الأربعاء، 21 يونيو 2017


حسنا .. لكن بريطانيا لا يمكنها البقاء



"الباب لا يزال مفتوحا لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي"
إيمانويل ماكرون ـــ رئيس فرنسا

كتب: محمد كركوتي:

فجأة، بدأت أركان الاتحاد الأوروبي تتحدث عن إمكانية قبول بقاء بريطانيا في الاتحاد. القابلون بالبقاء هم الأكبر نفوذا في هذا الاتحاد، يتقدمهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، ناهيك عن رؤساء الوزراء في عدد من البلدان الأوروبية الأخرى. والحق أن كل هؤلاء لم يرغبوا في خروج المملكة المتحدة أصلا، على الرغم من المنغصات البريطانية التي لا تنتهي لهم، ولا سيما فيما يرتبط بإعفاء لندن من بعض الاتفاقيات والالتزامات، ناهيك طبعا عن رفض بريطانيا الانضمام إلى اتفاقية فتح الحدود الأوروبية (شنجن) وكذلك الأمر عن العملة (اليورو). ومهما كانت هذه المنغصات، فالمملكة المتحدة في النهاية بلد محوري عالميا وأوروبيا، ويتمتع بكل الإمكانات التي يحتاج إليها أي تكتل اقتصادي أو سياسي.
ليس هناك رئيس وزراء بريطاني يمكنه المراوغة حول استفتاء الخروج الذي تم في حزيران (يونيو) الماضي، حتى لو كان من أعنف المؤيدين لبقاء بلاده في الاتحاد. فالمسألة تتعلق بالتفويض الشعبي له من أجل الانسحاب، وهذا أمر لا يقبل التراجع أو حتى التفاوض. بل لا يمكن إعادة الاستفتاء بصيغته التي تمت. ويكفي رئيسة الوزراء تيريزا ماي الآن ضعفها السياسي الداخلي، وهشاشة وضعية حزبها على الساحة، وتقدم لافت (وحتى مفاجئ) لحزب العمال المعارض. ولكن كل هذا ليس مهما. فالقفز فوق الاستفتاء لا يجري في بلدان مجبولة على الاستفتاءات الشعبية ــــ الوطنية. وماي التي تُحسب على معسكر البقاء في الاتحاد، هي من أشد السياسيين التزاما وتطبيقا لرغبة الذين صوتوا لمصلحة الخروج، بصرف النظر عن نسبتهم، وهي قليلة كما يعرف الجميع.
المهم، أن "الإغراءات" الأوروبية بإمكانية بقاء بريطانيا ليست ذات قيمة أمام التمسك بالديمقراطية، حتى وإن بلغت هذه "الإغراءات" حد أن أعلنت المفوضية الأوروبية، أنه يمكن إيقاف مفاوضات الخروج مع بريطانيا في أي وقت وبقاؤها عضوا. ولكن هل يمكن وضع العرض الأوروبي المفاجئ ضمن نطاق "الإغراءات"؟ الإجابة المباشرة والسريعة هي لا. والسبب واضح جدا جاء في سياق كلام "العارضين". فهؤلاء يقولون، إن بإمكان المملكة المتحدة البقاء، ولكن عليها أن تكون ملتزمة بكل الاتفاقيات والقوانين الأوروبية. بمعنى آخر، أن بريطانيا إذا ما حدثت معجزة وقررت البقاء، عليها أن تقبل بكل ما هي مستثناة منه أصلا. أي أنها "ستعود" صاغرة. لماذا؟ لأن الاتحاد الأوروبي "الجديد" يلغي كل الاستثناءات لأي بلد ضمن نطاقه.
وهنا يمكننا أن نترك كلام بريجيته تسيبريز وزيرة الاقتصاد الألمانية جانبا، لأنه ببساطة لا معنى له. فهي قالت "إن عدول بريطانيا عن قرار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، سيكون أمرا عظيما، وإن كان حدوث هذا يبدو مستبعدا". ورغم كل هذا الكلام "الجميل"، إلا أنها تقول دون أن تتحدث "حسنا، قررتم الخروج برغبتكم، ولكن بقاءكم ـــ إن حصل- سيتم بشروطنا". وحتى لو حدث المستحيل، وقامت رئيسة الوزراء البريطانية بعرض "الباب" الأوروبي المفتوح على الشعب البريطاني، فهي لا تحمل من بروكسل شيئا يمكن تسويقه على البريطانيين لدخول هذا "الباب". كان ماكرون المرحب بالبقاء فظا حين قال "إن الباب المعروض يشبه أبواب رواية -أليس في بلاد العجائب- أي أن كل باب يختلف عن غيره".
ما سيجري الآن هو التوصل بين الجانبين إلى حلول وسط في اتفاق الرحيل. علما بأن الأوروبيين أعلنوها صراحة أنه ليس في نيتهم السير في هذا الاتجاه. والحلول الوسط تنقذ الجانب البريطاني، كما أنقذته طوال أكثر من أربعة عقود شكلت المدة الزمنية لعضوية المملكة المتحدة في هذا الاتحاد. وفي كل الأحوال، لا يبدو أن مكاسب ذات قيمة كبيرة ستجنيها بريطانيا حتى في حال التوصل إلى هذا النوع من الحلول. وأقصى عائد سيكون اتفاقا تجاريا بينها وبين الاتحاد الأوروبي، يأخذ في شيء من الاعتبار، حقيقة التحالف الاقتصادي الذي ربطهما مع بعضهما بعضا طوال العقود القليلة الماضية. لا يبدو أنه ستكون هناك امتيازات يمكن التحدث عنها، وفي النهاية ستكون بريطانيا دولة "أجنبية" كانت لفترة ما "شقيقة".
من هنا، فإن أي حديث يتم تداوله على الساحة الأوروبية بشأن إمكانية بقاء بريطانيا في الاتحاد، مزيج من التمنيات والأوهام. والجميع يعرف هذه الحقيقة، لكن لا بأس من ترطيب الأجواء، ورفع مستوى النبرة الدبلوماسية إعلاميا فقط. يُظهر ذلك على الأقل أن المفوضية الأوروبية المتحفزة لبدء مفاوضات الخروج، تروج المرونة لنفسها قبل أن تبدأ بكل قدراتها "طحن" المفاوض البريطاني، مستغلة بالطبع حقيقة أن نصف الشعب البريطاني تقريبا أراد بقاء بلاده في الاتحاد. كل التمنيات تتحطم تلقائيا أمام حق الذين انتصروا في استفتاء الخروج. وكل المحاولات لا قيمة لها لتغيير هذا الواقع. في بريطانيا، كغيرها من البلدان المتقدمة، لا شيء يعلو فوق رغبة الناخب، بصرف النظر عن جهل هذا الناخب، وأحيانا بلاهته.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الأحد، 18 يونيو 2017



خروج من صعب إلى أصعب



كتب: محمد كركوتي

ستكون المفاوضات الخاصة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي التي تنطلق أكثر من صعبة. بعد أن كانت صعبة فقط قبل الانتخابات البريطانية العامة التي حولت نتائجها "تمنيات" رئيسة الوزراء تيريزا ماي إلى مجموعة من الهموم. هموم تتعلق بحزبها، وأخرى ترتبط بمصير بقاء المملكة المتحدة على شكلها الراهن، وهموم تخص التركيبة الانتخابية المحلية الجديدة، وأخرى لها صلة مباشرة بالصعود المفاجئ لحزب العمال المعارض. هذا الحزب الذي كان قبل شهرين فقط من الانتخابات العامة "مَضحكة" انتخابية، لاعتقاد الجميع (بمن فيهم شرائح من العمال) بأنه لا يمكن أن يحقق تقدماً في أي انتخابات طالما ظل جيرمي كوربين على رأسه. وهذا الأخير قاوم كل الضغوط والمحاولات لعزله، إلا أنه نجح في البقاء، وجلب لحزبه مقاعد برلمانية مُقتنصة من حزب المحافظين الحاكم وبقية الأحزاب الأخرى.

