الثلاثاء، 15 يونيو 2010

محاكمة "عبقري"؟!


( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")









" هناك ثلاثة أشياء في هذا العالم لا تستحق الرحمة.. النفاق والاحتيال والطغيان"
القس البريطاني فريدريك وليام روبرتسون

 
 
محمد كركوتــي
 
في أحد أيام العام 1995، اتصل واحد من كبار المدراء في مصرف " بارينجز" Barings – أقدم المصارف الاستثمارية البريطانية تأسس عام 1762 – بمدير ديوان الملكة إليزبت الثانية ملكة بريطانيا – أكبر وأشهر مستثمرة في هذا المصرف – ليبلغه بأن المصرف في طريقه إلى الانهيار التام، وليعرب عن أسفه لصاحبة الجلالة، التي درجت على استثمار أموالها "مطمئنة" في المصرف!. لم يصدق مدير الديوان ما سمعه، من فرط صدمته بالخبر. حَسِب وقتها، أن هذا الاتصال ليس سوى نكتة أو مقلب من تلك التي تستهدف عادة الأسرة المالكة في بريطانيا، لاسيما من جانب مُخبري الجرائد الصفراء الباحثين عن خبر صادم هنا، ومعلومة عجيبة هناك. ولكن لم تدم حسابات مدير الديوان طويلاً، فبعد ساعات، أُعلن رسمياً عن انطلاق عملية بحث، للقبض على نيك ليسون ( 28 سنة) السمسار الذي يعقد الصفقات في بورصات آسيا ( لاسيما سنغافورة وهونج كونج) لحساب "بارينجز". فهذا الهارب الذي كان يلقبه رؤساؤه بـ "الشاب المعجزة"، كبد مصرفه خسائر بلغت 1,3 مليار دولار أميركي، في صفقات عقود آجلة، وحوَل المصرف بين ليلة وضحاها، إلى مجرد خزائن ليس فيها دولار واحد!. وبين ليلة وضحاها أيضاً، تبدل وصفه من " الشاب المعجزة"، إلى التاجر المارق Rogue Trader .

في العام 2008، أعاد التاريخ نفسه، ولكن على الجانب الآخر من بحر المانش، في فرنسا، عندما صدرت مذكرة توقيف بحق سمسار الأسهم جيروم كيرفييل ( 33 سنة) ، الذي كان يُوصف من قِبل رؤسائه بـ " الشاب العبقري"!. لماذا؟ لأنه كبد مصرفه "سوسيتيه جنرال" Société Générale – ثاني أكبر البنوك الفرنسية تأسس عام 1864 – خسائر بلغت 7 مليارات دولار أميركي. وهذه الخسائر هي الأكبر التي يسببها متعامل أو سمسار واحد في تاريخ المصارف قاطبة. فقد لعب كيرفييل بهذه الأموال، في عمليات "عبقرية"، أدخلته التاريخ من الباب الخلفي، وهو نفس الباب الذي دخل منه "المعجزة" ليسون، مع المُطبلين لهما على جانبي المانش. هذا الأخير حُكم بالسجن ست سنوات ونصف السنة بعد أن أعلن " بارينجز" إفلاسه، لكنه خرج بعد أربعة أعوام، بسبب إصابته بسرطان القولون. وبعد عامين تقريباً من جريمته، تبدأ محاكمة كيرفييل، مع اختلاف وحيد بين "المعجزة والعبقري"، هو أن جريمة الفرنسي وقعت بينما شرارات الأزمة الاقتصادية في أوجها، في حين كان الاقتصاد العالمي في منتصف تسعينات القرن الماضي، مستقراً، بل ومزدهراً، بصرف النظر عن معايير الازدهار آنذاك.

في هذا النوع من القضايا، نادراً ما يكون هناك مجرم أو محتال أو سمسار أو تاجر مارق واحد فقط. هي من تلك التي تضم "أبطالاً" من كل المستويات. السمسارة – بالتأكيد – هم في المقدمة، لكن المُحرِكين – بل لنقل المُحرِضين – يحتلون المقاعد الرئيسية في "غرفة التحكم"، إنهم يوقعون على صرف الأموال لهؤلاء السمسارة، بصورة أوتوماتيكية بغية جني الأرباح، وعندما تجري الرياح بما لا يشتهون، يواصلون التوقيع على أذونات الصرف، من أجل تعويض الخسائر. لا يختلفون كثيراً عن المقامرين، الذين يواصلون اللعب والاستدانة في محاولة عبثية لتعويض الخسائر. هؤلاء لا يريدون أن يقتنعوا بحقيقة، أنه ليس هناك رابح دائم في المقامرة، بل هناك خاسر مؤكد فيها!. ويتجنبون الاعتراف بجدوى الحفاظ على ما تبقى من الممتلكات، كسبيل وحيد للحد من الخسائر، والتأسيس عليها للانطلاق مجدداً نحو مزيد من العوائد، أو على الأقل لتفادي الانهيار. ولذلك فهم يتحولون فوراً من تجار ومستثمرين، إلى مقامرين وسمسارة في تجارة وهمية، ورقية، فقاعية، آنية. فعندما تنتفي المعايير التجارية، تنتفي معها عوامل الاستدامة.

يقول الفيلسوف والأديب الإغريقي سوفوكليس :" من الأفضل أن تفشل بشرف، على أن تنجح بالاحتيال". ويتفق معه السياسي والأكاديمي البريطاني تشارلز سيمونز، بعد قرون من الزمن تفصلهما عن بعضهما البعض، حين يقول :" إن أهم جزء من الاحتيال، هو المزيج بين الخزي والعار". خلال عملي الصحافي الطويل في لندن قمت بمتابعة قضية ليسون من بداياتها. وفي مقابلة خاصة معه آنذاك قال لي "المعجزة: "نعم .. لقد قمت بمضاربات قاتلة، في سياق محاولات لاستعادة الخسائر التي مُنيت بها في عمليات الشراء والبيع في البورصة. نعم قمت باستغلال كل ما أمكن من علاقاتي في (بارينجز)، من أجل الحصول على موافقات لضخ مزيد من الأموال في البورصة، وقمت ببعض المخالفات، ولم تكن هناك طريقة أخرى، لتقليل الخسائر". ولكن هل ضاربت حتى الموت؟ كان هذا سؤالي التالي له. يرد ليسون: "ضاربت لكي أستعيد خسائري، لكن حسابات واتجاهات الأسواق وقتها حوَلت مضارباتي، إلى أداء يتناغم مع الموت"!.

لايمكن لأي مسؤول كبير أو صغير في "سوسيتيه جنرال"، أن يقول عكس ذلك في حالة "العبقري" كيرفييل. فالتداعيات – كما العوامل – واضحة وواحدة. والتساؤل الأكبر هنا: هل يمكن لأي سمسار أو مضارب أو وسيط – لنختر ما نشاء من تسميات – أن يحصل على هذا الكم الهائل من التمويل المالي، دون معرفة أي من المسؤولين الذين لابد أن يوقعوا على التحويلات المالية؟. فالمبالغ ليست بالآلاف أو بعشراتها أو مئاتها، بل بملايينها. ومهما قال المسؤولون في المصرف الفرنسي عن أن العملية التي قام بها كيرفييل استندت إلى تحويلات بسيطة، تمت التغطية عليها بأساليب معقدة، لكن من المؤكد أن بعض الأشخاص المشرفين مباشرة على هذا السمسار، قَبلوا أن يدخلوا معه المجازفة، ليس حباً فيها، بل من فرط وهمٍ باستعادة خسائرهم، دون الاعتراف بالحقائق التي تحكم الأسواق، والتي لا ترحم أحداً، مهما كانت كريمة في بعض الأحيان. فالمجازفة الصغيرة تؤدي إلى مكاسب كبيرة، وتؤدي أيضاً إلى خسائر بحجمها، والأمر كذلك مع المجازفة الكبيرة التي تقود إلى أرباح أكبر، وتقود أيضا إلى خسائر تسبب انهياراً لمؤسسات بأكملها.

المضحك في قضية كيرفييل، أن هيئة تنظيم قطاع المصارف الفرنسية، فرضت في يوليو/ تموز من العام 2008 غرامة مالية قدرها 6.3 مليون دولار أمريكي بحق "سوسيتيه جنرال". وماذا فعلت أيضاً؟ وبخت المصرف على الإهمال والتقصير، لأنه أُخفق في رصد المشكلة والتعامل معها قبل أن تتفاقم!. والمشكلة التي تواجه السلطات في كل أنحاء العالم، أن القوانين المعمول بها ضد عمليات الاحتيال، لا تزال دون مستوى زخم آليات الاحتيال نفسه. ففي الوقت الذي تشهد فيه هذه العمليات، ولادة "ابتكارات" جديدة على مدار الساعة، لا تزال القوانين هي نفسها المعمول بها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

حينما وقع العبقري كيرفييل، وفي الوقت الذي كان فيه رؤساؤه يحصون الخسائر، كتبت مقالاً بعنوان "ثقافة الكازينو"، أردت من خلاله، أن أربط سلوكيات سماسرة الأسهم، بأخلاقيات وممارسات المقامرين. نعم هي كذلك. فالخاسر ( المقامر) الذي يريد أن يستعيد خسائره يلعب بكل ما هو متاح وغير متاح، ويرتكب كل الأفعال مهما كانت مُشينة، خصوصاً إذا ما دخل حالة التورط الكامل. وما فعله ليسون وبعده كيرفييل، لم يكن سوى محاولات مقامرين لتعويض الخسائر، التي كانت أرباحاً في يوم من الأيام. فعندما تبدأ ذهنية المقامر بالعمل، تنسحب حكمة المراقب (اللاعب) المالي وفطنته من الساحة.

الثلاثاء، 8 يونيو 2010

مَنْ قال إن صناعة السلاح في أزمة؟!


( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")





" القوة العسكرية تكسب المعارك، والقوة الروحية تكسب الحروب"
وزير الخارجية والدفاع الأميركي الراحل جورج مارشال


محمد كركوتــي


في كتابي الأول عن الأزمة الاقتصادية العالمية الذي صدر في مايو من العام 2009 عن "مركز الإمارات للدراسات الاقتصادية" بعنوان " في الأزمة"، خصصت صفحات عن السلاح والأزمة، أي عن النفقات العسكرية، ومدى تأثرها في هذه الأزمة التي أثَرت على كل شيء في هذه الدنيا. وقد عبَرت وقتها عن مواقف هي أكثر من الاستغراب وأقل من الصدمة، من جراء عدم تأثر الصناعة العسكرية سلباَ بالتداعيات الاقتصادية الحارقة، بل والماحقة. وقد استحقت هذه الحالة عنواناً وجدته مُعبراً، هو "السلاح في وجه الأزمة"!. فبينما كانت دول وحكومات تترنح تحت لكمات الأزمة وضرباتها التي أضحت أوتوماتيكية، كان صانعو السلاح في زحمة انشغالهم، بحساب العوائد المالية الهائلة التي تصب في خزائنهم. لقد كانوا أشطر الأثرياء قاطبة، فهم لم يستثمروا هذه العوائد بشراء رهون عقارية، سرعان ما تحولت إلى أموال وهمية. ولم يشتروا أسهماً في شركات متلألئة بأضواء ساحرة من الخارج، وخراب مريع من الداخل. ولم يضعوا الأموال في مصارف لا خزائن فيها، أو مؤسسات كانت عاجزة حتى عن تسديد رواتب موظفيها.

وفي المحصلة.. عزز السلاح سمعته بأنه " قطاع" لا يُقهر ولا يتزعزع، وأنه يزدهر في أوقات الأزمات الاقتصادية، وأزمنة المحن المعيشية، وأن هذه الأزمات – مهما بلغت حدتها - تظل متأخرة عنه ولو بخطوة واحدة على الأقل، على عكس المؤسسات والشركات العالمية التي كانت تتباهى – قبل الأزمة - بأن قوة لم توجد بعد للنيل من مكانتها، بل أن بعضها كان يفتخر بأنه أقوى من بعض الدول. في عز الأزمة، لم يتخلف مصنع واحد للسلاح، عن المشاركة في المعارض العسكرية، بل أن الحجوزات المستقبلية لهذه المعارض ارتفعت ( شاركت في معرض الدفاع الدولي 2009 الذي يعقد كل عامين في أبوظبي 900 شركة للإنتاج العسكري من 48 دولة، بزيادة بلغت 20 في المائة على الدورة التي سبقتها )، بينما كانت "الحجوزات" الحكومية تُلقى على الشركات والمؤسسات غير العسكرية، من أجل وقف انهيارها، وتوفير أكبر قدْر من الحماية الممكنة للأموال العامة والخاصة. فصناعة السلاح، يمكنها أن تقدم – هي نفسها– الحماية للحكومات!. المال متوفر، والطلب على منتجاتها يزداد على مدار الساعة. والأموال التي تحتاجها مدرسة أو مستشفى أو بحوث علمية أو كارثة بيئية وإنسانية، تُحرَم عليها، وتُقدم خالصة لتوفير السلاح!.

في أقل من عامين على اندلاع الأزمة العالمية، بلغ حجم الإنفاق العسكري مستويات تاريخية، توازي تاريخية الأزمة نفسها. وعلى الرغم من تبدل الأولويات – بفعل الأزمة- ظل هذا الإنفاق متقدماً بخطوات "رشيقة" وقوية في آن معاً، لا تهزها قوة، ولا يقف في طريقها عائق. وفي هذا العالم معهد، اتُفق على نزاهته وحرصه على جودة إحصائياته وأرقامه هو "معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام" Stockholm International Peace Research Institute المعروف اختصاراً بـ SIPRI والذي يتخذ من العاصمة السويدية استوكهولم مقراً له. وطبقاً لهذا المعهد، فإن العالم خصص 1531 مليار دولار أميركي (1244 مليار يورو) للقطاع العسكري في العام 2009، مرتفعاً 5,9 في المائة عن مخصصات العام 2008، و49 في المائة عن ما أُنفق في العام 2000، بالأسعار الثابتة. وإمعاناً في النزاهة والدقة، فقد أعلن المعهد، أنه يقدم إحصاءات الإنفاق العسكري لـ 65 في المائة من الدول التي تمكن من الحصول على أرقام منها في هذا المجال، أي أن الأموال التي أُنفقت لا تشمل 35 في المائة من بقية دول العالم!.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة الأميركية للعثور على دولار هنا وآخر هناك، للإيفاء بخطط الإنقاذ المالية الضخمة التي خصصتها للمؤسسات والشركات الفاشلة والمنهارة، واصلت تسيُدها للمشهد " الإنفاقي" العسكري!. فقد أثبتت مرة أخرى، أن تغيير الإدارات الحاكمة فيها، لا يؤدي بالضرورة إلى انتهاج سياسة إنفاق عسكري معتدلة، بصرف النظر عما يقال، بأن عمليات حفظ السلام، تتطلب زيادة الإنفاق. فهذه العمليات في الواقع ( تُقدر تكلفة مهمات قوات حفظ السلام التي تتكون من 54 بعثة دولية بـ9,1 مليار دولار في العام 2009، بينما خصصت واشنطن 65 مليار دولار لعملياتها العسكرية في أفغانستان في ميزانية العام 2010 وقدرت ميزانية العمليات في العراق بـ61 مليار دولار)، لا تحتاج إلا إلى جزء يسير من هذا الإنفاق، الذي بلغ في العام 2009 أكثر من 661 مليار دولار، بزيادة 47 في المائة عن العام 2008. وحسب المعهد نفسه، فإن الزيادة الأميركية تشكل أكثر من نصف الزيادة في العالم (54 في المائة). من يأتي في المركز الثاني؟ الصين بـ 100 مليار دولار ، ثم من؟ فرنسا بـ 63,9 مليار دولار. وحسب إحصاءات العام 2008 تنفق دول حلف شمال الأطلسي ( الناتو) المكون من 28 دولة أكثر من 825 مليار دولار سنوياً، بينما ينفق الاتحاد الأوروبي، وفق نفس زمن الإحصاءات أكثر من 254 مليار دولار. وهذه الأرقام شهدت بالطبع ارتفاعاً كبيراً في الأشهر الـ 18 الأولى من عمر الأزمة الاقتصادية العالمية!.

