الأربعاء، 25 سبتمبر 2013

الولايات المتحدة الأمريكية «النامية»

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«رأيت طفلاً وليداً تحوم حوله الذئاب»
بوب ديلان، شاعر ومغن أمريكي


كتب: محمد كركوتـــي

يستحق الرئيس الأمريكي باراك أوباما ''كأس العالم''، باعتباره الرئيس الأكثر شرحاً لأشياء لا يقوم بها! وهو أيضاً يستحق جائزة عالمية أخرى، كرئيس يُجبر بقوة المُضرب عن الطعام ليأكل، دون أي اهتمام بالأسباب التي قادته للإضراب! هو أكثر الرؤساء الذين مروا على البيت الأبيض، حرصاً على نهاية خدمة رئاسية مضمونة، الأمر الذي يُغيِب عنه مسؤولياته كرئيس لأكبر دولة في العالم، ويحوله إلى موظف كبير، ينتظر تقاعده المضمون يوماً بيوم. قد ينفع أوباما مديراً لمصرف مهمته الرئيسة، أن يقول لا لأي شخص يسعى للحصول على قرض، مهما كان هذا القرض ملائماً، أو حتى مستحقاً. وهذه أهون المهام لكل المناصب. لقد فضل الرئيس الأمريكي الجانب الأسهل في الإدارة، على الرغم من أن هذه السلوكيات الإدارية، تنال بصورة مهينة من القدرات الإدارية. ولهذا السبب، لا تنقطع المناكفات والخلافات داخل إدارة أوباما نفسها. فالفريق يريد أن يعمل، والرئيس يريد أن ''يضمن'' دون عمل!
يقول محبو الرئيس الأمريكي ''اللذيذ''، إنه ابتعد عن الساحة الدولية من أجل الساحة الداخلية! ورغم أنه لا يحق لرئيس الولايات المتحدة هذا الابتعاد، لأسباب معروفة للجميع، ولا سيما تركه الساحة الدولية لـ ''أزعر'' روسيا ليقرر السياسة وفق معايير المافيات، إلا أن أوباما لم يحقق نجاحاً يتناسب مع انكبابه على الشأن الداخلي. ولهذا السبب وغيره، انصرف إلى شرح الأشياء، ولا بأس من التبريرات معها على إخفاقات، ما كانت لتحدث، لو أنه ارتضى أن يكون صانع قرار بعيد عن اعتبارات، ستختصر حجم البوابة التي سيدخل منها إلى التاريخ. فإذا أراد تقزيم دور بلاده خارجياً، بحجج ساذجة، عليه أن يرفع من شأنها على ساحتها الداخلية. الذي حدث، أن ما حققه داخلياً، جاء أقل بكثير من تكاليف تخلصه الطوعي من إرادته كصانع قرار، ومن إرادة البلاد على الساحة الخارجية.
يعيش اليوم في الولايات المتحدة 46 مليونا تحت خط الفقر. ورغم أن خط الفقر في هذه البلاد، أعلى بما لا يمكن مقارنته بغيرها من البلدان الفقيرة، إلا أنه يمثل عاراً على أوباما، وفق المعايير الأمريكية، وليس الإفريقية أو الآسيوية. هذا العدد الذي يمثل 15 في المائة من مجموعة سكان البلاد، يماثل إجمالي عدد سكان دولة كإسبانيا! ويقل بصورة طفيفة عن عدد سكان أوكرانيا! لم يقلل الرئيس الأمريكي ''المتخصص في الشؤون الداخلية''! عدد الذين يعيشون تحت هذا الخط، على الرغم من عدم انشغاله بالخطوط الحمراء التي حددها لسفاح سورية بشار الأسد. اكتفى بالحديث عن هذه الأخيرة كـ ''مُنظر'' لا كمنفذ. وكعادته، أسهب في شرحها بمناسبة وغير مناسبة، دون أن يقوم بها. الذي حدث، أنه ترك لـ ''سيد'' العالم حالياً فلاديمير بوتين مهمة تغيير اللون، من أحمر إلى أبيض! بل إن هذا الأخير (في بعض المواقف)، رسم الخط الأحمر لأوباما نفسه!
الأثرياء في الولايات المتحدة، ازدادوا ثراءً، والفقراء ازدادوا فقراً مدقعاً. هذه المعادلة المريعة في كل مكان، أتى أوباما أساساً لتعديلها. أو هكذا قال شارحاً إلى حد الملل. عتبة الفقر الرسمية في الولايات المتحدة تبلغ 11702 دولار سنوياً للفرد، و23201 دولار لعائلة مكونة من أربعة أفراد. وعلى هذا الأساس، فإن مستوى الفقر في البلاد يبلغ - حسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية - 11 في المائة، بينما يصل أعلى متوسط لدى المنظمة نفسها 6 في المائة. وهذا يعني أن أوباما فشل حتى في خفض الفقر وفق المعايير التي تضعها منظمات دولية. علماً، بأن هناك دائماً فروقات بين تقديرات ومعايير المنظمات، وحقائق الوضع على الأرض. مع ضرورة الإشارة هنا، إلى أن المؤسسات الأمريكية المحلية تضع الأمريكيين تحت خط الفقر عند نسبة 15 في المائة. وسواء كانت هذه النسبة أو غيرها، فإن الرئيس الأمريكي، أخفق في أهم واجب أوكله لنفسه.
نسبة من الفقراء الأمريكيين لا تزال تحمل ''وول ستريت'' مسؤولية معاناة الفقراء أجمعين في البلاد. وهذا صحيح. لكن الصحيح أيضاً، أن أوباما فشل أيضاً في إيجاد ''كابح'' سريع لمتنفذي السوق الأمريكية. وكانت معركته مع هؤلاء متقدمة في بداية ولايته، لكنها لم تلبث أن تراجعت، أو أصابها الوهن. وهذا يفسر الارتفاع في عدد الفقراء الأمريكيين، في السنوات الماضية. ولا يزال الرئيس ''المتخصص'' في الشؤون الداخلية لبلاده، يستجدي المؤسسات التشريعية لرفع سقف الدين العام، وأبقى أخيراً على برنامج التحفيز.
غير أن هذا كله لم يحقق أي هدف على صعيد الحد من معدلات الفقر في البلاد، الذي يبقى فقراً عنصرياً بتركيبته. وحسب مركز التعداد السكاني الأمريكي، فإن نسبة الفقر بين البيض من غير الأصول اللاتينية، تصل إلى 2,19 مليون نسمة، ومعدلات الفقر هي الأعلى بين الأقليات. وماذا أيضاً؟ يعيش أكثر من ربع السكان من أصل زنجي أو لاتيني في حالة فقر، في حين تنخفض تلك النسبة إلى 10 في المائة من البيض. هل هي الولايات المتحدة الأمريكية ''النامية''؟

الثلاثاء، 17 سبتمبر 2013

«اقتناص» المهاجرين.. كسب اقتصادي أناني

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«تذكر.. تذكر دائما، أننا جميعاً، أنت وأنا على وجه الخصوص، وُلدنا هنا من مهاجرين وثوريين»
فرانكلين روزفلت الرئيس الأمريكي الراحل


كتب: محمد كركوتــي

في بعض الحالات تتماهى وضعيتا المهاجر واللاجئ، مع ملاحظة أن حالة النازح قد تتطور إلى الحالتين السابقتين، أو إحداهما، بصرف النظر عن تمسك الجهات المسؤولة حول العالم بهذا التأطير. هي تحرص على هذا النوع من التأطير، لأسباب تتعلق بمسؤولياتها وواجباتها حيال الحالات الثلاث. فلكل حالة التزامات مختلفة، وبالطبع أي جهة معنية تفضل الحالة الأقل تكلفة (بل الأدنى تورطاً) على المديين القريب والبعيد. لكل حالة تكلفتها الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية.. ولها منغصاتها. والتكاليف الاقتصادية هنا لا تنحصر فقط في المانح، بل تشمل نسبة من الممنوحين أنفسهم. ولا سيما من خلال تشغيلهم بأكثر من حقوقهم، أو ''سرقتهم'' من أوطانهم المحتاجة إليهم. علينا فقط أن ننظر إلى فلسطين المحتلة، من هناك جاء التطور. نازح أولاً، لاجئ ثانياً، مهاجر ثالثاً، ولا بأس من مواطن أخيراً. البعض يعتبره تطوراً جيداً، استناداً إلى المعايير الاقتصادية والمعيشية، أما البعض الآخر فيرى عكس ذلك تماماً، ويحمل القوى الفاعلة المسؤولية.
على كل حال، تبقى قضية النازحين واللاجئين، مأساوية بصورة لا تُقارن مع مسألة المهاجرين، أو مع أي قضية اجتماعية معيشية أخرى، باستثناء تلك التي شهدها العالم على مدى سنوات، واستحقت عنواناً عريضاً هو ''الموت جوعاً''. حسب الأمم المتحدة، هناك 232 مليون مهاجر حول العالم. وهؤلاء أكثر من عدد النازحين واللاجئين، وهم يشكلون ما يقرب من 3,2 في المائة مع المجموع الكلي للبشرية. ويقيم هؤلاء بصورة رئيسة في أوروبا وآسيا. هذا العدد من المهاجرين يقارب عدد سكان إندونيسيا، ويفوق سكان البرازيل عدداً. وفي غضون عقد واحد، أضيف لأعداد المهاجرين 21 مليوناً. وحسب التوقعات التي تستند إلى أسس علمية، فإن عدد هؤلاء سيشهد ارتفاعاً في السنوات المقبلة, فالمهاجر يبحث أساساً عن حياة أفضل, بينما يبحث اللاجئ (وكذلك النازح) عن مكان يوفر له يوماً إضافياً على قيد الحياة.
تصل نسبة المهاجرين 11 في المائة من سكان البلدان المتقدمة. فهذه البلدان قادرة على استيعاب سلس لهم، دون أن تتكبد أعباء كبيرة. غير أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فعدد متعاظم من الدول المتقدمة تحتاج إلى خبرات وكفاءات علمية ومهنية في مختلف المجالات، وهي إن فتحت الأبواب أمام المهاجرين، فإنها تسد بعضاً من الثغرات في هيكلية سوق العمل والتوظيف بشكل عام. ومن أجل ذلك، بدأت بعض البلدان بتشجيع هجرة الكفاءات إليها، بصرف النظر عن الدول المصدرة لها، أو بمعنى آخر، بصرف النظر عن الدول المتسربة منها. وهذه الدول ببساطة، تحتاج إلى الكفاءات أكثر من البلدان المتقدمة. هي غالباً دول تسعى إلى النمو الذي يوفر لها حداً أدنى من الاكتفاء في مختلف المجالات.
والحقيقة أن الدول المتقدمة ترتكب مزيداً من الأخطاء في هذا السياق. ففي الوقت الذي تسهم (بصور مختلفة) في التنمية في البلدان المصدرة للكفاءات والأيدي الماهرة، فإنها تستقطب (أو تسرق) رافداً محورياً في التنمية هناك. مع ضرورة الإشارة إلى أن مساهمات الدول المتقدمة في التنمية بالبلدان النامية، تراجعت بشكل كبير في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية. وقلت التزاماتها بحجة الأزمة، التي ارتكبتها هي نفسها، لا أحد غيرها. فحتى على صعيد المساعدات الإنسانية، ينبغي أن ينشر التحذير الذي صدر أخيراً عن منظمة ''أوكسفام'' الخيرية العالمية، الرعب في الأوساط الدولية قاطبة. هذه المنظمة تقول ''إن سياسات التقشف التي يتبعها الاتحاد الأوروبي، ستزيد عدد المعرضين للفقر بواقع 15 إلى 25 مليون أوروبي- مرة أخرى أوروبي- بحلول 2025، ليصل العدد إلى 146 مليون نسمة''.
أما لماذا ينبغي أن ينشر الرعب؟ لأنه إذا كان الأمر بهذه الصورة المرعبة في القارة الغنية، فكيف الحال في الدول الفقيرة أو النامية، المنتجة للأيدي الماهرة والكفاءات؟! الأوضاع المعيشية المتردية في هذه الدول، تعفي البلدان المتقدمة من ''عبء'' التشجيع على الهجرة إليها. فهؤلاء سيأتون إليها سواء بالتشجيع أو بالتسلل بصورة غير قانونية. وهذا ما يحدث بالفعل على كل الحدود المائية والبرية للبلدان المتقدمة. كل الدول تبحث عن مصالحها (هذا بدهي)، ولكن أليس من مصلحة البلدان المشار إليها، التقليل من التزاماتها الاقتصادية تجاه الدول النامية، بإبقاء الأدوات المنتجة في وطنها؟ سوف توفر عوائد في هذا المجال، يمكنها أن تستثمرها في بلادها نفسها، التي ستشهد (في الحالة الأوروبية) أكثر من 146 مليون فقير لاحقاً.
قضية المهاجرين، لا تنحصر في إطار شخصي فقط. إنها جزء أصيل من التنمية الشاملة في أي مكان، خصوصاً أولئك الذين يتمتعون بالكفاءات والمؤهلات اللازمة لبلدانهم. صحيح أن نسبة من بين المهاجرين تمثل عبئا حتى على الدول القادرة. فهي تبحث فقط عن مكان لعيش أفضل، دون أن تهتم بدورها في التنمية والمجتمع. ولكن الصحيح أيضاً، أن نسبة متعاظمة من المؤهلات تتسرب من دول تحتاج إليها بقوة، إلى دول تحتاج إليها بعض الشيء.

