلى السلطة مغتصباً لها، ووارثاً لحكم ما كان له، لو طبقت عليه أدنى المعايير المعروفة في عمليات انتقال السلطات. فوصوله إلى الحكم، شكل إهانة أخرى للشعب السوري، من نظام حزب البعث الفاشي، الذي امتلك القرار المطلق وحصره في مجموعة صغيرة جداً، لا ينطبق عليها إلا توصيف العصابة، كما فتح شهية الأنظمة الجمهورية العربية الأخرى للتوريث. ومن هنا نجد أساساً سورياً –على سبيل المثال- لانهيار نظامي حسني مبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس، وأساساً يستكمل انهيار نظامي علي عبدالله صالح في اليمن، وسفاح ليبيا معمر القذافي، يضاف إلى ذلك، أن هؤلاء الأربعة، لم يستمعوا إلى النصائح التي كانت ستوفر الكثير على شعوبهم أولاً، وحتى عليهم، بل تعاملوا مع هذه النصائح كــ "مخططات عدائية لهم"، فلا غرابة إذن.. من قيام بشار الأسد وأعوانه السوريين وغير السوريين، من توجيه الاتهامات إلى الناصحين، بلغت أعلى درجات الأكاذيب، بأن هؤلاء – أي الناصحين- يمولون الثورة الشعبية السلمية العارمة، بماذا؟ بالسلاح!! في حين لم يجد العالم المراقب والمتابع لما يجري في سورية، سكين مطبخ في يدي أي متظاهر سوري، يطالب بحرية سلبت منه منذ أكثر من 41 عاماً، وأن هذا المتظاهر –كغيره من بقية السوريين- لا يملك إلا كرامته يحارب بها، واحداً من أسوأ الأنظمة الوحشية منذ الحرب العالمية الثانية.

كلمة خادم الحرمين الشريفين، لم تضع فقط الأمور في نصابها، بل أوجدت جهة لا تقف إلا مع الحق، تقف إلى جانب الشعب السوري الأعزل، الذي استخدمت ضده كل أنواع الأسلحة، بما في ذلك، الدبابات والمدرعات والقاذفات والمروحيات والسفن الحربية، بالإضافة طبعاً إلى المرتزقة الذي يستحقون بجدارة توصيف قطاع الطرق، خصوصاً أولئك المرتزقة المستوردين من الخارج، وتحديداً من إيران وعصابات حزب الله الإيراني في لبنان. فقد وجد الأسد، أن المرتزقة المحليين أقل "جودة" في قتل الأبرياء والجنود الشرفاء الأحرار من أولئك المستورَدين. لقد أظهر الشعب السوري –باعتراف المجتمع الدولي- شجاعة لا حدود لها في حراكه نحو الحرية، وأثبت مجدداً أنه يقوم بواجباته العربية والقومية، حتى وهو في أحلك ظروفه الحياتية. كيف؟ إنه يقاوم بأجساد لا تحمل إلا الكرامة، تغلغلاً سرطانياً إيرانياً، ليس في سورية فحسب بل في المنطقة ككل، ويقاوم أيضاً عصابات حزب الله، التي تقوم بتنفيذ مشروع لم يعد خافياً على أحد، لنشر الفوضى في المنطقة، استكمالاً للمشروع الإيراني الكبير.

إن أجمل ردود الأفعال على كلمة الملك عبد الله بن عبد العزيز، أتت على الفور من الشعب السوري، الذي يمثل الشرعية الوحيدة في سورية، جاءت من هذا الشعب الذي عرف مرة أخرى، أن المملكة العربية السعودية التي وقفت إلى جانبه منذ أن تأسست، لن تتخلى عنه، خصوصاً وهو يخوض "حرباً" فريدة من نوعها، ليس من جهة غياب موازين القوى فيها، بل لأنها تُشَن من طرف واحد (لا طرفين) يملك الآلة والوحشية، ومستعد للمضي إلى ما بعد النهاية، لاستكمال حرب إبادة منظمة، تستند على استراتيجية الهلاك. خصوصاً وأن هذه الاستراتيجية حصلت على ذراع مالية إيرانية بلغت –حتى الآن 5,8 مليار دولار أميركي- أسست ما يمكن تسميته بـ "اقتصاد الهلاك"، وهو اقتصاد لا يحقق نمواً إلا في إطار توصيفه، فـ "الدخل الإجمالي" له لا ينفق إلا على استيراد قطاع الطرق، وشراء الأسلحة التي يحتاجها الأسد وعصابته لإتمام حرب الإبادة، ولا بأس من تقديم الرشى (إن وجد من يقبلها من السوريين) بما يتناسب وأهداف استراتيجية الهلاك.

إن الوزن الهائل لكلمة خادم الحرمين الشريفين إلى سوريا العرب والإسلام، لا يمكن أن تستوعبه بيانات الإشادة، ولا مانشيتات الصحف، ولا العناوين الرئيسية للأخبار، إنه من ذلك الوزن الذي يصنع التحولات، لا من ذاك الذي يدخل في نطاق التعليق على الأحداث، لأنه ببساطة صانع للأحداث. إنه الفعل لا رد الفعل. وعلى هذا الأساس، يمثل أساساً مطلوباً لأي تحرك ناجع لوقف نزيف الدم في سورية العرب والإسلام، إنه ليس أقل من جدول أعمال لقمة عربية أو اجتماع لوزراء الخارجية العرب. إن هذه الكلمة تتدخل ببساطة التاريخ من فرط وزنها وقيمتها، لا بقرارات رسمية، تعودنا عليها من أنظمة بلا شرعية، يلقي قادتها كلمات بلا معنى ولا أثر ولا أفق، بل وبلا أخلاق وقيم.

الأربعاء، 10 أغسطس 2011

طاغية الإعلام

(المقال خاص بمجلة جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج")








"لا يمكن أن تبني مؤسسة قوية، مليئة باللجان، وبمجلس تستشيره في كل شيء. عليك أن تكون قادراً على صنع القرار بمفردك"
روبرت ميردوخ أكبر المستثمرين الإعلاميين في العالم

 
  
* شيئاً فشيئاً، بات ميردوخ يسيطر على 40 في المائة من الإعلام البريطاني * طور ميردوخ أدوات الإعلام، لكنه ضرب عرض الحائط بأخلاقيات هذه المهنة * من مقولات طاغية الإعلام العالمي "سمعتنا أهم من آخر مئة مليون دولار أميركي نجمعه" * ليس أمام ميردوخ مساحة للمناورة على الساحة البريطانية

  كتب: محمد كركوتـــي
 
في منتصف ثمانينات القرن الماضي، بدأ الاسترالي- الأميركي روبرت ميردوخ، حملته للانقضاض على ما أمكن من وسائل الإعلام البريطانية. كنت وقتها صحافياً صغيراً أعمل متعاوناً مع جريدة "التايمز" العريقة، كنت أتهيب دخولها كل يوم، حتى بعد أن صرت واحداً من مئات يعملون فيها، وفي شقيقاتها الأخريات. كانت هذه الصحيفة التي انطلقت في العام 1785، وشهدتُ احتفالها الكبير عام 1985 بمرور 200 عام على صدورها، تمثل جزءاً من وجدان بريطانيا، لتكمل هذا الوجدان مع زميلاتها الأخريات الرصينات. وبعد معارك عنيفة، ودعم لا محدود من حكومة مارجريت ثاتشر آنذاك، استطاع ذلك "الكابوي" الاسترالي السيطرة على هذه المؤسسة. وهو لم يكن غريباً كثيراً على الساحة البريطانية، إذ كان يملك صحيفة "نيوز أوف ذي وورلد" الأسبوعية الشعبية التي بلغ توزيعها في بعض الفترات أكثر من 6 مليون نسخة، والتي أُغلقت مؤخراً بسبب فضائح التجسس التي كان صحافيوها يقومون بها على الشخصيات العامة، والناس العاديين.
شيئاً فشيئاً، بات ميردوخ يسيطر على 40 في المائة من الإعلام البريطاني. ولا يمكن لهذا الطاغية الإعلامي، المسيطر إعلامياً بصورة كبيرة جداً في بلاده الأصلية والولايات المتحدة، إلا أن يكون شاكراً دائماً لثاتشر، التي قفزت فوق قوانين الاحتكار من أجله. ومع انطلاق عصر القنوات الفضائية في أواخر ثمانينات القرن الماضي، كان الطاغية مستعداً لهذا العصر بكل ما يملك، فكان سباقاً لإطلاق شبكة "سكاي" الضخمة، ولكن سرعان ما واجه مشاكل مالية في هذه الشبكة، التي اضطرته للتحالف مع شبكة "بي بي سي" الفضائية التي أُطلقت حديثاً آنذاك، والتي كانت هي الأخرى تواجه نفس المشاكل (تملك مؤسسة ميروخ "نيوز كوربوريشن" 39,1 في المائة منها). أُدرجت المؤسسة المتحالفة في البورصة تحت اسم "برتيش ساتيلات بوردكاستينج" أو British Satellite Broadcasting المعروفة اختصاراً بـ BSKYB . ماذا كان يسعى الطاغية، قبل أن تُسقطه في بريطانيا جريدته "نيوز أوف ذي وورلد"، وتسقط معه أيضاً؟ كان يسعى للاستحواذ على أسهم المؤسسة، وعرض مبلغاً وصل إلى 12 مليار جنيه استرليني. كان يريد أن يسيطر عملياً على أكثر من 60 في المائة على الأقل من الإعلام البريطاني ككل!

أخلاق المهنة
طور ميردوخ في بريطانيا (كما في أستراليا والولايات المتحدة وغيرها من البلدان)، أدوات الإعلام، لكنه ضرب عرض الحائط بأخلاقيات هذه المهنة. فقد أظهر أنه يؤمن بـذلك المبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، بصورة توازي إيمان ميكافيلي نفسه به، ومع تعاظم سطوته في هذا القطاع، بات يهاجم نفسه، على تلك الفترة القصيرة، التي آمن فيها بالمعايير اليسارية عندما كان في أول درجات السلم الإعلامي. فلا عجب في أنه –على سبيل المثال- قلص عدد العاملين في مجموعة "التايمز" (عندما اقتنصها) وواجه نقابة عمال الطباعة بحركة استفزازية، حيث قام بطرد آلاف العمال دون سابق إنذار. ولأنه كذلك، فقد نقل في المملكة المتحدة، ما يملك من وسائل إعلامية، من معسكر المحافظين إلى معسكر العمال، في الانتخابات التي فاز بها الحزب العمالي عام 1997. وفي انتخابات العام 2010 عاد لينقل هذه الوسائل المؤثرة إلى معسكر المحافظين. فقد أثبت أن الإعلام في أي مكان، ليس حراً تماماً، من سطوة مموله أو المستثمر فيه، وأن قوانين الاحتكار البريطانية، التي قفزت فوقها ثاتشر، وُضعت لتأمين أعلى مستوى من الحرية للإعلام، ولكن هناك إرادة سياسية يمكنها مواصلة "القفزات"، ولو إلى حين.

