الاثنين، 28 سبتمبر 2009

قمة القرار غير الحصري

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية" )






"غزو النفس.. هو أعظم الانتصارات"
الفيلسوف اليوناني أفلاطون

محمد كركوتــي

لنبتعد قليلا عن الخلافات التي دبت (وكانت متوقعة) في قمة مجموعة العشرين في الولايات المتحدة، حول رواتب ومكافآت وحوافز مديري المصارف والمؤسسات المالية، وحول بعض القضايا الأخرى، بما في ذلك حجم النفوذ (عدد الأصوات) لبعض الدول الناشئة في المؤسسات الدولية وفي مقدمتها بالطبع صندوق النقد الدولي. ولنبتعد بعض الشيء عن مناقشة كيفية تطبيق قواعد جديدة مع نهاية عام 2012 لتحسين وضع وحجم رأسمال المصارف. فلا أحد ينتظر من القمم – أي قمم – أن تخرج برؤى متطابقة 100 في المائة، أو أن تتخذ القرارات – لاسيما المصيرية منها – بالتزكية. فهذا عادة أسلوب ''البرلمانات'' التي لا تحمل من القيم البرلمانية- التشريعية، سوى اسمها. ولندع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني جوردون براون وإلى جانبهما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في خضم تناطحهم حول بعض القضايا (رواتب مديري المصارف على رأسها). فهذا التناطح أصبح سمة من سمات العلاقات بين أكبر وأقوى دول الاتحاد الأوروبي قاطبة، في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية. ومن المفارقات أن هذا التناطح يجري، في ظل وجود إدارة أمريكية ترغب في التعاون، وتفهم ما جرى ويجري على الساحة العالمية!. ولنترك قضية الاضطرابات والمظاهرات والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي التي صاحبت القمة في بيتسبرج حيث عقدت. فهذه المظاهرات، هي أيضا سمة من سمات هذا النوع من القمم، ولذلك فالخبر لا يكمن في انطلاقها، بل في عدم اندلاعها!.
في المحن الشاملة، لا مكان للنخبة، ولا مساحة لمتسيد، ولا فسحة لكبير. هناك ساحة للجميع من أجل مواجهة مصائب هذه المحن، وهمومها وإشكالياتها وحممها المتقاذفة في كل الأرجاء. ساحة يقف فيها الكبير إلى جانب الصغير (وأحيانا الصغير هو من يقف إلى جانب الكبير)، خصوصا عندما يكون الكل على مركب واحد، فقد قبطانه الخبير - العتيق الاتجاه، بعدما خسر البوصلة!. في هذه الساحة، يجري ''فرز'' الحكمة عند الجميع، ليس وفق تجاربهم، بل على قدر استيعابهم لهذه التجارب. وعلى الرغم من هول الأزمة الاقتصادية العالمية، إلا أنها – للمفارقة – ليست عصية على الفهم. فمقدماتها.. دلت عليها، ومصائبها ملكت أدوات حلها، وعنفها احتوى على بعض من آليات ''تلطيفها''، بعد ما فضحت ''الإلهام'' الاقتصادي لدى الأفراد الذين كانوا يدعون المناعة من الأخطاء، والدول التي كانت ''تتبختر'' بأن قوة لم توجد بعد، يمكن أن تهزها!.
اللافت في قمة مجموعة العشرين الثالثة بعد الأزمة، أنها حققت شيئا تاريخيا، كانت تحتاج إليه هي أولا كمجموعة دول، ويحتاج إليه العالم أجمع في آن معا. لقد قامت بأولى خطواتها الثابتة نحو ''المأسسة'' – إن جاز التعبير- بمعنى أن القمة دعمت خطوات تكريس المجموعة، ككيان دولي هو الأكبر والأقوى على الإطلاق منذ الحرب العالمية الثانية، مهمته الأساسية مراقبة أداء الاقتصاد العالمي، والعمل على تنفيذ الاتفاقات والاتفاقيات، التي لم تعد حكرا على ''نوادي النخبة''. فالقرار الاقتصادي العالمي، لم يعد في أيدي الأمريكيين أو البريطانيين أو الفرنسيين أو الألمان، أو غيرهم من الأمم التقليدية التي ملكت زمام المبادرة والقرار الدولي، قبل وبعد الحرب الثانية. هذه القمة أوجدت آلية يمكن وصفها بـ ''آلية صنع القرار غير الحصري''. صحيح أن البعض بدأ ينظر إليها كـ ''كيان نخبوي''، لكن الصحيح أيضا، أنها تضم دولا أبعدها النخبويون عن ''ماكينة'' صنع القرار العالمي، لعقود طويلة من الزمن. واللافت أيضا.. أن النخبويين السابقين اقتنعوا بحقيقة أنهم لا يملكون الحق المطلق في المعرفة والحل، وفي المصلحة العالمية وأدواتها، وفي البناء والنمو. وهذا أيضا من الجوانب الأكثر ترشيحا لدخول التاريخ، مقارنة ببقية الجوانب الأخرى في قمة بيتسبرج. وبسبب ذلك، تراجعت الطروحات – وستتراجع أكثر في المستقبل – الخاصة بالتوصل إلى صيغة نهائية لمجموعة دولية، تتسلم زمام الأمور والمبادرة، ليس فقط خلال الأزمة، بل أيضا بعدها، بما في ذلك الطرح الفرنسي المؤيد الصلب لصيغة '' الـ 14''، المكونة من مجموعة الثماني، إضافة إلى كل من جنوب إفريقيا والصين والبرازيل والهند والمكسيك ومصر.
والواقع أن مجموعة العشرين التي تسيطر على ما بين 85 و90 في المائة من الناتج العالمي، تمتلك حق صناعة القرار الاقتصادي الدولي، لا الإشراف على تنفيذه فقط، وإذا استطاعت المجموعة في القمة الأخيرة، أن تُدعم خطوات ''مأسستها''، عليها أيضا أن تعمل من أجل تكريس دورها كمشرع دولي. فما يريده الفرنسيون – على سبيل المثال – أن تقوم المجموعة بمهام الإشراف، في وقت تمتلك فيه أدوات تشريعية وتنفيذية وروحا من التعاون لم تكن موجودة أصلا على الساحة الدولية حتى وقت قريب، وقبل هذا وذاك.. ''أزمة'' عززت لديها مكامن الخبرة أشواطا طويلة في زمن قصير. هذه الخبرة تمكنها من ''صناعة المستقبل''.. من معطيات المستقبل، لا من مخلفات الماضي. فقد عانى العالم لعقود طويلة من الزمن، من صناعة مستقبله وفق ماضيه، ماذا حدث بعد ذلك؟ مجموعة من الأزمات، شكلت الأزمة الاقتصادية الراهنة أبرز ''نجماتها''.
إن عزل المجموعات الأخرى عن عملية صنع القرار العالمي يجب ألا يكون هدفا. بل على العكس تماما ينبغي إشراكها في هذه ''الصناعة''، لكن المشكلة أن '' الطبخة'' معرضة للاحتراق من فرط تعدد الطباخين – كما يقولون -، ومجموعة العشرين تمثل الصيغة الأمثل المطروحة على المسرح الاقتصادي. فهي خليط بين دول كبرى وأخرى ناشئة. بين دول فهمت أن التفرد (وأحيانا العنجهية)، لا يحقق في عالم متداخل.. المصلحة الملحة المرجوة حتى لها، وبين دول انتظرت طويلا من أجل أن تلعب دورها وفق إطار منطقي، إن لم نقل ''وفق حق شرعي''. كيف يمكن لغير مجموعة العشرين – على سبيل المثال – في هذا الوقت بالذات، أن تقرر موعدا لإلغاء الحوافز التي وفرتها الحكومات المختلفة للإنعاش الاقتصادي؟. وكيف يمكن لغير هذه المجموعة، أن تضع القوانين النهائية لإصلاح القطاع المالي العالمي؟. وكيف يمكن لغيرها أيضا.. أن يحدد الصيغ الكفيلة بمنع حدوث أزمة اقتصادية عالمية مشابهة لهذه التي لا نزال نعيش في ظلها؟. فالكل يعرف أن الطريق لا يزال طويلا أمام العالم للخروج من أزمته، وقد اعترف بذلك وزير الخزانة الأمريكي نفسه تيموثي جاذنر، حين قال: ''إن الركود لا يزال حادا، والطريق ما زال طويلا''.
لقد صنعت الأزمة الاقتصادية، مستجدات لم تكن في الحسبان، فرضت على العالم أجمع ضرورة أن يحسب لكل شيء مهما كان صغيرا. فرضت عليه أن يسعى لوجود مُشرع متحرر من الماضي ومن العنجهية والفوقية ومن المصالح الذاتية. مُشرع يتكون من ''متقدم وناشئ ونام''، ومجموعة العشرين قامت أساسا على هذه المعادلة. الأزمة وسعت أيضا مدارك البشر، وإن ضيقت عليهم معيشتهم، وكرست حقيقة أن المشاركة في الهموم، هي أقصر الطرق لتخفيف حدتها.


الخميس، 24 سبتمبر 2009

مجموعة غيرت ثقافة "الكاوبوي الاقتصادي"!



( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية" )

محمد كركوتــي

إنها القمة.. الثالثة لـ "مجموعة العشرين"، بعد اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، والثانية بعد خروج إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن من البيت الأبيض (الإدارة لم تفهم المكانة التاريخية والإستراتيجية للمجموعة). إنها القمة.. التي تكرس حقيقة أن هذه المجموعة أخذت بالفعل زمام المبادرة والأمور على الساحة الاقتصادية العالمية. إنها القمة.. التي ستعزز "صيغة العشرين"، بدلا من صيغ " السبع " أو "الثماني" أو حتى "الـ 14"، رغم إعجاب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بهذه الأخيرة. إنها القمة.. التي تختصر أكبر نسبة من المجاملات، وتضخ أكبر "كمية" من الصراحة. إنها القمة.. التي تجعل العالم أقل توترا في ظل الأزمة الاقتصادية التاريخية، وأكثر تناغما مع طروحاتها. إنها القمة التي تستطيع الدول المنضوية تحت لوائها ( بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية في ظل إدارتها السياسية الحالية)، أن تفخر بأنها سنت ( وتسن) قوانين غيرت معالم ثقافة "الكاوبوي الاقتصادي" الذي سيطر على أسواق المال في العالم على مدى عقدين من الزمن، ولم يأت "برأس واحد من البقر" إلى الحظيرة، بل على العكس نفقت الرؤوس التي كانت موجودة أصلا!. إنها القمة.. التي ستتضح معها علامات مواجهة الأزمة الاقتصادية أكثر فأكثر. فـ "مجموعة العشرين"، هي المجموعة الوحيدة في التاريخ الحديث، التي نضجت في زمن قياسي قصير، من جراء أزمة تركت هموما لسنوات طويلة.
إنها القمة التي يجب أن تستكمل - أو تقترب من استكمال- عملية إنهاء وجود "نوادي النخبة" التقليدية، لماذا؟.. لأن "مجموعة العشرين" (مرة أخرى، خصوصا مع زوال إدارة بوش الأخيرة)، تعمل بمفهوم "الإشراك"، لا بذهنية "الإقصاء". ولأنها كذلك، فهي المجموعة العالمية الوحيدة، التي يمكن وصفها بـ "التكنوقراطية". بمعنى أنها المجموعة ( أوالهيئة) القادرة على العمل بأقل حد من "التسييس"، وأعلى مستوى من الواقعية، مستفيدة من جانب إيجابي، طرحته الأزمة العالمية، وهو أن المصائب التي أتت بها الأزمة، دحرت التكتلات التقليدية وسياسات المحاور وحتى المجاملات، كما أنها وضعت العالم ليس فقط أمام مسؤولية إيجاد الحلول لهذه الأزمة، بل أيضا أمام "استحقاق" إعادة صياغة نفسه، بصورة لا تشبه الصياغة التي كانت، ولا المفاهيم التي سادت، ولا المسلًمات التي "حكمت" الأسواق والمجتمع.. بل والدول. فما كان ينفع في "اصطياد البقر"، لم يعد يصلح حتى لاصطياد الفراشات!.
أمام قمة العشرين الثالثة بعد الأزمة الاقتصادية الكبرى، ملف يمكن وصفه بـ " مأسسة" مجموعة العشرين، إلى جانب الملفات الأخرى التي طرحتها الأزمة. وإذا أراد قادة المجموعة أن يحققوا إنجازات واقعية وعملية من خلال هذه القمة ( وغيرها من القمم المقبلة)، عليهم أن يتعاطوا مع هذا الملف بنفس الأهمية التي يتعاملون فيها مع الملفات الأخرى. إن الانخراط في معارك – وحتى مناوشات- حول أي المجموعات أفضل للعالم ( "السبع" أم "الثماني" أم " الـ 14" أم " العشرين").. لا يخرج عن نطاق المعارك "الصبيانية" و"خناقات" الأزقة، في ظل أزمة "يشيب لها الولدان"!. فالعالم يحتاج إلى "مرجع" لا يشبه المراجع التقليدية التي أثبتت فشلها "بجدارة"، عندما وقفت عاجزة عن إيقاف ضربات الأزمة، بل عجزت حتى عن التقليل من قسوة هذه الضربات. ويحتاج العالم أيضا – وبنفس الوتيرة- حلولا واضحة المعالم، لا تستند إلى أي اعتبارات وطنية ( خصوصا السياسية – الحزبية )، أو حتى إقليمية. فالانكماش الاقتصادي العالمي، لن يتحول إلى "ازدهار اقتصادي"، إذا ما أراد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي شيئا، وأراد رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون شيئا آخر. والأمر نفسه ينطبق على كل قادة دول مجموعة العشرين، لاسيما قادة الدول الكبرى. فعلى سبيل المثال يرى براون ضرورة للعمل من أجل منع حدوث انهيار اقتصادي عالمي آخر. حسنا.. إنه طرح مثير للإعجاب والتقدير، لكن رئيس الوزراء البريطاني سيخوض بذلك معركة جديدة، قبل أن تنتهي المعركة الحالية!.
وفي الوقت الذي نشهد فيه وجود إدارة أميركية شابة ومتعاونة ومتفهمة لما جري ويجري وسيجري، ومؤمنة بأهمية الإشراك لا الإقصاء، نرى حكومات أوروبية راسخة خبرة وتجربة، تناوش بعضها البعض، حول مشاريع الحلول للأزمة أولا، وحول حجم الخطوط التي يجب أن ترسم بها خريطة الاقتصاد العالمية. فعلى الأوروبيين أن يستغلوا الحكمة التي تتحلى بها الإدارة الأميركية الحالية، لاسيما وأنهم – والعالم معهم – عانوا الأمرين من الإدارة الأميركية السابقة، ليس فقط في مجال التفاهم حول الحلول، بل في نطاق جهل هذه الإدارة لحقيقة ما يجري. إن القضية لن تنتهي باستكمال تنفيذ اتفاق قمة مجموعة العشرين الأخيرة في لندن، بضخ 5000 مليار دولار أميركي في هيكلية الاقتصاد العالمي، لإعادة الأمور إلى نصابها. ولن تنتهي بالاتفاق على حد أقصى لرواتب ومكافآت مدراء المصارف والمؤسسات المالية الكبرى، ولن تنتهي بشراء ديون المؤسسات أو تأميمها، أو تغطية عجز المقرضين والمقترضين، ولن تنتهي بضخ المزيد من الأموال في المؤسسات الدولية ( مثل البنك وصندوق النقد الدوليين)، ولن تنتهي بـ "مسح" الملاذات الضريبية الآمنة، ولا بـ " القضاء" على المتهربين الكبار من الضرائب. ولن تنتهي بتحديد سقف لأسعار البترول في الأسواق العالمية، ولن تنتهي بوقف "الغزو" التجاري الصيني للدول الكبرى.
إن القضية تحتاج إلى شيء أكبر وأقوى وأكثر فاعلية من ذلك. تحتاج إلى مجموعة دولية، تعرف احتياج الكبير ومتطلبات الصغير، وتعي أن العالم لم يعد كما كان قبل الأزمة الاقتصادية العالمية، ولن يعود إلى ما كان عليه، وأن ما كان يفيد دولة كفرنسا بالأمس، لن يفيدها في الغد، وما كان يعتبر نصرا وطنيا وقوميا ألمانيا في السابق، لن يكون كذلك الآن، وأن "المسلًمات الأميركية" التي كانت تسود العالم قبل الأزمة، تحولت إلى " مضحكات" بعدها.
إن "مجموعة العشرين" – بمفهوم الإشراك- وبوجود دول فيها ( مثل المملكة العربية السعودية والبرازيل والهند واندونيسيا وغيرها) إلى جانب "دول النخبة" السابقة، تمثل أفضل هيئة دولية موجودة على الساحة، ليس من أجل وضع الحلول والإشراف على جودة تنفيذها فقط، بل من أجل "صناعة" خريطة اقتصادية عالمية، لا "مسلًمات" بين خطوطها، ولا "نجوم اقتصادية" أنتجت أكثر "الأفلام" فشلا، وأشدها تدميرا.

الأربعاء، 23 سبتمبر 2009

فقر الأثرياء!



( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية" )

«إنه الآن يصعد من النعمة إلى الفقر»
الأديب الأمريكي مارك توين

محمد كركوتــي
الاقتصاديون الواقعيون، أو لنقل: «الاقتصاديون غير الملهمين»، يبدون حرصا واضحا على عدم التفاؤل بالإشارات الإيجابية حول مستقبل الاقتصاد العالمي بعد عام تقريبا على اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية. فهم - على عكس «الملهمين»- يعرفون أن أحد أسباب الأزمة الكبرى، كان الإفراط في التفاؤل، والامتناع عن المساس بالسوق، التي حولوها إلى «مقدسة».. ولأنها كذلك فهي لا تخطئ، وإن فعلت ذلك فهي قادرة على تصحيح أخطائها على الفور، وعلى الجميع أن يقف بعيدا دون تدخل!. وفي الأشهر التي حفلت بمقدمات الأزمة العالمية، كان «الملهمون» يسخرون من أولئك الاقتصاديين الذين كانوا يطلبون من صناع القرار الاقتصادي، التخفيف من تفاؤلهم، والنظر إلى الأمور، بعين مختلفة عن تلك «العمياء»، وأن يتابعوا الإشارات السلبية التي كانت تظهر على مدار الساعة. لكن صناع القرار، التزموا تطمينات «الملهمين»، ولم يلتفتوا إلى آراء أولئك المتشائمين، الذين كانوا يريدون « تعكير» حركة الأداء الاقتصادي!.
الأزمة اندلعت، ولم تمنح لحظة واحدة لـ «الملهمين» حتى لاستيعاب الضربة الأولى. فلا السوق صححت نفسها، ولا التفاؤل جلب قوارب النجاة. وقد قدم رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابق (البنك المركزي) آلان جرينسبان، أبلغ توصيف لحالة أصحاب «دعوا السوق تعمل» – وهو منهم – عندما قال: «إن هذه الأزمة غير مسبوقة، ولا أصدق ما يجري»!. فإذا كان هذا الرجل الذي جلس على كرسي أهم صانع للقرارات الاقتصادية الأمريكية – ومتعلقاتها الدولية – لمدة تزيد على 18 عاما، لم يستطع فهم ما يجري، نستطيع أن نتخيل مستوى استيعاب «الملهمين» لما جرى ويجري.
هذا المفارقة في «المصيبة» الاقتصادية العالمية، جلبت معها مفارقات لا حدود لها. نحن لا نتحدث هنا عن المصائب التي أحدثتها الأزمة في الدول النامية، من جراء تراجع مستوى مساعدات الدول المانحة لها، ولا عن توقف العديد من المشاريع التنموية والإعمارية والصحية، ولا عن تراجع الإنفاق على التعليم وبرامج محو الأمية، ولا عن ضياع الأموال «الغلابة وغير الغلابة» على أيدي المحتالين الذين ظهروا في كل الأمكنة، ولا عن ارتفاع عدد الجياع 100 مليون ليصل العدد الإجمالي العالمي إلى 1.02 مليار نسمة، ولا عن عدد العاطلين الذين سيضاف إليهم مع نهاية العام الحالي أكثر من 59 مليون عاطل.. لا نتحدث عن هذه المصائب، بل عن مشكلة انفجرت في العالم الغربي، من جراء الأزمة العالمية. مشكلة.. لم تكن مطروحة للنقاش حتى في عز الأزمات. مشكلة.. كانت حتى عام مضى تخص الدول الفقيرة والنامية بل وحتى الدول التي اصطلح على تسميتها بالناشئة. هذه المشكلة تتلخص في ارتفاع عدد الفقراء، أين؟ في الدول الأوروبية الغنية!. فقد انضمت هذه الدول إلى الولايات المتحدة في هذا النطاق. فعدد الأشخاص الذين يعيشون عن طريق « كوبونات الإعاشة» في الولايات المتحدة، وصل حدا يقترب من عددهم أيام الحروب الكبرى ( 2.5 مليون أمريكي غاصوا خلال العام الجاري دون خط الفقر)، وكذلك الأمر في بعض الدول الغربية الغنية الأخرى، التي ارتفع فيها عدد المتاجر الخيرية وشبه الخيرية، التي تبيع المنتجات الضرورية بأسعار رمزية، لتمكين الأسر من الاستمرار في حياتهم، بأدنى حد من الكرامة.
فقد وجدت بعض الدول ومن بينها النمسا – رابع أغنى دولة في الاتحاد الأوروبي – أن الأزمة التي نالت من أغنيائها بصورة بشعة، تمكنت أيضا بصورة أبشع من غير الأغنياء فيها. فالقضية لم تعد تحسب بعدد العاطلين عن العمل ( في الاتحاد الأوروبي وصلت البطالة إلى 9.4 في المائة)، ولم تعد محصورة بمعدلات التضخم والإخفاق في تسديد القروض السكنية والمعيشية الأخرى، بل أيضا بلقمة العيش اليومية. وفي الوقت الذي بلغ فيه عدد المتاجر التي أغلقت في بريطانيا منذ بداية العام الجاري أكثر من 12 ألف متجر بسبب الأزمة، ارتفع فيها في المقابل عدد المتاجر الخيرية التي تبيع بضائعها بأسعار رمزية جدا، وفي بعض الأحيان مجانا، حسب حالة المشتري المعيشية. وفي فرنسا تجري الأمور في هذا الاتجاه. فعلى الرغم من أن مثل هذه الخطوات تصب ضمن النطاق الاجتماعي والإنساني، إلا أنها تترك أثرا بالغا في هالة وهامة هذه الدولة أو تلك. فعل يعقل – على سبيل المثال – أن بلدا كالنمسا يحتل المرتبة الرابعة في قائمة أغنى دول الاتحاد الأوروبي، أن يشهد انطلاق مجموعة من المتاجر الاجتماعية – الخيرية، من أجل «سد رمق الفقراء»؟!. نعم إن هذا يحدث وسيحدث بصورة أكثر درامية – ربما - في الأشهر القليلة المقبلة، في عدد آخر من البلدان الغنية. ويكفي الإشارة هنا، إلى أنه يعيش في العاصمة النمساوية فيينا أكثر من 200 ألف نسمة تحت خط الفقر، بينما لا يتعدى عدد سكانها أكثر من 1.6 مليون نسمة.
ومن ضمن المشاكل التي تواجهها الحركة الخيرية في الاتحاد الأوروبي ككل، أن جمعياتها تواجه أيضا شحا في التمويل والتبرعات، لأن الأزمة ابتلعت أموال جهات كبرى كانت تمثل مصدرا ماليا كبيرا لهذه الجمعيات، فضلا عن تراجع قدرة الأفراد في التبرع. لكن هذا لم يعرقل تحرك الكثير من المؤسسات الخيرية، لتأسيس « المتاجر الاجتماعية»، التي تشبه إلى حد بعيد «الجمعيات التعاونية» التي كانت منتشرة في دول الكتلة الأوروبية الشيوعية السابقة. صحيح أن «المتاجر الاجتماعية – الخيرية» لن تحل مكان المتاجر الأخرى العادية أو الفاخرة، لكن الصحيح أيضا، أنها دخلت السوق، التي كان «الاقتصاديون الملهمون» يعتقدون – بل ويؤمنون – بأنها لا تخطئ ولا تجلب إلا الازدهار والنمو!. لكن الذي جلبته – السوق وأزمتها العالمية – «استعارة» اجتماعية – غير مرغوبة – من كتلة بلدان سابقة، كان العالم ينظر إليها، على أنها تعيش في كوكب آخر.

الجمعة، 18 سبتمبر 2009

سنة ليست حلوة يا قبيح!





( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")


" كانت الحياة أكثر سهولة عندما كنا نحترم آباءنا وأمهاتنا، وليس بطاقات الائتمان"
الكاتب الأميركي الساخر روبرت أوربن

محمد كركوتــي

وقف وزير المالية الأميركي السابق هنري بولسون قبل عام، أمام مجموعة من الصحافيين في واشنطن، محمر العينين – ليس من فرط البكاء بل من زخم السهر- ليعلن للعالم أجمع، عن انهيار مصرف " ليمان برزرز" الأميركي، وليعزز دخول الإدارة الأميركية آنذاك التاريخ من الباب الخلفي، كأسوأ إدارة ابتلت بها البلاد، ليس سياسيا فحسب بل اقتصاديا. فقد كان هذا الإعلان شبيها بإعلان رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرتشل عن اندلاع الحرب العالمية الثانية، مع الفروقات في الحالتين. فالأول "بشر" بتفجر أزمة اقتصادية عالمية، تحول أمامها "الكساد العظيم" في العام 1929 إلى مجرد "نزهة غير سعيدة"!، ووقف عاجزا أمام تحديد أفق ما لها. والثاني، وضع العالم أمام مسؤولياته ومصيريه، مع تحديد آفاق عامة لهذه الحرب. ولعل هذا ما تسبب في زيادة حجم المصيبة التي نشرتها الأزمة. فأدوات الحل كانت مبعثرة، وحتى لو كانت متجمعة، لم تكن إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن، مؤهلة لاستخدامها. كانت هذه الإدارة تعيش فوضى القرار السياسي – الاقتصادي، أو لنقل كانت غارقة بما يمكن تسميته بـ "تزاحم القرارات"، وهي العدوى التي أصيبت بها من رئيسها "البطل" في "تزاحم الأفكار"، فهو الرئيس الوحيد في هذا العالم، الذي "شرح" ميزانية بلاده في أحد الأعوام بأنها "ميزانية.. لأنها تحتوي على أرقام كثيرة"!!.
لم يكن آلان جرينسبان رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق ( البنك المركزي)، أفضل حال من "متزاحمي القرارات والأفكار". فهذا الرجل الذي يتحمل المسؤولية الأولى على اندلاع الأزمة الاقتصادية المريعة (لقد سيطر على صناعة القرار الاقتصادي الأميركي لمدة تزيد عن 18 عاما)، وقف عاجزا أمام آليات فهمها!. فـ "كلينت ايستوود الاقتصاد" (الرجل تحول مع الأيام إلى نجم اقتصادي، لا إلى رجل اقتصاد)، اعترف بفشله في فهم ما جرى ويجري. ولم يجد غضاضة في القول: "إن هذه الأزمة لا تحدث إلا مرة كل قرن من الزمن"، وبالطبع لم يشر إلى دوره في جعل كل الأجيال يشهدون أزمة بهذه القباحة!، وبهذه الصورة التي لم تغير المعالم فحسب، بل أوجدت معالم اقتصادية واجتماعية وحتى سياسية جديدة، وأثارت قضايا، كان العالم يدعو الله كل صباح أن تبقى في قبرها. ولكي لا أظلم كلينت ايستوود الممثل والمخرج، يجب علي الاعتراف بأن هذا الأخير كان بارعا في مجال تخصصه، بينما قدم "ايستوود الاقتصاد" أبشع صورة للفشل، وأكثرها أذى.
المولودة (الأزمة)، بلغت سنة من "خريفها" لا ربيعها!، ومن حق الأجيال التي اكتوت بنارها، أن تنشد وتقول: "سنة ليست حلوة يا قبيحة". بل من واجب الجميع العمل على وئدها. فهذه الأزمة حملت من "الذنوب" ما يكفي لعدم سؤالها عن أسباب وئدها. نشرت خرابا ومهدت الطريق أمامه. تركت القطار يمضي من دون محطات ولا مكابح، بل أنها تركت السائق في نقطة الانطلاق. دمرت التسامح الذي كان بحده الأدنى. أيقظت المشاعر العدوانية. ضيقت الساحات – الضيقة أصلا -، وسدت الأنفاق التي قد توفر ممرات للخلاص. أوقعت ضحايا بات متخصصوا الإحصاء عاجزين عن حصرهم، فـ "العداد" أصبح أسرع من أن يُقرأ. إنها أزمة حولت العالم إلى ساحة حرب لا قادة فيها.. جنودها إما مهزومين أو مستسلمين!.
لقد ضخت الدول – لاسيما الكبرى منها – في عام واحد أكثر من 3000 مليار دولار أميركي في اقتصاداتها، ليس من أجل حل الأزمة – الحل لا يزال بعيدا – ولكن لحماية مؤسساتها ومصارفها، خصوصا تلك التي ترتبط بصورة غير مباشرة بـ " كرامة " و"وجاهة" حكومات الدول نفسها. وعلى الرغم من عمليات الضخ هذه، ما يزال الخراب منتشرا في كل الأرجاء، ولا تزال المخاوف مسيطرة حتى على أولئك الذين "يحبون" التفاؤل. فهؤلاء يعرفون أن غياب التشاؤم عن الساحة الاقتصادية العالمية في الأعوام التي سبقت الأزمة، ساهم بصورة أساسية في اندلاعها. ولكي تزيد الصورة قاتمة وقباحة، فقد كان "الاقتصاديون الملهمون" يسخرون من الاقتصاديين المتشائمين الذين حذروا من أن الخراب سيأتي، وطالبوا الحكومات – خصوصا التي كانت تمتلك زمام القرار الاقتصادي العالمي – أن تعيد النظر بمبدأ " دعوا السوق تعمل بدون ضوابط، ولا خوف من المشاكل التي قد تحدث فيها، لأن السوق قادرة على تصحيح نفسها"!. ماذا كانت النتيجة؟. لقد انهارت السوق والمصارف والمؤسسات التي كانت تتبجح طوال عقود بأنها لا تقهر، وبأنها أقوى من حكومات كثيرة في هذا العالم. والجواب البليغ جاء في الربع الأول من العام 2009 عندما سجلت الشركات المتعددة الجنسيات التي يبلغ عددها 368 مؤسسة متنوعة، تدهورا في أرباحها بلغت 75 في المئة!.. أين القوة إذن؟!.
ولمزيد من الحقائق عن "الحصون المنيعة".. أغلقت السلطات الأميركية في غضون ستة أشهر فقط 88 مصرفا، وهذا العدد يساوي ثلاثة أضعاف المصارف التي أغلقت في العام 2008. وفي مجال المصارف أيضا.. وأيضا، أغلق "بنك أوف أميركا" 10 في المئة من فروعه البالغة 6100 فرعا. ومن أكبر "الحصون" شركة " جنرال موتورز" التي لم تستطع الصمود في عين عاصفة الأزمة، فـ"سلمت" نفسها للحكومة.. والحكومة التي أخذت تؤمم ما أمكن تأميمه من الشركات، تواجه عجزا في ميزانيتها العامة يصل إلى 1800 مليار دولار، بعد أن فقدت 1300 مليار دولار من ثروتها الوطنية، في الثلاثة أشهر الأولى من العام 2009، مع وصول نسبة البطالة إلى 10 في المئة تقريبا، وارتفاع عدد الأميركيين الذين يعتمدون على "كوبونات الإعاشة" إلى شخص واحد من كل عشرة أشخاص ( بلغ عددهم 34 مليون).، في حين دخل أكثر من 2,5 مليون أميركي دائرة الفقر رسميا، وذلك طبقا لمكتب الإحصاء السكاني!.
هذه الصورة المصغرة للوضع الاقتصادي الأميركي تحت رحى الأزمة، هي نفس " اللوحة" في بعض بلدان العالم المتناغمة اقتصاديا مع الولايات المتحدة، ولكنها حلت بوقع أشد على بقية الدول التي لا تمتلك مقدرات القرارات الاقتصادية الكاملة. فقد "ارتكبت" الأزمة جريمة وصول عدد الذين يعانون من الجوع – لا الفقر – حول العالم إلى 1,02 مليار جائع. وعلى الرغم من الزيادة المتواضعة لمستوى الدعم المقدم لصندوق النقد والبنك الدوليين، إلا أن مساعدات الدول المانحة تراجعت بصورة مخيفة، ودمرت الكثير من مخططات التنمية. بل أن الأزمة ضربت ما يعرف بـ "أهداف الألفية" التي وضعتها الأمم المتحدة في العام 2000 لخفض عدد الجياع والأميين إلى النصف بحلول العام 2015. كيف يمكن تحقيق هذه الأهداف، وستضيف الأزمة بحلول العام 2009 أكثر من 59 مليون عاطلا عن العمل حول العالم، بعد أن تراجع حجم الاستثمارات الخارجية في الدول النامية بحدود 30 في المئة، وانخفضت التحويلات للدول نفسها بنسبة 20 في المئة!. ماذا ارتفع في المقابل؟. حجم "صناعة البغاء"، وعمليات تشغيل الأطفال حتى في الدول المتقدمة ( الراشدة)!.. بل ارتفع معدل "الاتجار بالبويضات الأنثوية"!، وعدد العائدين إلى بلدانهم الأصلية، من البلدان التي كانوا يعملون فيها. مهلا.. مهلا، في "قطاع الارتفاع" – إن جاز الوصف - انضم المحتالون بدءا بالأميركي برنارد مادوف، ولكن من دون نهاية لهم. فقد أخذوا بالظهور في كل الأرجاء، بما في ذلك في المنطقة العربية، إنهم مثل السرطان، الكل يعرف أن يظهر، لكنهم لا يعرفون كيفية القضاء عليه.
يقول الرئيس الأميركي باراك أوباما:" لقد أطفأنا الحريق، لكن الاقتصاديين – لاسيما أولئك العاملين في وول ستريت – لم يبدوا ندما على ما حدث، بل أنهم لم يتعلموا من الأزمة".
وليس لدي تعليقا على كلام أوباما، سوى : يا إلهي.. هل يخططون لارتكاب أزمة جديدة، بينما لا تزال "جثث" ضحايا الأزمة الراهنة في مسرح الجريمة؟!!.