الجمعة، 13 سبتمبر 2013

في الاقتصاد «مصارف جرثومية» أيضا

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«على البنك المركزي أن يضع سياسات، بمعزل عن اعتبارات سياسية قصيرة الأجل»
بن برنانكي رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي


كتب: محمد كركوتـــي


هناك كره تاريخي يفيض في ''وجدان'' المصارف حيال السلطات المالية. يبدأ مع تأسيس المصرف وفي أغلب الأحيان لا ينتهي. وحتى إن كانت هذه السلطات متساهلة في تشريعاتها ومراقبتها وقوانينها المالية، ينخفض الكره قليلاً، ويرتفع في الوقت نفسه توجس لا يزول أيضاً. لكن الكره يبقى في أعلى الدرجات، وفي كل الأوقات للجهات المالية العقابية. ويبدو أن هذه العلاقة لن تدخل في يوم من الأيام، في بيئة إيجابية. والسبب بسيط. هو أن السلوكيات المصرفية لا يمكن أن تتبدل ذاتياً، ويتطلب الأمر معها وجود ذراع غليظة، تُذكِّر أولاً، ثم تعاقب ثانياً. ولأن ذاكرة المصارف ضعيفة، فغالباً ما تكون الأولوية لـ ''ثانياً''.. لا لـ ''أولاً''! بالتأكيد تجهد المصارف نفسها للهروب من هذا وذاك، في عز انشغالها بجمع أكبر قدر من الأموال، بصرف النظر عن مصادره، وكي تتباهى بالاستحواذ على درجة أخرى عالية في قائمة أكبر وأقوى المصارف. وإذا كان المال ''كما يُقال'' يتكلم، فقد وجد الشاعر والمغني الأمريكي بوب ديلان، أنه يشتم.
عندما كان الاقتصاد العالمي ''فالتاً''، كانت المصارف تعيش أحلى أيامها، بل لنقل أحلى سنواتها. لقد دام ''عيشُها'' الرغيد أكثر من ربع قرن من الزمن. ازدادت قوة ونفوذاً، لدرجة أنها باتت هي التي تحدد السياسات المالية العامة في كثير من البلدان، ولا سيما تلك التي تتحكم في القرار الاقتصادي الدولي. بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، صُدم العالم من هول الخراب الذي أحدثته المصارف. أما المخربون فقد تسربوا الواحد تلو الآخر إلى ملاذات مضمونة. على كل حال، تغيرت الأمور، وأصبحت التشريعات المقيدة للمصارف واجبا وطنيا في كل دولة، بل ضمانة لبقاء الحكومات نفسها في الحكم. وفي زحمة حملة التنظيف التي تقوم بها هذه الحكومات، هناك الأموال المشينة، التي تتراوح بين عوائد المخدرات والاتجار بالبشر والنهب العام، وبين التهرب من الضرائب والعمولات الكبرى. وتركز الحكومات حالياً على الضرائب الضائعة، وكلها متجمعة في مصارف مختلفة في بلدان متعددة، وفي مقدمتها بالطبع سويسرا.
ظهرت قبل أيام في سويسرا دراسة مريعة حقاً! أجرتها مؤسسة ''كي بي إم جي'' المالية، بالتعاون مع جامعة ''سان جال''. تتوقع الدراسة أن يختفي ما بين 25 و 30 في المائة من المصارف السويسرية في غضون ثلاث سنوات، ليس بسبب اندماجها ''مثلاً'' مع مصارف أكبر منها، بل لأن التشريعات التنظيمية المالية الدولية الجديدة، تضغط عليها للكشف عن ودائعها. وهذه الودائع بمجملها، ليست سوى أموال مهربة من الضرائب، إلى جانب أموال مشينة أخرى. الضغوط المشار إليها، ليست أكثر من عملية تنظيف تقتل ''الجراثيم'' المصرفية، بعد أن عاثت هذه الجراثيم على مدى عقود في الأموال فساداً، وشجعت في الوقت نفسه على رفع عدد الفاسدين من كل الأجناس والمشارب. سيكتشف الخاسرون، الذين كانوا ''قبل الأزمة'' سكان العالم أجمع، حقائق من سويسرا، وغيرها من البلدان المشابهة، تجعلهم مشدوهين لسنوات طويلة.
لقد انخفض عدد المصارف السويسرية الخاصة ''حسب الدراسة نفسها'' في سبعة أعوام من 182 إلى 148 مصرفاً، بينما انخفض في العام الماضي فقط من 161 إلى 148 مصرفاً. وهو العام الذي لم تصل إليه الضغوط الخارجية على المصارف السويسرية، وغيرها في أشباه الدول التي تصدرت قائمة الملاذات الآمنة للأموال المشينة. كشف الإصلاح المالي الذي بدأ غصباً .. لا حباً ''بسبب الأزمة''، الكثير من الآثام المالية حول العالم، خصوصاً في الدول التي عاشت ''ولا تزال'' على أموال قذرة، لا يمكن تنظيفها إلا بحرقها. والهجمة الغربية الحالية على المصارف التي تتجمع فيها أموال ضرائب وطنية، ستقصي بالفعل الكثير من المؤسسات المالية. ولكن لم العجب؟ لقد ثبت أن مصارف ذات سمعة عالية لا تُمس، استخدمت الأموال القذرة في إنقاذ نفسها.
يطالب المختصون في سويسرا وإمارة ليختنشتاين، بضرورة تسريع حركة تعزيز المصارف الخاصة، ولا سيما في ظل المعركة الراهنة بين الولايات المتحدة والسلطات السويسرية، حول تجمع أموال أمريكية هائلة في مصارف الأخيرة، هي في الواقع ضرائب واجبة للبلاد. والسؤال الأهم هنا، كيف يمكن تعزيز هذه المصارف، بينما تقوم على أموال غير شرعية بل مشينة؟ لا أحد يطرح على الملأ طبيعة خطط التعزيز هذه، لأن المشكلة تكمن في موجودات مستحقة لجهات غيرها. ولهذا السبب، فإن خروج نسبة من المصارف الخاصة السويسرية من الساحة، هو الحل الأمثل لكل الأطراف. لا يمكن بأي حال من الأحوال إسناد المصارف المشار إليها، وفق المعايير التقليدية المعروفة. بل لا يمكن إنقاذها، فما تملكه .. ليس لها.
ليس أمام الحكومة السويسرية وغيرها من حكومات أشباه الدول، إلا التعاون مع الأنظمة المالية الدولية الجديدة، طوعاً أو كرهاً. وهذا يتطلب أيضاً التحرك واستغلال الفرصة المواتية، لتفعيل أكبر للحراك الخاص بملاحقة الأموال المنهوبة من الشعوب، ستكون أمامها الأموال الهاربة من الضرائب مجرد ''فكة''.

الأحد، 8 سبتمبر 2013

بكائيات أردوغان الإخوانية.. أنسته أزمته الاقتصادية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







''لا تبحث عن العجل تحت الثور''
من الأمثال التركية

كتب: محمد كركوتـــي

ينشغل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، بالدفاع عن إخوان مصر. ولا مانع لديه من نقل العلاقات بين بلاده ومصر إلى أخطر مستوى لها. فهو في الواقع يدافع عبر بكائياته على حكم الإخوان المصريين، عن التنظيم العالمي لهذه الجماعة، التي استعذبت منذ انطلاقتها، العمل السري حتى لو كانت في الحكم. والحق، أن العمل السري، هو جزء أصيل من مبادئها وأدبياتها. دون أن ننسى، أن مرشداً سابقاً لهذه الجماعة في مصر هو مأمون الهضيبي، قال علانية: ''نتقرب إلى الله بأعمال التنظيم السري للجماعة''! وأعمال التنظيم السري هذه، أقلها الاغتيالات والتصفيات الجسدية. على كل حال، أنست بكائيات أردوغان، هذا الأخير الأزمات الاقتصادية التي تتجمع في بلاده. ويبدو واضحاً، أن ما يحتاج إليه التنظيم العالمي للإخوان، له الأولوية على كل شيء. تكفي الإشارة هنا، إلى استضافته اجتماعات هذا التنظيم ''سرياً طبعاً''، لبحث مصيبة انهيار حكم الجماعة في مصر.
تواجه تركيا مصاعب اقتصادية متصاعدة، أخذت تهدد شيئاً فشيئاً النمو الذي تمتعت به البلاد بالفعل في غضون السنوات القليلة الماضية. بل إن هذه المصاعب، بدأت تدفع خارجاً أولئك الذين اعتقدوا استدامة النمو إلى ما لا نهاية. ففي الأسابيع الماضية، شهدت البلاد هجرة للاستثمارات الأجنبية، واضطرت الحكومة إلى سن مجموعة من القوانين، لجذب ما أمكن لها، ليس من أموال الأجانب، بل من أموال الأتراك الذين يعيشون خارج بلادهم، مترددين في ضخها. وفي الواقع، تدخل هذه التطورات الدراماتيكية، في إطار تحولات في زخم التوجهات نحو الأسواق الناشئة نفسها. فقد وجدت شرائح عديدة من المستثمرين الأفراد والصناديق المتوسطة والكبرى، أن المخاطر باتت عالية في هذه الأسواق، ولا سيما في زمن الاضطرابات. وفي كل الأحوال، تواجه حكومة أردوغان مجموعة من المشكلات الاقتصادية، التي ستظل على الساحة لفترة لن تكون وجيزة.
يعاني البنك المركزي التركي كثيراً للحفاظ على ما أمكن من قيمة الليرة. وهو بين نارين. الأولى: رفع نسبة الفائدة، والثانية: استنزاف الاحتياطي من القطع الأجنبي. أعلن البنك حالة الطوارئ، في الوقت الذي وجد فيه أردوغان وقتاً، ليؤكد أن ''المركزي'' لن يُقدِم على رفع معدلات الفائدة. ماذا حدث؟ فشلت مبيعات البنك المركزي من العملات الأجنبية الصعبة في تهدئة التوتر الحاصل على الساحة الاقتصادية، وأخفقت تدخلاته المباشرة في سوق صرف العملات، بينما لم ينصت إلى أردوغان، ورفع الفائدة. لكن النتيجة بقيت كما هي. ومنذ مايو الماضي تراجعت الليرة 9 في المائة مقابل العملات الرئيسة الأخرى، وهي مرشحة للتراجع. يصف الاقتصاديون الأتراك اقتصاد بلادهم بـ ''الهش''، ويؤكدون أن ذلك يعود إلى الاقتراض المفرط، والتخلف عن السداد العائد بشكل أساسي إلى استثمارات مالية خارجية قصيرة الأمد، وأن التطورات الاقتصادية العالمية، كشفت عن مشكلات مزمنة في هذا الاقتصاد.
والحقيقة، أن مشكلات الاقتصاد التركي، بدأت قبل أكثر من عامين، حين بلغ التخلف عن سداد الأموال المستحقة نسبة 10 في المائة من الدخل المحلي. المسؤولون في حكومة أردوغان، يبررون هذه التطورات السلبية ''بأن كل بلدان العالم باتت عرضة للتقلبات الاقتصادية، بفعل انكشافها على تطورات الخارج في عالم مفتوح''. وهذا النوع من التبريرات، يطلقها عادة أولئك الذين ليسوا واثقين بما يكفي من علاج الأزمات المتصاعدة. هناك مشكلة مستمرة منذ زمن، وهي ضعف الأصول التركية، وأي سياسة اقتصادية تطرح حالياً، لا يمكن أن تعالج هذه المسألة بصورة جذرية. إنها مشكلات تتطلب إعادة النظر في الكثير من السياسات المتبعة، والإقدام على خطوات، لن تكون بالضرورة شعبية. إنها الضريبة السياسية التي لا ترحم حكومة ولا حزبا .. وبالتأكيد ولا ''جماعة''.
في الإطار نفسه، يساهم التوتر في العلاقات بين تركيا ودول الخليج العربية، في دفع هذه الأخيرة لإعادة النظر بوجودها الاقتصادي في تركيا. وقد ظهرت مؤشرات واضحة على ذلك، بقيام البنك المركزي الإماراتي ''على سبيل المثال'' بمطالبة المصارف التجارية، بإمداده بتفاصيل مساهماتها بمشاريع في تركيا، أو شراء صكوك وأدوات دين تركية، أو وجود إيداعات كبيرة لأتراك فيها، أو إيداعات لإماراتيين في البنوك التركية. اللافت أن خطاب ''المركزي الإمارتي''، اتخذ طابع الاستعجال، وطالب البنوك بالإفصاح عن هذه البيانات سريعاً. ومن الإمارات، أبلغت شركة ''طاقة'' فيها الجانب التركي، أنها لن تمضي قدماً في مشروع ضخم لبناء عدد من محطات توليد الكهرباء، تستخدم احتياطيات فحم ''الليجنايت'' الموجودة بوفرة في تركيا. وهذا المشروع يتكلف 12 مليار دولار أمريكي.
ليس مهماً تأجيل اتفاقية الربط بين بورصتي القاهرة وإسطنبول، نتيجة للتوتر الناجم عن تدخل أردوغان في شؤون مصر الداخلية. المهم بالنسبة لهذا الأخير، أن يحافظ ما استطاع على جملة من الاستثمارات الخليجية، لو تسربت إلى خارج تركيا، سترفع من حدة الأزمات التي يواجهها الاقتصاد التركي، خصوصاً إذا ما انضمت هذه الاستثمارات إلى أخرى أجنبية، انسحبت أو تفكر بالانسحاب من الساحة التركية.