يقول الرئيس الأميركي الراحل دوايت أيزنهاور: " كل مسدس يُصنع، وكل سفينة حربية تُبنى، وكل صاروخ يُطلق.. إنها بمثابة سرقة جائع"، ومهما حاول البعض تجميل صورة حالة الإنفاق العسكري، فإن الغالبية العظمى من دول العالم، وفي مقدمتها الدول الكبرى، لا تزال تضع الإنفاق العسكري، خياراً استراتيجياً، حتى في ظل الركود أو الكساد الاقتصادي، وحتى لو وضعنا في الميزان، نفقات عمليات حفظ السلام، ومكافحة الإرهاب والمخدرات!. ومثل هذا الخيار الاستراتيجي، يُعطل أو يُضعف، كل تحرك باتجاه التعاطي مع الضرورات الأخرى.. الإنسانية في مقدمتها، وبالطبع ينشر توتراً وارتياباً وشكوكاً في الأجواء، لا ينجم عنها سوى أزمة هنا وأخرى هناك. وتكفي الإشارة إلى أن ثماني دول نووية في هذا العالم ( الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا والهند وباكستان وإسرائيل)، تمتلك 8100 رأساً نووياً، من بينها حوالي 2000 رأس في حالة هجومية، ينقصها ضغط الزر فقط، لتنشر الموت والخراب والتشويه البشري المستدام!.

لا أحد يطالب بوقف تجارة السلاح. فهذه "السلعة" ضرورية لحماية الحدود، لاسيما في الدول التي تُنشد السلام، ولا تسعى إلى العدوان، وترغب في التنمية الداخلية، ولا تحب تصدير الأيديولوجيات إلى الخارج. غير أن عدد هذه الدول يظل أقل بمستويات مرعية، من تلك التي توجه السلاح إلى الجهات الخطأ، إضافة طبعاً إلى الحركات والمليشيات والحكومات المارقة التي تعيش على تجارة السلاح والقتل، وتستمد حياتها من عدم الاستقرار، ومن الفوضى التي تؤمن أفضل الوسائل المَعينة لـ "قُطاع الطرق". وإذا كانت هناك بعض الضوابط لإنتاج السلاح في الدول الكبرى، فهي غائبة تماماً في غالبية دول العالم، وإذا أردنا أن نضيف هماً آخر على هذه القضية، فإن معظم الصفقات العسكرية تتم بصورة سرية!. لن أتحدث هنا عن تجارة الأسلحة في السوق السوداء، التي لا تعمل عن طريق تجار، بل عصابات وسماسرة. وهذه لوحدها تندرج ضمن نطاق الإنتاج العسكري، سواء أكان شرعياً أم لا. ففي هذا العالم أكثر من 640 مليون قطعة سلاح خفيفة، تقتل ألف إنسان يومياً!. فكيف الحال بالسلاح الثقيل؟!.



الثلاثاء، 1 يونيو 2010

حكومات ومصارف ووكالات تصنيف.. مطلوبة للعدالة؟!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")


" ربما من الأفضل أن تكون غير مسؤول ومحق، بدلاً من أن تكون مسؤولاً ومخطئ"
رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرتشل


محمد كركوتــي

في زحمة "التعري الاقتصادي"، تنتشر الاتهامات بين المشتبه بهم، وتعم أجواء المشبوهين محاولات الهروب مما ارتكبت أياديهم، سواء أولئك الذين تركوا بصمات في مسرح الجريمة، أم لم يتركوا. فهم على عكس سبارتاكوس Spartacus الثائر الاجتماعي ضد الرومان، الذي انتحل شخصيته كل فرد في مجتمعه، لحمايته من بطش الطاغية، أو لتضييع التهم ونشرها على الجميع، للحفاظ على روح سبارتاكوس النقية. "المشبوهون الاقتصاديون"، ينقلون أصابعهم بين "زملائهم" المشبوهين، ليس مهماً إلى من تشير، المهم أنها لا تشير إليهم، ولا تحدد شخصياتهم، لأن الجريمة كبيرة ودنيئة، وتبعاتها مُدمِرة. إنها من تلك الجرائم التي تجمع كل العناصر المشينة فيها. لقد استباحت كل شيء بما في ذلك المال والبنون والأخلاق والضمير، بل قتلت الإنسانية بخنقها المجتمع. كانت جريمة أكثر من عصر، لأن آثارها ممتدة إلى عدة أجيال، لا إلى جيل بعينه، ولا إلى مرحلة معروفة الزمن. إنهم يحاولون الهروب من محكمة الإنسانية، بكل ما تبقى لديهم من أدوات النفاذ ومعاول الاحتيال، لكنهم هل يستطيعون الفرار من محكمة التاريخ، الذي سيدخلونه من الباب الخلفي، المخصص للمجرمين وقطاع الطرق والأفاقين، وسارقي " الكحل من العين"، وبائعي البيضة بدون صفارها. سيدخلونه كما دخله شايلوك اليهودي، في مسرحية شكسبير "تاجر البندقية"!.

هناك ثلاثة أنواع من المشبوهين المطلوبين للعدالة، الذين ارتكبوا جرائم اقتصادية أدت إلى أزمة تاريخية قاصمة، وهم على الشكل التالي: حكومات في المركز الأول، ومصارف وأسواق المال في المركز الثاني، وفي المركز الثالث تأتي وكالات التصنيف أو التقييم. إنهم " الفرسان" الثلاثة لأبشع سيرك في التاريخ الحديث. إنهم أولئك الذين قلبوا حياة الناس في كل مكان على طريقة "التسونامي". إنهم أولئك الذين حولوا أزمة اقتصادية، كان بالإمكان أن تمر ضمن نطاق الأزمات التي تقع عادة بين الحين والآخر، إلى أزمة دول كبرى وصغرى، إلى أزمة تكمن حلولها في المستقبل، أكثر مما تكمن فيها. لقد غيَروا مفهوم الأزمات، التي غالباً ما تحتوي على معاول حلِها!. وإذا كان هناك طمع أصيل في المصارف وأسواق المال، وحالة ارتزاقية متجذرة لدى وكالات التصنيف، فكيف يمكن أن نفهم وضعية وتوصيف الحكومات في هذا المجال؟!. فالذي نعرفه، أن من واجب هذه الأخيرة القيام بمهمة الرقابة على المصارف والأسواق المالية، ومتابعة وكالات التصنيف التي انتشرت قبل اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، كانتشار المغنين (لا المطربين) في العالم العربي؟!. ولكن لمَ الاستغراب؟ فالهواء التلفزيوني والإذاعي الهائل والفارغ عند العرب يحتاج إلى من يملؤه، والساحة الاقتصادية العالمية التي كانت قائمة بأيدلوجية "دع الأسواق تصحح أخطائها"، تحتاج إلى من يُورِق الوهم، بل ويبيع الهواء بدون زجاجات!.

يقول المُصلح الديني المسيحي الألماني مارتن لوثر، الذي يعتبر الأب الروحي للإصلاح البروتستانتي: " إنك لست مسؤولاً فقط عما تقوله، بل أنت مسؤول أيضاً على ما لم تقله". إن للمسؤولية قداسة، ومن أجل ذلك يتخلى عنها المجرمون، هذا إن وجدت عندهم أصلاً. ويرى وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، أن القادة ليسوا مسؤولين فقط عن نتائج استطلاعات الرأي بحقهم، بل على تبعات أفعالهم. فأين كانت الحكومات، عندما باعت المصارف الوهم، وعندما تركت للأسواق تحديد مصير البلاد؟. أين كانت هذه الحكومات، عندما كانت وكالات التصنيف تمنح درجاتها الأعلى لمؤسسات غارقة، لا تعرف إذا ما كان النهار سيمر عليها أم لا؟!. أين كانت، عندما قيل لها ( تحذيراً)، إن المؤسسات المالية لا تأكل فقط أموال الأفراد، بل تلعب بالمصير الاقتصادي للأمم؟. أين كانت، عندما شهدت الفقاعة تكبر وتكبر، حتى تحولت إلى "غلاف مقدس" أُجهضت كل المحاولات للنفاذ إليه؟!.

الحكومات تقول، لقد ضللتنا المصارف والمؤسسات المالية، ولم نكن نعرف تفاصيل ما كان يجري على الساحة المالية!. وتقول أيضاً، لقد غشتنا وكالات التصنيف، ولم نكن على دراية بدوافعها الارتزاقية!. وتقول أيضاً.. وأيضاً: "إننا ضحايا ولسنا مذنبين"!!. وانطلاقاً من هذا التبرير الغريب، يُعلن – على سبيل المثال – رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو أن بلاده ستحقق في دور بنوك استثمار أميركية في أزمة الديون اليونانية. ولكي يغطي على فشله كمسؤول عن مقدرات بلاده يقول: "لن أستبعد اتخاذ إجراءات قانونية ضد هذه البنوك، كخيار مطروح على الطاولة". لكن هذا المسؤول، لا يطرح السؤال الكبير على نفسه، وهو : لماذا لم أُجري تحقيقات في دور هذه البنوك، عندما بدأت الأمور تسير من سيء إلى أسوأ؟. وسؤال آخر هو : لماذا لم أستمع إلى أولئك الذين كانوا يحذرون، من انتشار "السرطان" المالي، ومن الألاعيب المصرفية التي كانت تتسيد الساحة بلا حدود؟. لقد أراد باباندريو أن يُبعد أصابع الاتهام عنه وعن حكومته، المتهالكة، تماماً كما يحاول المسؤولون الكبار، أن ينئوا بأنفسهم عن الجريمة الكبرى.

لقد كان رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر الذي تترأس بلاده مجموعة الدول السبع ومجموعة العشرين، أكثر المسؤولين المرعوبين نزاهة، عندما أعلن صراحة: أن الأزمة المالية تخص بعض الحكومات وليس القطاع المالي بمجمله. ومضى أبعد من ذلك، عندما قال: “إن الأزمة في الأساس ليست أزمة قطاع مالي، بل أزمة مالية للحكومات". وهذا يعني، أن الحكومات التي كان تعرف (قبل انفجار الأزمة) المستوى الحقيقي لملاءاتها المالية، قبِلت أن تنضم كلاعب في أكثر الفرق تدميراً للمجتمعات التي يفترض أنها الحامي الأكبر لها، بل الحامي الوحيد في بعض الدول. ارتضت أن تمارس " الوهم الاقتصادي"، من أجل مكسب هنا وآخر هناك، بصرف النظر عن مدى استدامتهن وبل وحتى شرعيته. وافقت على ترك وكالات التصنيف، ترفع من تشاء وتُسقط من تشاء، لأنها كانت توفر لها الغطاء اللازم لـ " اقتصاد الوهم". غضت الطرف عن الديون التي كانت تنزل على الأفراد كأمطار الأمازون، رغم علمها أن أحداً من هؤلاء ليس قادراً على الإيفاء بها. إنها حكومات ينبغي أن تكون أول الماثلين أمام العدالة، وبعدها يأتي من يأتي. فالمجرم الثاني والثالث والعاشر والمليون، ليس سوى ظل للمجرم الأول. وإذا كانت وكالات التصنيف، تُصِنف مؤسسات فاشلة بدرجة (إى إى إى)، فإن الحكومات تُصنَف كمرتكبة للجريمة من الدرجة الأولى.

إن المصيبة لن تنتهي بمحاكمة المشبوهين الأُول، الذين لا تزال أياديهم ملطخة بالدماء، ولا يزالون يحاولون التحايل على الحقيقة. فتكاليف الجريمة، سيدفعها الضحايا، حتى ولو أدى الأمر إلى سقوط هذه الحكومة أو تلك، أو طرد مدير هذا المصرف أو ذاك، أو إغلاق وكالة التصنيف هذه أو تلك. هؤلاء الضحايا يسددون فواتير المشبوهين – المجرمين، من مدخراتهم وتقاعدهم وساعات عملهم ومعيشتهم، ولا أقول رخائهم. فالرخاء تبخر مع أول شرارة للأزمة. إن الضحايا سيسددون الفواتير من أموال الأجيال القادمة التي لم تولد بعد!. وما على السياسيين ومعهم "المُلهَمين" الاقتصاديين والمصنفين "الفطاحل"، إلا أن يوجهوا الشكر إلى الأطفال الذين لا يزالون في بطون أمهاتهم. عليهم أن يضعوا الشكر كوديعة، شرط أن لا تكون بأيديهم.


الثلاثاء، 25 مايو 2010

المطلوب "نووي اقتصادي" ضد "سرطان" وول ستريت؟!


( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")






" ما هي آخر مخدرات وول ستريت يا بني؟!"
الكوميدي البريطاني – الأميركي هيني يانجمان

 
محمد كركوتــي
 
لو كان هناك خلفاء لمجرمي سوق "وول ستريت" الأميركية، أو لـ " المُلهَمين" الاقتصاديين في هذه السوق، لفاز أركان الحزب الجمهوري الأميركي بـ "الخلافة"، عن جدارة لا وراثة، وعن أحقية لا سرقة، وعن قدرة لا واسطة. فقد أثبت كل ركن من هذه الأركان، بأنه "ولي عهد" لكل "مُلهَم" في "وول ستريت"، مسرح الجريمة الاقتصادية العالمية التاريخية الكبرى. كيف لا؟ والجمهوريون الأميركيون سابقاً وحالياً (وبالتأكيد لاحقاًً)، هم مَن حضر الجريمة ليرتكبها "المُلهَمون"، في سوق لم تجف الدماء فيها، وما زال أنين " الجرحى" يرجع الصدى حول العالم. لقد ابتكروا اقتصاداً – منذ مرحلة الرئيس الأسبق رونالد ريجان – احتقر القيم الإنسانية والأخلاقية، وعبَد المال بشقيه الوهمي والحقيقي. تركوا – منذ مطلع ثمانيات القرن الماضي – السوق تلتهم المجتمع بلا رحمة وبلا توقف. تركوا لها صنع القرار، ومنحوها صلاحيات وضع القوانين، وعندما كان أحد النواب أو المستفسرين، يسأل عن الحكمة وراء صدور هذا القرار ووضع هذا القانون، لم يكن يلقى إلا جواباً واحداً هو : أنت مُخرب، وفي أحسن الأحوال: أنت مُعطل!. لماذا؟ لأنه يريد الوقوف في وجه الازدهار والنمو، بصرف النظر إذا ما كان هذا الازدهار "فُقاعي" أو وهمي أو ورقي أو احتالي. فلم يسمع الجمهوريون – حتى صنيعتهم – المحتال التاريخي العالمي برنارد مادوف الذي قال: "إن وول ستريت هي مضمار حرب. فبمجرد استفادة شخص فيها، يُحرم فرد آخر من الاستفادة". ولمن نسي، فقد سرق مادوف قرابة 65 مليار دولار أميركي، من أموال عشرات الآلاف من المودعين في شركاته الوهمية.

رغم كل ما حصل ( ويحصل) على الساحة الاقتصادية الأميركية (والعالمية)، من جريمة "وول ستريت" الكبرى، وقف الجمهوريون ضد خطة الرئيس الأميركي باراك أوباما الهادفة للإصلاح المالي، أو إصلاح ما يمكن إصلاحه في السوق المالية الأميركية "وول ستريت". حاولوا تدمير الخطة قبل أن تُطرح للحصول على موافقة مجلس الشيوخ الأميركي عليها، وحاربوها وهي داخل هذا المجلس. كيف لا يقاومونها؟ وهذه الخطة هي الأكبر على الإطلاق منذ ثلاثينات القرن الماضي، أي منذ الكساد العظيم، وهي ستساعد على التخلص من أدران اقتصاد قدَس المال، بصرف النظر عن طبيعته ومصدره وطرق جلبه. إنه اقتصاد أولئك الذين هاجموا ( بل وحاربوا) حتى الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت، الذي انتشل بلاده ومعها العالم من براثن الكساد العظيم، في أواخر عشرينات وكل ثلاثينات القرن العشرين.

