الجمعة، 26 أبريل 2013

القنوات الفضائية الأجنبية.. قيم مفقودة بنسخها العربية

(المقال خاص بمجلة جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج)




"علي أن أقول: إني أجد التلفزيون تعليمياً. في اللحظة التي يفتح أحدهم جهاز التلفزيون، أذهب إلى المكتبة وأقرأ كتاباً جيداً"
جروشو ماركس، كوميدي أميركي، ونجم سينمائي وتلفزيوني



كتب: محمد كركوتـــي


على مدى عدة سنوات متلاحقة، تلاحقت انطلاقات القنوات الأجنبية بنسخها العربية. بعد سلسلة طويلة من استنساخ القنوات العربية لعدد كبير من البرامج الأجنبية، دون أي شكل من المساهمة الإبداعية من الجانب العربي. وهذا النوع من الاستنساخ، أتى في الواقع بعد مجموعة أخرى من "الاستنساخات" لمطبوعات أجنبية، بعضها صمد بهشاشة بالغة (حتى الآن)، وبعضها الآخر توقف، لأسباب مختلفة في مقدمتها المالية. ولولا الحكومات التي تقف وراء الفضائيات المستنسخة، لتوقفت هي الأخرى، بسرعات مختلفة وإن كانت متقاربة. خصوصاً أنها ليست "بقالات فضائية" يقيم عليها فرد أو إثنان، تقدم "النفايات" الإعلامية. هذه "البقالات" يمكنها الاستمرار بمرتب موظف من الدرجة العاشرة. قبل ثلاث سنوات، زرت مركز "نايل سات" لخدمات البث الفضائي في القاهرة، ووجدت قنوات فضائية يشغلها "فراش"، مهمته تلقيم أجهزة البث بالأشرطة في الوقت المناسب! أما المساحة المخصصة للقناة، فهي لا تزيد عن مترين مربعين!

بعد قرابة عقد من الزمن على انطلاق الفضائيات الأجنبية المستنسخة عربياً، مع الأخذ في الاعتبار، المساحة الزمنية لكل واحدة منها. يمكن تقييمها بصورة علمية وعملية، ومقارنتها، ليس مع غيرها من الفضائيات العربية الخالصة، بل مع الفضائيات الأجنبية المتوالدة منها. وبالإمكان طرح كل الأسئلة، وفي مقدمتها السؤال الكبير: هل تتساوى قيمة الأصل مع نسخته؟ وهذا الأمر يرتبط بالمحتوى والشكل أيضاً. ففي دنيا التلفزيون، توازى الشكل والمحتوى أهمية. بل في كثير من الأحيان بات يفوقه، بصرف النظر عن الاختلاف والتوافق حول هذه النقطة. في بعض الأحيان، يسيطر الشكل على المحتوى، وغالباً ما يكون الناتج سطحياً، أو بلا معنى. لكن علينا أن نعترف، بأن لهذا الناتج مستهلكون يتزايدون، ليس لأنهم أقل إدراكاً، بل لكونهم يتلقون سيل "النفايات" الإعلامية، حتى من بعض الفضائيات العربية المحسوبة على قيد المؤسسات لا "البقالات".

لا يمكن الجزم، بأن الفضائيات الأجنبية المستنسخة عربياً، حققت تقارباً مطلوباً بين الأصل والنسخة. والأسباب كثيرة، من بينها، أن الجودة المهنية في النسخة العربية، بقيت أقل منها في النسخة الأصلية. وهذا يتضح، من خلال متابعة نشرات الأخبار والبرامج المنتجة عربياً. وينطبق على كل مناحي الإنتاج، إلى درجة شملت حتى جودة اختيار ضيوف البرامج والنشرات الإخبارية!  وهذا أمر لا يتطلب، خبرات ضاربة، بل متابعات بسيطة يمكن من خلالها الوصول إلى الجودة المفقودة في هذا المجال. وقد يمر برنامج ضعيف الإعداد والتقديم، على شرائح متعددة من المتابعين لهذه الفضائيات، دون الاهتمام بتحديد مستواه المهني، لكن باتت النسبة الأكبر من هؤلاء المتابعين، تولي اهتماماً كبيراً في مستوى النشرات الإخبارية في الفضائيات المستنسخة، وذلك لسهولة تحديد مكامن الضعف في الإعداد والمحتوى والتقديم، يضاف إلى ذلك، أن دائرة المقارنة بين الفضائيات في المجال الإخباري، تبقى أوسع منها في النطاق البرامجي. وهذا كله لا دخل له في الرقابة، التي تقهقرت (بالفعل) إلى مستويات متدنية في العشرين  سنة الماضية. قبل ذلك، كان الفشل الإعلامي المهني العربي، يُعلق على الرقابة. وهذه الأخيرة كانت تعيق (بلاشك)، لكنها فشلت هي نفسها، في طمس القدرات المهنية الإعلامية العربية النادرة. فالمهني الناجح، لابد له من أن يمر، حتى من "الأسلاك الشائكة" للرقابة.

ومع أنه من المفروض أن يكون العمل في الفضائيات المستنسخة، أكثر سهولة من غيرها، على اعتبار أنها تعمل وفق مخطط يُطبق قبل وجودها على الأرض بالفعل، وفي نطاق استراتيجية وضعت لها من قِبَل الغير ويجري تنفيذها أيضاً، إلا أن الثغرات تبدو جلية في التنفيذ العربي. مما يعزز الاعتقاد، بأن الفضائيات الأجنبية الأصلية، لا تتابع بصورة محكمة نسخها العربية، وإن فعلت، فإن متابعاتها لها، لا تشمل العمق بقدر السطح. ومن الواضح أيضاً، أن "الأصلية" تواجه مصاعب في العثور على الإدارات المثلى في الجانب العربي، وأنها تكتفي بما يُنتَج، طالما أن ذلك لا يؤثر على سمعتها في ساحاتها الأصلية. هذا لا يعني (بالضرورة) أن ما تقدمه الفضائيات الأصلية، هو الأفضل دائماً. وما أعنيه هنا، أن الفضائيات المستنسخة أخفقت في كثير من الأحيان، في الاستفادة مما لدى "الأصلية" من جودة. وهنا، لا دخل للتباين الثقافي بين الأصلي والتقليد. الموجود حقاً هو التباين المهني بين الطرفين، إلى جانب الفروقات الشاسعة في مستويات الإدارة بين الجانبين. وللإنصاف، هذه النقطة الأخيرة ، تخضع (في زحمة ما تخضع)، إلى وجود الاستدامة في الأصل، وغيابها في الفرع.

لكن هذا لا يبرر (بأي حال من الأحوال)، الفارق الكبير في الجودة بين الجهتين. واللافت أن الفارق ينسحب حتى على شكل الأداء على عدد من الفضائيات المستنسخة. وهذا الجانب ليس صعب التنفيذ، إذا ما تم الالتزام بالمعايير "الشكلية" المطبقة أصلاً في مكان آخر. لكن الفجوة هنا، ليست ناتجة عن ثغرات في الإطار، بل عن غياب الروح المطلوبة لدى أولئك الذين يملؤن الإطار. وهذا بحد ذاته، لا يخضع للتدريب أو التمرين فقط، بل إلى الموهبة. وإذا ما نظرنا إلى بعض الفضائيات الأجنبية، التي تعتمد على الشكل أكثر قليلاً من المضمون (سكاي نيوز مثلاً)، نستطيع بسهولة أن نلمس الروح المفقودة في نسخها العربية. دون أن ننسى، أن الرشاقة التلفزيونية الطبيعية المرغوبة لا الاصطناعية الفجة، لا تزال بعيدة عن سوق الإعلام العربي كله الأصلي والمستنسخ. وهذه الرشاقة، غالباً ما تغطي الكثير من العيوب في الطروحات. هناك محطات تلفزيونية أجنبية كبيرة، أخذت مكانها المتعاظم على الساحة من هذه الناحية فقط، قبل أن تعمل على تحسين أدائها من جهة المحتوى.                                            

الخميس، 25 أبريل 2013

قرض .. «بركة».. مسؤولون لا يفهمون

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



«مصر تعود. إنها عادت. وسوف تكون مركز الامتياز في المنطقة وربما في العالم أجمع»
هشام قنديل - رئيس وزراء مصر



كتب: محمد كركوتـــي


طالما ظل الإخوان المسلمون في مصر، يتمسكون بحكومة هشام قنديل، على الرغم من أنها أثبتت ''جدارة'' لا حدود لها في ارتكاب الفشل تلو الآخر، عليهم أن يفكروا بإخضاع رئيس الوزراء لدورات تدريبية ومعه (على الأقل) أركان حكومته المكلفين برعاية الشؤون الاقتصادية في البلاد. لقد انضم الوزراء في هذه الحكومة إلى ''البطالة المقَنَّعة''. وعلى الرغم من أن قرار المرشد بإجراء تعديل وزاري وصل إلى الرئيس المؤمن جدًّا محمد مرسي، وأسرع هذا الأخير بالإعلان عنه، إلا أنه لم يشر بأي شكل من الأشكال، إلى أن هذا التعديل سيشمل المسؤولين عن السياسة الاقتصادية (إن وجدت أصلًا) في مصر. ربما أراد المرشد، أن يدخل التاريخ بأي طريقة كانت، فأمر بأسرع تعديل وزاري، ويعزز دخوله أكثر، بالإبقاء على الفريق الاقتصادي، كمكافأة على فشله.
أتى وفد صندوق النقد الدولي إلى مصر، وغادرها دون اتفاق على القرض الذي يعلق عليه مرسي آمالًا كبيرة، في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من اقتصاد البلاد، أو في أحسن الأحوال في تخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة. بعد 12 يومًا من المفاوضات والمباحثات، وجد أعضاء وفد ''الصندوق''، أن أحدًا من الجانب المصري، ليس مؤهلًا لخوض هذا النوع من المفاوضات، بل ليس مؤهلًا حتى لعرض خطة اقتصادية متماسكة. وباستثناء محافظ البنك المركزي، الذي يتمتع بالحد المطلوب في نطاق اختصاصاته، فإن باقي أعضاء الفريق المصري، لا يملكون الحد الأدنى من الخبرات. وقد نُسب إلى أحد المسؤولين في ''الصندوق'' قوله: ''إن صندوق النقد، لم يصادف مثل هذا النوع من المفاوضين، منذ تأسيسه وحتى الآن''. لقد أثبت كل واحد من المسؤولين المصريين المفاوضين، بأنه بلا وزن، ليس على صعيد التفاوض فحسب، بل من جهة الخبرة وفهم ما يجري على ساحتهم الاقتصادية الداخلية أيضًا.
أمام هذا الواقع المخيف، ليس أمام ''صندوق النقد'' إلا أن يقترح على مرسي، أن يرسل مفاوضيه إلى إحدى الدورات التدريبية التي تطلقها منظمة العمل الدولية، قبل أن تعود المفاوضات إلى الدوران من جديد، هذا إن كان هناك أمل في عودتها. لا يعقل بأي حال من الأحوال، ألا يوجد في مصر كلها اقتصادي يفهم ما يقول، إلا محافظ البنك المركزي! وبالفعل تواجه الجهات الدولية المعنية بالقرض وبغيره من القضايا الاقتصادية المرتبطة، أزمة حقيقية في التواصل، للوصول إلى استنتاجات واقعية. وهذا جانب من الجوانب التي تعطل الوصول إلى اتفاق ما بين الطرفين، إضافة إلى أن الخطة التي قدمتها حكومة قنديل، لم تكن واقعية، بل إنها تكاد تكون خطة لبلد آخر غير مصر، كما قال أحد المقربين من وفد ''صندوق النقد''. وأيضًا لا تتوقف القضية عند هذا الحد. فـ''الصندوق'' يخشى أساسًا من ضعف حكومة مرسي، ومن تخبطها، ومن عدم الاستقرار السياسي، ومن الفوضى في اتخاذ القرارات. وهذا يجعلها غير قادرة على إجراء إصلاحات بسيطة طلبها ''الصندوق''، ولا سيما بعد أن خفض المفاوضون من حجم مطالبهم من الحكومة المصرية.
مصر تحتاج لقرض ''الصندوق''، ليس فقط من ناحية قيمته المالية البالغة 4,8 مليار دولار أمريكي؛ بل لأنه أيضًا يفتح أمام البلاد آفاقًا استثمارية جديدة. فالقرض في النهاية هو إشارة واضحة إلى وجود ثقة بالاقتصاد المصري، الأمر الذي تحتاج إليه مصر في هذا الوقت بالذات. فالاحتياطي من القطع الأجنبي في تدهور مستمر، والسياحة تتراجع، وكذلك الاستثمارات. ولو أضفنا إلى هذا المشهد، ريبة مفاوضي ''الصندوق'' من قدرة المسؤولين في حكومة مرسي على فهم ما يجري، نستطيع أن نتصور الناتج النهائي، لكل هذه المفاوضات. تستطيع مصر حاليًّا تدبُّر أمرها بدون القرض المنشود، ولكن ليس لوقت طويل. فكل التقديرات تجمع على أن البلاد يمكنها أن تتحمل النقص في كل شيء تقريبًا، كما أنها تستطيع أن تتجنب أزمة في ميزان المدفوعات، حتى نهاية العام الحالي فقط. وبعد ذلك، سيصل اقتصاد البلاد إلى حافة الهاوية، مما سيرفع حجم الاحتياجات المطلوبة أكثر.
ما تحتاج إليه مصر الآن، ليس فقط قرضًا دوليًّا يوفر لها بعض الثقة، بل فهم عملي من القائمين على صنع القرار لما يجري على الساحة. هل يعقل أن يسوق الإخوان المسلمون في وسائل إعلامهم، أن ''البركة'' طُرحت في محصول القمح حتى قبل جَنْيِهِ! بينما الرئيس مرسي ''المبارك'' يستجدي زيادة في صادرات القمح الروسي إلى مصر؟! كان وفد صندوق النقد الدولي على حق، عندما غادر القاهرة مصدومًا من نظرائه، الذين يفترض أن تكون لهم القدرة على إقناع الطرف الآخر بما يطرحونه من أفكار ومخططات ومشاريع تخص مستقبل أمة بأكملها. المصيبة، أن رئيس وفد ''الصندوق'' أندرياس باور قالها بوضوح وبصورة معلنة: ''ليس لديهم خطط واضحة على الصعيدين المالي والاقتصادي''. دون أن يقول طبعًا، إنه لا يعترف بـ ''بركة'' الرئيس مرسي.