الثلاثاء، 27 أغسطس 2013

إنهم يحبون أن يكرهوا المصارف

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






''من الأفضل ألا يعرف الناس كيف يعمل النظام المصرفي. إن عرفوا ستكون هناك ثورة في صباح اليوم التالي''
هنري فورد الصناعي الأمريكي



كتب: محمد كركوتـــــي

كأن الرئيس الثالث للولايات المتحدة توماس جيفرسون يتحدث عن يومنا هذا أيضاً، حين قال قبل أكثر من قرنين من الزمن ''إن المؤسسات المصرفية تشكل خطراً داهماً على الحريات، أكثر من الجيوش المحتشدة''. قليلون ونادرون أولئك الذين يحبون المصارف. ويمكن القول، إنه لم يظهر (إلى الآن) من تغنى بها، أو على الأقل من لا ينتقدها أو من لا يهاجمها. بعد جيفرسون بمائة عام تقريباً، قدم الأديب الأمريكي الشهير مارك توين توصيفاً ساخراً على طريقته المعهودة، وعميقاً في دلالاته. ماذا قال؟ ''المصرفي هو الشخص الذي يقرضك مظلة في الأيام المشمسة، ويطالبك بها في اللحظة التي تبدأ فيها الأيام الممطرة''. وبعد توين بمائة عام أخرى، كان الكوميدي الأمريكي المعروف بوب هوب أكثر عنفاً، عندما قال ''المصرف هو المكان الذي يقرضك الأموال، بشرط أن تثبت أنك لست بحاجة إليها''. لا أصدقاء مخلصين للمصارف والمصرفيين. فحتى أولئك الذين يستفيدون منها، ينظرون إليها بعين الريبة المستدامة. على طريقة ''أحب أن أكرهك''، أو ''أكره من يحبك''.
احتاجت الحكومات في العالم لفترة طويلة لوضع قواعد للسيطرة على المصارف وألاعيبها. ولولا انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية قبل خمس سنوات، لكان ''الحفل الراقص'' بين الطرفين (الحكومات والمصارف) متواصلاً. فآثام المصارف لم تكن نتاجها وحدها، رغم أنها لا تحتاج إلى منتِج مساعد في هذا المجال. كانت الحكومات تقف إلى جانبها ظالمة أو مظلومة، مع التأكيد على أنها لم تُظلَم، منذ تأسيس أول مصرف في التاريخ (يقال إن أول مصرف كان في بلاد ما بين النهرين). المصارف تفعل كل شيء لتكديس ''الدشم'' المالية في خزائنها. هي لا تُقرض من لا يحتاج القرض فقط، بل تقوم بفرض تكاليف عالية على المقترض وحتى المودع أيضاً. دون أن ننسى أنها تملك أكبر ''المصابغ'' لماذا؟ لـ ''الغسل والكي والتعليق''. في الأشهر القليلة الماضية، دفعت مصارف كبرى مثل ''إتش إس بي سي'' و''ستاندارد تشارترد''، و''باركليز'' ومجموعة لويدز البريطانيتين، و''كريدي سويس'' السويسري، و''آي إن جي'' ومجموعة إيه بي إن أمرو في هولندا، إلى آخر السلسلة.. دفعت مليارات الدولارات غرامات على مخالفات، وتبييض أموال كل شيء، المخدرات، الاتجار بالبشر، المنظمات الإرهابية، والنهب من الشعوب. ولعل العار الأكبر، أن عدداً كبيراً من المصارف الكبرى، استخدمت هذه الأموال القذرة في محاولة إنقاذ نفسها من الأزمة الاقتصادية.
الحكومات في العالم الغربي، وجدت أخيراً أن العار الكلي للمصارف، ينسحب عليها هي نفسها. وفي أعقاب الأزمة، بدأت بوضع تشريعات جديدة، تأخرت في تطبيقها لسبب واحد فقط، هو أن المصارف (رغم المصائب التي أوقعتها الأزمة فيها)، ظلت تمتلك بعض أسلحة المقاومة، لأي قوانين تستهدفها. ومع الضغوط الشعبية - الانتخابية في العالم الغربي، صعدت الحكومات من تحركاتها ليس فقط لإقرار الأنظمة الجديدة، ولكن أيضاً لتنفيذها بأسرع وقت. فالمبررات انعدمت، والحجج انتهت، والأكاذيب نفدت. تريد الحكومات (خصوصاً الإدارة الأمريكية)، أن تعزز صلابة المصارف في حال نشوب أزمة مالية جديدة، من خلال تطبيق قواعد تنظيمية مختلفة، أُطلق عليها اسم ''بازل 3''. ورغم أن مثل هذه القواعد ستعزز وضعية المصارف، بما في ذلك الترفيع في الحد الأدنى من رأس المال، إلا أن المديرين لا يزالون يقاومون. فالقواعد التنظيمية الجديدة، تعني رقابة أكثر تشدداً على أداء المصارف، الأمر الذي يقيد التسيب التاريخي في هذه المصارف. والتسيب في النهاية يعني العمل بأقل قدر من الضوابط، وأدنى مستوى من الأخلاقيات.
على الجانب الأوروبي، بدأت المفوضية الأوروبية التحضير لإطلاق سلسلة جديدة من الأنظمة التي تختص بما يعرف بـ ''مشتقات الائتمان''. وهذه الأخيرة، تمثل بالفعل أرقاً دائماً للسلطات. فعملية نقل مخاطر القروض من جهة إلى أخرى، تُحدث ''تشوهات'' مصرفية. وحين تنفجر أزمة، يهرع المصرفيون إلى الحكومات. إن نقل المخاطر في حد ذاتها عملية فيها من المخاطر الكثير. وفي كل الأحوال، تتضمن الإجراءات التنظيمية الجديدة، وتلك التي ستفرض لاحقاً، عقوبات واضحة على المصارف التي تخالفها، وهذا ما لا يريده أي مصرفي في هذا العالم. فالمصرفيون الذين يجمعون الأموال بكل طريقة ممكنة وغير ممكنة، يسعون في الوقت نفسه، إلى تطويع ما أمكن القوانين العقابية، فكيف الحال بقوانين جديدة، لن تكون رحيمة!
التوجه الغربي الجديد بشأن المصارف، يأتي في الواقع في نطاق حماية كل الأطراف، بما فيها المصارف نفسها. كما أنه يأتي (ولو متأخرا) في سياق ''اعتذار'' كان مطلوباً، على أخطاء الحكومات التي انفجرت في ظلها الأزمة الاقتصادية العالمية. اعتذار للشعوب التي تعرضت للسرقة والتضليل والاحتيال من هذه المصارف، لكنها (يا للمفارقة) كانت المنقذة الوحيدة لها! فكل عملية إنقاذ جرت لمصرف، كانت في الحقيقة، عملية تأميم مؤذية. لأن كل ما أُمم من المصارف كان ركاماً. لقد اشترت الشعوب الممولة للحكومات، ديونها مرة أخرى!

الخميس، 22 أغسطس 2013

إيران.. استدامة الأكاذيب الاقتصادية بدلاً من اقتصاد مستدام

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




 " عليك ألا تروع الناس، وفي نفس الوقت عليك ألا تضللهم"
سير ديفيد أتينبرة منتج برامج وثائقية بريطاني



كتب: محمد كركوتي
لم تكن حكومة أحمدي نجاد في إيران، منذ وصولها إلى الحكم، وحتى اليوم الأخير لها في السلطة، سوى ''مصنع'' للأكاذيب، ينتِج ''السلع'' وفق صورة لا تنحرف للحظة في تطابقها مع متطلبات ''السوق''. ولأن الأمر كذلك، فقد ابتكرت هذه الحكومة، ما يمكن تسميته بـ ''أكاذيب استباقية'' إلى جانب الأكاذيب المتجددة. كما أنها كانت تحضر الأكاذيب، لمواجهة استحقاقات محددة وواضحة. ويضم ''مصنع'' حكومة نجاد سلسلة متعددة من خطوط ''الإنتاج''، السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحلية، إلى جانب خطوط إنتاج مخصصة للتصدير.. دولية وإقليمية وعربية ونووية وتخريبية. ولأنها كانت ''مباركة'' من المرشد الأعلى علي خامنئي، كان إنتاجها وافراً، يتماشى مع التبريكات العليا، ويتماهى مع المقدمات المطلوبة لظهور المهدي الفالت، الذي لم يتم العثور عليه حتى الآن!
ورغم أن الحكومات الإيرانية التي سبقت حكومة نجاد، لم تكن بمنأى عن سياسة التضليل والأكاذيب، ولاسيما فيما يرتبط بضوابط التُقية الصارمة، إلا أن الحكومة الأخيرة تجاوزت كل الحكومات في ذلك، خصوصاً على الصعيد الداخلي، و''تفننت'' بالأكاذيب في المجال الاقتصادي المحلي، الذي يمس المواطن الإيراني مباشرة. فلم تقدم تقريراً صحيحاً واحداً عما يحدث في اقتصاد البلاد، على مدى ثماني سنوات. وقد بلغت فداحة الأمر، أن امتنع حتى المصرف المركزي الإيراني لسنوات عن إصدار بيانات تتعلق بالنمو والتضخم والبطالة والفقر وارتفاع الأسعار والاحتياطي من القطع الأجنبي. وانضمت إليه مؤسسات محلية فضلت أيضاً عدم التعاطي بالتقارير الاقتصادية الواجبة، تجنباً لأية مواجهة حتمية مع حكومة نجاد، وأركانها الذين اعتقدوا أن للأكاذيب استدامة، وأعفوا أنفسهم من واجب العمل لـ ''اقتصاد مستدام''، أو على الأقل لاقتصاد قابل للنمو، كي لا نقول: الازدهار. وفي الوقت الذي كان يتوجب عليها فيه أن تعلن الحقائق كما هي، خصوصاً مع وجود بعض المبررات للأزمات الاقتصادية والمعيشية التي تعيشها البلاد، بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليها، فضل نجاد إنتاج الأكاذيب وتسويقها وتصديرها!
في الأيام الأولى لتسلم حسن روحاني مقاليد الحكم في إيران، تلقى رسالة من تجمع خبراء الاقتصاد المحلي، يمكن ببساطة أن يكون عنوانها ''انتبه من أكاذيب نجاد''. الرسالة تحذر الرئيس الجديد، من الأوضاع الاقتصادية التي ورثها عن حكومة سلفه، ويتهم أصحابها هذه الحكومة بالكذب والتلاعب بالأرقام والإحصاءات الاقتصادية، لتحقيق هدف واحد، وهو تضليل الرأي العام. ويهتم ''تجمع خبراء الاقتصاد'' بالدرجة الأولى، في ضرورة عدم وضع برامج وخطط اقتصادية تستند إلى التقارير والإحصاءات التي أصدرتها الحكومة السابقة. ولحل هذه المشكلة، فقد وجد هؤلاء ''أهمية الاستعانة بالتقارير الاقتصادية التي صدرت عن جهات اقتصادية مستقلة خارج إيران، لإنقاذ الاقتصاد الإيراني المريض''. والحقيقة أن مثل هذا الأمر لا يحدث إلا في الدول المارقة التي تتغير فيها الحكومات. هذا إن تغيرت فعلياً.
ولعل من أهم النقاط في هذه الرسالة، التحذير من وقوع حكومة روحاني في فخ الأجواء الدعائية التي نشرتها حكومة سلفه. وهذا لا يعني أن قيام الرئيس الجديد بعرض الحقائق كما هي، سيؤدي الغرض ويحقق الهدف، بل عليه العمل من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من اقتصاد على وشك الانهيار. وهنا تكمن المصيبة. فحتى لو افترضنا أن روحاني عازم بالفعل على محاولة الإنقاذ، فإنه لن يحقق شيئاً في هذا المجال، إذا لم يحصل على ''تبريكات'' خامنئي، الذي يعيش في عالم يتصادم (في الواقع) مع الواقع! ولمرشد ''الثورة'' مشاريع سياسية- اقتصادية خارجية تخريبية، تعطل منذ سنوات أي مشاريع محلية تهدف إلى احتواء التداعيات المتواصلة على الساحة. والحقيقة.. المثل الشعبي المعروف ''ما يحتاجه البيت يحرم عن الجامع''، هو عند خامنئي بالمقلوب!
يقدم خبراء الاقتصاد في إيران مجموعة من الآليات والاستراتيجيات لمواجهة المحنة الاقتصادية في بلادهم، بما في ذلك استقلالية البنك المركزي، وإجراء إصلاحات في السياسات المالية، يكون محورها، أهداف اقتصادية شاملة، وإحياء دور وزارة المالية، ووضع ضوابط وقوانين صارمة من أجل تسهيل تطبيق الآليات والسياسات الضريبية في البلاد. ويعتقد هؤلاء، أن هذه الآليات هي الوحيدة التي يمكن أن تحقق شيئاً إيجابياً في المرحلة المقبلة. خصوصاً أنها ستصنع شيئاً مع التضخم، وستمنع حدوث هبوط مفاجئ للعملة. غير أن هذا كله، يظل في النطاق النظري، في بلد يحتكر فيه الكلمة الأخيرة ''مرشد''، ليس قابلاً لفهم حقيقة ما يجري، لأنه ليس مستعداً للاعتراف بما يجري! فكل الآليات والمخططات تبقى بلا قيمة.
في إيران اليوم.. لو كان رئيسها في السلطة وليس في الحكم فقط. هناك حل بسيط جداً للعديد من الأزمات الاقتصادية التي تعيشها، لا يكلف شيئاً يذكر، وهو أن يقوم الرئيس الجديد بدراسة متأنية للمخططات الاقتصادية التي أطلقها سلفه أحمدي نجاد، وينفذها بالعكس. لكن السؤال يبقى هو.. هو، هل يقبل خامنئي (منتظِر المهدي) بذلك؟! الجواب بسهولة الحل نفسه. لا.