لنرى ماذا يعارض الجمهوريون؟. إنهم يعارضون تعزيز متابعة القطاعات التي لا تحظى برقابة صارمة في "وول ستريت"، من بينها صناديق التحوط والمشتقات، كما أنهم يعارضون تقييد القطاع المصرفي، وخفض أرباحه على مدى سنوات. ويعارضون أيضاً، إنشاء وكالة لحماية المستهلك مادياً تابعة لمجلس الاحتياط الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي). إنهم ببساطة يقفون ضد مصلحة الفرد الأميركي أولاً، وبقية سكان الكرة الأرضية، الذين يدفعون الثمن، في كل مرة يقع فيها "المُلهَمون" الاقتصاديون الأميركيون، وما أكثرها!. ولم تنفع تطمينات أوباما، وعدد كبير من الخبراء المستقلين، بأن الخطة التي ستشمل محاسبة المؤسسات المالية، لن تحد – بأي شكل من الأشكال – من حرية الأسواق.

الكوميدي الأميركي الشهير ويل روجرز يقدم – بسخريته المعروفة - أبلغ تعليق على المصيبة التي تصنعها السوق الأميركية دائماً، فيقول: " دع وول ستريت تصاب بكابوس.. فالبلاد كلها ستسعى إلى تهدئتها وإعادتها إلى السرير". والحقيقة أن خطة الإصلاح المالي، هي بمثابة انطلاق عملية علاجية لـ "سرطان وول ستريت"، الذي أصاب "الجسد" العالمي، بعد أن دمر "الجسد" الأميركي. فقد وجد فيها أوباما كما قال: "خطوة هامة ستعزز من اقتصادنا، وتمنع وقوع أزمة أخرى في المستقبل". لكنها عند الجمهوريين هي خطوة مدمرة. خطوة ستقتل أدبيات اقتصادهم، وستنزع من أيادي " المُلهَمين" الأسلحة التي يَقتلون بها، من غير أن يُدان واحد منهم!. ورغم مرور خطة الإصلاح المالي، بعد أشهر من المحادثات المضنية، تبقى الأسئلة الكبيرة كما هي. هل يلاءم هذا العلاج.. هذا "السرطان"؟ أم أن الأمر يتطلب استئصالاً كاملاً للكتل السرطانية؟ أم أنه لا أمل في العلاج أصلاً، وينبغي الانتظار إلى أن يفارق المُصاب الحياة ويدفن إلى الأبد؟. وهناك السؤال الأكبر، هل تكفي هذه الخطة، للقضاء على من تبقى من مجرمي السوق، لاسيما وأنهم لا يزالوا موجودين في الأرجاء، سواء بصورة مباشرة، أو عن طريق "تلاميذهم" الذين حملوا الراية من بعدهم؟.

حين كان الرئيس الأميركي يلقي كلمة أمام أكثر من 700 شخص تجمعوا في حديقة الورود في البيت الأبيض حول خطة الإصلاح، مر فأر متوسط الحجم أما الرئيس، لكن هذا الأخير واصل خطابه. وقد تبين أن الفأر الذي التقطته كل الكاميرات الموجودة، استطاع على مدى أسابيع أن ينجوا من محاولات قتلته من قبل موظفي البيت الأبيض. وعلى الفور طرحت وسائل الإعلام الأميركية سؤالاً خبيثاً، جاء على الشكل التالي : إذا كان البيت الأبيض ليس قادراً حتى الآن على مكافحة فأر، فكيف يستطيع الرئيس وموظفيه مكافحة "بارونات" ورجال "وول ستريت" الجشعين؟!. لقد سعى القطاع المالي ( ولا يزال) بكل ما تبقى لديه من قوة، إلى قتل خطة الإصلاح، من خلال حشد جماعات الضغط الجشعة، بل إن هذا القطاع ضخ ملايين الدولارات الأميركية، في إعلانات مناوئة لها، بغية نشر الرعب. لكن في النهاية ضاعت هذه الملايين - كما ضاعت المليارات قبل ذلك – وتم إقرار الخطة.

إنها خطوة هامة جداً إلى الأمام، ولو لا الأزمة الاقتصادية العالمية، لما شهد العالم مثل هذا التحرك، ولما طُرحت أصلاً مسألة بناء نظام اقتصادي عالمي جديد. فخطة الإصلاح الأميركية، لا يمكن أن تخرج عن خطة البناء العالمية. وأقول: بناء، لأن الدمار العالمي الذي تسبب به "المُلهَمون" الاقتصاديون عصي على الإصلاح. فما كان ينفع قبل الأزمة، لا يُفيد بعدها. إن المشكلة الأكبر التي ستواجه الإصلاحيين الأميركيين، هي إخراج "مجرمي" السوق منها. فهؤلاء يملكون آلاف الحيل للالتفاف حول أي خطة تنال من جشعهم وطمعهم، وأي قانون يهدف إلى إعادة الأخلاقيات إلى السوق. وإذا ما أراد باراك أوباما، إقناع العالم بجدوى خطته، عليه أن يُصفي مسرح الجريمة من المجرمين، الذين سيحاولون بكل الوسائل حماية ما تبقى من "أيديولوجية وول ستريت"، التي كان من المفترض أن تسقط في أعقاب اندلاع الأزمة الاقتصادية، ولو لم يكن هناك "مُلهَمون اقتصاديون حكوميون"، لسقطت هذه الأيديولوجية قبل وقوع الأزمة نفسها.

المسألة برمتها.. هي مسألة استئصال أكثر من كونها عملية إصلاح، وهي قضية أخلاق أكثر من كونها عمليات مالية. و"سرطان وول ستريت"، هو من النوع الخبيث، ما أن يتم القضاء على خلية منه، حتى تظهر خلية أخرى أعنف وأقوى، وأشد دناءة. إنه سرطان لا يقبل العلاج حتى بالكيماوي. لقد استخدمت الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية النووي. لتستخدم "النووي الاقتصادي" ضد هذا السرطان!.

الثلاثاء، 18 مايو 2010

لكي لا تكون أوروبا " ليمان برازرز" آخَر!


( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")









" لدي الثقة الكاملة في مستقبل أوروبا، لأنه لدي الثقة الكاملة في متانة العلاقة الفرنسية - الألمانية "
الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك

محمد كركوتــي
 
     في ليلة ظلماء تُفتقد فيها حتى شمعة أو بصيص ما تبقى من جمرة أكلها الرماد ( لا البدر فقط)، وضع أحد موظفي السكريتاريا في الاتحاد الأوروبي في مكتبه ببروكسل أمامه سِجلْ الهواتف، وأخذ يتصل بوزراء مالية الاتحاد واحداً واحداً، ليستدعيهم إلى اجتماع تاريخي عاجل. لم يتأخر وزير عن هذه الدعوة، لأن أحداً منهم لا يمكنه أن يتحمل تبعات التأخير( فما بالنا بالغياب)، بما في ذلك وزير المالية البريطانية ألستر دارلينج ( بعدها بأيام فقد منصبه بفقدان حزبه الحكم)، الذي لم يكن يعرف إذا ما كان سيحتفظ بمنصبه هذا حين عودة من الاجتماع الأوروبي أم لا؟. فالانتخابات التي انتهت في بلاده قبل ساعات من ذلك الاتصال الهاتفي، نجح فيها الجميع، لكن أحداً منهم لم يتخرج!. استوت عند المفوضية الأوروبية دول منطقة اليورو، والدول خارج تلك المنطقة. الكل أوروبيون بالهموم والمسرات والأزمات الكامنة والعابرة. فالقضية تجاوزت كونها "أزمة يورو ومنطقته"، لتصبح "أزمة أوروبا" بمستقبلها وسمعتها ووضعيتها.. بل وبمصيرها. لا ترغب أوروبا في أن تصبح " تكويناً" لأزمة اقتصادية عالمية جديدة، بينما لا تزال للأزمة ( ما غيرها)، كلمتها في الحراك الاقتصادي العالمي، مع "جرحاها" الذين يئنون، و"قتلاها" الذين يدفنون. ولا تريد أوروبا، أن تكون بمثابة "ليمان برازرز" آخَر، أو " فاني ماي"، أو "فريدي ماك". فهي ليست مصرفاً "كاوبوي" النشأة والسلوك، أو مؤسسة تبيع الوهم، ولا هي الولايات المتحدة الأميركية، التي صدَرت في غضون سبعة عقود مجموعة من الأزمات، لو قسمنا عددها لـ "فاز" كل عقد من الزمن بواحدة (أو كارثة) منها. وهي – أي أوروبا - بالتأكيد ليست سوق "وول ستريت" التي حضَرت الجريمة وارتكبتها، ولم تجف بِركُ الدماء فيها بعد.

     الاجتماع الأوروبي العاجل، كان من أجل موافقة كل دول الاتحاد – لا بعضها- على خطة إنقاذ تاريخية تصل قيمتها إلى 750 مليار يورو ( ما يعادل تقريباً 1000 مليون دولار أميركي)، ليس فقط لمساعدة دول منطقة اليورو على مواجهة غول الديون الحكومية فيها، ومنع إفلاس بعضها، بل أيضاً من أجل احتواء أزمة "مطواعة"، قابلة للانتشار في العالم بأسره. إنها ببساطة حزمة من أجل إنقاذ الإنقاذ!. هي حزمة لنجدة.. النجدة!. لم يحدث في تاريخ الاتحاد الأوروبي تخصيص أموال بهذا الحجم الهائل. إنها أموال الخوف من انطلاق أزمة عالمية، من ضفاف البحر الأبيض المتوسط ( اليونان وأسبانيا.. وحتى إيطاليا)، أو من سواحل الجانب الأوروبي للمحيط الأطلسي (البرتغال). فيكفي العالم والتاريخ انفجار أزمة من الجانب الأميركي لهذا المحيط، لا تزال طلقاتها متواصلة.

     بالأمس.. كانت المصارف والمؤسسات المالية وغيرها من المؤسسات التجارية والصناعية، أما اليوم فقد جاء دور الدول. لا.. ليست دول مثل الصومال أو زيمبابوي أو نيجريا، إنها دول العالم الذي كان أولاً. دول كانت مانحة لا متلقية. دول "تنظير" اقتصادي، كانت تمارس دور "الأخ الأكبر" الذي يعرف مصلحتك، فعليك أن تواصل الصمت أمامه!. ولأن الأمور لم تعد كما كانت (ولن تعود)، بات الإنقاذ يشكل العامل الأول في الحراك الاقتصادي العالمي، وفي مقدمته الأوروبي. وعلى العالم أجمع، أن يعيش حياة تستند على النجاة، لا على النمو، مهما بلغت توقعات المتفائلين من إيجابية. فإذا كانت أوروبا ( بجلالة قدْرها)، لا تقوى على الاستمرار إلا بخطط إنقاذ مولودة من خطط إنقاذ أخرى، فكيف الحال بالنسبة لبقية دول العالم، التي تعيش على الإنقاذ حتى في أزمنة الازدهار؟!. إنها وضعية لم تحدث من قبل، وإن كانت مرشحة للحدوث في المستقبل، إذا ما استمر التباطؤ في بناء نظام اقتصادي جديد، يأخذ في الاعتبار "منتجات" الأزمة العالمية، لا "منتجات" الحرب العالمية الثانية.

     إن خطة الإنقاذ الأوروبية.. لأوروبا، منحت هذه القارة سنداً جديداً، ليس فقط لدول فيها غارقة في الديون على ضفاف البحر والمحيط، بل لمصير الاتحاد الأوروبي ( يضم 27 دولة) نفسه. فالإنجازات التي تحققت في هذا الاتحاد على مدى خمسة عقود تقريباً، يستكبر الأوروبيون تدميرها في غضون أشهر، بسبب أزمة اشتركوا – بلا شك – في ارتكابها، لكنهم ليسوا مُفجريها. إنهم بالتأكيد يحصدون ما زرعوا، وسيواصلون هذا الحصاد، إلى أجل أجد من الصعب العثور على حكيم يستطيع تحديد زمن له. وعلى الرغم من أهمية وضرورة خطة الإنقاذ هذه، إلا أنها ليست "هدية عيد الميلاد"، ولا هبة، ولا منحة لا ترد. إنها مشروطة بقواعد، ولكنها ليست كتلك التي خصصت لليونان. فهذه الأخيرة حصلت على 110 مليار يورو، مع "مليار" (ربما) من الإهانات، لاسيما الألمانية منها!. الخطة الأوروبية الهائلة المشتركة مع صندوق النقد الدولي ( الـ تريليون دولار )، لن تُستخدم في منح القروض إلا عند الضرورة، مع شروط صارمة تلزم دول منطقة اليورو ( تضم 16 دولة) باحترامها.

     ولكي "أوفر" على أصحاب القرار الأوروبي "الجهد" في استكشاف الضرورة، أقول لهم: باشروا في عد النقود التي ستخصصونها – عاجلاً وليس آجلاً – لاسبانيا والبرتغال، ولا بأس في أن تجهزوا المال أيضاً لإيطاليا المرشحة للانضمام إلى "النادي الأوروبي للدول المَدِينة"، في أي وقت من العام 2010. وقبل هذا وذاك، أعدوا العدة إلى مرحلة عدم الاستقرار السياسي في الغالبية العظمى من دول الاتحاد الأوروبي. فعندما تنفذ شروط الدَين، سيزول ما تبقى من شعبية حكومات المنطقة، حيث يعاني قادتها أصلاً من اضمحلال الثقة بأحزابهم التي يحكمون بها. ولينظر الأوروبيون إلى شمالهم فقط، ليتأكدوا من هذه الحقيقة.. لينظروا إلى بريطانيا، التي تحكمها اليوم حكومة ائتلافية بين حزبين لا يلتقيان أصلاً، لأول مرة منذ العام 1974. لماذا؟ لأن الناخب البريطاني فقد الثقة بحكومة العمال، ولم يجد في الوقت نفسه حزباً يستحق الأصوات التي تمكنه من تشكيل حكومة بمفرده!.

     في الدول النامية، كان تدخل صندوق النقد الدولي فيها، يمثل إهانة وطنية عند حكوماتها، وهو ليس كذلك عند مواطنيها. اليوم يلعب هذا الصندوق دوراً أصيلاً في خطة الإنقاذ الأوروبية، لكن المفارقة، أن جزءاً كبيراً من أموال الصندوق تأتي من الدول الأوروبية نفسها!. أي أن المُنقذ، يقوم بإنقاذ نفسه ( تقريباً) بالواسطة!. فلم تستطع أوروبا ( بهالتها) أن تباشر بإنقاذ نفسها بنفسها، وقد أخفقت في إنشاء صندوق أوروبي يقوم بمهمة الدولي. وهذا الأمر يدفع إلى التساؤل، حول مفهوم الكبير، وإن كنا نعلم منذ ما قبل الأزمة مفهوم الصغير!. صحيح أن القوانين الأوروبية تمنع أصلاً البنك المركزي الأوروبي من أن يشتري ديوناً بشكل مباشر من الحكومات، لكن بإمكان هذا البنك الالتفاف على هذا القيد بشراء هذه الديون بشكل غير مباشر من البنوك. فحتى هذا المَخرج لم يمثل للاتحاد الأوروبي فرصة، لمعالجة مشاكله أوروبياً فقط.

     إننا نعيش تاريخاً على وقع اليوم الواحد، بل الساعة الواحدة. تاريخ يُصنع الآن. تاريخ تستوي فيه ( كما قال أبو الطيب المتنبي)، الأنوار والظلم!!.

الثلاثاء، 11 مايو 2010

أبحثُ عن زعيم أوروبي مبتسم!؟

( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





" كسياسيين.. علينا أن نتعاطى مع حقيقة، أن غالبية الناس لا يشعرون بالانتماء إلى الاتحاد الأوروبي"
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل

 
محمد كركوتــي
 
تحديت أحد الزملاء من رؤساء التحرير، في أن يجلب لي – بمعاونة محرريه – صورة واحدة لزعيم أوروبي مبتسم، على أن لا يزيد تاريخها عن أربعة أسابيع فقط. قَبِل التحدي، لكنه عاد في مساء نفس اليوم، ليكتب إليَ: "لقد فشلنا يا عزيزي". وأضاف يقول:" لقد حاولنا العثور على صورة حتى لسيفليو برلسكوني رئيس الوزراء الإيطالي قليل المشاعر، لكن يبدو أنه طرأ بعض التغيير الإيجابي على مشاعره، فلم يبتسم"!. الواقع أن الخوف من الـ "أنفلونزا" اليونانية الاقتصادية، إلى جانب عبء الإنقاذ الأوروبي لليونان، نشرا ما يمكن تسميته بـ " مهرجان العبوس الأوروبي". هذا "المهرجان" ليس موسمي.. إنه تاريخي. إنه من ذلك الذي ينتشر، مع مشاعر الندم، من غبطة وُلدَت قبل استكمالها زمن التكوين الطبيعي. إنه "مهرجان" يشارك فيه الجميع قسراً، لا احتفالاً. إنه ليس كمهرجان " ريو دي جانيرو" المبهج، هو "مهرجان يورو الخوف"!.