أحلام الاستحواذ
من مقولات طاغية الإعلام العالمي "سمعتنا أهم من آخر مئة مليون دولار أميركي نجمعه". وفي الوقت الذي ينبغي فيه ألا تقدر السمعة بثمن، فقد حدد ثمنها. ولهذا السبب فقدَ صحيفة شعبية هائلة التوزيع، صدرت قبل أكثر من 165 عاماً، لأنه كان يحقق مكاسب تفوق المئة مليون دولار! فلا معنى للسمعة إذن. وقد فقدَ أيضاً حلمه بالاستحواذ الكامل على شبكة " بي سكاي بي"، حيث أُجبر على سحب عرضه، بعدما انبرت المؤسسات السياسية والاجتماعية البريطانية، تهاجمه من كل الاتجاهات. هذه الشبكة التي كان بإمكانه أن يوسع دائرة سيطرته على الإعلام البريطاني من خلالها، إذا ما فاز عرضه الهائل. فمع تراجع عدد قراء الصحف والمطبوعات عموماً في بريطانيا والعالم أجمع، بات التلفزيون (ومعه وسائل الإعلام الاجتماعي)، الذراع الأقوى للتأثير والانتشار، وبالتالي تمرير السياسات البريئة والمريبة .. وأحياناً المريعة. استطاعت هذه الشبكة، على مدى أكثر من 15 عاماً، أن تخطف شرائح عريضة من المجتمع البريطاني، لاسيما شريحة الشباب، من القنوات المحلية التاريخية العريقة، التي تتقدمها تلك التابعة للـ " بي بي سي". صحيح أن هذه الأخيرة تشارك مؤسسة ميردوخ في "بي سكاي بي"، لكن الصحيح أيضاً أن المعايير التي تستند عليها هذه الشبكة، تختلف عن تلك التي قامت عليها الشبكات التلفزيونية الأخرى. إنها متطابقة لمعايير شبكة "فوكس" التي يملكها الطاغية في الولايات المتحدة. إنها يمينية حتى العظم، وينظر لها الراشدون على أنها غير بريئة، رغم اعترافهم بقدرتها على خطف الإعجاب، على الأقل للوهلة الأولى.

تصحيح الأخطاء
ليس أمام ميردوخ مساحة للمناورة على الساحة البريطانية. فبعد الأعمال المشينة التي ارتكبتها إحدى صحفه الأوسع انتشاراً في البلاد، بات الحديث يدور الآن، عن إمكانية التحرك لتفكيك إمبراطورتيه، من أجل تصويب أخطاء نالت من القوانين الإعلامية المرعية على مدى ثلاثة عقود تقريباً، وضربت الأخلاقيات والقيم الإعلامية، في بلد افتخر دائماً بحرية لا حدود لها للإعلام، التي تستند على معايير حرية التعبير المقدسة. والحقيقة، أن الساحات الأخرى التي ينعم فيها طاغية الإعلام بالسيطرة على جزء من المقدرات الإعلامية –إن جاز التعبير- بدأت تدرس حالة ميردوخ البريطانية باهتمام شديد، تحسباً لانتقال عدوى الأعمال المشينة إليها. إن التحرك البريطاني الآن، يؤسس لتحرك عالمي باتجاه احتكار الإعلام، ويجرد الممولين والمستثمرين الكبار في هذا القطاع، من جانب كبير من تأثيرهم على المجتمع بصفة عامة. ولا شك في أن ميردوخ خسر هذا التأثير، حتى ولو استمر في امتلاك وسائله الإعلامية المتبقية له في المملكة المتحدة.
إن ما يجري الآن، هو تصحيح لأخطاء كان يمكن تفاديها، لولا "قتال" مارجريت ثاتشر، إلى جانب ميردوخ في منتصف ثمانينات القرن الماضي. كان قتالاً من أجل مكاسب سياسية، لا أخلاقية، خصوصاً عندما أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة بصورة واضحة، أنه لا يوجد شيء اسمه المجتمع، هناك شيء واحد فقط اسمه السوق!!

الثلاثاء، 9 أغسطس 2011

إيران والأسد واقتصاد الهلاك

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






""قادة النظام الإيراني، يتخذون مواقف، ويطلقون تصريحات بغيضة، لم نشهد ونسمع مثلها منذ أدولف هتلر"
توم لانتوس عضو سابق في مجلس النواب الأميركي



كتب : محمد كركوتـــي

بعد تدفق خبراء وعصابات كل من الحرس الثوري الإيراني (لاسيما فيلق القدس)، وحزب الله الإيراني الشيعي في لبنان، إلى سورية في مهمة واسعة يائسة لإنقاذ سلطة بشار الأسد المتهاوية، وجد هذا الأخير (بدون عناء)، أن الثورة الشعبية السلمية العارمة في كل أرجاء سورية، تجاوزت تحالفه المريع مع نظام العمائم السوداء (ولا بأس من البيضاء). وقبل أن يهب من تبقى من أولئك الذين لا يزالون يدافعون عن الأسد وعصابيته المحلية والإيرانية ومرتزقتهما من حزب الله، أطلب منهم الاطلاع على تقرير لجنة تابعة للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة بدورها إلى الأمم المتحدة، الذي توصل بعد تحقيقات واتصالات وشهادات وصور ومواد تلفزيونية مختلفة، إلى أن "إيران وحزب الله متورطان في قتل الجنود السوريين الرافضين، لأوامر إطلاق النار على المتظاهرين العزل". وهذا يعزز التقارير السابقة، التي تضمنت قرائن وشهادات، على أن المرتزقة (الذين ينتظرون المهدي لضبط الكون وحل مشاكله!)، يقتلون السوريين العُزَل، بعد أن يقتلوا من يرفض قتلهم من الجنود الشرفاء. فقد أشرت في مقال سابق لي، إلى أن هذا النوع من المرتزقة (والأصح القول: قطاع الطرق)، يقدمون خدمات لبشار الأسد، أكثر جودة من زملائهم المحليين، لأنهم يؤمنون بأن المحرمات، ليست سوى أشياء سخيفة، تتعارض مع تكوينهم العقائدي، وسلوكياتهم التي حلت مكان الأخلاق، إن وجدت لديهم أصلاً. ومع ذلك، فقد استمرت المظاهرات السلمية في سورية، وتحدت سلطة وحشية ليست شرعية منذ وصولها إلى الحكم، وصدمت بإصرارها، كلاً من حسن نصر الله، زعيم الحزب الشيعي الإيراني في لبنان، ومعه قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، الذي اتخذ من دمشق مقراً له منذ أربعة أشهر. ولمن نسي، فقد أشرف كل من هذا الأخير ونصر الله، على أبشع العمليات الإجرامية التي شهدها (ويشهدها) العراق.

بعد أن فشلت عمليات القتل والسحل والتعذيب والتهجير والاعتقال والإخفاء والتجويع، واعتقال حتى الجثث والتمثيل بها، وفق "استراتيجية قطاع الطرق"، اكتشف الأسد بأن الخناق يضيق يومياً على الاقتصاد في البلاد، خصوصاً بعد أن تأكد له (ولأي قارئ عادي للأوضاع)، بأن ما بدأته الثورة العارمة، يمكن ببساطة أن يستكمله الاقتصاد. لم يلجأ إلى صندوق النقد والبنك الدوليين، وإلى المؤسسات المالية العالمية المعروفة، فهو يعرف بأن مثل هذه المؤسسات، لا تتدخل في بلد، ليس فيه معيار اقتصادي حقيقي واحد، ولا إحصائية تنموية واقعية واحدة، ولا أرقام مستقلة، ولا تقارير صادقة، ولا تحقيقات مع فاسدين وناهبين. وهذه المؤسسات تعرف تماماً (وبدون جهد)، أن الاقتصاد الموجود في سورية، لا يعدو عن كونه اقتصاد "التشبيح"، وهو المرادف "الألطف" لاقتصاد "قطاع الطرق". يضاف إلى ذلك، أن المؤسسات العالمية، لا تتدخل في بلد ترتكب سلطة غير شرعية فيه ضد شعب أعزل، فظائع تفوق بشاعة ما تم ارتكابه في البوسنة والهرسك في منتصف تسعينات القرن الماضي، لتكون الأبشع على الإطلاق منذ الحرب العالمية الثانية. (وهذا ليس تقليلاً من فظائع البوسنة، لكن البوسنيين كانوا مسلحين وكذلك الليبيين الآن).

في ظل المشهد الاقتصادي المأساوي في سورية، كانت إيران حاضرة، ليس لحماية البلاد، بل لحماية استراتيجيتها المريبة والمريعة في المنطقة ككل، عن طريق إسناد سلطة الأسد المتهاوية. وبعد أن أرسلت خبراء الإجرام وعصاباتهم من الإيرانيين واللبنانيين إلى دمشق وكل المدن السورية، قامت بإرسال خبراء الاقتصاد، وهم يحملون 5,8 مليار دولار أميركي، في طائرات، تحمل أيضاً كل ما لا يملكه الأسد من آلات القتل. ومن المفارقات، أن حال الاقتصاد الإيراني ليس أفضل من حال "زميله" السوري، مع اختلاف واحد، هو أن للأول معايير واضحة بعض الشيء، بينما ليست هناك معايير ولا ملامح (على الإطلاق) للثاني. ولأن الأمر كذلك.. فإلى جانب الاستراتيجية الإجرامية لكل من نظام إيران وسلطة الأسد، تَشكَل في سورية ما يمكن وصفه بـ "اقتصاد الهلاك". وهو اقتصاد جديد محلي-خارجي، بعد أن كانت تسود سورية على مدى 41 عاماً مجموعة "متنوعة" من الاقتصادات، بدأت بـ "اقتصاد التفقير" وانتقلت إلى "اقتصاد التشبيح" لتمر قبل ذلك، بـ"اقتصاد الفقر وما دونه".. وكلها "اقتصادات" محلية صرفة. ومع المحاولات الدولية، لتفكيك شبكة الممولين لسلطة الأسد، وتدمير البنية المالية لها، عن طريق استهداف "مصرفييها" وفي مقدمتهم رامي مخلوف (ابن خال الأسد) الذي يسيطر على 60 في المائة من اقتصاد الأمة بأكملها، ومن خلال قطع الإمدادات المالية، وتجميد الأرصدة (إن تم العثور عليها)، وجد نظام طهران، ضرورة حتمية، لتحالف اقتصادي جديد، يبدأ بـ 5,8 مليار دولار، بغية تكريس ارتماء الأسد في حضن إيران، وإنقاذه من السوريين الأحرار، لاستكمال استراتيجيتها الإقليمية. فـ "استراتيجية الهلاك"، تستوجب وجود "اقتصاد الهلاك".

