الاثنين، 23 أكتوبر 2017

الإرهاب المالي




"تستطيع أن تحول أدوات التواصل الاجتماعي إلى أدوات جيدة أو أدوات مضرة وخطيرة
سيرا ـــ شاعرة ومغنية أمريكية 

كتب: محمد كركوتي

بعد أن أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ملاذا آمنا لتوصيل الرسائل والمعلومات الخاصة بتنفيذ أعمال إرهابية مختلفة، ووفرت "سراديب بريدية" لهذه المهمات التخريبية، صارت أيضا ممرات وملاذات آمنة لما أُطلق عليه أخيرا "الإرهاب المالي". وهو إرهاب لا يتعلق بجرائم القتل والتفجيرات وعمليات التفخيخ التي يقوم بها الإرهابيون، بل بتسريب معلومات سرية حول شركة ما من داخلها، أو عن عملية تجارية شرعية تتطلب الكتمان، أو تداولات مالية مختلفة، أو بيع وشراء الأسهم والسندات، أو نشاطات الاستحواذ والاندماج بين المؤسسات، وغير ذلك من الحراك المالي الذي يجري بتريليونات الدولارات حول العالم يوميا. وإذا كان الإرهاب الأصلي يقتل ويدمر ويخرب، فـ "الإرهاب المالي" يضر ويضرب كيانات من كل الأحجام، ويضع أسرارها قيد التداول السهل المتاح لمن يسعى إليها. هناك مشكلة عويصة في هذا النطاق، لم تتمكن الحكومات المعنية من حلها، بل ظهرت هذه الحكومات وكأنها جهات تسعى إلى فرض رقابة على وسائل التواصل الاجتماعي بغية تكميم الأفواه، أو غربلة الطروحات. والقائمون على هذه الوسائل يتعاونون في حدود ضيقة، انطلاقا أيضا من حق المستخدم في السرية، وهذا الحق تضمنه في الواقع القوانين والتشريعات التي تضعها الحكومات نفسها! وعلى مدى سنوات تحولت هذه المسألة من قضية لبحث المدى الذي يمكن للحكومات أن تصل إليه، والمسؤولية الأخلاقية لمؤسسات التواصل الاجتماعي، إلى سجال وجدال كبيرين. إحدى هذه المؤسسات رفضت تماما التعاون في هذا المجال، منطلقة بالطبع من القوانين التي تضمن لها ذلك، في حين أن هذه القوانين لم تتعدل بما يكفي لمنح الحكومات مزيدا من الحرية في الحراك على الساحة المغلقة لوسائل التواصل الاجتماعي. ولا شك أن العابثين بهذه الوسائل من إرهابيين قتلة إلى إرهابيين ماليين، يستغلون هذا الخلاف أو في أفضل الأحوال يستفيدون من التعاون المتواضع بين إدارات وسائل التواصل الاجتماعي والحكومات وجهات إنفاذ القانون. وإذا كانت الدول تواجه صعوبة في الوصول الحر إلى ملفات مستخدمي هذه الوسائل لأسباب أمنية، علينا أيضا أن نتخيل الصعوبة في الوصول إلى ملفات "الإرهابيين الماليين". وهنا يظهر الصراع الفعلي بين الجهتين المعنيتين، ولا يمكن أن يتم وضع حد لهذا الصراع، إلا بتشريعات جديدة، لن تكون عملية فرضها سهلة، ولها تكاليفها السياسية على الحكومات نفسها. ناهيك عن أن غالبية هذه الحكومات في العالم الغربي على وجه الخصوص، لا تتمتع بالقوة الشعبية على ساحاتها المحلية، الأمر الذي يدفعها إلى الحلول الوسط. يقول مكتب التحقيقات الفيدرالية "يبدأ التركيز على احتمال قيام الرسائل المشفرة، بتسهيل الجرائم المالية. والتشفير مشكلة متنامية في معالجة الاحتيال، وغسل الأموال والتداول بناء على معلومات سرية". وهذا الكلام مثير حقا، لأنه يعطي انطباعا بأنه حتى لو تم الوصول إلى الملفات "الخلفية" لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، ولاسيما الـ "واتس آب"، فإن عمليات التشفير التي يقومون بها تقف سدا منيعا أمام الكشف عن محتواها. والسرية التي تقدمها (بحسب مكتب التحقيقات الفيدرالية) مثل هذه الخدمات، تجعل التنصت على المحادثات ومذكرات الاستدعاء بلا قيمة. وهذا يعني مجددا، أن السلطات الساعية إلى إيقاف "الإرهاب المالي"، ستعود مجددا إلى ما يمكن تسميته "المربع الأول". استطاعت السلطات الأمريكية والبريطانية على وجه الخصوص في الآونة الأخيرة، ضبط عدد من المتعاملين في سوق المال والتجارة، قاموا بتمرير معلومات عبر تطبيق "واتس آب" مضرة بشركات كانت تخضع لعمليات استحواذ، وعلى آخرين قاموا بتمرير معلومات أخرى عن صفقات سرية للأصدقاء. لكن ما ضبطته هذه السلطات لا يُذكر أمام "نشاط التمرير" الذي لا يتوقف، بل تتسع دوائره إلى أحجام خطيرة ومضرة بالفعل. وغالبا ما تكون العقوبة على شكل غرامات مالية، بإمكان أي متلاعب مالي أن يدفعها وأن يعيش بما جمعه من هذه العمليات بلا عمل لبقية حياته. حتى عقوبة السجن (إذا ما وجدت) تكون عادة قصيرة الزمن. وهذا يشكل أيضا معضلة أمام الحكومات التي "تناضل" للوصول إلى الأشخاص المتلاعبين ماليا، وليس لديها عمليا عقوبات قوية ضدهم إذا ما كانت محظوظة ووصلت إليهم. في الواقع لم تنفع قرارات الشركات والمؤسسات المالية في حظر الهواتف الذكية لموظفيها خلال فترة الدوام الرسمي. لأن هؤلاء يستطيعون الوصول إلى المعلومات السرية بحكم عملهم، وبإمكانهم تمريرها بأساليب أخرى خلال النهار. هواتف ذكية في سياراتهم، أصدقاء متعاونون معهم ينتظرون خارج المؤسسة، وغير ذلك من الأساليب. إنها عملية عويصة لكل الأطراف، باستثناء "الإرهابيين الماليين". والمشكلة هنا، ليست في تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، بل في طريقة عمل المؤسسات نفسها، ومستوى الثقة التي تمنحها لهذا الموظف أو ذاك. خصوصا إذا ما علمنا، أن عمليات تشفير مبتكرة يمكن أن يتوصل إليها أي شخص ينوي شرا في هذه المؤسسة، أو يحاول الحصول على مكاسب مالية غير شرعية.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

مصير الأموال في مدينة المال




"عندما تكون هناك أشياء لا تسير كما ينبغي، بإمكان لندن تحملها"
جيرمي هانت، وزير الصحة البريطاني


كتب: محمد كركوتي


في المربع المالي بلندن هذه الأيام، سعادة غامرة. وهذا المربع (والمدينة كلها معه)، يتلقف أي إشارة إيجابية حتى لو دخلت في نفق التمنيات، بل الأحلام. وكما أن الشمس ليست من الزائرين المقيمين في لندن، وهي أقرب إلى "مسافر ترانزيت"، كذلك الأخبار التي تحمل بعضا من فرح، أو لفتة انفراج، أو حتى وعدا غير مشكوك فيه. دعك من أقوال على شاكلة "برؤية لندن، كأنك رأيت أكثر ما يعرضه العالم"، أو "أنك تعيش في لندن مثل السائح"، أو "لندن أكثر الأماكن سحرا في العالم"، أو "أحب وضعيتي كأجنبي في لندن، هناك أعداد كبيرة من الأجانب فيها". كل هذه الأقوال وغيرها بالآلاف لا تغير من الوضع الراهن شيئا، وبالتأكيد لن تغير في تشكل الوضع الجديد في المرحلة المقبلة.
أظهر آخر استطلاع أجري في العاصمة البريطانية، أن هذه الأخيرة لا تزال المركز المالي الأقوى جاذبية في العالم متقدمة على نيويورك حتى بفارق كبير. وطبعا هذه النتيجة، تأتي في ظل المفاوضات الجارية حاليا بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي لاستكمال عملية الخروج البريطاني من هذا الاتحاد المعروفة باسم "بريكست". لا تريد لندن أكثر من هذه النتيجة الآن، لأنها تعرف أنها لن تحصل على أفضل منها، بصرف النظر عن عدم محورية الاستطلاعات (بشكل عام) وأهميتها الفعلية على أرض الواقع. وكان طبيعيا أن ابتعدت مدينة نيويورك عن العاصمة البريطانية في هذا الاستطلاع، من زاوية الانعزالية الاقتصادية التي ارتضتها وتعمل لتعميقها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. فهذا الأخير بات قائدا لانسحابات بلاده من تجمعات دولية راسخة في التاريخ، على مختلف الأصعدة.
خبر وحيد "باسم" ظهر في لندن في زحمة الأخبار "العابسة" منذ أكثر من عام، ما دفع أنصار "بريكست" إلى تحويله لشعارات مُقطَعة ومتقطِعة. و"التقطيع" للاستفادة القصوى منه من فرط قناعتهم بأن هذا أفضل ما سيظهر على الساحة من الآن وحتى موعد انتهاء مفاوضات الخروج، لاسيما أنهم يواجهون حقائق تظهر بصورة مستمرة الآثار السلبية الناجمة عن الانسحاب. ومن هنا كان ضروريا (مثلا) أن يحذر لوبي مالي بريطاني من الاكتفاء بنتيجة الاستطلاع، وهذا اللوبي أسرع بدعوة الحكومة لإيضاح تدابيرها الانتقالية بعد نيسان (أبريل) 2019 الوقت الرسمي للخروج البريطاني من الاتحاد. الكل يعرف أن لندن مركز مالي قوي وراسخ وحقيقي، وأن دولا تسيطر على اقتصادات أكبر من الاقتصاد البريطاني لم تستطع أن تقتنص لعواصمها مكانة توازي مكانة العاصمة البريطانية، في هذا المجال شديد الحيوية والتأثير.
لكن الصورة الحقيقية تختلف عن نتائج الاستطلاع المشار إليه، لماذا؟ لأن مؤسسات مالية ومصارف كبرى أعلنت مبكرا تفعيل خطط طوارئ من بينها الانتقال من لندن إلى مدن أوروبية أخرى، أو فتح مراكز رئيسة فيها. ويزداد عدد هذه المؤسسات مع عدم تأكدها حقا من التدابير التي تتخذها الحكومة البريطانية لما بعد إتمام الانسحاب. ناهيك عن الخلافات داخل الحكومة نفسها بشأن شكل ووتيرة ومعطيات عملية المفاوضات، وصورة العلاقة المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي، وطبيعة علاقات بريطانيا مع بقية بلدان العالم، خصوصا من الناحية الاقتصادية. يأتي هذا كله، في ظل مفاوضات تتسم بالحدة بين الطرفين، ووسط فوضى فاضحة في صنع القرار البريطاني بهذا الشأن، ما دفع مسؤولين أوروبيين للحديث علنا عن ضرورة أن تكون بريطانيا أكثر "حرفية" في هذه المفاوضات.
لندن لا تزال المركز المالي الأول على مستوى العالم دون منازع. لكن كيف سيكون وضعها مع إعلان أغلب المصارف البريطانية والأمريكية واليابانية الكبرى، أنها ستفتح وحدات لها في فرانكفورت الألمانية ودبلن الإيرلندية؟ بعض منها سينقل مراكزه الرئيسة، إلى جانب طبعا عودة كل الفروع الأساسية للمصارف الأوروبية إلى بلادها. دون أن نذكر باستفاضة مصير مقاصة اليورو التي تتمتع بها العاصمة البريطانية منذ إطلاق هذه العملة. والسؤال الآن، هل ستبقى لندن المركز المالي الأول بعد ذلك؟ لا شك أن هذه المدينة بنت نظاما ماليا فائق القدرة على التعاطي المالي العالمي. لكن غيرها من المدن الكبرى بنت أيضا أنظمة مالية قوية ذات سمعة عالية الجودة، ويمكنها من خلال التحديث والتوسع أكثر أن تستوعب كل "الهاربين" من العاصمة البريطانية.
لا يمكن النظر إلى لندن كأكبر مركز مالي عالمي على أنه حقيقة حتمية مستدامة. الأوضاع تتغير وتتبدل بصورة "درامية". وبريطانيا كلها تعيش اهتزازا اقتصاديا اجتماعيا، بل وطنيا أيضا، لم تمر به منذ الحرب العالمية الثانية. وهذا الاهتزاز يعود بالطبع إلى قرار "بريكست" أولا، وإلى عدم وضوح الرؤية ما بعده ثانيا. يضاف إلى ذلك الحالة التفاوضية المهزوزة الراهنة، والصدام السري أحيانا والمعلن أحيانا أخرى بين السياسيين داخل الحزب الواحد. بريطانيا تتشكل حاليا بصيغة مختلفة، وبالتأكيد تتشكل معها لندن المدينة التي تحدث التاريخ عنها أكثر من غيرها من كل المدن.