         ليس مهماً في الوقت الراهن الحديث عن نتائج الانتخابات. فأرقامها التي صبت في صالح العمال مذهلة، وتختصر المشهد السياسي والانتخابي العام. المهم الآن وحتى عامين مقبلين على الأقل، هو شكل مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والأهم طبيعة اتفاقات الخروج التي سيتم التوصل إليها. بينما عبرت دوائر المفوضية الأوروبية عن مخاوفها ليس من خروج بريطانيا، بل من تباطؤ الخروج في ظل وجود حكومة بريطانية ائتلافية هشة قابلة للانهيار عند أول مشروع قرار يعرض للتصويت في مجلس العموم، حتى لو كان هذا المشروع يختص بمنع "مضغ اللبان -العلكة"! أو شكل الزينة العامة في أعياد الميلاد! حكومة الائتلاف اليوم قد لا تكون موجودة في أسبوع أو أسبوعين من الآن، ليعود الاضطراب السياسي إلى حاله فوراً. واضطراب من هذا النوع في ظل مفاوضات تاريخية، له تداعياته السلبية على طرفيها.

        كانت تيريزا ماي قبل الانتخابات العامة التي دعت "ببلاهة" إليها، تريد أن تشكل حكومة قوية من أجل المفاوضات. ولا سيما إذا علمنا أن يوجد على طاولة المفاوضات ما لا يقل عن ألفي اتفاقية بين أوروبا والمملكة المتحدة، تضاف إليها مذكرات تفاهم تتحول تلقائياً إلى شكل من أشكال الاتفاقات، إلى جانب التزامات بريطانيا المالية تجاه الاتحاد نفسه. بعض التقديرات أشارت إلى أن تكاليف الخروج ربما تتساوى مع كلفة البقاء. وهناك تخمينات أخرى تتحدث عن أن الخروج أكثر كلفة من البقاء. وقد تصل التكاليف إلى أكثر من 100 مليار يورو، كما أنها ستُدفع على مدى سنوات. باختصار، الخروج لا يوفر لبريطانيا الدفعات المالية الهائلة المستحقة عليها بشكل أو بآخر.

        وهنا في الواقع تكمن صعوبة المفاوضات. فكما يقال "دخول الحمام ليس مثل خروجه"، ولندن تعرف هذه الحقيقة الآن بصورة أكثر وضوحاً، ولاسيما مع تأكيدات الأوروبيين على ألا تتوقع بريطانيا معاملة خاصة. وهذه النقطة بحد ذاتها هي عبارة عن رسالة أوروبية لكل البلدان المنضوية تحت لواء الاتحاد، بأن لا تفكر للحظة في خروج سلس أو غير مكلف. مع التأكيد أيضاً على أنه لن يسمح لبريطانيا بعقد اتفاقات تجارية ثنائية مع أي دولة في العالم (بما فيها الاتحاد الأوروبي نفسه) خلال فترة المفاوضات. ما يجعل الوضعية التجارية للبلاد أكثر اضطراباً، لتضاف مباشرة إلى الاضطراب السياسي المحلي العام، إلى جانب عامل مهم أيضاً، يرتبط مباشرة بمعسكر البريطانيين الذين لا يزالون متمسكين بقوة ببقاء بلاده ضمن الحضن الأوروبي.

        أمام هذه المعطيات، كانت بريطانيا بحاجة لحكومة تحكم بأغلبية، ولا تهتم بالمناوشات السياسية من هنا وهناك. حكومة تعرض اتفاقها التاريخي على الشعب البريطاني، ولو تطلب الأمر تصويتاً عليه في مجلس العموم. تعرضه دون خوف من تمرد نواب أحبوا أوروبا وكرهوا الانفصال، بصرف النظر عن الشرعية "الاستفتائية" لهذا الانفصال، وهي حق مكفول عند المحبين والكارهين لأوروبا. الخروج الذي كان صعباً، صار أشد صعوبة. وتحتاج تيريزا ماي في الواقع إلى مجموعة من العيون الخاصة بها في وقت واحد. عين على المفاوضات المروعة قبل أن تبدأ، وأخرى على حكومتها الضعيفة التي لا تتمتع بأغلبية برلمانية ضامنة، وعين على علاقات بريطانيا مع العالم، وأخرى على المملكة المتحدة نفسها المهددة بالتفكك. بل عين على منصبها المستهدف من وزرائها الكبار.

        تريد خروج "سلس"؟ عليها أن تعترف علناً أنها لا تضمنه. تسعى لخروج سريع، من واجبها اليوم أن تقول "إنه ربما سيكون طويل.. طويل". لا مقاومة عملية لرئيسة الوزراء أمام "وحشية" المفاوضين الأوربيين، والأهم أنه لا ملجأ وطني قوي أو عملي لها أيضاً أمام هذه "الوحشية". إنها تمضي قدماً إلى المفاوضات وهي تسير بثبات إلى "أحضان" التاريخ، الذي ستدخله من كل الأبواب. رئيسة الوزراء التي خرجت بلادها من الاتحاد في عهدها، والرئيسة التي فاوضت بضعف (إن بقيت فعلاً في منصبها حتى نهاية المفاوضات)، والمسؤولة التي كسرت نفسها بيدها عندما دعت لانتخابات مبكرة ظنتها أنها مضمونة. دون أن ننسى بالطبع، أنها قد تكون في منصبها، إذا ما نجحت اسكتلندا من نزع التاج البريطاني عن رأسها، وحققت ايرلندا الشمالية تقدماً هي الأخرى في الانفصال عن هذا التاج.


(المقال خاص بجريدة "الاتحاد" الإماراتية)

السبت، 17 يونيو 2017


المقامرة التي كسرت تيريزا


"الفن، والحرية، والإبداع تغير المجتمع بقوة أسرع من السياسة"
فيكتور بينشوك رجل أعمال أوكراني وفاعل خير معروف