لكن المشكلة، أن حال "اقتصاديو الهلاك"، ليس أفضل من حال خبراء وعصابات القتل، الذي جاؤوا من نفس جهة التصدير. فالأموال الإيرانية القذرة، لم تحقق بعد شهر من تخصيصها للأسد أي شيء، بل على العكس تماماً، وجد أصحاب "عمائم الهلاك"، أعلامهم تُحرق وتُداس بأرجل الشعب السوري الحر، ومعها أعلام الحزب الإيراني في لبنان، إلى جانب صور زعيمه نصر الله، في زحمة تحطيم أصنام الأسد الأب والابن، وحرق صورهما. ولولا الخشية من الله لنبشوا قبر الأب. لم يُدخل "اقتصاديو الهلاك" دولاراً واحداً إلى خزائن المصرف المركزي التي تتناقص الأموال فيها على مدار الساعة، رغم أن هذا المصرف هو في الواقع "بنك أسري" لا مركزي ولا وطني ولا احتياطي. لماذا؟ لأن الحالة الشعبية تجاوزت مرحلة إسناد مصرف، لم يعد بعيداً عن الوصول إلى أيدي السوريين أصحابه الحقيقيين. ولذلك فإن الليرة السورية تتهاوى، والنمو بات صفراً، والعصيان المدني على الأبواب. لم يوفر "اقتصاد الهلاك" الجديد، إلا إمدادات قصيرة الأجل لدفع رواتب العاملين في القطاع الحكومي، وأخرى طويلة الأجل لدفع أجور قطاع الطرق، بواسطة الوكيل المُعيَن حزب الله الإيراني في لبنان، إضافة إلى شراء ما يلزم من أسلحة ومعدات لمواصلة المجازر بحق الشعب السوري الأعزل. فاستمرار الثورة بهذا الإصرار المنقطع النظير (إقليميا وعالمياً)، يستوجب تطوير آليات الأسد الوحشية.

الذي يبدو واضحاً، أن بشار الأسد وصل إلى مرحلة من اليأس والبؤس (بالإضافة إلى وحشية نادرة)، لم يعد معها يعرف أن كل اقتصادات الدنيا، لن تنقذه، وأن "اقتصاد الهلاك" مع إيران، لن يكون أفضل من اقتصادات والده واقتصاداته المحلية (غير المستوردة)، التي ساهمت في اندلاع الثورة الشعبية السلمية العارمة ضده، وأن إيران ستغرق معه في النهاية، في بحور الدماء والخراب. فلا يمكن أن ينجو أصحاب العمائم السوداء ومعهم وكيلهم "اللبناني"، عندما يتحطم قارب النجاة الوحيد لهم في كل المنطقة. فإرادة السوريين الأحرار التي قهرت واضعي "اقتصاد التفقير"، و"اقتصاد الفقر وما دونه"، و"اقتصاد التشبيح"، تقهر الآن مبتكري "اقتصاد الهلاك".

الثلاثاء، 2 أغسطس 2011

إيران.. إنقاذ الأسد بالهمجية والمال

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية"



"المصالح ليست من الآليات التي تساعد الناس على العيش، بل هي من تلك الآليات التي تصنع الحرب"
سيمون فيل فيلسوفة فرنسية

 
 
  كتب: محمد كركوتــي
 
ليس أمام النظام القائم في إيران، سوى آليتين مفضوحتين للمساعدة في إخراج يائس وبائس لسلطة بشار الأسد من مأزقها المصيري، الناجم عن ثورة شعبية سلمية عارمة، لا مثيل لها ( من حيث عناصرها ووحشية السلطة) في تاريخ البلاد والمنطقة ككل، كما أنها لا تشبه حتى "زميلاتها" العربيات، بما في ذلك الثورة الشعبية ضد سفاح ليبيا معمر القذافي. ورغم وحشيه وبربرية هذا الأخير، لا يزال دون مستوى "جودة" وحشية وهمجية زميله بشار الأسد. فالأول صعَد من قتله الليبيين، بعد أن حمل الثوار السلاح، بينما الثاني، بلغ أوج مجازره منذ اليوم الأول لثورة لم يحمل فيها الثائرون سكين مطبخ، وأطبق حصاراً على المدن والمناطق والأرياف منذ اليوم الثاني لها، وقتل حملة الزهور والشموع في يومها الثالث، ونشر الدبابات مكان السيارات العائلية في اليوم الرابع. ومع اتمام الثورة السورية شهرها الرابع، اكتسبت الفرق العسكرية، والأجهزة "الأمنية"، وعصابات الحرس الثوري الإيراني ومعها عصابات حزب الله اللبناني، ولا بأس من خبراء فنزويليين.. اكتسبت بجدارة صفة القوات المحتلة، بينما المحتل الإسرائيلي يعربد في الجولان منذ أكثر من 44 عاماً، بل ويُصدر الأوامر المُطاعة لقوات الأسد!

الآلية الإيرانية الأولى، لإنقاذ يائس لسلطة بشار الأسد، هي تلك التي تُستخدم الآن في كل بقعة من الأرض السورية، وهي تستحق بدون منازع (مع "زميلتها" الأسدية) صفة "الآلية الهمجية"، لأنها ببساطة توفر أبشع "المنتجات". القتل والسحل والترويع والتهجير والاعتقال.. جزء أصيل منها، بالإضافة طبعاً، إلى التعذيب والإخفاء القسري والتجويع والإهانة والحصار ومداهمة المنازل. والمشكلة التي تواجهها سلطة الأسد (مع النظام المنتظِر للمهدي لـ "حل مشاكل الكون")، هي أن الآلية الموحدة بينهما، صدأة في مساحة زمنية قصيرة جداً جداً، تستحق الدخول في منافسة ضمن موسوعة "غينس" للأرقام القياسية. فمنذ الأيام الأولى للثورة السورية، لم تعد هذه الآلية قادرة حتى على منع متظاهر واحد أعزل، من الخروج طالباً للحرية، ولم ينفع وجود القناصين المرابطين على أسطح المنازل والمباني، في تخويف هذا المتظاهر أو ذاك. وقد بات مؤكداً، من خلال استعراض للمشهد العام في سورية، أن سلطة الأسد ومعها نظام العمائم السوداء (أو البيضاء، لا فرق)، لن ينجحا في إيقاف زخم التظاهر السلمي العَصي على الإخماد، حتى لو استوردا قناصاً واحداً لكل مواطن، وحتى لو حاصرا الأحياء، حياً.. حياً، وحتى لو احتلا المنازل، منزلاً.. منزلاً. والحقيقة أن النظام الإيراني أخطأ، عندما اعتقد بأن آلته الوحشية، التي نالت من الانتفاضات المتكررة ضده في إيران، يمكن أن تنال بالتحالف مع مثيلتها الأسدية، من ثورة الشعب السوري. فإرادة المقاوم (حتى سلمياً) من أجل المستقبل الحر، لا تقف أمامها إرادة ممسك بأوهام الماضي، مهما بلغت سماتها الوحشية والهمجية.

فشلت الآلية الأولى. والأصح أنها تفشل على مدار الساعة في سورية. فالدبابة أصبحت هشة، كما السلطة التي نشرتها، والقناص بات مرتعداً، كما رئيس العصابة الذي خصص له مكان تمركزه، والفرد "العسكري" أضحى خائفاً، كما قائده الذي أصدر له الأوامر. حسناً.. يقول النظام الإيراني، علينا بالمال. أخذ هذا النظام، يستعرض التجارب "الناجحة" لآليته المالية في لبنان، وكيف استطاع عن طريق ذراعه السورية- اللوجستية هناك، توفير مزيد من المتانة لأرضية المندوب الإيراني- اللبناني حزب الله، وكيف استطاع (حتى بعد الخروج المُهين لقوات الأسد من لبنان)، مواصلة رص أرضية الحزب وميليشياته، عبر نفس الذراع، لكن بعد أن تحولت إلى سرية مفضوحة! لا سيما بعدما تكرست الممانعة والمقاومة، كنكتة سمجة، ليس لبنانياً وسورياً وعربياً وعالمياً فحسب، بل إسرائيلياً أيضاً. يقول نظام طهران، دعونا نجرب الجانب المالي لإخماد الثورة السورية، ليس عن طريق دعم الاقتصاد الوطني الذي لا يقوم على أسس معلومة، ولكن عبر المساعدات وفق "استراتيجية الدكاكين". يقول هذا النظام الخائف على سلطة الأسد، لا داعي لدراسة الأمر، لقد طبقنا هذه الاستراتيجية سابقاً في لبنان عن طريق مندوبنا هناك، دعونا ننسخ الاستراتيجية نفسها عبر حليفنا نفسه.

على الفور أطلق نظام طهران حزمة مساعدات تصل إلى 5,8 مليار دولار أميركي، غير أن هذه الحزمة لن تدخل في هيكلية الاقتصاد (المتهاوي)، إلا في الجزء الخاص بتوفير مرتبات لأجل ليس طويلاً لموظفي الحكومة (وذلك في محاولة لتأخير انطلاقة جامحة وطبيعية لعصيان مدني آت)، أما الباقي الأعظم من الأموال الإيرانية، فهو عبارة عن هبات لشراء تأييد شعبي لسلطة الحليف الاستراتيجي. ففي عز الهدوء والاستقرار في سورية (التي يُفترض بأنها الحليف الاستراتيجي الأكبر، بل والوحيد للنظام الإيراني)، لم تستثمر إيران أكثر من مليار دولار أميركي، ذهبت نسبة كبيرة منها إلى حسابات (الغالبية العظمى من هذه الحسابات في إيران ولبنان) للعائلة الحاكمة المالكة، وبعض أركان السلطة، إلى جانب المشاركة في مصنع للسيارات، تباع منتجاته للسوريين بالترهيب قبل الترغيب! ولا بأس من مشروعات غير إنتاجية، يستفيد منها الإيرانيون، لاسيما أولئك الذي حولوا سورية إلى حج لهم! بعد أن تجاوز عدد الحسينيات في مختلف أنحاء سورية، أعداد السوريين العاملين في المشاريع "الاستثمارية" الإيرانية!

حولت المساعدات الإيرانية على مدى السنوات الماضية بشار الأسد، إلى تابع مطيع للنظام الإيراني. وبينما كان الأسد الأب يعمل مع طهران لاستكمال استراتيجيتها التوسعية الخطيرة والمريعة الخاصة بالمنطقة ككل، عن طريق "قلب العروبة النابض"، أصبح الأسد الابن (الوارث غير الشرعي لبلد بأكملها)، يعمل عند إيران. وعن طريق المساعدات الجديدة، يسعى نظام طهران، إلى تحقيق هدفين اثنين. الأول: إنقاذ سلطة الأسد المتهاوية، والثاني: شراء ولاء الشعب السوري، على طريقة شراء ولاء الموالين لحزب الله في لبنان. ومن أجل ذلك بدأ بالفعل في الأسابيع القليلة الماضية، بعمليات "رشى شعبية" بتنظيم من وكيلها القابع في دمشق. أخذت الأموال تظهر هنا وهناك، والمبالغ الملوثة كبيرة، لكن طهران أخطأت (ومعها الوكيل) مرة أخرى، ولا يبدو أنها ستكون الأخيرة. فالوطنية السورية، لم تكن بضاعة، حتى في عز ممارسة الأسد الأب سياسة الابتزاز، التي استهدفت العرب قبل غيرهم. فلم يكن تاجراً دمشقياً أو حلبياً أو حمصياً أو حموياً، كان تاجراً آتياً من مسرحية شكسبير الشهيرة (تاجر البندقية). لقد كان شايلوك نفسه في عصر حديث. والوطنية السورية لن تكون بضاعة، في ظل سلطة الأسد الابن الآيلة إلى السقوط. لن تشتري الأموال الإيرانية الملوثة، سورياً حراً واحداً، رغم أن شخصاً واحداً يسقط شهيداً كل ساعتين، وآخر يصبح مفقوداً كل ساعة، وجريحاً كل 15 دقيقة! وهذه الإحصائيات المريعة، ليست من عندي، بل هي لـ "منظمة العمل السياسي الدولية" المعروفة اختصاراً باسم "آفاز".