الثلاثاء، 16 أبريل 2013

آثام تاتشر الاقتصادية لن تموت معها

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«لا يوجد شيء اسمه مجتمع»
مارجريت تاتشر - رئيسة وزراء بريطانيا الراحلة


كتب: محمد كركوتـــي


تموت مارجريت ثاتشر، دون أن تموت معها "الآثام" الاقتصادية التي ارتكبتها. طبعاً هناك من يرى، أن رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، قدمت نموذجاً اقتصادياً متطورا وعالي الجودة. ويعتقد هؤلاء، أن فترتها في الحكم، أعادت إلى بريطانيا زخمها، سياسياً واقتصادياً، وأنها انتشلتها من بؤرة الاضرابات، وتحكم نقابات العمال بالقرار العمالي، وأنها وضعت الاقتصاد البريطاني في مكانه الصحيح، وأنها شكلت مع زميلها (آنذاك) الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، ثنائياً كان "ضرورياً" على الساحة العالمية. وعند كارهي أوروبا بأشكالها الوحدودية، كان هذا الثنائي مطلوب، من أجل "التوازن"، ولكي لا يتضخم الأوروبيون بصورة لا يمكن الحد منها. أما عند أولئك، الذين "عبدوا" السوق، في سياق كراهيتهم للمجتمع، كانت ثاتشر حتمية، مع التمنيات (التي انتهت بموت ثاتشر) أن يظهر من يستطيع استنساخها، وصنع "ثاتشرات" إلى الأبد، ولا بأس بأن تكون بجنسيات مختلفة، لـ "ينعم" العالم بعطاءاتها وأفكارها وسلوكياتها ومبادئها.
لولا التحالف الوثيق بين ثاتشر مع إدارة ريجان، لما كان لآثامها الاقتصادية إلا بُعدها المحلي. مع ضرورة الاعتراف بأن بريطانيا كانت تحتاج بالفعل (حين أتت إلى الحكم)، إلى تغيير في أدائها الاقتصادي، وإلى إعادة صياغة المشهد الاقتصادي بصورة أكثر من إصلاحية. فالمعايير تتغير، والمعطيات كذلك، والاستحقاقات تظهر على السطح، لا يمكن بأي حال من الأحوال، القفز فوقها، أو تجنبها. لقد تجاوزت ثاتشر في عملية التغيير كل الحدود والخطوط والمبادىء، بما في ذلك بعض المبادىء التي أطلقها المفكر الاسكوتلندي الشهير آدام سميث. فهذا الأخير يرى أن مصلحة الفرد أهم من مصلحة المجتمع. ورغم هذا الخلل الفظيع في الطرح، وجدت ثاتشر أن سميث، كان "معتدلاً"  أكثر من اللازم في مسألة الفرد والمجتمع، لتطرح "نظريتها" الخاصة، التي تستند على ماذا؟ على عدم وجود المجتمع أصلاً!

ومع القوة السياسية التي كانت تتمتع بها في السنوات الأولى لحكمها (ثاتشر طُردت طرداً من زعامة حزبها ورئاسة الوزراء)، فرضت "نظريتها" المشينة، التي لاقت الصدى المطلوب على الجانب الآخر من الأطلسي، لينشأ مايمكن تسميته "حلف ثاتشر-ريجان"، الذي فرض أدبياته الاقتصادية الاجتماعية في بلدين محوريين على الساحة العالمية، لتنتقل عدواه شيئاً فشيئاً إلى بلدان محورية أيضاً. قبل ثاتشر-ريجان، كانت السلعة تبحث عن الإنسان، بعدهما أصبح الإنسان يبحث عن السلعة، وهذه نتيجة طبيعية لإلغاء دور المجتمع ليس فقط في الإنتاج، بل في أخلاقيات السوق. فالسوق التي تسيطر على المجتمع (أو تصنعه)، تكون متجردة من الضمانات والمعايير الأخلاقية. لقد ظل هذا "الحلف" يسوق هذه الأفكار بل ويفرضها بما يملك من قوة سياسية، لتكريس المفهوم المريع "السوق تصنع المجتمع"! وهذا يعني ببساطة أن "السلعة تصنع الإنسان"!!

رسمت ثاتشر (ومعها ريجان) الخطوط الأولى للأزمة الاقتصادية العالمية. فهذه الأزمة انفجرت أساساً بسبب ارتفاع معدلات تحكم السوق في نفسها، لا تحكم المجتمع بها، وهذا موروث ساهمت الحكومات التي أعقبت ثاتشر في الحفاظ عليه، وإن بإسلوب أكثر إنسانية وأخلاقية. فحتى جون ميجور الذي خلف ثاتشر مباشرة، والذي يعتبر من أتباعها المخلصين، لم يستطع فور وصوله إلى الحكم، إلا أن يرفع شعاراً كان ضرورياً لبقاء المحافظين في السلطة. الشعار "العودة إلى الأصول". وهذا الشعار، كان بمنزلة اعتذار غير مباشرة عن الأضرار التي ألحقتها ثاتشر في المجتمع، بصرف النظر عن "الأضواء الجميلة" الآتية من السوق. والحقيقة أن هذا الشعار لم يوفر لميجور مساحة زمنية طويلة في الحكم، سواء على الصعيد الحزبي أو الشعبي. لقد هبطت ثاتشر بشعبية حزبها، لدرجة أن رئيس الوزراء الحالي(ديفيد كاميرون)، لم يستطع أن يشكل حكومة محافظة خالصة، فاضطر إلى التحالف مع حزب يتعارض (في الواقع) مع المحافظين في الكثير من المبادىء الرئيسة.

لا يمكن إعفاء ثاتشر من آثام الأزمة الاقتصادية. لقد وضعت "المتفجرات" اللازمة، وانتظرت تشكُل الفتيل شيئاً فشيئاً، إلى أن جاء من يشعله. كما لا يمكن إعفائها من الأزمات الاجتماعية التي تسببت بها، من جراء اقتصاد مادي خالص، بعيد عن أي روح إنسانية. ففي عهدها انفجرت أزمة عقارات فادحة، أدت إلى خسارة أعداد كبيرة من البريطانيين منازلهم إلى الأبد. وفي عهدها ظهرت طبقة اجتماعية، المؤهل الوحيد للمنضمين إليها هو "الفهلوة". وهؤلاء في الواقع كان يؤسسون الأعمال في كل الاتجاهات، ليهربوا لاحقاً في كل الاتجاهات، بعد أن يكونوا قد نهبوا ما تيسر لهم من أموال غيرهم. لقد عانت بريطانيا من طبقة المحتالين في كل شيء. ألا ينبغي أن تكون مفتوحة بدون ضوابط؟! وأن تكون للسوق الكلمة الأولى والأخيرة على المجتمع؟!

كانت مارجريت ثاتشر تقول: "لا يهمني مدى ثرثرة وزرائي، المهم أنهم يقومون بما آمرهم به". لقد ماتت وانتهت ثرثرة وزرائها منذ خروجها من الحكم مجبرة. التاريخ لا يثرثر، إنه يروي الأحداث، وقد روى بالفعل حتى قبل موت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، أن هذه الأخيرة كانت حديدية بقوتها وإرادتها، وفولاذية في معاندة المجتمع. إنها مرحلة بالفعل، لكن آثارها وبعضاً من آثامها ستبقى في الأجواء.

التسلل الاقتصادي الإيراني باتجاه المتسللين في مصر

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



«قطع العلاقات مع إيران كان خطأ، ولا بد من الاستعانة بخبراتها»
جمال حشمت قيادي في جماعة الإخوان المسلمين المصرية