كتب: محمد كركوتي

ليست
ماما تيريزا الراحلة المعروفة. إنها تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية، التي أطلقت المقامرة على مستقبلها رغم أنها لم تكن بحاجة إليها. أما المقامرة، فهي الدعوة لانتخابات عامة مبكرة جدا، في وقت كانت تتمتع بمقاعد برلمانية في مجلس العموم تسمح لها بالمضي قدما في رسم سياساتها وصنع القوانين والقرارات، والأهم البدء بمفاوضات ستكون بالقطع مضنية مع الاتحاد الأوروبي للانسحاب منه. صحيح أن أغلبيتها لم تكن ساحقة، ولكنها بالتأكيد تكفل لها وقودا للحراك السياسي دون منغصات، في وقت نشر الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي المنغصات في كل الأركان، وصنع خلافات حتى ضمن التيار السياسي والاجتماعي الواحد في البلاد كلها. كانت تيريزا ماي تأمل أن تحصد مزيدا من المقاعد في الانتخابات العامة التي دعت إليها، لتشكل حكومة قوية. ولأن الأمر كان مقامرة غير محسوبة على الإطلاق، خسرت رئيسة الوزراء أغلبيتها البرلمانية!
الثابت أن ماي عندما دعت لانتخابات مبكرة، كانت تستند إلى حقيقة أن شعبية حزب العمال المعارض المنافس الأكبر في الحضيض. وليس هذا فحسب، بل كان هناك صراع علني عنيف بين قيادات الحزب العمالي من أجل التخلص من زعيمه جيرمي كوربين الذي اعتبرته الغالبية العظمى، زعيما لا يمكن أن ينتصر الحزب بزعامته، في أي انتخابات، بصرف النظر عن توقيتها. وقعت ماي وفريقها الاستشاري بهذا المطب، مستندة بالطبع إلى أن ما يجري على الساحة العمالية هو في الواقع حملة انتخابية مضادة لهذا الحزب، وبالتالي هي حملة تصب تماما في سياق مصالح حزب المحافظين الذي تتزعمه. "تغنت" رئيسة الوزراء بالفارق الهائل في شعبية حزبها مع العمال وفق استطلاعات للرأي كانت حقيقية بالفعل، لكنها لم تكن طويلة الأمد في حقائقها.
الذي حصل، أن كوربين وأعوانه المخلصين، قدموا مشروعا انتخابيا عالي المستوى، والأهم قريبا جدا من شرائح الشباب، وهو أمر لم ينتبه إليه المحافظون، يضاف إلى ذلك أن المحافظين أنفسهم تعرضوا لهجوم بالبراهين والإثباتات من زاوية ماي نفسها، في أعقاب الهجمات الإرهابية التي استهدفت بريطانيا في غضون ثلاثة أشهر فقط. فقد تم تحميل ماي المسؤولية لأنها قلصت قوة الشرطة في بريطانيا بأكثر من 20 ألف فرد، عندما كانت وزيرة للداخلية على مدى خمس سنوات في حكومة ديفيد كاميرون. أمام الأعمال الإرهابية لابد من ضحايا مباشرين وآخرين غير مباشرين، وكانت تيريزا ماي من أولئك. وفي الغرب، لا حلول وسط عادة في التعاطي مع المسألة الأمنية. رغم أن الجميع يعرف، أن الـ20 ألف شرطي الذين سرحوا، لا يضمنون بالطبع عدم وقوع أعمال إرهابية هنا أو هناك.
بعد الانتخابات العامة الأخيرة، تحولت حكومة المحافظين من سلطة قوية كانت تسعى لمزيد من القوة، إلى سلطة ضعيفة تتسول تحالفا مع أحزاب صغيرة لتتمكن من تشكيل حكومتها. في حين أظهرت تقدما مذهلا لحزب العمال بزعيمه كوربين على حساب كل الأحزاب وفي مقدمتهم المحافظون أنفسهم. الخسارة كانت مفجعة بالفعل "رغم أن المحافظين حافظوا على التفوق بعدد المقاعد" إلى درجة أن عشرة وزراء في حكومة تيريزا خسروا مقاعدهم البرلمانية، وبالتالي مناصبهم الوزارية. وهذه إشارة مروعة "سياسيا" إلى أن الخسائر لم تصب مرشحي الحزب الحاكم فقط، بل مرشحيه الذين يحتلون مناصب في الحكومة. ومع أن زعيم الحزب "عادة" الذي يخسر الأغلبية البرلمانية يستقيل من زعامة الحزب، أصرت ماي على المضي قدما في تشكيل حكومة ائتلافية معرضة في أي لحظة للانهيار على أهون الأسباب.
والانهيار هنا في هذا الوقت بالذات سيكون كارثة على البلاد كلها، لأن بريطانيا تحضر نفسها في أيام لبدء مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي بحكومة ائتلافية هشة مضطربة. ففي حين أن هذه المفاوضات التاريخية الحرجة الصعبة تتطلب وحدة وطنية، فإن ما حصل في المملكة المتحدة عكس ذلك تماما. لم تمر بريطانيا بهذا المشهد السياسي المروع منذ سبعينيات القرن الماضي، ولكن ما يجعل الوضع أكثر ترويعا في الحالة الراهنة، ليس سوى المفاوضات المرعبة حقا، خصوصا أن تكاليف الخروج ستتساوى مع تكاليف البقاء، وبعض التقديرات تتحدث عن أنها ستكون أعلى حتى من تكاليف استمرار بريطانيا عضوا في الاتحاد. هل الأجواء ضبابية في بريطانيا؟ لا، إنها سوداء حالكة، وتبقى مليئة بالمفاجآت لاسيما تلك المرتبطة بإمكانية انفراط عقد الحكومة الائتلافية الهشة عند أول منعطف.
المستشارون "الناصحون" الذين شجعوا تيريزا ماي على إطلاق انتخابات عامة مبكرة رحلوا في الساعات الأولى التي أعقبت إعلان النتائج. لكن هذا لم يؤثر بأي صورة في حقيقة الأوضاع في أعقاب الانتخابات. وبينما كان زعيم العمال كوربين يعاني العصيان داخل حزبه، صارت ماي في وضع كوربين الآن تماما، خصوصا مع بدء بعض المحافظين الحديث عن ضرورة استقالة تيريزا فورا، وعن أنها ليست مؤهلة في الواقع لحكم البلاد بصرف النظر عن نجاحها في استدراج حزب إيرلندي صغير جدا لمنحها الشرعية البرلمانية.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الاقتصاديون في أزمة مستدامة



"نحن نعلم جميعا، أن الاقتصاديين وجدوا، لجعل أحوال الطقس تبدو جيدة"
روبرت ميردوخ - مستثمر عالمي في مجال الإعلام

كتب: محمد كركوتي

ليست الأزمة الأولى التي يمر بها الاقتصاديون حول العالم. بل لا توجد مرحلة لم يمر بها هؤلاء في أزمة، أو شيء منها. ورغم محاولاتهم الابتعاد عن الأزمات (أو إبعادها عنهم لا فرق)، إلا أنهم ظلوا بمنزلة الوعاء الذي يحتضن كل السلبيات والانتقادات والهجوم، وأحيانا كثيرة الوعاء الذي يحتوي على الشتائم أيضا. حتى إنهم في بعض المراحل، تحملوا أخطاء حكومات ظلما، وإن كانوا في نظر شرائح عديدة من هذا المجتمع أو ذاك، ليسوا من المظلومين. لماذا؟ لأنهم هم السبب الرئيس للمشكلات، رغم أن أغلبيتهم العظمى لا تملك القرار أو السلطة لاتخاذ قرارات تؤدي لهذه المشكلات. فباستثناء بعض الاقتصاديين الذين جلسوا في موقع صناع القرار، تبقى الأغلبية العظمى منهم بعيدة عنه، وإن اقتربت منه عبر علاقات يصنعها الميدان الاقتصادي تلقائيا.
لا أحد "مثلا" سينسى قريبا المأساة التي شاركوا فيها وأخذت شكل الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت عام 2008. في الواقع دخلوا التاريخ في هذا المجال، وباتوا جزءا لا يتجزأ من أي دراسة أو بحث أو تحليل يتناول هذه الأزمة - المصيبة. وضع الاقتصاديون جنبا إلى جنب المصرفيين الذين "اخترعوا" مشتقات مالية مروعة، وقاموا بتسهيل الحصول على قروض غير مضمونة، وأغرقوا الناس بالوعود الوردية الجميلة، وضللوا حتى المسؤولين في بعض الحكومات حول العالم، الأمر الذي أنتج الأزمة العالمية المشار إليها. مرة أخرى لم يكن للاقتصاديين سلطة القرار، ولكن بلا شك كان "ولا يزال" لديهم امتياز التلاعب بالحقائق، أو في أفضل الأحوال الجهل في قراءة الآثار المترتبة على حراك اقتصادي هنا وآخر هناك.
والحق إن الهجوم على الاقتصاديين ليس مقتصرا على الناس العاديين لاسيما أولئك الذين تضرروا بصورة عميقة جراء توقعاتهم وقراءاتهم المضللة أو الخاطئة. بل شمل أيضا باحثين مختصين وأكاديميين. وانفجر هؤلاء عليهم، في أعقاب تصويت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي. ففي حين يعتبر الاقتصاديون أن خطأ طفيفا حدث في توقعاتهم حول ما سيحدث في أعقاب الخروج البريطاني، يرى المنتقدون أنهم فشلوا. ويرد مارك هاريسون الأستاذ في جامعة وورك البريطانية على مهاجمي الاقتصاديين قائلا: "هل علم الأوبئة في أزمة بسبب عدم تنبؤ مسؤولي الصحة العامة بأكبر وباء إيبولا في التاريخ؟". ولكن الأمر لا يحسب وفق هذه المقارنة، خصوصا أن التاريخ أثبت عدة مرات أن النسبة الأكبر من الاقتصاديين لا يتعلمون بسرعة.
ورغم أن جانبا كبيرا منهم يعترف بالأخطاء، إلا أنهم يقعون فيها مجددا، أو يسقطون بحالات مشابهة لها. فاعتراف بنك إنجلترا المركزي بأنه بالغ في التأثير قصير المدى لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي "مثلا"، لا يزيل عنه الخطأ الفادح. ومثل هذه "المبالغة" حملت عواقبها الخطيرة معها. والحق إن مثل هذه الاعترافات كثيرة في الساحة الاقتصادية العالمية. فحتى ألان جرينسبان رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق قال في أعقاب انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية "إنه لم يتوقع أن تكون الأزمة بهذا المستوى، وإنها تحصل مرة كل 100 عام". ماذا حدث؟ وقع العالم أجمع في براثنها، وفي المقدمة كانت الولايات المتحدة نفسها. فالخطأ الذي لا يمكن تصحيحه إلا بعد عقود من الزمن، ليس خطأ بل خطيئة، لاسيما عندما يرتبط بأجيال لم تولد بعد.
وللملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا موقف شهير في هذا المجال، عندما زارت كلية الاقتصاد في لندن، وطرحت سؤالها الشهير للقائمين على الكلية "لماذا لم يشاهد أحد الأزمة المقبلة (أزمة 2008) وهي في الطريق؟" وكان الجواب أن المسألة لا تتعلق بالتنبؤ، بقدر ما تتعلق بالتفكير الهائل بالتمني والغطرسة في كامل حوكمة النظام المالي. ولكن مهلا، لماذا لم يتحرك الاقتصاديون ويكشفون "تفكير التمني والغطرسة"؟ لا جواب هنا. لكن عندما تحرك بعضهم بالفعل وحذر من المصيبة القادمة، كانت الأغلبية العظمى منهم تتعاطى معهم بسخرية، ناهيك طبعا عن تأييد الحكومات التي كانت قائمة لـ"اقتصاديي التمني والمتغطرسين". الحكومات أحبت سماع هؤلاء، وسخرت هي أيضا من منتقديهم.
لا يمكن التعميم هنا، فهناك اقتصاديون وقفوا بالفعل في وجه الحراك المالي السيئ سواء ذاك الذي يخص الأزمة أو غيرها، لكن أدواتهم كانت معدومة. ومن الواضح أن السياسيين استخدموا الشريحة الأكبر من الاقتصاديين الذين "يلحنون قصائدها" غير البريئة"، وهي قصائد تفيد مرحلتهم فقط وتنال من المراحل الأخرى المقبلة. وابتعد السياسيون عن أولئك الذين يظهرون الركاكة في "قصائد الحكومات" ما يؤثر بالطبع سلبيا في أدائهم الشعبي. إنها مسألة مصالح منذ البداية، غير أنها مصالح لا تضر فردا ولا جماعة، بقدر ما تنشر المصائب والأعباء في المجتمع ككل. وليس هذا فحسب، بل تنال أيضا من هذا المجتمع لسنوات طويلة، وطويلة جدا
.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الخميس، 1 يونيو 2017