السبت، 17 أغسطس 2013

ألمانيا تنجح بعدم «فزلكة» اقتصادها

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«يجب علي ألا أقلق من الألمان. لقد انتصرنا عليهم مرتين في قرن واحد»
مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا الراحلة


كتب: محمد كركوتي

كان من الطبيعي أن تتقدم ألمانيا، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الدول الأوروبية التي أغرقتها أزمة العام 2008، والتي تعمقت فيها الأزمات الاقتصادية المرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. لا أحد (بالطبع) يملك قدرة ألمانيا على الإنقاذ، بصرف النظر عن الذل والمهانة الألمانية للطرف الخاضع للإنقاذ. لقد بلغت مشاعر الإهانة حداً دفع بعض أولئك الألمان الذين لا يزالون يعيشون أحلام قوة زالت (بل واندثرت)، إلى الدعوة لاحتلال دولة كاليونان، طالما أن هذه الأخيرة خاضعة لخطة الإنقاذ الأوروبية. وهذه الخطة (بصرف النظر عن أي اعتبارات) هي ألمانية أكثر منها أوروبية. ولولا ألمانيا، فإن بقية الدول الأوروبية الكبرى، وفي مقدمتها فرنسا، لا يمكن أن تطلق خطة إنقاذ عملية وواقعية. ألمانيا في القرن العشرين تسببت في تدمير أوروبا مرتين، لكنها الآن هي المنقذ المثالي لقارة ستظل تعيش تحت ''صواريخ'' الأزمة الكبرى، لأجل ليس قصيراً.
لا يمر يوماً إلا ويطرح السؤال التقليدي. لماذا تمكنت ألمانيا من تحقيق تقدم وازدهار اقتصادي حتى في عز الأزمة؟ وطبعاً هذا السؤال يجر معه أسئلة أخرى، على شاكلته، هل إيطاليا وإسبانيا واليونان (على سبيل المثال) ضعيفة إلى هذا المستوى؟ غير أن السؤال الأهم يبقى هو.. هو، ما هذا ''السر'' الألماني؟! وبالطبع يظهر سؤال آخر على الساحة فوراً. هل تستطيع ألمانيا المضي إلى ما لا نهاية بهذا الزخم الاقتصادي النادر في التاريخ الحديث؟ أين أصابت ألمانيا، وأين أخطأت دول مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها؟ الأسئلة كثيرة، والأجوبة لا تحتاج إلى كبير عناء للوصول إليها. لقد باتت الساحة الاقتصادية العالمية (بعد الأزمة) مكشوفة إلى حد الفضيحة. لا أسرار في هذا العالم، حتى وإن مارست الولايات المتحدة ثقافتها التجسسية، ليس على الأصدقاء فحسب، بل على ما هو مكشوف حقاً!
على كل حال، من بين أسباب الصمود الاقتصادي الألماني، والنجاحات المتتالية حتى في عز ضربات الأزمة، أن الحكومات الألمانية المتعاقبة بعد هزيمة بلادها في الحرب العالمية الثانية، لم ''تتفزلك'' اقتصادياً. وظلت ملتصقة بالاقتصاد التقليدي المنتج، الأمر الذي فتح أمام منتجاتها أسواق، فشلت دول صناعية عديدة في الوصول إليها. وفي الأزمات، لا يصمد إلا الاقتصاد الواضح، وفيها أيضاً تظهر مكامن الضعف في هذا الاقتصاد أو ذلك. ففي الوقت الذي تنكمش فيه اقتصادات دول كاليونان وإيطاليا وإسبانيا وحتى فرنسا وبريطانيا، تسجل ألمانيا نمواً في هذا العام يصل إلى 0,7 في المائة، ومن المتوقع أن تحقق نمواً في العام المقبل يصل إلى 1,6 في المائة. الاقتصاد التقليدي البعيد عن ''الفزلكة''، وفّر لألمانيا مساحة أمان واسعة للغاية. فقد ظلت ألمانيا وفية لحراكها الصناعي (ولا سيما الصناعات الثقيلة والصناعات الميكانيكية). لقد ظل هذا القطاع يشكل 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فيه تراجع دور هذا القطاع في بلدان منطقة اليورو إلى 10 في المائة فقط.
هذا الحراك الإنتاجي، وفّر لألمانيا أسواقاً جديدة. وهذا يعني أن الاقتصاد التقليدي، فتح أسواقاً غير تقليدية، وتحديداً في الدول الناشئة التي تأخذ دورها المتصاعد على الساحة الدولية ككل. على الجانب الآخر، عجزت دول منطقة اليورو أن تفتح أسواقاً قوية لها في البلدان الصاعدة. وقد احتفظت ألمانيا (بالطبع) بأسواقها الأوروبية التقليدية التي تشكل لها أساساً لا يمكن الاستغناء عنه بأي شكل من الأشكال. وطبقاً للخبراء، فإن صادرات ألمانيا إلى الصين تشكل نصف مجموع الصادرات الأوروبية إلى هذا البلد، وقد وصل التصدير الألماني للدول الصاعدة إلى ما يوازي 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين لا يتعدى الـ 1,2 في المائة في فرنسا! ولعل من أهم عوامل النجاح الألماني المستمر، أن الشركات الألمانية تقوم بإنتاج ما تحتاج إليه الأسواق في العالم. ومثالاً على ذلك، يقول ألكسندر شومان، رئيس اتحاد غرف الصناعة والتجارة الألمانية: إن آلات ومعدات البنى التحتية، وتقنيات الطاقة، كلها مهمة جداً، للدول التي تتجه حالياً إلى تحديث نفسها، وتريد أن تتطور بسرعة. وكل ما تحتاج إليه تلك الدول لهذه العملية يمكن لألمانيا أن توفره من الآلات الثقيلة حتى البراغي''.
الذي حدث أيضاً أن دولاً مثل بريطانيا وإسبانيا ركزت بصورة كبيرة جداً على قطاعات الخدمات والاستثمارات المصرفية والعقارات، في حين لم تعط الشركات الألمانية هذه القطاعات أكثر مما تستحق، واحتفظت بذهنية الاقتصاد الوطني التقليدي، ولم تعتمد 100 في المائة على أدوات ما يعرف بـ ''الاقتصاد الجديد''. لم تنجح ألمانيا بنشاطها الصناعي فقط، ولكنها نجحت أيضاً في تفادي الشوائب والمخاطر التي يأتي بها ''الاقتصاد الجديد''. ستظل ألمانيا المحور الرئيس لمنطقة اليورو، وستتحمل دول هذه المنطقة، الإهانات الألمانية، لأن خياراتها الإنقاذية ليست سوى ألمانية.

الاثنين، 5 أغسطس 2013

مشروع «مارشال مصري»

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«الرجل الحكيم يُعرَف من أجوبته.. لا من أسئلته»
نجيب محفوظ روائي مصري، حائز جائزة "نوبل" في الآداب



كتب: محمد كركوتـــي

في مصر الآن، هناك أخبار اقتصادية جيدة، إلى جانب (طبعاً) الأخبار الاقتصادية السيئة، بل المخيفة في بعض النواحي. صحيح أن ''السيئة'' منها تطغى على ''الجيدة''، لكن الصحيح أيضاً، أنه قلما نجد دولة في حالة مصر الراهنة تكون مصدراً لأخبار غير سيئة. فالفوضى التي تحاول جماعة الإخوان حتى ''مأسستها'' باستخدام أدوات الضحية، كبيرة. وأول ضحايا هذه الفوضى هو الاقتصاد بروابطه السياسية والاجتماعية.. وبالطبع المعيشية. خصوصاً، أنه لا يزال هناك سوق عالمي لـ ''الضحية - الإخوان''، لكنها تظل سوق ''طيارة''، لا استدامة لها. ليس فقط من فرط الوهم السائد، بل أيضاً من جهة عمرها الافتراضي. فالغرب المتباكي على ديمقراطية فظيعة، لا يزال ''يتسوق''، ولكن لا يحمل في ''جيوبه'' ما يُمكِنُه من ''الشراء''. وفي الواقع هو ''الزبون'' الوحيد في هذه السوق، التي وجد نفسه فيها، لا قسراً، ولكن فشلاً في صنع قرار يحاكي التحولات. كيف لا؟ و''مطبخ'' صنع القرار الدولي نفسه، بلا مواقد.
من الأخبار الجيدة اللافتة، أن مصر بعد شهر من عزل الرئيس المؤمن جداً محمد مرسي، شهدت ارتفاعاً في صادراتها التي بلغت نسبتها 10 في المائة. نعم.. لا يمكن لهذه النسبة أن تُحدث فارقاً كبيراً على الساحة الاقتصادية، لكنها بمنزلة مؤشر على أن الاقتصاد المصري، يمكن أن يتعافى في مساحة زمنية ليست طويلة. وتعني هذه الزيادة، أن المُصنعين المصريين، يستطيعون الإنتاج حتى في وقت الفوضى السياسية، فكيف الحال إذا ما كانت هناك حكومة مستقرة وأكثر استدامة؟ وسط ما يجري في مصر، أعطت بورصتها مؤشرات إيجابية أيضاً، من خلال استعادة نسبة من خسائرها، والأهم ارتفاع قيم شراء الأجانب المتداولين فيها للأسهم. فهؤلاء لم يهربوا، كما تمنى بعض مؤيدي الإخوان في البلاد. على الجانب المعيشي، انفرجت أزمة السولار والبتوجاز، إلى درجة دفعت حتى المهربين والمحتكرين، إلى بيع ما احتكروه وقت الأزمة، بسعر التكلفة للتخلص من تكاليف التخزين. وحتى الجنيه الذي أصيب بداء الانخفاض المتتالي، بدأ في التماسك، مع ضرورة الإشارة إلى أن انخفاضه، كان عاملاً محفزاً على مزيد من التصدير.
إنها إشارات إيجابية. إنها معطيات حقيقية على الأرض، تؤكد أن بإمكان مصر تجاوز محنتها الاقتصادية، خصوصاً في ظل وجود أشقاء وأصدقاء حقيقيين للشعب المصري. وأول ما تحتاج إليه البلاد، هو الاستقرار السياسي. وهذا لن يتحقق طالما أن مؤيدي جماعة الإخوان الباطنية، مصرون على ممارسة سياسة ''حافة الهاوية''، وعلى استمرار عرض ''مسرحية الضحية''. وهذه الجماعة ترى، أن كل تفاقم جديد للأزمة الاقتصادية في مصر، يولد قوة دفع لها على الساحة. فكيف الحال بانهيار اقتصادي؟! وهذا النوع من الجماعات (التي لا تفهم السياسة، إلا من خلال الخداع والتربص) عادة ما تجلب خرابها لنفسها.. بنفسها. وهي جماعة (وفقاً لأدبياتها) تقوم أساساً على اللاوطنية. فلا مانع لديها من التخريب الوطني، إذا ما كان ذلك يدفع باستراتيجيتها إلى الأمام.
الخطوة المثالية تجاه مصر الآن، ليست أقل من مؤتمر يجمع أصدقاء كل مصر لا بعضهم، للوصول إلى ''مشروع مارشال مصري''، لا يعتمد على المنح بصيغها الاستهلاكية - الإنقاذية، بل إلى المشاركة المباشرة في الإصلاح والتنمية. والمشاركة الصحيحة توفر عوائد للأصدقاء، كما تقدم الاحتياجات للاقتصاد المصري. وبمعزل عن ذلك، سيكون المؤتمر (أي مؤتمر) مادة إعلامية فقط، ينتهي مفعولها في اليوم التالي. وتضع الحكومة الإنتقالية الخطوط العريضة لمثل هذا المشروع المحوري. وسيكون من الأفضل لو اشتركت دول الخليج ومن يرغب من الدول المانحة الأخرى، مباشرة في رسم معالم ''مارشال المصري''. فالكل متفق على أن الحل الأمثل، هو تدوير عجلة الاقتصاد المصري، وتحريك النمو، وخلق فرص عمل، وإعادة صياغة قوانين الاستثمار، وتنشيط ما هو جامد منها. وهذا لن يتم إلا بمساعدة الجهات الصادقة في المساعدة. فالأساس موجود، والمطلوب البناء عليه، وفق منهجية عالية الجودة.
ولكن تظل نقطة الإنطلاق مرتبطة بسرعة الوصول إلى أفضل مستوى ممكن من الاستقرار السياسي. فعلى سبيل المثال لا تملك الحكومة الراهنة تفويضاً شعبياً، يمكنها من مواجهة عجز الموازنة العامة المتصاعد. وهو أمر يُربك المانحين كما يربك القائمين حالياً على صنع القرار السياسي في مصر. فقد ورثت حكومة ما بعد ثورة 30 يونيو، عجزاً في الميزانية من حكومة محمد مرسي، يبلغ 3,2 مليار دولار شهرياً، منذ بداية العام الحالي. ولا شك في أن الحكومة الحالية، تتسم بالواقعية. فهي ترغب في أن تمهد الطريق، ليكون العون القادم إلى مصر في مكانه، وضمن الخطوط التي توصل الاقتصاد إلى محطات آمنة ومستقرة ومنتجة. غير أن هذا لا يمنع من الوصول إلى خطة ''مارشال المصرية''، في الوقت الذي يجري فيه العمل على تمهيد الطريق. إن وجود مثل هذه الخطة، يساهم (في الواقع) في ''ورش'' عملية التمهيد هذه.