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2009

أخلاق مصرفية .. لا تُصرف!


( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية" )
«العالم يحترق بنار الرغبة في الجشع والغطرسة والأنانية»
الفيلسوف الهندي سري جورو جرانث
محمد كركوتــي
للشاعر الأمريكي روبرت فروست تعريف بليغ للمصرف (البنك). فهو يقول: ''إن المصرف هو المكان الذي يقرضك مظلة في الطقس الصافي، ويطالب باسترجاعها عندما يبدأ المطر بالهطول''!. وإذا كان هذا التعريف ينطبق على عملاء المصرف – ولا سيما المقترضين من أجل الضروريات لا الكماليات - إلا أنه لم يكن قابلا للتطبيق على مديريه، فهؤلاء هم الذين يقررون استعادة المظلة في اليوم الماطر. من الصعب أن تجد عميلا لمصرف ما ''هائما في حبه''، وفي المقابل.. من السهل العثور على عميل، يمكنه أن يستعرض أمامك جملة من السلبيات عن مصرفه، مع مسحة ''كراهية'' توازي هذه السلبيات حجما. وبسبب تغير الآليات - بل والثقافة المصرفية - التي كانت سائدة منذ 20 عاما، وحتى اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية في أيلول (سبتمبر) من عام 2008، تغيرت مسببات الجفاء المعهود بين العميل ومصرفه، من التشدد في منح القروض، إلى توريط العميل في الحصول عليها، دون - طبعا - إغفال ''شهوانية'' العميل للاقتراض، وجشعه في الحصول على الأموال التي يعرف - والمصرف يعرف معه أيضا - أنه لا يستطيع إعادتها!.
وبعيدا عن هذه العلاقة المريضة، التي تراجع حراكها، مع تقدم الأزمة الاقتصادية العالمية، فإن حالة مديري المصارف – ولا سيما الكبرى منها - أصبحت شبيه بحالة عملائهم. فالمظلات التي استعادوها في اليوم الماطر، سيتخلون عنها عنوة في اليوم الماطر والعاصف أيضا، الذي اختفت فيه حتى الملاجئ!. ولأن الوضع كذلك، فإني أستطيع أن ألمح ''ابتسامات'' العملاء المكبلين بالقروض - غير الميسرة - وأولئك الذين تُركوا على قارعة الطريق، يحاولون العثور على ملاجئ تقيهم الأمطار الرعدية والبرقية وزوابعها. فـ ''الإنفلونزا'' المؤكدة التي سيصابون بها، سيتابعونها في تحركها لإصابة المديرين أنفسهم. لماذا؟.. لأن ''المظلات'' آخذة في التجمع بأيدي الحكومات، التي أصبحت شريكة في بعض المصارف، وصاحبة رأس المال الأكبر - والكلي - في بعضها الآخر، عندما تدخلت - وتتدخل - لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه المؤسسات المالية.
لقد انتقل ميدان ''الأخلاقيات المصرفية'' التي لا تُصرف، من ساحة المصارف والعملاء، إلى ساحة المصارف والحكومات. فالتدخل الحكومي الذي كان مُحرما في مصارف الدول الغربية بشكل عام، بات ضروريا في الوقت الراهن. ليس فقط بسبب الأموال الحكومية - أموال دافعي الضرائب - التي ضخت في هذه المؤسسات، بل أيضا من أجل أن يتوصل العالم أجمع - وليس الدول الغربية فقط - إلى وضع نظام مالي عالمي جديد، على رأس أولوياته، التعلم من عِبر الأزمة التي فاقت كل الجامعات في زخم دروسها. ومن ضمن الملفات التي وضعت على الطاولة، ملف لا يوجد مدير مصرف واحد يريد فتحه، وإن تمكن من حرقه لن يتردد لحظة واحدة. ملف يعج بوثائق الجشع والغطرسة والأنانية، من المستحيل العثور فيه على ورقة واحدة ترتبط بالأخلاق. إنه ملف مكافآت ورواتب مديري ورؤساء المصارف. فهذا الملف دخل التاريخ مرتين. في المرة الأولى: من هول المكافآت والرواتب الضخمة التي يصرفها المديرون لأنفسهم. وفي المرة الثانية: لأنه وُضع لأول مرة، ضمن نطاق مباحثات ومفاوضات، الدول التي أخذت زمام المبادرة الاقتصادية العالمية، من خلال ''مجموعة العشرين''. فحتى المجموعات والكيانات الدولية التاريخية المعروفة الأخرى ( مجموعة السبع والثماني، والاتحاد الأوروبي وغيرها)، لم تُقدم في السابق على مثل هذه الخطوة. لقد كانت الحصانة المريعة التي تمتعت بها هذه المصارف والمؤسسات المالية، على مدى عقود من الزمن، سببا رئيسيا في الدمار الاقتصادي الذي يعيش فيه العالم الآن.
تتحرك فرنسا ومعها كل دول الاتحاد الأوروبي - ما عدا بريطانيا - لسن قانون دولي من خلال ''مجموعة العشرين'' في قمتها التي تنعقد في الولايات المتحدة أواخر شهر أيلول (سبتمبر) الجاري، يضع حدا أقصى لرواتب ومكافآت مديري المصارف. والتحرك الفرنسي جاء عمليا في أعقاب إجراءات وضعتها حكومة الرئيس نيكولاي ساركوزي، وقبلتها البنوك الفرنسية لتقليص هذه الرواتب والمكافآت، لا سيما تلك التي تدفعها المصارف لمضاربيها، أو لنقل إلى ''مقامريها''. لكن في بريطانيا وجهة نظر أخرى، وإن تماشت مع التحرك الفرنسي في خط، إلا أنها ليست كذلك في خط آخر. فرئيس الوزراء جوردون براون، تعهد باتخاذ إجراءات صارمة بشأن المكافآت المبالغ فيها في إطار مسعى دولي، ويعتبر أن الرواتب والمكافآت يجب أن تُمنح على أساس النتائج على المدى الطويل، وليس وفق معايير المكاسب عن طريق المضاربات، بل ويمضي أبعد من ذلك بمطالبته بضرورة أن تُسترد المكافآت إذا ما تدهور الأداء في الأعوام اللاحقة. وهذا ''جميل جدا''، لكن الجانب ''غير الجميل''، هو أن براون، لا يرغب في وضع حد أقصى للمكافآت بشكل عام!. ولا شك في أن رئيس الوزراء البريطاني أراد بموقفه المتباين مع موقف الرئيس الفرنسي، أن يحافظ إلى أقصى مدى على وضعية لندن كأهم مركز مالي أوروبي، لكن غاب عنه، أن الأزمة الاقتصادية العالمية، غيرت كثيرا من الأساسيات، وقلبت كثيرا من الثوابت التي كانت قائمة قبلها. والغريب أن الإدارة الأمريكية تقف إلى جانب الحكومة البريطانية في موقفها هذا، على الرغم من أن الولايات المتحدة، كانت من أكثر الدول اكتواء من لهيب هذه المكافآت والرواتب و''بقشيش'' السمسارة!.
والأغرب من هذا، أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما نفسه، لم يتوقف عن مهاجمة مديري المصارف، بسبب مكافآتهم الهائلة التي يمنحونها لأنفسهم، ومن عدم تعلمهم من دروس الأزمة. والواقع أن الوقاحة بلغت أعلى مستوى لها عند مديري المصارف والمؤسسات المالية الأمريكية، عندما صرفوا لأنفسهم أكثر من 19 مليار دولار أمريكي كرواتب ومكافآت.. وماذا أيضا؟.. حوافز! عن عام 2008، الذي انفجرت فيه الأزمة الاقتصادية، بل إن حجم هذه الأموال، لم يتراجع حتى في ظل الضخ المالي الحكومي في المصارف والمؤسسات المالية!. فهذه '' القطط'' (المديرون المصرفيون) تسمن في وقت يعاني فيه العالم أجمع ''من سوء التغذية''، وتتضخم في زمن تتقزم فيه مؤسساتها!. والحالة نفسها تقريبا في بلد كبريطانيا. فلا تزال قصة المدير السابق لمصرف ''بنك أوف اسكوتلاند'' فريد جودوين الذي رفض التنازل عن راتبه التقاعدي مدى الحياة البالغ مليون دولار أمريكي سنويا، رغم أن مصرفه مني بخسائر في عام 2008 بلغت أكثر من 34 مليار دولار أمريكي.. لا تزال هذه القصة تدور في الأروقة والساحات. ولمزيد من الدهشة، فإن خسارة هذا المصرف هي الأكبر على الإطلاق في تاريخ المؤسسات المالية البريطانية، يضاف إليها 400 مليار دولار، هي عبارة عن ديون مشكوك في تحصيلها، بل لنقل ''ديون معدومة''.
والذي يزيد من غرابة موقف رئيس الوزراء البريطاني الرافض لوضع حد أقصى لرواتب ومكافآت المصرفيين، أنه هو نفسه قال: ''أنا مستعد لتقليص راتبي ولا أخشى عليه. وإذا ما تم الاتفاق على تطبيق ذلك على الجميع، فسأكون مستعداً بالكامل لهذه الخطوة. فأنا لا أقوم بعملي الحالي في سبيل المال''. مرة أخرى.. إنه كلام جميل، خصوصا وأن جوردون براون، ليس من أولئك السياسيين الماكرين، لكن الكلام سيكون أجمل، لو تعاون هذا الأخير مع قادة الدول الساعية، لوضع حد لجشع مديري المصارف. وخطوة مثل هذه ستخفف آلام الأزمة الاقتصادية في مجتمعات، شهدت تصاعد قوة المصارف الكبرى، لتتوازى في بعض الدول مع قوة الحكومات نفسها. إن تحديد مستوى الرواتب والمكافآت في القطاع المصرفي، لم تعد داخلية أو محلية أو وطنية، لقد أصبحت عالمية، لأنها - أي المصارف والمؤسسات المالية - قدمت أزمة اقتصادية لا شبيه لها في التاريخ الحديث، والذي يرضي الرأي العام حاليا، هو كبح جماح المديرين المصرفيين، بعدما تم كبح جماح الأدوات المصرفية التي كانت محصنة من الضوابط والشكوك والمساءلة. والخلاف البريطاني - الأوروبي حول هذه القضية، سيدفع الرئيس الفرنسي للحديث مجددا، عن الدور المدمر للنظام الاقتصادي ''الأنجلو سكسوني''، الذي ذوبته الأزمة الاقتصادية، ومنحت صنع القرار لـ ''مجموعة العشرين''، ليس فقط لتأسيس نظام مالي عالمي جديد خال من الشوائب والريبة، ومن مبدأ ''دع السوق تصحح نفسها''، بل لتحديد مستوى معاشات مديرين يكافئون أنفسهم حتى على الفشل!!.

السبت، 5 سبتمبر 2009

لا جدار أمام الأخلاق



(هذا المقال خاص بموقع " سي إن بي سي عربية")

* في الصورة: محمد كركوتي أمام الجدار القبيح

"الفلسطينيون وحوش تمشي على قدمين"

رئيس وزراء إسرائيل السابق مناحيم بيجين

محمد كركوتــي

عندما وضع أرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل "المغمى عليه"، حجر الأساس لأبشع جدار عرفه التاريخ، بما في ذلك جدار برلين الشهير، لم يكن يسعى فقط للوقاية من الهجمات الفلسطينية، بل كان يعمل على تقسيم الشخصية الفلسطينية نفسها، وتحويل معاناة الفلسطينيين إلى "سلوك" يومي متواصل. فهو يعلم – قبل أن يغيب عن الوجود وهو موجود! – أن الجرح الداخلي أقبح وأكثر ألما وفظاعة من الجرح الخارجي. لقد أقيم الجدار داخل النفس الواحدة معنويا! وداخل المنزل الواحد جغرافيا، وفي حين فشل شارون في فصل النفس الواحدة عن بعضها البعض، نجح في فصل المنزل الذي مر منه الجدار عن مطبخه وعن صالة الجلوس!، مع فشل العالم – بما في ذلك الأمم المتحدة- في الوقوف أمام تمدد الجدار، ومستوى ارتفاعه. فقد تجاوزت "هامة" هذا الجدار العنصري القبيح، هامات دول بأكملها.
نقاط العبور عبر الجدار التي هي عبارة عن مواقع عسكرية كاملة توزع المهانة اليومية، والأسلاك الشائكة على قمته تنشر الذل، وأبراج المراقبة تشبه تلك التي كانت منتشرة في سجن "سان كوانتن" San Quentin الأميركي الرهيب، الذي كتب عنه المغني الأميركي الراحل جوني كاش أغنية قال فيها : "سان كوانتن أنا أكره كل إنش فيك". تصاريح العبور( يلفظها الإسرائيليون: تصاريخ) التي يحتاجها الفلسطينيون يوميا للنفاذ من منطقة "المطبخ" إلى "الصالون"، هي مصيبة يومية، وفي الوقت نفسه هي ساعية ( نسبة للساعة)، لأنها تمنح بالدقائق لا بالأيام!.
هذا الجدار العنصري المذل المريع، شارك في توفير مواده بعض من رجال الأعمال الفلسطينيين، وبعض هذا البعض تبوأ مناصب عالية في السلطة الفلسطينية القاصرة في السنوات القليلة الماضية. وفر هؤلاء الحديد والاسمنت وحتى المياه، لرفع الجدار مدماكا إثر مدماك، ولبناء أبراج المراقبة المطلة على الشعب الفلسطيني السجين. لم يكن شارون يريد أكثر من ذلك. فقد استطاع إشراك السجين في بناء سجنه!.. تماما مثل بعض الاتفاقيات الإسرائيلية – الفلسطينية، التي نصت على " أن يعتقل الفلسطينيون أنفسهم"!. وبذلك حقق هذا "المغمى عليه"، أبشع أنواع التطبيع.
أمام هذا الوضع المشين، تظهر على الساحة مَن؟.. النرويج التي أعلنت حكومتها قبل أيام: أن صندوق ثروة البلاد البالغة قيمته 400 مليار دولار أميركي، استبعد التعامل مع شركة "البيت سيستمز" الإسرائيلية لتوريدها تجهيزات مراقبة للجدار العازل في الضفة الغربية المحتلة. أي أنها رفضت التعامل حتى مع شركة مراقبة، لا شركة بناء!. وقالت وزيرة المالية كريستين هالفورسن: "إننا لا نرغب في تمويل مؤسسات تشارك بهذا الشكل المباشر في انتهاكات للقانون الإنساني الدولي". لقد استندت النرويج إلى قرار محكمة العدل الدولية القاضي بأن هذا الجدار القبيح ينتهك معاهدة جنيف الرابعة. وبذلك عزز "صندوق ثروة النرويج" مبادئه الأخلاقية في التعاطي مع المؤسسات والشركات المختلفة. فهو يلتزم - وأوفى بالتزامه - بمبادئ استرشادية أخلاقية، أصدرتها وزارة المالية. وسبق للصندوق نفسه أن استبعد شركات تنتج أسلحة نووية أو ذخائر عنقودية أو تلحق أضرارا بالبيئة أو تنتهك حقوق الإنسان أو العمال.
لقد قررت أن أخوض شخصيا " رحلة الجدار"، عندما كنت مشاركا في مؤتمر " الاستثمار في فلسطين" الذي عقد في بيت لحم قبل عام ونصف العام. وخبرت المهانة اليومية التي يتعرض لها الفلسطيني كل يوم، في العبور عدة أمتار من طرف الجدار إلى طرفه الآخر. الرشاشات فوق الرؤوس، والكاميرات حول الأجساد، و"التصاريخ" في الأيدي مع أحزمة البنطلونات، بل البنطلونات نفسها تتحول إلى "يدوية" في نقاط العبور. جندية شقراء جميلة، سألت فلسطينيا كان بجانبي، عن سبب "عبوره"، فرد عليها: أنه يريد أن يزور ابنته، التي لم يلتقيها منذ بناء الجدار!، بينما لو كان رفع صوته مناديا عليها من وراء الجدار لسمعته وردت عليه!. لن أتحدث عن آلاف العمال الذين يعبرون أمتارا لا تزيد عن عشرين، في ظرف ثلاث ساعات وأكثر، علما بأن " التصاريخ" ليس من الضروري أن تضمن العبور. ولن أتحدث عن التخريب البيئي الذي ارتكبه الجدار، ولن أتحدث عن الآثار الصحية المدمرة التي يتركها عند الفلسطينيين، ولا عن شح المواد الغذائية الأساسية. فهذه قضايا تحتاج إلى "مجموعة العالم" لتناولها، لا مجموعات السبع ولا الثماني ولا العشرين ولا حركة عدم الانحياز ولا غيرها من مجموعات عالمية.
لكني لا أستطيع إلا أن أنحني أمام الحكومة النرويجية وأخلاقياتها الآتية من أقصى شمال الكرة الأرضية، وأقف بهامتي أمام أولئك الذين حملوا أكياس الاسمنت وقضبان الحديد، ليس من أجل بناء مدرسة أو مستشفى أو حتى متاريس.. بل من أجل بناء سجن ليُعقتلون فيه . إنهم مثل الوثنيين الذي يصنعون الأصنام ليعبدونها!.

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2009

مهاجرون في ظل "قومية إقليمية" مهزوزة!




(هذاالمقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

"علينا أن نتذكر دائما نحن جميعا.. أنت وأنا شخصيا، ننحدر من مهاجرين وثوار"
الرئيس الأميركي الراحل فرانكلين روزفلت

محمد كركوتــي

في كتابي الذي صدر في يونيو/ حزيران الماضي تحت عنوان " في الأزمة"، كتبت في أحد فصوله، عن بزوغ ما يمكن تسميته بـ " القومية الاقتصادية"، من جراء الأزمة الاقتصادية العالمية، التي لم تغير آليات الحراك الاقتصادي فحسب، بل أطلقت العنان للمشاعر القومية (والمحلية) بصورتها السلبية، وأعادت التطرف إلى الانتماءات الوطنية في دول، كانت – قبل الأزمة- تفتخر بأن وطنيتها الحقيقية " الجميلة" ، تكمن في عمق الانتماء الإقليمي لها، وكانت تقر أن الانغماس في "وطنية عصبية"، لا يسبب أضرارا للكيان الإقليمي، بل يصيب هذا البلد المتعصب بأضرار فادحة، في مقدمتها، عدم الاستفادة من السوق الكبيرة المفتوحة أمامه، بالصورة التي تستفيد منها البلدان الأخرى، ذات " القومية الإقليمية" – إن جاز الوصف - . في منظومة ضخمة كالاتحاد الأوروبي تنعم بأكبر اقتصاد في العالم ( الناتج الوطني السنوي لدول الاتحاد يبلغ 18,394,115 مليار دولار أميركي، من أصل الناتج الإجمالي العالمي البالغ 60,689,812 مليار دولار) بات الإيطالي– بعد الأزمة – الذي يعمل في شركة فرنسية تزاول نشاطاتها في بريطانيا مقتنصا لفرصة عمل بريطاني. والبرتغالي الموظف في شركة بريطانية في أسبانيا، يبعد أسباني عن وظيفة. والمزارع الروماني الذي يحرث بستانا في اليونان، يضع الفلاح اليوناني في قائمة ملتقي إعانات البطالة. وحتى السمسار البريطاني في بورصة لندن، يصعب عليه تخفيف نظرات الكراهية لكل السماسرة الفرنسيين والبلجيكيين وزملائهم من غير البريطانيين العاملين في هذه البورصة. فهؤلاء قد يحصلون على وظيفته، في خضم التزاحم اليومي في ميدان السوق. فما كان مقبولا قبل الأزمة، أصبح مكروها بعدها، والمشاعر تجاه الجار – وحتى الشريك – لن تكون بمعزل عن ذلك.
وإذا كانت هذه التحولات مشينة في منظومة تنص اتفاقياتها على معاملة البريطاني في فرنسا.. كفرنسي، واليوناني في النمسا.. كنمساوي، واللكسمبورجي في إيطاليا.. كإيطالي، والفنلندي في ألماني.. كألماني، فإنها ليست بهذا الزخم المشين عندما ترتبط بمهاجر قادم من آسيا أو الشرق الأوسط أو أفريقيا، أو حتى من بعض دول الكتلة الشرقية الأوروبية، التي لم تنغمس دستوريا بعد في هيكلية الاتحاد الأوروبي. صحيح أن هناك اتفاقيات دولية تنظم وضعية المهاجرين – بشكل عام – وصحيح أن الدول الراشدة - والأوروبية منها – لن تتجاوز هذه الاتفاقيات، إلا أن الصحيح أيضا، أن الاحتياجات الاقتصادية والبشرية في الدول الحاضنة لأكبر عدد من المهاجرين، تغيرت، بفعل الأزمة العالمية، وبدأت تسن القوانين التي تحد من الهجرة، أو على الأقل التشريعات التي "تغربل" المهاجرين. فالذي تحتاجه الآن، مهاجرون مؤهلون، لا مهاجرين متطفلين يسعون فقط إلى حياة أفضل، من تلك التي يعيشونها في بلدانهم الأصلية. ففي بلد كبريطانيا - معروف بالتسامح والتساهل مع المهاجرين- بدأ صناع القرار فيه، بوضع مخططات جديدة لتشديد شروط الهجرة والجنسية. والشروط التي كانت مطلوبة بالأمس، لم تعد صالحة لليوم وللغد. وبريطانيا التي كانت مصدرة للقوانين والتشريعات على مستوى العالم، قررت استعارة بعض تشريعات الهجرة الأسترالية. والقوانين الجديدة تضع العاملين الأجانب – وحتى الطلاب! - ضمن تصنيفات تتعلق بمؤهلاتهم وأعمارهم، ومدى حاجة البلاد إلى مهاراتهم في إطار السعي لضبط عملية تدفق الأجانب الباحثين عن عمل. وحسب المشرعين البريطانيين، فعندما تشهد البلاد أزمنة اقتصادية عصيبة، ينبغي إعادة النظر في كل شيء، وفي أي شيء، لكي تتمكن الحكومة من الاستجابة بمرونة وفاعلية لتغير الاحتياجات الاقتصادية للبلاد.
في بريطانيا يصل عدد المهاجرين إلى 5 ملايين مهاجر، أي ما يوازي 7,9 في المئة من مجموع عدد السكان البالغ 59 مليون نسمة. ويصل إلى البلاد يوميا أكثر من 1500 مهاجر من مناطق، تعاني غالبيتها من الفقر والتخلف والفساد والحروب والصراعات القبلية. والحق أن بريطانيا وضعت منذ سنوات سياسة متشددة – لا قوانين جديدة واضحة - بشأن الهجرة. فقد اتبعت "سياسة العراقيل" أمام الراغبين بدخول البلاد والعيش فيها، باستثناء من يتمتعون بمهارات عالية من العمالة الأجنبية. والواقع أن السياسة المتشددة هذه، لم تنطلق لأسباب اقتصادية، بل لأسباب أمنية، مع اشتداد خطر الإرهاب البغيض عليها. فالإرهابيون شوهوا الوجه البريطاني المتسامح حيال المهاجرين واللاجئين بشكل عام، تماما كما شوهت الأزمة الاقتصادية العالمية، المشهد الاقتصادي الذي كان سائدا قبلها، وبعثرت مشاعر الإنسان، كما عبثت بإنسانية المكان. وبعيدا عن الإرهاب الذي يجب أن يحارب بكل الوسائل، بصرف النظر عن مبرراته، فإن قوانين أو نظام الهجرة البريطاني الجديد، يتعرض لانتقادات حادة من جانب لجنة من المشرعين. فهذا النظام يركز على المؤهل العلمي فقط، لاستقطاب هذا المهاجر أو ذاك، بينما يعتقد المشرعون المعترضون أن هذا التركيز يأتي على حساب عوامل أخرى، في مقدمتها القدرة على العمل أو الخبرة المكتسبة، إلى جانب طبعا انتقادات أرباب العمل، الذين اعتبروا أن نظام الهجرة الجديد والتعديلات المقترحة عليه، يحول دون تمكنهم من جلب وتوظيف العمالة الماهرة الضرورية، وغير المتوفرة في الساحة المحلية.
من المؤكد أن الصراع التشريعي سيتواصل في بريطانيا، فهذا البلد لا يصدر عادة قوانين وتشريعات ارتجالية سرعان مع يضطر واضعوها إلى إلغائها وإطلاق المبررات المضحكة، خصوصا في البلدان التي لا تعاقب المخطئين – وحتى الفاشلين – بل تمنحهم الترقيات!. والحقيقة أنه حتى قبل إقرار التشريعات الجديدة الخاصة بالهجرة والعمل والتحصيل العلمي، بدأت أعداد من المهاجرين مغادرة بريطانيا طوعا. وطبقا لـ " معهد أبحاث السياسة العامة" البريطاني فإن عدد هؤلاء سيصل إلى مليون مهاجر في غضون السنوات القليلة المقبلة بسبب الأزمة الاقتصادية. وحسب دراسة للمعهد نفسه، سيغادر البلاد كل عام 200 ألف مهاجر على الأقل في غضون الخمس سنوات المقبلة. وإذا ما اعتبرنا أن أبناء دول الكتلة الشرقية الأوروبية السابقة من المهاجرين ( عمليا هم من مواطني الاتحاد الأوروبي) فقد بلغ عددهم في السنوات الماضية في بريطانيا أكثر من 1,1 مليون نسمة، لكنه في أعقاب الأزمة، غادر منهم ما يقرب من 550 مليون نسمة. وهذا يعني أن هذا البلد الذي يتميز بقدرات جاذبة للمهاجرين الوافدين – مقارنة بالبلدان الأوروبية الأخرى – بدأ بالتحول إلى بلد "هجرة معاكسة".
يقول رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرتشل: " الأمم القوية لا تكون عادلة، ولكن عندما تريد أن تصبح عادلة، تكون قد فقدت قوتها"!. ولا شك أن قوة بريطانيا – كغيرها من الدول الكبرى المنكوبة من الأزمة الاقتصادية – لم تعد كما كانت، والمؤشرات كلها تدل على أنها لن تعود إلى وضعيتها ما بين فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية والأزمة الاقتصادية الراهنة. بل أن الكبار فقدوا بعضا من "عدة" صنع القرار الاقتصادي العالمي. لماذا؟. لأن الأوقات تتغير.. وتتغير معها المتطلبات والآليات، وحتى المبادئ والمشاعر. وإذا كانت بريطانيا المتسامحة، تمضي في هذا الطريق، يمكننا أن نتصور أشكال التعاطي مع المهاجرين والعمالة الوافدة في بقية بلدان العالم. والدول التي "تستعيد" عمالها ومواطنيها في هذا الوقت بالذات، تحتاج إلى خطط إنقاذ جديدة، ليس فقط من أجل احتواء العاطلين – العائدين، بل من أجل توفير الحصانة للمجتمع بأكمله. فالغالبية العظمى من هؤلاء لا يعودون كمستثمرين، ولا كرجال أو سيدات أعمال.. يعودون باحثين عن فرص عمل، ينتظرها في " الطابور" الملايين من أولئك الذين لم يستطيعوا مغادرة بلادهم.

الأحد، 30 أغسطس 2009

زرنيخ الجمال؟!



( هذاالمقال خاص بموقع "سي إن بي سي عربية")


" الموت بالزهر مثل الموت بالفحم"
الشاعر أحمد شوقي


محمـد كركوتـي

للممثلة الإيطالية الجميلة ( ولا أقول البارعة) صوفيا لورين، تصور خاص بها عن المرأة. فهي تقول: "إن جمال المرأة هو خمسين في المئة مما تملك، وخمسين في المئة مما يعتقد الآخرون أنها تملك". وقد استحضرت كلمات " الجميلة السابقة"، في خضم أخبار عن وجود مستحضرات تجميل نسائية "ملوثة"، في أسواق مختلفة من منطقة الخليج. مستحضرات تعج بالرصاص والزرنيخ وقطران الفحم وحتى أحبار الطابعات.. وغيرها من المواد السامة، وكأننا نتحدث عن صناعات ومنتجات عسكرية، لا تجميلية!. لقد وجدت رابطا بين هذه المستحضرات القاتلة، والخمسين في المئة الثانية في توصيف لورين. فالنصف الثاني لجمال المرأة، يعتمد بصورة أساسية على التجمل ( عمليات التزين) ، لا التجميل ( عمليات الجراحة)، وإذا ما واجهت عمليات التزين مخاطر من جراء المستحضرات والأدوات المستخدمة، سيكون الناتج عبارة عن " خطورة جمال، لا " جمالا خطيرا"!. وتتفق عفيفة بدر رئيس مجموعة سلامة المواد الاستهلاكية في وزارة الصحة البحرينية، مع هذا الطرح. فهي تقول:" إن هناك انتشارا واسعاً لمجموعة من المستحضرات التي تقبل عليها الفتيات الخليجيات دون معرفتهن المباشرة بضررها".
ولأنني لا أفهم تركيبات مستحضرات التجميل، فقد سألت صديقا مختصا في لندن عنها. وطلبت منه توصيف وجود مستحضرات من الكحل العربي في الأسواق، تحتوي على ما بين 20 إلى 80 في المئة من مادة الرصاص. فما كان من هذا المختص إلا القول بالعربية والإنجليزية : "يا إلهي.. هل هناك مستحضر بهذه المحتويات؟". ورغم أن كلمة "يا إلهي" تفي السؤال ردا، إلا أنني طلبت مزيدا من الأجوبة – غير القدرية – فقال: "الجلد يمتص الرصاص ويصل بذلك إلى الدم، ومن المحتمل أن ينتقل هذا الرصاص إلى الرضيع عن طريق الرضاعة، إذا ما كانت الأم تستخدم هذا المستحضر التخريبي". ولم يتوقف المختص المذهول عن هذا الحد فقال: " إن زيادة نسبة الرصاص في الجسم، قد يؤدي إلى الإصابة بالعقم والعمى وشلل الأطراف وحتى الوفاة!". وفي الحناء تدخل مادة قطران الفحم، التي ثبت وجودها بصورة رهيبة في المستحضرات المتوفرة في بعض الأسواق الخليجية. وفي الوشم توجد مادة الزرنيخ، التي تمنع مستخدمها من التبرع بالدم لمدة عام على الأقل، فكيف الحال إذا ما كانت كميتها غير طبيعية. وللمزيد من الصدمات، تم العثور على مستحضرات وشم، احتوت على أحبار تستخدم في الطابعات.
ولكي ننتقل من الحديث العام إلى الخاص، فقد أعلنت الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية عن تلوث 9 من عينات لمنتجات كُحل مسوقة محلياً بالرصاص والبكتيريا. وأثبتت الهيئة بعد التحليل تجاوز كمية الرصاص المسموح بها في الكحل بما يفوق 10 أضعاف! إضافة إلى احتواء سبع من العينات التسع على نسبة عالية من البكتيريا بما يزيد على المواصفات المسموح بها. وفي دبي صادرت بلديتها خلال حملة تفتيشية على الأسواق 16 نوعاً من الكُحل، جميعها غير مسجّل لدى البلدية، ستة منها تحتوي على مواد سامة، تسبب الإصابة بالسرطان وأمراض العيون والجلد. وهناك الكثير من المواد التي لم تفتضح بعد، تنتظر النساء، لتكملة خمسين في المئة من جمالهن، الذي يعتقد الآخرون أنهن يمتلكونه.
إن الارتفاع المرعب للمواد السامة في هذا النوع من المنتجات، يقابله انخفاض مريع في مستوى التوعية الاستهلاكية، حتى في المجتمعات التي تعج بالخيارات الاستهلاكية. وهذا أيضا يفتح الملف المغلق دائما في البلدان التي لا تزال تتعاطى مع حقوق المستهلك، كتعاطيها مع دورها في استكشاف الفضاء!. لا شك في أن هناك دول تبذل الكثير من الجهود، من أجل الحد من عمليات "الغش الاستهلاكية"، لكن هذه الجهود تشبه تلك التي تبذلها نفس الدول في كبح جماح الأسعار، لاسيما أسعار المواد الاستهلاكية الضرورية. إنها جهود موسمية وآنية، لم تصل بعد إلى الحالة المستدامة. وإذا كانت هناك مشكلة في كبح الأسعار وتكريس مبادىء الجودة، فلا غرابة من وجود مستحضرات تجميل مليئة بالزرنيخ والقطران والرصاص وربما إشعاعات نووية.. هي في الواقع " مستحضرات تشويهية".
وإذا كا هناك مجال لنصيحة ما.. فمن الأفضل للمرأة التركيز عن الخمسين في المئة الأولى من جمالها. ولتترك الآخرين يعتقدون، كيفما طالب الاعتقاد!.

الثلاثاء، 25 أغسطس 2009

قوانين ضريبية تشبه الجبنة السويسرية!




( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")

"عندما تكون هناك ضرائب، الرجل الشريف يدفع أكثر، وغير الشريف يدفع أقل، على نفس الدخل".
الفيلسوف اليوناني أفلاطون

محمد كركوتــي

ادفعوا الضرائب قبل فوات الأوان. يمكن لهذه الجملة أن تشكل شعارا للمرحلة المقبلة على الساحة العالمية، مع بدء حكومات الدول النافذة بـ "تزييت" أسلحتها الضريبية التي علاها الصدأ طوال العقود الماضية. الحرب الضريبية الجديدة، لا تختلف من حيث اتساع رقعتها، عن الحرب العالمية الثانية، التي كانت تدور في قلب أوروبا، ومعاركها المتصلة وصلت العالم أجمع بكل قاراته وبحاره ومحيطاته. وإذا كانت الحروب ناتجة عن فشل المعارك السياسية والدبلوماسية، فإن الحرب الضريبية ولدت من أزمة اقتصادية عنيفة، دفعت الحكومات - ومعها الشعوب - إلى البحث عن مصادر مالية، حتى لو كانت" حصالات الأطفال". فعندما تحتاج إلى المال، تبحث عنه "تحت البلاطة"، بعد أن يصبح البحث في الجيوب أداء عبثيا. والحكومات - ومعها المؤسسات المالية المشينة - التي ارتكبت هذه الأزمة، دخلت التاريخ مرتين. في المرة الأولى: لأنها قدمت للعالم أزمة لا تشبهها أخرى في بشاعتها. وفي المرة الثانية: لأنها اتبعت سياسة " البحث تحت البلاطة". سياسة لا تحتاج إلى مفكرين اقتصاديين - ملهمين أو غير ملهمين - بل مجرد استعارة من سلوك الجدة، مع فارق كبير، هو أن الجدة تدخر "القرش الأبيض" لليوم الأسود، بينما تقوم الحكومات من خلال الحرب الضريبية، باستئصال "القرش الأسود"، ليوم أسود منه! فقد أسود هذا القرش، لأنه لم يتم تحصيله في وقته.