كتب: محمد كركوتـــي

تخسر إيران تدريجيًّا سفاح سورية بشار الأسد. ''واقعيو'' النظام الإيراني– إن وجدوا- يعرفون ذلك، ويدركون أيضًا أن الأسد حالة زائلة، وأن الإمدادات الإيرانية، من المرتزقة والقتلة، إلى الإمدادات المالية والعسكرية، إلى تشغيل العراق وعصابة ''حزب الله''، لن تساهم في منع حتمية الزوال، وإن أخَّرتها. الإيرانيون يخسرون جيوبهم الإقليمية. وهذه الجيوب ليست لها ''أزرار''؛ لأن متانة ''البطانة'' أضعف من أن تشبك ''زرًّا'' واحدًا. علي خامنئي يحتاج إلى جيب بديل. وهل هناك أهم من مصر (بعد الأسد) من جيب؟ خصوصًا أن الرئيس ''المؤمن جدًّا'' محمد مرسي، يرى في إيران ما لا يراه العرب أو العالم أجمع! بينما لم يحاول– منذ وصوله إلى السلطة فرحًا بشرعية طفيفة- أن يُحسن البيئة التاريخية الحاضنة للعلاقات بين مصر والغالبية العظمى من البلدان العربية، وفي مقدمتها دول الخليج.
هناك تشابه استراتيجي تاريخي بين تسلل إيران وتسلل الإخوان، يوفر أرضية سهلة للتناغم بين الطرفين. ليس مهمًّا الخلاف الطائفي المحوري بينهما، طالما أنه لا ينال من أهدافهما. فالنظام الإيراني يتحالف مع الشر، والنظام الإخواني يتحالف مع الشيطان، والفتاوى جاهزة. ولا بأس أن يسمح خامنئي لمرسي بالترضي على الخلفاء الراشدين في طهران، ليعيش هذا الأخير نشوة نصر وهمي، وأيضًا لا بأس لمرسي أن يسمح لمساعديه، بإطلاق توصيف الأشقاء على المسؤولين الإيرانيين. في الواقع لقد فعلها الأسد ونظامه قبله بعقود، وكانت النتيجة ''الإيرانيون الأشقاء.. العرب الأعداء''! حسنًا.. ألم يعلن علي أكبر ولايتي مستشار خامنئي ''إننا ندعم الإخوان؛ لأنهم الأقرب إلينا عقائديًّا بين كل الجماعات الإسلامية''؟!
إيران لم تتسلل إلى مصر سياسيًّا. فالمواقف المعلنة المتبادلة للطرفين، واضحة لا تحتاج لتفسير، والعروض الإيرانية في هذا المجال كثيرة وفاضحة، بما في ذلك إعلان نظام الملالي، عن استعداده لنقل التجربة الإيرانية في ماذا؟ في أسلمة الدولة. ولا أعرف إذا ما كان ''الخبراء'' الإيرانيون سينقلون معهم المادة 12 من دستورهم، التي تنص على ''أن المذهب الجعفري الإنثي عشري يبقى إلى الأبد المذهب الرسمي لإيران وغير قابل للتغير''. التسلل الإيراني ينحصر في الجانب الاقتصادي، إضافة (طبعًا) إلى التسلل الطائفي المتواصل لنشر التشيع في مصر. ورغم المصائب الاقتصادية التي تواجهها إيران منذ سنوات، بما في ذلك، الانهيار المستمر لعملتها، وارتفاع تاريخي للتضخم، وتراجع مخيف لاحتياطيها من النقد الأجنبي، وعجزها حتى عن صيانة منشآتها النفطية، بل تخلفها عن سداد مرتبات العاملين في منشآتها النووية نفسها! غير أنها مستعدة اقتصاديًّا لمساعدة مصر. فاحتواء هذا البلد يبرر كل شيء، ولا سيما أن للتسلل.. متسللين محليين يسهلون.
لكن السؤال الأهم، هل يستطيع نظام خامنئي أن يقدم ما يمكن أن يحمي الاقتصاد المصري المتداعي؟ علمًا بأن مصر ليست بحاجة إلى خبراء لأسلمة المؤسسات. فالأسلمة (الأخونة) المحلية تسير بسرعة أوليمبية. والسؤال الآخر، هل ستتمكن طهران من تمويل الأسد ومرسي في آن معًا؟ لقد استنزف الأول (ومعه العقوبات الدولية المفروضة على إيران) الأموال والقدرات الإيرانية. الوعود انهالت على مرسي سواء بشكل مباشر، أو عن طريق المرشد الحاكم الفعلي للبلاد، وهي تدور حول الدعم الاقتصادي والتجاري والمالي. تحتاج مصر لأموال ضامنة هائلة، لا تنفع في حالتها الوعود. فحتى القرض الذي يمني مرسي النفس به من صندوق النقد الدولي، لن يكفي البلاد إلا أشهر، رغم مخاطره التي باتت معروفة حتى في أوساط ''صبيان'' المقاهي.
تستطيع إيران التسلل. هذا في صلب استراتيجيتها. وتستطيع أن تنشر الوعود في الأرجاء، وتستطيع أيضًا أن تتعانق أطول فترة ممكنة مع المتسللين المحليين. لكنها لن تتمكن من تقديم ما يفيد مصر وشعبها. بل على العكس تمامًا، لن تقدم إلا الشر. لننظر فقط إلى سورية والعراق ولبنان واليمن وقطاع غزة والبحرين. لقد بدأ الإيرانيون دعمهم لمرسي (لا لمصر) بماذا؟ بتصدير وفود ''سياحية''، وهذا أسلوب قديم مفضوح للتغلغل وللتخريب الاجتماعي. بالتأكيد لن تنفع هذه الوفود في دفع عجلة الاقتصاد أو حل مشكلة من مشاكله الكبيرة، إلا أنها تمثل (في النهاية) جزءًا أصيلًا من أدوات أساسية إلى بلد، سمح حكامه لخامنئي بالإنفاق على مزارات آل البيت فيه! وهذه أولى خطوات التغلغل بعد التسلل. اليوم سياح، وغدًا حجاج، وبعد غد حقوق الشيعة في مصر، وبعده (ربما) حزب الله المصري.
إنها استراتيجية تقليدية، ليس من المتوقع أن يعرفها مرسي، ولا أي مسؤول عند المرشد. فهؤلاء مشغولون الآن (وغدًا) بـ ''الأخونة''؛ لأنها هي الاستراتيجية المحورية لديهم، ولا وقت عندهم للانشغال لا بالاستثمارات ولا الإصلاحات ولا السياسات الاقتصادية التي تحاكي الكارثة، وتقلل معاناة الشعب المصري المعيشية. كما أنهم لا يريدون أن يفهموا حقيقة وعود اقتصادية إيرانية، لا تأتي (إن أتت) إلا تسللًا، تجر معها برنامج الشر، بحثًا عن جيب آخر، لن يستهدف إلا العرب قبل غيرهم.

الثلاثاء، 2 أبريل 2013

أوروبا من المصيبة الفاخرة إلى المصيبة السافرة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«المجتمع الحر الذي لا يستطيع مساعدة الفقراء، لا يمكن أن يحمي الأغنياء»
جون كيندي - رئيس الولايات المتحدة الراحل


كتب: محمد كركوتـــي


قبل الأزمة الاقتصادية العالمية، كان الاتحاد الأوروبي يعاني مصيبة اجتماعية - اقتصادية كبيرة، وصفتها في مقال لي نُشر قبل أربع سنوات بـ ''المصيبة الفاخرة''. مُلخصها، أن الحكومات الأوروبية تنفق أمولاً طائلة، لعلاج نسبة متصاعدة من سكانها من الأمراض الناجمة عن سوء التغذية. وهذا ''السوء'' لم يأت من قلة المواد الغذائية، أو صعوبة الوصول إليها، بل من فقدان الشهية! والمثير (وقتها)، أن الكلفة الناتجة عن سوء التغذية، تصل إلى ثلاثة أضعاف تكاليف مواجهة الأزمات الصحية الناجمة عن البدانة. وقد توصلت الجهات المختصة (آنذاك) إلى معدلات رسمية، من بينها أن ما بين 5 إلى 15 في المائة من مجموع سكان أوروبا، و40 في المائة من المرضى الذين يعالجون في المستشفيات، و60 في المائة من نزلاء دور العجزة، يعانون سوء التغذية (بإرادتهم) أو معرضون لذلك. ودول الاتحاد تخسر ما يقرب من 170 مليار يورو سنوياً في مواجهة هذه الأزمة.
المشهد تغير الآن.. تغير بصورة معاكسة متطرفة، إلى درجة تختلط أحياناً فيها الأمور، وتدفع لسؤال لا يدخل في حسبان أحد. هل أصبح مشهدا إفريقيا أم آسيويا أم أمريكيا لاتينيا؟! وربما يظهر متطرف ليطرح سؤاله الخاص، هل سنرى في أوروبا صورة طفل منتفخ البطن يستند إلى ساقين كأعواد الكبريت؟! وقد يلقي آخر سؤالاً أقل تطرفاً، هل المشهد الجديد، هو نتاج ظهور ما يمكن أن نطلق عليه ''الأثرياء المدينين''؟ أو ''الأثرياء السابقين''؟ أو ''الأثرياء الضائعين''؟ إلى آخر التوصيفات التي نزعت منها غرابة المشهد.
في أوروبا الآن، تقوم منظمة الصليب الأحمر الدولي، بتوزيع مواد غذائية على الفقراء فيها! لأنهم ببساطة غير قادرين على شراء حتى بعض الأساسيات المعيشية، بسبب تأثير الأزمة الاقتصادية في عدد من البلدان. وقد أدى ذلك، حسب المسؤولين في المنظمة الدولية، إلى انزلاق الكثير من الأسر في دوامة الفقر. هذه المساعدات دخلت التاريخ فوراً مرتين. الأولى: أنها تجري في القارة الأوروبية الغنية المانحة، والثانية: أن حجم هذه المساعدات، لم يسبق له مثيل منذ الحرب العالمية الثانية. أي أن أوروبا استرجعت أحداثا، من المفترض أنها انتهت مع نهاية تلك الحرب الكبرى مع مصائبها وخرابها. الحدث (بالفعل) كبير، ليس من ناحية طبيعته فقط، بل لأنه يشمل عشرين بلداً عضواً في الاتحاد الأوروبي.. لا الإفريقي ولا الآسيوي! ومن أهم الدلالات الخطيرة، أنه من بين المستفيدين من المساعدات الغذائية، أفراد ينتمون إلى الطبقة الوسطى، فقدوا وظائفهم في سياق المحنة الاقتصادية العامة في القارة. وطبقاً لإحصائية صادرة عن الصليب الأحمر، فإن أكثر من ثلاثة ملايين شخص في إسبانيا وحدها، يعتمدون على هذه المساعدات. وهؤلاء يفتقرون إلى المواد الغذائية الأساسية، بل حتى إلى الدعم المادي للسكن والفواتير المعروفة المرتبطة به!
وعندما يعاني سكان في 20 بلداً من أصل 27 بلدا (من بينها بلاد استمدت القارة نفسها تاريخها منها) من عدم القدرة على الوصول إلى المواد الغذائية، فإن القضية لم تعد هامشية، ويستدعي الأمر أن توضع على رأس جداول أعمال القمم الأوروبية نفسها. في بلد كاليونان، يتزايد عدد المواطنين فيها الذين يعجزون عن زيارة الأطباء، لأنهم ببساطة فقدوا بوالص التأمين الصحي! أي أن القضية لم تعد مرتبطة حتى بالعجز الغذائي للفرد فقط، بل بمصيره الصحي أيضاً. ولذلك لم يكن غريباً تعاظم حراك منظمات الإغاثة في قلب أوروبا. فالفقر يدهم بصورة مخيفة شرائح اجتماعية أوسع. دون أن ننسى أن دول أوروبا الشرقية، تبقى الأكثر في هذا المجال، ولا سيما أن معظم سكانها لا يملكون مدخرات، ولا حتى أنظمة تأمين صحي. ولأن المصيبة نالت حتى من الطبقة الوسطى، فعلينا أن نتخيل آثارها على المهاجرين واللاجئين في أوروبا.
في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، نشأت في أوروبا كلها حركات يمكن وصفها بـ ''القومية المحلية''. وهي نوع مخيف من انتماء- اعتقاد ينال من المصير الأوروبي لدول الاتحاد. وهذه الحركات كانت تعادي المهاجرين واللاجئين في زمن الازدهار، فكيف الحال الآن في زمن المحن الاقتصادية- المعيشية؟ خصوصاً إذا ما عرفنا، أن خطر الفقر انتشر (بالفعل) في نحو نصف مجموع بلدان الاتحاد الأوروبي، الأغلبية العظمى منها في شرق القارة. إنها أزمة في قلب أزمة، لكنها تحمل معها مخاطر جمة على صعيد الانتماء، خصوصاً في الدول الأقل معاناة منها. كما أنها تقوي التيار الانفصالي (في بعض البلدان الأوروبية) الذي يرى أن مصلحته الداخلية الخاصة، لا تقارن بمصلحة بلاده على الساحة الأوروبية. ورغم الخلل الواضح في هذه الرؤية، إلا أنها قابلة للازدهار والانتشار، في وقت ينشغل فيه الاتحاد الأوروبي، بحماية دول معرضة للانهيار الاقتصادي. فالبيئة اللازمة لـ ''القومية المحلية'' باتت متوافرة، ومخاطر هذه ''القومية'' لن تنحصر في زمن المحنة، بل ستنتقل إلى زمن ما بعدها.