لم تع إيران بعد، أن ما ينفع في جنوب لبنان لا ينفع في سوريا، حتى وإن تساوت ميليشيا حزب الله مع قوات الأسد.

الاثنين، 25 يوليو 2011

التكاليف السورية للمليارات الإيرانية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


"عندما لا يفهم الناس، لماذا لا تضع حكوماتهم مصالحهم في حساباتها، فهم سيكونون عرضة للدخول في حرب"
هاورد زين، مؤرخ وناقد سياسي واجتماعي أميركي

 
 
كتب: محمد كركوتــي
 
هبت إيران مالياً.. لنجدة سلطة بشار الأسد في سورية، بعد أن فقد توصيف النظام، بتوجيهه آلته العسكرية، ضد الشعب السوري الأعزل. هبت إيران لسند السلطة، لا الاقتصاد المتهاوي الماضي في طريقه إلى مجهول معلوم –إن جاز التعبير-. هبت إيران لحماية مصالح النظام القائم فيها، لا مصالح شعبها هي. هبت من أجل الإبقاء على السلطة الوحيدة المتحالفة (أو المندمجة) معها في المنطقة. هبت ساندة سلطة الأسد، لمساعدتها في سند نظامها القائم في بلادها. فقد عرفت مدى ضعف نظامها داخلياً، من خلال انتخابات رئاسية مزورة، فاز بها أحمدي نجاد، الذي ينتظر "عودة" المهدي ليحل مشاكل العالم أجمع! وعبر مظاهرات عارمة سادت إيران، وقُمعت بكل الوسائل التي يتقنها الحرس الثوري، ومن خلال عزل المجتمع الدولي لها، وعن طريق نتائج أفعالها الإقليمية، المريبة تارة والمريعة تارة أخرى. فقد عرف النظام القائم في إيران، أن الحفاظ على ما تبقى من قوته، يستدعي –على الأقل- الحفاظ على ما تبقى من سلطة الأسد، إذا ما فشل هذا الأخير في استعادة سلطته المطلقة.

قدمت إيران إلى الأسد، كل ما تستطيع تقديمه في قمع الثورة الشعبية السلمية العارمة للشعب السوري. ورغم التحفظ التاريخي للسياسة الخارجية البريطانية، لم تستطع لندن أن تُخفي معلوماتها الموثوقة مع اندلاع الثورة السورية، بأن إيران تقدم معدات مكافحة الشغب، وتدريبات شبه عسكرية لقوات "الأمن" السورية، وأن أعضاء من الحرس الثوري الإيراني يقومون بتقديم المشورة الفنية والمعدات للقوات الموالية لبشار الأسد، بما في ذلك معدات إلكترونية متطورة لإعاقة الوصول إلى شبكة الانترنت، ومنع انتشار الأخبار عن قتل المدنيين العزل. ومع استفحال الأزمة في سورية، وجدت السلطة هناك ضرورة لإشراك مجموعات من الحرس الثوري الإيراني إلى جانب عناصر من مليشيات حزب الله اللبناني –الخائف على مصيره- في أعمال القتل اليومية التي يتعرض لها السوريون. فالمرتزقة الأغراب، أكثر جودة في القتل من المرتزقة المحليين. وبذلك أُضيف إلى المشهد العام، استيراد مرتزقة لقتل وحشي بلا رحمة، وتصدير نازحين لم يعرفوا النزوح في تاريخهم وتاريخ أجدادهم!! ولا بأس من عمليات استيراد جانبية لمرتزقة من الإعلاميين، لاسيما من اللبنانيين.

لكن الثورة مضت إلى الأمام وسط وحشية تاريخية في قمعها، تُنافس وحشية الأسد الاب في ثمانينات القرن الماضي. ولأن الثورات تصنع المستقبل في خضم حراكها، وتصنع المجتمع والاقتصاد بعد انتصارها، دخل الاقتصاد السوري الذي لا يقوم على أسس معلومة، في نفق مظلم يقوده بالضرورة إلى المجهول. هنا.. كان على إيران أن تهب مرة أخرى لنجدة السلطة في سورية، من خلال عرضها تقديم 5,8 مليار دولار أميركي كمساعدات لها. فلم ينفع استجداء الأسد الابن السوريين، لإيداع الفرد منهم حتى ألف ليرة (ما يوازي 20 دولاراً) في المصارف لإسناد الليرة، ولم تجد تطمينات المريب دائماً رامي مخلوف (ابن خال بشار، وهو "مصرفي" العائلة الحاكمة المالكة)، بأن الدولار سيتراجع أمام الليرة حتماً، آذاناً صاغية، حتى بعد أن وضع على وجهه المكروه سورياً قناع "ماما تيريزا"، ولم تحقق مداهمة محلات الصرافة (تم إغلاق 30 محلاً في شهر واحد فقط) إلى أي شيء، ولم تسفر مشاركة إيران مباشرة في مراقبة الحدود ومنع فرار السوريين إلى لبنان بحوزتهم أموال إلى أي نتيجة، وبالتأكيد، لم يهتم أحد بتصريحات حاكم المصرف المركزي، بأن الاحتياطي من العملات الأجنبية، لم يتأثر كثيراً، ولم تنفع "التبرعات" القسرية البالغة 500 ليرة، التي اقتنصتها السلطة من راتب كل موظف حكومي، بما في ذلك الراتب الذي لا يزيد عن 5000 ليرة فقط!

وحسب الأرقام الرسمية - المشكوك بها دائماً- فإن 10 في المائة من الودائع في البنوك السورية، تم سحبها حتى الآن، أي ما يوازي 20 مليون دولار يومياً، في حين تشير الأرقام شبه الرسمية -المشكوك بها في كثير من الأحيان- إلى سحب 20 في المائة، أو ما يوازي 40 مليون دولار يومياً، بينما تتحدث الجهات المستقلة، لا المندسة ولا المتآمرة، بما في ذلك تحقيق موسع لمجلة "الإيكونوميست" البريطانية العريقة، عن هروب وتهريب أكثر من 150 مليون دولار يومياً من سورية، ليصل المجموع الكلي، حتى نهاية الشهر الرابع من الثورة إلى 20 مليار دولار. ولأن الوضع بهذه الصورة المخيفة، تقدمت إيران بـ 5,8 مليار دولار، تبتغي استمراراً –بصرف النظر عن تكاليفه البشرية والمالية- لسلطة بشار الأسد. وإيران لا تقدم عطاءات لوجه الله، ولم يحدث في تاريخها أن قامت بذلك على هذا الأساس، فكل دولار تقدمه، تحسب عوائده. ودائماً ما تكون العوائد سياسية، ومن الأفضل أن تكون طائفية، تصب في استراتيجية النظام القائم في طهران. ووفق هذا المنظور تقدم دعمها بكل الأشكال، لحزب الله وميليشياته في لبنان. فعلت ذلك في أعقاب الحرب التي افتعلها هذا الحزب مع إسرائيل في العام 2006، وقبلها على مدى سنوات خلال الحرب الأهلية اللبنانية. كان دعمها –ولايزال- مبني على مستوى الولاء لها والاندماج بها، لا على ولاء المدعوم لبلاده والاندماج بوطنه.

كان حال العلاقة بين سورية وإيران في عهد الأسد الأب، أن هذا الأخير عمل مع طهران في ظل شعاراته القومية العربية الجوفاء المثيرة للضحك، بينما يعمل الأسد الابن عند إيران، مع استمرار الشعارات الجوفاء ذاتها، وارتفاع معدلات الضحك. وعندما يقدم النظام الإيراني مليارات الدولارات لبشار الأسد، يعني أن طهران ستمتلك ما تبقى من إرادة السلطة السورية –إن وجدت أصلاً- ولن تمتلك شيئاً من إرادة الشعب السوري. لن يذهب دولار واحد لبناء اقتصاد وطني طبيعي، ولن يستفيد مواطن سوري واحد من المليارات الإيرانية. هذه المليارات مخصصة لإطالة أمد بقاء سلطة الأسد، خصوصاً وأنه لا يبدو في الأفق أي مؤشر على تراجع الثورة الشعبية السلمية العارمة في البلاد. والأثر الوحيد الذي سيظهر لهذه المليارات، هو أن السلطة ستتمكن لأجل ليس طويلاً، من دفع رواتب الموظفين الحكوميين، بالإضافة طبعاً، لتخصيص جانب كبير منها، لشراء الأسلحة والمعدات، ليس لشن الحرب على إسرائيل، أو لدعم الجبهة الوهمية معها، بل لمواصلة الحرب على الشعب نفسه، بما في ذلك دفع مكافآت المرتزقة المحليين والأجانب.

ستعزز الأموال الإيرانية الجديدة، "اللاصق" التاريخي بين سلطة الأسد ونظام طهران، مع تكريس تبعية الأول للثاني. وإذا ما طال أمد وجود الأسد، ستنعم إيران بمزيد من الحضور والنفوذ ليس فقط على الساحة السورية فحسب، بل في النطاق الإقليمي أيضاً. سيكون عنوان المرحلة المقبلة هو "التخريب السياسي"، ولا بأس – بالطبع- بالتخريب الأمني، إذا ما كانت هناك ضرورة له. والمعادلة ستكون على الشكل التالي: "المال الإيراني+ المشروع الإيرانيX سلطة سورية هشة= خطر داهم على المنطقة العربية كلها".

إنها المعادلة التي تسعى إيران إلى استكمال أطرافها، منذ أكثر من ثلاثة عقود.