الأوروبيون مرعوبون من "وباء" اليونان الاقتصادي. هذه حقيقة، لا تنفع معها التطمينات التي تصدر بين الحين والآخر. ولكن هل الاتحاد الأوروبي بشكل عام، ومنطقة اليورو بشكل خاص، منطقتان محصنتان من الأوبئة الاقتصادية؟. هل هاتين المنطقتين، معقمتان اقتصادياً؟. هل أن "الوباء" اليوناني المتوقع، سيكون العامل الوحيد للمصاعب والمشاكل والهموم الاقتصادية في أوروبا بشكل عام؟. باختصار، هل أن كل شيء في هذه القارة على مايرام؟. الجواب ببساطة هو: لا، ولا.. قوية جداً. فما تحصده اليونان حالياً، ستحصده البرتغال واسبانيا لاحقاً، إذا ما تُرك المجال للمشاعر الوطنية تتقدم على الواجبات الأوروبية. فقد بلغ الاتحاد الأوروبي – بشكل عام – مرحلة تحول فيها الانتماء الوطني، إلى شيء يشبه إلى حد ما " الانتماء الفاشي"، ولا بأس من شيء – ولو قليل - من "الانتماء النازي"!. وهذه المقاربة بالتحديد هي التي دفعت مجلة يونانية لوضع صورة على غلافها للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في بذلة عسكرية قتالية تقف أمام مبنى "الأكروبول" الشهير في اليونان، ومروحيات عسكرية تحلق أعلاها. وهو ما دفع أيضاً إحدى الصحف اليونانية لنشر مانشيت مُعبِر جاء فيه : ميركل تقول "سوف ندفع لكم، ولكن عليكم أن تنزفوا"!. ومضى نائب رئيس وزراء اليونان تيودورس بانجالوس، أبعد من ذلك، حين قال علانية: " إن موقف ألمانيا من بلاده يقوم على أساس (عنصري)، ومع حُكم مسبق بأن اليونان لن تفي بتعهداتها". انظروا ماذا قال أيضاً؟ : "إن ألمانيا لم تقدم التعويض المناسب لليونان عما سببته لها من أضرار أثناء الحرب العالمية الثانية"!. يا إلهي، بدأت أوروبا تنبش في الماضي الأليم لها وللعالم. إنها تستحضر بطريقة مباشرة مَن؟ الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر، ولا بأس من استحضار تابعه الزعيم الإيطالي الفاشي ببينيتو موسوليني، إذا ما كان يفي بالغرض!.

المشكلة التي تواجهها أوروبا اليوم، لا تكمن فقط بمشكلة اليونان وعملية إنقاذ هذا البلد من الإفلاس والانهيار، بل تكمن أيضاً في غياب مؤشر "انتماء أوروبي" واضح المعالم، واعتماده مرة واحدة وإلى الأبد. هل يريد الأوروبيون اتحاداً، يشبه "اتحاد" الولايات الأميركية، في مرحلة الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن وما بعدها؟. أم أنهم يرغبون باتحاد يسرح بين قوميات مضطربة، و "مواطنة أوروبية" مهزوزة؟. هل سيتركون المجال أمام ما اصطلحتُ على تسميته في كتابي " في الأزمة" (نشرته العام الماضي) بـ "القومية الاقتصادية"، التي خرجت من بطن الأزمة الاقتصادية العالمية، لكي تكون بمثابة الجراد الذي يُغِير على الحقول ويلتهم المحصول؟. أم أنهم سيقاومونه بمستحضر " المواطنة الأوروبية"؟!. إن الحالة الأوروبية الراهنة، تحتم إنقاذ أي غريق أوروبي، وبمعزل عن ذلك سيسحب إلى القاع، كل ما يرتبط معه مباشرة، بل وسيهدد حتى ذاك الذي لا يرتبط ارتباطاً مباشراً معه. ويكفي إلقاء نظرة سريعة على أداء السوق الأميركية التي انخفضت انخفاضاً تاريخياً، وأسواق آسيا التي تعيش تحت ضغط المخاوف من انتقال عدوى الأزمة اليونانية إلى دول أخرى في منطقة اليورو.

نقول العدوى اليونانية؟ نعم. فالمدير العام لصندوق النقد الدولي دومينيك ستراوس يرى – على سبيل المثال – أن خطة الإنقاذ الأوروبية – الدولية لليونان ( الأوروبيون سيدفعون 80 مليار يورو، وصندوق النقد سيدفع 30 مليار) وُضعت أصلاً، لتفادي انتقال العدوى، إلى بقية الدول الأوروبية، لاسيما تلك المؤهلة للإصابة في أي وقت. فهو يعتقد – ومعه العالم أجمع – بأن خطر العدوى موجود دائماً، وينبغي أن يتحلى كل طرف بيقظة كبيرة. ولذلك تحولت دولة مثل ألمانيا، من معارض شرس لتقديم المساعدات والعون إلى اليونان، إلى مؤيد لتقديمها، مع شراسة في تطبيقها، وموجات من الإهانات المتواصلة. المندفعون نحو الإنقاذ، لا تهمهم الإهانات الألمانية لليونان، ولا المظاهرات التي عمت الأرجاء اليونانية (بما في ذلك القتلى الثلاثة الذين راحوا ضحية المظاهرات). المهم بالنسبة إليهم، أن لا تتسبب بلاد الإغريق في انهيار "إمبراطورية" منطقة اليورو، وتزعزع مكانة الاتحاد الأوروبي.

الفاتورة المالية عالية بلاشك، لكن الفاتورة المعنوية ستكون أعلى بالتأكيد، والفاتورة المرتبطة بالسمعة والتاريخ، ستكون باهظة بصورة غير محتملة، لأي عضو في منطقة اليورو، إذا ما تُركت اليونان لمصيرها. ومن أجل ذلك أشرك الأوروبيون الكبار، حتى صغارهم في عملية الإنقاذ، بل وحتى أولئك المهددين بالمصير اليوناني، مثل أسبانيا ( دفعت 9,79 مليار يورو) والبرتغال ( دفعت 2,06 مليار). ألمانيا سددت المبلغ الأكبر ( 22,4 مليار)، ودفعت معها مالطا، مبلغاً كبيراً جداً بالنسبة لها، حتى وإن كان مجرد سبعين مليون يورو على مدى ثلاث سنوات!. إنها عملية إنقاذ لليونان، وحصانة ضرورية للبيت الأوروبي الكبير، حتى وإن تمت بوجوه عابسة، خائفة، مرتعدة، غاضبة.

لقد أثبتت الحالة اليونانية، أن للاتحاد – أي اتحاد – تكاليف في الأزمنة العادية السلسة. وله تكاليف هائلة في أوقات المحن والأزمات. وأعطت الأوروبيين درساً، ما كانوا ليفهموه، لولا الأزمة الاقتصادية العالمية، التي جعلت من اليونان دولة على حافة الانهيار الشامل، وتهدد – حتى الآن – دولاً، كانت يصعب قهرها. هذا الدرس ينحصر في ضرورة التروي في توسيع نطاق منطقة اليورو، وأهمية أن تكون الواقعية، هي المحرك الأساسي لمخططات التوسيع. ولذلك أرى صعوبة ( إن لم أقل استحالة)، في مواصلة توسيع هذه المنطقة، في المستقبل المنظور، لأن الأزمة والمشكلة اليونانية غيرتا شروط العضوية، أو على الأقل جعلتاها أكثر صعوبة. وعلى هذا الأساس، تطالب ألمانيا بتغيير "ميثاق الاستقرار" بين دول منطقة اليورو، كدرس من الأزمة اليونانية. فهي تعرف، ومعها أولئك الذين لا يزال لديهم مساحة للتفكير، أن انسحاب اليونان (حسب بعض الاقتراحات التي طُرحت)، أو أي دولة أوروبية من منطقة اليورو، لن يؤدي إلا إلى شيء واحد فقط، هو نهاية اليورو نفسه!. وهي نتيجة لا يمكن لأحد أن يتحملها، سواء أكان عابساً، أم ضاحكاً!.

الجمعة، 7 مايو 2010

نجحوا.. ولم يتخرجوا!!





" يفوز الرجال والنساء بالانتخابات، لأن الناس يصوتون ضد أحدهم، ولا يصوتون مع أحدهم"
الكاتب الأميركي فرانكلين آدامز

 
 
محمد كركوتــي
 
حسناً.. إنه برلمان معلق في بريطانيا. فالناجحون ( المحافظون) لم يتخرجوا، ولم يحصلوا حتى على درجة مقبول، ولن يرددوا أغنية عبد الحليم حافظ " الناجح يرفع إيدو". فأيادي قادة هذا الحزب "تحك رؤوسهم"، بحثاً عن قناعة ( واقتناع) بائتلاف – لا مفر منه - مع حزب الديمقراطيين الأحرار، سيؤدي إلى "زواج" لا تناغم فيه، من حيث المبادئ، لا من جهة اللعبة السياسية. "الأحرار" غير الناجحين بالدرجة التي كانوا يرغبون فيها، هم أشبه – في هذا الزواج – بالبنت القاصرة التي زُوجت برضاها، لا على طريقة ما يجري في عمليات الزواج المشابهة في اليمن وبعض البلدان العربية الأخرى، وإن تشابهت بعمر الفتاة فقط. حزب العمال الحاكم حتى إشعار آخر، أصبح مثل الثور الجريح الذي يجره حصان خارج حلبة المصارعة. فلا يضمن له البقاء في السلطة – بصرف النظر عن طبيعة بقاءه وقوته وتأثيره – إلا الزواج من حزبين وأكثر، وهو أمر لا يضمن لمثل هذه الزيجة الاستمرار، وبالتأكيد لن ينتج ذرية!.

إنه مشهد غريب، لم تشهده بريطانيا حتى في العام 1974، عندما فشل إدوارد هيث ( المحافظ) في تشكيل حكومة ائتلافية، مع حزب الأحرار آنذاك، مما أفسح المجال أمام هارولد ويلسون (العمالي)، لتشكيل الحكومة. وعلى الرغم من النتائج المُربكة للانتخابات البريطانية العامة لعام 2010، والصادمة لقادة الأحزاب ( ديفيد كاميرون، وجوردون بارون ونيك كليج) إلا أنها أتت بمعاول تشكيل سياسي جديد على الساحة. تشكيل لا يشبه ( ولن يشبه) سابقه. هو تغيير كان من المفترض أن يأتي ضمن نطاق الممارسة السياسية العادية، إلا أن الأحزاب التي تناوبت على الحكم، لم تقدم عليه. لماذا؟ لأن من مصلحتها أن يبقى النظام الانتخابي على ما هو عليه، فضلاً عن أنه من النادر أن يُقدِم حزب ما على مثل هذا التغيير، إذا ما كان في السلطة. فمثل هذه التغييرات لا تثار عادة، إلا من صفوف المعارضة. لقد فرضت ضرورات التغيير نفسها في هذه الانتخابات، التي خيبت آمال الجميع دون استثناء، بما في ذلك حزب الديمقراطيين الأحرار( خسر خمسة مقاعد على الأقل)، الذي يُمسك بزمام التشكيل الحكومي. فالصغار بات لهم صوتاً مسموعاً، وإن كان خافتاً.

برلمان معلق، قد لا يدوم طويلاً. لكنه سيكون بمثابة الطلقة الأولى، لبدء سباق التغيير في المنهج الانتخابي في بريطانيا، بحيث سيضمن للأحزاب الصغيرة في البلاد، تمثيلاً أكبر، وسيحرر المملكة المتحدة، من قبضة قطبية الحزبين. وسواء نجح زواج الرجل الهرم من الطفلة الصغيرة، أم لم ينجح، فهو سيطرح القضية ويضعها على الطاولة، وسيجبر الحزبين التقليديين على التغيير المنهجي لا السياسي. التغيير الذي سيقدم لبريطانيا منهجاً " شاباً"، ليس فقط قادة شبان لأحزاب هرمة.

الثلاثاء، 4 مايو 2010

حكومات مرعوبة.. ووكالات تصنيف معطوبة!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")










" يستحيل نفي الخوف. لكن يمكن تهدئته من دون ذعر، ويمكن تخفيفه بالأسباب والتقييم"
العالِم الأميركي فانيفار بوش

محمد كركوتــي

تستطيع الدول الخاضعة لتصنيفات متدنية والمذعورة من وكالات التصنيف، ، أن تلجأ إلى التاريخ السيئ والسمعة الأسوأ، للغالبية العظمى من هذه الوكالات، التي ساهمت بصورة مباشرة في ارتكاب الأزمة الاقتصادية العالمية، عندما طبقت المثل المصري الشهير "عملوا البحر طحينة" بحذافيره!. فقد صنفت مؤسسات وشركات ( لاسيما المالية منها)، كان حراكها أدنى من أن يُصنف أصلاً، وكانت وسط أمواج هائلة متلاطمة، تركها القائمون عليها لمصيرها!. وتستطيع الدول نفسها، أن تقول: " مهلاً.. أليست هذه الوكالات هي من رفع– على سبيل المثال - مصرف "ليمان برازرز" الأميركي إلى أعلى قمة، بينما كان في الواقع يقبع في أبعد نقطة من القاع المالي؟!". ويمكنها أن تقول أيضاً: " أليست هذه الوكالات هي نفسها، التي لم تضع إشارة سلبية واحدة، على الأعمال الاحتيالية التاريخية للمحتال العالمي برنارد مادوف، الذي سرق 65 مليار دولار أميركي، وأوقع ضحايا مالية يُعَدون بعشرات الآلاف من البشر؟!". وأيضاً أليست هي من صنف مصرف "جولدمان ساكس"، على أنه المؤسسة المالية التي لا يرقى إليها الشكوك، بينما يستحق هذا المصرف كل الشكوك؟!. أليست هي من قيَم مصارف انهارت بعد قليل من حصولها على تصنيف جيد؟! أليست هي من منح مؤسسات أصدرت سندات عالية المخاطر مطروحة في سوق الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأميركية، أفضل درجات التقييم "إى إى إى"، مما جعل المستثمرين يتسارعون للحصول على هذه السندات، لتتبخر بعد ذلك عشرات المليارات من الدولارات الأميركية، لا الزيمبابوية؟!.

تستطيع الدول المرعوبة من التصنيف، أن تعرض عشرات (بل مئات) البراهين، على أن وكالات التصنيف هذه، كانت ( ولا تزال) بحاجة إلى من يُصنفها، ويُخرج السيئ منها من السوق، لإبعاده عن اللعب بسمعة المؤسسات أو الجهات الخاضعة للتصنيف. لقد كانت وكالات تنفع لكل شيء، إلا التصنيف والتقييم!.

يقول الأديب الأميركي – البريطاني ريموند تشاندلير:" إن النقد ( أو التصنيف) السليم يستند إلى مقاييس التوقع والتقييم للموضوع. والنقد المريض يُبقي المحترف خارج نطاق النقد". وينطبق هذا بصورة كبيرة على الوكالات المذكورة، التي رفعت من تريد، لأنها تريد، لا لأن "المرفوع" يستحق هذه الرفعة، بل لأن مصالحها الخاصة، كانت تستوجب ذلك. ولم تتذكر ( وربما لم تسمع) ما قاله الأديب الأميركي الشهير مارك توين. ماذا قال؟: " أن تستحق التقدير ولا تحصل عليه، خير من أن تحصل عليه دون استحقاق". وقد حصلت مؤسسات على تقديرات لا تستحق حتى على واحد في المائة منها، وصنعت أزمة (كارثة) تستحق أن تخضع للمحاكمة التاريخية عليها!.