(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الأحد، 22 أكتوبر 2017

أي ضمانات في مواجهة كوارث الطبيعة؟



"الأعاصير تذكرنا دائما، أنه رغم تقدمنا التكنولوجي.. معظم ما يأتي من الطبيعة لا يمكن توقعه" 
دايان إيكرمان ـــ كاتبة وشاعرة أمريكية 

كتب: محمد كركوتي

مع استفحال موسم الأعاصير والزوابع في الولايات المتحدة ومنطقة الكاريبي، يتوازى رعب المتضررين مباشرة منها، مع خوف مؤسسات التأمين والشركات التابعة لها، أو المتعاونة معها في تحمل مخاطر بعض البوالص. فكما هو معروف، تقوم شركات التأمين عادة بتوزيع المخاطر على أكثر من جهة بما يعرف بـ "التأمين وإعادة التأمين". بعض هذه البوالص تشترك في تغطيتها جهات يقدر عددها بالعشرات، وبعضها الآخر يصل عدد الجهات إلى أقل من ذلك. وكل هذا يرتبط بمدى حجم المخاطر المحتملة في هذه البوليصة أو تلك، خصوصا عندما تتعلق المسألة بالكوارث الطبيعية المتوقعة أو تلك التي لا أحد يستطيع توقعها مهما كانت إمكانيته عظيمة في قراءة المستقبل وآلياته متطورة في هذا المجال. حتى النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، كانت هناك مقولة متداولة في لندن والمدن التي تحتضن مراكز مالية عالمية كبيرة، أن مؤسسة "لويدز" للتأمين لا يمكن أن تخسر. وهذه المؤسسة كانت تعتبر أكبر وأقدم شركة تأمين في العالم آنذاك. غير أن أعاصير ضربت بريطانيا في تلك الفترة، ضربت معها "لويدز" التي وصلت إلى حافة الإفلاس الفعلي، على الرغم من اتباعها نظام توزيع المخاطر على شركات أخرى. وأثبتت التجارب السابقة، أن المخاطر الناجمة عن الكوارث الطبيعية أكثر ضررا لشركات التأمين في أي مكان، من أي مخاطر أخرى. هي لا تواجه فواتير الأضرار في الممتلكات فقط، بل تدفع فواتير التأمين على الحياة، وهذا النوع من التأمين منتشر بصورة كبيرة في الولايات المتحدة مقارنة بغيرها من البلدان المتقدمة الأخرى. في غضون أقل من ثلاثة عقود، ضربت الولايات المتحدة أعاصير ضخمة بلغ عددها عشرة. في حين سجلت السنوات المشار إليها كوارث طبيعية أخرى ضخمة هناك، كالزلازل والهزات الأرضية المتوسطة والأمطار التي تنتج السيول، والرياح التي تعطل الحياة في المناطق التي تضربها. ووفق الأرقام، فإن الخسائر الناجمة عن الأعاصير العشرة فقط تصل إلى ما بين 470 و500 مليار دولار، من بينها ما يزيد على 160 مليارا هي الخسائر التي تتكبدها البلاد نتيجة إعصار "كاترينا" الشهير، الذي اتُفق على أنه خامس أعنف إعصار في تاريخ الولايات المتحدة قاطبة، وسابع أكبر أعاصير الأطلسي على الإطلاق. ولو أضيفت الأضرار المالية الناجمة عن الكوارث الطبيعية الأخرى ولا سيما الزلازل، سيرتفع الرقم إلى مستويات عالية جدا. ولا سيما زلزالي أوكلاهوما وسان فرانسيسكو، دون الإشارة طبعا إلى خسائر الكوارث الطبيعية التي لم تدخل السجلات في تاريخ البلاد. المتوقع أن تواجه شركات التأمين مع موجة الأعاصير الراهنة التي تضرب الولايات المتحدة ضربة قاصمة، ولا سيما تلك المعنية بالتأمين في منطقة فلوريدا والمناطق الأخرى المتضررة. ويتفق عدد من الخبراء في مجال التأمين، على أن هذه الشركات قد تصل إلى مرحلة العجز في تعويض المتضررين، خصوصا أنهم قدروا الخسائر التي ستنجم عن إعصار "إيرما" المتفاعل بأكثر من 100 مليار دولار. المشكلة الرئيسة في هذه النقطة بالتحديد، تتعلق بمدى صحة تقديرات القائمين على شركات التأمين للأضرار الناتجة من كوارث طبيعية يمكن أن تقع. والحق أنهم لو رفعوا توقعاتهم لهذه الخسائر، فإنهم سيكونون مضطرين لرفع أقساط التأمين إلى مستويات قد لا يمكن تحملها من قبل الزبائن. إنها في كل الأحوال نوع من أنواع المقامرة. فإذا كنت لا تعرف متى بالضبط سيضرب هذا الإعصار أو الزلزال، كيف يمكن لك أن تتنبأ بالأضرار التي ستنجم عنه؟! إعصار "إيرما" الذي لم ينته بعد تسبب في أضرار لأكثر من 26 مليون أمريكي، ناهيك عن عدد الأشخاص في البلدان الحدودية مع الولايات المتحدة. في السابق ضربت الكوارث الطبيعية معها شركات تأمين كبيرة ومتوسطة، وطمرتها إلى الأبد. بالطبع كانت الحكومات تتدخل في نهاية المطاف لتوفير الحماية للمتضررين. وفي بعض الحالات قامت هذه الحكومات بـ "تأميم" شركات بعينها منعا لاضطرارها إعلان إفلاسها، وتيسيرا لعملائها، ولاسيما أولئك الذين يحتاجون حقا للتغطية المالية، من هذه الكارثة أو تلك. لا شك في أن الإدارة الأمريكية تدرس كل الخيارات في مسألة الأعاصير التي ضربت البلاد (ولا تزال) هذا الموسم. فالمسؤولية لا تتوقف هنا عند إنقاذ المتضررين، بل تمضي قدما إلى مرحلة تعويضهم خصوصا أولئك الذين كانوا يلتزمون بالحفاظ على بوالص تأمين لمثل هذه الأوقات العصيبة. وشركات التأمين الأكثر براعة، هي تلك التي استطاعت أن توزع المخاطر على أكبر عدد من الجهات التأمينية. صحيح أن أرباحها ستنخفض، لكنها تضمن على الأقل الاستمرار بصورة طبيعية لأطول فترة ممكنة، ولمواجهة مزيد من الكوارث الطبيعية التي لن تتوقعها، وإن فعلت فهي ستفشل في تقدير أضرارها.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية)

«حرب أهلية» منوعة في بريطانيا



"ما تحتاج إليه بريطانيا سيدة حديدية" 
مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا الراحلة 


كتب: محمد كركوتي

في بريطانيا.. كل شيء صار متصلا بـ "بريكست"، حتى إن النقص في عدد القابلات، وسائقي الحافلات، ومرشدي القطارات، والعاملين في الإطفائيات، بات يعلق على مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كأن "الحلم" تحقق في العثور على حامل للمشكلات الصغيرة والكبيرة في هذا البلد. حزب المحافظين الحاكم أكثر من منقسم، وحزب العمال المعارض فيه من الفوضى ما يكرس الانقسام. ناهيك عن الانقسام المتصاعد بين أولئك الذين يعدون الأيام لتحقيق الانفصال عن الاتحاد، وبين الشريحة التي لا تزال تأمل في معجزة ما تؤخر "على الأقل" هذا الانفصال. بريطانيا الآن، ليست سوى ساحة للاتهامات المتبادلة التي طالت حتى كبار السن الذين يتحملون مسؤولية ترجيح كفة المقاتلين من أجل الطلاق الأبدي من الاتحاد الأوروبي. هل هي "حرب أهلية" حقا؟ لا يوجد توصيف أكثر ملاءمة من ذلك. المفاوضون من جهة الحكومة مع الاتحاد الأوروبي، يتعرضون لضربات من زملائهم في الحكومة نفسها! ووصلت هذه الضربات إلى حد التصادم في آليات الانسحاب بل أهدافه! في حين أن الطرف الآخر "الاتحاد الأوروبي" يمضي قدما في مواقف أوروبية متجانسة إلى حد التطابق في كل المحاور المطروحة. المشهد البريطاني، أصبح حديث أوروبا من حيث "الولدنة" السياسية البريطانية، في مسألة مصيرية بكل معنى الكلمة. فكل خلاف بريطاني محلي، هو في الواقع انتصار أوروبي لا يحتاج إلى جهد لا في المفاوضات ولا في المناورات. ولا ينقص إلا أن يقول الأوروبيون لشركائهم المنسحبين: اتفقوا على موقف واحد وتعالوا للتفاوض، لا وقت لدينا للمهاترات. في لندن.. حكومة ضعيفة، ضعيفة جدا، تقودها رئيسة وزراء تحكم بائتلاف هش، بل مضحك من حيث التكوين. ناهيك عن أن تيريزا ماي استمرت في موقعها كرئيسة للوزراء بعد انتخابات عامة خسرت فيها أغلبيتها. ولهذا السبب وغيره، بدأ بعض أركان حزبها العمل على إزاحتها في أسرع وقت ممكن. وانطلق بعض الأركان الآخرين إلى إزاحة رئيس وزراء محتمل هو وزير المالية فيليب هاموند، الذي يمثل في نظر هؤلاء خطرا داهما، باعتباره أكثر اعتدالا في مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي. وهذا الأخير أعلن مواقفه في أكثر من مناسبة، ولا سيما تلك الداعية إلى استمرار عضوية بريطانيا حتى بعد الموعد النهائي للانسحاب لعامين إضافيين على الأقل، من أجل تأمين انسحاب سلس لا يضرب الآليات التنفيذية على الساحة البريطانية. هاموند نفسه الذي وقف إلى جانب تيريزا ماي للوصول إلى زعامة الحزب في أعقاب استقالة الزعيم السابق ديفيد كاميرون، يتعرض لانتقادات من ماي مباشرة، خصوصا أن الأخيرة لا تريد التوقف عن تملق قادة تيار الانسحاب "بريسكت"، أملا في أن يقفوا إلى جانبها في أي محاولة جديدة لعزلها. فهي تعلم أنها تعيش وتحكم على حافة الهاوية، كما أنها لم تعد تمثل ملجأ لا لجبهة الانسحاب، ولا لتكتل البقاء. إنها تسعى إلى البقاء في المنصب أطول فترة ممكنة، على أمل حدوث معجزة ما تكرسها زعيمة للحزب ورئيسة للوزراء حتى موعد الانتخابات العامة المقبلة بعد خمس سنوات تقريبا! غير أن الحقائق على الأرض لا تشير إلى إمكانية حدوث ذلك، بينما المرجح ألا تبقى في هذا الموقع في العام المقبل. فوضى "بريسكت" أكملت دائرة "الحرب الأهلية" الناعمة. إنها "حرب" انتخابية استفتائية سياسية. ويمكن القول أيضا، إنها "حرب الزعامات" كما هي "حرب" الرأي العام. لكن المشكلة تكمن أيضا في عدم وجود زعامات بديلة قوية، فيما لو استثنينا وزير المالية هاموند، علما بأن هذا الأخير قد لا يصمد طويلا أمام الحرب التي يشنها الانفصاليون عن أوروبا ضده. غير أن الأهم من كل هذا، هو المشهد العام في المملكة المتحدة، وآفاق التغيير في هذا البلد على المديين المتوسط والبعيد. فالهم لا ينحصر في انسحاب سلس أو قاس من الاتحاد الأوروبي، بل يشمل أيضا "انسحابات" بريطانية داخلية محتملة ترتبط بالموقف الاسكتلندي والإيرلندي الشمالي. وهذه الانسحابات ما كانت لتطرح على الساحة، لولا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي أساسا. ليس هناك بارقة أمل واحدة بأن تعيش بريطانيا استقرارا سياسيا في السنوات المقبلة. ليس فقط بسبب وجود حكومة ائتلافية هشة، بل أيضا من جهة التحولات الخطيرة التي سيتركها الانسحاب من أوروبا في الساحة البريطانية. خصوصا، بعد أن تكشفت أكاذيب معسكر "بريسكت" بشأن الوفر المالي البريطاني الذي "سيتحقق" بمجرد الانسحاب! يضاف إلى ذلك التركيبة البنيوية التي تركتها المعايير الأوروبية والتراكم الذي خلفته عضوية بريطانيا في الاتحاد على الساحة في المملكة المتحدة. ومن الآن حتى عام 2019 "موعد الخروج الفعلي البريطاني"، ستشهد بريطانيا مزيدا من التخبط السياسي الداخلي، وكثيرا من التشتت في المفاوضات التاريخية الخاصة بالانسحاب. كل شيء مرهون بطبيعة اتفاق الخروج. دعك من شعارات تيريزا ماي، ولا سيما تلك التي اعتبرت فيها أن الخروج بلا اتفاق أفضل من اتفاق سيئ.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