الأحد، 24 يوليو 2011

هل يمكن إستمالة الأكراد في سوريا لدولة"عروبية"بسمات ديمقراطية؟

(المقال خاص بموقع "صوت كردستان")









أول  محاولة لفهم الأسباب البعيدة لمقاطعة الأكراد لـ"مؤتمر الإنقاذ الوطني" للمعارضة السورية



كتب: د. رضوان باديني
عضو المكتب التنفيذي للمؤتمر السوري للتغيير (أنطاليا)
 
ما هي الأسباب الحقيقية التي دعت الكرد لمقاطعة "مؤتمر الإنقاذ الوطني" للمعارضة السورية في إستانبول؟ هل للمسألة علاقة باجندات لأطراف معينة في المعارضة أم كان ذلك تذمر من وضع عام؟ و ما الذي يدفع الأكراد بالتسارع في المطالبة بالإعتراف بمظالمهم التاريخية بآليات المعارضة الآنية ولماذا إصرارهم في رفض بعض رموز الدولة الجامعة؟ هل هناك خشية من الوضع القانوني المرتقب لملايين الأكراد في سوريا إذا تحول بلدهم لبلد ديمقراطي، حسب رؤى منشدي هذه الديمقراطية من المعارضة (الدينية والعلمانية) ؟ هل تقترب اطروحات المعارضة التي "تنظر لهم بعين ديمقراطية" من تصورات الأكراد انفسهم عن الحلول المستقبلية؟ بماذا يوعد الأكراد من قبل الأطياف المختلفة للمعارضة "العربية" السورية ولماذا تثير بعض النزعات العربية توجسهم بمستقبل هذه العلاقات؟

لقد خلقت مقاطعة الأكراد لـ"مؤتمر الإنقاذ الوطني" في إستانبول وخروجهم بشكلٍ جماعي من قاعة المؤتمر سابقة خطيرة في إحداثيات التململ السياسي للمعارضة السورية ككل. وفتحت الباب على مصراعيه لنقاش من نوعٍ جديد بين أطرافها. نقاش "فج" وسمج بطعمه ومدبب بمفرداته "القديمة"..يبدو كـ" لكنة" غير مستساغة في اللهجة السورية على لسان الديمقراطيين الجدد، بغالبية "مغتربة" . لكنه نقاش يسمح للجميع بتلمس خطورة المسائل المستعصية على الحل "المؤجلة في عرف البعض، والغير ناضجة برأي آخرين و"المقبورة" أصلاً في تصورات البعث". إذاً كانت هناك هواجس حقيقية حركت الإستحضار العفوي الآلي للسلوك الجمعي الكردي ليتوخي الحذر ويوحي بعدم الإطمئنان بالمؤتمر ؟

جوهر الخلاف أن الكورد لم يقبلوا بأية زركشة للوعود القديمة التي عهدوها في الأزمنة السابقة كتبرير لتأجيل الحديث عن قضيتهم. وشعروا بالغبن المطبق بحقهم من جراء الإلتفاف على مطالبهم بعكس ما تم الإتفاق عليها مسبقاً؛ وجاء حرمان ممثلهم من القاء كلمة للتعبير عن قضيتهم في الجزأ الرئيسي من المؤتمر،( بينما أتيحت الفرصة في ذلك الوقت لممثلي أطياف أخرى، لا يمثلون قضية أكثر أهمية من قضيتهم)، كضربة قاضية لكل آمالهم، وعزيمتهم في الإستمرار بالبقاء لنهاية المؤتمر. ولم تفد بشيئ "المفاوضات" الهامشية لأبقائهم في القاعة، ولا الوعود بافساح المجال امامهم ضمن مداخلات المؤتمرين.

هذه الحادثة القت الضوء على عدة محاور جوهرية بالنسبة للقضية الكردية في سوريا التي توعد إحداثياتها بان تكون مفصلية لجهة تحديد مصير المعارضة السورية برمتها وما تخلقه من شد وجذب للقوى الإقليمية والخارجية في التدخل بمساراتها و إرهاصاتها المستقبلية. والمسألة التي قوامها ثلاثة او أربعة ملايين نسمة، يشغلون مساحة من الأرض بين 30 و45 الف كم2 بالإضافة إلى محاذاتها جغرافياً لتركيا والعراق الدولتان اللتان تملكان قضايا مشابهة لن تكون الحلول المستشفة موضع إجماع سهل داخلياً وخارجياً. وما يساعد على تبني هكذا "تفسير" للقضية هي تقاطعاتها مع حيثيات الوضع الداخلي الكردي نفسه والمرشح للتأزم والتفاقم وتتجاذبه كل الألوان السياسية المتضاربة.

إذاً الأمر الذي يحسم إتجاه تطور المعارضة الكردية السورية يتوقف بدرجة كبيرة على الموقف المبدئي الذي تتبناه الأطراف العربية نفسها للمعارضة السورية، وهي ستكون حاسمة في قطع الطريق على كنه إحتمالات تطوراتها المستقبلية.

والمسألة ليست على درجة كبيرة من التعقيد كما يتوهم البعض. فنظرة سريعة لركائز الخطاب السياسي الكردي بكل تكوراته والوانه يسعفنا في الإجابة الموضوعية، لتفادي الإحتمالات السوداوية. المسألة كامنة في الشعور الجمعي الكردي الجريح. والحل الأمثل برأينا، هو الإقرار المبدئي والعلني الصريح للمعارضة السورية بكل أطيافها بالتمسك بالحل الديمقراطي كعلاج وسبيل للخروج من هذا المأزق وتفادي مآزق ومطبات أخرى على الطريق. على أن يعلن على الملأ وكجزأ من خطاب المعارضة بانه سيكون حلاً دستورياً يعترف بالأكراد كقومية ثانية في البلاد ، بكل ما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات في المجالات الثقافية واللغوية والسياسية والإقتصادية والإدارية.. هذا الإجراء يمكن أن يشكل قاعدة إهتدائية لطيف واسع من المعارضة (الدينية والعلمانية) لحل المسألة الكردية مستقبلاً. ما دون ذلك سيعتبر موضوعياً مضيعة للوقت وهدراً للطاقات ومزيداً من التفاقم وعدم فهم...

هذا هو مفتاح الحل. يجب أن يقر الجميع بحقيقة ساطعة وواضحة وضوح الشمس، أن هذا الشعب الأصيل الذي يعيش على أرض آبائه وأجداده منذ فجر التاريخ، يتمتع بكل مقومات الشعوب الأصيلة المستحقة حق تقرير المصير والسيادة الكاملة. وبالمقابل ينبغي على ممثلي الكرد القبول بالحفاظ على سلامة البلاد ووحدة أراضيها. أن مثل هذا التوجه فقط يمكن له ان يجنب البلاد والعباد من ويلات كمونية جمة، شهدها غيرنا ممن لم يتعظوا بدروس التاريخ..

أن تبني هذا المبدأ والتوعية به يشد اللحمة الوطنية ويعزز قوامها ومكوناتها، ويصحح جزئياً مسار العلاقات بين الشعبين العربي والكردي ويشجيع الأحزاب الكردية للإنخراط في العمل المشترك دون تردد او تذمر ويزيد من دور المثقفين والأكاديميين المستقلين في إنشاء إنزيم إتحادي مصيري مع بقية الأقليات القومية التي تستحق هي الأخرى كل الإحترام لوضعها وإيجاد حلول منطقية وديمقراطية شفافة لواقعها.

مثل هذا التوجه يزيد من صلابة موقف المعارضة السورية التي تقع في مجابهة أعته دكتاتورية عرفها تاريخ منطقتنا، وستزيد من حيوية القوى والأحزاب الكردية نحو إنجاز واجباتها الوطنية بشكلٍ انصع وتزيل العقبات عن طريق مشاركتها في البناء في جميع الميادين بالفعاليات والنشاطات الممهدة لأسقاط النظام وإعادة بناء دولة القانون والمواطنة بالمعايير الحضارية الراقية وإنشاء ديمقراطية حقة يتسع فيها الوطن لكل ابنائه ومكوناته وتقطع الطريق على المتربصين بمقدراته ومصيره.

نقول ذلك ايماناً منا بانه ليس هناك شيئاً أكثر ضيراً وضرراً من أن تجابه طلبات الكرد بالصد بمختلف الحجج الوقتية والسياسية..أويتم إختزالها بالمواطنة او إدراجها تحت مقولة الإستجابة لـ"الخصوصيات الدينية والعرقية"

ومن هنا لا يمكن لأي عاقل أن يتصور بان بإستطاعة الدولة- التي طبقت عليهم أكثر المشاريع العنصرية بشاعة ومقتاً كالحزام العربي والإحصاء الإستثنائي، والعديد مما لا يتسع الوقت لذكره... وحرمتهم من التمتع بأبسط حقوقهم القومية بما فيها ممارسة اللغة...وفرضت عليهم عنوة "المواطنة العربية" او البقاء بدون اية مواطنة اوحقوق (بما فيها حق التنقل والنزول في فندق في اية مدينة سورية!)، خلال عقود- بانها تستطيع بجرة قلم إستمالتهم لخدمة رسالة الدولة القومية "العروبية" حتى وأن إتسمت بالديمقراطية.؟! لا يمكن لأي عاقل أن يصدق بأن دولة قمعية تسلب مواطنيها إرادتهم وحريتهم تستحق منهم الدفاع عنها والحفاظ على سلامتها ومصالحها العليا!! لا أحد يصدق بان تُعامل كعدوٍ كموني في دولتك على مدى عقود وأن تسهم في الدفاع عن رفع راية وعزة هذه الدولة!!

أن الولاء للوطن من شأن المواطنين الأحرار الأعزاء في حياتهم ومشيئتهم. والكرد ليسوا مطلوبين أن يذعنوا ويحترموا قوانين بلدٍ لا يقر بوجودهم ولا يحترم حقوقهم. أنهم فقدوا حتى مواطنتهم الشكلية فيها فمن اين لهم الشعور بإحترام رموز دولة ترفض الإعتراف بهم؟ وهنا بيت القصيد؛ ومن هنا حساسية رفض الكرد ، لإسم سوريا "كجمهورية عربية". ومن هنا مطالبتهم بإلغاء الأسماء الملغية لهويتهم وكيانهم.

صحيح، ليس من صلاحيات المؤتمر إقرار هذه التغييرات ولا البت في هذه الأمور القانونية. المحضة. لكن إتفاقنا إتفاق مبادئ وأسس يرسى عليها ثوابتنا الجديدة. أن هذه التسمية توحي بشكلٍ لا يقبل الشك بان المضمون القومي لسكان سوريا هم العرب أما غيرهم من سكانها ليسوا إلا هامشيون وغرباء أو دونييون! فهذا بمثابة إنكار للوجود وصعر لخدود الأخوة والمساواة وأبسط قوانين العدالة الوضعية والسماوية؛ وهو كذلك إذكاء للكراهية والإبعاد وتكريس لسياسة العبودية والصهر العنصري الذي عهده الكرد منذ خمسين عاماً. وعليه ألا يستحق ذلك كله موقفاً مبدئياَ نتخذه منذ الآن ونترك التفاصيل لمكانها وزمانها المناسب؟

هكذا إذاً، برأينا ... إيقظت لجة اصطدام الكلمات والعبارات والمصطلحات في قاموس "مؤتمر الإنقاذ الوطني" المناشدات المسحوقة في الوجدان الجمعي الكردي فتهاوى الصفاء والوجوم في جرح عميق للوطن النقال في مهج الشباب الهائج، خوفاً من المجهول تحت العباءة العربية! وإلا ما معناه وبدون الدخول في التفاصيل، أن ترفع يافطة "الجمهورية السورية" من القاعة وتوضع أخرى " الجمهورية العربية السورية"؟!؟! من المسؤل عن هذه الإثارة المغرضة؟ وكل ذلك بدون أن يؤخذ برأي الحضور أو يتم الحديث عنه!!