على الرغم من أن التاريخ المشين لوكالات التصنيف، يوفر مساحة للتشكيك بها وبسمعتها وسلوكياتها وعملياتها الاحتيالية، إلا أنه لا يعفي الدول من حقيقة أوضاعها الاقتصادية المريعة، ولا يمنح هذه الدول مساحة للالتفاف حول هذه الحقيقة. والواقع أن الأوضاع الاقتصادية لدول كانت تتبختر بأنها لا تقهر، ودول تُقهر سواء تبخترت أم لا، لا تحتاج إلى وكالات تصنيف أو تقييم، لكي تستعرض الحقائق، بل والمصائب. فالفرد الأكثر بساطة في هذه الدول، يستطيع أن يعي ويحدد مسار اقتصاد بلاده، ليس من خلال تحليلات ( أو فزلكات) اقتصادية معقدة، بل عن طريق إلقاء نظرة واحدة فقط على حقيقة معيشته اليومية. و "غول" التصنيف الائتماني، سواء أتى من وكالة تصنيف، أو من فرد بسيط، ينشر الرعب في أوساط الحكومات، التي تعيش في خوف مستمر، ليس فقط على اقتصاداتها المتداعية أو المتعثرة أو الهشة، بل على وجودها في الحكم. ففي أوروبا، تعيش اليونان اليوم، ذعراً تاريخياً بمستوى عِتق عمرها. وتعيش البرتغال وأسبانيا، ذعراً أقل وطأة، لكنه متسارع الحركة نحو الأعلى. والمصيبة أن غول وكالات التصنيف، بات يستحوذ على الحكومات، أكثر مما يستحوذ عليها، هَم الفرد العادي في بلدانها!.

ولأن الوضع هكذا، أصبحت الوكالات الائتمانية العالمية تُحدث صدمة تلو الأخرى في أسواق المال، وقد أدى تقييم الوكالات الائتماني السلبي للدول الغارقة في بحار من الديون، في إثارة المزيد من الذعر في أسواق المال المتوترة أصلاً، من فرط سيطرة فكي الأزمة الاقتصادية العالمية على الحالة العامة. الأوضاع الاقتصادية المتردية، التي تعتمرها الديون، أعادت وكالات التصنيف إلى الساحة، لتستعرض عضلاتها مرة أخرى، وذلك من خلال موجات الذعر التي تدفع بها في جميع أنحاء العالم. المنتقدون يوجهون اللوم، وأحياناً يقومون بالهجوم ضد هذه الوكالات، لأن تقييمها السلبي لدول بعينها، جاء في توقيت سيء. فتقييمها لليونان – مثلاً- أتى وسط سباق مع الزمن من أجل توفير مساعدات بالمليارات من اليورو لهذا البلد، الأمر الذين يعتبره المنتقدون بمثابة صب الزيت في النار. بماذا ترد الوكالات المعنية؟ تقول: " إنه لا يجوز حجب الأخبار السيئة لاعتبارات سياسية". وعلى الفور يطالب المنتقدون بضرورة " كسر نفوذ الجهات المصنِفة لقدرة الدول المَدينة على الوفاء بالتزاماتها المالية".

والحقيقة أن الشيء الوحيد الذي يُحسب لوكالات التصنيف، أنها أعلنت – ربما للمرة الأولى – بعدم جواز حجب المعلومات التي تحمل " أخباراً سيئة"، لأسباب سياسية. والشيء الطبيعي الذي تعودنا عليه، أن تنفي الحكومات ( بل وتسعى) المعلومات التي لا تخدم مصالحها السياسية، أو تقلل من زخم الفواجع التي تتضمنها هذه المعلومات. ويكفي التذكير هنا، بأن صندوق النقد الدولي، أعلن مطلع العام الجاري صراحة، أن موظفيه تعرضوا مع الأزمة الاقتصادية، إلى مزيد من الضغوط من قبل الدول الأعضاء ( يبلغ عدد أعضاء الصندوق 186 دولة)، لتصحيح أو شطب فقرات من تقاريره حول اقتصادات هذه البلدان. ومضى الصندوق أبعد من ذلك حين أعلن أيضاً " أن الأزمة سببت مؤخراً صعوبات إضافية في تطبيق سياسة الشفافية"!. وهذا يعني ببساطة، أن السياسيين لا يردون سماع الحقائق. لكن المشكلة التي تواجههم، هي أن الحقائق واضحة المعالم، ومعروضة للعيان، سواء حاولوا حجبها أو التقليل من آثارها السلبية الخطيرة، حتى في ظل الاتهامات الموجهة لوكالات التصنيف، بأنها لا تفرق كثيراً بين ما تراه رأياً وما تسوقه على أنه تقديرات حسابية لا تحتمل الخطأ.

من الواضح أن دور هذه الوكالات، لم يعد يمثل أساساً لتحرك المؤسسات الدولية، أو بعض الدول، لإنقاذ اقتصادات دول أخرى. وقد تجلى ذلك في كلام المدير العام لصندوق النقد الدولي دومنيك ستراوس. فهو يرى في مفاوضاته مع المسؤولين اليونانيين، من أجل قيام صندوقه تقديم حزمة من مساعدات مالية لليونان، ضرورة ألا تؤخذ آراء وتصنيفات الوكالات على محمل الجد. الأمر الذي يُحمِل المسؤولين في اليونان اليوم، وفي دول أخرى قد تواجه نفس المصير غداً، مسؤولية عمليات التمويه التي قد يقومون بها، حفاظاً على ما تبقى من استقرارهم السياسي. فلا يمكن أن تُحل أزمة ديون الدول بالنفي أو بتكذيب من يقول الحقيقة، حتى لو كانت وكالات التصنيف نفسها.

إن الصدق هو أساس الحلول، بصرف النظر عن مستقبل الحكومات.


السبت، 1 مايو 2010

كتاب جديد لـ محمد كركوتي يُشَرِح الأزمة الاقتصادية العالمية



زوبعة خارج الفنجان
نمو+ فقاعة X فساد – مسؤولية = أزمـــة


• لولا الضرورات المهنية لنُشر الكتاب بعنوان فرعي ثان " المال يتكلم.. ويشتم أيضاً"
• النظام القديم وضع السوق كـ "آلهة" وعبدها، وهاجم كل من يشكك في "إلوهيتها"!.

• "المُلهَمون الاقتصاديون".. كانوا إقصائيين وخطاءين و"قطاع طرق"!.
• الأخلاق والضمير.. مفردتان نكرتان في عالم احتقر المجتمع، وتعاطى معه كـ "عبد لمسرح الجريمة"!
• عرفنا أن الكبير لم يكن سوى جبل من ورق، وأن الصغير ليس إلا تلة يحطمها عصفور!
• كلفت الأزمة العالم – حتى نهاية العام 2009 – أكثر من 11,9 تريليون دولار أميركي.. فلم يعد المليار دولار رقماَ صادماً!
• حتى القائمين على "مهرجان كان" السينمائي، استبدلوا الشمبانيا بالقهوة، لضيق ذات اليد!
• أزمة أتت بمعاول التكوين، مثلما جلبت معاول التدمير!
• المطلوب "مَصنع" عالمي لـ "صناعة الثقة"، يُنتجُ نظاماً أخلاقي التكوين.

أبوظبي : الاقتصادية

صدر للكاتب والإعلامي محمد كركوتي كتابه الثاني في غضون عام واحد عن الأزمة الاقتصادية العالمية، بعنوان عريض غير تقليدي هو "زوبعة خارج الفنجان"، وعنوان فرعي استخدم فيه مقاربة حسابية على الشكل التالي " نمو+ فقاعة X فساد – مسؤولية = أزمة". ويقول كركوتي في تقديم كتابه :" لولا الضرورات المهنية لأضاف كلمة ( جشع) إلى عنوانه الفرعي، وبذلك تكتمل صورة الأزمة، بأوضح رؤية.. لكن بأقبح منظَر". ولو استطاع أن ينشره بعنوانين فرعيين، لأضاف "المال يتكلم .. ويشتم أيضاً". فالعنوان الأول يكمل الثاني، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وأخلاقياً. يصدر هذا الكتاب، عن "مركز الإمارات للدراسات الاقتصادية" الذي يتخذ من أبوظبي مقراً له، استكمالاً لكتابه الأول "في الأزمة"، حيث يعرض الكارثة الاقتصادية، بحقائقها ومصائبها، بصدماتها وبديهياتها، بجرائمها و"جُنَحها"، بعنفها الكبير و"فجورها" الأكبر. ويرى كركوتي، أنه على الرغم من الانتعاش الهش أحياناً، والمقبول أحياناً أخرى، إلا أن هذه الأزمة ستبقى مستحقة للعديد من الكتب والبحوث والدراسات العربية لفهم جوانبها بصورة أعمق، ولكن بصورة يسيرة الوصول. أما لماذا يسيرة الوصول؟ فلأنها ضربت بأعاصيرها، كل شيء وأي شيء. أصابت رؤساء دول ومؤسسات قيل أنها لا تُقْهر، وأصابت أيضاً عمال التراحيل وأسواق بدائية تُقْهر على أي حال!. خصوصاً وأنه لم يتم العثور على ناجين في هذه الأزمة، أما جرحاها فسيظلون لزمن طويل يعيشون آلام الجراح.

الأزمة تحدث الآن
ويعتقد الكاتب، أن الأزمة تحدث الآن، طالما أن عمليات التحفيز والإنقاذ والإسناد الحكومية متواصلة، وطالما شددت المؤسسات الدولية الكبرى وفي مقدمتها " صندوق النقد والبنك الدوليين"، على أن توقف هذه العمليات يهدد كل خطوة نحو الانتعاش. والمصيبة أن الانتعاش الحقيقي المرجو، لا يوجد "على الناصية"، وليس قريباً من الآمال. فحتى المتفائلين يتحدثون عن خمس سنوات أخرى، لخروج الاقتصاد العالمي نهائياً من " الزجاجة"!. فالأزمة التي انفجرت في القطاع المالي – المصرفي، وصلت شظاياها إلى مناطق في هذا العالم، لم تعرف بعد بوجود مصارف، وأماكن لا يزال " اقتصادها" قائم على المقايضة!. يضاف إلى ذلك، أن الأزمة ستواصل " حدوثها الآن" طالما ظل العالم بلا نظام اقتصادي جديد، يستبدل بصورة كاملة ذلك النظام، الذي حضَر أزمات لكل عقد تقريباً على مدار سبعة عقود من الزمن. كان – ولا يزال - نظاماً طبقياً متحرراً من كل الضوابط، لاسيما الأخلاقية منها. كان نظاما استبدادياً، وضع السوق كـ "آلهة" وعبدها، وهاجم كل من يشكك في هذه "إلوهيتها"!.

الهموم التي أضحت مستقبلاً
تضمن "زوبعة خارج الفنجان" ثمانية فصول، تناولت كل الجوانب التي نالت الأزمة منها، بما في ذلك الجوانب التاريخية والسلوكية والأخلاقية والإنسانية. ويقول كركوتي في مقدمة كتابه :"جمعت الأزمة الاقتصادية مفردات كنا نسمعها عادة فرادى أو اثنتين مع بعضهما البعض على أكثر تقدير. لكنها وصلت إلينا مجتمعة ومتشابكة ومتناغمة.. ومعبرة أيضاً عن الحقيقة الأكثر غرابة من الخيال!: نمو، جشع، طمع، فقاعة، فساد، غش، وهم، احتيال.. بالإضافة – طبعا- إلى المفردات الثابتة: فقر، جوع، بطالة، مرض، كوارث، مصائب، آلام، أُميَة، عنجهية، فوقية، طبقية". ويتابع المؤلف :" سمعنا عن دول قيد الانهيار، وأخرى (ثملت) منه!. رأينا الأمل كيف تحول إلى تاريخ أمام أعيننا، وشهدنا الهموم كيف أضحت مستقبلاً!. عرفنا أيضاً، أن الكبير لم يكن سوى جبل من ورق، وأن الصغير ليس إلا تلة يحطمها عصفور!. ويسخر كركوتي من مرتكبي الأزمة ومجرميها بتشبيههم بـ " المُلهَمين" ويقول: " إنها أزمة كاملة، تماماً كالجريمة الكاملة. ومثلما يستطيع المجرم في هذه الأخيرة، الإفلات من العقاب، استطاع مجرمو الأزمة النجاة منه. تركوا مكاتبهم ومؤسساتهم، وتركوا العالم يُحصي عدد ضحاياهم!. لم يكونوا اقتصاديين.. بل كانوا إقصائيين.. لم يكونوا مخطئين.. بل كانوا خطاءين. لم يكونوا مسؤولين.. بل كانوا قطاع طرق"!.

سرطان "وول ستريت"
حمَل الكتاب – كما حمَلت كل الأمم – بورصة "وول ستريت الأميركية المسؤولية الأولى. ويصف المؤلف هذه الأخيرة بـ " السرطان" وبأنها كانت مسرح الجريمة، لكن الأدلة عمت كل الأسواق. وطرحت السؤال المستمر إلى الآن وإلى ما بعد: أين الأخلاق"؟!. ويقول:" تسألون عن الأخلاق؟! هل كانت موجودة وضاعت؟ أم أنها لم تصل أصلاً إلى ذلك المسرح الفظيع؟!!. الأخلاق والضمير.. مفردتان نكرتان في عالم احتقر المجتمع، وتعاطى معه كـ (عبد لمسرح الجريمة)، في بلد لم يتخلص إلا "منذ قليل" من آثام العبودية!. ويبدو أن هذه السوق لا ترغب في أن تتعلم، ولذلك فإنها عرضة – إلى الآن – لانتقادات شديد وهجوم أشد، لمحاولاتها ممارسة الألاعيب، التي كانت السبب المباشر لأعنف أزمة عرفها التاريخ البشري، حتى أنها فاقت أزمتي " الكساد الطويل" والكساد الكبير"، لماذا؟ لأنها كانت أكثر شمولاً على الصعيد العالمي، وأشد دناءة على الصعيد الاجتماعي. ويعرض المؤلف نماذج من "قتلى الأزمة و"وجرحاها": المصارف، المؤسسات المالية، الجمعيات السكنية، الأسواق (البورصات)، المشتقات المالية، شركات التأمين، الاستثمارات الخارجية، التحويلات المالية، المساعدات، صناديق التحوط، الصناديق السيادية، الحكومات، الخزائن العامة، الموازنات العامة، التنمية، الإنتاج، التجارة، الصناعة، البشر، العمالة، الجمعيات الخيرية، شركات السيارات، السياحة، التعليم والبحث العلمي، مجموعات الدول الكبرى والصغرى، وكالات التصنيف، المجتمع الدولي، الإعلام، الأخلاق، الضمير. ويقول كركوتي :" لم ينجو أحد!!. وحتى القطاعات المرشحة للنجاة، أجَلت الأزمة نجاتها لأجل يُحسب بالسنوات!. لقد ضربت الأزمة العالمية مفاهيم الركود نفسها".

التكاليف
يتناول " زوبعة خارج الفنجان" تكاليف الأزمة مالياً وإنسانياً. ويقول كركوتي: " كلفت الأزمة العالم – حتى نهاية العام 2009 – أكثر من 11,9 تريليون دولار أميركي، من بينها أكثر من 4,5 تريليون دولار هي عبارة عن خسائر مصارف ( تقديرات الخسائر العربية تحوم حول 2500 مليار دولار).. والخسائر لن تتوقف في المدى المنظور. لقد قزَمت الأرقام الكبرى، فلم يعد المليار دولار رقماَ صادماً. وينقل عن الرئيس الأميركي باراك أوباما قوله:" إن أسوأ ما في العاصفة انتهى، غير أن الدمار لا يزال باقياً". وكان البنك الدولي واقعياً عندما أعلن للعالم أجمع بأن آثار الأزمة "ستؤدي إلى تغيير المشهد العام بالنسبة للتمويل والنمو، على مدى السنوات العشر المقبلة"!. العجز في ميزانيات الدول يتفاقم، وعدد الجياع في العالم بلغ 1,02 مليار بشري، وعدد الذين فقدوا وظائفهم في غضون عام تقريباً أكثر من 65 مليون إنسان، والشركات تتخلف عن سداد ديونها، وفي الولايات المتحدة تم إغلاق أكثر من 150 مصرفاً في عام واحد فقط، وتحويلات العمالة تقلصت، ومساعدات الدول المانحة تراجعت، وعمليات تشغيل الأطفال ازدادت، والجرائم البشرية والالكترونية تعاظمت، وحالات الانتحار في أماكن العمل بلغت 28 في المئة. في أوروبا انتقل ما لا يقل عن 17 في المئة من سكان القارة تحت الفقر. شركة الطيران البريطانية " برتيش إيروز" طلبت من موظفيها العمل مجاناً، وحتى القائمين على "مهرجان كان" السينمائي، استبدلوا الشمبانيا بالقهوة، لضيق ذات اليد!.