ناهب إفريقيا ليس أجنبيا فقط



"لا تحتاج إفريقيا اليوم للمساعدات، بل للتجارة والاستثمارات، من أجل تحقيق التطور والنمو"
بول كاجامي رئيس رواندا



كتب: محمد كركوتي

ليس
جديدا أن نسبة كبيرة من الثروات الإفريقية تنهب، وعمليات النهب هذه تجري منذ عقود، وبأشكال مختلفة، تشمل معظم الميادين، من الثروات الكامنة في الطبيعة، إلى الفساد والتهريب والسمسرة وغير ذلك من الأدوات التي تضمن لك ثروة كبيرة في أقل مساحة زمنية ممكنة، بصرف النظر عن ماهيتها وشرعيتها والأذى الذي تتسبب فيه للبلاد كلها. ليس جديدا ما يجري في هذه القارة في هذا السياق، صحيح أن مستويات النهب والفساد تختلف من بلد لآخر، لكن الصحيح أيضا أن الغالبية العظمى من البلدان، تعيش تحت وطأة وعبء النهب والفساد. والحقيقة الأبشع، أن تكاليف النهب ستعيش لعقود طويلة قادمة. فالأجيال التي لم تولد بعد، ستنال حصتها من هذا الخراب، بمعنى أنها تتحمل أعباء جريمة لم ترتكبها.
الجديد في هذه القضية المتواصلة، أنه رغم تراجع معدلات عمليات النهب والفساد بأشكالها المختلفة في أنحاء العالم بشكل عام، فإنها ترتفع في مناطق عديدة في القارة الإفريقية. فلا عجب في أن ترى أفقر البلدان تقبع في هذه القارة. والأرقام المتداولة صادمة بالفعل، على الرغم من أنها تقريبية، إلا أن الأمر لا يحتاج إلى جهد كبير لمعرفة مدى صحتها. فنظرة عامة على الأحوال الاجتماعية والاقتصادية في البلدان المعنية، تعطي الجواب الأمثل لواحدة من أسوأ الأزمات التي تعيشها إفريقيا. علما أنه لا يوجد نقص في المعلومات الآتية من هذه المنطقة، لاسيما مع وجود عشرات المنظمات الدولية الرصينة في القارة، بما فيها تلك التابعة للأمم المتحدة، وبعض المنظمات الأهلية العالمية ذات السمعة العالية.
يجري تحميل الغرب المسؤولية في استمرار عمليات النهب وارتفاع معدلات الفساد في إفريقيا. وهذا صحيح إلى حد ما لكنه ليس السبب الوحيد والرئيس. على الصعيد الحكومي حققت البلدان المتقدمة ذات النشاطات الإنمائية في إفريقيا خطوات مهمة في المجال التنموي، لكنها تبقى خطوات محدودة، لأنها تصطدم بالفعل بجدار الفساد الذي يمثل الأساس في عدد كبير من البلدان الإفريقية، أما النزاهة فتظل استثناء هناك، ما يرفع بالضرورة مستوى نجاح عمليات النهب، بصرف النظر عن الجهات الناهبة غربية كانت أو شرقية. فالأساس لا يتغير هنا، وهو يكمن في الجهات المحلية التي يفترض أنها تعمل للمصلحة الوطنية العامة! ويتحمل الغرب "على وجه الخصوص" مسؤولية كبيرة، ليست في ارتفاع معدلات النهب والفساد، بل لأنه تأخر عن تعديل سياساته الإنمائية في القارة. مع التعديل الذي تم بالفعل منذ عقد من الزمن، بدأت الأمور تتجه في مسارات عالية القيمة والعوائد والجودة.
غير أن هذا لا يكفي، في ظل وجود حكومات لم تصل إلى السلطة إلا بالفساد، ولا يمكن أن تواصل عملها إلا به أيضا. فهل يعقل أن بلدا كالكونغو يمتلك ثروة من الألماس والنحاس والنفط تصل قيمتها إلى 24 تريليون دولار هو من أوائل البلدان الأفقر في العالم؟! لنترك جانبا تقرير الشفافية العالمية الذي أظهر معلومات مرعبة عن الفساد في القارة الإفريقية. وهو من أفضل التقارير في هذا المجال. وفق "وثائق بنما" الشهيرة التي فضحت الجميع، فإن "رجال أعمال" أفارقة يلجأون لشركات وهمية، من أجل إخفاء الأرباح التي يجنونها من بيع الموارد الطبيعية والرشا والتهريب بأنواعه. وهذه الموارد وغيرها تقدر بعدة عشرات من مليارات الدولارات، وتجري العمليات دون توقف، مع وجود "الحواضن" اللازمة لها.
وفي آخر تقرير لمؤسسة "جلوبال جستس ناو"، أظهرت هذه الأخيرة، أن القارة الإفريقية تلقت ما مجموعه 162 مليار دولار عام 2015 على شكل قروض ومساعدات وتحويلات شخصية، لكن في العام نفسه تم أخذ 203 مليارات دولار من القارة، إما بشكل مباشر عن طريق الشركات متعددة الجنسيات التي تحوّل أرباحها إلى موطنها الأصلي خارج القارة، إضافة إلى استخدامها طرقا ملتوية وغير قانونية للحصول على ملاذات ضريبية، أو بشكل غير مباشر عن طريق التكاليف التي تفرضها بقية دول العالم على القارة للحد من الاحتباس الحراري وتقليل آثاره. في حين بلغت التدفقات المالية غير المشروعة 68 مليار دولار سنويا. طبعا الفارق مروع بين الداخل والخارج من الأموال، مع ضرورة أن كل الأموال الداخلة تصل بصورة شرعية، وغالبية الأموال الخارجة لا تخرج بهذه الصورة.
الجميع يتحمل مسؤولية النهب والفساد في القارة الإفريقية. وللإنصاف لا يمكن أن تتساوى مسؤولية جهات أجنبية في غالب الأحيان تلعب حتى على حكوماتها، مع مسؤولية الجهات الإفريقية "الوطنية" التي يتوجب عليها أن تكون حامية لثروات بلدانها. فالمسؤولية الأولى تقع على أولئك الذين لديهم الاستعداد لتدمير بلادهم اقتصاديا واجتماعيا، من أجل بناء ثروة سرية هنا، وملكية وهمية هناك. وحسابات ليست لتأمين مستقبل أمة، بل لضمان رفاهية بأعلى المستويات لعدد من أفراد أسرة واحدة أو عدة أسر فقط.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