«الرشاقة» تخفض أقساط التأمين




"هناك ما هو أسوأ من الموت في هذه الحياة. هل قضيت أمسية مع سمسار تأمين؟" 
وودي ألان ممثل ومخرج وكوميدي أمريكي


كتب: محمد كركوتي

 أكثر المؤسسات تدقيقا في تاريخ وحاضر ومستقبل عملائها هي المصارف وشركات التأمين. الأولى، لكي تضمن قروضها خوفا من أن تتحول لاحقا إلى معدومة أو سيئة أو مشكوك في تحصيلها. والثانية، من أجل تقليل أكبر للمخاطر، بصورة تحفظ أرباحها أو على الأقل تحد من تراجع هذه الأرباح. أسئلة هذه المؤسسات للعملاء تشمل تقريبا كل شيء، من تاريخ الأمراض القاتلة في الأسرة، إلى عدد السجائر التي يدخنها العميل إن كان مدخنا، إلى شرب الكحول، والهوايات الخطيرة التي ربما يمارسها. هناك أسئلة من شركات التأمين مثلا، حول عمر السيارة التي يقودها، وأخرى من المصارف بخصوص مستوى "كرم" العميل مع أهله أو أصدقائه، وليس الإنفاق فقط. "تحريات" تنال مباشرة من صميم الخصوصيات الشخصية. بعض الأسئلة يمكن اعتبارها مهينة، وبعضها الآخر بشع وغير قابلة للإجابة. في إحدى المرات تمادى أحد المصارف البريطانية وتحرى عن مستوى الحب بين زوجين يطلبان قرضا كبيرا! وما لا شك فيه أن لهذه المؤسسات طرقها السرية في التحري، ولجانها النفسية في صناعة الأسئلة. والهدف طبعا، يبقى ضمان أرباحها وعدم تعرضها للخسائر. في السنوات التي أعقبت الأزمة الاقتصادية العالمية، غرقت غالبية هذه المؤسسات، بحيث طلبت العشرات منها (ولاسيما الكبيرة) الحماية من الحكومات. بعيدا عن هذا الجو "الاستخباراتي" و"الجيمس بوندي" الذي يتعرض له العميل، بدأت شركات التأمين (خصوصا في الولايات المتحدة)، صيغة جديدة في إطار الحفاظ على أرباحها. وهي من النوع الذي يصعب حقا الهجوم عليه أو تعريته. وتتلخص في تشجيع هذه الشركات لعملائها على ممارسة الرياضة بصورة منتظمة، مقابل تخفيض أقساط التأمين الشهرية عليهم! وبالطبع لا تكتفي هذه الشركات بـ "كلمة شرف" من العميل بأنه يمارس الرياضة، وأنه لا يمكنه أساسا بدء يومه إلا بها. هذا لا قيمة له. فلا شك في أن الجميع سيقولون ذلك إذا ما كان الأمر يتعلق بتخفيف الأعباء المادية، وربما ذهبوا "متعرقين" ولاهثين إلى موظف شركة التأمين للتأكيد على صدقهم! أو قد يجلبون بطاقات اشتراك في أحد النوادي الرياضية، وحتى شهادات من مدرب. ولأن الأمر بالقطع مشكوك فيه، فقد اعتمدت الشركة صيغة متطورة ولكنها قد تبدو مهينة بعض الشيء. ماذا فعلت؟ عرضت على عملائها لبس أساور إلكترونية تقيس عدد الأمتار التي يقطعونها، بل عدد السعرات الحرارية التي يحرقونها! وبالطبع هذه إشارة واضحة على مدى إيجابية صحة العميل المستهدف. بالتأكيد هي صيغة جيدة من الناحية الشخصية المباشرة للشخص المعني. بعض الناس باتوا يستخدمون هذه الأساور طواعية ودون ربطها أساسا بالتأمين أو غيره، والبعض الآخر يلجأ للهواتف الذكية التي توفر هذه الخدمات الصحية المتطورة جدا. وهي ببساطة، آلية مراقبة للجسم وحراكه، توفر أرقاما غالبا ما تكون محفزة للقيام بالمزيد، باستثناء أولئك الذين يشعرون بالإحباط السريع من كل شيء. أساور شركات التأمين، لا تعني بالضرورة (مثلا) أن التأمين الصحي على أبطال الجري، أو ألعاب القوى، أو أي رياضات أخرى.. سيكون مجانيا. لا أحد يحلم بذلك. فالتأمين وُجد للربح أولا. المهم في الأمر هو حساب احتمالات الوقوع في الأمراض، ولاسيما تلك الناجمة عن البدانة والغذاء السيئ، وبالطبع عدم ممارسة الرياضة أساسا. ورغم الشكوك التلقائية التي تحيط بشركات التأمين عموما (وهي شكوك باتت بدهية طبيعية)، إلا أن هذه الشركات تتعرض لخسائر بالفعل، أو على الأقل تواجه انخفاضا كبيرا في أرباحها. ففواتير الأدوية ترتفع مع ارتفاع مستويات استهلاكها، وأسعار هذه الأخيرة نفسها لا تتوقف عن القفز إلى الأعلى، رغم كل المطالبات العالمية لشركات الإنتاج بخفض الأسعار و"الرحمة". وقيمة الدواء المرتفعة لا تختص بشركات التأمين فقط، بل تشمل بالدرجة الأولى أولئك الذين لا يستطيعون الحصول على الخدمات التأمينية الصحية أصلا، ويضطرون لشراء أدويتهم من مداخيلهم وغالبيتها محدودة، ما يؤثر سلبا في إنفاق الأسر على أمور أخرى ذات أهمية كبرى أيضا. اللافت في الأمر، أن المؤسسات التي تقوم بالتأمين الصحي على موظفيها انضمت إلى شركات التأمين في عروضها الجديدة. والأمر مفهوم بالطبع، فهذه المؤسسات هي التي تدفع أقساط التأمين الواجبة على الموظفين، وبالتالي فإن الخفض المعروض للأقساط بمجرد وضع "أساور الرشاقة" يعود بالفائدة عليها أيضا. في العام الماضي بلغت نسبة الشركات الأمريكية (وأصحاب العمل) التي زودت موظفيها بهذه الأساور أكثر من 37 في المائة. وهذا معدل مرتفع، ولاسيما أن الفكرة نفسها حديثة الطرح. ما يعني أن شركات أخرى كثيرة ستنضم إلى حملة الرشاقة الجديدة، التي تهدف بالدرجة الأولى لتوفير الأموال على المؤسسات وأصحاب العمل وشركات التأمين، ولا بأس إن كان لها انعكاسات إيجابية على صحة الأفراد المستهدفين. بمعنى أن الهدف مالي- صحي، وليس العكس.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

غرامات لبيع الأوهام




"البنك هو المكان الذي يقدم لك القروض، شرط أن تثبت أنك غير محتاج إليها"
بوب هوب، كوميدي أمريكي راحل

كتب: محمد كركوتي
اعتبر البعض أن الغرامات التي دفعتها المصارف الغربية، على وجه الخصوص، بسبب التلاعب الذي أدى إلى الأزمة الاقتصادية العالمية، شكلت رقما صادما. في حين يمكن القول، إن الخسائر التي مني بها الاقتصاد العالمي بسبب الأزمة المشار إليها، يزيل الصدمة الناجمة عن قيمة الغرامات. ببساطة الخسائر الهائلة تبرر أي غرامات تفرض على المؤسسات المالية العالمية كلها تقريبا. فإذا اعتبر أن المصارف الأمريكية والأوروبية دفعت ما يقرب من 150 مليار دولار كغرامات للسلطات المختصة، بسبب تلاعبها بالمشتقات المالية، وقيامها بعمليات تضليل، بل هناك مصارف مارست الخداع والكذب بصورة منهجية. إذا اعتبر هذا الرقم صادماً، فكيف هو الحال مع خسائر الاقتصاد العالمي كله أكثر من 45 في المائة من قيمته في غضون أيام؟ في حين يعرف الجميع أن القيمة المكتسبة لهذا الاقتصاد لا تحسب بالأيام بل بالعقود.
بعد مرور عشر سنوات تقريبا على انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، لا يزال الاقتصاد العالمي يعاني مشكلات كثيرة، على الرغم من قيام الحكومات بفرض قيود صارمة على عمل المؤسسات المالية، تأخرت في الواقع بفرضها أكثر من ثلاثة عقود على الأقل. كانت هذه الحكومات تعيش وهم النمو الاقتصادي من خلال تسهيل عمليات الاقتراض، ولا سيما تلك التي لا تستند إلى أي ضمانات مصرفية مقبولة. الحكومات، كما هو معروف، غضت الطرف عن التسيب المالي للمصارف، بهدف تحريك السوق أولا، والحصول على الشعبية الكفيلة بإعادة انتخابها، خصوصا بعد أن شهد العالم الغربي حكومات هشة حكمت في السنوات القليلة التي سبقت انفجار الأزمة الاقتصادية المشار إليها.
على كل حال، وصول مجموع الغرامات على المصارف الغربية بسبب التلاعب "عقابا عن الأزمة بالطبع" إلى 150 مليار دولار ليس كبيرا، والحق أن هذه الغرامات تبدو قليلة، ولا سيما في أعقاب نجاح عدد كبير من المصارف والمؤسسات المالية، بالتوصل إلى تسويات مع الحكومات المعنية، لتقليل حجم الغرامات، مقابل الاعتراف بالأخطاء، والتعهد بعدم تكرارها. فلو فرضت الغرامات بالفعل بتجرد وبعيدا عن الصفقات التي تتم خارج المحاكم، لوصل هذا الرقم إلى مستويات كبيرة، وربما اقترب من ألف مليار دولار. دون أن ننسى، أن مصرفا واحدا أو مؤسسة مالية واحدة على الساحة الغربية لم يكن (أو تكن) بريئا من خطايا الأزمة. فالجميع غرق في وهم القروض، حتى أكبر المصارف وأكثرها عراقة، على أمل أن تحدث معجزة ما! الذي حدث أزمة قال عنها رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابق "إنها لا تحدث إلا كل 100 عام".
الحق، أن الغرامات التي تفرضها الحكومات والمحاكم على المصارف والمؤسسات المالية الغربية، لا تختص بالأزمة ومسبباتها. هناك غرامات تفوق تلك الخاصة بالتلاعب المالي قيمة، وتتعلق بتبييض الأموال والدعم المباشر وغير المباشر للإرهاب، وتلك الناتجة عن عمليات غير مشروعة كتجارة المخدرات والبشر وغير ذلك. غير أن بعضها يخضع أيضا للتسويات خارج نطاق القضاء، ما يخفض تلقائيا الغرامة الكلية المستحقة. وفي السنوات العشر الماضية، قررت بعض المؤسسات المالية أن تذهب بنفسها للحكومات والاعتراف بجرائم تبييض الأموال، للحصول على أقل قدر ممكن من الغرامات، التي وصل بعضها على مصرف واحد إلى 18 مليار دولار، وآخر 13 مليار دولار، وهما في الولايات المتحدة. بينما هناك قضايا مماثلة تخص المصارف الأوروبية.
وبعيدا عن غرامات "التبييض" والمخدرات ودعم المنظمات الإرهابية، يمكن القول إن المصارف والمؤسسات المالية الغربية نجت بالفعل من غرامات كبرى بسبب سلسلة من المخالفات المتعلقة بالمشتقات المالية الوهمية أو المبالغ فيها، فضلا عن تضليل المستثمرين في الأوراق المالية، خصوصا تلك المربوطة بالعقارات. دون أن ننسى، أن بعض المؤسسات تم إنقاذها بالفعل من قبل الحكومات، التي اضطرت إلى استخدام الأموال العامة للإبقاء على هذه المؤسسات، أو على الأقل لتقليل الخسائر الناجمة عن الحقائق التي كشفتها الأزمة الاقتصادية نفسها. هذه الأخيرة كانت جيدة من هذه الزاوية. وكشفت الغطاء عن الوهم الذي عاشته الساحة المالية (ومعها الاقتصادية) طوال أكثر من ثلاثة عقود. إن 150 مليار دولار لا تعتبر شيئا كبيرا، لأضرار لن تعوض قبل عدة عقود. نعم قبل عدة عقود.
من المفارقات، أن المصارف والمؤسسات المشار إليها، تم إنقاذها من أموال ضحاياها! وكأن الزمن لا يرضى بمصيبة واحدة لهؤلاء الضحايا بل أرادها مصيبتين. وفي كل الأحوال، كانت التغييرات التشريعية والقانونية التي أحدثتها الحكومات الغربية ذات وقع إيجابي بالفعل، الأمر الذي قاد إلى التحقيقات التاريخية مع المصارف والمؤسسات المالية، ومنها إلى غرامات. لكن المهم هنا ليس العقوبات المالية، بل ضمان عدم عودة المصارف إلى بيع الأوهام، والالتزام بما هو موجود على الأرض فعلا. هذه المصارف دخلت التاريخ كمخرب اجتماعي قبل أن تكون مخربا اقتصاديا.
(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