ويقول المؤلف : "للمرة الألف ربما .. هذه الأزمة لا (ولن) تشبهها أخرى. هي أزمة أتت بمعاول التكوين، مثلما جلبت معاول التدمير. طرحت لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، ضرورة إنشاء ( وليس إصلاح) نظام اقتصادي عالمي جديد. نظام لا يشبه "بريتون وودز" الذي قام في أعقاب الحرب الثانية. نظام يوفر أدوات لإنشاء مصنع عالمي لـ (إنتاج الثقة). (مصنع) عصي على الإغلاق، ينتج سلوكيات اقتصادية ومالية جديدة، تقوم على ما هو موجود في الواقع، لا على ما هو وهم في الخيال. نظام لا يفرز أحداً، ولا يجامل أحداً أيضاً. نظام أخلاقي التكوين".

الكتاب
كَتب الغلاف الأخير لـ "زوبعة خارج الفنجان"، الذي وُضع بلغة تصل إلى الجميع - على اختلاف شرائحهم - الزميل ناصر الظاهري، وصمم غلافه الزميل كركوتي نفسه، الذي استعان بلقطة شهيرة لكوكب الأرض من المجال الجوي للقمر، وزعتها قبل أكثر من أربعة عقود وكالة الفضاء الأميركية ( ناسا)، وكتب عليها " كرة أرضية للبيع"!. واستخدم المؤلف نفس الآليات التي استخدمها في كتابه الأول " في الأزمة"، مع بعض الفوارق القليلة. فقد عزز موضوعاته ببيانات وإحصائيات ودراسات، مثلت أساساً له، وحرص على التحري الدقيق لمصادرها. كما أنه "استحب" فيه مواصلة نشر المقولات التاريخية والمعاصرة ( المأثورة وغير المأثورة)، كمقدمات لموضوعاته. والشاعر الاسباني غارسيا لوركا حل مكان الشاعر التشيلي بابلو نيرودا في الصفحات الأولى، وقدم الأزمة "كاريكاتيرياً" بدلاً من تقديمها "بصرياً"، ووجد مناسباً – كما جاء في تقديم الكتاب - نشر بعض عناوين الصحف العالمية الكبرى، التي قدمت أبلغ تعبير عن الأزمة، وبعض أغلفة المجلات العالمية الكبرى أيضاً التي لم تكن أقل بلاغة. ولأن أقوال السياسيين والاقتصاديين باتت مكررة -وأحيانا متناقضة، وأحيانا أخرى بلا معنى – فقد حلت مكانها مجموعة منتقاة من النكات العالمية، التي وفرت بسمة حارقة تتلاقى مع "نارية الأزمة".

ويرى كركوتي أنه وضع "زوبعة خارج الفنجان"، كتاباً مكملاً لكتب عربية أخرى، تساهم في تكريس حقيقة أن أحداً ليس محصناً في هذه الدنيا، وأن الذي يرغب بالنجاة، لن يفوز بقاربها إذا ما ظل بعيداً عن معرفة أماكن وأسرار صُنعِها.

الكتاب : زوبعة خارج الفنجان

الناشر: مركز الإمارات للدراسات الاقتصادية

عدد الصفحات : 476

القطع: متوسط

السعر : أربعون درهماً إماراتياً



الثلاثاء، 27 أبريل 2010

مُنقِذون عاجزون؟!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")





" الديون والأكاذيب عادة ما تختلط مع بعضها البعض"
المؤلف والكاتب الفرنسي فرانسيس رابيلايس



محمد كركوتــي

لا .. ليست مبالغة. وعندما ننفي المبالغة، لا يعني بالضرورة أننا من محبي التشاؤم، أو من مناصري الإحباط، أو من مؤيدي الإرباك، أو من مروجي الهموم، أو من أولئك الذين لا يرون سوى الجانب المظلم من مشهد فيه أيضاً جانب مضيء، يحتوي على شيء يمكن التأسيس عليه (بصرف النظر عن هشاشته). ليست مبالغة التحذيرات الآخذة بالانتشار في كل الأجواء، من أن الديون السيادية national debt ( لا أعرف كيف تكون هناك سيادة مع الديون؟!)، ربما تفجر أزمة اقتصادية عالمية جديدة. التحذيرات الأقل حدة ( أو الأقل رعباً)، تتحدث عن مرحلة جديدة من الأزمة الاقتصادية، بسبب هذه الديون، التي فاقت كل التقديرات، ووصلت إلى مستويات، لم تصل إليها حتى في عز الحروب الكبرى والصغرى!. دول ثرية بسمعتها، لكنها "ثرية" أيضاً بديونها. دول ثرية بديونها، لكنها فقيرة بسمعتها!. كلها تحت الهم ترزح، وضمن المشاكل المتوالدة تعيش. كل واحدة منها، تسعى إلى إخراج ما يمكن إخراجه من قَدمِها، من محيط الأزمة التي لا تزال مسيطرة على الحراك الاقتصادية – وإن بدرجات متفاوتة – مثل سيطرة "الأخ الأكبر" The big brother ( الذي سماه -ولم يبتكره- الأديب البريطاني جورج أورويل)، على المجتمعات بناسها وحياتها ومستقبلها. هذه الدول لا تختلف بديونها، عن ديون الأفراد الذين كُبلوا بها، لتتحول بعد ذلك إلى أزمة لم تحدث من قبل، وإن كانت كل الاحتمالات مفتوحة لتَحدُث في المستقبل، خصوصاً في ظل البطء، بتصحيح المسار الاقتصادي العالمي، لاسيما الجانب المالي منه، الذي عَمَتُه الجريمة بآثامها.

الديون السيادية ( ولنقل الحكومية لأنها أبلغ توصيفاً)، ليست مصيبة قائمة بذاتها فقط، بل كارثة على ماذا؟.. على المحاولات والإجراءات الهادفة إلى الوصول إلى أقرب مستوى للاستقرار المالي العالمي. إنها تتفاعل في وقت يحتاج فيه العالم، إلى وجود حكومات أقل مديونية، وأكثر قوة - سياسياً واقتصادياً وتشريعياً.. وحتى إجرائياً – لإزالة أدران الأزمة الاقتصادية، ووضع نظام مالي، لا يشبه ذاك الذي وفَر مقدمات الأزمة، وعصف بالعالم على مدى سبعة عقود من الزمن، وقضى على ما يمكن تسميته بـ " الوجدان الاقتصادي"، ودحر الأخلاق التي كان يجب أن تشكل صرحاً أصيلاً، في النظام الاقتصادي ككل.

قد تكون بعض المخاوف من الأزمة العالمية زالت، وأخرى في طريقها إلى الزوال، بصرف النظر عن المدة الزمنية ( وهي ليست قصيرة). لكن المخاوف المتعاظمة باتت تسيطر على الموقف من الموازنات العامة العاجزة لدول كبرى، كانت في السابق تملك "أسلحة" بمقدورها تخفيف العجز، أو سده برمته. الذي يحدث الآن، أن الحكومات المُنقذة للمؤسسات المالية، والمطالَبة بمواصلة عمليات الإنقاذ والتحفيز والإسناد، غارقة بالديون. وظهر هذا بوضوح من انخفاض قيم أصول المصارف والمؤسسات المالية في الربع الأول من العام الجاري إلى 2,3 تريليون دولار أميركي، بينما بلغت قيمة هذه الأصول في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي 2,8 تريليون دولار. أي أنها تراجعت بمقدار 100 مليار دولار شهرياً!. إلى ماذا يؤدي هذا؟ يؤدي – حسب صندوق النقد الدولي – إلى إطالة فترة انهيار الائتمان، وسيجعل الأنظمة المصرفية وغيرها من الأنظمة المالية، في مهب الريح مجدداً، وسيُبقي بالطبع على هشاشة مستوى الائتمان.

المخاوف لا تُحدق فقط باقتصاد اليونان المتشبثة بكل المنقذين. ولا تخص أيضاً دولاً مثل أسبانيا أو لاتفيا أو البرتغال. بل باتت جزءاً أساسياً من الحراك الاقتصادي في الولايات المتحدة الأميركية واليابان وبريطانيا. فديون هذه البلدان الأخيرة تبدو خارج مجال التصديق. الولايات المتحدة تخضع لديون تصل إلى 95 % من ناتجها القومي، وتعيش بريطانيا بديون وصلت إلى 57% من ناتجها، أما اليابان فقد وصلت ديونها إلى قرابة 200% من ناتجها!. وللتذكير يرتفع الدَين العام في الولايات المتحدة، بمعدل 3.79 مليار دولار أميركي في اليوم الواحد، منذ سبتمبر/ أيلول من العام 2007 !!. والديون تعصف أيضاً بدول كبرى أخرى مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، وغيرها من الدول التي تتسلم حالياً زمام المبادرة والأمور في إصلاح الاقتصاد العالمي، وخصوصا النظام المالي فيه. إنها أزمة ضمن أزمة، علماً بأن الأزمة الاقتصادية، لم تكن السبب الأول لها. فقد كانت هذه الديون تتعاظم – وإن بمستويات أقل – حتى قبل أن تأتي هذه الأزمة، وتجلب معها الخراب للإنسانية كلها.

يقول المؤلف الروماني ببليلوس سيروس: " الديون.. هي عبودية الأحرار". وحكومات الدول الكبرى – قبل الصغرى- تعيش عبودية غير مسبوقة في هذا المجال. فهي تسعى – كغيرها من الحكومات – إلى البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة، بصرف النظر عن مدى استقرارها السياسي، المتأثر سلبا من عدم استقرارها الاقتصادي. إنها حقاً تعيش عبودية، بينما تجد صعوبة في العثور على من يتعاطف معها، وذلك لسبب واحد فقط، هو أن هذه الحكومات، تركت الحبل على الغارب لـ "أفاقي" السوق، ولمروجي الوهم، ولبائعي أوراق لا قيمة لها، ولـ "مُلَهمين" صَدموا هم أنفسهم، من فداحة "إلهامهم"!. الحكومات في منطقة اليورو، تنظر بقلق وتوتر إلى مستقبل " التصحيح" الاقتصادي اليوناني، لاسيما وأنها منخرطة في عملية التصحيح هذه. وزاد القلق أكثر، عندما لم يستبعد جان كلود يونكر رئيس مجموعة اليورو "يوروغروب"، أن تجد بلدان أخرى من منطقة اليورو نفسها في وضع مشابه لوضع اليونان، ومضى أبعد من ذلك حين طالب بضرورة إصلاح المعاهدات الأوروبية لإنشاء آلية خاصة بمنطقة اليورو، لتسوية مثل هذه المشاكل في المستقبل. فهو يرغب بوجود آليات، تجنب أوروبا من الغوص في بحار الديون. وإذا كانت اليونان (بعجزها الاقتصادي) أحدثت هزة عنيفة، ضربت أوروبا وأثرت على بلدان خارج محيط هذه القارة، فإن عجز متطابق العوامل ( والحالة) يضرب الولايات المتحدة أو بريطانيا أو اليابان أو ألمانيا، سيحدث زلزالاً، لن ينجو منه أحد. ولنا أن نعرف – حسب منظمة "التعاون والتنمية الاقتصادية" – أن الدول الثلاثين الأكثر تقدما في العالم، ستشهد ارتفاعاً في ديونها 100%، من إجمالي ناتجها المحلي في العام 2010، وهو ما يمثل ضعفي ديونها تقريبا في غضون عشرين عاما!.

لرسام الكاريكاتير اللبناني – السويسري باتريك تشاباتي، رسمٌ لخص فيه فداحة الديون الحكومية، ليس فقط في الوقت الراهن، بل في المستقبل. فقد رسمَ مجموعة من المسؤولين الغربيين، يقرأ أحدهم بياناًَ جاء فيه :" إننا نشكر أحفادنا، لأنه لولا أموالهم، ما كانت عمليات التحفيز والإنقاذ ممكنة"!. وبالفعل لخص هذا الفنان الكارثة، بهذه الجملة المفيدة جداً. فالديون الحكومية، الناجمة بصورة رئيسية عن عمليات الإنقاذ، التي تطلبتها الأزمة الاقتصادية، التي بدورها جريمة ارتكبها المنقذون أنفسهم، ليست ديون المرحلة، بل ديون المستقبل. فكل طفل يولد الآن، يخرج إلى الدنيا وهو مَدين بأموال لم يقترضها، وبالتأكيد لم ينفقها!.

إنها جريمة متكاملة شاملة. ضمت في "أحضانها" الأطفال وفي محيطها البالغين على حد سواء، وأصابت العالم أجمع بكارثة ليست طبيعية، بل "كارثة مُصنعة"!.



الثلاثاء، 20 أبريل 2010

العالم الثالث السابق!

( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")











" العالم الثالث ليس حقيقة.. إنه فكرة"
الفيلسوف الأميركي حنا آرنديت

 
محمد كركوتــي
 
على دول العالم الثالث أن تفرح، وعليها أن تَسعد بتقدمها صفا أمامياً واحداً. عليها أن تعترف للأزمة الاقتصادية العالمية، ببعض "الجميل" في تحركها الطبقي نحو الأعلى. عليها أن تتخلص من مشاعر "الدونية" ولو قليلاً. عليها أن ترفع من صوتها بكل ما تمتلك من قوة، في وجوه "كاتمي الصوت". عليها أن تردد تلك الأغنية الشهيرة للشاعر والمغني الأميركي بوب ديلان " الأوقات تتغير" The Times They Are a-Changin . عليها أن تُذكِر العالم – لاسيما الذين كانوا أقوياء في المُطلق – بما قاله يوماً رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرتشل : " إن الأمم القوية ليست عادلة، وعندما ترغب في أن تكون عادلة، تكون قد فقدت قوتها". على دول العالم الثالث، أن تغتنم التحول التاريخي الذي أحدثه الاقتصاد لا السياسة، والذي جعل من الكبير أقل شأنا، وأكثر اضطراباً، ومن الصغير رقماً، لم يكن محسوباً في السابق. عليها أن تتخذ سياسات توازي التحولات، وأن تعمل على " إنضاج" نفسها وفقاً للمستجدات التاريخية. لقد ظلت هذه الدول عقوداً من الزمن، تسلك طريقاً بلا مسارب، ودرباً بلا نقطة علاَم واحدة!. ارتضت برقمها الثالث الذي حدده الآخرون لها. ربما اعترضت مرة أو مرتين.. لكن لم تجدد اعتراضاتها بعد ذلك. قبلت بالتصنيف، دون أن تسأل عن واقعية ومعايير المُصنِف!.

إذا كانت السياسة والنظم غير الديمقراطية كرست تصنيف العالم الثالث، على اعتبار أن العالم الأول – مثلاً- يمارس السلوك الديمقراطي في حياته، فإن الاقتصاد هو الذي بدأ بدفع التوجهات إلى إلغاء "الرقم الثالث" في عالمه. وهو بالتحديد ما دفع رئيس البنك الدولي روبرت زوليك إلى الإعلان عن أن " مفهوم العالم الثالث القديم، لم يعد قائماً، وأن الدول الغنية ( الصناعية) لا يمكنها فرض إرادتها على الدول النامية التي أصبحت الآن محركات رئيسية للنمو العالمي". كيف توصل حاكم بنك " الأثرياء والفقراء" إلى هذه النتيجة التاريخية بكل معنى الكلمة؟. قام باستعراض بسيط للحراك الاقتصادي في بعض الدول النامية على مدى السنوات الماضية، "واكتشف" أن التقدم الاقتصادي في هذه الدول، كان له آثار عميقة على التعاون الدولي والتعددية وعمل مؤسسات مثل البنك الدولي. "واكتشف" أيضا، أن الاقتصادات الناشئة ستلعب دوراً أكبر، من العودة مجدداً للتركيز على مصالح ذاتية. ولمن نسي – ومن بينهم زوليك – فإن الدول المَعنية في العالم الثالث هذه، بدأت بلعب دور كبير على الساحة العالمية منذ سنوات. أي أنها تجاوزت حالة أو توصيف "ستلعب". لا يرغب مكتشفو "الحقيقة" الجديدة، أن ينظروا لعالم جديد من منظور قديم. والواقع أن الحائط الأخير في "صرح" المنظور القديم، دُمر عملياً وواقعياً مع أول تفجير جاءت به الأزمة الاقتصادية العالمية، "المصنوعة" من جهة الغرب لا الشرق، والمتُشكلة من مفاهيم المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، التي لا دخل لـ " العالم الثالث" في نشوبها، لكنه احترق بنارها، من جملة حرائق العالم.