الخميس، 1 أغسطس 2013

الرعب الاقتصادي في إيران

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



«الذي يحيا بمحاربة عدو ما، تظل مصلحته في الإبقاء على هذا العدو حياً»
فريدريك نيتشه فيلسوف وشاعر ألماني


كتب: محمد كركوتـــي

في بلد يقرر فيه ''المرشد'' أي شيء، بما في ذلك تسريب فحوى ''اتصالاته'' مع ''المهدي الضائع''، ليس للرئيس الإيراني المنتخب حسن روحاني، إلا أن يسمع ويطيع. فهو (كغيره) يعرف أنه كرئيس منتخب، مملوك أيضاً لـ ''مرشد'' غير منتخب. وتستند ملكية هذا الأخير، إلى كونه ''مكشوفا عنه الحجاب''، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.. وبالطبع دينياً! فكيف لروحاني وغيره تقديم رؤى مختلفة ومشاريع لا تتوافق مع ''الحقائق'' المطلقة التي يستحوذ عليها علي خامنئي. فحتى لو كانت هناك ''حقيقة'' مشوشة ما، يحسمها اتصال مباشرة بينه وبين المهدي! وهو أمر لا يكلف ''المرشد'' شيئاً، سوى دموع من فرط رهبة الحضور، وهي متوافرة من خلال دورة مياه في العيون. جاهزة لكي تنهمر في أي وقت وأي حالة ووضعية. على روحاني، أن يبقى في صف ''المرشد''، هذا إن استطاع حتى مناقشته، فكيف الحال بالابتعاد عنه؟!
السلطة المطلقة لـ ''المرشد''، دون مسؤولية، هي الحفرة المضمونة لكي يُدفن فيها أي رئيس للجمهورية! وهنا تكمن المعضلة الواضحة. فالممنوعات كثيرة، بما فيها التعاطي المستقل بالشأن الاقتصادي. وإذا كان هذا الشأن من الممنوعات، فالشأن السياسي من المحرمات. وعليه، فإن على روحاني الذي يواجه مصيبة اقتصادية هائلة، ألا يعيش أوهام صنع القرار الجمهوري، لأن القرار الإرشادي هو الأصل (بل والصورة أيضاً). هل يستطيع روحاني (وغيره) أن يحلم للحظة، ويطلب من ''المرشد'' ضرورة إيقاف الدعم المالي الإيراني (مثلاً) لسفاح سورية بشار الأسد، من أجل مواجهة المصيبة الاقتصادية المتعاظمة في إيران؟! هل يمكنه أن يؤخر خطاً من الخطوط الائتمانية للأسد، ولو لشهر واحد فقط؟! بل هل يستطيع حتى تقديم دراسة (لا طلب)، تتضمن أهمية الإعلان عن إيقاف جزء من النشاط النووي الإيراني، على أمل في تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد؟! في إيران ملهاة ''ديمقراطية'' على شكل مسرحية، تحتوي على فصول، ولكنها بلا نهاية، سعيدة كانت أو حزينة.
سيتسلم حسن روحاني منصبه، وقد ترك له أحمدي نجاد ملفات اقتصادية مفتوحة خانقة. ولا أعرف لماذا لا يستجدي خامنئي ''المهدي الضائع'' لإغلاق حتى ملف واحد منها فقط؟! البيانات الرسمية الإيرانية الجديدة، تُظهر أن معدل التضخم في البلاد ارتفع إلى 45 في المائة في نهاية حزيران (يونيو) الماضي. وفي دولة كإيران، فإن الرقم الرسمي الخاص بالأزمات، هو بالضرورة أقل من الرقم الحقيقي، والعملة في الحضيض، والعقوبات الدولية في أعلى مستوى لها. وعلى الرغم من أن البنك المركزي الإيراني، لم يصدر منذ عام 2008 أي بيانات خاصة بالتضخم، إلا أن الرئيس المنتخب، اعترف علانية أمام البرلمان، بأن بلاده تواجه أعلى مستوى للتضخم في المنطقة بأسرها. وهذا الإعلان بالطبع، لا يمس السلطة المطلقة لـ ''المرشد''، بل هو شكل مفهوم من أشكال تبرئة النفس مسبقاً، من المصائب الاقتصادية التي ظهرت في عهد سلفه نجاد. وهي أيضاً، أداة وقائية له عندما سيفشل في حلها. ولم يترك أصلاً مجالاً للتأويل، فقد قال صراحة : ''سنبين ماذا استلمنا من الحكومة السابقة''.
ولهذا السبب، بدأ البنك المركزي ''المعصوم'' عن إصدار بيانات الرعب الاقتصادي، بإعلان بعض الأرقام. هناك – حسب البنك المذكور - 47 مليون إيراني من بين 70 مليون نسمة، يعيشون تحت خط الفقر. أي أقل من 4 دولارات أمريكية في اليوم. ويبدو أن روحاني، ''سيحل'' المشاكل ''روحانياً''! لماذا؟ لأنه ببساطة، قدم هذه المشاكل على أنها تعود لأداء حكومة نجاد، ووضع ''الضغوط الخارجية الظالمة'' – حسب تعبيره - في المركز الثاني! علماً بأن محركات الاقتصاد شبه متوقفة، بفعل العقوبات، وبعدها التعاطي الفاشل الفاضح لحكومة نجاد في الحالة الاقتصادية العامة. صحيح أن هذا الأخير، استخدم النظام الائتماني (على سبيل المثال) لتقديم قروض للموالين له، ولشراء دعم أعضاء كبار في الحرس الثوري، ومجموعة كبيرة من الملالي، بمجموع بلغ أكثر من 5 آلاف شخص. لكن الصحيح أيضاً، أنه ليس هناك ما يمكن الاستثمار فيه في إيران، بصورة تكفل شيئاً من الإصلاح الاقتصادي.
في بلد يمكن أن يفرح أصحاب المصانع فيه من جراء الانخفاض الحاد في الاستيراد، تتوقف المصانع عن العمل الوحد تلو الآخر! والسبب، أن تكاليف الإنتاج ارتفعت (بشكل اعتبره البعض خياليا)، بفعل العقوبات وبعدها فشل أداء حكومة نجاد. وفي ظل هذا المشهد، بات التهريب والعمليات المشبوهة، جزءاً أصيلاً من الحراك الاقتصادي. بل إن الهيئات الدولية، توقفت عن إحصاءات العوائد النفطية الإيرانية، لأنها إما مهرَبة أو متوقفة. في إيران الغالبية العظمى من الشعب هي الخاسرة، خصوصاً أولئك الذين ينتمون إلى الطبقتين الوسطى والدنيا. وهذا الحال، عادة ما يُنتِج وقوداً لتمرد كامن على النظام بأسره. وهو تمرد لن تنفع معه كل الاتصالات الخاصة بين ''المرشد'' و''المهدي الضائع''، ولن يفيد التغيير السياسي ''الاسمي'' الذي يحدث في البلاد. فالمصائب التي تواجَه بالأوهام، توفر عوائد وهمية لحقائق الخراب.

عندما تصبح الليرة السورية ورقة زائدة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



«الحياة قصيرة. لكنها طويلة بما يكفي للتخريب لمن يرغب أن يخرب»
جوش بيلينجز أديب وكاتب أمريكي