مناضلو الـ «بريكست»



"وزراء بارزون مقتنعون بالحاجة إلى إجراءات انتقالية لتقليل اضطرابات خروج بريطانيا" 
فيليب هاموند وزير المالية البريطاني

كتب: محمد كركوتي

 في بريطانيا الحدث الذي لا ينتهي، يبقى دائما خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كما أنه الحدث الأكثر حضورا في كل وسائل الإعلام، سواء تلك التي تعنى بالشأن السياسي الاقتصادي العام، أو التي تتعاطى بالقضايا الاجتماعية الشعبية، فكل شيء بات مرتبطا بالانسحاب من الاتحاد، بما في ذلك مستقبل العلاقات بين مكونات المملكة المتحدة نفسها. وكلما انتهت جولة من مفاوضات الخروج بين لندن والمفوضية الأوروبية، ارتفعت حدة الخلافات الداخلية في بريطانيا، ليس بين أحزاب متعارضة، بل بين مسؤولين منتمين للحزب نفسه، إلى درجة أن اتهمت رئيسة الوزراء تيريزا ماي بأنها لا تستطيع السيطرة على حكومتها، وأن عليها الرحيل في أول فرصة ممكنة. فالفوضى حيال أوروبا لا تأتي من الخارج، بل هي في عمق الداخل أيضا. في ظل هذه الأجواء، أصبحت الاتهامات المتبادلة أكثر عنفا من الناحية اللفظية. لم تعد اللغة السياسية البريطانية التقليدية الهادئة المعروفة حاضرة في بعض الساحات الجدلية. من بينها، على سبيل المثال، ما قاله زعيم الحزب الديمقراطي الليبرالي فينس كيبل عن أولئك المتحمسين لاستكمال عملية انسحاب بريطانيا "بريكست" وفق الخطة الزمنية الموضوعة لها. ماذا قال هذا السياسي المخضرم؟ "إن أولئك الذين يدعمون «بريكست» ليسوا إلا جهاديين"، وهذا تعبير عنيف في ظل المفهوم الإعلامي والسياسي البريطاني في كل الأحوال. الواضح أن كيبل كان يريد استخدام كلمة "إرهابيين" لكنه لا يستطيع ذلك لأسباب تتعلق بتهم كبيرة للغاية، لن يقوى السياسي البريطاني ولا غيره على الدفاع عنها. في الجانب الآخر من الضفة البريطانية، استخدم مؤيدو "بريكست" لغة ليست أقل عنفا من هذه. وبات واضحا أنه كلما انتهت جولة مفاوضات (حتى الآن لم تحقق هذه المفاوضات أي تقدم)، ارتفعت حدة التوتر في كل الأوساط السياسية البريطانية، والأمر بالطبع ليس كذلك على الجانب الأوروبي. الأوروبيون حسموا أمرهم، بل وضعوا استراتيجية لخروج بريطانيا، قد تدفع لندن للخروج من دون اتفاق (كما هددت تيريزا ماي) وبالتالي اندلاع حرب تجارية ونفسية بين الطرفين. وكانت رئيسة الوراء قد أعلنت سابقا "أن الخروج بلا اتفاق، أفضل من الخروج باتفاق سيئ". ولكن لا تتحدث عن فواتير الخروج بلا اتفاق على بريطانيا في الدرجة الأولى. والحق أن ماي لا تمتلك رؤية عملية للخروج حتى الآن، يضاف إلى ذلك الخلافات – الفضيحة بين وزرائها حول كيفية الانسحاب، والعلاقة المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي. وهذه النقطة الأخيرة، دفعت وزراء في الحكومة للطلب علنا بإقالة وزير المالية القوي فيليب هاموند، لا لشيء، إلا لأنه يدعم فكرة بقاء بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي لمدة عامين بعد انتهاء مفاوضات الخروج، من أجل ضمان فترة انتقالية أقل اضطرابا بالنسبة للبريطانيين قبل الأوروبيين. وكدفاع غير مباشر من زعيم الحزب الديمقراطي الليبرالي على هاموند المحافظ، أطلق وصفه القوي على "البريكستيين" –إن جاز التعبير- بأنهم جهاديون. فهؤلاء يهددون أي سياسي بالإقالة أو إجباره على الاستقالة لمجرد أنه طرح رأيا أقل حدة حيال الانسحاب، أو عرض رؤية تضمن انسحابا سلسا من منطقة تشكل الأهمية الأكبر بالنسبة للمملكة المتحدة على صعيد الشراكة. بالطبع ليس سهلا أن يستقيل هاموند أو يُقال، فهو الأقوى عمليا داخل الحزب والحكومة، حتى أنه أقوى من رئيسة الوزراء نفسها. "الحرب" في الساحة المحلية البريطانية تتخذ طابعا عنيفا يوما بعد يوم، وهي بالفعل تمزق الشكل العام المعروف للسياسة البريطانية الهادئة. كل الأطراف تدعي أنها تحارب من أجل مصلحة بريطانيا، وكلها تعلن أنها على حق. وكل ذلك يتم في غياب جسم سياسي قوي يمكنه بالفعل أن يقوم بدور مضمون لمصلحة المملكة المتحدة. الحكومة مهزوزة وتحكم عبر ائتلاف هش مع حزب إيرلندي محافظ إلى أبعد الحدود. الحكومة نفسها منقسمة بين أعضاء الحزب الواحد. أحزاب المعارضة الأخرى، مهما حققت من قوة في الانتخابات العامة الأخيرة، لا تزال دون مستوى أن تحكم البلاد. أما على الجانب الأوروبي، فالمفوضية في بروكسل ليست مستعجلة كثيرا على استكمال المفاوضات، لأن بقاء المفاوضات تدور يكلف بريطانيا أكثر مما يكلف الاتحاد. فلندن، مثلا، لا تستطيع عقد أي اتفاق تجاري مع أي جهة في العام قبل نهاية المفاوضات، بل إن الاتفاقات الأخرى ممنوعة عنها قبل ذلك. ستظهر ألفاظ أقوى شيئا فشيئا. فعندما تقترب ساعة الحقيقة، تنتهي في الواقع معايير المنطق. هناك حرب أهلية في الحكومة، ومثلها على مستوى الوطن، وحرب مشابهة من جهة الأقاليم نفسها. والأوروبيون ينظرون إلى هذه الفوضى الخطيرة بالفعل على تركيبة المملكة المتحدة نفسها. ينظرون إليها عبر مياه "القنال"، ليسوا متعجلين لشيء، وليسوا خائفين من شيء. بل لم يكونوا متضامين في السابق كما هم الآن حول الموضوع البريطاني.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