هل سيفهم الغرب (المُصنِف) خطأ تصنيفه؟ أم أن بقاياه من المنتصرين السابقين، سيحاولون الاحتفاظ بالمنظور القديم بأطول مدة ممكنة ؟ هل سيقتنع الغرب، بأن سياسة الإشراك، لم تعد مطلباً، بل أضحت حقيقة واقعة ماثلة أمام الجميع؟. هل سيستفيد العالم من الفترة المتبقية للرئيس الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض، لتكريس هذه الحقيقة، لاسيما وأنه بدا من دعاتها؟. الواضح أن عدداً متنامياً من "المنتصرين القدماء" الذي ملكوا زمام كل مبادرة دولية، باتوا يعرفون أن التغييرات العالمية ليست مرحلية أو عابرة، بل حدثت ( وتحدث) لتبقى، ولتؤسس لمفهوم جديد فيما يرتبط بصنع القرار الدولي. ومع تزايد تأثير الدول الناشئة في الحراك الاقتصادي العالمي، واشتراكها في صياغة الحلول ( لا تزال بعيدة عن الاشتراك الذين تستحقه في صنع القرار)، لن يكون سهلاً على أي من الدول ذات المفهوم القديم، أن تقاوم وجود اللاعبين الجدد على الساحة. فهؤلاء لم يكن مسموحاً لهم، حتى بالجلوس على مقاعد "الاحتياط". لقد كانوا مثل أولئك الذين يحضرون مباراة لكرة القدم، لا يقومون بأي شيء سوى التشجيع!.

عندما ابتكر المؤرخ الفرنسي الفريد سوفيه مصطلح "العالم الثالث" في العام 1952، لم يشر إلى أن مصطلحه هذا سيصلح في كل زمان، وإن كان يعرف المكان. فقد أطلقه في وقته، على اعتبار أن دول العالم الثالث لم تستفد من الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر. ولأنها كذلك، فهي دول نامية، أو دول متخلفة. ولكن السؤال الذي كان ينبغي أن يُوجه إلى سوفيه : لماذا لم تقم الدول الصناعية أو تلك المنخرطة في التصنيع آنذاك، في نشر "الاستفادة" من هذه الثورة؟! علماً بأن الغالبية العظمى من الدول التي "حملت" الرقم ثلاثة، كانت مجرد مستعمرات للدول الصناعية. إن هذا المصطلح كان ظالماً، لأن "النفحات" الصناعية وقتها، كانت محجوبة عن هذا العالم، الذي لم يكن يملك حتى صنع القرار الاجتماعي في بعض دوله، فكيف الحال بصنع القرار الاقتصادي أو التنموي أو الصناعي؟!.

الآن.. يتحدثون عن أن أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ، ستحقق متوسط نمو يتجاوز الستة في المئة بحلول العام 2015 بينما ستشهد منطقة جنوب آسيا - حيث يعيش نصف فقراء العالم - نمواً بنسبة تصل إلى سبعة في المئة سنوياً خلال الفترة نفسها. وأن التغييرات العالمية الهائلة لا تحدث فقط في دولة مثل الصين والهند. وهذا يعني أن أي مبادرة (أو تحرك) ، ستكون بلا قيمة، إذا ما استبعدت هذه الدول عن ماكينة صنع القرار العالمي. كيف يمكن تجاهل دوراً للصين والهند والمكسيك والبرازيل وماليزيا والفلبين وتايلاند وجنوب أفريقيا في هذا المجال؟. كيف يمكن تجاهل دور المملكة العربية السعودية التي تشهد نمواً متوازناً، وتستأثر بأكبر احتياطي نفطي في العالم، وتساهم مالياً بصورة كبيرة في المؤسسات الدولية، بما في ذلك البنك الدولي؟!.

لقد أظهرت مجموعة العشرين – على سبيل المثال – قدرة فائقة على مجابهة الأزمات، وقوة متعاظمة في صياغة ووضع الحلول. وأثبتت أن القرارات التي فُرضت على مدى عقود من قِبل الدول التقليدية الكبرى، لم تؤد إلا إلى مجموعة من الكوارث، وجملة من المصائب، إلى جانب مشاعر الأسى عند الدول المُتلقية لهذه القرارات. في هذا الزمن سوف يؤدي أي تجاهل لدول "العالم الثالث" الناشئة والمؤثرة في الاقتصاد العالمي، إلى دفعها للسعي وراء مصالحها الوطنية الأضيق. وهذا ما يخشى منه رئيس البنك الدولي، لأن ذلك سيترك " الفريق" تحت رحمة "لاعبين كهول"، لن يسجلوا أهدافاً، وإن فعلوا فسوف يسجلونها في مرماهم!.

إن مفهوم " العالم الثالث"، ينبغي أن ينتهي ليس إعلامياً ولا إنسانياً فحسب، بل سلوكياً أيضاً. المجال الآن مناسب لـ " تغيير الأرقام"، تمهيداً لإلغاء "الطبقية الاقتصادية العالمية". في هذا العالم لم يعد هناك مكان للنخبة، ولا مساحة لمُتسيد، ولا فسحة لكبير. هناك ساحة للجميع.

الثلاثاء، 13 أبريل 2010

بطالة عربية فتية.. لكنها مُعمِرة!


(هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")







" الجوع ليس الشكل الأسوأ للبطالة.. إنه الفراغ "
المؤلف والكاتب الأميركي وليام باريت

 
محمد كركوتــي
 
تستحق قضية البطالة في العالم العربي، صفحات دائمة في الصحف العربية، وفترات مستمرة في وسائل الإعلام الأخرى. وتستحق أن "تحتضنها" دراسات وبحوث أكثر واقعية، ومستندة إلى قاعدة بيانات أكثر حداثة من تلك المتداولة على الساحة. وتستحق أن تبقى ملازمة لصناع القرار، وكل المؤسسات المعنية بالتنمية والحراك الاجتماعي – الاقتصادي. فهي ليست قضية موسمية، ولن تكون في المستقبل بهذه الصفة. كما أنها تلتصق بقوة بالهم المعيشي، اليومي لا السنوي. بل هي صانعة أصيلة للهموم، أينما وجدت. هي "سرطان"، يكبر إذا لم يُقاوم، وينتشر إذا ما كانت المقاومة أكثر ملامسة للضعف، منها إلى القوة. هي بؤس مرحلي إذا كانت مرحلية، وكارثة إنسانية إذا كانت دائمة. هي حالة مشينة للمجتمع، قبل العاطل نفسه. فكما لهذا المجتمع أو ذاك الحق، في الحصول على الطاقة الإنتاجية لأفراده في كل المواقع، كذلك للأفراد الحق في الحصول على فرص، توفر لهم الكرامة، وتمنحهم الأدوات للقيام بدورهم الوطني والاجتماعي.

المصيبة في قضية البطالة العربية، أنها وصلت إلى مستويات مرتفعة، في أوقات الازدهار والنمو، وفي أزمنة الكساد والركود. وبذلك خلقت معادلة اقتصادية غريبة، ليس لها مثيل في العالم كله. ولأن الأمر كذلك، فقد أحدثت ( ولا تزال) إرباكاً في عمليات علاجها – إن وجدت -، وضربت بكل المحاولات الرامية للتقليل من آثارها. فنحن نعرف أن حلها ليس بالأمر السهل، لأنه لا يأتي بقرار ( أو قرارات)، بل من خلال منظومة اقتصادية تنموية وطنية شاملة، تساندها منظومة إقليمية مشابهة، ولا بأس من دور لمنظومة دولية. فبعد اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، بات من الصعب ( إن لم يكن من المستحيل) فصل الاقتصادات عن بعضها البعض، لاسيما تلك التي ترتبط بوثاق إقليمي. والحل المنشود لأزمة البطالة، لم يكن ( ولن يكون) حلاً وطنياً صرفاً، بل هو "كوكتيل" من الحلول، الجانب الوطني فيها (لاشك) أساسي.

المصيبة الأخرى في هذه القضية، أن البطالة "استحوذت" على الشباب العربي، أي أنها ببساطة عطلت المستقبل، في حاضر مليء بالأعطال. حاضر يعج بسياسات مضطربة في بعض البلدان العربية، ومتعارضة في بلدان أخرى، مع استحقاقات التنمية. حاضر فاقد للتناغم بين متطلبات السوق ومخرجات التعليم. وهذه النقطة بالتحديد ساهمت بصورة كبيرة – إلى جانب الأزمات الاقتصادية المحلية والدولية – في ارتفاع معدلات البطالة في الدول العربية، ووصولها إلى أعلى مستوى بين الشباب عالمياً!. والجانب المريع في تحديد معدلات البطالة العربية، أنه لا توجد إحصاءات حديثة، وتقوم المؤسسات المهتمة بهذا الخصوص، بوضع دراساتها وفق إحصاءات جرت قبل خمس سنوات!. أي أن الضحايا الذين أوقعتهم الأزمة الاقتصادية العالمية، ليسوا في الحسبان، وإن كانت هناك تقديرات، يصعب الاستناد عليها، في بحث هذه القضية الخطيرة. والغريب، أن القمة العربية الاقتصادية الاجتماعية التي عُقدت في الكويت مطلع العام 2009، ناقشت دراسة قُدمت لها، بعنوان "تحديات التنمية في الدول العربية نهج التنمية البشرية" بُنيت أساساً، على إحصاءات من العام 2005، بل هناك بعض الإحصاءات (قُدمت إلى القمة) أُجريت في العام 2003!.

لن أستعرض هذه الإحصاءات، التي استُعرضت بما فيه الكفاية، منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وللتذكير فقط، تتحدث منظمة العمل العربية، عن بطالة تصل إلى 14 في المائة، لكن هذه النسبة "استُهلكت" من فرط عدم تجديدها، خصوصا وأنها لا تشمل في الواقع عدد العاطلين العرب الذي انضموا إلى زملائهم في أعقاب الأزمة العالمية. وحسب تقديرات أخرى، فإن النسبة تصل حالياً إلى 17 في المائة، بينما تتحدث جهات أخرى عن 19 في المائة. وأياً كانت النسبة، فالكارثة تكمن في نوعية العاطلين، مثلما تكمن في انتشارهم وارتفاع أعدادهم بصورة مستمرة. الجهات الرسمية العربية تقدر العاطلين الشباب بحدود 25,7 في المائة، وهي النسبة الأكبر على مستوى العالم، وأعلى من المتوسط العالمي بنسبة 77.8 في المائة. وعلى الرغم من أن واقع الحال يطرح نسبة أكبر منها ( بعض الجهات تقدر نسبة العاطلين الشباب بـ 50 في المائة)، إلا أن هذه المُعلنة تمثل قمة المصائب، وتفرض طرح قضايا متلازمة معها، في مقدمتها، ليس توفير فرص العمل، بل توفير العاملين للفرص. أي الموائمة بين ما تحتاجه السوق، وبين ما أصبح يعرف بصورة واسعة "مخرجات التعليم". صحيح أن الفرص في زمن الكساد والركود والأزمات، ليست متاحة بشكل كبير، لكن الصحيح أيضاً، أن هناك ضرورة حتمية، لسد ما هو متوفر في السوق من فرص عمل. هذه النقطة لا تزال ضائعة بين إحصاءات قديمة، وهموم متجددة.

يقول المؤرخ والكاتب الاسكتلندي توماس كارلايل : "إن الرجل القادر على العمل، وليس قادراً على الحصول عليه، يعيش شكلاً من أبشع أشكال البؤس". وعندما يصبح الرجل عاطلاً، دون أن يسبق له العمل في حياته، يكون البؤس أكثر بشاعة وأشد هولاً، وتكون الآثار الاجتماعية مريعة إلى درجة الانفجار في أي لحظة. نعرف أنه ليس هناك حلول سريعة وناجعة لهذه الأزمة المتفجرة، ونعرف أيضاً أن الأوضاع الاقتصادية العالمية، تبرر ازدياد عدد العاطلين عن العمل. ونعرف أن الحكومات العربية ترغب ( وتعمل) للوصول إلى أفضل الحلول الممكنة. لكن الذي نعرفه، أن كل ما طُرح من حلول ( في الركود وخارجه)، لا يعالج القضية، وإن كان يجعلها مطروحة على الساحة. وهذه القضية في الواقع، هي "أم القضايا"، لأنها مرتبطة بتنمية المجتمع، كما ارتباطها بخلق فرص عمل. بل مرتبطة بأمن المجتمع نفسه.

إن " التصالح" بين ما هو موجود في السوق، وبين ما يَصدر من المؤسسات التعليمية بكل مستوياتها من قوى بشرية، هو خطوة أولى على طريق إيجاد الحلول، ويكتسب هذا "التصالح" أهمية كبيرة في وقت الأزمات. كما أن العالم العربي لا يزال بعيداً جداً، عن ما يعرف بآليات "الاخراط"، التي تستند بدورها على أدوات التأهيل وإعادة التأهيل، خصوصا في عز الأزمات، التي تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي "غصباً".

القضية ليست سهلة، ولن تكون كذلك. لكن يمكن من خلال بعض الخطوات العملية والواقعية، الوصول إلى مراحل، تفسح المجال أمام المراحل الكبرى، التي لا ينفع فيها، إلا انخراط عربي شامل، لحل مشكلة هي في الواقع " قنبلة" بشرية موقوتة.

الثلاثاء، 6 أبريل 2010

فساد أسود من القارة السمراء؟!


( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")









" اللامبالاة شريكة دائمة لجريمة الفساد"
ملكة الجمال الأميركية السابقة بيس ميرسون

 
 
محمد كركوتــي
 
وجدت صعوبة في العثور على مقدمة مناسبة لهذا المقال. فالأرقام التي أمامي تلغي كل المقدمات، وتضفي ركاكة على كل الجمل الإنشائية البليغة إذا ما سبقتها، وتجعل الكلمة بلا معنى، بل بلا جدوى!. هي أرقام مفجعة حقاً. مرارتها توازي الفاجعة عنفاً، وتصيب متابعها بقرف، يفوق القرف الذي نشرته الأزمة الاقتصادية العالمية في الأجواء. أرقام من النوع الذي ينشر "ضجيج الصمت". أرقام تتقزم أمامها كل الأرقام، فيما لو استثنينا الرقم الذي وصل إليه عدد الجياع في العالم وهو 1,02 مليار إنسان!. والواقع أن الأرقام المفجعة الرهيبة، مرتبطة بهذا "الرقم" من الجياع أيضاً. فهي من النوع الذي ينشر الجوع والفقر والألم والبطالة ويُمَكِن المرض والأوبئة. هي من النوع الذي ينال من الحياة البشرية مباشرة، دون وسيط أو فريق أو طرف آخر. هي أرقام تعاظمت عن طريق جمع الفساد والاحتيال والرشوة والسرقة في حراك شيطاني واحد. هي "منتج" من "قطاع" صناعة هذه "المواد الأولية" الأربعة مجتمعة!. ففي الوقت الذي غاصت فيه كل قطاعات الصناعة في العالم في بحر الأزمة الاقتصادية، بقي هذا "القطاع" مزدهراً و"منتجاً" وملبياً لطلبات القائمين عليه. إنه "القطاع" الوحيد الذي وقف في وجه الأزمة. إنه قاهر الأزمات!.