كتب: محمد كركوتـــي

قبل ثلاثة أسابيع تقريباً، كنت ضيفاً على قناة ''سي إن بي سي''، للحديث عن الليرة السورية واقتصاد سورية بشكل عام. وكان في البرنامج نفسه ضيف ''خبير'' آخر من دمشق، قارن بين أزمة الاقتصاد السوري، وأزمة اقتصاد قبرص! وقبله (على شاكلته)، من قارن بين اقتصاد سورية واقتصاد اليونان. ولا أعرف إن كان سيظهر ممن بقي من محبي سفاح سورية بشار الأسد، ليقارن أزمات اقتصاد سورية بأزمات اقتصادات اليابان أو الصين أو الولايات المتحدة الأمريكية! فهؤلاء ''رغم الحقائق الماحقة عن الأسد''، باتوا جزءاً أصيلاً مما يمكن تسميته بـ ''اقتصاد التمنيات''، والأصح ''اقتصاد الأوهام''. وهم في الواقع يتحدثون عن اقتصاد لا يستحق حتى هذا التوصيف. في سورية ''كما يعلم الجميع''، عصابة تاريخية تقودها أسرة، احتلت البلاد بشعبها ومقدراتها. وعندما واجهت مصاعب في مواصلة الاحتلال، تعاقدت مع محتلين أجانب. وهي مستعدة للتعاقد مع إسرائيل (مبتكرة الاحتلال في المنطقة)، إذا ما كان العقد يوفر لها يوماً إضافياً في حكم منهوب.
على كل حال، الضيف الأول رد معترضاً على ما قلته ''إن الليرة السورية لم تتراجع بل انهارت''. فقد اعتبر أن الليرة تراجعت بسبب الظروف العامة، وأن البنك المركزي سيتدخل خلال ساعات، لسندها وإعادتها إلى ما كانت عليه! الذي حدث ''بعد ساعات''.. قفز الدولار من 220 إلى 310 ليرة دفعة واحدة ''قبل الثورة الشعبية العارمة كان الدولار بـ 47 ليرة''. وأطلق هذا البنك، سلسلة من القوانين تعاقب الصرافين بالسجن، وتهديدات وصلت حتى إلى الإعدام. هكذا فعل حافظ الأسد ''والد سفاح سورية الحالي''، عندما أسرع لتغطية ما نهبه شقيقه رفعت الأسد من الخزانة العامة. والحقيقة أن ''سفاح مدينة حماة''، لم ينهب من الخزانة، بل سرقتها كلها، وكان حتى وقت قريب، يتفاخر بأنه أخذ نصيبه من نهاية الخدمة! ولأنه ينتسب إلى هذه الأسرة المجرمة، فقد تفاخر في أحد التسجيلات، بأن عدد من قتلهم في حماه ليس 25 ألفاً، بل 50 ألفاً!
في الأيام الماضية ظهرت تقديرات، بأن اقتصاد سورية تقلص 35 في المائة، وأن تكاليف الحرب خلال عامين ونيف، وصلت إلى 80 مليار دولار أمريكي، التهمت الاحتياطي من القطع الأجنبي. وعن الإنتاج الصناعي فقد توقف، مما أدى إلى ارتفاع عدد المتعطلين عن العمل إلى نصف عدد السكان. وأن حركة ميناءي اللاذقية وطرطوس تراجعت 35 في المائة. والحقيقة، لم أفهم الرابط بين تماثل نسبة تقلص الاقتصاد ونسبة تراجع حركة الميناءين المذكورين. الأمر ليس مهماً. ما هو مهم، أن الاقتصاد تقلص أكثر من النسبة المتداولة، ويمكن القول، إنه لا يوجد اقتصاد بالمفهوم المعروف له. ليس فقط لأن الليرة انهارت، ولا لأن البطالة ارتفعت إلى هذا المستوى الفادح، ولا لخواء الخزانة التي يفترض أنها عامة، بل لأنه، حتى ''اقتصاد العصابة'' انتهى في مناطق واسعة من البلاد. أما في المناطق التي لا يزال يسيطر عليها الأسد والقوات الأجنبية المحتلة المساندة له، فالأوضاع تسير من سيئ إلى أسوأ، دون أن تظهر بصورة واضحة آثار التمويل المالي الذي لم يتوقف من إيران.
تجري حالياً في أوساط الأسد، مشاورات لإلغاء الليرة، وإطلاق عملة جديدة، بغرض استيعاب الانهيار الذي أصابها. وفي بلد أعلنت فيه السلطات أن تصدير المواد الغذائية أمر غير قانوني، فإن كل شيء وارد، دون أن ننسى، بأن كميات كبيرة من الأوراق النقدية طُرحت في السوق بلا رصيد أو سند لها. اليوم، لم تعد الليرة هماً بالنسبة للسوريين، بل أضحت ورقة زائدة في الجيب لا قيمة لها، وكلما أسرع السوريون بتحويل ما لديهم من أموال إلى عملات مضمونة، كلما استطاعوا المحافظة على ما تبقى من قيمتها المتلاشية. ويبدو واضحاً، أن الإمدادات المالية الإيرانية الشهرية التي تقدر بنصف مليار دولار أمريكي، في طريقها إلى التوقف. فإيران تخلفت منذ ستة أشهر عن دفع أقساط ديونها للبنك الدولي. كما أن العقوبات المفروضة على هذا النظام الهمجي، باتت سلاحاً قوياً في وجهه، وإن كانت من ناحية أخرى تؤثر سلباً على المواطنين السوريين. فالعقوبات ''أي عقوبات'' التي تطول، تطال الشعوب.
لو استمر نظام الأسد حتى نهاية العام الجاري، فسيتم تداول العملات الأجنبية بدلاً من الليرة. على غرار ما حدث في لبنان خلال الحرب الأهلية. والحل يبقى هو.. هو، منذ البداية، الإسراع في إزالة هذا النظام ليس فقط رأفة بالشعب السوري، بل لحماية المنطقة من الخراب الذي يمثل له استراتيجية حقيقية. فالأسد الابن ''كما الأب'' لا يعيش إلا بجعل المصائب مستمرة، ويستمر لأطول فترة، في تعميم هذه المصائب على أوسع رقعة ممكنة، سواء بصورة مباشرة، أو عبر عصاباته. لو كان هذا النظام ديكتاتورياً فقط، لأسقطه الاقتصاد، لكنه نظام دموي همجي، لا تسقطه إلا القوة.

الثلاثاء، 16 يوليو 2013

مصر .. من «البركات الاقتصادية» إلى الواقع الاقتصادي

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






 
«قد يسمع الناس كلماتك، لكنهم بالتأكيد يشعرون بسلوكياتك»
جون ماكسويل مؤلف خبير في قضايا القيادة


كتب: محمد كركوتـــــي

مع عزل الرئيس المؤمن جداً محمد مرسي، لم تنته ''بركات'' جماعة الإخوان المسلمين، فلا يزال خطباء لـ ''الإخوان''، يعلنون من على منابرهم أن هناك من يرى في ''منامه'' الرئيس المعزول، وعلى كتفيه ثماني حمامات، دلالة على أنه سيكمل فترتين رئاسيتين! وأن جبريل - عليه السلام، دخل في مسجد رابعة العدوية في القاهرة، ليثبت المصلين! بل إن أحد الخطباء وصل بأوهامه وتضليله إلى أبعد من ذلك، بأن الرسول - قدّم مرسي (نعم مرسي)، ليؤم المصلين بحضوره! ''البركات'' ومعها الرؤيا و''الأحلام''، وتفسير المفسَر، وتعقيد البسيط، ستبقى جزءاً أصيلاً من ''استراتيجية'' الجماعة. هذا هو سلاحها ''النووي''. لكن، انتهى في مصر عهد ''البركات الاقتصادية'' .. لماذا؟ لأن الذين كانوا يخططون الاقتصاد بـ ''البركات''، يستعرضون حالياً رؤياهم وأحلامهم (فقط). لم يعودوا صانعي قرار مطلق. كما أنهم توقفوا عن ''إحصاء'' إنتاج القمح في مصر، مربوطاً بـ ''بركات'' الرئيس المعزول. فهو مرتفع عندهم! لكن في أرض السنابل.. منخفض.
 
لا ''بركات اقتصادية''. هذه أهم خطوة باتجاه إصلاح ما يمكن إصلاحه، وتصحيح المسار، أو بالأحرى وضع مسار جديد. وقبل هذا وذاك، سيكون هناك اقتصاديون واقعيون حرفيون، يفهمون ما يتناولون ويطرحون. فضلاً عن أنهم يعرفون كيفية التعاطي، محلياً وخارجياً. وتكفي الإشارة هنا إلى أن فريق صندوق النقد الدولي، الذي كُلف بالتفاوض مع حكومة هشام قنديل (الذي قال يوماً: أنا ماعرفش، بس شاكك، مع أني كنت متأكدا!)، توصل إلى نتيجة، لم يخفها. وهي أنه لم يجد في الواقع مفاوضين، بل مجموعة من الهواة الذين لا يعرفون الفارق، بين قرض دولي ومنحة! كانوا مجموعة موالية (للمرشد، والشاطر والعريان..إلى آخره) ولم تكن مؤهلة. مجموعة، أجبرت مفاوضي''الصندوق''، على الخروج عدة مرات من صالة الاجتماعات، لـ ''ممارسة'' الاندهاش. فالمفاوضون المصريون، كانوا أقرب إلى مجموعة من التلاميذ الفارين من يوم دراسي.
 
في مصر، أزمات هائلة.. وأرقام مريعة.. ورئيس الوزراء الانتقالي حازم الببلاوي يواجه خَطبا كبيرا. والاقتصاد المصري ما بين الثورتين (25 يناير و30 يونيو)، بات مشابهاً (إن لم يكن أسوأ) لحاله قبل الثورة الأولى. ومن أهم مزايا اختيار الببلاوي لهذه المهمة الصعبة جداً، أن هذا الأخير، قبل أن يكون اقتصادياً محترفاً بكفاءة عالية، ليس قابلاً للاستقطاب. وبالتالي فهو محمي من هذه الناحية. ولن تكون هناك مفاجأة، إذا ما اصطدم مع الجيش نفسه، فيما لو سعى الأخير أن يستقطبه، وفق المفهموم التقليدي المريع لـ ''الاستقطاب''. غير أن استقلالية الرجل (ووطنيته)، لن تقلل من من الهموم والمصائب التي يواجهها الاقتصاد المصري. مع ضرورة التأكيد على أن هذه الاستقلالية، تمنحه –إن جاز التعبير- ''زمناً وطنياً ثميناً''.
 
أعطى التزام السعودية والإمارات والكويت بتقديم 12 مليار دولار أمريكي لمصر على شكل هبات ومنح ومساعدات (وهي مساعدات لكل مصر لا بعضها)، دفعة لاقتصاد مصر كان يحتاج إليها في هذا الوقت بالذات لأن المشهد الاقتصادي الذي تركه مرسي وهشام قنديل (رئيس وزراء خيرت الشاطر!)، مريع. لماذا؟ لأن الديون الداخلية بلغت (ما بين الثورتين) 1500 مليار جنيه مصري، والخارجية وصلت إلى 50 مليار دولار، بعدما كانت في حدود 34 مليارا. وفي غضون عام من حكم مرسي، تمت إضافة 11 مليارا، إلى جانب خمسة مليارات على شكل منح، في حين بلغ العجز الكلي في الموازنة 204,9 مليار جنيه. قفزت البطالة إلى 13 في المائة، وستصل إلى 13,5 في المستقبل المنظور. تم تخفيض التصنيف الائتماني لمصر خلال عام واحد، سبع مرات!
 
وماذا أيضاً؟ الاستثمارات الخليجية بلغت 346 مليار دولار فقط لاغير في العام الماضي، وهرب عدد كبير من المستثمرين، ولم تُحسن المليارات التسعة التي تلقتها حكومة الرئيس المعزول، من مستوى الاحتياطي النقدي! سجل الدولار (لأول مرة في تاريخه) أكثر من تسعة جنيهات في السوق السوداء! وهو ما ساهم في ارتفاع التضخم في أسعار السلع الاستهلاكية بنسبة 9 في المائة. ستبلغ مدفوعات الفائدة نحو 182.1 مليار جنيه في موازنة 2013/2014، مقارنة بنحو 138.6 مليار جنيه عام 2012/2013. في مصر، يعيش الآن أكثر من 20 مليون شخص تحت خط الفقر، وتتدرج نسب الفقر من الإسماعيلية7,9 في المائة، إلى أسيوط 58,1 في المائة! مخزون مصر من القمح لا يزيد على مليون طن، وظلت البلاد ''بجدارة'' وبلا منافس، على رأس قائمة الدول الأكثر استيراداً لهذه المادة الحياتية.
 
لا يتحمل مرسي وأعوانه المسؤولية كلها، ولكنه بالتأكيد كان سبباً مباشراً في استفحال الأزمات الاقتصادية التي تمر بها بلاده. ما بين الثورتين، تضاعف الخراب، وعمت الفوضى الاقتصادية، ليس ''لضيق ذات اليد''، بل لضيق أفق الذين وصلوا إلى حكم البلاد بصورة طفيفة.. وطفيفة للغاية. تواجه حكومة الببلاوي الكثير من ''البلاوي''، والامتحان الأول(الأهم) أمام العهد الجديد، يكمن في فرض إجراءات التقشف المطلوبة، ولكن ليس على طريقة صندوق النقد الدولي، بل على طريقة من أحبوا مصر، ويعشقونها.

الخميس، 11 يوليو 2013

بوتين «البوتكسي» وأوباما.. ولقمة الشعب السوري

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«رأيت شخصاً يتضور جوعا.. ورأيت أشخاصاً يضحكون»
بوب ديلان - شاعر ومغن أمريكي