صحيح لم يتحدث أحداً بلهجة الحكام ويأمر بإسم السلطة. لكننا جميعاً هنا للبحث عن سبل الخلاص من نظام معتوه. نحن بصدد المصارحة وتحديد مبادئ العيش المشترك ونزع فتيل الخلافات التي انشأها نظام البعث العربي الإشتراكي. و لسنا بصدد إكتشاف المجهول! بل تحديد المستغَلين والمستغِلين؛ بصدد تسمية الضحايا وجلاديهم؛ بصدد التحقق من هوية الممثلين الأصلاء والمزورين... بصدد حقوق مغتصبة وأخرى متوارثة.

اننا بهذه الحالة نكاد ان نلمس شواطئ أحلام بعضنا البعض. و المواطن الكردي السوري الذي تكوى بنار ظلم أخيه العربي (البعثي) يتسائل اليوم كيف لي أن أطل معك أخي العربي الديمقراطي على مشارف يوم جديد و لا توجد لأفكارك أي ذكرٍ لما جرى ويجري لي؟؟ كيف لي أن أتفيئ معك ظل هذه الأفكار التي لاحضور لي بها، ويطلب مني أن اكون ظلك ؟ ..أني مثلك أعتز بإنتمائي القومي، لي أسمي وتاريخي وكرامتي وقيمي ومقدساتي.. وهي برمتها تحظى بإعتزازي بدرجة ليست أقل بما يؤرج في جواياكم عبق حبك وإعتزازك بقوميتك العربية. أنا أطل بأهدافي على مشارف أهدافك وتطل باهدافك على مشارف أهدافي... تربطنا الكثير من صفحات التاريخ والقيم المشتركة التي رسخت بعضها وجودك وأزالت وجودي.. فمن يستعجل ومن يتأخر؟ ومتى يحين الوقت لنا لنستعيد الكرامة والحرية النظيرة لكرامتكم الإنسانية وعزتكم القومية؟؟!.

نحن الآن أمام إمتحانٍ تمهيدي للآراء والمبادئ. و نقاشنا في الوقت الضيق والحرج، الوقت الذي يسبق التحول نحو الديمقراطية. في الوقت الذي يتم تداول الأمور بعناوينها وبخطوطها العريضة وليس بتفاصيلها. ولكنه الوقت الذي نستشف فيه زهو المبادئ وسموها وقيافة الأفكار ونجاعتها لترفرف رموزها وعلائمها على الإتجاهات، وتتلون التعاريف الأولى برؤية "العنوان السبيل".

نعم إننا نقر ايضاً بان جميع أطياف المعارضة تنقصها الخبرة ولم تعرف نعمة الحوار أو التفاوض او إدارة الأزمات.. وبالأخص في التعاطي مع المسائل الحياتية المؤجلة نقاشها حتى في المفهوم النخبوي.

والجميع يفهم الآن ايضاً صعوبة التغلب على الشلل الموروث في الثقافة السياسية.

والجميع يقدر صعوبة كسر القوالب القاسية والجاهزة الموروثة من ذهنية المحاور السياسي المعارض على الأرضية الضحلة من الخبرة والممارسة.

والجميع يعرف ان الشروع صعب. ولكن مقاييس هامات الرجال على قدر أفعالها ورؤيتها البعيدة. "درجات" التعمق والإبتعاد عن الحقائق تقربنا أو تبعدنا عن مسارنا المشترك. مسائل لها مؤشراتها في سلم الأولويات الوطنية وتظهر ثقل المسؤولية وتمتحن جدية وجدوى الأطروحات من عبثها في مداواة هذا الجرح الكبير في قلب المسألة الوطنية السورية.

بعيداً عن الهرج والمرج والضجيج الذي رافق النقاش داخل وخارج المؤتمر وبعيداً عن كل التأويلات والتفسيرات من هذا الطرف أو ذاك، يجب ملاحظة أن:

- تأجيل الإعتراف بالمظالم وتغافل التحديد الصريح للإعتراف الصريح بمثابة طيش سياسي يمشق بوجه الجرح المنفتح على كل التقيئات التي تيقظ الآلام المتراكمة في وجدان الشعب الكردي منذ خمسين عام.
- الممعنون من خرم مشاعرهم العربية كقومية سائدة لا يجدون من الإنفتاح على الكرد سوى أسماء لمؤدى من تعامل لا يعرفون من قساوته اللاإنسانية إلا مفردات تتلمس بحبل تراخيها ثقل إرساء العبارات في إفتعال التفاقم.

بإختصار، لقد أزاحت حالة مقاطعة الأكراد لمؤتمر إستانبول الستار عن قضية من القضايا الهامة ومسألة من المسائل الخلافية الحادة بين أطراف المعارضة السورية لتتكشف بشكلٍ عام خطورة وعمق الهوة بين مكوناتها في التصورات المستقبلية والإطروحات السياسية وفي شكل التصدي للمهام المستقبلية المنتصبة بكل قيافتها في طريق المعارضة بكل مكوناتها وأطيافها.

الأربعاء، 20 يوليو 2011

تبرعات «عفوية» للاقتصاد السوري

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")








''دمر بذور الشر والظلم، وإلا ستترعرع وسط الخراب''
إيسوب - أديب وكاتب من العصر الإغريقي




  كتب: محمد كركوتــي
 
حسنا .. يقول المدافعون عن نظام بشار الأسد في سورية إن الاقتصاد ليس متدهوراً بالصورة التي يطرحها المراقبون المحايدون والتي يتفق معها المعارضون لهذا النظام. صحيح أنه يعاني حالياً آثار الثورة الشعبية السلمية العارمة (المدافعون عن النظام لا يعترفون بسلمية الثورة، بل لا يعترفون بوجودها أصلاً)، إلا أنه - أي الاقتصاد - ليس متجهاً نحو المجهول أو الانهيار. هكذا يقولون، وقد تعرضت شخصياً لهجوم عبر الإنترنت من هؤلاء، الذين تابعوا مقالاتي السابقة عن الاقتصاد السوري، ولا سيما المقال الأخير الذي نُشر تحت عنوان ''دراما اقتصادية في سورية''، وكان أقل اتهام وجه إلي منهم هو أنني لست محايداً، على الرغم من أنني استندت في طرحي إلى استنتاجات من أطراف محايدة، كان النظام يُعلن عن ثقته بها قبل الثورة الشعبية ضده، وتناولت مجموعة من الأرقام المعلنة في سورية - وهي قليلة بل نادرة - وتوصلت إلى تصور بأن الاقتصاد السوري يتجه بالفعل إلى المجهول، وأنه في غضون الأشهر المتبقية من العام الجاري سيصل إلى حافة الهاوية، وأن النظام سيعجز عن دفع مرتبات العاملين في القطاع الحكومي إذا لم تتبدل الأمور السياسية في البلاد، فالنفي لا يخفي الحقيقة فحسب، بل يزيد من حجم العقبات وأهوالها في الطريق نحو الخروج من المأزق.

في خطابه الثالث بعد الثورة استجدى بشار الأسد حتى ألف ليرة سورية (أي ما يوازي 20 دولاراً أمريكياً)، من كل مواطن سوري، من أجل إيداعها في المصارف التي تعصف بها الأموال الهاربة منها إلى الخارج، وتحديداً إلى لبنان. فقد بلغ مجموع الأموال الهاربة (الفاسدة والشرعية) من البلاد أكثر من 20 مليار دولار، حسب مجلة ''الإيكونوميست'' البريطانية العريقة، ولا يبدو في الأفق أي مؤشر على توقف عمليات الهروب والتهريب. والحقيقة أن أموال الناهبين وأموال المستثمرين الطبيعيين ''تحالفت'' من دون قصد في عمليات الهروب المتواصلة. ولأن المواطن السوري لم يلب تمنيات الأسد، بإيداع الـ ''ألف ليرة'' في المصارف، لأسباب باتت معروفة للجميع، من بينها شعور هذا المواطن بأنه سيغذي الآلة العسكرية والاستخباراتية التي تقتله وتقمعه، ولأن الـ ''ألف ليرة'' عند هذا المواطن، تساوي في هذه المرحلة بالذات مليون ليرة. ماذا فعل الأسد؟ قام باقتطاع قسري يبلغ 500 ليرة سورية من راتب كل موظف حكومي سوري، بحجة دعم العملة الوطنية، التي تهاوت بصورة درامية حقيقية، لتخسر - حتى الآن - أكثر من 22 في المائة من قيمتها! لم يحدث في التاريخ أن أقدم نظام على مثل هذه الخطوة، فهي بكل المقاييس عملية سرقة منظمة، وإن جنحت السلطات السورية إلى تسميتها ''التبرع العفوي''! وهذه هي الحالة ''العفوية'' الوحيدة التي يقوم بها شخص (أو جهة) بالنيابة عن الشخص المعني!

الليرة تتهاوى، والاستثمارات بعضها يفر من الساحة وبعضها الآخر يتوقف، والسياحة في عز الموسم بلغت صفراً. المواطنون السوريون لم يصدقوا ما أعلنه ''مصرفي'' النظام والعائلة المالكة الحاكمة في سورية رامي مخلوف، عندما قال قبل أكثر من شهر إن العملة الوطنية لن تخسر، وإن من ''مصلحة'' السوريين تحويل ما يملكونه من عملات صعبة - إن وجدت أصلاً - إلى الليرة، لأن هذه الأخيرة ستشهد ارتفاعاً كبيراً، لأن قيمة الدولار ستنهار قريباً مقابلها. ماذا فعل السوريون؟ قاموا بتحويل ما يملكونه من ليرات إلى عملات صعبة. وعندما يُقدِم - على سبيل المثال - بنك الكويت الوطني على وقف طرح أسهمه للاكتتاب العام في سورية، يعطي هذا مؤشراً جديداً لتردي الوضع الاقتصادي في البلاد، ولمزيد من علامات الانهيار الاقتصادي، سيضطر النظام السوري في موعد أقصاه نهاية العام الجاري إلى أن يبحث عن مساعدات خارجية، وإذا لم يستطع الحصول عليها - وهذا مرجح - لن يستطيع الادعاء بوجود اقتصاد ما في سورية. ربما يضمن الوعد الإيراني للنظام بتقديم أكثر من خمسة مليارات دولار له، وجود سند ما، لكن هذه الأموال لن تدفع لسند الاقتصاد الوطني، بل ستخصص لسند النظام نفسه. وكلنا يعلم العلاقة المصيرية التي ربط بها نظام الأسد نفسه مع إيران. وهذه الأخيرة، لا تقدم شيئاً لوجه الله، بل كل ما قدمته - خصوصاً لبعض الجهات العربية - مربوط بثمن سياسي باهظ التكاليف والخطورة أيضاً.