عندما نتحدث عن الجوع، تكون القارة الأفريقية الموضوع الأول فيه. وعندما نتناول الفقر، تبقى في المقدمة، وعندما نطرح قضايا الأمراض والأوبئة ووفيات الأطفال وتشغيلهم و"أمُُيتهم"، نبدأ منها. وحتى عندما تنطلق المهرجانات الفنية الضخمة لجمع التبرعات، وتتحرك الجمعيات الخيرية في العالم لتوفير المساعدات، تكون هذه القارة الوجهة الرئيسية لها. إنها القارة الأولى المستوردة للعمل الإنساني، والأولى "المنتجة" للآلام الإنسانية!. وماذا أيضاً؟ هي المنطقة الأكثر انتشاراً للفساد الذي يأكل سكانها، ويرمي بقاياهم. بل في هذه القارة مئات الآلاف - إن لم نقل ملايين - من بشر يعيشون كـ "بقايا"، من فرط العوز والجوع والفقر، وكل ما ينال من الحياة الإنسانية!. في هذه القارة عدد الراغبين بنهار جديد، أقل من عدد أولئك الذين ينتظرونه. فاليوم الجديد هناك، يعني معاناة جديدة من طراز جديد أيضاً!.

على مدى أربعة عقود من الزمن، خرج 1,8 تريليون دولار أميركي بصورة غير شرعية من القارة السمراء. صبت غالبية هذه الأموال أين؟ في المؤسسات الغربية، وفي النظام المالي الدولي الآخر المشين!. والتقديرات وراء هذا الرقم ليست من تلك "الجامحة"، بل من المحافظة جداً. فالتقديرات الأخرى تتحدث عن 2,4 تريليون دولار في الفترة المذكورة. أي أن هذه القارة خسرت قرابة 500 مليار دولار أميركي كل عشر سنوات. وهذه الأموال هي ببساطة، خسائر مباشرة لكل فرد يعيش فيها، وهي ضريبة غير مُعلنة فرضها الفاسدون عليه، وتقاضوها دون علمه. هي أموال العلاج والتعليم والتشغيل. أموال لجلب المياه الصالحة للشرب الآدمي، وللتنمية الزراعية والبشرية. هي أموال لصيانة كرامة الإنسان هناك. أموال ليس فقط يمكن من خلالها تسديد الديون الخارجية للدول الإفريقية البالغة – حسب لوائح العام 2008 - 250 مليار دولار، بل يمكن أيضاً أن تحقق معدلات عالية جداً للنمو. وطبقاً لمركز "سلامة النظام المالي العالمي" الأميركي Global Financial Integrity المعروف اختصاراً بـ GFI ، فإن الفرد الأفريقي يخسر سنوياً قرابة 989 دولار أميركي منذ العام 1970!. واستنادًا إلى الأرقام التي توصل إليها المركز نفسه، فقد بلغ حجم الأموال المهربة إلى الخارج 2% من الناتج الكلي الأفريقي في العام 1970، وبلغ في العام 1987 أكثر من 11%. وقد شهد تراجعاً في تسعينات القرن الماضي إلى 4%، ليرتفع في العام 2007 إلى 8%، وفي العام 2008 بلغ أكثر قليلا من 7% من الناتج الكلي لهذه القارة.

المصدومون من هول هذه الأرقام، لم يجدوا أمامهم سوى مجموعة العشرين، التي أخذت زمام المبادرة على الساحة العالمية في أعقاب الأزمة الاقتصادية، ليستنجدوا بها، لماذا؟ لأنها الجهة الدولية المخولة – والقادرة- حاليا على كبح جماح المؤسسات المالية والمصارف العالمية، والملاذات الضريبية الآمنة، واقتصاد "الوهم"، والاستثمار المشين. فالأمر ليس شأناً داخليا لكل دولة أفريقية تعاني من هذا الفساد المدمر، بل هو شأن دولي إنساني أخلاقي. وهو ليس قضية إقليمية، بل دولية خالصة، ليس فقط لتهريب الأموال من القارة السمراء إلى خارجها، بل لأنها تصب، أين؟ في ما تعرف تسميته "نظام الظل المالي العالمي" أو global shadow financial system . وهذا النظام الأسود، يأكل حقوق ومقدرات السواد الأعظم لسكان القارة السمراء، من خلال وجود – ضمن آلياته وتسهيلاته – ملاذات ضريبية آمنة، وأدوات متطورة بصورة مستمرة لغسيل الأموال، ومؤسسات وشركات وهمية لا وجود لها في الواقع، وما يعرف تجارياً بـ " سوء التسعير" أو Trade mis-pricing ، والكثير من الأفكار الاستثمارية السوداء أيضاً. هذا النظام، هو في الواقع "سرطان اقتصادي" دولي، لا أفريقي أو آسيوي أو أوروبي. ولأنه كذلك، فقد خرج منذ زمن بعيد من نطاق محليته أو إقليميته. هو " سرطان" نشأ في بقعة، لكنه سرعان ما أصاب كل البقع.

يقول الفيلسوف الإغريقي ديوجين :" اللصوص الكبار يقودون مسيرة اللصوص الصغار"، وفي رد غير مباشر على هذا الفيلسوف، يقول المؤلف والكاتب الأميركي إدوارد هاو :" إن اللص يعتقد أن الجميع لصوص". في أفريقيا – كما العالم – هناك أنواع متعددة للفساد، من بينها "الفساد المستتر". وهو - في هذه القارة - لا يؤلم، بل يقتل. ووفق تقرير "التنمية في أفريقيا" الذي أصدره البنك الدولي في الربع الأول من العام الماضي، فإن " الفساد المستتر" يكلف الدول الأفريقية أموالاً طائلة، عن طريق فشل الموظفين الحكوميين في تسليم السلع أو الخدمات التي تدفع تكاليفها الحكومات نفسها!. وحسب التقرير، فإن هذا النوع من الفساد، متفش على نطاق واسع في جميع أنحاء أفريقيا ويؤثر سلباً على الفقراء فيها على المدى الطويل. وأنقل هنا مثالاً واحداً على كيفية ارتكاب هذا الفساد. في قطاع التعليم، يحرم طفل من التعليم المناسب، لماذا؟ لأن المدرس- الذي يفترض وفقاً للميزانيات الحكومية - أن يكون في الصف الدراسي، يؤدي واجبه في تعليم التلاميذ بدوام كامل، لا يقوم بواجبه. لماذا أيضاً؟ لأن رواتب المعلمين قد تم تحويلها عن طريق الاحتيال إلى المسؤولين الفاسدين أو إلى أطراف أخرى مؤثرة مثلهم!.

لن يتوقف الفساد في القارة الأفريقية سواء كان مستتراً أم فاضحاً. وقد أثبتت العقود الأربعة الماضية، أن الخطأ لا يكمن في وجود حكومات فاسدة فقط، بل في كيفية إدارة المساعدات التي تقدم لهذه القارة من الدول المانحة، وكيفية تعاطي الحكومات المانحة مع الحكومات الممنوحة. ولا أعرف كيف ينظر رئيس دولة تقدم المساعدات، إلى هذه الحقائق المريعة؟. فغالبية أموال المساعدات ينتهي بها المطاف لدعم حكومات "منتفخة"، ينفق رؤساؤها على حفلات أعياد ميلادهم أموالاً، يمكن أن تبني وتشغل مدارس ومستشفيات، وتوفر الحد الأدنى للكرامة الإنسانية لعدد كبير من مواطنيهم.

إن هروب الأموال من أفريقيا، التي يصونها الفساد من كل الأنواع، هي قضية إقليمية داخلية بلاشك، لكن معالجتها لن تتم بصورة ناجعة إلا خارجياً. إنها مسؤولية دولية، ارتفع زخمها العالمي في أعقاب الأزمة الاقتصادية. وهي مسؤولية أخلاقية، سيحاسِب التاريخ بسببها الفاسد والساكت عن الفساد.

الثلاثاء، 30 مارس 2010

تقارير دولية بلا معنى؟!

( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")










" الرجل الجائع.. ليس حراً"
سفير الولايات المتحدة الأسبق إلى الأمم المتحدة أدلي ستيفنسون

محمد كركوتــي

 لم تعد تقارير وبحوث ودراسات وإحصائيات المؤسسات الدولية الكبرى ( الأمم المتحدة ومنظماتها، والبنك وصندوق النقد الدوليين، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والاتحاد الأوروبي ومنظماته.. إلخ)، تمثل صدمة في أرقامها، ولا خوفًا في حقائقها، ولا إنذارًا في استنتاجاتها. بل لم تعد تشكل وقعًا، حتى إعلاميًا!. فقد تحولت من فرط غياب الجدية في التعامل مع حقائقها( بل وتجاهلها) إلى ما يشبه البيانات التي تصدرها حكومات في دول، لا تسمع إلا صوتها، مهما كان نشازًا. وعلى الرغم من أن كل تقرير عن التنمية والبشر والبطالة والمرض والجوع والعطش والطفولة والتعليم، يحتوي على كارثة إنسانية كاملة ( تماما مثل الجريمة الكاملة)، إلا أنه يظهر ويمضي عابراً، لكنه يترك آثارًا مريعة على أرض الواقع، لا في محيط الوجدان. فصاحب القرار الدولي، مشغول بشيء ما، ولو استطاع، لكتب على جبينه لافتة " نرجو عدم الإزعاج"!. لكنه في الواقع، ليس بحاجة إلى مثل هذه اللافتة. فهو إن قرأ التقرير المريع، يضعه في أسفل كومة الأوراق (الأولويات). وليس مهمًا إن كان هذا التقرير على رأس تلة الأوراق، إذا لم يقرأه أصلاً. فالمادة التي لم تُقرأ، مثل المادة التي لم تُكتب!.

ولأن الأمر كذلك، فلا معنى لإحصاء منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، بوصول عدد الجياع في العالم إلى 1,02 مليار بشري، ولا قيمة لما أصدره مكتب الأمين العام للأمم المتحدة، بأن هناك 1000 مليون شخص في العالم، لا يحصلون على مياه شرب نظيفة، وأن مليون طفل يموت سنويا بسبب المياه الملوثة. ولا وزن لما أعلنته منظمة الصحة العالمية، بأن نصف المرضى في مستشفيات الدول النامية يموتون بسبب تلوث المياه، وأن عدد الوفيات الأطفال دون سن الخامسة في الدول نفسها، بلغ في العام 2008 قرابة 8,8 مليون طفل. ولا أهمية لأرقام منظمة العمل الدولية، التي أحصت 162 مليون طفل عامل في العالم، وأن أكثر من 633 مليون عامل ( بالغ ) يعيشون مع عائلاتهم على أقل من 1.25 دولار أميركي!. ولذلك فقضية وجود 37 في المائة من سكان العالم بدون مرافق صحية جيدة، تبدو مسألة تافهة!، وعدم التحاق أعداد هائلة من الأطفال في المدارس، هو شيء من الكماليات!.

كل تقرير تصدره المؤسسات الدولية الكبرى، يتطلب التزامًا من الدول الكبرى قبل الدول الصغرى. وكل حقيقة مريعة، تستوجب "هَبَة" كبرى توازي في قوتها حقيقة المخاطر. لكن الالتزامات تبددت، والإرادة تزعزعت، وكأن توالد المآسي، يخص المنكوبين فقط، في عالم متشابك، لا توجد قوة على وجه الأرض يمكنها أن تفك تشابكه. ألم تقدم الأزمة الاقتصادية العالمية، الدليل التاريخي الأقوى على "تراص التشابك"؟. ألم تربط بين قوي كان لا يقهر، وضعيف يعيش قهرًا؟. ألم تأتي بحقيقة، أن الحدود لم تعد تلك التي تحدد مساحة هذا البلد أو ذاك؟ بل هي تلك التي المرسومة على محيط الكرة الأرضية كلها؟.

نعرف أن الجميع يعاني من أزمة الأزمات. ونعرف أن الأولويات الوطنية تمثل ضرورة حتمية لحكومات الدول الكبرى. ونعرف أن هذه الحكومات تسعى إلى فرص انتخابية أخرى. ونعرف أنها تواجه مصاعب جمة. ونعرف أن بعضها يسعى إلى إعادة هيكلة اقتصاداته. ونعرف أن ديون بعضها المحلية يفوق دخلها المحلي. لكننا نعرف أيضًا، أن مسؤولياتها الدولية، هي ضرورة حتمية أيضاً، إلا إذا أرادت أن تتخلى عن مكانتها العالمية، وتنضم إلى مجموعة الدول المتلقية للقرار العالمي، لا صانعته. فمسؤوليات الكبير ليست كمسؤوليات الصغير. الأولى دولية عامة والثانية محلية خاصة. الأولى لها مرددوها التاريخي العالمي الكبير، والثانية لها مردود وطني صغير.

التقرير الأخير الذي أصدرته الأمم المتحدة مؤخراً، حمل عنوانًا مليئًا بالدلالات. عنوان مشين للدول الكبرى هو " الوفاء بالوعد". أرادت المنظمة الدولية أن تُذكِر من وَعدوا بوعودهم. أرادت أن تقول لهم : "نرجو قراءة هذا التقرير، ونرجو عدم رميه في سلة المهملات، أو في ملفات التأجيل. نعرف أنكم في أزمة، لكن القضايا المطروحة في تقريرنا، تفوق أزماتكم خطورة، وتحمل معها تفجيرا نوويًا بشريًا عالمياً". أرادت الأمم المتحدة القول : "رجاءً ضعونا ضمن أولوياتكم. فهذه القضايا، هي قضاياكم أيضاً. إنها تحوم في الأرجاء، قبل أزماتكم وخلالها وبعدها". هذا التقرير -الذي بلاشك سيتم وضعه في الملفات فقط – تضمن اعترافاً بحدوث تقدم في المجال الإنساني سابقاً. أي أنه لم يتناول فقط الجانب المأساوي، ولم يطرح الأرقام المشينة، ويتغاضى عن غير المشينة منها. بل تناول ما للكبار وما عليهم. لكن المشكلة أن التردي في الحياة البشرية، فاق التقدم فيها، ومسحت السلبيات الهائلة المفجعة، الإيجابيات الصغيرة الجميلة. لماذا؟ لأن الجهود التي بُذلت لتخفيف الآلام والأوجاع ودفع التنمية ( بصورتها الشاملة) خطوات إلى الأمام، لم تكن مستدامة، ولم تكن على قدر الكارثة. كانت في كثير من الأحيان، جهود موسمية، وفي أحيان أخرى ارتجالية. وفي بعض الأوقات كانت عاطفية حافلة بالدموع، تقدم مشهدًا درامياً مؤثراً في وقته، سرعان ما يصبح ذكريات!.

لقد تراجع كل شيء في السنوات القليلة الماضية ( أي قبل الأزمة العالمية) باتجاه الدول النامية. المساعدات من الدول المانحة الكبرى، ومعها الاستثمارات الأجنبية، والمخصصات التي اعتُمدت من أجل خفض مستويات الفقر وشح المياه والبطالة وتشغيل الأطفال والوفيات والأوبئة والأمية. كانت الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن، لا تؤمن بزيادة مساعداتها للدول الفقيرة وتطوير فعالية هذه المساعدات. ومن أجل ذلك تراجعت في ظل هذه الإدارة من المركز الأول على قائمة الدول المانحة، إلى الرابع!. لا غرابة هنا. فهذه الإدارة وقفت بقوة ضد تعميم الضمان الصحي للأميركيين أنفسهم الذين انتخبوها مرتين!. وفي عام 2005 وضعت الدول الغنية في الاتحاد الأوروبي مخططاً لزيادة المساعدات الإنمائية بشكل تدريجي، يتم بموجبه تخصيص 0.51 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي لمساعدة الدول النامية حتى عام 2010 ، على أن ترفع تلك القيمة إلى 0.7 بالمائة بحلول عام 2015 . لكن النتائج لم ترق إلى مستوى التعهدات. لا مجال هنا للحديث عن " مشاريع الألفية" التي أطلقتها الأمم المتحدة قبل حلول الألفية الحالية، من أجل الحد من تصدع الحياة البشرية في الدول الفقيرة. فهذه المشاريع لم تحقق أهدافها، وإن حققت بعض القفزات المتواضعة.

الجوع ، المرض، الفقر، الأمية ، البطالة، كلها عناوين تصبغ المشهد الراهن والمقبل أيضاً. فالجائع – كما يقول المؤلف الإغريقي أرستوفانيس – لا صديق له إلا مُطعِمه، وكذلك المريض لا صديق له إلا طبيبه، والفقير إلا مُحسِنه، والأمي إلا مُعلِمه، والعاطل إلا مُشغِله. والتقارير الدولية المريعة التي تعج بالهموم، لن تكون سوى سجلات لمصائب، ليست باقية فحسب، بل متعاظمة إلى حد الدمار الشامل.