عين على أوروبا وأخرى على اسكتلندا


"استفتاء اسكتلندا في 2018 لن يكون قانونيا"
ديفيد ماندل ـــ الوزير البريطاني لشؤون اسكتلندا

كتب: محمد كركوتي

ينبغي أن يكون لرئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي عدة عيون في آن معا. لا تكفي اثنتان في المرحلة المقبلة، ولا سيما بعد أن حددت الـ 19 من الشهر المقبل موعدا لإطلاق مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي. عين على أوروبا، وعين على اسكتلندا، وأخرى على إيرلندا. عين على مفاوضات ما بعد مفاوضات الخروج، مع بلدان العالم من أجل إبرام اتفاقيات تجارية مع المملكة المتحدة. عين مكانة بريطانيا على الساحة العالمية ككل، وأخرى على الولايات المتحدة. تحتاج ماي إلى سلسلة من العيون في آن معا. ولكن هل هناك أهمية لـ "عين" على أخرى؟ الجواب بالتأكيد يبقى نعم. فإذا كانت لندن تستطيع تأجيل النظر في مفاوضات التجارة مع بقية دول العالم، لا يمكنها التأجيل في التعاطي مع الحراك الاسكتلندي الانفصالي. هي تحتاج في الوقت الراهن إلى عينين اثنتين، واحدة تحملق في المفوضية الأوروبية التي ستتفاوض مع بريطانيا نيابة عن كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والثانية تجحظ على المسيرة السياسية التي تقودها الحكومة المحلية الاسكتلندية للانفصال عن التاج البريطاني. التفكك الداخلي في المملكة المتحدة يخيف أي حكومة بريطانية بصرف النظر عن هوية الحزب الحاكم. وإذا كانت هذه "المملكة" قد نجت قبل عامين من فخ الانفصال الاسكتلندي عنها، فإن فرصها الآن ليست بالقوة نفسها التي كانت عليها آنذاك، لسبب واحد فقط، هو أن حقائق جديدة أفرزها استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، لم يكن أحد يفكر فيها أصلا في السابق. فالذين قبلوا بالبقاء تحت التاج البريطاني من الاسكتلنديين، كانوا في الواقع "يعزون" أنفسهم بوجود هذا التاج تحت راية الاتحاد الأوروبي. وتبدو الإشارة ضرورية هنا، حول الأضرار التي ستنجم عن انفصال اسكتلندي. فإذا كانت الأضرار سياسية أكثر منها اقتصادية بالنسبة لبريطانيا، فالأضرار ستكون اقتصادية أكثر منها سياسية على اسكتلندا. يرى (مثلا) بنك أوف ميريل لنش، أن أدنبره ستواجه ضغوطا تمويلية، وضبابية حيال العملة التي ستتبناها. يضاف إلى ذلك التجارة بين اسكتلندا وبريطانيا، التي ستتضرر بصورة كبيرة. دون أن ننسى، أن العجز الاسكتلندي سيتفاقم، وسجل 9.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2015 و2016. باختصار تشكل بريطانيا بالنسبة لاسكتلندا الأهمية نفسها التي يشكلها الاتحاد الأوروبي بالنسبة للمملكة المتحدة، خصوصا مع صادرات اسكتلندية لبريطانيا تمثل 64 في المائة من إجمالي الصادرات. وهذا يعني أن أدنبره ستخسر كثيرا فيما لو قررت الانفصال عن بريطانيا، إلا أن السؤال الأهم يبقى حاضرا، وهو هل تستطيع اسكتلندا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بصورة سريعة؟ وإذا تم ذلك، هل ستكون قادرة على البقاء في هذا الاتحاد؟ للوهلة الأولى هناك ترحيب أوروبي بهذه الخطوة، والأوروبيون حريصون على أن يكون الترحيب آت من مستويات بعيدة نوعا ما عن الحكومات الأوروبية، لأن الاتحاد لا يريد أن يظهر أنه يشجع على الانفصال أو أي انفصال أوروبي آخر. كما أنه لا يريد أن يظهر بصورة المنتقم من بريطانيا لأنها تنسحب منه. ولا شك أن الاتحاد يستطيع أن يحتوي اسكتلندا بسهولة، ويمكن أن يكون مرنا معها، حيث يترك لها مساحة زمنية لتوائم أوضاعها الجديدة مع الأوضاع العامة في الاتحاد الأوروبي ككل. الواضح للوهلة الأولى أن استمرار عضوية اسكتلندا في السوق الأوروبية المشتركة، سوف يعوضها عن بعض ما ستخسره من تضرر التجارة مع بريطانيا، وهذا الأمر تتفق عليه كل الجهات، بما فيها مسؤولون في الحكومة البريطانية نفسها. وفي الفترة السابقة أبدت حكومة أوروبية (إسبانيا) ترحيبا رسميا بدخول اسكتلندا الاتحاد الأوروبي. والترحيب الإسباني له دلالاته، لأن مدريد كانت تعارض هذه الفكرة من أساسها انطلاقا من موقفها الرافض لانفصال كتالونيا عنها. فهي لا تريد أن تكون هناك سابقة أوروبية. إلا أن الأمر تغير الآن. فالترحيب بأدنبره يتزايد من أطراف أوروبية عديدة، الأمر الذي يمهد الطريق أمام الاسكتلنديين لطرح استفتاء العام المقبل للانفصال من المملكة المتحدة، بصرف النظر عن معارضات الحكومة المركزية في لندن. في الداخل البريطاني ستتغير الأمور، ولن تكون مشابهة لتلك التي كانت سائدة أثناء عضوية البلاد في الاتحاد الأوروبي. فالمشاعر القومية تحت التاج البريطاني تأججت بفعل مشاعر وسلوكيات شعبوية بريطانية شاركت فيها شريحة من الاسكتلنديين أنفسهم. وفي كل الأحوال، الاتحاد الأوروبي الذي تمكن من السيطرة على مشاكل اقتصادية مخيفة في اليونان وإسبانيا والبرتغال وإيرلندا وإيطاليا على مدى السنوات القليلة الماضية، يمكنه ببساطة استيعاب أي آثار سلبية قد تظهر في المرحلة الأولى لانضمام اسكتلندا إليه. ويبدو واضحا أن غالبية الاسكتلنديين يفضلون الراية الأوروبية على التاج البريطاني ليس بسبب ضغائن انتهت في الواقع منذ قرن، ولكن من أجل ازدهار على المستوى الأوروبي العالمي، لا المحلي.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


ضمير بلير الأوروبي لا غير


"بريطانيا العظمى فقدت الإمبراطورية، ولم تجد بعد دورا لها" دين أشيسون وزير خارجية أمريكي راحل