السبت، 30 مارس 2013

الاقتصاد المصري من وكالات التصنيف إلى «العرَّافين»

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



«لا تضيع الوقت في الضرب على الجدار، على أمل أن يتحول إلى باب»
كوكو شانيل مصممة ومؤسسة دار شانيل



كتب: محمد كركوتــي


طال انتظار حكومة الرئيس المصري المؤمن محمد مرسي، لوفد صندوق النقد الدولي. فالوفد (حتى الآن) لم يحجز تذاكر سفره إلى القاهرة، رغم جاهزية مكان إقامته فيها. ولو أراد غرفاً في القصر الجمهوري بدلاً من الفنادق لتوفرت فوراً. ولا توجد حتى مواعيد افتراضية للسفر. فالمقاعد شاغرة على الدرجة الأولى، لكن لا نية لأحد بإشغالها. فالطائرات الآتية إلى مصر فارغة حتى من السياح. وعندما تفرغ من هؤلاء، تفرغ ''أوتوماتيكياً'' من مسافري ''الصندوق''، ومن أولئك الباحثين عن الاستثمارات. لا داعي للذهاب إلى المطار لاستقبال القادمين، طالما أن الهاتف المنتظر لم يرن بعد. وقد يكون حاله، كحال المهدي المنتظر. والمشكلة، أن حكومة هشام قنديل الحاضرة في ''قاعات'' الانتظار، غائبة عن الساحة! وربما لأول مرة في التاريخ تغيب حكومة من مواقعها، لانتظار غائب تدل كل المؤشرات على أنه لن يأتي.
في الانتظار، تلقي وكالة ''موديز'' للتصنيف الائتماني ''قنبلتها'' في وجه المنتظرين الغائبين، لتعلن خفضاً مريعاً جديداً للتصنيف الائتماني لمصر من درجة B3 إلى درجة CAA1، بعد أسابيع قليلة فقط من تخفيض سابق. والأسباب تُحصى لكنها كثيرة، وفي مقدمتها ''غياب القدرة على التنبؤ بالسياسات المالية والاقتصادية ونتائجها''. وهذا وحده عزز عدم قدرة حكومة مرسي- قنديل على تأمين قرض صندوق النقد الدولي الذي تسعى إليه لاستعادة توازن اقتصادها. وللذين لا يهتمون بدرجات التصنيف، فهذه الوكالة الكبرى تعتمد درجة C كآخر مستوى لدرجات التصنيف، وحسب التفسير الاقتصادي، تعني هذه الدرجة ''التزامات ضعيفة، وتحمل مخاطر ائتمانية مرتفعة جداً. والمؤسسات التي تحمل هذا التصنيف قد تكون متأخرة مالياً وعن السداد''. والتصنيف الجديد لمصر، ينقلها إلى مصاف الدول الفقيرة، على حساب توصيف النامية.
ليس أمام حكومة مرسي الآن سوى ''العرافين'' الاقتصاديين، لكي ''يعرفوا'' درجات التصنيف الائتماني للبلاد. ففي النظام نفسه، من يعتقد أن محصول القمح تضاعف (حتى قبل موسم الحصاد!)، ببركة الرئيس مرسي. ووفق هذا الاعتقاد، قد نرى مشكلة عويصة في مصر، ترتبط بكيفية التخلص من فائض القمح! هل ترميه في البحر أو النهر، أم تهبه للدول الفقيرة؟! ''العرافون'' الاقتصاديون، هم الوحيدون الذين يمكنهم أن يطمئنوا النظام الحاكم في مصر، وربما اضطروا إلى القيام (بعمل) لجلب النحس على وكالات التصنيف. ففي إحدى القنوات التلفزيونية المصرية المؤيدة لمرسي، أكد ثلاثة أشخاص يحملون شهادات الدكتوراه، أن الرئيس ''معمول له عمل''! ونادى آخرون بضرورة العمل ليس لحل مشكلة السولار (المازوت) في البلاد، بل لـ ''فك العمل''! والسولار، ليس كافياراً ولا مستحضراً لتلميع الأحذية، إنه المادة التي أثرت بصورة مخيفة على ماذا؟ على الصناعة والزراعة والنقل وحركة المرور، وكل القطاعات المرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة به.. وحتى الصيد.
قدمت حكومة هشام قنديل، الذي قال يوماً: ''لا أعرف لكن أنا متأكد مع أني كنت شاكك!''، برنامجاً اقتصادياً، امتنع خبراء صندوق النقد الدولي على تكملة قراءته. فالعناوين الفرعية وحدها في هذا البرنامج، كانت كافية للوصول إلى الاستنتاج النهائي حوله. ولأنها حكومة ضعيفة (بل وغائبة)، فقد ظنت أنها قادرة على استدراج ''الصندوق''، في حين أنها لو قرأت التاريخ من سطحه لا من عمقه، لعرفت فوراً أن الذي يستدرِج في هذه الحالة هو ''الصندوق'' لا الطرف الآخر. والحقيقة، هذه استراتيجية ثابتة متبعة، تجلب معها مخاطر كثيرة جداً، مع صمامات أمان قليلة جداً. لا يحتاج الأمر إلى خبراء متعمقين في قضايا الإقراض. نقرة واحدة على الشبكة الدولية تأتي المعلومات المطلوبة، خصوصاً في فترة الانتظار الطويلة لاستقبال وفد، لن يأتي سريعاً، وغالباً لن يأتي.
تعيش مصر اليوم، حالة غريبة. ففي الوقت الذي لا غنى لها فيه عن وجود حكومة احترافية، جلب مرسي معه حكومة موالية، ولم يعرف أن مرحلة إعادة البناء تحتاج إلى كل العمال بدوام كامل. لقد ''أخون'' – من إخوان- الحقائق، وهو أمر لا ''يُؤَخْوَن'' ولا يُسيَس. لا أحد يتوقع الريادة من الرئيس المصري ''المنتخَب طفيفاً''، ليس فقط لعدم قدرته على التحدث بلغة أجنبية مفهومة، ولكن لأنه قدم شكراً مجلجلاً لباكستان عن دورها العسكري في حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973! بينما لم ترسل (في الواقع) حتى ملحقاً عسكرياً لسفارتها في القاهرة. والريادة لا تأتي من قوة (أو هول) القيادة، بل من حكمتها. وهذه الأخيرة، مفقودة.
مصر اليوم، ليست على مفترق طرق، وذلك لغياب الطرق لا المفترق. يمكنها أن تنهض، شرط أن تزيل وزارات ولجان ''الأوهام والعرافين'' التي تصنع القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وهي تحتاج في هذه المواقع إلى عارفين لا عرافين.. وإلى حرفيين لا موالين، وإلى رئيس وزراء، ''يعرف ومتأكد.. لكنه ليس شاككاً''. وإلى رئيس ينبغي أن يدرك أن مصر كلها للجميع، لا للجماعة. غير أن السؤال الأهم يبقى ''هل يتركونه ليدرك''؟!

الثلاثاء، 19 مارس 2013

«صمود» الاقتصاد السوري آتٍ من عدم وجوده

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«الاقتصاد الحر، يحترم كرامة الفرد. يكافئ بعدالة، ويبني التضامن بين المواطنين»
بول راين رئيس لجنة الموازنة في الكونجرس الأمريكي


كتب: محمد كركوتـــي

يسأل البعض لماذا لم ينهر الاقتصاد السوري بعد عامين من حرب الإبادة التي يشنها سفاح البلاد بشار الأسد؟ ويقول آخرون، في سياق تثبيتٍ آخر للأكاذيب التي اعتمدها نظام الأسد (الأب والابن) على مدى أكثر من أربعة عقود: إن الاقتصاد صمد لعامين، وهذا يؤكد بالتالي الكذبة الكبرى التي عاشتها سورية، أن الأوضاع الاقتصادية سيئة بحكم السياسات الدولية تجاهها. ويظهر (على الطرف) آخرون، ليؤكدوا أن الاقتصاد السوري كان دائماً قوياً، لولا الفساد (ومعه النهب المنظم) الذي مأسسه النظام في سنوات طويلة. ويرى البعض أسباباً أخرى لـ ''صمود'' الاقتصاد السوري، ليست واقعية في أغلبيتها، وتطفو عليها مشاعر الكراهية المبررة، مع استنتاجات مبالغ فيها. وهذا عموماً يحدث في نطاق حالة مأساوية كالتي تمر بها سورية اليوم. المبالغات، الاستنتاجات ''الحالمة''، المقاييس العاطفية، المعلومات المضللة، القوة الوهمية، الممتلكات ''الفالتة''.. كلها عناصر تسكن هذه الحالة. هناك حتى في أوروبا الراشدة، من يعتقد أن الزعيم النازي أدولف هتلر، ما زال حياً يرزق!! وفي الولايات المتحدة نفسها، من يؤمن بأن المغني الشهير ألفيس بريسلي، لم يمت، ولكنه سافر للعيش على سطح القمر!
هناك إجابة واحدة قصيرة عن السؤال المحوري ''لماذا صمد الاقتصاد في سورية''؟.. وهي ببساطة: ''لا يوجد اقتصاد في الواقع''. وفي حالة عدم وجود الشيء، لا يمكن القياس عليه، أو تحليله أو نقده أو تفصيله أو حتى تجاهله. وكل ما كان مرتبطا به، بما في ذلك الاستثمارات الأجنبية، و''الانطلاقات'' السياحية، ووجود فروع لمصارف لبنانية.. وغير ذلك، كان وهماً، وفي أفضل الأحوال، كان ''صدى الصمت''، ولم يكن ''صدى الصوت''. غير أن هذا، لا يعني أن نظام الأسد بلا روافد اقتصادية وتمويلية، مكنته من مواصلة حرب الإبادة لمدة عامين، إلى جانب تلكؤ المتلكئين، في الإقدام على مساعدة شعب يُباد، وفي إطالة أمد آلام تعصف، وخراب يسود. ورغم أن عقوبات هؤلاء المفروضة على الأسد، أحدثت أضراراً لهذا الأخير، إلا أنها لم ترق (كغيرها من العقوبات التي فُرضت على أنظمة مماثلة) إلى مستوى يمكنها من أن تكون بمنزلة معول مباشر في إزاحته، خصوصاً في ظل وجود ثغرات منتشرة في جسم آليات التنفيذ.
رواتب شريحة من الموظفين في سورية تتأخر، وقد حُرمت المناطق التي لا يسيطر عليها الأسد من رواتب موظفيها، الليرة السورية تسلمت الخط البياني الهابط بسرعة قياسية، بينما تعلق التضخم بالخط البياني المتجه إلى الأعلى بقوة صاروخية. خزانة البنك المركزي فارغة، المواد الاستهلاكية الرئيسة شحيحة، الوقود ''ينقرض''. الدواء مفقود، والأسد وعصاباته يسرقون حتى المساعدات الطبية، إما لبيعها أو لتوزيعها على أعوانهم. بل إن اللقاحات الواجبة، تذهب إلى أطفال الموالين لا إلى ذرية الوطن! ليس هناك حراك مصرفي يذكر، في حين أُغلقت أغلبية المصانع في البلاد. لا توجد في سورية منطقة زراعية طبيعية الآن. الموجود فقط أراض زراعية تنتج حسب موقعها، لا وفق خصوبتها. دون أن ننسى أن السياحة التي تمثل 12 في المائة من الدخل الوطني – إن استحق هذه الصفة أصلاً- باتت تفتقر إلى سائح واحد لا اثنين! أين الاقتصاد الصامد إذن؟!
العقوبات الدولية المفروضة على الأسد، لم تنل من روافده الاقتصادية التمويلية. وهذه الحلقة الأضعف للعقوبات بعد آلياتها الصدئة. وحكومات الدول التي فضلت الوقوف مع القاتل (كل لأسبابه) فتحت صنابير أموالها، بمن فيها تلك التي تعاني أزمات مالية واقتصادية مريعة. إلى جانب (طبعاً) غياب الإنفاق العام، وانحطاطه إلى أدنى المستويات. ويحصل الأسد حتى اليوم، على الأموال اللازمة له لاستكمال حرب الإبادة، ممن تبقى من ''رجال أعمال''، لا يمكنهم أن يتكسبوا هذه الصفة، إلا في بيئة فاسدة كتلك التي وفرها الأسد الأب والابن، فضلاً عن الصناعات التي لا تزال تُدار (بصورة أو بأخرى). ونظراً لأهمية هذا الرافد التمويلي الأخير، فقد اضطر الأسد للطلب علانية، بنقل المصانع إلى المناطق التي يسيطر عليها، والأصح إلى المناطق التي لا تزال موالية له طائفياً، وتحديداً في المناطق الساحلية من البلاد.
لا اقتصاد في سورية. وما هو موجود ليس سوى حراك مالي، يستند في كل نشاط له، إلى ''النظرية'' الاقتصادية لـ آل كابون، وغيره من قادة العصابات الخارجة عن القانون والأخلاق. ولا غرابة في ذلك. فهذا النظام، لم يحول فقط الاقتصاد إلى قطاع ''مافيوي''، بل جعل من جيش البلاد نفسه عصابة كبيرة بعديدها وغياب أخلاقها. وأولئك الذين لا يزالون يسألون لماذا لم ينهر الاقتصاد؟ غاب عنهم، أن الاقتصاد (أي اقتصاد)، يحتاج أيضاً إلى بلد كي يحظى بهذه الصفة. كانت سورية قبل الثورة الشعبية العارمة، أكثر من ''مزرعة'' وأقل بكثير من بلد. وهذه الثورة لم تقم إلا من أجل أن يستعيد البلد مقوماته، وفي مقدمتها الاقتصاد. إن ما يجري ليس سوى إعادة ولادة، لكنها صعبة.. صعبة جداً.