ها هي الحكومة البريطانية ومعها الإدارة الأمريكية، تشن الحرب، بعد أن أعلنتاها في لندن خلال "قمة العشرين" الأخيرة التي عقدت في نيسان (أبريل) الماضي، وبدأت حكومات غربية أخرى بالانخراط في حرب، لا أحد يستطيع أن يتنبأ بنتيجتها. فإذا استطاع المتهربون من الضرائب - وتحديدا الأثرياء جدا منهم - طوال عقود ابتكار آلاف الحيل، واكتشاف العشرات من الملاذات الضريبية الآمنة - ولا سيما في الدول الهجينة - هل يعجزون عن استكشاف حيل جديدة، تتناغم مع متطلبات المرحلة وأدواتها؟ فهؤلاء أكثر الناس استهزاء في توصيف الرئيس الأمريكي الراحل فرانكلين روزفلت للضرائب حين قال: "إن الضرائب هي عبارة عن رسوم عضوية في مجتمع منظم". ولأنهم كذلك.. لن يتغاضوا عن وسيلة التفافية جديدة في الحرب الجديدة، وسيستخدمون كل "إبداعاتهم" الاحتيالية، لإبقاء ما أمكن من كشوف الحسابات بعيدة عن أعين موظفي الضرائب. ولذلك فإن القوانين التي تفرضها حرب الضرائب، يجب أن تكون بلا ثغرات، ولا فجوات، وبلا خطوط التفافية.

الحرب بدأت. من أين؟ من جبال الألب حيث تقع إمارة ليختنشتاين (أو ليشتنشتاين)، وهي دولة مستقلة، تعتبر "جنة الهاربين من الضرائب" و"مرابع" لأموال العصابات المنظمة. وقد تحولت هذه الدولة من "بلد مارق ضرائبيا"، إلى بلد متعاون في هذا المجال، في أعقاب توقيع اتفاق مع بريطانيا، يشجع المودعين البريطانيين في مصارفها، على التعاون مع حكومتهم، عن طريق قبول عرض بدفع 10 في المائة كغرامة، عن الفترة التي "نجوا" خلالها من الضرائب، وإلا ستتم ملاحقتهم - ليس ضريبيا - بل جنائيا، مع رفع الغرامة إلى 30 في المائة. وفي أعقاب هذا الاتفاق التاريخي، جاء قرار المحكمة البريطانية بإلزام 308 مصارف بإطلاع سلطات الضرائب البريطانية على تفاصيل حسابات عملائها، الذين يحتفظون بها في الخارج. وطبقا للتقديرات الحكومية البريطانية، فإن حجم الضرائب "الهاربة" يصل إلى ما يقرب من 100 مليار دولار أمريكي، هي عبارة عن مفقودات للخزانة العامة. في إيطاليا، هناك 170 ألف حالة تهرب ضريبي، من بينها - وهذه صدمة بذاتها - مبلغ يزيد على مليار يورو هربته عائلة إنييلي المالكة لمؤسسة "فيات" الشهيرة إلى خارج البلاد، وأودعته في مصارف أجنبية! ولنا أن نقيس على ذلك هويات غالبية المتهربين من الضرائب في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وللمزيد من الصدمات، فإن مصرف "يو بي إس" السويسري العملاق الذي يتفاخر بوجود 52 ألف عميل لديه، وافق على الكشف عن أسماء وحسابات 4450 ثريا أمريكيا أمام السلطات الأمريكية. فإذا كان مصرف واحد في سويسرا، يضم هذا العدد الهائل من المتهربين الأمريكيين، فما إذن.. عدد المتهربين في بقية المصارف السويسرية؟!

لا تزال هناك دول وشبه دول (أفضل تسمية هذه الأخيرة بالدول الهجينة التي لا تعرف هوية لها)، تقاوم الحرب الضريبية، وفي مقدمتها سويسرا. والواقع أن مقاومة هذه الدول والدويلات، لا تنحصر فقط في إبقاء الحسابات المصرفية الناتجة عن أعمال شرعية سرية، بل تشمل أيضا عدم الوصول إلى حسابات تتكدس فيها الأموال "المغسولة" أو المعدة للغسيل، العائدة إلى عصابات منظمة، تمارس كل أنواع الموبقات، بما في ذلك تجارة المخدرات والسلاح والاتجار بالبشر، فضلا عن العمولات الهائلة التي تعود إلى مسؤولين في دول لا محاسبة ولا حتى حسابات فيها، بل إن بعضها بلا مصارف أصلا! وإذا ما دارت المعارك في الحرب بصورة فنية ولوجستية جيدة، لنا أن نتوقع الفضائح المريعة التي ستظهر شيئا فشيئا. فحتى الدهشة ستكون قاصرة عن التعبير من هول هذه الفضائح! ولهذا السبب استشاط المسؤولون السويسريون غضبا من خطط الدول الكبرى الهادفة إلى "تفكيك" الملاذات الضريبية الآمنة، وهاجموا بعنف منظمة "التنمية والتعاون الاقتصادي" التي تتخذ من باريس مقرا لها، بعد أن وضعت بلادهم ضمن البلدان التي لا تتعاون في مجال السرية المصرفية، بل إن هؤلاء هددوا المنظمة، بالتوقف عن دفع حصة سويسرا في تمويلها!

إن حماس الولايات المتحدة وانخراطها المتدفق في الحرب الضريبية، سيسهم في تحقيق الانتصار الذي تنتظره الحكومات الباحثة عن المصادر المالية، ليس للتجمل، بل لتعزيز خططها الإنقاذية للمؤسسات والشركات التي إذا ما تهاوت، تصيب الحكومات نفسها بالعدوى. ومن المفارقات في الولايات المتحدة، أن المؤسسات التي دخلت في نطاق خطط الإنقاذ الحكومية، قامت بالتهرب من الضرائب، الأمر الذي يدعو إلى الغثيان، ويضع مسألة الأخلاق الغائبة عن القائمين على هذه المؤسسات مرة أخرى على طاولة البحث والعقاب. ولعل هذا ما يدعم كلام الرئيس الأمريكي باراك أوباما أخيرا، عندما قال: "يبدو أن مؤسسات "وول ستريت" لا تزال تفكر بذهنية ما قبل الأزمة، ولم يتعلم القائمون عليها من التجارب المريرة السابقة". ومع ذلك يبدو الإصرار الحكومي الأمريكي قويا وغير قابل لليونة في مسألة الضرائب، سواء داخل البلاد أو خارجها. هذا الإصرار بدأ في تحويل أميركا إلى "أرض الضرائب" ، ولمن نسي، فقد أنشأت أمريكا أصلا لتجنب الضرائب! يقول شولمان دوجلاس رئيس مصلحة الضرائب الأمريكي: "إن المصلحة ستتعقب بحزم عمليات الاحتيال الضريبي في أنحاء العالم، ولا يهم المكان إذا كان بعيدا أو سريا".

لكن الإصرار والحزم، لن يصمدا أمام فنون الاحتيال. وإذا ما أُريد لهذه الحرب أن تنتهي لمصلحة الحكومات، على هذه الأخيرة، أن تضع الخطط على طريقة المحتالين، تماما كما يفعل مكتب التحقيقات الفيدرالي في الولايات المتحدة، عندما يريد تفكيك العصابات المنظمة. فالغرامات التي ستفرض على الذين سيواصلون التهرب الضريبي، لن تؤدي إلى وضع هؤلاء ضمن اللوائح الضريبية الشرعية، لأن "الفن الاحتيالي" لا حدود له. والمصيبة أن بعض المتهربين من الضرائب في سويسرا قاموا بتسجيل شركات وهمية، لتوزيع الأموال عليها، حتى قبل نشوب الحرب ضدهم! ولذلك ينبغي أن يفكر "قادة الحرب"، كما يفكر هذا المتهرب أو ذاك. فقد أثبتت التجارب أن القوانين الضريبية - وإن كانت قوية ومتماسكة - تظل مثل الجبنة السويسرية، متماسكة لكنها مليئة بالثقوب.

المطلوب.. فكر احتيالي لمقاومة الاحتيال والتهرب الضريبي، وقوانين تشبه الجبنة الإنجليزية (تشيدر)، من أهم ميزاتها أن لا ثقوب فيها!

الأحد، 23 أغسطس 2009

إعفاءات ضريبية أميركية استيطانية؟!



( هذا المقال خاص بموقع " سي إن بي سي عربية" )

"على الفلسطينيين أن يعرفوا.. أن كبارهم سيموتون وصغارهم سينسون "
أول رئيس لوزراء إسرائيل بن غوريون


محمد كركوتــي

تقوم الإدارة الأميركية بأكبر حرب ضد المتهربين من الضرائب، والمحتالين على النظام الضريبي. فقد أعلنتها حربا عالميا، بعد أن اشتركت معها حكومات غربية، تبحث عن دولار هنا وآخر هناك، من أجل دعم خطط الإنقاذ للمؤسسات والشركات، الغارقة في بحور من الديون، للحيلولة دون انهيارها. وعلى الرغم من أن بعض هذه المؤسسات احتالت على نظام الضرائب الأميركي، حتى وهي تتلقى دعما من أموال دافعي الضرائب!.. إلا أن عمليات احتيال أشد قسوة وبشاعة، تجري على الساحة الأميركية، لا ترتبط بالمال فقط، بل تتصل بمصير شعب بأكمله.
"إتيريت كوهانيم" جمعية يهودية صهيونية، لو وصفناها بالمتطرفة، لما عبرنا عن حقيقتها المريعة. تتلقى هذه الجمعية أموالا تقدر بملايين الدولارات الأميركية سنويا، من شركات ومستثمرين أميركيين ، يتبارون في انتمائهم الصهيوني حتى مع الجمعية المذكورة نفسها. بماذا يقوم هؤلاء؟. يتقدمون بلوائح مالية لمصلحة الضرائب، يحصلون بموجبها على إعفاءات ضريبية، بحجة أنهم يتبرعون بها لجمعية خيرية!. وهذا النوع من الإعفاءات الضريبية، ليس جديدا في الغرب والشرق على حد سواء، بل تعمد آلاف الشركات على تخصيص جزء من دخلها لدعم مشاريع تربوية وتعليمية وصحية وتنموية، ومنظمات خيرية، بعضها يعمل لتحقيق أهداف إنسانية سامية، وبعضها الآخر لا يوفر جهدا في تحقيق أهداف مشينة.
وإذا كان بند الإعفاءات الضريبية ينطبق على "إتيريت كوهانيم"، باعتبارها جمعية "خيرية"، إلا أنها ليست كذلك على الإطلاق. وهي لم تكن ولن تكون كجمعيات مثل " أوكسفام" و "الصليب الأحمر" و" حماية الطفولة" و " أطباء بلا حدود" و "مكافحة السرطان و" حماية البيئة". هي ببساطة جمعية أنشأت، لتحقيق الهدف الإسرائيلي – اليهودي الدائم، وهو " تهويد القدس"، ليس الغربية، فالغربية "مهودة" أصلا، ولكن المنطقة الشرقية من هذه المدينة المنكوبة تاريخيا. ورغم أن القانون الأميركي يحظر على الجمعيات الخيرية الانخراط في نشاطات سياسية، إلا أن أصدقاء الجمعية الصهيونية المشينة، نجحوا في السنوات الماضية – ولا يزالون – في الحصول على الإعفاءات الضريبية، مستخدمين اسمها. المصيبة أن المجرمين الذين يقودون "إتيريت كوهانيم"، لا ينفون أنهم يعملون من أجل ماذا؟. من أجل ترسيخ الجذور اليهودية في القدس الشرقية، من خلال ما يصفونه "إنقاذ الأرض"!!. فهؤلاء، لا يعترفون بأحقية الفلسطينيين بأي شبر من المنطقة الشرقية للقدس العربية، بل يتعاطون مع هؤلاء كمحتلين، ينبغي التخلص منهم بشتى الوسائل، بما في ذلك محاولة ترغبيهم في بيع ممتلكاتهم. في القدس الشرقية يعيش 200 ألف إسرائيلي في مستعمرات استيطانية يصل عددها إلى 12 مستعمرة، وسط ما يقرب من 270 ألف فلسطيني. ولا نقدم جديدا إذا قنا : إن كل الجمعيات والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، تعمل وتحلم في يوم، يصبح فيه اليهود نصف مليون نسمة في هذا الجزء من القدس، والفلسطينيين بلا نسمة واحدة!.
لم يأت رئيس للولايات المتحدة الأميركية ، وقف موقفا معلنا وقويا في قلب فترته الرئاسية، ضد الاستيطان اليهودي في المناطق الفلسطينية المحتلة كباراك أوباما . بل أنه عطل بعض مشروعات التعاون بين بلاده وإسرائيل، بسبب النشاط الاستيطاني المرعب. وقد ظهر هذا جليا، في أعقاب خروج إدارة أميركية من البيت الأبيض، كانت تتعاطف مع الفلسطينيين، ولكن ليس قبل أن تعتبر أن إسرائيل ضحية!. ويكفي ما قالته في إحدى المرات وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس، لزميلتها الإسرائيلية السابقة تسبي ليفني، عندما طلبت هذه الأخيرة عدم تحويل المساعدات الأميركية لإسرائيل بالدولار الأميركي، لأنه كان يعاني من ضعف شديد واضطراب في قيمته. ماذا قالت رايس؟ :" لا تقلقي يا عزيزتي إن الاتفاق بيننا لا يحدد نوع عملة المساعدات"!!. أي أن رايس داست على عملة بلادها، من أجل "سواد عيون" الدولة العبرية"!.
لأوباما رؤية مختلفة تماما، لاسيما فيما يرتبط بالاستيطان، وطبيعة التعامل مع إسرائيل. وفي خضم جهوده التاريخية الراهنة لملاحقة المتهربين من الضرائب، حتى في القرى النائية الواقعة عند تخوم الكرة الأرضية، عليه أن ينتبه إلى الإعفاءات الضريبية المريبة. وعليه أن يوسع نطاق عملية التنظيف العالمية. فهذه الإعفاءات لا يستفيد منها مدرس أو موظف صغير. بل تصب في الفكر الصهيوني الشامل، الذي لم يتعاطى مرة واحدة مع الفلسطينيين كشعب، بل مجرد مجموعات بشرية، وصلت إلى "أرض الميعاد" عن طريق الخطأ.

الثلاثاء، 18 أغسطس 2009

القضية مصيرية .. المعالجة موسمية!




(هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")


«من مصلحتنا أن نلغي القوانين القديمة، ونضع أخرى جديدة تتبع المستهلك.. ماذا يرغب هذا الأخير، وأين يريد أن يمضي؟»
رئيس مؤسسة ''وولت ديزني'' الأمريكية روبرت إيجر

محمد كركوتــي
m@karkouti.net


من أسوأ الأشياء قاطبة، أن تخضع قضية مصيرية إلى معالجة موسمية، أو أن يتم التعاطي معها كما يقال بالعامية: ''حسب التساهيل''. والأمر يزداد سوءا، إذا ما كانت هذه القضية ترتبط بالحياة المعيشية اليومية. فأي علاج موسمي لها - وإن كان ناجحا - هو أشبه بإرسال مركبة محملة بالرواد إلى الفضاء بنجاح، ولكن دون أن تكون مزودة بآليات وإمكانات تعيدها إلى الأرض! ففرحة الإطلاق الناجح، لا تلبث أن تنتهي بفشل عودة المركبة إلى قاعدتها الأرضية. القضية ليست جديدة على الساحة العربية، بل هي قديمة، تزيد قضية فلسطين عتقا، وتتجاوز كل القضايا التي تلامس المجتمع عمرا، إنها قضية المستهلك و''عدم حمايته''. قضية تنال من الفرد بنضاله اليومي من أجل حياة تقف عند خط الفقر - الكرامة، لا تحته. قضية تستوجب حسما فوريا، أو علاجا فوريا حاسما، خصوصا في ظل وجود أزمة اقتصادية، كزائر مقيت منتشر في كل الأرجاء، لا أحد يعرف متى يغادر إلى غير رجعة. ومن المفارقات، أن الأزمة التي تسببت في تراجع أسعار المواد الأولية وخفضت تكاليف الإنتاج، لم تنل من أسعار المواد الاستهلاكية، وأبقتها على ارتفاعها، خصوصا في البلدان التي لا يزال فيها ملف قضية المستهلك على الرفوف، تعلوه ملفات أخرى، لا تخضع للعلاج أصلا!!

لقد بدأ الموسم، باقتراب شهر رمضان المبارك، واندلعت معه موجات حكومية، ليس من أجل توعية المستهلك وتثقيفه وإرشاده إلى حقوقه، بل من أجل دفع التجار إلى الرأفة بالمستهلكين خلال الشهر الكريم، الذي يشهد عادة ارتفاعا كبيرا في حجم استهلاك الأسر. لا وقت للتوعية ولا القصاص، ولا الرقابة المحكمة الآن، بل هو موسم التوجه إلى قلوب الموردين ''الرحيمة'' في الدول العربية، لكيلا يرفعوا الأسعار، ولكيلا يزيدوا أعباء إضافية على رب أو ربة الأسرة. والغريب أن قساوة الحكومات في عدد من الدول العربية تمارس في كل شيء، وعلى أي شيء، إلا الجانب المرتبط بالموردين والمستوردين والتجار! وقتها تتحول إلى ليونة وعتاب، لا شدة وعقاب.