كتب: محمد كركوتي

حسنا، قرر رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير العودة إلى الحياة السياسية، ليس كزعيم أو نائب برلماني، أو وزير مثلا، بل كشخصية تتصدى لعملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. هو يعرف قبل غيره، أنه لا يستطيع العودة إلى العمل السياسي بمفهومه التقليدي المعروف، والسبب يعرفه العالم أجمع، في أنه لم يترك لسمعته السياسية أي مدخل للعودة. فـ "التلوث" السياسي الذي أصيب به، لا يترك مجالا أمامه لـ "تطهير" نفسه. مع وصول بلير إلى الحكم في عام 1997، اكتسب توصيفا بالغ الأهمية، في أنه مثل "التفلون"، وهذه الأخيرة مادة معروفة لا يلتصق بها شيء. فكان يتقدم دون شوائب عالقة (وإن وجدت حقا). ومع الوقت تحول "التفلون" إلى مادة صمغية يلتصق بها كل شيء.
اليوم يريد توني بلير العودة فقط للمحاربة على صعيد خروج بريطانيا من الاتحاد، وهو إذا كان كاذبا في عشرات المسائل والقضايا، فإنه (للحق) يتمتع بصدق شديد في هذه المسألة على وجه الخصوص. إنه من الأشخاص الذين لا يستطيعون أن يتابعوا مستقبل المملكة المتحدة خارج الاتحاد الأوروبي، وهو مؤمن تماما ولديه المبررات الحقيقية بأن الخسائر البريطانية ستكون فادحة عند الخروج الفعلي، وأن تصحيح هذا الخطأ (إن تم بعد سنوات أو عقود مثلا) سيكون على حساب بلاده، وأن الذين أرادوا الانفصال، تمكنوا بالفعل من تحقيق نجاح باهر في ترويج الأكاذيب التي انطلت على الناخب البريطاني. وبالطبع فشل المؤيدون للبقاء في ترويج مضاد لهؤلاء، وكانت النتيجة "بريكست" خطير آنيا ومستقبليا.
ورغم أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق لا يمكنه (ولا غيره من الشخصيات) إعادة الساعة إلى الوراء، إلا أنه يراهن على النقطة الأهم الباقية حاليا على صعيد عملية الخروج، وهي تلك الخاصة بالنتائج التي ستتوصل إليها مفاوضات الخروج، وكل التوقعات تشير إلى أنها لن تكون في مصلحة بريطانيا. بل إن التصريحات الأوروبية ظلت واضحة منذ اليوم الأول لقرار بريطانيا الانسحاب، وكلها تدور حول مفاوضات لن تتضمن أي معاملة خاصة للندن، بل على العكس تماما، على هذه الأخيرة أن تدفع ثمن خروجها معنويا وماليا. والثمن كما هو واضح أيضا سيكون كبيرا، والأهم لن ينتهي بانتهاء المفاوضات بل سيستمر لسنوات طويلة بعد إقرار أي اتفاق بين الطرفين.
بالطبع يروج بلير إلى شرعية أن يُستفتى الشعب البريطاني على نتيجة المفاوضات، ويعتبر ذلك قمة الديمقراطية. إلا أن الإشارات الواردة من حكومة تيريزا ماي لا تذكر أي شيء بهذا الخصوص، والواضح فيها أنه لا استفتاءات أخرى، وأن اتفاق الانفصال سيطبق فور إقراره. ومن هنا ستكون حملة بلير إعلامية فقط لأنها لن تصل إلى مرحلة تغيير اتجاه البوصلة، وكل ما ستحققه ليس أكثر من سلسلة جديدة لمسلسل التخويف من الانفصال، وعرض الحقائق بالفعل على الناخب، لكن مهما كانت هذه الحقائق صادمة، فالآلية الاستفتائية لن تكون حاضرة، ولا سيما بعد الانتخابات البريطانية العامة الشهر المقبل، التي من المرجح أن يحقق فيها حزب المحافظين بزعامة ماي انتصارا كبيرا.
الأمر سيان، فيما لو كانت عملية "بريكست" متشددة أو مرنة، أو رقيقة بالنسبة للبريطانية أو خشنة. دون أن ننسى، أن الاتحاد الأوروبي يريد من خلال المفاوضات مع بريطانيا أن يهدد بصورة غير مباشرة أي دولة ضمن نطاقه تفكر في الانسحاب، أو حتى تطلب معاملة خاصة. كانت هذه المعاملة حكرا (تقريبا) على بريطانيا وانتهت الآن. أي أن الاتحاد "سيربي" الأوروبيين ببريطانيا. وبلغت مؤشرات صعوبة وضع بريطانيا في المفاوضات مع وصول الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون إلى الحكم. فهذا الأخير لا يعتبر الاتحاد الأوروبي مهما فحسب، بل إنه يشكل المصير المشترك لكل القارة الأوروبية، وهذا التوجه يلقى قوة دفع لا محدودة من موقف ألمانيا، التي اعتبر بعض مسؤوليها أخيرا، أن البريطانيين يحلمون باتفاق جيد، وهو حلم لن يتحقق.
أمام هذه الحقائق والتوجهات، لا يوجد أمام توني بلير إلا تفعيل نشاطه إعلاميا. وبصرف النظر عن صحة رصد عشرة ملايين جنيه استرليني لحملة مضادة لـ "البريكست" خلال مفاوضات الخروج، فكل الأمور تتجه إلى المسار الذي يرسمه الاتحاد الأوروبي. إنه الطرف الأقوى الآن، بينما تواجه المملكة المتحدة مخاطر حتى من داخلها، عبر توجهات الاسكتلنديين والإيرلنديين الانفصالية بحجة الانفصال الأوروبي. لا شك في أن توني بلير يتحلى (على غير العادة) بصدق كبير في هذه المسألة المصيرية، وهو مستعد للمضي إلى آخر الشوط في سبيل تكريس الحقيقة. لكنه في النهاية جاء متأخرا جدا، فضلا عن أن سمعته لا توفر له وقودا في مواجهة أولئك الذين اعتبروا أن كل مصائب بريطانيا آتية من أوروبا. وهؤلاء يعبرون عن التوجه الشعبوي المشين في الواقع الذي، تلقى ضربة شديدة البأس من انتخاب الفرنسيين ماكرون رئيسا لفرنسا. هذا البلد الذي يحب أن ينظر إليه، على أنه ضمير الاتحاد الأوروبي.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


البطالة العربية .. إلى الأمام سر



"في الحقيقة، عدد قليل جدا من الحكومات تفكر ببطالة الشباب، عندما تقوم بوضع الخطط الوطنية" كوفي عنان، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة

كتب: محمد كركوتي

تتصدر البطالة العربية مشهد الأزمات في المنطقة، إلى جانب طبعا الخراب الحقيقي الذي يحدث في غير بلد عربي. ورغم أن هذه الأزمة ــ المصيبة ليست جديدة بل متجددة، إلا أن الجديد فيها يبقى دائما محصورا في الأرقام التي تصدر بين وقت وآخر حول نسب البطالة وشرائح المتعطلين، وأوضاع سوق العمل، ومخرجات التعليم وهذه السوق، والقطاعات العاجزة عن توفير فرص العمل. وكلها أرقام ترتفع سلبا في كل مرة. وعلى الرغم من قيام بعض الحكومات بخطوات عملية للحد من البطالة في بلادها، إلا أن وتيرة التوظيف تبقى أقل مما هو مستهدف أو مأمول. ما يطرح أسئلة حول الحراك الاقتصادي العام، والأهم حول القطاعات الموجودة وتلك الجديدة، ومدى ارتباط مخرجات التعليم فيها. وهذه وحدها معضلة لا أحد يتوقع أن تشهد حلولا سريعة، لأنها تراكمت ببطء، وبالتالي فهي بحاجة إلى علاج متوافق مع طبيعة الحالة. ومثل هذا العلاج يأخذ وقتا حتى في البلدان الأكثر تقدما. البطالة ليست حكرا على العالم العربي. فهي منتشرة بل متزايدة في دول كثيرة، بما فيها تلك التي تتمتع باقتصادات متقدمة. الفارق بين الحالتين، أن الاقتصادات المشار إليها، يمكنها ببساطة أن تعيش مع البطالة، وتوفر الحد الأدنى المطلوب للعيش الكريم للمتعطلين، دون أن تتأثر اقتصاداتها بصورة خطيرة من جراء ذلك. ومع أن النمو في البلدان المتقدمة أعلى مستوى منه في البلدان العربية خصوصا والنامية عموما، إلا أن فارق النمو لا يدخل عمليا في مشاريع التوظيف، وإن دخل يبقى أقل مما هو مطلوب. الأمر لا يتعلق بدول تعيش حروبا داخلية مخيفة مثل سورية والعراق واليمن. فهذه الدول عليها أولا أن تستعيد الأمن والاستقرار كي تبدأ في مناقشة مسألة البطالة. فلا يمكن حل أي مشكلة مهما كانت بسيطة، في أجواء حروب لا أحد يعرف أين وكيف ستنتهي. البلدان العربية الأخرى الأكثر استقرارا وأمنا يمكنها أن تناقش هذه القضية، وتبدأ بصورة عملية وليست نظرية في وضع الحلول الناجعة لها، مع الإشارة إلى أنه ليس المطلوب منها حلولا سحرية سريعة، لأنها ببساطة ليست قادرة عليها. وبالنظر إلى أرقام صندوق النقد العربي حول البطالة العربية، نجد مصيبة متعاظمة، ولا سيما فيما يختص ببطالة الشباب. ففي حين أن هذا النوع من البطالة يصل إلى 12 في المائة على مستوى العالم، يبلغ 28 في المائة على الصعيد العربي ككل! والمصيبة الأكثر فداحة، أن المتعلمين يشكلون ما نسبته 40 في المائة من هؤلاء! وهي نسبة مخيفة حقا. في بعض البلدان العربية، يتفوق غير المتعلمين "الأميين، والحرفيين وغيرهم" على المتعلمين في الفوز بفرص العمل! وهذا يطرح سؤالا رئيسا حول ما إذا كانت مخرجات التعليم المتخلفة في أحيان كثيرة هي السبب، أم فشل المخططات الاقتصادية للبلدان المعنية؟ إنها مزيج من الاثنين معا. فأغلبية الاقتصادات العربية فشلت في الواقع في محاكاة المستقبل بما تحتاج إليه هي لا غيرها! والآن تقوم بإعادة النظر في هذه المسألة الخطيرة، إلا أن الأمر "مرة أخرى" يتطلب وقتا لن يكون قصيرا للمواءمة بين حقائق المستقبل الاقتصادية والتنموية والآليات التنفيذية المطلوبة. ففي بعض الحالات تكون مخرجات التعليم أكثر تقدما مما هو متوافر في سوق العمل! وهذه أيضا معضلة لا دخل لاتجاهات التعليم فيها. لكن هذا لا يمنع من الاعتراف بأن نسبة من التوجهات التعليمية الفردية تسير بصورة معاكسة لما هو مطلوب على الساحة. لنترك جانبا البطالة العربية بين النساء، التي تفوق مثيلتها عند الرجال. فالنسبة مخيفة تصل إلى 34 في المائة مقابل 13 في المائة فقط على المستوى العالمي. فمشكلة البطالة في العالم العربي من الفداحة حيث لا يمكن تحسينها بين النساء في حين أنها مستفحلة بين كل الشرائح. المسألة برمتها مرتبطة بصورة مباشرة بالاقتصادات الوطنية ووتيرة التنمية، والفهم المطلوب للاستحقاقات الاقتصادية التي تفرضها التطورات المختلفة، من احتياجات السوق إلى التكنولوجيا إلى النمو الرهيب في عدد السكان في بعض البلدان ولا سيما مصر، وغير ذلك من الحقائق الواضحة على الأرض. ما تواجهه أغلبية البلدان العربية قنبلة موقوتة بصورة مستمرة. وهذا التوصيف بات مستهلكا ليس من كثرة استخدامه بل فرط بدهيته. والحكومات تعرف قبل غيرها، أنه لا يمكن ادعاء التنمية إذا ما كانت معدلات البطالة عند مستويات عالية مروعة اقتصاديا واجتماعيا. فحتى الوظائف الحكومية التي يتم توفيرها كمخرج للأزمة، باتت اليوم عبأ ثقيلا على الاقتصادات الوطنية كلها. فالمسألة لا تتعلق فقط بتوفير وظائف لا يعمل الموظفون فيها حقا، بل مرتبطة بالتنمية التي لا تختص بأولئك المتعطلين، بل بالأجيال القادمة أيضا.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الخميس، 4 مايو 2017

التعليم والمستقبل ضحيتا الحروب



"التعليم ليس تحضيرا للحياة، بل هو الحياة نفسها"
جون ديوي، فيلسوف وإصلاحي تعليمي أمريكي راحل

كتب: محمد كركوتي

بعد القتل، واللجوء والنزوح والموت جوعا وبالغازات السامة، وتدمير مستشفيات ومدارس، وغيرها من أدوات الحروب الإجرامية المشينة، بعد كل هذا، هناك أكثر من 25 مليون طفل بلا تعليم نهائيا في البلدان والمناطق التي تشهد نزاعات، وذلك حسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف". وحتى البلدان التي خفت فيها النزاعات أو ضاق نطاقها، فإن الأطفال فيها ليسوا بحال أفضل في التعليم كثيرا من تلك التي تستعر فيها الحروب والمواجهات. فما تتركه الحروب هنا، يبقى لفترات طويلة قبل أن يزول، وقبل أن تظهر القوى الحقيقية لإزالته بأسرع وقت ممكن. والتعليم أحد عناوين الخراب في مناطق النزاع. فالكلمة للسلاح، لا للدفتر، والاستثمار في التسليح والمرتزقة وقُطاع الطرق، لا في التعليم. إنها حقيقة الحروب والنزاعات في هذا الزمن وفي الأزمان السابقة أيضا، فالتعليم ضحية أولية لهذه الحروب، تستمر آثارها إلى سنوات قد تتعدى جيلين أو أكثر.
حصة العرب من الـ 25 مليون طفل بلا تعليم، كبيرة، خصوصا أن نسبة من النزاعات والحروب لا بأس بها تجري في المنطقة العربية، وتمثل جزءا كبيرا من إجمالي هذه النزاعات. إضافة طبعا إلى حروب تجري في جنوب السودان وأفغانستان والنيجر وجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد وغيرها. والحق أن إحصائية "يونيسيف" لم تشمل العدد الحقيقي للأطفال الذي أصبحوا بلا تعليم في بلدان كسورية والعراق واليمن. ولعل الأسوأ بينها تبقى سورية في الوقت الراهن، مع وصول عدد النازحين واللاجئين نتيجة الحرب الجارية فيها إلى أكثر من 13 مليون نسمة من كل الشرائح والأعمال ومن كل المناطق في البلاد. وعلى هذا الأساس، يمكن أن يكون الرقم الفعلي أكبر بكثير من 25 مليون طفل.
إنه الواقع الملموس الواضح للجميع، ويتلخص في أن الحروب والنزاعات لا تدمر الاقتصاد وتقضي على أي أمل للتنمية فقط، بل تحرم أطفال اليوم من التعليم، وهذا الأخير هو في الواقع الوقود الوطني المحلي الذي لا غنى عنه، خصوصا في البلدان والمناطق التي تحتاج إلى إعادة إعمار ما دمرته الحروب ذاتها. ففي الوقت الذي تحتاج فيه هذه البلدان إلى كل فرد للبناء، فإنها ستجد نفسها أمام ملايين الأميين والجهلة، دون أن ننسى، أنه ليس أسهل من تحويل هؤلاء الأطفال غير المتعلمين إلى قتلة ومرتزقة وقطاع طرق ومجرمين وإرهابيين. فبدلا من أن يكون لهذا البلد أو ذاك كوادر قادرة على البناء ما بعد الحرب، ستكون لديه أعباء بشرية مخيفة اقتصادية وأمنية.
ليس هناك مجال لتحميل أي جهة دولية مسؤولية تزايد أعداد الأطفال المحرومين من التعليم في مناطق النزاعات. فلا يمكن لأي جهة دولية مهما كان تأثيرها كبيرا، أو حتى قدراتها المالية والبشرية عالية المستوى أن تؤدي دورا محوريا في هذا المجال. والسبب معروف بالطبع، أنه لا توجد أرضية آمنة لإطلاق برامج تعليمية فعالة وضم ما أمكن من هؤلاء الأطفال إليها. نجحت بعض الجهات في توفير التعليم بالفعل لبعض الأطفال، لكن ليس فيها بلدانهم، بل في مناطق خارجية. والوصول إلى هذه المناطق الآمنة أو الأقل خطرا، هو في حد ذاته انتحار، لأن كثيرا من هؤلاء يُقتلون على الطرق، أو تتم سرقة الأطفال أنفسهم لبيعهم، على اعتبار أن هذه التجارة تنشط بصورة لا مثيل لها خلال النزاعات والحروب.
وتفضل نسبة كبيرة من أسر الأطفال المشار إليهم البقاء في مناطقهم على أمل انتهاء المواجهات. وهنا يتزايد عدد الأطفال المحرومين لأن كل المناطق التي يبقون فيها بلا مؤسسات تعليمية أساسا وبالتالي بلا مدارس من أي نوع. إنها مصيبة العصر بلا مبالغة. فهي مرتبطة بصورة مباشرة بالمستقبل الذي من المفترض أن يكون ساحة لأطفال اليوم. المصيبة الأكبر، أن حرمان الأطفال من التعليم يتم حتى في البلدان التي ليس فيها حروب أو نزاعات، وذلك لأسباب اقتصادية بحتة. الطفل يمثل "كادرا" مهما اقتصاديا وفق هذه المعايير المخيفة حقا، وغالبا ما تحظى هذه المعايير بقبول بل وترحيب أسر الأطفال أنفسهم، لأسباب اقتصادية طبعا! فإذا كانت وضعية الأطفال التعليمية في مناطق الحروب والنزاعات مفهومة، فكيف يمكننا فهم الحالات الأخرى؟
وهنا يمكن ببساطة توجيه مزيد من اللوم للجهات الدولية المختصة. صحيح أنها تملك عذرها في صعوبة بل استحالة الوصول إلى مناطق القتال، لكنها لا تملك مثل هذا العذر في المناطق التي لا تشكل أي خطر على عملها، حتى لو واجهت مناوشات من بعض الأنظمة الحاكمة التي لا ترغب في وصول هذه الجهات التعليمية أساسا. الأنظمة المشار إليها، تعتبر الحرف والكلمة من الأسلحة مؤجلة الاستخدام ضدها، وفي أغلب الأحيان لا تستطيع منعها من تأدية واجباتها حيال الأطفال بشكل عام. المهم أنه يمكن تخفيف كارثة أطفال مناطق النزاعات، بتدعيم أكثر لتعليم الأطفال في المناطق التي تشهد مناكفات ومناوشات فقط.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