الثلاثاء، 12 مارس 2013

واشنطن.. «تخدير» صندوق النقد دون عملية جراحية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«العالم محكوم بمؤسسات غير ديمقراطية: صندوق النقد والبنك الدوليين، ومنظمة التجارة العالمية»
خوسيه ساراماجو - شاعر وأديب برتغالي


كتب: محمد كركوتـــي


على حكومات الصين والبرازيل والهند، وغيرها من تلك التي تستحق دورا أقوى وأكثر أهمية في صندوق النقد الدولي، أن تنتظر أكثر، كي تلوح أمامها (وأمام العالم) بوادر الإصلاحات التنظيمية والإدارية والتصويتية في ''الصندوق''. هذه القضية باتت تشكل أزمة صامتة مرة وصاخبة مرات عدة، وتتشابه (بصورة أو بأخرى) مع مجلس الأمن الدولي، في مسألة تمرير القرارات، مع فارق واحد، وهو أن صوتا واحدا في ''الصندوق'' هو الذي يتحكم بالنقض (الفيتو)، ''تصيح'' به الولايات المتحدة، بينما هناك خمسة أصوات ''تصيح'' بهذا (الفيتو) في المجلس المذكور. واحد لأمريكا طبعا. المصيبة الأكبر أن تنسحب ''معطلات'' إصلاح ''المجلس''، على ''معطلات'' إصلاح ''الصندوق''. وقد يعني هذا، أن حربا عالمية ثالثة باتت ''ضرورية'' لإتمام الإصلاح! كما يحب أولئك الغاضبون من واشنطن، أن يتخيلوا.
لعل السؤال الأكثر اعتدالا فيما يتعلق بصندوق النقد الدولي، هو ذاك الذي يُطلق على الشكل التالي ''هل إدارة الصندوق تجاوزها الزمن؟'' وهي صيغة لا علاقة لها بالمتطرفين في الإصلاح المنشود، أو المانعين له. كما أنها محقة، خصوصا أن ''الصندوق'' لم يشهد إصلاحاً أو تعديلاً تنظيمياً - إدارياً يذكر منذ تأسيسه في العام الذي انتهت فيه الحرب العالمية الثانية. ظل مثل شركة عاملة ينتظر الورثة موت الأب لتطويرها، فهذا الأخير (عادة) يرى في التطوير موتا ليس للشركة فحسب، بل له شخصياً. ومع التغير المستحق للأزمنة، فإنها تتجاوز كل ثابت، وكل رافض للتغيير، دون أن ننسى، أن قوة الثابت توفر له مساحة زمنية للمقاومة. قد تطول، لكنها في كل الأحوال لا تدوم.
ومن هنا، يمكن القول دون تردد إن الزمن تجاوز إدارة ''الصندوق''، لكن هل لا تزال هذه الإدارة تملك ''الأسلحة'' لمواصلة المقاومة؟ وبصورة مباشرة، هل ستواصل الولايات المتحدة مقاومتها للتجديد الإداري والتنظيمي في ''الصندوق؟ فإذا كان الجواب بـ ''نعم''، كيف يمكن لإدارة باراك أوباما المضي قدماً في تسويق ''سياسة الإشراك'' التي ابتكرتها منذ وصولها إلى الحكم؟ إنها ''سياسة'' متميزة حقاً، لم تشهد الولايات المتحدة مثيلاً لها في تاريخها، لكنها لا تزال ''ممنوعة'' من دخول ''الصندوق''! ما يترك المجال لتساؤلات عديدة. في مقدمتها، هل اكتفت واشنطن بالسماح بـ ''أوروبية'' مدير الصندوق فقط، بصرف النظر عن جنسيته؟ الواضح تماماً، أن الولايات المتحدة ليست مستعدة بعد لخوض غمار التغيير والتجديد في هذه المؤسسة العالمية المحورية، بصرف النظر عن بعض إخفاقاتها التي أظهرتها الأزمة الاقتصادية العالمية على السطح.
الذي يحدث الآن، أن إدارة أوباما تتبع أسلوب التخدير في هذه المسألة دون أن تُشرع بتنفيذ العملية الجراحية، وتحاول أن تستوعب ما أمكن لها من الانتقادات (حتى الهجوم) باعتبارها السد المنيع لإصلاح ''الصندوق''. فلا غرابة إذن، أن نسمع تصريحات لمسؤولين كبار من بينهم وزير الخزانة الأمريكي نفسه، يعلن عن ماذا؟ عن ''ضرورة منح المزيد من الأصوات للدول الناشئة!''. يُذكِّر هذا بتصريحات أمريكية تاريخية حقاً عن أن ''أيام بشار الأسد معدودة''، متى؟ منذ بدء الثورة الشعبية ضده. وهو ما يترك المجال أمامنا، للتساؤل. هل الأيام المقصودة ضوئية أم أرضية؟ وعلى هذا المنوال يتحدث الأمريكيون عن إعطاء الدول الناشئة المزيد من الأصوات، ولكن مع وقف التنفيذ، بل وفي ظل ''تجميد'' أمريكي لأي تغيير مطلوب. وفي كل المناسبات لا تخفي مجموعة هائلة على الساحة الدولية كـ ''مجموعة العشرين'' امتعاضها من السلوك الأمريكي. فقد وصفت ''التجميد'' الأمريكي بأنه ''يضع سمعة صندوق النقد على المحك، ويؤثر في مصداقية قراراته''.
ومن الواضح، أن إدارة الصندوق نفسها ممثلة في مديرتها الفرنسية كريستين لاجارد، بدأت تشعر بالحرج الشديد من مسألة جمود عملية إصلاح صندوق النقد. ويبدو أنها استنفدت كل المفردات ''التخديرية'' من جانبها بهذا الخصوص، لأنها اضطرت مؤخراً لما يمكن أن نصفه بالاعتراف، حين قالت ''نرى نقطة الوصول. إنها قريبة، وأحض مجدداً الدول الأعضاء على عبورها''! ولكن مهلاً، هل هناك معابر حقاً؟! الجواب ببساطة هو: لا كبيرة. وإذا كانت هناك معابر بالفعل، فإن لاجارد (وغيرها)، لا تملك في الواقع صلاحيات على ''حراس'' المعابر. بالطبع لا تستطيع أن تقول: نحن معكم، ولكن الولايات المتحدة ليست كذلك. وعلى هذا الأساس لم تشر مديرة ''الصندوق'' ولا مرة واحدة، إلى الطرف المعطل.
لن تسير الأمور على صعيد إصلاح صندوق النقد بسرعة، بصرف النظر عن التصريحات الوهمية التي تصدر من هنا وهناك. ولهذه المشكلة التاريخية فرعان. فرع يتعلق بالإدارة الأمريكية، والفرع الآخر يرتبط بالكونجرس الأمريكي. فحتى لو وافقت إدارة أوباما غداً على الإصلاح والتغيير، فإن الأمر (حسب الإجراءات المتبعة) يتطلب موافقة الكونجرس الذي لن يمنحها بسهولة، هذا إذا قرر منحها فعلاً. ليس على الصين والبرازيل والهند ومجموعة العشرين سوى الانتظار. فالتخدير الأمريكي هو السائد حالياً لـ ''الصندوق'' المريض.

الأربعاء، 6 مارس 2013

بسبب القرض .. لا «تكفير اقتصادي» في مصر

المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«الوضع في مصر مستقر. نحن جاهزون للسياحة والاستثمارات»
محمد مرسي رئيس مصر



كتب: محمد كركوتـــي

يرى الرئيس المصري محمد مرسي، الوضع في بلاده مستقر في محاولة (تحمل بؤسها معها) لاستعادة سياحة ''هاربة'' من مصر، واستثمارات سبقت السياحة في هروبها، لكن الأمر على الأرض ليس كذلك. فالوضع غير مستقر، والأزمات الاجتماعية الناجمة عن الفوضى الاقتصادية تتزايد، والغلاء في ارتفاع، والاحتياطي من القطع الأجنبي في انخفاض، وبعض المعاشات في تأخر، والجنيه في ''تهالك''، والبطالة في أوجها، والحكومة منشغلة في إقناع صندوق النقد الدولي، بأنها لا تعتمد على قراءة الكف ولا البلورة السحرية، والضرب بالرمل، في رسم صورة مستقبلية للاقتصاد المصري، مقبولة لدى الصندوق. بعض التفسيرات المتداولة في مصر لما يجري للرئيس مرسي، أن ''عملاً معمول له''، وهذه التفسيرات يمكن أن تصادفها بسهولة على بعض المحطات الفضائية الموالية لمرسي! المصيبة هنا، تكمن في أن يترك هؤلاء العمل الحقيقي، ويركزوا اهتمامهم بـ ''فك العمل''.
بات القرض المؤجل أو المتعثر أو الصعب من صندوق النقد الدولي لمصر، ''نجم'' الاقتصاد والسياسة في البلاد. فالذي يتناول حيثياته وتداخلاته وطبيعته، ليس مرسي ولا رئيس وزرائه ولا المسؤولون المكلفون في متابعة القرض فقط، بل أيضاً ''صبيان'' المقاهي. والمثير أن بعض هؤلاء، أعطوا شرحاً يوازي قيمة الشروحات المقدمة من المختصين على صعيد القرض المنشود. وفي بعض الأحيان يفوقها قيمة! وليس غريباً (بالفعل) أن يطلق أحد ''صبيان'' المقهى حواراً قسرياً معك حول هذا الأمر، إذا ما عرف أنك كاتب. وليس صعباً، أن تعثر على نقاط ذات قيمة من كلامه. بما في ذلك، تأكيداته على ضرورة أن ''تمسك البلد'' حكومة ''تكنوقراط'' احترافية، في المرحلة الراهنة، تُبعد اقتصاد البلاد عن آثام ''أخونة'' المؤسسات والسياسات، وعن مضار الصراع السياسي، خصوصاً أن مرسي لا يستطيع أن يدعي تمسكه بأغلبية ساحقة أو كبيرة. فقد وصل إلى الحكم بفارق ضئيل جداً، مستفيداً من خوف كامن في الشارع المصري، من أي شخصية حُسبت في يوم من الأيام على نظام المخلوع حسني مبارك. فهو في الواقع استفاد من هذا الأخير بصورة مباشرة.
ومن المفارقات أن مرسي ونظامه، الذي يعيش أحلك أيامه الاقتصادية (والسياسية أيضاً)، وجد ضرورة لـ ''مغازلة'' فلول نظام مبارك من رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال، بصرف النظر عن نظافة أو قذارة هذه الأموال. فقد أرسل لهم، في زحمة الوصول إلى صيغة مقنعة لصندوق النقد الدولي، إشارات واضحة بالعودة المضمونة إلى الوطن، دون ملاحقات أو اتهامات أو ''تكفير اقتصادي'' إن جاز التعبير. فالذي يطلب من مفتي الجمهورية فتوى تحلل قرض ''الصندوق'' الذي لا يزال في مرحلة الوهم، لا مانع لديه في ''مغازلة'' الشخصيات القبيحة. فهو أمن الفتوى المطلوبة، وينتظر الآن شجاعة هذه الشخصيات. لماذا؟ لأنه ببساطة لا يستطيع الاستمرار في قيادة البلاد، بينما كل الأشياء فيها التي تستوجب الارتفاع تنخفض، والعكس صحيح، كل الأشياء الأخرى التي تتطلب الانخفاض ترتفع. والإخوان (بشكل عام) يحبون الشيطان وقت اللزوم، ومن هذا الحب ما أحيا، وإن قتل.
إن الـ 4.8 مليار دولار أمريكي (مجموع قرض ''الصندوق'')، بات المحور الاقتصادي الرئيس عند الرئيس في مصر. ولذلك كان على حكومة مرسي أن تقدم برنامجاً اقتصادياً مقنعاً لـ ''الصندوق''، لتسهيل الوصول إلى القرض. وهذا البرنامج، هو عبارة عن توقعات مالية للحكومة، وفقاً للخطة المعدلة، التي تستند إلى إجراءات متعلقة تعتزم الحكومة تنفيذها. وإلى أن يأتي وفد ''الصندوق'' إلى مصر، على الرئيس المؤمن مرسي، أن يمهد الطريق بما يملك من قدرات وعروض، وقبل هذا وذاك، بما يمكنه أن يحقق على صعيد إزالة المخاوف والشكوك التي تحوم حول جودة إدارته للبلاد. فالقرض متوفر لكنه ليس جاهزاً بعد، والمشكلة التي تواجهها حكومة مرسي، هي المواءمة بين رضا ''الصندوق'' ورضا المواطن المصري. فما يُرضي الأول غالباً لا يُرضي الثاني. ورغم ''سطحية'' النظام القائم في مصر، في فهم السياسة والتاريخ، إلا أن استعادة أحداث 18 و19 كانون الثاني (يناير) عام 1977 من الذاكرة لا تحتاج إلى خبير. والإعفاءات الضريبية التي تضمنها البرنامج المقدم لـ ''الصندوق''، قد لا تكون ضامناً لرضا المواطن، خصوصاً في ظل تآكل مفرط للوضع المعيشي لهذا المواطن.
يعتقد رئيس الوزراء هشام قنديل، الذي قال يوماً :''لا أعرف، بس أنا متأكد، مع إني كنت شاكك''، أن بإمكانه رفع احتياطي البلاد من القطع الأجنبي إلى 19 مليار دولار بنهاية شهر حزيران (يونيو) المقبل، بعد أن تآكل هذا الاحتياطي ليصل مع بداية العام الجاري إلى 13.9 مليار دولار، بسبب النجدة المتواصلة للجنيه المتراجع. لكن الأمر ليس بهذه السهولة، فضلاً عن أن قيمة قرض ''الصندوق'' لن تكون كافية لسند الاقتصاد الوطني لمدة طويلة. والحقيقة أن هذا القرض معرض للامتصاص الفوري، من اقتصاد بات مثل الفهوات السوداء في الفضاء. دون أن ننسى، أن القروض التي تنفع في دولة، ليس بالضرورة أن تكون نافعة في دولة أخرى، خصوصاً في مصر، التي يوجد فيها الآن من يعتقد أن الرئيس ''معموله عمل''.