العبودية المتجددة




"الموت أفضل من العبودية"
هاريت آن جاكوب، كاتبة إفريقية أمريكية راحلة

كتب: محمد كركوتي

لا .. ليست العبودية شيئا من الماضي. إنها حاضرة في عدد كبير من البلدان، بما فيها البلدان المتقدمة. ورغم أن انتشار العبودية في منطقتي آسيا والمحيط الهادئ الأكبر مقارنة بغيرهما من مناطق العالم، إلا أن هذه الآفة المشينة موجودة ضمن مجتمعات من المفترض أنها انتهت فيها منذ قرون. والسبب أن هناك دوما من يستطيع التحايل على القوانين، وإخفاء الأعمال المخجلة التي تلوث أصحابها. إلا أن هذا الوضع لا يعني أن الجهود التي بُذلت في القرن الماضي من أجل إنهاء العبودية بكل أشكالها ذهبت هباء، لكن وجود نسبة كبيرة من المستعبدين هنا وهناك، يغطي على النجاحات التي تحققت في السابق. فقضية عبودية واحدة، بصرف النظر عن موقعها، يمكنها أن تمحو كثيرا من الآثار الإيجابية للحرب على العبودية، وتقلل من وهج الحراك العالمي الرسمي وغير الرسمي في هذا المجال.
في العام الماضي توصلت سلسلة من الدراسات والتحقيقات الاستقصائية إلى أن هناك أكثر من 45 مليون شخص يعيشون تحت نير العبودية، بل إن هناك أنواعا مستحدثة لهذه الآفة القبيحة. وتأتي هذه النتيجة بعد أقل من عامين، على دراسة أجرتها مؤسسة "ووك فري" العالمية، أظهرت هي الأخرى ارتفاعا مخيفا في مؤشر العبودية بلغ 28 في المائة. وهذا يعني أن الحملات التاريخية على العبودية لم تحقق أهدافها تماما، وأنه لا بد من العمل سواء في ظل الأمم المتحدة أو المنظمات غير الحكومية وحتى الجمعيات الخيرية. وهذه الأخيرة تمثل محورا رئيسا على أرض الواقع في هذا المجال، ولاسيما تلك التي ترتبط بعلاقات مباشرة مع الهيئات التابعة للمنظمات الدولية الكبرى.
بالطبع، لم يعد الشكل القديم للعبودية هو السائد، خصوصا ذاك الذي يستند إلى البيع والشراء وتملك العبد وغير ذلك. رغم ضرورة الإشارة إلى وجود هذا النوع فعلا في مناطق نائية جدا وغير متصلة بالعالم بصورة طبيعية. أشكال العبودية الحديثة متنوعة تراوح بين تهريب البشر، والدعارة القسرية، وتجنيد الأطفال، والعمالة القسرية، واستغلال الأطفال في تجارة المخدرات، وغير ذلك من الوسائل والطرق، التي قد تكون غير مكتشفة حتى للجهات المختصة في الحرب على العبودية بشكل عام. والأسباب الرئيسة (بحسب الأمم المتحدة) وراء وجود هذه الأنواع من العبودية الحديثة (أو المتجددة)، يبقى الفقر والتمييز والاستعباد الاجتماعي. وما لا شك فيه أن كثيرا من الحكومات لا تقوم بما يكفي لمنع انتشار العبودية أو الكشف عن أشكالها المستحدثة. ولذلك فإنها تتحمل المسؤولية الأولى عن تفشي هذا العار الإنساني.
صحيح أن "مؤشر العبودية" لا يجري على أساس إحصائيات رسمية، لأن ذلك مستحيل على اعتبار أن الناس الذين يمارسون العبودية لا يمكن أن يفصحوا عن ممارساتهم. غير أن الصحيح أيضا أن البيانات الخاصة بـ 167 بلدا، تم استخلاصها من نحو 43 ألف مقابلة بـ 453 لغة، لتحديد عدد البشر المستعبدين وكيفية تعامل الحكومات مع ذلك. والنتائج التي تم التوصل إليها مروعة في الواقع، خصوصا مع ارتفاع العبودية في بلدان كالهند والصين وباكستان وبنجلادش وأوزبكستان. في هذه الأخيرة وحدها تم إحصاء ما يزيد على 1.23 مليون عبد، في حين يرتفع العدد في الهند إلى 3.4 مليون. مرة أخرى هذه الأرقام تعتبر في حدها الأدنى، لصعوبة الوصول إلى كل الحالات الحقيقية هنا وهناك.
ووفق الإحصاءات الأخيرة، فقد احتلت كوريا الشمالية المركز الأول من حيث انتشار العبودية. فإذا كان مفهوما انتشار هذه الآفة في بلد كهذا مغلق على نفسه، وتمارس حكومته على شعبها أبشع أشكال الممارسات، فكيف نفهم مثلا ارتفاعها في بلد كالهند بات يلعب دورا رئيسا على الصعيد العالمي من حيث الإنتاج، وكذلك الأمر مع الصين التي تحتل المركز الثاني كأكبر اقتصاد على وجه الأرض. وهنا تكمن مشكلة كبيرة، تتعلق بمفهوم العالم للبلد الكبير، أو الدولة العظمى، أو ما شابه من توصيفات يروق لكثير من الحكومات إجهاد نفسها للحصول عليها. لا يعقل (مثلا) أن تكتسب توصيفا ما من هذه التوصيفات، بينما تشهد أراضيها أشكالا مرعبة من العبودية المتجددة! بل حتى توصيف "الناشئة" لا ينطبق عليها.
بالطبع، المسؤولية تقع على عاتق كل الجهات، وفي مقدمتها الأمم المتحدة نفسها، التي ينبغي عليها أن تكون أكثر "عدوانية" مع هذه الدولة أو تلك، من أجل الوصول إلى الهدف السامي بإنهاء العبودية بكل أشكالها (ولا سيما الجديدة)، ووضع تشريعات عالمية جديدة أيضا تتماشى مع التطورات البشعة للعبودية. يضاف إلى ذلك، هناك مناطق كثيرة في بلدان إفريقية وآسيوية وحتى في أمريكا اللاتينية، لا تصل إليها السلطات الحكومية للبلدان نفسها، فكيف الحال بالسلطات الدولية التابعة للأمم المتحدة؟ وهذه أيضا مهمة كبيرة أمام المجتمع الدولي. لأن هذه المناطق تمثل التحدي الخطير المقبل، لكل من يرغب في إيقاف العبودية، ونشر ما أمكن من الإمكانات الخاصة بالتعليم والعمل والصحة فيها.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

مصارف هاربة من مدينة الأموال





"باريس تبقى دائما وأبدا فكرة جيدة" 
أودري هيبورن ممثلة وناشطة اجتماعية بريطانية راحلة 

كتب: محمد كركوتي

وسط الفوضى الحقيقية على الساحة السياسية البريطانية، وهشاشة الحكومة والحزب الأكبر الحاكم فيها، والتناحر بين المسؤولين البريطانيين أنفسهم، وضعف رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي على كل المستويات، وتأكيدات تلو الأخرى من الجانب الأوروبي بألا تفكر لندن في مفاوضات خروج سهلة من الاتحاد، في ظل هذه الأجواء المضطربة غير الحاسمة كلها، تفقد لندن شيئا فشيئا وجهها المصرفي التاريخي الكبير. هذه المدينة لا توفر في الواقع إلا الخدمات المالية وعقارات وبعض المعالم التراثية، وتمد المملكة المتحدة بأكثر من 22 في المائة من ناتجها الإجمالي المحلي، ليس عن طريق صناعة السيارات (مثلا) ولا البتروكيماويات ولا تصنيع السفن والناقلات العملاقة، ولا إنتاج الطاقة. لا شيء إلا الخدمات المالية الهائلة المتنوعة، ناهيك عن المقاصة في العاصمة التي يصل حراكها اليومي إلى 2.1 تريليون دولار. بينما تمثل عمليات المقاصة الخاصة باليورو حجر الزاوية. مفاوضات الانفصال الفعلية التي بدأت الشهر الماضي تجري في أجواء من الكآبة وعدم وضوح الرؤية، وتمسك الطرف الأوروبي بصورة قوية بمواقفه، مع اهتزازات واضحة في الموقف البريطاني. لكن ما يجري بصورة واضحة، تبقى العمليات الخاصة بانتقال المصارف الكبرى من لندن إلى وجهات أوروبية مختلفة، وإن كانت باريس هي الوجهة الأكثر احتمالا حتى الآن. صحيح أن أيا من المصارف لم ينتقل بعد، لكن التحضيرات تجري بالفعل على الجوانب الإجرائية واللوجستية وغيرها. فعمليات الانتقال هذه لا تتم بسرعة، وهي تتطلب تحضيرات واسعة، تضمن انتقالات سلسة لا تؤثر في أدائها. وهذا ما تفعله المصارف المشار إليها "بما فيها المصارف الأمريكية"، تدرس الاحتمالات كلها، لكن المؤكد يبقى أنها ستخرج من لندن إلى الأبد. مع وصول إيمانويل ماكرون إلى الحكم في فرنسا، كانت أولى الخطوات التي قام بها، العمل على تعديل القوانين العمالية والإجراءات الضريبية الخاصة بالشركات. والسبب واضح بالطبع، يعود إلى جعل فرنسا بشكل عام وباريس على وجه الخصوص حاضنة للمصارف والمؤسسات المالية والشركات وغيرها من تلك التي ترغب في مغادرة بريطانيا. وتخشى المؤسسات المالية وغيرها في الواقع القوانين الفرنسية الصارمة حيالها التي تصب في مصلحة الموظفين والعمال أكثر، ما يجعلها غير مرغوبة من جانب هذه الجهات. يضاف إلى ذلك، أن ضرائب الشركات في فرنسا تعد الأعلى، مقارنة ببقية البلدان الأوروبية الأخرى، وحتى على المستوى العالمي، وهذا أيضا عامل طارد من الناحية الاستثمارية. الأوقات تغيرت، وتبدلت في الواقع بصورة دراماتيكية بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبحث المصارف والمؤسسات المالية وشركات التأمين ومؤسسات إدارة الأصول عن مكان بديل عن لندن. اللافت أن المصارف البريطانية نفسها تبحث عن مركز ثان لها في أعقاب خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي. فقد أعلن مصرف "باركليز" أنه سيؤسس مركزا ثانيا في العاصمة الإيرلندية دبلن، إلى جانب سلسلة من البيانات الصادرة عن مصارف بريطانيا تظهر رغبتها في نقل بعض أعمالها إلى خارج البلاد. رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد فيليب كان واضحا بالإعلان عن أن الحكومة "عازمة على جعل باريس أكثر تنافسية وجاذبية". وهذا يعني أن الحكومة ستلغي أعلى فئة من الضرائب على رواتب المؤسسات التي لا تدفع ضريبة القيمة المضافة. فرانكفورت وباريس وأمستردام ودبلن وفيينا ولكسمبورج وغيرها من العواصم والمدن الأوروبية كلها مهيأة لاستقطاب المؤسسات الهاربة من عاصمة المال لندن، بما فيها شركات الطيران وغيرها. لكن تبقى العاصمة الفرنسية الأكثر جاذبية ليس من الناحية التشريعية (التي من المتوقع أن تتغير لمصلحة الشركات والمؤسسات)، بل من ناحية الحياة الاجتماعية العامة. وهي المفضلة قياسا ببقية المدن الأخرى بعد لندن التي تتصدر حتى بمناخها المتقلب (غير الصديق) قائمة المدن التي يتدافع الناس إليها، ويرغبون في العيش فيها. لكن هذه الأخيرة باتت طاردة للأعمال لمجرد الخروج من الاتحاد الأوروبي، وخسارة ميزات الحدود المفتوحة مع 27 دولة. ليس أمام لندن مساحة زمنية طويلة للحفاظ على ما أمكن لها من هذه المؤسسات. الأعمال لا تهتم بالموقف السياسي بقدر ما تهتم بالمكاسب التي ستحققها في هذه البقعة الجغرافية أو تلك. ويبدو الرئيس الفرنسي القوي ماضيا إلى الأمام لتلقف "الفارين" من بريطانيا، وسن تشريعات جديدة وتلطيف تشريعات أخرى. فالفرصة تاريخية أمام باريس. وهي لا تتنافس اليوم مع لندن، لأن العاصمة البريطانية أضعف من أن تكون منافسا. باريس (وغيرها من المدن الأوروبية الكبرى) تتنافس مع نفسها من أجل "غنائم" لندن. مع الإشارة إلى أن هذه الأخيرة كانت تتلقف "الغنائم" تلو الأخرى حتى وقت قريب، سواء قامت بتسويق نفسها لتحقيق ذلك، أم لم تقم. إنه التاريخ مجددا بين مدينتين. وهو الآن تاريخ يصنع نفسه آنيا، ونتائجه ستبدو في الأفق القريب.. القريب جدا.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 25 يوليو 2017