لقد أقدمت الإمارات على خطوة جيدة ''تقريبا''، لتوفير الحماية للمستهلك خلال شهر رمضان المبارك. وأقول: ''تقريبا''.. لأن مفعولها سينتهي مع ظهور هلال عيد الفطر. الخطوة، هي عبارة عن مجموعة من الاتفاقات - لا القوانين - بين الحكومة وعدد من متاجر بيع التجزئة، تقوم بموجبها هذه الأخيرة، بتقديم تخفيضات تصل إلى 60 في المائة على أكثر من 200 سلعة غذائية. والواقع أن أصحاب الخطوة من الجانب الحكومي، وضعوا مبررا آخر - غير التكاليف المرتفعة في شهر رمضان - لهذه الخطوة، وهو أن قدرة المستهلكين على الإنفاق تقلصت بفعل الأزمة الاقتصادية. فقد عرف هؤلاء أن الأزمة أدت إلى فقدان الوظائف وتخفيض الرواتب، لكيلا نقول: إنها شتتت الأسر، وأربكت إيقاع الحياة الاجتماعية، وبعثرت الحالة المعيشية، بعدما دمرت الآمال، للأغلبية العظمى من المستهلكين.

كنت ضيفا على برنامج ''الحصيلة'' الذي تبثه من دبي محطة ''سي إن بي سي عربية''، عندما طلب مني المذيع - الزميل محمد عبد الرحمن في مستهل الحوار تعليقا على هذه الخطوة الجيدة ''تقريبا''. وكان ردي السريع هو: أخشى أن يقوم التجار والموردون باستعادة تخفيضاتهم الرمضانية بحلول عيد الفطر، لكيلا نقول: ''باستعادة ما هو أكثر من التخفيضات''! فالاتفاقات تمت على مبدأ ''يا جماعة حرام''، لا على أرضية حقوق المستهلك، التي تكفل له أسعارا معقولة ومقبولة، وتضمن له أيضا استمراريتها بهذه الصيغة، في كل الفصول والمواسم. والواقع أن الخطوة الإماراتية الموسمية، كشفت حقيقة مروعة، وهي أنه إذا كان بإمكان متاجر التجزئة تخفيض أسعار 200 سلعة أساسية (خالية من الكافيار والسمك المدخن وكبدة البط وأدمغة القرود وأرجل الضفادع) إلى نحو 60 في المائة، فكم تحقق من أرباح إذن؟!! فهذا التخفيض ينبغي أن يتحول إلى أداة للتفاوض بين الحكومات والجمعيات الأهلية التي تعنى بحماية المستهلك - إن وجدت، وفي حالة وجودها إن كانت فاعلة أصلا - من جهة، والتجار من جهة ثانية، إذا ما وصلت القضية بين الطرفين إلى مرحلة التفاوض.

لا مجال للحديث ''المُجَمَل'' هنا.. الحقيقة واضحة كهلالي رمضان والعيد. فالأمر خرج من نطاق مطالبة الحكومات بسن قوانين تحمي المستهلك، وتجاوز عادة ''استجداء'' الموردين والتجار بعدم رفع أسعار المواد الأساسية في المواسم، ليصل إلى مرحلة ضرورة التأسيس للوعي والثقافة الاستهلاكية. وإلا فإن الحقوق ستظل ضائعة، والخسائر ستبقى كبيرة، و''حرية'' الجشع ستواصل تسيدها للمشهد الاستهلاكي - الاجتماعي، بينما سيستمر ضياع الأخلاق، في حضور الأنانية. وبغياب الوعي، غاب عن الساحة أن القضية برمتها لا ترتبط فقط بأسعار السكر والرز والزيت واللحوم والشاي والبن والفواكه وغيرها من عشرات السلع الرئيسية، بل تشمل أيضا ما هو خارج الـ ''سوبر ماركت''، من خدمات وتكاليف السفر والسياحة، والوجبات التي تقدمها المطاعم، وبوالص التأمين، وأسعار الفنادق، وأثمان وجودة الأجهزة المنزلية والمكتبية وغيرها، والاشتراكات في النوادي الصحية، والقروض المصرفية، وبطاقات الائتمان، ورسوم الاتصالات والمصارف، وأقساط الجامعات الخاصة التي تعج بها البلدان العربية. بل لا أبالغ إن قلت: إن الوعي المطلوب عند المستهلك، ينطبق أيضا على ما ينفق في عمليات التجميل، التي أصبحت ''سلعة'' استهلاكية حقيقية، بعدما تحولت من وسائل لعلاج المصابين في الحوادث، إلى منتج يخضع لمعايير التسوق!

قبل عام تقريبا كتبت في هذا المكان مقالا تحت عنوان ''الحكومات للمعاقبة والجمعيات للمراقبة''. ركزت فيه على أهمية دور الجمعيات الأهلية في مشاركة الحكومة في تطوير العلاقة بين المستهلك والتاجر، بحيث لا تأخذ شكل حرب، بل تستهدف إيجاد آلية توفر المصلحة المشتركة للطرفين. فنحن نعلم أن الأول (المستهلك) قد يستغني عن منتج ما - ولنقل منتجات ما - لكن كيف يستغني الثاني (التاجر) عن مصدر دخله؟ والحقيقة أن هذه القضية أخذت شكلا دوليا منذ عام 1985، عندما تبنت الأمم المتحدة قرارا لحماية المستهلك، تضمن مجموعة كبيرة من البنود ''الثورية''، في مقدمتها مساعدة الدول لتحقيق الحماية المناسبة لمواطنيهم كمستهلكين، وتسهيل عمليات الإنتاج وفق احتياجات ورغبات المستهلكين، وتشجيع خلق ظروف سوقية تمنح المستهلكين فرصا أكبر للاختيار وبأسعار أقل، وقبل هذا وذلك، توفير الحماية القانونية للمستهلك باعتباره الطرف الضعيف. ومنذ ذلك التاريخ، لم تتخذ على الساحة العربية، خطوات عملية قوية (لا لينة) لتحويل هذا المستهلك إلى طرف قوي. أي من مجرد متلق للمنتجات، إلى طرف يحدد مسارها، ويؤثر في وجودها وجودتها وقيمتها السعرية؟!.

هذا القرار لا يشبه قرارات الأمم المتحدة 242 و338 و194 الخاصة بفلسطين، التي فشل العرب في وضعها في حيز التنفيذ لأسباب عديدة، في مقدمتها: ''الإسرائيلية''! هل يحتاجون لوضع قرار يخص المستهلك المواطن، تحت البند السابع الذي يجيز استخدام القوة؟!! الأمر مرة أخرى.. لا يحتاج إلا إلى تفعيل لـ ''الأسلحة الحكومية الاجتماعية''، ودعم عمل الجمعيات الأهلية المختصة بحماية المستهلك. يقول الكاتب الاقتصادي الأمريكي ديف رامزي: ''على المستهلكين أن يفيقوا من ثباتهم ليقولوا لا''. لقد تغيرت المفاهيم الإنتاجية والتسويقية منذ سبعينيات القرن الماضي، عندما كان المستهلك يبحث عن المنتج. فاليوم المنتج هو الذي يبحث عن المستهلك. ولأن الأمر مصبوغ بهذا التحول الخطير، فقد آن الأوان - عربيا - كي تتسلم الجمعيات الأهلية المهمة التثقيفية، وتضع آليات التوعية، مع وجود القوانين الحكومية الرادعة.

الأحد، 16 أغسطس 2009

عشوائيات مدينتين!



(هذا المقال خاص بـ " سي إن بي سي عربية" )

" يمكن إنفاق الأموال لبناء ملاعب لكرة القدم والجولف.. ويمكن إنفاقها أيضا لبناء منازل جديدة تأوي الفقراء والمشردين"
الموسيقي الأميركي جيلو بافرا


محمد كركوتــي
m@karkouti.net


في دمشق يعيش 2.25 مليون إنسان في مناطق عشوائية مخالفة بكل المقاييس.. وفي القاهرة يبلغ عدد الذين يعيشون في المناطق المشابهة 6.12 مليون نسمة. في دمشق اقتربت المناطق العشوائية إلى حدود المناطق الفاخرة، وفي القاهرة سجل المساحون نفس المسافة. في دمشق يصل عدد " العشوائيين" – إن جاز التعبير – إلى نصف العدد الإجمالي لسكان هذه المدينة، ويصل في القاهرة إلى أكثر من ثلث عدد سكان العاصمة المصرية. في سوريا ككل يعيش 35 في المئة من سكان المدن الكبيرة في المناطق العشوائية، وفي مصر يعيش 41.1 في المئة من " العشوائيين" حول مدنها الكبيرة!. ولكي لا أتهم بإطلاق الأرقام على عنانها، أقول: إن المصدر السوري هو وزير الإدارة المحلية. والمصدر المصري هو: مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار الحكومي. أي أننا لا نقدر الأرقام، بل ننقلها من الميدان الرسمي.
أمام هذا البحر الهائل من " العشوائيين"، لا تزال السلطات المختصة عاجزة، عن وضع حلول أو مشاريع حلول لواحدة من أسوأ الأزمات التي تواجهها مدينتان من أكثر المدن العربية – بل والإسلامية – امتدادا مع التاريخ، مما يرشح هذه الأزمة الاجتماعية – الديموغرافية لمرافقة المستقبل الذي لا يلبث أن يصبح تاريخا. تفتقر المناطق العشوائية إلى ترخيص واحد فيها، بما في ذلك تراخيص التمديدات الصحية والكهربائية والمياه والاتصالات. ولأنها كذلك، فإنها تمثل أكبر مخرب للبيئة، تماما كما تخرب الحياة الإنسانية، وتعيد صياغة وضعية الأسر بصورة قبيحة. فالحد الأدنى للمعيشية فيها، هو الحد الأعلى الذي لا يستطيع أحد من سكان العشوائيات الوصول إليه. فالكهرباء المسروقة – ربما – تمثل جريمة صغرى أو مخالفة، عندما يعجز سارقها على تسديد رسومها، ولكنها تتحول إلى جريمة كبرى، عندما يسبب الاستهلاك غير المنظم والزائد عن الاستطاعة الفنية، تلف المادة العازلة للأسلاك الممدودة في كل الأرجاء، لا تعلو سوى متر أو مترين عن الأرض، وهي في متناول الأطفال. فالإنسان غير المحمي أصلا، لا يملك "ترف" حماية الكابلات عالية التوتر، وأفضل ما يمكن القيام به، هو ترقيع التالف من الأسلاك والحياة في آن معا.
وقد أفسح المجال في السنوات الماضية – في مصر وسوريا – للاستثمارات العربية بغية إعادة تأهيل المناطق العشوائية، لكن أخبار هذه الاستثمارات ظلت ضمن نطاق الإعلان عنها، دون خبر ثان عن إنجاز تحقق في هذه العشوائية، أو آخر تحقق في تلك. وحتى القوانين التي ضمنت لسكان هذه المناطق وحدات بأسمائهم، تمهيدا لتأهيلها، تحولت إلى قوانين "عشوائية" أيضا. فمن الصعوبة بمكان الحصول على أطر عامة لها. وعلى الرغم من الشروط السهلة لهذه القوانين، التي يمكن أن تلخص بشرط واحد فقط، هو وجود وثيقة تؤكد أحقية الساكن ( وهل هناك أقوى من "وثيقة" وجود الساكن نفسه؟!)، غير أن السلطات المختصة، لا تزال في طور الحسابات وتحديد الرسوم وغيرها من تبعات الملكية، بل إنها تقوم بدارسة أهلية الساكن العشوائي في ميدان سكنه، وكأن حياته هناك لا تمثل أكبر دليل على وجوده!.
لقد ولدت "الحياة العشوائية" على مر السنوات الماضية في دمشق والقاهرة، ثقافة ليست خطيرة فحسب، بل كارثية أيضا، ثقافة.. جعلت الممنوع المحرم، مسموحا متداولا، لن تنتهي بسرعة، حتى لو تحولت هذه المناطق إلى مجمعات وأحياء سكنية وفق المعايير المدنية. ومع التأخر في وضع الحلول وتنفيذها، تتعمق هذه الثقافة أكثر وأكثر. ولأنها كذلك، فيجب أن لا تبقى قضايا المناطق العشوائية على الهامش الحكومي. وإذا كان نصف أو ثلث سكان مدينة من العشوائيين، لنا أن نتخيل تأثير هؤلاء على غير العشوائيين ومناطقهم، ولنا ، نتصور أيضا، كيف سيكون الشكل المعيشي لاثنتين من أهم المدن العربية، من زاوية التاريخ على الأقل.

الأربعاء، 12 أغسطس 2009

حوار مع محمد كركوتي حول الإعلام الاقتصادي على قناة " الجزيرة"




الحوار في سطور:

حوار على قناة " الجزيرة" حول الإعلام الاقتصادي العربي، والمشاكل التي يواجهها، لاسيما في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. وقد أشار كركوتي في برنامج " الاقتصاد والناس"، إلى أن الإعلام الاقتصادي العربي، لايزال في مرحلة التشكل، أي أنه لم يبلغ مرحلة النضوج. وأن القيود الحكومية - وحتى تلك التي تفرضها المؤسسات والشركات الكبرى - تساهم في عدم بلوغ هذا الإعلام مرحلة النضوج. وأشار كركوتي: إلى أن الإعلام الاقتصادي العربي، لا يزال بعيدا عن المستهلك، الذي يمثل القوة الكبرى للاقتصاد.وأن حكومات عربية عديدة، هددت الصحافيين الاقتصاديين، في حال تناولهم الأزمة الاقتصادية وتأثيرها على اقتصاد الدول التي تحكمها.وشدد كركوتي في البرنامج، على أن الإفصاح الحكومي والمؤسساتي، سيساهم في تمكين العاملين في هذا النوع من الإعلام، في القيام بمهامهم، وسيمكنهم أيضا من جعل الاقتصاد مادة تصل إلى الجميع لا إلى النخبة فقط.

البرنامج بث على الهواء في شهر مارس/ آذار من العام الجاري.

رابط نص البرنامج هو :

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/4742B8FC-EFD9-4D5A-82D3-F0E53C7BC1EC.htm

الثلاثاء، 11 أغسطس 2009

نجوم قريبة لا يرونها!



(هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")

«الجودة لا تأتى مصادفة. هي نتاج نوايا حسنة، وجهد صادق، وتوجيه ذكي، وإخراج متمرس.. إنها اختيار حكيم لبدائل متعددة»
الجندي الأمريكي الأول وليم فوستر


محمد كركوتي
m@karkouti.net

مع تزايد عدد المحطات الفضائية العربية في السنوات القليلة الماضية، تزايد الطلب على المذيعين والمذيعات، وبالطبع تزايد أيضا في نطاق معدي البرامج والمحررين والمصورين، وكل ما يرتبط بإبقاء ''الهواء'' مفتوحا مباشرا أو تسجيلا. فـ ''الهواء المفتوح'' –دون توقف- يحتاج إلى طاقات وكوادر، لجعله مستمرا، ويحتاج بالطبع، إلى أفكار ورؤى، لكيلا يغلق المشاهد ''النوافذ'' درءا لـ''الرياح التلفزيونية'' غير المرغوبة. لا أتحدث هنا عن كل الفضائيات العربية. لماذا؟ لأن غالبيتها العظمى، تدار الواحدة منها من قبل شخص - أو اثنين في أفضل الأحوال- هو في الواقع مشغل لأشرطة فيديو، لا مشرف على بث تلفزيوني مهني! هي أشبه بـ ''بقاليات'' بصرية، ''جميع الموظفين'' في كل واحدة منها، مختصرون في موظف واحد فقط. وقد اطلعت شخصيا على هذا الواقع، خلال زيارة لي، لأحد أكبر مراكز تنظيم البث التلفزيوني الفضائي العربي في المنطقة، حيث وجدت ''استوديوهات'' لعشرات المحطات الفضائية العربية، هي عبارة عن غرفة، لا تزيد طولا على مترين، وعرضا عن المساحة نفسها، أوكلت المهمة في كل محطة لموظف واحد، بل أوكلت المهمة في بعضها إلى '' فراش''، يقوم بتغيير الأشرطة، في فترات معينة، لمواصلة البث!

ليس هذا هو ما أريد تناوله، علما بأنه يستحق أن يطرح في منتدى متخصص، ويناقش من كل جوانبه – ولاسيما المهنية منها - لا من خلال مقال هنا وآخر هناك. الذي أردت طرحه ، هو احتياجات المحطات الفضائية الرصينة (وهي بالمناسبة قليلة مقارنة بعدد ''البقاليات'' البصرية) التي تقوم على قواعد المؤسسات، من المذيعين والمذيعات، بصرف النظر عن طبيعة هذه الفضائيات، سواء كانت متخصصة أو غير متخصصة. هذه المحطات تحتاج إلى ''وقود'' متجدد –ومتميز أيضا - من هؤلاء الكوادر، مع الأخذ في الاعتبار، أن هذا الجانب يشكل ثقلا كبيرا، على كاهل الميزانيات المخصصة لجميع المحطات التلفزيونية.