لا توجد خيارات أمام بشار الأسد على الصعيد الاقتصادي، تماماً كما لا توجد أمامه خيارات على الصعيد السياسي الداخلي والخارجي. والكل يعرف أن اقتصاد سورية لا يقوم على أسس معروفة كي يستطيع الصمود أمام المحن والأزمات، كان - ولا يزال - اقتصاداً أُسرياً خاصاً جداً، لا دخل للأسرة السورية المكونة للمجتمع ككل به. فلا غرابة إذن من سيطرة رامي مخلوف على 60 في المائة من حجم هذا الاقتصاد البائس، المملوء بالبطالة وسرقة المال العام والفساد بكل أنواعه. وكنت قد أشرت في أكثر من مناسبة إلى أن هذا النوع من الاقتصادات لا يصمد أمام أرق الأزمات، فما بالنا بثورة شعبية عارمة لم تشهدها سورية حتى في ثمانينيات القرن الماضي. لا توجد في سورية أرقام حقيقية لأي شيء، حتى الأرقام الرسمية الشحيحة تصل إلى أعلى مستوى من التضارب والتناقض. ولا يعتمد أي مركز عالمي محايد على أي من هذه الأرقام، لأنها أكثر من مضللة، بل مضحكة في بعض الأحيان. لكن المعروف أن الاقتصاد لم يكتسب الصفة الوطنية، لأنه لم يكن مستنداً إلى المعايير الوطنية منذ أكثر من أربعة عقود. وكما هو الحال في منع المراقبين الدوليين ووسائل الإعلام المستقلة، من متابعة الأحداث في سورية لإخفاء حقيقة ما يجري على الأرض، كذلك الأمر في منع صدور أرقام حقيقية عن اقتصاد البلاد. إنهم يريدون إخفاء ما أمكن لهم من واقع الخراب الاقتصادي الشامل.

في كل الأحوال تتجه الأمور في سورية نحو عصيان مدني، وبدأت بوادر هذا العصيان في امتناع المواطنين عن تسديد فواتير المياه والكهرباء والهاتف، وهناك أعداد متعاظمة من أولئك الذين يمتنعون عن دفع الضرائب. وهذا الأمر سيعجل من مسيرة الاقتصاد السوري نحو الانهيار، أو في أحسن الأحوال نحو حافة الهاوية. والنظام يعرف أنه لن يستطيع الاستمرار على هذا الشكل إلى ما لا نهاية. ويعرف أيضاً أن عصياناً مدنياً مهما كان ''لطيفاً''، سيدفع الأمور في اتجاه معاكس لمصالحه. وهو - أي النظام - يخشى حالياً من عجزه عن دفع رواتب موظفي الحكومة. وقتها سيتحول العصيان ''اللطيف'' إلى عصيان لا توجد قوة في العالم تستطيع الوقوف أمام ضرباته. سيكون بمنزلة المكون الأكبر لتحول الأمة بأكملها. وما على المعارضين والمؤيدين سوى استرجاع التجارب التاريخية المشابهة، وهي كثيرة وعميقة في مغزاها.

دراما اقتصادية في سورية

(امقال خاص بجريدة " الاقتصادية")








''السارق يأسف عندما يُجَر إلى حبل المشنقة. لا يأسف لأنه سارق''
مَثَل إيرلندي



 
 
محمد كركوتــي
 
في مقال سابق لي نشرته تحت عنوان ''في سورية.. رهين الاقتصاد والقوة''، تناولت كيف يمكن للاقتصاد المتهاوي في سورية أن ''يقوم'' بدور المتظاهرين السلميين في البلاد، ويطيح بنظام بشار الأسد إذا لم يتمكن المتظاهرون من الإطاحة به. ورغم استنادي إلى الكثير من المعطيات والتجارب التاريخية السابقة، التي كان فيها الاقتصاد ''الثائر'' الأقوى ضد أنظمة استبدادية مشابهة لنظامي الأسد الأب والابن، إلا أني استقبلت مجموعة من الرسائل الإلكترونية، التي هاجمتني، معتبرة أن الاقتصاد في سورية ليس سيئًا ولا يسير في اتجاه الهاوية، وبعضها أشار إلى أني متحامل. وقد افترضت أن الذين عارضوني في هذا الطرح، ربما كانوا وطنيين عاطفيين جداً، لكي لا أقول عنهم شيئًا آخر. لكن العاطفة الوطنية التي لا تستند إلى الحقائق أو تحاول تغييبها، تكون بالتأكيد مدمرة لصاحبها، وللجهة التي تُرسَل إليها. فعندما أقول: إن كميات هائلة من الأموال تم تهريبها من سورية في غضون شهرين، ولا تزال عمليات التهريب مستمرة، لا دخل للأمر بالوطنية أو الخيانة أو التخريب أو الاندساس أو التآمر، خصوصاً عندما استجدى بشار الأسد في خطابه الثالث بعد اندلاع الثورة في سورية المودعين الذين يودعون مبالغ مالية لا تزيد على الألف ليرة سورية، أو ما يوازي 20 دولارًا أمريكيًا، لكي يُبقوا على هذه ''المبالغ'' في المصارف، لوقف تسلسل انهيار الليرة. هذا وحده اعتراف من أعلى سلطة في البلاد بالحقيقة التي وصل إليها الاقتصاد. وتتفق الجهات المحايدة (لا المندسة ولا المتآمرة)، على أن أمر الاقتصاد السوري بات مجهولاً، تحت ضغط الثورة الشعبية العارمة، وهروب الأموال من البلاد (لا سيما الفاسدة منها)، وإمكانية بدء سلسلة من الإضرابات العامة، تقود بالضرورة إلى مرحلة عصيان مدني، لا أحد يستطيع أن يحدد أفقًا زمنيًا له، وإن كانت نتيجتها معروفة.

والحقيقة أن الاقتصاد السوري، لم يكن قائمًا على أسس اقتصادية تقليدية أو متبعة أو حتى معروفة، ليتمكن من المقاومة وتحمل الصدمات وما ينتج عنها. كان ولا يزال اقتصادًا أُسريًا بالمعنى الضيق لمفهوم الأسرة، ولا بأس من توسيع النطاق قليلاً، ليشمل الأسر القريبة والمقربة. وهذا النوع من الاقتصادات، لا يصمد أمام أرق الأزمات، فما بالنا بثورة شعبية عارمة لم تشهدها سورية حتى في ثمانينيات القرن الماضي. ويسجل التاريخ أن الاقتصادات الأسرية، تنهار سريعًا، وقبل أن تنهار تكون أموال الأسر قد وصلت إلى ملاذات آمنة بكل الطرق. وتثبت التجارب أيضًا أنه حتى في ظل الإجراءات والقوانين العالمية الصارمة لمكافحة الأموال المنهوبة (لا سيما من الشعوب)، فإن الناهبين يمكنهم العثور على ملاذات ما. وعلى هذا الأساس، رغم الأهمية الرمزية أو المعنوية للعقوبات الأمريكية والأوروبية على أركان النظام السوري وفي مقدمتهم بشار الأسد، إلا أنها لن تحول دون هروب الأموال من سورية، ولن ينفع التعميم الجديد للإدارة الأمريكية على المؤسسات المالية الأمريكية أو تلك المرتبطة بها، بضرورة أخذ الحذر والحيطة الآن أكثر من أي وقت مضى، فيما يرتبط بتحويلات مالية سورية، بل طالبت الإدارة هذه المؤسسات بحتمية التمحيص في هذا المجال، بعد أن تلقت معلومات مؤكدة بأن الأموال المهربة من سورية تتعاظم على مدار الساعة.

ليس مهمًا التحذير الأمريكي الجديد، ولا الأوروبي إن وجد. المهم أن أكثر من 20 مليار دولار أمريكي هُربت من المصارف السورية إلى اللبنانية، أو إلى خزائن سرية في لبنان. هل للإدارة الأمريكية سلطة ما على هذه المصارف؟! الجواب هو: لا. الحق أن هذا الرقم ليس من عندي، ولا أجرؤ أن أقدم رقمًا دون مصدر أو مرجع رصين. إنه رقم جمعته مجلة ''الإيكونوميست'' البريطانية العريقة، التي أظهرت تحقيقاتها أن شخصيات سورية على لائحة اتهام المحكمة الدولية هي التي هربت هذه المبالغ الهائلة. وإذا كان ليس مهمًا تحذير واشنطن الجديد للمؤسسات المالية الأمريكية من إمكانية تسرب أموال سورية فاسدة، مسروقة، منهوبة، مختلسة (لنسمها ما شئنا) إليها، فليس مهمًا أيضًا النفي اللبناني، بأن المصارف اللبنانية لا تستقبل أموالاً مشكوكًا في أمرها. فلا تزال لأيادي السلطة السورية أمكنة في لبنان. ولنا أن نعرف أن المصارف اللبنانية تمتلك 40 فرعًا في سورية، وتستقطب أكثر من 51 في المائة من إجمالي الودائع في المصارف الخاصة، التي تمثل ثلث النشاط المصرفي هناك. وإذا كان هذا ليس مهمًا، فإنه من المضحك والمثير للسخرية أن يعلن مدير هيئة الاستثمار السورية أحمد دياب أن الحكومة السورية تعمل على إعادة الأموال المهاجرة التي تقدر بنحو 100 مليار دولار أمريكي للاستثمار داخل البلاد!! وربما لمزيد من ''الدراما'' الاقتصادية، أنقل حسب ترجمتي الشخصية لمقال ''الإيكونوميست'': ''إن الأموال المهربة من الأراضي السورية إلى اللبنانية، تُنقل عن طريق سائقي سيارات خاصة، وأن نسبة كبيرة منها تعود لكل من ـــ السيئ الصيت والسمعة ـــ ماهر الأسد شقيق بشار، وآصف شوكت صهره، ورستم غزالة ـــ أحد أكثر الموالين للنظام في سورية''. وحسب المجلة الرصينة، فإن هؤلاء السائقين يعرفون مسبقًا أنهم ينقلون هذه الكميات الهائلة من الأموال. والمضحك المبكي في هذا الأمر، أن بشار الأسد، الذي يستجدي ألف ليرة من أي مواطن سوري لإيداعها في المصارف السورية لم يمنع، أو على الأقل لم يقنن خروج الأموال الهائلة من البلاد (لا سيما الشرعية منها)، رغم محاولات بائسة ويائسة من قبل بعض المسؤولين في البنك المركزي السوري، لتحديد سقف للسحوبات.

ما تم جمعه من الأموال الهاربة من سورية ـــ حتى الآن ـــ يصل إلى 20 مليار دولار أمريكي، وهذه الأموال منها الفاسد الناتج عن عمليات استحواذ تجارية قسرية من الأفراد المقربين من أسرة الأسد، في مقدمتهم ابن خاله رامي مخلوف، الذي يسيطر على 60 في المائة من اقتصاد البلاد، ومنها ما هو شرعي، لكنه في حدوده الدنيا. فالمصارف التي وسعت نشاطاتها بصورة كبيرة في سورية منذ خمس سنوات تقريبًا، يمكلك المقربون من أسرة الأسد إما غالبية أسهمها، أو أنهم يملكونها كاملة بشكل غير مباشر. وقد دخلت فيها كميات كبيرة من الأموال في إطار تحويلها إلى سيولة شرعية (غسلها بأكبر كمية ممكنة من مواد الغسيل)، غير أن هذا لم يضمن لها النظافة لدى غالبية دول العالم، ولا سيما الدول الغربية.