الأربعاء، 20 فبراير 2013

مصر تحتاج إلى الاقتصاد أكثر من السياسة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«نحن مثل امرأة تواجه مصاعب في حملها. علينا أن نعيد بناء الطبقات الاجتماعية في مصر، وأن نغير طبيعة الأشياء الراهنة»
نجيب محفوظ - روائي مصري


كتب: محمد كركوتـــي

كيف سيتلقى (على سبيل المثال) أي مسؤول في صندوق النقد الدولي الذي يوجه كل ''راداراته'' على مصر في الوقت الراهن، ''بلاغة'' تصريح رئيس الوزراء المصري هشام قنديل؟ هذا الأخير قال بالحرف في إحدى مقابلاته التلفزيونية الأخيرة: ''أنا ما أعرفش، بس أنا متأكد.. مع أني كنت شاكك''! أما لماذا قنديل بالتحديد؟ فلأنه المسؤول المباشر عن المفاوضات مع صندوق النقد، التي بدأت تأخذ شكل مفاوضات حل القضية الفلسطينية. وهي مفاوضات يعلق عليها نظام الحكم في مصر آمالاً كبيرة، على الرغم من أن ناتجها (إن تم بالفعل)، ستمتصه فوراً الأزمات الاقتصادية في البلاد. فهذه الأزمات باتت مثل الثقوب السوداء في الكون، تبتلع كل شيء يقترب منها، وكأنه لم يكن. أغلب الظن، أن مسؤول صندوق النقد، سيضيف تصريح قنديل إلى مجمل الفوضى التي يعيشها الحكم، وتكتوي منها مصر كلها. وأياً كان الموضوع الذي علق عليه رئيس الوزراء (حتى لو كان حول الطعمية).. فهو في النهاية ''لا يعرف، لكنه متأكد، رغم أن لديه شكوك''!
الذي يعرفه المصريون والعالم، أن تصنيف مصر الائتماني يقترب بخطوات متسارعة نحو مستوى تصنيف اليونان التي أعلنت العام الماضي إفلاسها رسمياً، وخضعت اقتصادياً إلى الوصاية والمهانة الأوروبية. فقد خفضت وكالة ''موديز'' العالمية تصنيف مصر الائتماني من ''بي 2'' إلى ''بي 3''، مؤكدة أنها ربما تقوم بتخفيض آخر لاحقاً. وخفضت (في طريقها) تصنيف خمسة مصارف، ثلاثة منها مملوكة للحكومة، واثنين مملوكين للقطاع الخاص. والذي يعرفه المصريون والعالم، أن تراجع احتياطي مصر من القطع الأجنبي شهد انخفاضاً دفعة واحدة بمقدار 1,4 مليار دولار أمريكي، ليصل الحجم الكلي الحالي لهذا الاحتياطي إلى حدود 13,6 مليار دولار، الأمر الذي أدى إلى النتيجة الحتمية، وهي تراجع متواصل لقيمة الجنيه، وبالتالي تصاعد مستوى معاناة المواطنين في كل مكان من البلاد. دون أن ننسى أن ''موديز'' لم تستبعد أن تخفض تصنيف مصر إلى ما دون تصنيف اليونان نفسها، إذا ما استمر الحال على ما هو عليه.
في ظل المشهد المصري الراهن، ليس مهماً من يحكم مصر.. المهم من يُديرها. والجهات الساعية لمساعدة مصر، سواء الدول أو المؤسسات الدولية المعنية، لا تتعاطى مع الحالة الراهنة للبلاد من منظور سياحي، بل من رؤية شاملة للوضع. والاتفاقات الاقتصادية التي تُوقع، هي أكثر الاتفاقات تطلباً لوضوح هوية أطرافها. فالمسألة باتت واضحة. لا تعاطي سريعا وفاعلا في المجال الاقتصادي مع مصر، قبل أن يظهر توافق وطني فيها. ولا توجد مؤشرات تدل على أن هذا التعاطي سيتفاعل في ظل استمرار حكومة قنديل، رغم كل المطالب التي ظهرت في الآونة الأخيرة بضرورة تغييرها، ليس فقط من قوى المعارضة، بل حتى من موالين لنظام الحكم الإخواني (باستثناء جماعة خيرت الشاطر داخل الجماعة!). فالحكومة فشلت في كل شيء، حتى في ''جملة مفيدة'' يطلقها رئيسها. ولكن يبدو أن الرئيس محمد مرسي لا يزال ''ينتظر'' وصول قرار إقالتها.
لهذا الانتظار عواقب اقتصادية هائلة، تضاف إلى العواقب الناجمة عن الإدارة السياسية لنظام الحكم. والسائد حالياً ليس سوى معاندة رهيبة للداخل والخارج، في حين تخلت دول كبرى عن هذا النوع من السلوكيات السياسية، واعتمدت ''الإشراك'' الوطني والخارجي وسيلة ناجعة لحل المشاكل، وإنهاء الخلافات، وتقليل الأضرار.. وفي أسوأ الأحوال، احتواؤها. إن مصر الآن، تحتاج إلى اقتصاد أكثر من احتياجها للسياسة. صحيح أنها لم تصل (اقتصادياً) إلى مرحلة الانهيار، ولكن ذلك دخل بالفعل دائرة الاحتمالات. ولم يبالغ المعارض محمد البرادعي عندما قال بوضوح: ''جميع دول العالم، أمريكا وأوروبا والخليج، لن يعطوا هذا النظام دعماً على الإطلاق. لا قرش أبيض ولا قرش أحمر، بما في ذلك صندوق النقد الدولي''. فالجهات المذكورة تنتظر لترى مشاركة وطنية حقيقية إلى جانب توافق وطني.
من دون هذا التوافق، ومن دون نظام حكم يدير لا يُدار، سيتواصل الهبوط الاقتصادي في البلاد، وسيجر معه المجتمع كله. تحتاج مصر الآن إلى تدخل سريع لا للنهوض، بل لوقف الانهيار الاقتصادي. فالخراب الموروث يغذيه خراب متجدد، بات يقرب صورة مصر شيئاً فشيئاً من حالة التماهي بين الخراب الذي كان والخراب الذي يكون. ولا شك في أن الخلاص من حكومة، ''لا يعرف رئيسها، لكنه متأكد، رغم أن لديه شكوكا''! هو بمنزلة خطوة أولى على طريق طويلة جداً، لبناء الثقة المفقودة داخلياً وخارجياً. فليس أسوأ للنظام الحاكم في مصر، من تقلص الفارق بينه وبين نظام المخلوع حسني مبارك. وكلما تقلص هذا الفارق، دنت ساعة الحقيقة لمن يحكم مصر. وهي نفسها الساعة التي مرت على مبارك، ومرت على أنظمة آمنت بأنها تمتلك لحظاتها ودقائقها، بعد أن دخلت في حرب ضد الزمن. إنها مسألة وقت دائماً. وأهم ما فيها أن الأوقات تتغير.

الثلاثاء، 12 فبراير 2013

مصائب كل الأقوام عند المصارف.. فوائد!