كتب: محمد كركوتـــي

بإمكان الرئيس الروسي ''البوتكسي'' فلاديمير بوتين، أن يأخذ ''مجده'' على الساحة، ويمرح ويعربد. فالكبار غائبون. والأصح غير موجودين، خصوصاً عندما أثبت باراك أوباما (في أكثر من مناسبة) أنه مثل الموظف الذي لا يعمل، سعياً وراء نهاية خدمة مضمونة، ينقصه فقط، أن يحمل بطيخة معه إلى المنزل، بعد نهاية يوم عمل، لتكتمل الصورة. ليس مهماً دخوله ملفات التاريخ كأضعف رئيس للولايات المتحدة، بقرار منه! فـ ''سحره'' الذي استند إليه، انقلب عليه وعلى الكثير من الملفات الدولية، التي تحتاج إلى رئيس أمريكي، لا إلى رئيس جمعية أمريكية، وهذا ما يبرر الخلافات معه ليس من قبل الجمهوريين، بل من جانب بعض أركان إدارته نفسها. على بوتين الذي انتقل من ''سياسي مضبوط''، إلى قاطع طريق، أن يشكر ''نظيره'' الأمريكي يومياً، تماماً كما يشكر رؤساء العصابات، رجال الأمن المتعاونين معهم. والمصيبة، أن الإهانات الناجمة عن سياسة أوباما- إن وجدت سياسة أصلاً- لم تشمل بلاده، بل أخذت معها أولئك الذين كانوا يوماً محاور العالم أجمع.
عطل بوتين (كالعادة) قراراً من مجلس الأمن، ليس لتسليح الثوار في سورية، ولا لإزالة سفاحها بشار الأسد، ولا لتشكيل حكومة سورية وطنية شرعية، ولا لفرض حظر جوي، بل لدخول مساعدات إنسانية إلى مدينة حمص، المحاصرة والمنكوبة والمدمرة، والمقصوفة على مدار الدقيقة. هذا التعطيل، جاء بعد ساعات قليلة من إعلان الأمم المتحدة، أن أربعة ملايين سوري (أي نحو خمس السكان)، لا يستطيعون إنتاج أو شراء ما يكفي من الغذاء لاحتياجاتهم. لماذا؟ لأن من تبقى من المزارعين السوريين، لا يجدون البذور والأسمدة، التي يحتاجون إليها لزراعة المحصول. مع الإشارة طبعاً، إلى أن نسبة متعاظمة من هؤلاء، خسروا أراضيهم باحتلال عصابات الأسد لها، بينما أحرقت العصابات الأراضي التي لم تستطع احتلالها. وحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للمنظمة الدولية، ومعها برنامج الغذاء العالمي، فإن سورية تحتاج إلى استيراد 1,5 مليون طن من القمح في موسم 2013-2014.
عندما وصف رئيس فرنسا فرانسوا هولاند نظام الأسد بأنه ''حقير عليه أن يرحل''، لخص حال هذا النظام، على الرغم من أن هولاند، لم يوفر ما يُسرِع الرحيل، على غرار زملائه في الغرب والشرق. لقد فرض الأسد منذ اندلاع الثورة الشعبية على البلاد ''اقتصاد المقايضة''، وهو مرحلة طبيعية لـ ''اقتصاد الفقر وما دونه'' الذي ساد سورية على مدى أكثر من أربعة عقود. ولكن حتى ''المقايضة'' باتت ترفاً، لا يمكن للسوريين في المناطق المستهدفة من قواته وعصاباته، ممارستها. ماذا فعل هذا النظام القاتل أيضاً؟ منع كل الاحتياجات الخاصة بالإنتاج الزراعي، بما في ذلك الوقود والسماد والبذور والمبيدات عن هذه المناطق، فاستراتيجيته تتخلص بـ ''إما أن يقتل السكان، أو يموتوا جوعاً''. وقبل ذلك، كان هؤلاء يعيشون بالفعل أيامهم وفق ما يتيسر للمقايضة، دون أن ننسى، أن الفواجع المعيشية، تسود كل المناطق، ماعدا تلك التي ينتمي أغلبية سكانها ومزارعيها إلى طائفته، وهذا في الواقع يصب في مخطط التطهير الطائفي، والفرز الاجتماعي، وكان لا بد من الاستعانة بعصابات حزب الله الشيعي، لاستكمال هذا المخطط، الذي تعاقِب عليه الإنسانية كلها.
التاريخ يسجل، أن بوتين يمنع الخبز وحليب الأطفال والدواء عن الشعب السوري، ولكنه يسجل أيضاً أن أوباما (ومعه توابعه في الغرب)، لم يمنع جريمة الرئيس الروسي الجديدة، واكتفى بالندب، وتحميل الأخير المسؤولية، حتى أنه لم يعمل بسرعة على تلبية طلب برنامج الغذاء العالمي، كنوع من التعويض عن المهانة التي كبل نفسه بها، فهذا البرنامج لن يورِد إلى سورية قاذفات صواريخ، ولا أسلحة بيولوجية، ولا حتى ''خرطوش''، يقدم العون الواجب (وليس المطلوب) لمناطق منكوبة، يعيش فيها بشر لا يعرفون الفارق بين سلاح وآخر. ''برنامج الغذاء''، طلب 41,7 مليون دولار، لتقديم العون إلى 768 ألف سوري تحت القصف والقتل. الفاجعة الجديدة، أنه لم يصل من هذا المبلغ سوى 3,3 مليون دولار فقط.
يقول الأديب والشاعر الإنجليزي ديفيد هيربيرت لورانس ''الفاجعة، مثل الأسيد الخالص. يُذوِب كل شيء إلا الحقيقة''. مع ارتفاع وتيرة التطهير الذي يقوم به الأسد وعصاباته، وتلك المستوردة من لبنان وإيران والعراق، وكلها عصابات شيعية، انخفض (حسب الإحصاءات الدولية) إنتاج الدواجن والأغنام والماشية بمعدل 50 في المائة. إلى جانب (طبعاً) انخفاض إنتاج القمح إلى 2,4 مليون طن، وهو أقل بنسبة 40 في المائة، من متوسط المحصول السنوي الذي بلغ قبل حرب التطهير أربعة ملايين طن. كان لا بد من قرار دولي ما، لتلبية الاحتياجات المعيشية أو بعض منها. وكان بإمكان أوباما (الموظف الحالم بنهاية خدمة مضمونة) أن يتجاوز (ولو لمرة واحدة) سياسته الانبطاحية، في قضية لا يمكن الجدل حولها، حتى من جهة بوتين الذي يمرح على الساحة الدولية، ليس لغياب الكبار فقط، بل لأنه أكبر صغير موجود في الميدان.

الطفل.. التلفزيون.. الدراسات المتضاربة

(المقال خاص بمجلة "جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج")





 "الجودة تبدأ من الداخل ثم تحفر طريقها إلى الخارج"
بوب معوض، كاتب أميركي


كتب: محمد كركوتـــــي

هناك الكثير من الدراسات القديمة والجديدة، حول التلفزيون وتأثيراته السلبية والإيجابية (إن وجدت هذه الأخيرة)، وحول أهميته في التحولات الاجتماعية، وبعدها السياسية والاقتصادية. بالإضافة طبعاً، إلى طروحات، بما في ذلك، جدوى وجود هذا الجهاز في المنزل. وتكاد هذه الدراسات والبحوث الاستقصائية تُجمع على شيء واحد، هو: أن مساوئ التلفزيون لا تحصى، وأن محاسنه لا تحصى أيضاً، لأنها ببساطة غير موجودة! وهذه الدراسات لا تتعلق بالعالم العربي، الذي يعاني (من ضمن ما يعاني) من عدم وجود مراكز بحثية ودراسية عالية الجودة، مقارنة بمثيلاتها في العالم الغربي. وهذا بحد ذاته مصيبة تضاف إلى المصائب التي تواجه العرب في أكثر من مجال وأكثر من ميدان، ولا سيما الإعلامي بصورة عامة، والجانب الخاص بالأطفال على وجه التحديد.
على كل حال، قلبت دراسة بريطانية جديدة، كل استنتاجات الغالبية العظمى من الدراسات المشار إليها. وأظهرت هذه الدراسة الصادرة عن جهة أكاديمية عريقة هي جامعة لندن، أن التلفزيون ليس سيئاً كما يعتقد العالم، وليس مضيعة للوقت، وليس سلبياً، وليس مضراً.. لمن؟ للأطفال. ولعل أهم نقطة في هذه الدراسة، التي نُشرت في دورية علم الاجتماع، وتابعت حالات 11 ألف طفل، منذ الولادة وحتى سن السابعة، أن مشاهدة التلفزيون لفترات طويلة (!) تحسن الأداء المدرسي عند الأطفال. ويؤكد واضعوا الدراسة، أن هذه النتيجة جاءت على عكس ما هو معتقد، لأن الأهل يقومون عادة بالحد من مشاهدة أطفالهم للتلفزيون، اعتقاداً منهم أن التقليل من المشاهدة، يحسن مستواهم المدرسي. والذي يمنح هذه الدراسة أهمية، أنها تابعت بالفعل هذا العدد الهائل من الأطفال، ولم تدرس فقط "الحالة التلفزيونية" لهم، بل أيضاً تأثرهم بالعوامل الاجتماعية والعائلية، بالإضافة إلى النظام اليومي في المنزل.
وبعيداً عن الجانب الخاص بالمستوى التعليمي والاجتماعي للأهل، وتأثيراته على أداء الطفل مدرسياً ومجتمعياً وإنسانياً، إلا أن النتيجة الخاصة بالتأثير الإيجابي للتلفزيون على التحصيل المدرسي للطفل، تحتاج حقاً إلى وقفة،  وربما إلى إعادة النظر بالمسلمات الخاصة التي انتشرت منذ بداية انتشار التلفزيون نفسه. فهل يعقل أن التلفزيون يرفع من درجات التلميذ في المدرسة؟ بالتأكيد  المستوى الاجتماعي يساهم بصورة مباشرة، وهذا بحد ذاته ليس خبراً. لكن أن تكون الفوائد التعليمية للتلفزيون عالية جداً (حسب الدراسة)، وأنه لا يمكن إنكار الفوائد التعليمية له، وأنه يعطيهم الكثير من المعلومات والخبرات، بالإضافة للمفردات والكلمات والتعابير التي يمكن ألا  يسمعونها عند أهلهم. هذا هو الخبر! 
والحقيقة لم يحدد القائمون على الدراسة أي نوع من أنواع البرامج التي يمكن أن توفر هذه القيمة الكبيرة التي يتحدثون عنها، بما في ذلك طبعاً "التعابير والمفردات والكلمات"!  فحتى في القنوات التلفزيونية التي تعتمد الحد الأعلى من المعايير المهنية (في الغرب)، هبطت مستوى اللغة المستخدمة فيها إلى مستويات تظهر بوضوح في "السلوكيات اللفظية" للأجيال المتابعة لها.  دون أن ننسى أن البرامج التلفزيونية والأميركية ومعها الإنتاج الدرامي أو (الأكشن)، لا تستحوذ على مساحات متعاظمة من ساعات  بث القنوات التلفزيونية غير الأميركية فحسب، بل أيضاً أصابت الإنتاج الأوروبي نفسه بالعدوى. صحيح أن هناك برامج يمكن أن تدعم أداء الأطفال مدرسياً، لكن في الواقع نسبتها ليست عالية مقارنة مع البرامج الأخرى، التي تدعم أداء الأطفال مدرسياً واجتماعياً هبوطاً.
ولا نعرف أي الدراسات التي يمكن أن تشكل أساساً واقعياً لما تطرحه من أفكار واستنتاجات وحتى إحصاءات. ففي دراسة أكاديمية  صدرت مؤخراً في الولايات المتحدة الأميركية، كشفت علاقة مهمة بين التعرض المبكر والمتزايد لمشاهدة التلفزيون، ومشكلات الانتباه في سنوات العمر اللاحقة. والدراسة هذه قامت بها جهة أكاديمية ونشرت في دورية "طب الأطفال". حيق توصلت إلى أن مشاهدة التلفزيون (بحد ذاتها) تزيد خطر إصابة الطفل بمشكلات في الانتباه بنسبة 10 في المائة، وأن من أخطر المراحل العمرية في الإفراط بمشاهدة التلفزيون، هي تلك الواقعة بين السنة الأولى والثلاث سنوات. الدراسة الأميركية متعارضة تماماً مع الدراسة البريطانية، على الرغم من أنهما صادرتا عن جهات أكاديمية تتمتع  بحد كبير من المصداقية، تستندان إلى تاريخ طويل في هذا المجال.
ومع كل التقدير لجامعة لندن، إلا أنه لا يمكن أن نضع استنتاجات غالبية الدراسات على مدى عقود، بما في ذلك الدراسة الأميركية الأخيرة جانباً، والتسليم لنتائج الدراسة البريطانية. فقد تأكد علمياً على سبيل المثال، أنه يستحيل المستوى الآمن لمشاهدة التلفزيون بالنسبة للأطفال، بين العان والثلاثة. في حين يعتبر أكاديميون ( على عكس الدراسة البريطانية)، بأن الخطر يزداد بزيادة ساعات المشاهدة. دون أن ننسى، أن هناك الكثير من علامات الاستفهام، حول الإنتاج التلفزيوني الموجه للأطفال حتى في الغرب، الذي يطبق معايير صارمة بهذا الخصوص في كل الجوانب المتعلقة بهذا الأمر، على عكس العرب الذين يركزون فقط على جوانب دون أخرى. وبالطبع دون أن ننسى التوجيه الإعلاني المريع الذي يتعرض له الطفل. فإذا كان هذا النوع من التوجيه ينال من البالغين، علينا أن نتصوره في أوساط الأطفال.
يقول الكاتب الأميركي أندرو روس "أصغر مكتبة تحتوي في داخلها أفكاراً أكثر قيمة مما يقدمه التلفزيون طوال تاريخيه". وكان وودي آلان الممثل الأميركي، أكثر سخرية عندما قال "أنا أجد أن التلفزيون تعليمياً، وتثقيفياً. بمجرد أن يفتح أحدهم الجهاز، أذهب إلى الغرفة الأخرى لأقرأ كتاباً".