لا تزال غالبية إدارات هذه المحطات، تعاني من ''الغشاوة'' في أعينها، في الكشف عن مكنوناتها الداخلية، من العاملين فيها الذين يمكن أن يتحولوا إلى نجوم تلفزيونية. هذه المكنونات يمكن أيضا أن توفر لها خطط ''إنقاذ'' في بعض الحالات، ولاسيما في أوقات الأزمات، في الوقت الذي لم يشهد فيه العالم أزمة أثرت بصورة سلبية على مداخيل المؤسسات الإعلامية، كالأزمة الاقتصادية الراهنة. هذه الأزمة أجبرت مؤسسات إعلامية لا تقهر، على إعادة ترتيب أوضاعها، وصياغة استراتيجيات لا تكفل لها الدخل المالي المطلوب أو تحد من خسائرها فحسب، بل تحميها من الانهيار، أو على الأقل تحفظ لها الاستمرار. ويكفي الإشارة هنا إلى مؤسسات المستثمر الإعلامي العملاق روبرت ميردوخ، التي تعيش معاناة مالية ضخمة، دفعته إلى التفكير بفرض رسوم على تصفح المواقع الإلكترونية الإخبارية التابعة له، معترفا بوقع الأزمة عليه.

إدارات المحطات التلفزيونية العربية تجهد نفسها وميزانياتها، في البحث عن النجوم، وتتحمل عناء التفاوض – وأحيانا العنجهية من هذا النجم وتلك النجمة- بينما لا تبذل جهدا في صناعة هؤلاء النجوم من داخلها، ولا تلتفت إلى هؤلاء القابعين وراء مكاتبهم، الذين يمكن العثور بكل ببساطة على '' نجم مؤجل أو نجمة مؤجلة'' بينهم. فالأمر كله، يحتاج إلى بصيرة مسؤول، لا إلى أداء مدير تقليدي، من أجل إنتاج نجوم تلفزيونية داخلية، أو كما يقال في التعبير المصري: ''من منازلهم''. وإذا كان عمل المذيع الناجح – مرة أخرى في المحطات المهنية – يستند إلى ثقافة واطلاع، وإلى الحد الأدنى من العمق الفكري، فهو يحتاج أيضا إلى الموهبة، التي لا تُكتسب من كل العناصر المشار إليها. وهنا يأتي دور ''المسؤول البصير''، الذي يمكنه أن ''يعجن'' هذه الموهبة الجالسة وراء مكتب في أحد أطراف المحطة، ليجلسها أمام ''حائط تلفزيوني'' وفي وجه عدسات الكاميرات.

الأمر ليس سهلا. فهو يحتاج إلى وقت وجهد – وأحيانا إلى نفس طويل-، ويحتاج قبل هذا وذاك، إلى البراعة في استقراء مستوى وحجم هذه الموهبة المتوارية، ومدى تجاوبها مع المتطلبات الرئيسية للمذيع أو المذيعة. وإذا ما اكتملت هذه العناصر، فإن المحطة التلفزيونية، ستحقق الكثير من الأهداف، في مقدمتها: أنها تنشر جوا من الرضا الوظيفي لدى كل العاملين، لأن مثل هذه الخطوة، ستعزز ''تكافؤ الفرص'' - إن وجدت- أو تخلق حالة من تكافؤ الفرص، ليست موجودة أصلا، وستنشئ أجواء أسرية مطلوبة في بيئة العمل، كما أنها ستزيد من جرعة الولاء لمكان العمل نفسه. وستدفع هذه الخطوة أيضا، الكثير من الموظفين الطموحين إلى تحسين وتطوير أدائهم، بل ستجشع الموهوبين منهم، إلى تطوير مواهبهم من خلال التحصيل الثقافي الذاتي، قبل أن تخضع ( إن وجدت الفرصة) للتأهيل المهني - الثقافي في الموقع الجديد المزمع. وستؤدي هذه الخطوة أيضا.. وأيضا، إلى ''التصالح'' المفقود بين العاملين وإداراتهم. فعندما تتوافر الفرصة بصورة مهنية وعادلة، تقوم أقوى رابطة بين أطراف المؤسسة كلها، ولاسيما بين الإدارة والعاملين في الميدان.

لا أتحدث هنا عن الإدارات التي تمارس المسؤولية '' بمفاهيم شخصية'' أو آفاق ضيقة، فهذه لا تخضع لأية معايير مهنية، وليست مؤهلة للتطوير، وبالتالي لا يمكنها أن تقترب من مستوى ''الإدارة البصيرة''، وهي في النهاية ''إدارة حاكمة'' فقط، الفارق بينها وبين الحكومات، أنها لا تمتلك سجونا. لكن الذي يعنيني في هذا المجال، تلك الإدارات المرنة، القابلة للتمدد – وقت الحاجة- والتقلص – عندما تكون مضطرة- وفق حقائق السوق، ولكن بأكبر فائدة ممكنة، وأقل أضرار كامنة. إن الاستثمار التلفزيوني في ''مواهب الداخل''، هو أرخص هذا النوع من الاستثمارات، لكنه أكثرها عائدا (مرة أخرى، خصوصا في أوقات الأزمات الاقتصادية)، لأنها لا تنحصر في استحداث مذيع '' وليد'' جيد، بل تحول المحطة – المؤسسة في وقت لاحق، إلى مدرسة تلفزيونية تحتذى، من خلال تعزيز أركانها بـ''بضائع'' محلية ليست عالية التكلفة، وتجنب ''الواردات'' المكلفة. غير أن مهمة ''الإدارة البصيرة''، لا تنتهي بـ ''إنتاج'' مذيع جيد ( أو مذيعة جيدة)، بعد انتشاله من إحدى زوايا المحطة، بل تستمر للحفاظ عليه، ضمن نطاق أسري – مهني، هو بمثابة ''الكل الضامن''، لا الربع ولا الثلث ولا النصف الضامن!!

إن هذه المنهجية المهنية، توفر أقوى آليات الدعم – وحتى الاستمرار - ولاسيما للمحطات التلفزيونية التي لا تتمتع بميزانيات مفتوحة، لكنها أكثر حرفية من غالبية المحطات، التي تستحوذ على أكبر الميزانيات. فالقضية لا تحتاج إلى المال، بقدر احتياجها إلى إدارات تتمتع بذهنية مهنية خالية من الشوائب، وتفتخر بها أيضا. إدارات تتعاطى مع المواهب الكامنة في محطاتها كـ '' بنك احتياطي بشري''، يوفر الأمان المطلوب – تماما كالبنوك المركزية الراشدة – للمؤسسة، وينتج النجوم التلفزيونية المتوارية.

مرة أخرى.. إن هذا الأمر ليس سهلا، لكن عندما تفتح الأبواب أمام الطاقات، يمكن قياس جودتها وقدراتها على التطوير والتطور. فوراء الأبواب المغلقة، تختلط الطاقات الوهمية، وتلك الكامنة، ولا تترك مجالا للاختيار الصحيح. يقول العالم الأميركي توماس أديسون:'' لو فعلنا ما نحن قادرون على فعله.. لصعقنا أنفسنا''. وليس أفضل من الأزمة الاقتصادية - التي ''أزمت'' كل القطاعات في العالم – لكي يقوم المسؤولون في المحطات التلفزيونية العربية، بفعل ما هم قادرون على فعله. ولاسيما أن هذه الأزمة قللت الدخل الإعلاني والتمويل، وقلصت الوظائف و''شدت الأحزمة''.

إن عملية الاختيار، لا تحتاج سوى إلى ساحة داخلية مفتوحة، مع بصيرة متجردة، إلا من الولاء للمؤسسة.

الاثنين، 10 أغسطس 2009

وصلات مقالات سابقة لـ محمد كركوتي Links

الوصلات The links

نشرت هذه المقالات في صحيفة "الاقتصادية"، ونقلتها مجموعة من المواقع الألكترونية وعدد من الصحف. كما تناولتها برامج تلفزيونية عربية، في أيام نشرها.


"حركة بلا حراك"!
http://www.aleqt.com/2009/07/21/article_254524.html

«مجموعة الـ 195» بدلا من «مجموعة الـ 8»
http://www.aleqt.com/2009/07/14/article_251970.html

مادوف الـ «بونزي».. أم بونزي الـ «مادوفي»؟!
http://www.aleqt.com/2009/07/07/article_249019.html

عفوا.. وظيفتك سيشغلها طفل!
http://www.aleqt.com/2009/06/30/article_246145.html

يا إلهي.. إنهم 1.02 مليار جائع!
http://www.aleqt.com/2009/06/23/article_243442.html

سلطة +احتكار- نزاهة = فساد!
http://www.aleqt.com/2009/06/16/article_240682.html

طفل بالدولارات وآخر بالسنتات!



( هذا المقال خاص بموقع " سي إن بي سي عربية")

" الأطفال أعلى المصادر قيمة.. وأفضل أمل للمستقبل"
الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي

محمد كركوتــي
m@karkouti.net



تعتزم الإدارة الأميركية إنشاء " آلة حاسبة" خاصة. بماذا؟.. بـ " تكلفة تنشئة الطفل الأميركي". وتبدو هذه الخطوة للوهلة الأولى، كشكل من أشكال " الفذلكة" الاقتصادية- الاجتماعية، إلا أنها في الواقع تمثل ضرورة أسرية، لاسيما في أوقات الأزمات، التي يمكن أن نختصر صورتها على الساحة الأميركية، بوصول نسبة البطالة إلى 9,4 في المئة، وتوقع بلوغها العشرة في المئة مع نهاية العام الحالي، وبقيام المصارف والمؤسسات المالية الأميركية بإحصاء ديونها المعدومة الناتجة عن تخلف المقترضين في سداد أقساطهم الشهرية ( التوقعات تتحدث عن بلوغ هذه الديون 2000 مليار دولار أميركي مع نهاية العام الجاري) ، وأيضا يمكن اختصار الصورة، من خلال تذبذب حجم "كوبونات" الإعاشة التي توزعها الحكومة على الأسر المحتاجة. فالقضية إذن.. ليست " فذلكة"، بل هي آلية تساعد الأسرة على فهم واستيعاب وتدبر تكلفة تربية طفل حتى سن البلوغ. خصوصا إذا ما عرفنا، أن تكلفة تنشئة الطفل في الولايات المتحدة تصل إلى 300 ألف دولار أميركي تقريبا، منذ ولادته وحتى سن الثامنة عشرة. وبحساب بسيط، فإن هذا الطفل يكلف ذويه ما يقرب من 16 ألف دولار أميركي سنويا.
والوضع في الولايات المتحدة، ليس مختلفا عن سواها من الدول المتشابهة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. فالأطفال في هذه الدول يكلفون ذويهم – وأحيانا حكوماتهم – أموالا طائلة للوصول إلى مرحلة البلوغ، ويكلفونها أكثر إذا ما أضاعوا "البوصلة" بعد هذه المرحلة. وإذا كانت الأسرة في الدول الراشدة، أضعف من أن تنفق هذه المبالغ على أطفالها، فهناك دائما "السند" الحكومي، بأشكاله "التسهيلية"، بما في ذلك الاقتراض من أجل التربية أو التعليم. وإذا ما وضعت "الآلة الحاسبة الأميركية" على الطاولة، فإن ذلك سيوزع المسؤوليات بين الأسرة – لاسيما تلك التي تعجز عن ضخ هذه المبالغ في تربية طفلها – وبين الحكومة نفسها، التي ستضطر إلى تحديد مسؤولياتها المالية بهذا الصدد، وفق قواعد ثابتة متفق عليها، من خلال "تكافل اجتماعي" أوثق، أو عن طريق قروض ميسرة، لا تشبه تلك القروض التي كبلت بها المصارف في السنوات الماضية مئات الآلاف من الأسر – إن لم نقل الملايين - ، وأغرقتها في بحر هائل من الديون، ووضعت المنازل التي تسكنها في مهب الريح.
وإذا كانت الأمور متشابهة في الولايات المتحدة والدول الغربية وتلك المتناغمة إداريا معها، غير أنها ليست كذلك مع الدول الأخرى، التي لا تزال عاجزة عن فهم دور التأمينات الاجتماعية، فكيف الحال بفهم أهمية المساعدة في تنشئة الأطفال؟!. لا أحد يطلب من دولة لا تمتلك مقدرات عيشها، أن تقيم "آلة حاسبة" لتنشئة الأطفال. لكن - حتى هذه الدولة – بإمكانها أن تصل إلى مستوى ما بهذا الخصوص، من خلال ترتيب الأولويات. أن تعرف أن تنشئة طفل، أهم آلاف المرات من تمويل تنظيم مليشيا هنا وآخر هناك، وأهم من كل الشعارات التي لا تنتج إلى أصوات نشاز، وأهم من كل الخطط الخمسية، التي تتحول عادة إلى عشرية ومئوية .. وربما ألفية!. طبعا نحن لا نتحدث عن الأموال المسروقة في هذه الدولة أو تلك، فهذه الأموال لوحدها، يمكنها أن تنشئ نظاما اجتماعيا تكافليا تربويا تعليميا، دون الحاجة إلى أي مساعدات خارجية. ولا نتناول هنا نشاط المؤسسات والشركات التي تقوم على " المحاصصة" بين رجال الأعمال الفاسدين، والمسؤولين في هذه الدولة، ولن نتحدث أيضا عن العمولات الهائلة من صفقات الأسلحة والسكر والبن والخشب وغيرها.
في هذه الدولة أو تلك، لا تحسب تكلفة تنشئة طفل بالدولارات، بل بالسنتات – إن وجدت أصلا – وتحسب بكثير من الحرمان والعوز، مع غياب الكرامة. وإذا كان الطفل – أي طفل – يمثل المستقبل، لنا أن نتخيل مستقبل الدول التي لا تزال تناقش أهمية وجود نظام للتأمينات الاجتماعية!.

الجمعة، 7 أغسطس 2009

كن أميا.. تجد عملا؟!



( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")

«البطالة هي إحدى الطرق الرأسمالية لإجبارك على العناية بحديقتك»
الأديب الأمريكي أورسون سكوت كارد

محمد كركوتي
m@karkouti.net


الأمر لا يحتاج إلى أزمة اقتصادية عالمية أو إقليمية أو محلية، لكي ترتفع معدلات البطالة في العالم العربي. ولكن إن وجدت أزمة ما - وهي موجودة الآن بأبشع أشكالها - فإن عدد العاطلين عن العمل يرتفع بضراوة، ومستوى الفقر يواصل النمو، و''جيوش'' الجياع تصل إلى مستويات فلكية (يبلغون حاليا أكثر من 1.2 مليار جائع)، ومجموع الذين يعيشون على دولار واحد ودولارين اثنين في اليوم، يساوي ثلث سكان الكرة الأرضية. والحقيقة أن البطالة ليست حكرا على العالم العربي، فهي تسود الحراك الاقتصادي في دول كانت لا تقهر، وفي بلدان كانت تتباهى بأن العاطلين لديها هم فقط الأطفال الرضع والمسنون، وفي مجتمعات كانت تولد فرص العمل، أكثر من توليد الحوامل فيها!. والبطالة كانت - ولا تزال - الوباء الذي فشل العالم أجمع في التوصل إلى ''تحضير'' عقار له. وباء تنزوي أمامه كل الأوبئة القديمة، وتلك التي تظهر بين فترة وأخرى. في الدول التي تنعم باقتصادات كبرى، تزداد فيها شركات يطلق عليها بالإنجليزية Head Hunting أي ''صيادو الرؤوس''، وهي كناية على أنها متخصصة في توفير فرص العمل، وتبحث عمن يشغلها. بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، تراجع عدد هذه الشركات، لأن الأعمال التي كانت توفرها، لم تعد موجودة على الساحة، فضلا عن ازدياد عدد ''الرؤوس'' الجاهزة للاصطياد! ولأن الأمر كذلك.. أقترح على هذه الشركات أن تغير اسمها إلى بالإنجليزية Head Rejecting أي ''رافضو الرؤوس''. فالرؤوس التي أينعت، لا موسم لقطافها الآن! مع عدم الاعتذار من الحجاج بن يوسف الثقفي.

لكن هذا لا يعني أن لا دخل للعالم العربي في ''بطالته'' المتعاظمة، وفي تدهور أسواق العمل فيه، وفي غياب آليات التأهيل وإعادة التأهيل، وفي تخلف الأنظمة التعليمية والتدريبية فيه. صحيح أن هذا العالم هو جزء من العالم الأكبر، لكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق المعنيين مباشرة بهذه القضية الكارثية، وتحملهم المسؤولية الكبرى، في افتقارهم إلى الأسلحة المطلوبة - غير العسكرية - لا لدرء الأزمات، بل للتقليل من قوة ضرباتها. فقد أظهر العالم العربي ''قدرة'' غريبة على ''استحداث'' البطالة، حتى في أزمنة الازدهار والنمو. ففي ظل الانتعاش الاقتصادي العالمي (في تسعينيات القرن الماضي، وأغلب السنوات الأولى من القرن الجاري)، كانت أعداد العاطلين العرب عن العمل تزداد انتعاشا! ولذلك لم تكن الأزمة الاقتصادية عاملا وحيدا لانتشار البطالة العربية. مرة أخرى.. صحيح أنها رفعت حجمها، لكنها - أي البطالة - كانت مرتفعة أصلا، ما بين الكساد العظيم الذي ضرب العالم في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وهذه الأزمة التي لا تزال تكشر عن أنيابها، لالتهام الفرائس المتوافرة. أي أن غالبية الدول العربية، عانت البطالة في عز الازدهار الاقتصادي العالمي، وفي بؤرة الانهيار الاقتصادي العالمي أيضا. وبين هاتين المرحلتين، شهد العالم العربي، ارتفاعا مخيفا في النمو السكاني، سيعزز - في ظل السياسات الراهنة - كارثة البطالة، عندما تأتي الأيام التي يتحول فيها المواليد الجدد، إلى عاطلين عن العمل. فحسب تقديرات الأمم المتحدة سيرتفع عدد سكان الدول العربية بحلول عام 2015، إلى ما يقرب من 395 مليون نسمة، بينما يصل عددهم - طبقا لتقديرات عام 2007 - إلى 317 مليونا.