الديون السيئة اليوم .. ديون أسوأ غدا





"لا يمكن أن تكون مدينا وتنتصر" 
ديف رامزي رجل أعمال ومؤلف أمريكي


كتب: محمد كركوتي 

      لا أحد في هذا العالم منيع عن الديون، سواء على مستوى الأفراد أو الحكومات. وهذه حقيقة تكرست في الواقع في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وإذا كانت الديون مبررة في أعقاب الحروب والاضطرابات، ولا سيما تلك التي تنال من البنى التحتية للاقتصاد (أي اقتصاد)، فإن استمرارها في فترات الاستقرار والازدهار أو الهدوء يبدو غريبا، خصوصا تلك الديون الاستهلاكية مرتفعة المخاطر، علما بأن هناك ديونا ذات قيمة إيجابية بالفعل، وهي تلك التي تصب في التنمية المستدامة، غير أن التاريخ يحتضن تجارب مخيفة في هذا المجال. فغالبية الأزمات الاقتصادية الكبرى تستند في الواقع إلى انفجار قنبلة الديون. ولكيلا نذهب بعيدا، هذه الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت في عام 2008، تؤكد هذه الحقيقة. 
      السبب (كما يعرف الجميع) كان واضحا في الأزمة المشار إليها، وهي تراكم الديون العقارية السيئة والاستهلاكية القاتلة على الأفراد، وكذلك ارتفاع العجز المالي للحكومات في غالبية بلدان العالم، بما فيها تلك التي تتسيد المشهد الاقتصادي العالمي. ورغم نجاح "حرب" ما بعد الأزمة على مثل هذه الديون، من خلال تشريعات وتطبيقات إجرائية، وإلغاء بعض المشتقات المالية، وفرض رقابة شديدة على ما بقي من مشتقات، رغم هذا استمرت الحكومات في الاقتراض. 
      وإذا كانت القروض الشخصية تمس الفرد مباشرة، فإن القروض الحكومية تمسه أيضا بصورة غير مباشرة، بل تنال في بعض حالاتها من مستقبل الأجيال القادمة. وكل قرض لا يتم سداده هو في الواقع دين على أجيال من البشر لم تولد بعد! يقول بول كروجمان البروفيسور والعالم الاقتصادي الأمريكي "الدين هو مسؤولية شخص، لكنه أصل من أصول شخص آخر". وهو اختصر بالفعل المشهد العام للدين بصرف النظر عن طبيعته وحجمه وأهدافه. في عشر سنوات فقط زاد حجم الدين العالمي 75 تريليون دولار، ليصل (وفق المؤسسات المالية العالمية) إلى 217 تريليون دولار. 
      وهذا الدين يعني أن كل إنسان على سطح الأرض، أكان رجلا أم امرأة أم طفلاـ مدين بنحو 29 ألف دولار، بحسب المنظمات الدولية المعنية. وإذا لم يتم حل مشكلة هذه الديون الهائلة، فهي في الواقع ستتضاعف ليتحملها الجيل القادم وهكذا. بعض أصحاب الآراء المتطرفة يشرحون الأمر بالصيغة التالية "الجيل الحالي يسرق الجيل الذي لم يولد بعد". أي أن الأعباء على هذا الأخير ستكون "جاهزة" عندما يفتح عينه على هذه الحياة. المروع في الأمر، أنه خلال الأزمة الاقتصادية العالمية بلغ حجم الدين 142 تريليون دولار منها 16 تريليون دولار هي مجموع ديون البلدان الناشئة، قبل أن يصل المجموع الكلي إلى 217 تريليونا. 
      واستنادا إلى آخر الإحصاءات، فقد بلغت ديون الاتحاد الأوروبي 97.7 تريليون دولار، ودين الولايات المتحدة نحو 63 تريليون دولار، وبريطانيا 2.2 تريليون دولار. أما ديون الأسواق الناشئة منها فبلغت 56 تريليون دولار، منها 33 تريليون دولار حجم الدين العام الصيني و3.6 تريليون دولار حجم الدين البرازيلي، و2.9 تريليون دولار حجم الدين الهندي، و500 مليون دولار فقط حجم الدين العام الروسي. وللمقارنة فقط، فقد بلغ حجم الدين العام العالمي في عام 1996 نحو 63.4 تريليون دولار. 
      صحيح أن البلدان المتقدمة يمكنها السيطرة على ديونها من خلال قوة وارتفاع حجم إنتاجها، إضافة إلى الثقة المالية العالمية بها، لكن الصحيح أيضا أنه لا توجد ضمانات دائمة في هذا المجال. فعندما يتجاوز حجم الدين في بعض البلدان الناتج الإجمالي المحلي مرة، وأحيانا مرتين، ترتفع معدلات المخاطر أكثر. في حين أن أسواق السندات والأذونات ظلت منتعشة في مراحل الازدهار والكساد أيضاّ! بالطبع لا أحد يشكك (على الأقل الآن) في قدرة دولة كالولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو بريطانيا على الوفاء بديونها. غير أن ما يمكن وصفه بـ"الانفلات" المالي بدأ يظهر على الساحة بعد سنتين فقط من انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية. دون أن ننسى مخاطر ديون الصين (ثاني أكبر اقتصاد في العالم)، التي ستضرب الاقتصاد العالمي، لمجرد حدوث تباطؤ اقتصادي قوي فيها. 
      لا توجد في الأفق أي إشارات على تراجع وتيرة الدين العالمي. في الواقع تستهل كثير من الحكومات الاقتراض الخطير أحيانا، بدلا من البحث عن مصادر مالية أخرى تعزز التنمية المستدامة. والمؤكد هنا يبقى حاضرا دائما، ويرتبط مباشرة بحقيقة أن الديون السيئة اليوم، هي ديون أسوأ غدا، وهي عبء على "أبرياء" لا دخل لهم بفوضى الاقتصاد العالمي، سواء قبل الأزمة العالمية أو بعدها. كما أنه لا علاقة لهم باستسهال الحلول المالية عن طريق الاقتراض. إنها مصيبة تختص بكل فرد يعيش الآن وسيعيش في الغد. أي أنها من تلك المآسي المتجددة، خصوصا عندما تخرج عن السيطرة هنا وهناك.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 18 يوليو 2017




التجارة «الاستثنائية» من أجل التنمية



"أنا مدافع قوي عن التجارة الحرة" 
نجيب رزاق، رئيس وزراء ماليزيا 


كتب: محمد كركوتي

      أبرزت عملية انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، جانبا مهما من العلاقات المستقبلية للمملكة المتحدة مع البلدان النامية. وهذا الجانب ليس عابرا، بل هو في صلب عملية التنمية والبناء في البلدان المشار إليها، ويتعلق بالتسهيلات والإعفاءات الجمركية التي توفرها البلدان المتقدمة للدول النامية. وهذه النقطة على وجه الخصوص، تعد في المفهوم الجديد للتنمية في الدول الفقيرة حجر الزاوية، وهي تفوق المساعدات المالية والعينية والمعونات بأشكالها المختلفة أهمية على صعيد بناء اقتصادات ذات صفة مستدامة في هذه الدول. والحق، أن حكومات البلدان المتقدمة تأخرت كثيرا في الوصول إلى النتيجة النهائية، بأن المساعدات الحقيقية هي تلك التي توفر تسهيلات لواردات الدول النامية، فهي بذلك توفر عوائد مالية من العملات الصعبة، وفي الوقت نفسه تعزز الإنتاج المحلي. طمأنت بريطانيا منذ الأيام الأولى لبدء مفاوضات خروجها من الاتحاد الأوروبي، الدول النامية بأنها ستواصل تطبيق دخول السلع الواردة من نحو 50 دولة نامية إلى أسواق المملكة المتحدة بلا جمارك بعد خروجها الفعلي من الاتحاد. وهذا موقف مهم للغاية، ليس فقط للبلدان النامية المعنية، بل أيضا لالتزامات لندن الدولية. وهي بذلك تسعى إلى تأكيد دورها عالميا، في الوقت الذي تشكك فيه بعض الجهات (بما في ذلك جهات بريطانية) بمصير هذا الدور. 
      ويحاول الحريصون على مكانة بريطانيا بعد الخروج، أن يؤكدوا (بصور مختلفة) هذه المكانة، خصوصا في ظل عامين من المفاوضات الشاقة التي لا أحد يعرف نتائجها الحقيقية بالفعل، بمن فيهم المفاوضون أنفسهم. تقوم بلدان الاتحاد الأوروبي منذ عدة سنوات باتباع سياسة تسهيل الواردات من البلدان النامية، كنوع من التنمية، بعد أن ثبت أن المساعدات المباشرة لعدد ليس قليلا من الدول النامية لم تحقق الأهداف المرجوة منها، بفعل الفساد المحلي أولا، وعدم وجود مشاريع تنموية طويلة المدى، يضاف إلى ذلك الاستثمارات العقيمة التي تذهب في غالبيتها هباء جراء القوانين والإجراءات والممارسات غير المعقولة في كثير من الأحيان في البلدان النامية المستهدفة. وفي الأعوام الماضية، حققت سياسة تسهيل الواردات نتائج باهرة، خصوصا في مجال الزراعة، وقطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة. ووفرت هذه السياسة عملات صعبة ضرورية لهذه البلدان، في الوقت الذي دأبت فيه البلدان المتقدمة على رفع مستويات التسهيلات بل والترويج للمنتجات المشار إليها. 
      وباستثناء الأسلحة والذخائر والنفط، فإن كل المنتجات (تقريبا) في البلدان النامية تحظى بالمعاملة التجارية الخاصة، وفي مقدمتها بالطبع الإعفاءات الجمركية. ووجدت السياسة المشار إليها دعما بلا حدود من جانب منظمات الأمم المتحدة المعنية بالتنمية في البلدان النامية والفقيرة. وأصدرت هذه المنظمات سلسلة من الدراسات والتحقيقات الاستقصائية أظهرت جميعها نجاعة ما يمكن تسميته "التجارة من أجل التنمية". والحق أن بريطانيا كانت من أوائل الدول التي تمضي قدما في هذا الطريق، ووفرت الأرضية اللازمة، حتى إن منتجات البلدان النامية تحظى على أرفف المحال التجارية في المملكة المتحدة بامتيازات الترويج، مقارنة بغيرها من المنتجات المشابهة القادمة من بلدان أكثر تقدما أو تلك من البلدان المتقدمة. وتمكنت حكومات الدول المتقدمة في الفترة الأخيرة من الوقوف في وجه الحملات الوطنية المحلية فيها ضد تسهيل وترويج البضائع القادمة من الدول النامية. واستطاعت أن تطرح معادلة فيها جوانب اقتصادية وخيرية في آن معا، ما دعم موقفها، خصوصا أن بعض المنتجات المحلية في البلدان المتقدمة تلقى دعما مباشرا أو غير مباشر هي الأخرى من حكوماتها. وفي فترة ليست طويلة، بات واضحا القبول بمبدأ "التجارة من أجل التنمية" على الصعيد المحلي. وعلى الساحات الأخرى في المقابل، نشأ حراك اقتصادي تنموي حقيقي، مع ضمان وصول المنتجات إلى الأسواق المتقدمة، بل إن مشاريع خاصة بالأمم المتحدة (ولا سيما تلك التي تستهدف القطاع الزراعي) وفرت مساعدات عملية مباشرة أيضا لنقل الحراك من مرحلته الأولى، إلى مرحلة التمكين. 
      في النصف الأخير من القرن الماضي، أبدى عدد من المسؤولين المخلصين حقا في بعض البلدان النامية الرغبة الجامحة من أجل الوصول إلى "التنمية عبر التجارة"، وقد فشلت محاولاتهم بالفعل لأسباب كثيرة في مقدمتها أن البلدان المتقدمة وتلك التي تقدم المساعدات المباشرة لم تكن لديها في الواقع مشاريع تنموية محددة، وكانت تستسهل تقديم المساعدات على توفير المعونة عن طريق التجارة وفق مخططات طويلة الأمد. ناهيك عن المشاكل التي واجهتها الحكومات من المنتجين الوطنيين في بلادها، الذين اعتبروا أنها تعمل ضد مصالحهم. لكن الأمر تغير مع إقدام كثير من الدول المانحة باتجاه السياسة التي تمت المطالبة بها حقا قبل عقود. ومن هنا، لم يعد غريبا أن ترى منتجات البلدان النامية متقدمة من حيث العرض على منتجات الدول الأخرى، كما أنها تتسم بميزة انخفاض أسعارها. 
      ستقوم بريطانيا بدورها في هذا المجال خارج الاتحاد الأوروبي، فالالتزام كان وطنيا قبل أن يكون أوروبيا. ودول الاتحاد لا نية لها في مراجعة هذه السياسة، بل على العكس تماما تمضي بخطوات جديدة من أجل التمكين الذي يسهم مباشرة في بناء اقتصادات مستدامة في الدول النامية والفقيرة.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 11 يوليو 2017



دبلوماسية اقتصادية في «قمة العشرين»



"أشعر بالرضا لأن مجموعة العشرين ـــ عدا الولايات المتحدة ـــ اتفقت على اتفاقية باريس للمناخ" 
أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية 