الثلاثاء، 2 يوليو 2013

ليرة الأسد وتومان خامنئي

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





 
«خراب وراء خراب. هزيمة وراء هزيمة.. الفوضى تكون عادية»
جون ميلتون شاعر وأديب إنجليزي
 
 
كتب: محمد كركوتـــي
 
ليس مهمًّا اعتراف قدري جميل، نائب رئيس وزراء سفاح سورية بشار الأسد، بأن هذا الأخير، لا يتلقى فقط دعمًا عسكريًّا وسياسيًّا من إيران وروسيا والصين، بل أيضًا يحصل على دعم اقتصادي، يبلغ 500 مليون دولار شهريًّا. هذا الدعم بمجمله وببشاعته وآثامه.. طبيعي. هو من عصابات تدعي أنها حكومات، إلى عصابة تدرجت من حقل قطاع الطرق، إلى ميدان المرتزقة. بشار الأسد (وقبله والده) بدأ رئيسًا لعصابة، وهو ينتهي الآن واحدًا من المرتزقة. وهذه في الواقع نهاية حتمية، لكل من يغتصب حكمًا، لم يكن له. فكيف الحال، مع من اغتصبه بالوراثة، ويحميه بالقتل والتشريد والتدمير والخراب وتقطيع الأوصال، وفوق هذا وذاك، يجلب محتلين جددا لسورية. قليلة هي الدعوات التي وجهها محتلون لمحتلين آخرين في التاريخ القديم والحديث.
يقول الشاعر والفنان الإنجليزي وليام بليك ''الكلب الذي يتضور جوعًا على بوابة صاحبه، يعكس الخراب الذي يعم خلف البوابة''. المشهد واضح، يتحدث عن حاله بأبلغ المفردات. يفضح نفسه، يُعريها، ليس من فرط الحرارة، بل من وَهْم الملابس. والـ 500 مليون دولار الشهرية التي تصل إلى العميل المكلف بخراب سورية، لا قيمة لها. كما أنها ليست قابلة للاستمرار، لأسباب عديدة ومختلفة. مشاركة الرئيس ''البوتكسي'' فلاديمير بوتين فيها، مرحلية، تنتهي عندما ينتهي مفعول الأسد بالنسبة لبوتين، وكذلك الأمر على صعيد المشاركة الصينية، فبكين أثبتت تبعية فريدة من نوعها، لماذا؟ لأنها استعذبت التبعية في زمن بلغت فيه من القوة، كما لم تحلم بها من قبل. وفي كل الأحوال، مشاركتها المالية في دعم الأسد، شارفت على الانتهاء، مع إمكانية (حذَر منها المصرف المركزي الصيني نفسه) لانهيار القطاع المصرفي في البلاد، على غرار ما حدث في الولايات المتحدة في عام 2008.
أما إيران (دولة المهدي الفالت)، فقد صحت بعد أيام فقط من أحلامها التي ربطتها بالرئيس الجديد حسن روحاني. واكتشف ناخبوه أن أحلامهم نفسها ليست سوى أوهام حقيقية. لقد بدأت كذلك، لتتحول إلى كابوس واقعي لا يقبل الإنكار، ولا الاختباء خلف الجدران ''الروحانية''، ولا حتى داخل غرفة انتظار ''المهدي الفالت''. دخل ناخبو روحاني بأسرع حالة من الإحباط قاطبة. كيف يمكن لعلي خامنئي مواصلة دعم ليرة الأسد، و''تومانه'' ينافسها خرابًا؟! فالليرة خسرت على مدى الأشهر الماضية 77 في المائة من قيمتها، والتومان خسر النسبة نفسها تقريبًا، والمسيرة تمضي نحو الأسفل. كان هناك تحسن وهمي لتومان خامنئي بعد الانتخابات، ليتحول فورًا إلى تراجع حقيقي. فمسيرة الأسد وخامنئي السياسية، تصاحبها مسيرة متطابقة اقتصادية. إنها قوانين الحقيقة، ومفرزات التعاون الآثم، الذي يقود إلى وحدة الخراب.
بعيدًا عن الدعم الذي يتلقاه الأسد من خامنئي، بما في ذلك السلاح والمرتزقة وخبراء القتل، إضافة طبعًا إلى عصابات حزب الله الإيراني الشيعي، فما يعلنه من تبقى من أفراد إلى جانب الأسد على الصعيد الاقتصادي بين الحين والآخر، لا يخرج عن كونه الأداة الوحيدة التي يمتلكونها من أجل نشر شيء من الطمأنينة في الأوساط المحلية السورية. فهم لا يعرفون كيف يوقفون الانهيار المتواصل لليرة الأسد، والحق أنهم لا يملكون ما يساعدهم على ذلك. فقد وجد هؤلاء أن التصريحات عن دعم أصدقاء الأسد، يمكن أن تؤثر إيجابيًّا بصورة أو بأخرى، في حال هذه الليرة. الذي حدث، أن الجنون دب في أوساط من تبقى من المتعاملين في سوق الصرف في سورية، وقفز الدولار من 180 ليرة إلى 220 ليرة دفعة واحدة. هذا التطور، أوقع أعوان الأسد في فوضى عارمة، تسودها الأكاذيب، ولا سيما تلك الخاصة بتدخل البنك المركزي. ولتخفيف حدة هذه الأكاذيب ضخ البنك المركزي الخاوي من القطع الأجنبي، 50 مليون دولار، لم يمتصها السوق فحسب، بل لم تظهر آثارها بأي صيغة كانت.
بتصريح للرئيس الأمريكي باراك أوباما عن موافقة بلاده لتسليح الثوار في سورية، غاصت ليرة الأسد ومعها تومان خامنئي. ورغم أن مثل هذه التصريحات أضحت أشبه بتلك التي يطلقها عاجز عن الدفاع عن نفسه بالعبارة الشهيرة ''طيب سوف أوريك''، إلا أنها لعبت بالعملتين الفقاعتين. وبصرف النظر عن جدية الرئيس الأمريكي (في تصريحاته هذه) الذي استعذب الانزواء وترك الساحة الدولية للصغار وقطاع الطرق، من بوتين إلى خامنئي إلى المالكي إلى حكومة لبنان، إلا أن مصير الليرة والتومان تقرر بالفعل على أرض كل من سورية وإيران، الأمر الذي حول تعليقات المسؤولين الإيرانيين، ومعهم أتباع الأسد حول الأوضاع الاقتصادية، إلى مادة تغص بالتمنيات، وهي الخطوة التي تلي عادة الأحلام، والأوهام، والروحانيات، كما أنها مادة تقدم أوضح تفسير لأسوأ مشهد.
يخسر الأسد 500 مليون دولار شهريًّا من توقف عوائد النفط، ويخسر خامنئي شهريًّا خمسة مليارات دولار من جراء العقوبات على نفط بلاده. ومثل هذه الخسائر، لا تقدم رابحًا واحدًا في نظامين، ربطا مصيرهما مع بعضهما البعض. الأول يقتل ليستمر يومًا واحدًا في حكم لا يملكه، والثاني ينتظر عودة ''مهدي'' تاه حتى في طريق ''العودة''.
 

«الروحانية» لن تُنقذ الاقتصاد الإيراني

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






«من عجز عن إصلاح نفسه كيف يكون مصلحاً لغيره؟»
جمال الدين الأفغاني - أحد أعلام الفكر الإسلامي


كتب: محمد كركوتـــــي

ليس مهماً، إن كان الرئيس الإيراني المنتخَب ''الدكتور'' حسن روحاني، يحمل شهادة الدكتوراه أم لا. فهو يقول، إنه حصل على ماجستير في القانون الدستوري، من جامعة ''جلاسكو كالدونيان'' الاسكتلندية في عام 1995، عن أطروحة بعنوان ''السلطة التشريعية الإسلامية، بالإشارة إلى التجربة الإيرانية''. وفي عام 1999 حصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة نفسها، لكن ''جلاسكو كالدونيان'' أكدت في توضيحات لها، أن روحاني لم يكن من طلابها في يوم من الأيام! بعض أنصاره (المتحمسين حتى الغباء)، روّجوا أنه تلقى تعليمه فيها قبل التسعينيات، دون أن ينتبهوا لأن الجامعة نفسها لم تكن موجودة قبل عام 1993، وهو تاريخ تأسيسها! على كل حال، هذا ليس جديداً فقد مر رؤساء حملوا شهادات عالية من جامعات لا يعرفون لغاتها! وربما لا يعرفون عناوينها.
ليس مهماً هذا الأمر في حالة روحاني، تماماً مثلما هو بلا قيمة مع غيره من مدعي الشهادات، و''مرضى'' الانتماء الجامعي، و''مدمني'' الادعاء الأكاديمي. فإيران لا تحتاج إلى حاملي شهادات (حتى ولو كانت صحيحة)، إنها في أمسّ الحاجة إلى حاملي عقول فيها من الحكمة، أكثر مما فيها من الحمق، وفيها من الإصلاح، أكثر مما فيها من الاعتدال. ورغم أهمية هذا الأخير في كل شيء، لكنه يظل بلا قيمة إذا لم يكن جزءاً أصيلاً من الإصلاح والتغيير المستحق. والعالم كله، يعيش أزمة حقيقية من جراء اعتدال أمريكي مريع، يقوده باراك أوباما، على حساب تغيير محوري حتمي يحتاج إليه العالم، ولا سيما في المناطق الساخنة منه. وسورية إحدى هذه المناطق. فهذا الاعتدال ''الأوبامي'' أنتج - على سبيل المثال - تطرفاً روسياً ظن العالم أنه انتهى إلى الأبد، وزاد من وتيرة التطرف في دول مارقة مثل إيران وكوريا الشمالية وزيمبابوي، وأنظمة مارقة، مثل المالكي في العراق، وحكومة لبنان، وغيرهما.
على كل حال، أعود إلى ''الدكتور'' روحاني، الذي انتُخب في الواقع من قبل الإيرانيين، ليس لاعتداله، بل بحثاً عمن ينقذ البلاد من الأزمة الاقتصادية المتجهة شيئاً فشيئاً نحو حالة يعتبرها البعض خراباً. فهو أمام معضلة اقتصادية، لم تخلقها العقوبات الغربية المفروضة على بلاده فحسب، بل أيضاً السياسات الاقتصادية التي اتبعها سلفه أحمدي نجاد، وساهمت بصورة أساسية - إلى جانب العقوبات - في استفحال المشهد الاقتصادي العام، وأوجدت معاناة معيشية متعاظمة، وصلت إلى حد التمرد في بعض المناطق الإيرانية. يضاف إلى ذلك، أن ''المرشد'' الإيراني، كبل بلاده بالتزامات مالية كبيرة لعدد من الأنظمة والعصابات التي يمولها، وفي مقدمتها نظام سفاح سورية بشار الأسد. ففي غضون عام ونصف العام - على سبيل المثال - حصل هذا الأخير على أكثر من عشرة مليارات دولار، إضافة إلى مجموعة من التسهيلات الائتمانية، والاتفاقيات التجارية وتلك الخاصة بتزويد الأسد وعصاباته بالوقود والسلاح. بينما تحتاج إيران في وضعها الراهن إلى كل دولار ممكن وغير ممكن. ماذا حصل؟ رفع المتظاهرون الذين خرجوا في شوارع البلاد، شعاراً له دلالات واضحة، ينبغي أن تدفع أي عاقل إلى استيعابها ''لا غزة ولا سورية ولا لبنان .. أرواحنا فداء إيران''.
في زحمة الحملات الانتخابية للمرشحين، لم يتجرأ مرشح واحد منهم بمن فيهم ''الدكتور'' روحاني نفسه على طرح حلول لأزمات الاقتصاد، أو حتى حل واحد لأزمة واحدة. لماذا؟ لأن المشهد الاقتصادي هو على الشكل التالي: تراجع سعر صرف العملة الإيرانية مقابل العملات الرئيسية الأخرى إلى 60 في المائة.. والتراجع مستمر. وصول معدلات البطالة إلى 45 في المائة.. وهي متواصلة. نسبة التضخم بلغت (رسمياً) 22 في المائة، لكنها في الحقيقة تساوي ضعف هذه النسبة. 30 مليون إيراني يعيشون تحت خط الفقر النسبي.. وأعداد هؤلاء في تزايد. ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية الأساسية.. والارتفاع ماضٍ إلى أعلى. تشهد (بين الحين والآخر) بعض المناطق الإيرانية، تأخراً في رواتب موظفيها (قبل ستة أشهر تأخرت رواتب حتى العاملين في مفاعل ''بوشهر'' النووي)! يخسر الاقتصاد ما يقرب من خمسة مليارات دولار شهرياً.. والخسارة ستستمر طبقاً للعقوبات المتجددة على البلاد. توقف غالبية مستوردي النفط الإيراني عن استيراده.. لم يبق في الساحة إلا عدد قليل جداً من الزبائن. انخفضت شحنات النفط الخام إلى 700 ألف برميل يومياً.. وما زالت تنخفض، والولايات المتحدة تسعى علانية، لإيصال الإنتاج الإيراني، إلى 500 ألف برميل يومياً. وكما هو معروف، تشكل العوائد النفطية 80 في المائة من دخل الخزانة العامة.
سيتمتع ''الدكتور'' روحاني قليلاً جداً، بعدم تشديد العقوبات على بلاده من قبل الغرب، والسبب أن الدول الغربية تريد أن تمنحه فرصة. لكن ليست هناك أي مؤشرات على إمكانية أن يتقدم روحاني خطوة إلى الأمام بهذا الخصوص. لأنه، وإن احتل الرئاسة منتَخباً، لكنه لم ولن يحتل الحكم نفسه. هذه هي تركيبة الحكم في إيران. الذي يحكم هو المرشد، الذي بدوره حكم على نفسه بعودة ''المهدي التائه''.