لقد هربت الأموال غير الشرعية من سورية منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة الشعبية العارمة، وتحولت إلى أماكن يصعب على المراقب الدولي ـــ أيًا كان ـــ الوصول إليها. وفي الواقع، لم تدخل هذه الأموال خزانة الدولة على الإطلاق، رغم أنها منهوبة من مقدرات الشعب السوري كله. ولذلك فهي لا تؤثر سلبًا ـــ من الناحية العملية لا الأخلاقية ـــ في الاقتصاد الوطني مباشرة؛ لأنها ليست محسوبة ضمن نطاقه أصلاً. الذي يؤثر حقيقة هو هروب الأموال الشرعية من البلاد، ومع ذلك فإن تكاليف الفساد السائد في سورية، أكبر بكثير من تكاليف المشاكل الكبرى التي يواجهها الاقتصاد حاليًا. وفي كل الأحوال هي تكاليف ينبغي أن تُدفع، إذا ما أُريد للتغيير في سورية أن يتحقق.

في التاريخ، نهضت دول من بين الركام. لم ينهر الاقتصاد فيها فحسب بل لم يبقَ حجرٌ على حجر.

كي يكون صندوق النقد بلا انتقاد

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

''نحتاج إلى تجديد المعنى الكامل للكلمة القديمة: واجب. إنها الجانب الآخر للحقوق''
بيرل باك كاتبة أمريكية




 
محمد كركوتــي
 
حسناً.. انتخبت كريستين لاغارد وزيرة الاقتصاد الفرنسي، مديرة عامة لصندوق النقد الدولي (بالتوافق). وقد دخلت التاريخ، كأول امرأة تتسلم هذا المنصب. ويبدو أن العالم، لا يزال قابلاً لاحتكار أوروبا هذا المنصب 11 من أصل 12 مرة، فازت الولايات المتحدة الأمريكية بالمرة ''اليتيمة'' فيها. وبلاغارد تكون فرنسا قد احتلت هذا المنصب الحيوي العالمي المهم خمس مرات. التوافق في كل شيء هو أمر جيد، وإن كان في حالة اختيار الوزيرة الفرنسية خجولاً. أما لماذا ذلك؟ فلأن العديد من الدول الناشئة التي باتت مؤثرة في الساحة الدولية، كانت تريد أن تغير ''القوانين'' غير المكتوبة في اختيار مدير صندوق النقد، وكانت ترى أن المتغيرات التي أحدثتها الأزمة الاقتصادية العالمية، كفيلة في المساهمة بتبديل هذه ''القوانين''، وأن معايير اتفاق ''بريتون وودز'' (وليد ما بعد الحرب العالمية الثانية)، ستنال من ''القوانين'' نفسها، وأن المؤهلات المطلوبة في مدير صندوق النقد، يمكن أن تتوافر عند غير الفرنسيين أو الأوروبيين أيضاً، وأن اختيار شخصية مؤهلة من غير الأوروبيين، سيسهم في تكريس أدبيات المنهج الذي اتبعته إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وأيدته الدول الغربية الأخرى، والذي عرف بمنهج ''الإشراك''.

وتمنيات الدول الناشئة وتوقعاتها بهذا الصدد، لا تنال بالضرورة من إمكانيات لاغارد، ولا من سمعتها الجيدة على المستوى العالمي، ولا من جديتها الاحترافية في العمل. فهي تتمتع بمزايا عديدة، لعل في مقدمتها معرفتها للثقافة الأنجلوسكسونية التي تمكنها من معالجة الاختلافات في ''الجسم'' الاقتصادي الغربي نفسه، في وقت لا يزال الاقتصاد العالمي يعاني فيه الهشاشة والضبابية. وعلى الرغم من أهمية تجربتها كوزيرة سابقة للزراعة والصيد البحري، ووزيرة منتدبة للتجارة الخارجية، وبعد ذلك وزيرة للاقتصاد، إلا أنها تستطيع أن تتباهى، بكونها وزيرة الاقتصاد الغربية، الأكثر فاعلية وجدية في مواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية. فهذه الأزمة ـ كما نعلم ـ باتت تشكل مؤشراً أساسياً لجودة المسؤول وخبرته وعدم اضطرابه، واختباراً لإمكاناته. وقد نجحت لاغارد بالفعل في وضع مخططات ناجعة، لإنقاذ العديد من اقتصادات دول الاتحاد الأوروبي، التي واجهت وتواجه مشاكل عميقة بسبب الأزمة، بما في ذلك إمكانية إفلاس دول بأكملها. وتكفي الإشارة هنا، إلى معالجتها المتأنية ـ لا العنيفة ولا المتهورة ـ مشاكل دول مثل البرتغال وإيرلندا واليونان. ولهذا السبب صنفت جريدة ''فاينانشيال تايمز'' البريطانية الرصينة لاغارد كأفضل وزيرة اقتصاد في منطقة اليورو لعام 2009. كما صنفتها مجلة ''فوربس'' الأمريكية الشهيرة، في المرتبة السابعة عشرة، ضمن الشخصيات الأكثر قوة ونفوذاً في العالم. ولعل من أفضل مزايا المديرة الجديدة لصندوق النقد الدولي، أنها تمتلك علاقات جيدة مع العديد من الشخصيات السياسية والاقتصادية المؤثرة في العالم، مما يوفر لها أرضية صلبة للعمل بعيداً عن المنغصات والمناوشات.

وفي مقال سابق لي نشرته تحت عنوان ''إلى مدير صندوق للنقد يمارس سياسة الاقتصاد لا اقتصاد السياسة'' (وهذا ـ بالمناسبة ـ أطول عنوان لمقال كتبته في حياتي)، وذلك في سياق إبراز مخاوف غالبية دول العالم، من استمرار ما تبقى من ممارسات سياسية داخل صندوق النقد الدولي. وكنت من الذين يعتقدون أنه من الضروري أن يأتي إلى هذا المنصب، ''مهني اقتصادي''، بمعنى أن يكون مدير أهم مؤسسة اقتصادية دولية، اقتصادي فقط. يشتغل في هذا المجال فقط. لا يعرف إلا المعايير الاقتصادية الخالصة فقط.. أن يكون مُعلِماً حراً في مهنته فقط. فزمن ما بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، يتطلب وجود تكنوقراط، لا سياسيين ساهموا بشكل مباشر، وبصورة بائسة، في تفجر الأزمة. فقد كانت السياسات الاقتصادية تُرسم وفق المعايير السياسية وحتى الحزبية في العديد من الدول التي تملك صنع القرار الاقتصادي العالمي.

يقول آفرين بول الكاتب والشاعر الأمريكي: ''الغالبية العظمى منا تستطيع قراءة المكتوب على الحائط. لكننا نعتبر أنه مكتوب لغيرنا''. في أغلب الأحيان كانت ممارسات صندوق النقد الدولي، تتماشى مع ما قاله بول. والسبب الرئيس أن القائمين على هذا الصندوق، كانوا يمارسون السياسة في القطاع الاقتصادي! وقد أفرز هذا السلوك الكثير من المشاكل، بدأت في غالبيتها صغيرة، وانتهت إلى الفشل في مواجهتها. نحن نظلم كريستين لاغارد، إذا ما حاسبناها فقط على انتماءاتها السياسية، لأنها ـ كما أشرنا ـ اقتصادية حرفية حقيقية. وأمام هذه الثنائية، على المديرة الجديدة للصندوق، أن تثبت لمن تبقى من المتشككين فيها، أنها ستمارس الاقتصاد لا السياسة، وأنها ستعمل على تكريس حراك إصلاح هذه المؤسسة الدولية الكبرى، وأنها ستأخذ في الاعتبار مخلفات وتداعيات الأزمة الاقتصادية، وأنها ستعمل على منح الاقتصادات الناشئة المزيد من الصلاحيات، وأنها ستتحرك لكي تحصل بعض الدول على تمثيل وظيفي، يوازي حجم مساهماتها المالية في الصندوق (المملكة العربية السعودية مثلاً) وأنها ستمضي قدماً في تنفيذ سياسة سلفها جوزيف ستراوس- كان، والتي تتمثل في تقديم الدعم المالي والتقني اللازمين للدول الفقيرة (ولا سيما الإفريقية منها) للنهوض باقتصاداتها.

لا أبالغ إن قلت: إن مهمة لاغارد هي أصعب مهمة لمدير لهذا الصندوق منذ تأسيسه، وذلك لأسباب عديدة، في مقدمتها، أن العالم تغير اقتصادياً من جراء الانفجار، لا بمعايير التغير الطبيعي، وأن الدول التي كانت هامشية سابقاً، لم تعد كذلك الآن، وأن سلوك الإقصاء الذي كان سائداً طوال أكثر من ستة عقود، بات مضحكاً في هذا الزمن، وأن الكبير التقليدي فقد الكثير من خصائص الكبر. وتكفي الإشارة هنا، إلى أن الصين استطاعت في غضون عقد من الزمن، أن تتدرج في قائمة الدول ذات الاقتصادات الكبرى، لتصل إلى المركز الثاني. وهناك من يقول، إن هذه الدولة، ستتجاوز إلى المركز الأول في غضون عقد آخر من الزمن.

وأحسب أن كريستين لاغارد، تفهم هذه التحولات التاريخية الكبرى، وتفهم أيضاً، أن ما كان ينفع قبل الأزمة الاقتصادية الكبرى، لم يعد له مكان بعدها، وأن ''منهج الإشراك'' الذي أطلقه أوباما سياسياً وقَبِله الغرب، لن تكتمل عناصره إذا لم ينسحب على الاقتصاد أيضاً. وأحسب، أن لاغارد تفهم أهمية ''التوافق'' حولها في اختيارها لهذا المنصب. فالتوافق يضيف أعباء كبرى على الشخص المتوافق عليه، لأن المطلوب منه إرضاء المتوافقين، لا الأغلبية. وأحسب أيضاً، أن إرضاء الشرق الذي اكتوى بنار الغرب من جراء أزمة لا دخل له فيها، ستضع لاغارد على رأس قائمة أفضل مدير لصندوق النقد الدولي. وقتها سينسى من طالب بفك احتكار أوروبا والغرب لهذا المنصب، هذه المسألة، لأن النتائج الجيدة المبنية على قواعد مهنية، ستغلي أي انتقاد، خصوصاً إذا ما شمل منهج الإشراك كل شيء. وهذا المنهج يبني ثقافة إنسانية، لا وطنية ولا إقليمية .. وبالتأكيد لا نخبوية.