كتب: محمد كركوتي

لا أحد كان يتوقع نتائج حاسمة أو تاريخية أو فارقة، لقمة مجموعة العشرين، التي انعقدت في ألمانيا. كما لا أحد كان ينتظر إزالة الخلافات أو تباين الموقف، ولا سيما بين الولايات المتحدة بإدارتها الحالية وعدد من بلدان المجموعة. المواقف واضحة لكل الأطراف، والأوضح أن أيا منها لا يرغب في التراجع عنها مستندا إلى أحقيتها من وجهة نظره بالطبع. وهذا أيضا مفهوم ولكن ليس إلى حد أن بيان القمة الختامي خلا من أي موقف عملي واقعي، وأي قرار يمكن على الأقل أن يزيل عدم اليقين في الاقتصاد العالمي ككل، وبالتالي استمرار التخبط في صنع القرار الاقتصادي على الساحة الدولية، هذا إذا كان هناك قرار عالمي فاعل في هذه المرحلة. دون أن ننسى دائما، التأثيرات السلبية "بصور مختلفة" لبؤر الصراعات والمواجهات الموجودة فعلا هنا وهناك. أحب المسؤولون الغربيون قبل وبعد قمة مجموعة العشرين أن يؤطروا المشهد العام في خلاف بين بلدانهم وبين الولايات المتحدة في ظل الرئيس دونالد ترمب حول اتفاقية باريس للمناخ، وذلك لأن الأخير انسحب منها في أعقاب وصوله إلى البيت الأبيض. ورغم أهمية هذا الخلاف وهو موجود بقوة بالفعل، إلا أنه يبقى ثانويا مقارنة بتضارب مفاهيم التجارة العالمية بين إدارة ترمب وبقية بلدان العالم، بمن فيها (بالطبع) الحلفاء التاريخيون للولايات المتحدة. تبعات انسحاب واشنطن من اتفاقية المناخ لا شك ستكون خطيرة ولها روابطها السلبية وتأثيراتها المستقبلية غير الإيجابية، لكن تبعات تطبيق المفهوم التجاري "الترمبي" على العلاقات مع العالم ستكون أخطر بكل المقاييس، لأنها ببساطة تقف عائقا أمام مبدأ التجارة الحرة، وهو ما تسعى إليه المنظومة الدولية بكل مستوياتها الاقتصادية، بل تعده الوسيلة الأنجع للتنمية في البلدان النامية. ومن هنا يمكن فهم دعوة قمة المجموعة "إلى تجارة حرة ونزيهة"، وهذا توجه واضح المعالم، يهدف في الدرجة الأولى إلى استيعاب الموقف التجاري الأمريكي، وإطلاق صيغة مقبولة لكل الأطراف. من في هذا العالم لا يريد تجارة حرة ونزيهة؟ ولذلك يمكن النظر إلى هذا التوصيف في أعقاب قمة مجموعة العشرين، كنوع من المهادنة بين أكبر اقتصادات العالم، وبين اقتصاد الولايات المتحدة. وهذا الأمر بالتأكيد مطلوب في مثل هذه الظروف التي يمر بها العالم. لم تتحمل الساحة الدولية خلافا جديدا أو تفعيل خلاف قديم بصورة خطيرة أو معطلة. المهم الآن مواءمة المواقف بأكبر قدر ممكن، من أجل إبقاء الوضع على ما هو عليه. وهذا في حد ذاته انتصار للجميع. والحق، أن التفسير الأمريكي لفتح الأسواق ليس واقعيا. حتى إن مسؤولين في إدارة الرئيس ترمب يعتقدون أن هذا التفسير اتجه إلى الجانب المتطرف من الطرح. خصوصا أن أحدا من شركاء وحلفاء الولايات المتحدة لم يعترض على الشعار "الترمبي" الذي لا يزال يتداول "أمريكا أولا"، لكن التباين حيال هذا الشعار، يكمن في الواقع في تطبيقه على العلاقات التجارية. ولا سيما بعد أن استهدفت الإدارة الأمريكية حتى حلفاءها التاريخيين تجاريا، من خلال تهديد ألمانيا (مثلا) بفرض عقوبات تجارية عليها لتخفيف تدفق السلع الألمانية إلى السوق الأمريكية، والأمر ينطبق على عدد آخر من البلدان، وبالطبع تتقدمها الصين. المطلوب بالنسبة لهؤلاء، أن تحتفظ الولايات المتحدة بحقها "أمريكا أولا"، ولكن عليها ألا تتسبب في أضرار لغيرها في مرحلة التطبيق. المشكلة هي في القيود التجارية التي قد لا تقتصر على الولايات المتحدة. بعض البلدان سيقوم بذلك كردة فعل طبيعية لفعل مماثل. ولذلك فإن اللغة الدبلوماسية التي خرج بها بيان قمة مجموعة العشرين، كانت ضرورية في هذا الوقت بالذات. لأن العالم (مرة أخرى) لا يمكنه دخول حروب تجارية متواصلة أو متقطعة. "قمة العشرين"، التزمت بالطبع بكل المبادئ التي طرحتها على مدى سنوات عديدة. و"المجموعة" لا يمكنها إلا أن تتبع هذا السلوك لسبب واحد فقط، هو أنها اتخذت زمام المبادرة العالمية من انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008. ومثل هذا التجمع المهم المحوري عالميا لا يمكنه بأي شكل من الأشكال أن يطرح سياسات متناقضة، أو سياسات قابلة بسهولة للانفجار. أولئك الذين يؤيدون ويدعمون التجارة الحرة، يتمسكون بالحفاظ على مبادئ التجارة متعددة الأطراف المفتوحة والمتكافئة ذات المنفعة المتبادلة. بمعنى آخر يصرخون تعبيرا عن تأييدهم لمعايير منظمة التجارة العالمية. وهي معايير أثبتت مع السنوات أنها تصب في المصلحة العامة العالمية، مع بعض التفاصيل السلبية التي يمكن احتواؤها. غير أن التبدلات السياسية على الساحة الأمريكية فرضت حالة جديدة، فيها من "الوطنية" الكثير، لكنها ليست متناغمة مع المتطلبات العالمية المشتركة. ولذلك لا تنفع معها إلا الدبلوماسية الهادئة والتعاون بالصورة الأكثر التزاما. وفي النهاية لا يمكن لمجموعة العشرين إلا أن تمضي قدما بأكبر قدر من الحكمة والواقعية. فمفتاح الاقتصاد العالمي يبقى في حوزتها، والمسؤولية الدولية عليها.. كبيرة.


(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


الممرات «المختنقة» تهدد الغذاء



«الحضارة التي نعيشها اليوم، لم تكن لتتطور أو لتنجو دون إمدادات غذائية كافية» 
نورمان بورلونج مهندس زراعي وناشط إنساني أمريكي راحل 

كتب: محمد كركوتي

أعادت منظمات وجهات دولية مختلفة مسألة الإمدادات الغذائية العالمية إلى الواجهة، وكانت آخرها دراسة لافتة أجراها معهد "تشاتام هاوس" للأبحاث في لندن. وهذه المرة ليس من زاوية الأزمات الزراعية، ولا من التخلف في هذا القطاع الحيوي في بعض المناطق، ولا حتى من جهة نقص المياه اللازمة للإنتاج الزراعي، بل من ناحية الآليات والمعابر المستخدمة لإتمام هذه الإمدادات. وعلى الرغم من أن الإمدادات الغذائية شهدت تحسنا في الأعوام الماضية، من خلال نجاح سلسلة من البرامج العالمية والمحلية في غالبية مناطق العالم، فضلا عن اهتمام الحكومات بهذا الجانب، إلا أن ذلك لم يصنع الأمان التام لإمدادات الغذاء، خصوصا على الجانب الخاص بالنقل والمرور عبر مناطق حساسة أو ملتهبة، إضافة طبعا إلى أن التغير المناخي يسهم بصورة مباشرة في تعطيل أو تأخير الإمدادات الموجودة أصلا! وفي حين تحدد الجهات المهتمة بهذه المسألة 14 نقطة اختناق "كما وصفتها"، إلا أن بعض الجهات المعنية في الأمم المتحدة (مثلا) زادت هذا العدد. ما يعني أن القضية ليست أزمة عابرة، أو مرحلية أو موسمية، بل مشكلة تتعاظم يوما بعد يوم. لماذا؟ لأنه لا يوجد على الساحة تحرك يذكر لمواجهتها أو معالجتها. ويبدو أنها أزمة ستتفاقم في ظل التقاعس الحالي، مثلما تفاقمت أزمات في قطاعات أخرى على مدى عقود، للسبب ذاته. وعلى هذا الأساس تتحرك جهات عدة من أجل وضع القضية على رأس الأولويات، لأنها تختص بالغذاء الذي يشكل محورا رئيسا للاستقرار، خصوصا أن تعاظم نقاط اختناق إمدادات الغذاء، لا يعني النقص في المنتج الغذائي فقط، بل يعني أيضا ارتفاعا تلقائيا للأسعار، وهو أمر لا تتحمله أي حكومة في العالم على المدى البعيد، بصرف النظر عن مدى ملاءتها المالية. مناطق الاختناق هذه متعددة، من بينها نقاط حساسة مثل قناة السويس وموانئ البحر الأسود، وطرق النقل في دولة ضخمة كالبرازيل. وكلها "بحسب تشاتام هاوس" تتعرض لانقطاعات كثيرة الحدوث. والخطير في هذا الأمر، أن البضائع الغذائية التي تمر عبر نقاط الاختناق تشمل مواد أساسية مثل الذرة والأرز وفول الصويا وزيوت الطعام والسكر وغيرها. وارتفاع أسعار هذه المواد يضرب مباشرة الناس العاديين في كل بلدان العالم، بما فيها البلدان المتقدمة. كما أن هذه المواد تعد على نطاق عالمي، مواد "غذائية استراتيجية". وكما هو معروف، تقوم حكومات عديدة بدعمها نظرا لمحوريتها المعيشية لشعوبها. ولذلك، تتعاطى الجهات المهتمة بأمر "الاختناقات" مع هذه القضية من جانب المخاطر القابلة للتفاقم في أي لحظة، مع تداعيات عالية الخطورة أيضا. المثير في الأمر، أن تجارة الأسمدة تمر هي الأخرى بأكثر من نصفها عالميا عبر الممرات "المختنقة". أما الأمر الأكثر إثارة، فإن عددا من البلدان المتقدمة تعاني مشكلات في شبكات النقل المحلية. وعلينا أن نتخيل الأمر في بلدان أقل تقدما أو فقيرة، وكيف تعاني الإمدادات الغذائية ضمن نطاقها الجغرافي تعطيلا واضطرابا حتى أضرارا للأطراف المعنية. بمعنى، أن الأزمة لا تنحصر فقط في نقاط عبور دولية محورية معروفة، بل أيضا في شبكات نقل محلية تزيد من فداحة المشكلة. ومرة أخرى لا توجد استراتيجية واضحة على الصعيد العالمي، لتأمين نقاط العبور، بما في ذلك تلك التي تقع في مناطق مضطربة أصلا، كما أنه لا توجد مساع على مستوى رفيع للوصول إلى اتفاق عالمي بإبعاد النقاط الاستراتيجية المشار إليها عن أي تأثير للصراعات والاضطرابات. لا يمكن التهوين من هذه الأزمة المتفاقمة. فقد حدثت في غير منطقة من هذا العالم اضطرابات بفعل نقص الإمدادات الغذائية الرئيسة، أو من جراء ارتفاع أسعارها، ولا سيما تلك المرتبطة بقطاع الحبوب. ويرى باحثون، أن المخاطر التي تشكلها نقاط الاختناق تتزايد مع تنامي حجم التجارة العالمية، ولكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى نقطة مهمة تتعلق بارتفاع حرارة الأرض أيضا. فالتغير المناخي "كما هو معروف" يسبب مزيدا من العواصف والجفاف ومواسم الحر القاتل. بمعنى، أن المشكلة ناتجة عن مجموعة عوامل، يمكن تلخيصها بالتالي، تخلف شبكات النقل في بعض الدول، ومخاطر تهدد نقاط العبور الدولية، والتغيير المناخي الذي أصاب كل شيء على وجه الأرض. ناهيك عن التعطل الذي يصيب تجارة الأسمدة بين الحين والآخر. في مثل هذه القضية، لا مناص من التحرك السريع، والأهم لا بد من وجود تعاون عالمي على نطاق واسع، بما في ذلك تقديم المساعدات اللازمة لبعض البلدان التي تعاني تخلف شبكات النقل، إضافة طبعا إلى المسألة الأهم، وهي ضمان دولي شامل لنقاط العبور العالمية. ولن يتم هذا إلا بالاعتراف بهذه المصيبة المتفاقمة، والتعاون الحقيقي حتى بين البلدان التي لا تنسجم مع بعضها بعضا.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


الحروب .. والناتج الإجمالي العالمي



"البشرية يجب أن تنهي الحروب، قبل أن تنهي الحروب البشرية" 
جون ف. كيندي رئيس أمريكي راحل 