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«أكره المصارف. لا تقدم شيئاً إيجابياً إلا لنفسها. إنها الأولى دائماً في فرض الرسوم، والأولى أيضاً في الهروب من المسؤولية»
إيرل وورين - قاضي قضاة أمريكي راحل


كتب: محمد كركوتـــي

ليس أفضل من التزام المؤسسات المعنية بقرارات دولية صدرت من أجل إقرار حقوق (هناك قرارات لا خير فيها أصلاً). فمن مشاكل هذا العالم، أن القرارات العادلة غالباً ما تكون بلا آليات. وإن وجدت (هذه الآليات)، فالراجح أنها معطلة. وإن كانت تعمل، فالأكثر احتمالاً أنها بلا وقود. وإن توافر الوقود بعد معاناة، تصبح الآليات نفسها بلا قيمة! ولعل القرارات الدولية (العادلة مرة أخرى)، التي تنص على عقوبات محددة على الأنظمة أو الأفراد، هي من أكثر القرارات ابتلاء بعدم التنفيذ. وإذا حدث وتم التنفيذ، فلن يكون أكثر من تنفيذ جزئي، غالباً ما يكون لـ ''رفع العتب''، أو هروباً من ملاحقة ما، بصرف النظر عما إذا كانت هذه الملاحقة نظرية أو عملية. مع ضرورة الإشارة، إلى أن عمليات الاحتيال على العقوبات، تفوق هذه الأخيرة ''جودة'' وحراكاً، وتنشر معها السخرية من أولئك الذين قاموا بفرضها.
ولا يوجد احتيال ومكر وسرية في هذا المجال، لدى كل المؤسسات المعنية أكثر من المصارف الكبيرة والصغيرة. فهذا القطاع متشابك متداخل متشعب، تقف أمامه (في كثير من الأحيان) حكومات كبرى عاجزة عن العثور على آلياته السرية، أو صفقاته المشينة، أو منتجاته القاتلة، أو ألاعيبه الخطيرة، أو سلوكياته المُعيبة، أو حساباته الموبوءة. وإن حدث وتم ضبط جانب من هذه الجوانب، فالمسألة برمتها تنتهي لمصلحة المصارف .. كيف؟ بدفع غرامات، ولا بأس من طرد مسؤول كبير فيها. ولأن العقاب لا يرقى إلى جنس العمل، فالحراك المشين يبقى كما هو، أو يتراجع بعض الشيء، تماشياً مع الظروف الخارجة عن إرادة المتحركين فيه. والحق أن ''مصائب كل الأقوام عند المصارف فوائد''! بما فيها الحكومات نفسها، التي أسهمت في صناعة ''فرانكشتاين مصرفي''، لكنها اكتشفت أنها لا تملك الأدوات للسيطرة عليه!
مع موجات العقوبات الغربية المالية المتلاحقة على نظام سفاح سورية بشار الأسد، ظهر نوع من ''التملق المصرفي'' لدى عدد من المصارف بما فيها الكبرى جداً منها. لا بأس في ''التملق''، إذا ما كان يحقق أهدافاً أخرى لا دخل لها في العقوبات على الأسد. أو بالأحرى أهدافاً تدخل في سياق بعيد متصل. فجأة يعلن مصرف ''إتش إس بي سي'' البريطاني في الإمارات (ثاني أكبر مصرف على مستوى العالم)، أنه طلب من جميع السوريين الذين يملكون حسابات فيه، إغلاق حساباتهم في مدة لا تتجاوز الشهر، والبحث عن مصارف أخرى. لماذا؟ التزاماً بالعقوبات الغربية المفروضة على الأسد ونظامه. يبدو الأمر (للوهلة الأولى) خطوة ''مباركة'' بهذا الشأن، خصوصا أن الحكومات التي فرضت العقوبات تعاني حقاً في مسألة تنفيذها. لكن في الحقيقة، ليست خطوة المصرف المذكور كذلك، لأنها جمعت في الجرائم المالية التي يرتكبها الأسد وأعوانه، بين هذا الأخير، وموظف سوري صغير يعمل في الإمارات، لا يتعدى راتبه الشهري 1500 دولار أمريكي! وهذا المبلغ الصغير يدخل حسابه بصورة دورية لا لبس فيها، من جهة إماراتية لا لبس فيها أيضاً.
لا يمكن وصف هذه الخطوة الغريبة حقاً من جانب مصرف كبير جداً، إلا بأنها ''تملق مصرفي'' – إن جاز التعبير. هذا المصرف أجرى معاملات سرية مع نظام علي خامنئي الإيراني على مدى ست سنوات، فاقت قيمتها 16 مليار دولار أمريكي، ووفر له ما يحلم به من قنوات مالية سرية احتيالية دنيئة، ضارباً كل القوانين العقابية التي فرضتها الحكومات الغربية على إيران، واستفاد حتى نظام الأسد (الذي اتخذ من شعبه كله عدواً له)، من هذه القنوات وغيرها، نتيجة التداخل المالي الاحتيالي بين النظامين في كلا البلدين. لم يجد المصرف المذكور، طريقة أخرى لتملق الحكومات الغربية، في سياق إزالة أدران فضيحته هذه، إلا باستهداف أفراد سوريين، هم أنفسهم من ضحايا الأسد وخرابه. وربما ارتفع عدد العمليات التي قام بها (إتش إس بي سي) لصالح إيران وأعوانها، أكثر من عدد الموظفين السوريين الذين يملكون فيه حسابات مصرفية بسيطة في الإمارات. فحسب وثائق المصرف نفسه، بلغ عدد العمليات السرية المشينة الكبرى أكثر من 25 ألف عملية.
لا نعرف كيف يفكر القائمون على المصارف الكبرى، ولكن الذي نعرفه حقاً النتائج الناجمة عن هذا ''التفكير''، وإن كنا نستطيع (بدون مواربة) أن نصفه بـ ''التفكير المشين''، أو ''التفكير المريض''. والأهم من هذا، ألا تعتبر الحكومات الساعية لتنفيذ عملي للعقوبات المفروضة على الأسد وأعوانه، أن مثل هذه الخطوة، تمثل شكلاً من أشكال التنفيذ. لن يتضرر الموظفون والعمال السوريون من قرار المصرف البريطاني. فهؤلاء سيجدون مصارف أخرى بديلة تقبل بأموالهم الشهرية القليلة الواضحة، لكن الضرر الأكبر، أن يصبح ''التملق المصرفي'' منتجاً مصرفياً جديداً، يضاف إلى منتجات قاتلة سوقتها المصارف على مدى أكثر من عقدين من الزمن. بما في ذلك، حسابات سرية جداً للصوص والناهبين ومبيضي الأموال، وقاتلي شعوبهم، إضافة إلى ''بيع'' الأوهام، وتوفير القروض شرط أن يُثبت المقترض أنه ليس بحاجة للاقتراض!

الثلاثاء، 5 فبراير 2013

فلـ «يقتصد» مرسي في توقعاته الاقتصادية


(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






«التأخر واحد من أخطر أشكال الإنكار»
نورثكوت باركنسون - مؤرخ وروائي بريطاني



كتب: محمد كركوتـــي


وجب علي الاعتراف بأن التصريحات المتجددة للرئيس المصري محمد مرسي وأركان نظامه المعينين و''المتعاونين''، لا زالت تجرني إلى مواصلة الكتابة حول الاقتصاد المصري. والحق، أنها تستفزني للمواصلة، بل وتُشعل محفزات الواجب في هذا المجال، لماذا؟ لأن في هذه التصريحات من الأوهام ما يكفي لإثارة السخرية، وفيها من الأحلام ما يوفر سلسلة من ''الكوابيس'' الاقتصادية، وفيها من التخبط ما يجعل المتابع متسائلاً عن جديتها. وفيها أيضاً من ''البركات'' الاقتصادية ما يدفع للزهول، وفيها من الإنكار ما يؤهل الناكرين للعرض على أطباء نفسانيين. ويبدو أن مرسي لم يمر في حياته على ما قاله مارك توين الأديب الأمريكي قبل عقود: ''إن الإنكار ليس نهراً يجري في مصر''، ونسي (أو لم يطلع.. لا فرق) أن الإنكار كان ''المعول'' المحوري الفظيع للأزمة الاقتصادية العالمية كلها، التي قهرت دولاً لا تُقهر، وأن تحصين النفس بتصريحات وهمية المحتوى، لا يمكن أن يعمر حاجزاً دفاعياً مطلوباً.
من نصدق؟ مرسي أم البنك الدولي؟ مرسي أم وكالات التصنيف؟ مرسي أم بيانات البنك المركزي المصري نفسه؟ مرسي الذي قال يوماً: إن بيع السندات ''حاجة كويسة''، أم المستثمرين الهاربين بأموالهم خارج مصر؟ مرسي أم التسلسل المريع لانخفاض قيمة الجنيه المصري؟ مرسي أم تأخر رواتب الموظفين والمتقاعدين؟ مرسي أم لوائح الأسعار المرتفعة للمواد الاستهلاكية الأساسية؟ مرسي أم حجم الرغيف الذي يتعرض لـ ''الاختصار''؟ هناك من يقول- ممن يؤمنون بالأمل (فقط) دون عمل- إن من مثل هذه المقارنات لا تترك مجالاً للأمل، ولكنهم لا يعرفون أن الأمل نفسه هو شكل من أشكال إنكار الحقيقة، الذي يصدر عن مرسي وأركان نظامه، ليست سوى جرعات تخدير منتهية الصلاحية، وبالتالي بلا مفعول. وكل ما هو مطلوب من الرئيس المصري، أن يقدم رؤية اقتصادية حقيقية، ويستغل أن أحداً لن يطالبه ببناء اقتصاد وطني جديد خلال أسابيع أو أشهر. فالكل يعلم أن في مصر أزمات اقتصادية ترقى إلى مستوى الخراب.
ليس من مصلحة مصر أن يتوقع مرسي. فالعالم يرى نتائج توقعاته يومياً في مصر ميدانياً. والأمر ينطبق على ''آماله'' أيضاً. فقد توقع (حديثاً) أن ينتج الاقتصاد المصري 750 ألف وظيفة جديدة على أساس سنوي، وأمل (مع توقعه) أن يحقق هذا الاقتصاد نمواً يصل إلى 5,5 في المائة في العام المقبل، وبين 7 و8 في المائة في العام الذي يليه! بينما تنحصر توقعات البنك الدولي للنمو بـ 2,6 في المائة في العام الجاري، و3,8 في المائة للعام المقبل، و4,7 في المائة لعام 2015. المشكلة هنا، أن توقعاته وآماله هذه، لا تستند إلى أي عامل من العوامل الاقتصادية السائدة على الساحة. كان على الرئيس المصري، أن يراجع الأسباب التي دفعت وكالة التصنيف الائتماني العالمية ''فيتش'' إلى تخفيض تصنيف مصر في هذا المجال إلى مستوى (بي)، لكي ''يقتصد'' بتوقعاته وآماله. الأسباب ببساطة هي وفق التسلسل التالي: الاضطراب السياسي.. الضغوط على الاحتياطي النقدي.. تدهور الوضع المالي.. هروب رؤوس الأموال. وهذه الأسباب اتفقت عليها وكالتا التصنيف العالميتان ''موديز'' و''ستاندر آند بورز''، مع ضرورة الإشارة إلى أن الدين العام بلغ 1240 مليار جنيه مع نهاية السنة المالية، حسب البنك المركزي المصري.
لو تأخر الفرد (أي فرد) في فهم مصائبه الخاصة، فإن الأضرار الناجمة عن ذلك، لن تصيب غيره. ولكن إذا ما تأخر حاكم دولة، في فهم مصائب بلاده، فإننا أمام كارثة لا تصيب الأمة فحسب، بل تجعلها جزءاً أصيلاً من الحياة العامة. إن العجز في الاقتصاد المصري بشكل عام، لن يتقلص ويتراجع، إلا بتراجع العجز في فهم المشاكل والمصائب، التي يواجهها. وهذا لن يتحقق في سياق الذهنية والسلوكيات السائدة في ''مصنع'' القرارات الوطنية. هل يُعقل أن تكون مصر بلا رؤية أو مخططات اقتصادية واضحة وواقعية؟! هل يمكن منح الثقة لمرسي وأركان حكمه المعينين و''المتعاونين''، لإيمانهم الشديد بأن ''البركات الاقتصادية'' ستساهم في بناء اقتصاد جديد، تحتاجه البلاد، أكثر من أي احتياجات أخرى؟! وبعد أن تحولت التصريحات الاقتصادية (والسياسية أيضاً) لهؤلاء إلى ''اكتشات تلفزيونية'' ترفيهية، هل يوجد من يتوقع خيراً للاقتصاد المصري؟!
لا أحد يُحمّل مرسي مسؤولية الخراب الاقتصادي. فهو خراب مزمن كان رئيساً في زمن المخلوع حسني مبارك. ولكن الرئيس المصري ''الموجود'' يتحمل المسؤولية الكاملة على الخراب الذي يسود ساحة الإنقاذ. ولأن الأمر كذلك، فقد دخل التاريخ كأول رئيس يُحاسب مبكراً، في حين كان باستطاعته أن يكون أكثر الرؤساء في التاريخ تمتعاً بالتعاطف والتعاون، ليس فقط لورثته الثقيلة، بل لوجود حب طبيعي لمصر، لا يرتبط بوجود هذا الرئيس أو ذاك. ومن مصائب مرسي، أنه فشل في استثمار هذا الحب، بل نقله في الواقع إلى حالة توجس مريعة من المحبين أنفسهم! لقد نهب النظام الحاكم، أحلى مقدرات مصر. الحب المطلق لها.