في قائمة الدول الـ 30 التي تعاني أكبر معدلات البطالة فيها على مستوى العالم (حسب منظمة العمل العالمية)، هناك سبع دول عربية، تبدأ باليمن في المركز الـ 12، وتنتهي بالعراق في المركز الـ 28. وبينهما هناك قطاع غزة الذي احتل المركز الـ 13، وليبيا في المركز الـ 15، وبعدها لبنان الـ 24، والسودان الـ 26، والضفة الغربية الـ 27!. ورغم هذا الواقع المرير بأرقامه، ظلت بعض الدول العربية لفترة طويلة - في أعقاب اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية - تنفي أن آثارها قد تصل إليها! بينما تتفق كل المؤسسات العالمية المعنية، أن العالم سيشهد مع نهاية عام 2009 انضمام ما يقرب من 59 مليون عاطل، إلى صفوف العاطلين حول العالم. وإذا ما أخذنا في الحسبان أن المنطقة العربية، تتصدر مناطق العالم قاطبة في ''استحواذها'' على أكبر عدد من العاطلين، لنا أن نتصور حصتها من الـ 59 مليون الذين يواصلون الانضمام إلى ''سوق البطالة''. والأمر المفجع للعالم وللعرب على حد سواء، أنه رغم ضخ أكثر من ألفي مليار دولار أمريكي في الاقتصاد العالمي - حتى الآن - فإن البطالة العالمية تزداد، وآثارها الاجتماعية المقيتة تنتشر في كل الأرجاء. أي لا أمل - في الوقت الراهن على الأقل - في تحسن سوق العمل العالمي، بينما من المستحيل أن يشهد أي قفزة - إلا إلى الوراء - على الساحة العربية. فإذا بلغت نسبة البطالة في بلد كالولايات المتحدة حدود الـ 10 في المائة، ووصلت في الاتحاد الأوروبي إلى 8.9 في المائة.. كم تبلغ الآن في المنطقة العربية؟

يصعب تحديد مستويات واقعية للبطالة العربية. لا لأنها من أسرار ''الأمن القومي''، بل لغياب إحصاءات فعلية لها. وحتى منظمة العمل العربي، تطرح أرقامها وإحصائياتها بصورة أقرب إلى التقدير منها إلى التحديد، لأن الكثير من الدول العربية، لا تمتلك إحصاءات حقيقية لعدد العاطلين عن العمل، بسبب عزوف نسبة من العاطلين عن تسجيل أسمائهم في اللوائح الرسمية، وذلك من منطلق اليأس بأن يجدوا وظيفة يشغلونها. وإذا ما أرادت أي منظمة تحديد العدد الحقيقي، عليها أن توسع إحصاءاتها لتشمل المقاهي والحدائق العامة، ودور السينما التي تعرض أفلاما متواصلة على مدار الساعة، في عدد كبير من الدول العربية. على كل حال، تتحدث المنظمة العربية عن وجود 20 مليون عاطل يشكل الشباب نحو 25 في المائة منهم، حسب تقديرات عام 2005، مقابل صدور إحصاءات شهرية - في الأزمات وخارجها - في الدول الراشدة لعدد العاطلين فيها. الإحصاءات - أو التقديرات - التي أطلقتها منظمة العمل العربية أخيرا، دارت حول البطالة بمعزل عن الأزمة الاقتصادية الراهنة، أي أنها لم تحص بعد، عدد العرب الذين ''يتوافدون'' إلى بلادهم، عائدين من البلدان التي يعملون فيها بعدما فقدوا وظائفهم بفعل الأزمة. وفي كل الأحوال، تصل نسبة العاطلين في الدول العربية - دون أزمة - إلى 15 في المائة. وتوقع مختصون في ''منتدى دافوس'' الاقتصادي العالمي الأخير الذي عقد في الأردن، أن يبلغ عدد العاطلين العرب 80 مليون شخصا بحلول عام 2013. وسيصل هذا العدد إلى هذا المستوى، بفعل الأزمة - طبعا- ولكن بفعل أشياء أخرى، لا علاقة لها بهذه الأزمة.

نقول أشياء أخرى؟. نعم هناك الكثير منها، من بينها: تدني مستوى التعليم لدى شريحة ضخمة من العاطلين، وضعف الخبرة المهنية، وطبعا عدم توفير التدريب المهني، الذي يجب أن يوجه إلى سوق العمل ويتناغم من متطلباتها. إلى جانب ذلك، لا يزال التخطيط في الدول العربية متواريا عن الساحة، وتقوم آليات العمل - بغالبية قطاعاته - على أساس رد الفعل. ولكي يزداد الهم .. هما، فإن مشكلة الإناث العاطلات، تدخل ضمن نطاق المحنة التي يعيشها سوق العمل العربي. ومن المفارقات، أن معدلات البطالة بين الأميين العرب (العالم العربي يحظى بـ 100 مليون أمي!)، هي الأدنى، بينما ترتفع في أوساط حملة الشهادات الثانوية والمتوسطة والجامعية. لكن أرجو أن لا يظهر ''ملهما من الملهمين العرب''، ويطالب بضرورة نشر الأمية، ومحاربة التعليم!. فالقضية ترتبط بفهم قواعد النمو، وتوجيه القوة البشرية إلى الأسواق والقطاعات الصحيحة، وخلق فرص عمل، عن طريق الاستثمار المستدام، لا ''استثمار الطفرة''.إن الجوع والعوز لا يعبران عن البطالة، فالذي يعبر عنها فقط هو غياب الأفكار. ونحن نعلم أن من أصعب الأعمال في العالم، أن تكون بلا عمل. والأمر سيزداد صعوبة عندما تفقد الأمل في العثور على الآليات التي تمكنك من العيش. ولأن القضية ليست شخصية - أي أنها ليست مرتبطة بالعاطل عن العمل فقط - فإن المسؤولية تقع على عوائق واضعي السياسات الاقتصادية بصورة مباشرة ورئيسية، عليهم أن يأتوا بالأفكار التي تقوم على الفعل، لا على رد الفعل.

الأزمة الاقتصادية .. كـ "قاتل متسلسل"!



«إذا كنت عاجزا عن إطعام مئة إنسان.. فأطعم واحدا فقط»
الأم الألبانية - الهندية تريزا

محمد كركوتي
m@karkouti.net


الشيء الأسوأ على الصعيد الاجتماعي - بعد البطالة - أن تتراجع إمكانية الفرد في الإيفاء بمسؤولياته المالية، ليس تجاه المؤسسات والمصارف وحتى ''البقالين'' المقرضين، بل تجاه أسرته، والأشخاص الذين يعتمدون عليه في معشيتهم، فالدولار الأمريكي الواحد، عندما يصبح -فجأة -80 سنتا، يعني أن المستفيدين منه خسروا 20 سنتا. وعندما يفقد الفرد وظيفته، يعني هذا أن هؤلاء المستفيدين فقدوا الدولار الواحد بأكمله، ليتحولوا بعد ذلك من خاسرين.. إلى ضائعين، أو مشردين، أو جائعين، أو كل هذه التوصيفات مجتمعة. وهؤلاء أيضا.. يتحولون من ''محاربين'' عند خط الفقر، إلى غارقين في محيط هائل من العوز، لا يملكون حتى قشة وهمية لتجنب الغرق. وطبعا .. لا نقول: للوصول إلى شاطئ النجاة، فالأزمة الاقتصادية دمرت الشواطئ، التي تمسي بلا قيمة، عندما لا تكون هناك سفن ومراكب وحتى قوارب النجاة لاستخدامها! ونحن نعلم أن الموانئ لا تبنى من أجل السباحين، حتى لو كانوا أبطال العالم في السباحة، ويعبرون المحيطات.

في التوصيف القضائي للإجرام والمجرمين، يُنعت مرتكب جريمة قتل واحدة.. بالقاتل - بالإنجليزية Killer - ويُنعت مرتكب عدة جرائم قتل.. بالقاتل المتسلسل - بالإنجليزية Serial killer - ولأن الأزمة ''بريئة'' من ضحية واحدة ـ سواء كانت فردا أم قطاعا- فهي كـ ''القاتل المتسلسل''، الذي أوقع أكبر عدد ممكن من الضحايا، لكن مع فارق كبير جدا، وهو أن الأزمة لم تضبط بعد.. وإن ضبطت لاحقا، فإن ''أبطالها'' لن يمثلوا أمام القاضي، ولن تقام محكمة لمحاسبتهم، وبالتالي عقابهم. فـ ''الأبطال الملهمون'' الذي فشلوا في تحصين مؤسساتهم ومصارفهم، وحماية قيم المجتمع وأفراده، يتمتعون بأعلى درجات الحصانة من المحاسبة والعقاب، تبدو أمامها حصانة الدبلوماسيين والنواب، مجرد نكتة.

فهي - أي الأزمة - رفعت حجم البطالة وخفضت الاستثمار، وقللت المساعدات وزادت المعاناة، وكومت الديون وبخرت المدخرات، ونشرت الأوبئة وحجبت الدواء، وخلقت المحتالين ونالت من الشرفاء، وأغلقت المتاجر وأكثرت من اللصوص، وأفقرت أثرياء وأغنت السماسرة. أيقظت القومية المتطرفة وداست على التسامح. هي أزمة متكاملة من الانهيار المالي والصناعي والتجاري والمعيشي والأخلاقي. ولأنها مثل ''القاتل المتسلسل'' الذي يعترف بجرائمه تباعا، فـ''جرائمها'' تظهر بصورة متسلسلة أيضا. ''الضحية'' الجديدة التي ''اعترفت'' بها، هي تحويلات العاملين في الخارج لبلادهم. هذه التحويلات التي تمثل الشريان الرئيسي لحياة الملايين من الأسر في الدول النامية، تمثل أيضا سلاحا يكفل الحفاظ على الكرامة الإنسانية لها، لاسيما أن الأسر التي تستفيد من تحويلات أبنائها في الخارج، تعيش في دول، لم تصل إليها بعد، أدوات التأمينات الاجتماعية، وإن وصلت فليس هناك من يعرف تشغيلها. وفي بعض هذه الدول ـ إن وجد من يعرف تشغيل الأدوات ـ يحال إلى التقاعد حتى لو كان في العشرينات من عمره!!. فالحكومات ـ كما يقول الأديب والكاتب البريطاني جورج أورويل ـ تعرف ''مصلحتك'' أكثر منك، إنها تقوم بدور ''الأخ الأكبر''!، أو كما يعرف بالإنجليزية على نطاق واسع: Big brother is watching you.

على كل حال، يتحدث البنك الدولي - المعني مباشرة بالقضايا المعيشية والتنموية في البلدان النامية ـ عن أن حجم تحويلات العاملين في الخارج سيتراجع في عام 2009 بمعدل 7.3 في المائة (التقديرات غير المتحفظة تنحصر بـ 10 في المائة)، بمعنى أن هذه التحويلات ستنخفض إلى 304 مليارات دولار أمريكي، من 328 مليار دولار سجلتها في عام 2008. والواقع أن التحويلات بدأت بالتراجع في الربع الأخير من العام الماضي، لكن آثارها تظهر عادة في مرحلة لاحقة. المصيبة هنا لا ترتبط فقط في هذا التراجع، بل أيضا بتدني حجم الاستثمارات الأجنبية في الدول الفقيرة، وذلك بعد فرار المستثمرين منها. ما السبب الذي أدى إلى تراجع التحويلات، أو شريان الحياة للأسر في الدول الفقيرة؟ البطالة وتخفيض الأجور طبعا. وكيف نشأت هذه البطالة؟ عن طريق تسريح نسبة من العمالة الوافدة، في إطار عمليات التسريح التي تشمل كل الشرائح في الدول الحاضنة لهذه العمالة. يكفي الإشارة إلى أن دولا مثل: الولايات المتحدة، بريطانيا، إسبانيا، إيطاليا، أستراليا، ماليزيا، روسيا، وجنوب إفريقيا، خفضت الحصص السنوية من العمالة المهاجرة، بينما شددت بعض الدول القيود عليها، في حين قامت بعض المؤسسات فيها بتخفيض رواتب الموظفين.

ما الحجة؟.. الأزمة بالتأكيد. ولنا أن نعرف -على سبيل المثال - أن تحويلات العمالة تشكل في بلد كطاجاكستان 46 في المائة من الناتج الوطني الإجمالي، وفي جزر تونجا 37 في المائة، ومولدوفيا 34 في المائة. بينما تشكل التحويلات حجر أساس لدول تتمتع باقتصادات ناشئة مثل: الهند، الصين، والمكسيك، كاحتياطات رأسمالية غير رسمية لتغطية النفقات. والواقع أن تقديرات تراجع حجم التحويلات لا تخضع للمعايير المتكاملة، لأن نسبة من هذه التحويلات - لا أحد يستطيع تقديرها - لا ترسل عبر القنوات الرسمية أو المصرفية المعروفة. أي أن انخفاض التحويلات يشمل أيضا تلك التي ترسل عبر أشخاص أو معارف أو أصدقاء، أو تنقل عبر أصحاب التحويلات أنفسهم. ولمزيد من الصدمات، هناك أكثر من 150 مليونا من المهاجرين العمال حول العالم - حسب بنك التنمية لدول أمريكا ''آي دي بي'' - غالبيتهم من آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا والمنطقة العربية، وإن كان بينهم أعداد قليلة من أوروبا الشرقية، أي أن الكوارث الناجمة عن تراجع التحويلات والتسريح، تقاس بالملايين!

هذه هي الصورة العالمية بشكل مختصر، لمحنة تحويلات العمالة، كـ ''ضحية للقاتل المتسلسل''، ولكن ما حجم محنة تحويلات العمالة العربية، وسط ركام الأزمة الاقتصادية؟ طبقا لتقرير أصدرته جامعة الدول العربية، فإن حجم تحويلات العاملين العرب - المسجلة - يصل سنويا إلى 25 مليار دولار أمريكي، وتصل هذه التحويلات إلى 40 مليار دولار، إذا ما أضيفت إليها الأموال المنقولة بطرق غير رسمية. وتشكل هذه التحويلات ـ حسب وكالة التصنيف العالمية ''ستاندرد آند بورز'' ـ 5 في المائة من إجمالي الناتجين الوطنيين لكل من مصر وتونس، بينما تشكل نحو 20 في المائة من إجمالي الناتج الوطني اللبناني. وتستقطب دول مثل مصر، تونس، الأردن، والمغرب، نحو 27 مليار دولار سنويا، من إجمالي تحويلات العمالة العربية. وتأتي الغالبية العظمى من الأموال المحوَلة، من دول الخليج العربية، التي تستقطب أكبر نسبة من العمالة العربية المؤقتة. وحسب إحصاء لصندوق النقد العربي صدر عام 2004، فإن دول الخليج تعد المصدر الرئيس لتحويلات العاملين المرسلة إلى كل من: الأردن، لبنان، سورية، ومصر، إذ بلغت حصتها نحو 25 في المائة من تحويلات العاملين إلى كل من مصر ولبنان، و85 في المائة إلى الأردن.

التوقعات تدور حول تراجع التحويلات العربية عام 2009 بين 5 و10 في المائة. المصيبة أن هذا التراجع لن يؤثر في الأسر المستفيدة من التحويلات، بل سينعكس سلبا على التصنيف الائتماني للدول المتلقية للتحويلات، وسيؤدي أيضا إلى خلل في ميزان الحساب الجاري لهذه الدول. وإذا ما استمرت الأزمة الاقتصادية ـ وكل المؤشرات تدل على استمرارها فترة ليست بالقصيرة ـ فسيؤدي ذلك إلى استفحال العجز في الحساب الجاري لتلك الدول بين 2 و19 في المائة من الناتج الوطني الإجمالي، وذلك حسب نصيب تلك التحويلات من الناتج أساسا.

بين تراجع التحويلات والبطالة الناتجة عن الأزمة، تقف الأسر المعتمدة على أبنائها في الخارج، لا تعرف ماذا تفعل، فالمسرحون سيعودون إليها ـ لا كمستثمرين ورجال أعمال ـ بل كعاطلين، وأولئك الذين انخفضت مداخيلهم، سيحسبون بدقة تكاليف التحويلات، بعد أن يكونوا قد أشبعوا المبالغ التي سيحولونها حسابا. يقول الرئيس الأمريكي الراحل هاري ترومان: ''عندما يكون جارك بلا عمل تسمي الوضع .. كسادا. وإذا أصبحت أنت بلا عمل تطلق على نفس الوضع صفة.. الكآبة''، ولكن ماذا نقول في وضعية تكون أنت وجارك فيها بلا عمل، وبلا حد أدنى من الدخل المالي، وبلا أمل اليوم للغد؟

إنها بالتأكيد مصيبة.