كتب: محمد كركوتي

تبقى الحروب والنزاعات والمواجهات العنيفة حول العالم السبب الرئيس في انخفاض الناتج الإجمالي العالمي. وهذا الناتج يمثل في الواقع الشكل العام للاقتصاد العالمي، وآفاق حراك هذا الاقتصاد، والآثار السلبية أو الإيجابية التي يتركها في هذه المنطقة أو تلك. وغالبا ما تكون الآثار سلبية بل خطيرة. والمؤكد أن البلدان الأكثر فقرا هي التي تتلقى الضربات الأقسى من سلبية الاقتصاد العالمي، الأمر الذي "يدعم" الأزمات في البلدان المشار إليها، بينما تحتاج الساحة الدولية إلى كل سبب لتهدئة التوترات والمواجهات، وتقليل الاحتقان السياسي الذي يتدرج في بعض المناطق ليصل إلى مرحلة المواجهات الخطيرة. وكل ذلك يؤثر بصور خطيرة ومختلفة في كل المخططات العالمية للتنمية أو تقليل الفقر، أو خفض البطالة، أو حتى محاربة الأمراض والأوبئة، إلى كل المخططات العالمية الهادفة إلى عالم أقل سوءا، بدلا من القول، "إلى عالم أفضل"، لأن النقطة الأخيرة يصعب إدراكها في هذا الزمن. الجميع يتحمل مسؤولية انخفاض الناتج الإجمالي العالمي. سواء أولئك الذين يصنعون الحروب والنزاعات، أو الذين يتحولون في غالب الأحيان إلى أدوات مواجهة، بعضها "مدفوع الأجر"، وبعضها الآخر بجهل وبلاهة وتخلف. ولم تفلح كل الجهات الحكومية وغير الحكومية بما في ذلك تلك المرتبطة بالأمم المتحدة في تحقيق خطوات لافتة على صعيد حل النزاعات، ويعني هذا ببساطة أن خسائر الإنتاج الاقتصادي العالمي ترتفع وتستمر. وفق آخر تقرير لمعهد الاقتصاد والسلام المعروف الذي يتخذ من أستراليا مقرا له، فإن العنف العالمي أثر سلبا في جميع القطاعات في عام 2015، حيث خفض الناتج العالمي في العام المذكور بنسبة 13.3 في المائة، أو ما يعادل 1876 دولارا من كل فرد، واستنادا إلى المعهد المذكور، في السنوات العشر الماضية وصلت تكاليف آثار العنف على الاقتصاد العالمي إلى 137 تريليون دولار، وتشمل هذه التكاليف الأموال التي أنفقت على عمليات عسكرية والتأمين الخاص وقوات حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة. والمثير في متابعة المشهد العالمي العام، هو حقيقة أن دولا قليلة جدا تنعم بالسلام والأمن. ما يعني أن فرص التخلص من النزاعات والمواجهات والعنف ستكون قليلة جدا، الأمر الذي سيرفع من الخسائر الاقتصادية العالمية في الوقت الذي يحتاج فيه هذا العالم إلى مزيد من التنمية، ليس من أجل الازدهار الآني والرفاهية فحسب، بل أيضا لضمان حقوق الأجيال المقبلة. فهذه النزاعات هي في الواقع عدوان مباشرة الأجيال التي لم تأت بعد، لأن تكاليفها تسحب من حصة هؤلاء في العيش الكريم، وحقوقهم المعيشية لاحقا. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن النزاعات لا تأخذ أموال الأجيال الحالية وتلك المقبلة فقط، بل لا تترك مجالا للتنمية في مرحلة لاحقة، لأنها تدمر الأسس التي يمكن البناء عليها، سواء كان اجتماعيا أو اقتصاديا. في العام الماضي، استمر الوضع على ما هو عليه. بل إن مناطق شهدت تفاقما في النزاعات بمستوى أكبر، ولم يسجل العالم نقطة إيجابية واحدة لافتة تختص بإنهاء نزاع أو وقف حرب. وتعثر الاقتصاد العالمي في عام 2015 انتقل بصورة تلقائية إلى عام 2016، مع مؤشرات أخطر، حيث تراجعت بقوة معدلات النمو في مناطق لم يكن أحد يظن أنها ستتعثر بنموها، ولا سيما دول منطقة آسيا وعلى رأسها بالطبع الصين. مصائب النزاعات غير المتفجرة لها أضرارها أيضا حيث تتوازى في بعض الحالات مع الحالات المتفجرة نفسها. وهناك في المنطقة الآسيوية عدد من الحالات غير المشتعلة فعليا لكن آثارها السلبية كبيرة. وإذا كانت المنطقة التي يعلق عليها العالم آمال النمو بهذه الصورة، علينا أن نتخيل المناطق الأخرى التي لا تدخل أساسا في قائمة البلدان الناشئة. الثابت أن النزاعات أو الحروب أو المواجهات تلقي بظلالها على بلدان ومناطق لا علاقة مباشرة لها بها. ما يؤكد مجددا الحقيقة المرعبة، أن آثارها تشمل الجميع وستستمر طويلا حتى بعد انتهائها على أرض الواقع حقا. فالخسائر الناجمة عنها لا تتعلق فقط بالإنفاق عليها، بل ترتبط ارتباطا مباشرا بتراجع الإنتاج، وارتفاع الديون بسبب الحروب، وبالطبع تزايد معدلات البطالة والجريمة الاجتماعية، وتدهور التعليم، وغير ذلك من الآثار السلبية الخطيرة على الاقتصاد -أي اقتصاد- بشكل عام. إنها مصائب مستمرة، بعضها يعود لعقود طويلة، وكلها -بصرف النظر عن المدد الزمنية- تضرب الاقتصاد العالمي بأشكال مختلفة. هل يعقل أن تكاليف الحروب والنزاعات والمواجهات تعادل إنفاق خمسة دولارات من كل شخص على مستوى العالم وعلى مدار العام؟ في حين تشير أرقام البنك الدولي الأخيرة إلى أن 10.7 في المائة من سكان العالم يعيشون على أقل من دولارين في اليوم الواحد. لا تبدو في الأفق أي مؤشرات على تغيير الأوضاع من سيئ إلى أحسن. في الواقع المؤشر المؤكد أن السيئ ينقل بثبات وقوة إلى الأسوأ.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الأربعاء، 21 يونيو 2017


حسنا .. لكن بريطانيا لا يمكنها البقاء



"الباب لا يزال مفتوحا لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي"
إيمانويل ماكرون ـــ رئيس فرنسا

كتب: محمد كركوتي:

فجأة، بدأت أركان الاتحاد الأوروبي تتحدث عن إمكانية قبول بقاء بريطانيا في الاتحاد. القابلون بالبقاء هم الأكبر نفوذا في هذا الاتحاد، يتقدمهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، ناهيك عن رؤساء الوزراء في عدد من البلدان الأوروبية الأخرى. والحق أن كل هؤلاء لم يرغبوا في خروج المملكة المتحدة أصلا، على الرغم من المنغصات البريطانية التي لا تنتهي لهم، ولا سيما فيما يرتبط بإعفاء لندن من بعض الاتفاقيات والالتزامات، ناهيك طبعا عن رفض بريطانيا الانضمام إلى اتفاقية فتح الحدود الأوروبية (شنجن) وكذلك الأمر عن العملة (اليورو). ومهما كانت هذه المنغصات، فالمملكة المتحدة في النهاية بلد محوري عالميا وأوروبيا، ويتمتع بكل الإمكانات التي يحتاج إليها أي تكتل اقتصادي أو سياسي.
ليس هناك رئيس وزراء بريطاني يمكنه المراوغة حول استفتاء الخروج الذي تم في حزيران (يونيو) الماضي، حتى لو كان من أعنف المؤيدين لبقاء بلاده في الاتحاد. فالمسألة تتعلق بالتفويض الشعبي له من أجل الانسحاب، وهذا أمر لا يقبل التراجع أو حتى التفاوض. بل لا يمكن إعادة الاستفتاء بصيغته التي تمت. ويكفي رئيسة الوزراء تيريزا ماي الآن ضعفها السياسي الداخلي، وهشاشة وضعية حزبها على الساحة، وتقدم لافت (وحتى مفاجئ) لحزب العمال المعارض. ولكن كل هذا ليس مهما. فالقفز فوق الاستفتاء لا يجري في بلدان مجبولة على الاستفتاءات الشعبية ــــ الوطنية. وماي التي تُحسب على معسكر البقاء في الاتحاد، هي من أشد السياسيين التزاما وتطبيقا لرغبة الذين صوتوا لمصلحة الخروج، بصرف النظر عن نسبتهم، وهي قليلة كما يعرف الجميع.
المهم، أن "الإغراءات" الأوروبية بإمكانية بقاء بريطانيا ليست ذات قيمة أمام التمسك بالديمقراطية، حتى وإن بلغت هذه "الإغراءات" حد أن أعلنت المفوضية الأوروبية، أنه يمكن إيقاف مفاوضات الخروج مع بريطانيا في أي وقت وبقاؤها عضوا. ولكن هل يمكن وضع العرض الأوروبي المفاجئ ضمن نطاق "الإغراءات"؟ الإجابة المباشرة والسريعة هي لا. والسبب واضح جدا جاء في سياق كلام "العارضين". فهؤلاء يقولون، إن بإمكان المملكة المتحدة البقاء، ولكن عليها أن تكون ملتزمة بكل الاتفاقيات والقوانين الأوروبية. بمعنى آخر، أن بريطانيا إذا ما حدثت معجزة وقررت البقاء، عليها أن تقبل بكل ما هي مستثناة منه أصلا. أي أنها "ستعود" صاغرة. لماذا؟ لأن الاتحاد الأوروبي "الجديد" يلغي كل الاستثناءات لأي بلد ضمن نطاقه.
وهنا يمكننا أن نترك كلام بريجيته تسيبريز وزيرة الاقتصاد الألمانية جانبا، لأنه ببساطة لا معنى له. فهي قالت "إن عدول بريطانيا عن قرار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، سيكون أمرا عظيما، وإن كان حدوث هذا يبدو مستبعدا". ورغم كل هذا الكلام "الجميل"، إلا أنها تقول دون أن تتحدث "حسنا، قررتم الخروج برغبتكم، ولكن بقاءكم ـــ إن حصل- سيتم بشروطنا". وحتى لو حدث المستحيل، وقامت رئيسة الوزراء البريطانية بعرض "الباب" الأوروبي المفتوح على الشعب البريطاني، فهي لا تحمل من بروكسل شيئا يمكن تسويقه على البريطانيين لدخول هذا "الباب". كان ماكرون المرحب بالبقاء فظا حين قال "إن الباب المعروض يشبه أبواب رواية -أليس في بلاد العجائب- أي أن كل باب يختلف عن غيره".
ما سيجري الآن هو التوصل بين الجانبين إلى حلول وسط في اتفاق الرحيل. علما بأن الأوروبيين أعلنوها صراحة أنه ليس في نيتهم السير في هذا الاتجاه. والحلول الوسط تنقذ الجانب البريطاني، كما أنقذته طوال أكثر من أربعة عقود شكلت المدة الزمنية لعضوية المملكة المتحدة في هذا الاتحاد. وفي كل الأحوال، لا يبدو أن مكاسب ذات قيمة كبيرة ستجنيها بريطانيا حتى في حال التوصل إلى هذا النوع من الحلول. وأقصى عائد سيكون اتفاقا تجاريا بينها وبين الاتحاد الأوروبي، يأخذ في شيء من الاعتبار، حقيقة التحالف الاقتصادي الذي ربطهما مع بعضهما بعضا طوال العقود القليلة الماضية. لا يبدو أنه ستكون هناك امتيازات يمكن التحدث عنها، وفي النهاية ستكون بريطانيا دولة "أجنبية" كانت لفترة ما "شقيقة".
من هنا، فإن أي حديث يتم تداوله على الساحة الأوروبية بشأن إمكانية بقاء بريطانيا في الاتحاد، مزيج من التمنيات والأوهام. والجميع يعرف هذه الحقيقة، لكن لا بأس من ترطيب الأجواء، ورفع مستوى النبرة الدبلوماسية إعلاميا فقط. يُظهر ذلك على الأقل أن المفوضية الأوروبية المتحفزة لبدء مفاوضات الخروج، تروج المرونة لنفسها قبل أن تبدأ بكل قدراتها "طحن" المفاوض البريطاني، مستغلة بالطبع حقيقة أن نصف الشعب البريطاني تقريبا أراد بقاء بلاده في الاتحاد. كل التمنيات تتحطم تلقائيا أمام حق الذين انتصروا في استفتاء الخروج. وكل المحاولات لا قيمة لها لتغيير هذا الواقع. في بريطانيا، كغيرها من البلدان المتقدمة، لا شيء يعلو فوق رغبة الناخب، بصرف النظر عن جهل هذا الناخب، وأحيانا بلاهته.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")