الجمعة، 25 يناير 2013

البقاليات الفضائيات التحريضية

(المقال خاص بمجلة "جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج")








"الحياة لا تقلد الفن. إنها تقلد القنوات التلفزيونية السيئة"

وودي ألان ممثل أمريكي






كتب: محمد كركوتـــي

حسناً، بات إطلاق قناة فضائية عربية، أرخص تكلفة (طبعاً مالياً فقط)، من إطلاق أي وسيلة إعلامية أخرى، وفي أفضل الأحوال يوازيها من حيث التكاليف والإنفاق. فالفضاء واسع، والمؤسسات التي توفر خدماتها لهذه القنوات في النقل والبث، جاهزة طالما أن الفواتير تسدد في وقتها، في ظل مغريات كثيرة لاستقطاب المزيد من القنوات، بصرف النظر عن المعايير (بل والأخلاقيات) التي ينبغي أن تحاكي محتوى الفضائيات وأهدافها المعلنة والسرية. ومع إنخفاض تكاليف إطلاق قناة فضائية عربية، ترتفع بصورة مريعة التكاليف الناجمة عما تقدمه على المجتمع كله، بكل شرائحه وانتماءاته. وعلى وجه الخصوص، تلك "البقاليات" الفضائية التحريضية، التي تتعاطى مع الدين كمادة وحيدة في "خدماتها" المشينة، بأسلوب حاسم قاطع لا جدال فيه! في الواقع تقدم هذه الفضائيات مادتها كمُسَلَمات، لا تقبل الجدل، ولا النقاش، ولا حتى المراجعة في معلومة هنا وأخرى هناك. فما تقوله هو الحق المولود من الحقيقة! وغير ذلك لا قيمة له!
تجاوزت فضائيات التحريض، بعددها وقبحها، فضائيات الشعوذة والسحر، وتلك التي تخصصت في "حل" المشاكل المستحيلة عبر الشاشة، ولا بأس عبر الهاتف، التي سادت الفضاء العربي في الأعوام الأخيرة من العقد الماضي. وبدأت تنافس إلى حد كبير (في العدد والضرر) فضائيات الحظ والألغاز، وتلك التي تمنحك جائزة مالية كبيرة، إذا استطعت أن تحدد فروقات صورة واحدة في نسختين، لهيفاء وهبي أو نانسي عجرم أو جينفر لوبيز أو أنجلينا جولي.. وغيرهن. فضائيات التحريض هذه تقترب بسرعة فائقة (من حيث العدد أيضاً) من فضائيات الغناء المريع، التي تبقى أضرارها (رغم بشاعتها الفنية، وملوثاتها الصوتية) أقل حدة وخراباً من تلك التي تحرض على الكراهية والأذى والقطيعة، بل وحتى القتل. إنها مصيبة متعاظمة، لا تزال أقوى بكثير من الحملة (أو الحملات) ضدها، ومن جهود الصادقين فعلاً لقطع بثها، أو وضع حد لقباحاتها. فهذا الانتشار السرطاني لها، يتحول شيئاً فشيئاً، إلى جزء أصيل من الحراك التلفزيوني الفضائي العربي. ومعه أصبحت الكراهية وجهة نظر، والحقد رأي، والقتل حق، بدلاً من التسامح والمودة، وحق الفرد (أياً كان) في العيش.
أصحاب فضائيات التحريض، هم الوحيدون الذين لا يرمون زبالتهم جانباً، بل يقدمونها على شاشاتهم المشينة. ولو طبقت عليهم المعايير والأنظمة الخاصة بالبث التلفزيوني في الدول الراشدة، لما بقيت قناة واحدة منها على الهواء، هذا إن لم يقدم أصحابها إلى المحاكم، بتهم شتى، أقلها نشر وبث الكراهية. علماً بأنه، لايزال هناك عدد كبير من العرب، يعتقدون بأن الدول الغربية (على سبيل المثال)، لا تطبق معايير صارمة على البث التلفزيوني. ولو قورنت معاييرها بالفعل مع المعايير العربية في هذا المجال، لوجدوا أنها أقسى وأقوى، وأشد صرامة، وأن العقوبات التي تُفرض على المخالفين، هي أيضاً كذلك، أشد وأقوى وأقسى. لا توجد حلول وسط. فالهيئات والجمعيات الرقابية الحكومية وغير الحكومية، لا تساوم في أمر تعتبره محورياً للحياة العامة والمجتمع.
ماذا تقدم فضائيات التحريض؟ الطائفية بأبشع صورها وأشكالها بل وألفاظها. وتقدم أيضاً المادة الكفيلة بما يمكن وصفه "شقاق المذاهب"، إلى جانب الحض الممنهج على التكفير، وإقصاء الأفكار التي ليس بالضرورة أن تكون معارضة لها، بل لا تتفق معها بشكل متطابق! تعتمد التجهيل استراتيجية لها، وتتعاطى مع التفكير كشيء مدنس ملوث، بل بعضها ينظر إليه كسرطان ينبغي استئصاله، ومسؤولية المتلقي (إذا كان مؤمناً صالحاً!!) أن يُجري عملية الاستئصال هذه! إنها ببساطة مجموعة من الاستديوهات تبث أبشع مادة بأقبح صورة ممكنة، تصل إلى كل المتابعين لها من كل الشرائح المجتمعية، بمن فيها شريحة الأطفال التي تحظى بكمية هائلة من المواد التلفزيونية القاتلة.
أمام هذه الحقائق، تبدو الفضائيات الأخرى (مهما كانت أضرارها) أقل أذى. وتنطلق الأسئلة في الوقت نفسه، حول الأسباب التي تجعل فضائيات التحريض مستمرة ومتواصلة ومتوالدة ومؤثرة. صحيح أنه لا ينقص أصحاب هذه الفضائيات التمويل. فتمويل الكراهية دائماً متوفر بدون حساب، ودعم الحرب ضد التسامح لا يتراجع. لكن الصحيح أيضاً، أن هؤلاء لا يملكون كامل الأدوات الفنية لتحقيق أهدافهم بفضايات مريعة. وهنا تتحول الأسئلة إلى مؤسسات الاتصالات الفضائية العربية، التي توفر لكل القنوات في المنطقة إمكانية البث والوصول إلى كل المناطق العربية قاطبة. ولعل السؤال الأهم الذي يطرح على الساحة الآن هو: إذا استطاعت هذه المؤسسات أن توقف فضائيات الشعوذة والسحر وجلب الحظ وقراءة الكف والبلورة، وهي بذلك قامت بواجبها الاجتماعي الإنساني، والتزمت برسالة الإعلام الأخلاقية، فضلا عن شرف المهنة نفسها.. فلماذا لا تزال فضائيات التحريض على الهواء؟!
لا يمكن أن يكون المبرر لاستمرار هذه الفضائيات، أن مؤسسات الاتصالات الفضائية تسعى إلى الربح المادي، ورفع مستوى المبيعات، وتحقيق موازنة مالية جيدة نهاية العام. فهذه ليست سلع تموينية أو استهلاكية مختلفة. إنها "سلع" لا تخضع لمتطلبات السوق، ولا لاحتياجات الفرد، ولا لحراك التجارة. إنها ببساطة "سلع" حساسة تنشر الأوبئة الاجتماعية والأخلاقية المختلفة. وعلى هذا الأساس، ينبغي التعاطي معها، وبسرعة توازي سرعة انتشارها. فأي تباطؤ في هذا المجال، يحقق هدفاً مريعاً ومخرِباً في قلب المجتمع العربي. دون أن ننسى أن الأهداف كثيرة، وجاهزة للتسديد.
المطلوب الآن (وليس وغداً)، التقدم بأسرع ما يمكن لوقف هذه الفضائيات السرطانية التحريضية الناشرة للأوبئة بقوة الكراهية والحقد. وإلا فإننا سنشهد انتصاراً، قد تصعب مواجهته في المستقبل، لجهات تسعى إلى الاستحواذ على المجتمع بكل ما تملكه من إمكانيات. وإذا ما تم ذلك فعلاً، فإن هذه الجهات قد تستطيع يوماً( لن يكون بعيداً) أن تملك كل الأدوات. إننا اليوم في ظل معركة، ليس حرباً، ومن الأفضل أن تنتهي وهي بهذه المرحلة لا بعدها.


الثلاثاء، 22 يناير 2013

مزلقان الحكم

(المقال خاص بجريدة "الجماهير" المصرية)









كتب: محمد كركوتـــي


الحق على المرشد. لا، الحق على الشاطر. لا، الحق على مرسي. لا.. لا الحق على الثلاثة مجتمعين. هؤلاء الثلاثة لديهم ما يقولونه أيضاً: الحق على مبارك! .. الحق على فلوله! بل: الحق على عبد الناصر والسادات. وهم مستعدون لرمي الحق على الخديوي اسماعيل نفسه! لكن هناك في مصر من يقول: الحق على الأربعة الأول (المرشد، الشاطر، مرسي، مبارك).  على اعتبار، أن ما وَرَثه مبارك من مصائب (ومصاعب) حافظ الثلاثة الآخرون عليها! وفي أحسن الأحوال فشلوا في التخلص منها، أو أُخفقوا في الوصول إلى آليات تدمرها وفي استراتيجية (ولو نظرية) تخفف من محنها قبل تدميرها. وفي كل الأحوال، فإن صدى الاتهامات  الموجهة لمرسي وأركانه المُعينين، وأولئك "المتعاونين"، يظل هو الأعلى، ويبقى الصدى الأكثر وصولاً. لماذا؟ لأنهم ببساطة هم وحدهم يملكون مفاتيح الحكم، ومعها مصنع القرارات.
إنه "مزلقان" الحكم بالنسبة لمرسي وأركان جماعة الإخوان المسلمين، وبسببه تنهال عليهم المصائب، تماماً كما المصائب التي تنهال على الشعب المصري، من مزلقانات القطارات. كان على مرسي، أن يقرأ فقط ما كتبه أحد المصريين بظرافة وبراءة في آن معاً على صفحته على "الفيس بوك"، لكي يفهم الحالة السياسية التي "ابتكرها" والتي ارتضاها لنفسه. المصري الظريف-الحزين، جاءت مشاركته على صفحته على شكل إقرار موقع من ركاب القطارات، يعلنون فيه "أنهم يقطعون تذاكرهم وهم بكامل قواهم العقلية، وأنهم هم وحدهم يتحملون الأضرار (التي سيصابون بها) الناجمة عن الحادث الذي سيقع حتماً"! لقد وقع مرسي و"إخوانه" على إقرار مشابه، لكن ليس لركوب القطارات التي أصبحت محطاتها الأخيرة في المزلقانات، بل لتسييرها وتسيير البلاد معها. فما عليهم سوى أن يتحملوا الأضرار الناجمة عن إقرارهم.
ومن هنا تكتسب الاتهامات الموجهة لهم صداها الأعلى الصارخ. فـ "مزلقان" الحكم لا يزال قديماً وإن تجدد العابرون من خلاله، بل لنقل: المنتهون فيه. عندما ورث الألمان بلادهم من مدمرها هتلر، لم يقولوا: الحق على هذا الأخير. وكذلك الطليان الذين أعادوا بناء روما، لم يقولوا: الحق على نيرون. وحتى عندما استرجعت ألمانيا الغربية، شطرها الشرقي بمصائبه وهمومه وخرابه وانهياراته، لم يقل المسترجعون:الحق على إريك هونيكر حاكم ذلك الشطر. وهؤلاء كلهم أتوا إلى الحكم عبر طريق سياسي عريض واضح المعالم، لم يأتوا إليه بـ مزلقان" سياسي. يضاف إلى ذلك، أن الجودة السياسية لهؤلاء، لا تقارن بالجودة السياسية (إن وجدت أصلاً) عند مرسي ونظامه.
إن أفضل طريقة لنجاح الإخوان المسلمين في حكم مصر، أن يتحول الشعب المصري كله، إلى "شعب سري". على اعتبار أنهم متخصصون في العمل السري، بل هم "فلاسفة" له. لكن هناك مصيبة كبيرة تواجههم. فإذا كان كل شيء في هذه الدنيا قابل لأن يكون سرياً، فالشعوب تبقى الاستثناء الوحيد، والشعب المصري بالتحديد.