انتخابات مبكرة في بلد بلا بوصلة



"حكومة بريطانية جديدة قبل مفاوضات الخروج، جيد بالنسبة لنا أيضا"
أنطونيو تاجاني، رئيس البرلمان الأوروبي


كتب: محمد كركوتي

لنترك جيرمي كوربين زعيم حزب العمال البريطاني المعارض يواصل عيشه في أحلام تحمل معها خيبتها، ولندع الحزب الديمقراطي الليبرالي المتضائل جانبا. ولسنا مضطرين إلى تناول موضوع تيارات أو أحزاب أو تجمعات سياسية بريطانية متطرفة، لأنها ببساطة لا تشكل أية أهمية فاعلة على ساحة التغيير، خصوصا في زمن الانتخابات العامة الطبيعية، فكيف الحال بالانتخابات المبكرة غير الطبيعية التي تأتي وسط متغيرات يمكن وصفها بالمخيفة بالنسبة لأولئك الذين يسعون إلى أن تكون بريطانيا جزءا من محيطها والعالم بصورة سلسة، لا أن تصبح أداة أو عامل اضطراب في العلاقات الدولية. لنضع كل هذا جانبا، لأنه لا يشكل عمليا محاور رئيسة في الانتخابات المقبلة التي ستجري في حزيران (يونيو) المقبل، أي بعد عام واحد من الاستفتاء التاريخي على انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وقبل أيام من بدء رسمي لمفاوضات الانسحاب. رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي تعرف أنها منتصرة في هذه الانتخابات، ليس من فرط قوة حزبها (المحافظين) على الساحة الشعبية أو الانتخابية، بل من هزالة مكانة أحزاب المعارضة كلها "ولا سيما العمال" على الساحتين الشعبية والسياسية. فالديمقراطيون الأحرار، الذين خسروا أكثر من 80 في المائة من مقاعدهم النيابية في آخر انتخابات عامة فاز بها حزب المحافظين بهامش ضئيل أيضا، هؤلاء لا أمل منهم على الأقل من الآن وحتى الانتخابات العامة العادية المقبلة. لقد انهار في الواقع هذا الحزب بفعل تلك الخسائر المهينة، ولم يستطع أن يلعب دورا مؤثرا في ساحة بقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، باعتباره الحزب الأكثر تمسكا بهذا الاتحاد. دون أن ننسى، أنه فقد جزءا من ساحته بالتحالف مع المحافظين في حكومة ائتلافية. وتيريزا ماي التي دعت إلى الانتخابات العامة المبكرة، تعرف أيضا وأيضا، أن غريمها الأساس (حزب العمال) في أسوأ أوضاعه منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي. والسبب أيضا واضح يعود إلى وجود قيادة لهذا الحزب لا يهمها الفوز في الانتخابات بقدر ما يهمها تكرار الشعارات الكئيبة السمجة، والتمنيات بالنصر والنجاح التي ينتهي مفعولها عند أول خطوة خارج الاجتماعات. لقد أعاد جيرمي كوربين زعيم الحزب أدوات بالية إلى العمل، وهو بذلك يقدم أفضل خدمة ممكنة لحزب المحافظين في هذا الوقت بالذات. أما لماذا هذا الوقت؟ فلأن الحكومة المحافظة هي نفسها هشة ومعها الحزب تحمل اسمه. كما أن بريطانيا دخلت مرحلة "الهشاشة"، في أعقاب التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي. أي أن الأحزاب والبلاد هشة بلا بوصلة مضطربة سياسيا وإجرائيا. طبعا حجة تيريزا ماي للدعوة إلى انتخابات مبكرة، تكمن في أن إجراء الانتخابات في موعدها المحدد في عام 2020، سيكون في ذروة المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، وهو أمر لا يتناسب مع الحالة العامة. إنه مبرر مقنع بالفعل، غير أن هذا لا يجعلنا ننسى المآرب الأخرى لماي من انتخابات مبكرة، وهي تنحصر بصورة رئيسة في الضعف الشديد لأحزاب المعارضة. وليس أفضل للمحافظين من هذا الوقت لإطلاق انتخابات يعرفون مسبقا أنهم منتصرون فيها. لن تكون هناك حكومة ائتلافية، وحتى حكومة محافظة بأغلبية ضئيلة، بل ستكون هناك (كما هو واضح) حكومة تمضي في كل الاتجاهات بأغلبية مريحة، بينما سينشغل حزب العمال بطرد زعامته الحالية، وإعادة تجميع صفوفه بما يتناسب مع المعطيات الحقيقية لا الوهمية. لا شك في أن الانتخابات العامة المبكرة ستعطل "بعض الشيء" مسيرة اسكتلندا نحو الاستقلال عن المملكة المتحدة، وهذا أمر مفيد لرئيس الوزراء البريطانية في هذا الوقت بالذات، غير أنه لا يضمن بالطبع توقع مسيرة الاستقلال التي تتخذ بعدا أكثر خطوة يوما بعد يوم بالنسبة لكيان المملكة ككل. في كل الأحوال، لم يتوقع أحد أن تجري بريطانيا انتخابات عامة مبكرة، تماما كما لم يتوقع أحد أن يفوز الانفصاليون باستفتاء الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. ومن توقع (مثلا) فوز دونالد ترمب بالرئاسة الأمريكية؟! غير أن انتخابات حزيران (يونيو) المقبل تبدو نتائجها أكثر وضوحا من كل الانتخابات والاستفتاءات الماضية، ليس بسبب قوة ماي والمحافظين، بل من فرط ضعف العمال وأحزاب المعارضة الأخرى، وهشاشة الوضع في كل البلاد. لن تكون هناك مفاجآت في هذه الانتخابات، وستعزز ماي مكانتها زعيمة لحزب المحافظين، وستعطي نفسها شرعية لم تتمتع بها بعد على اعتبار أنها تسلمت منصبها من دون انتخابات عامة. لكن القوة المتوقعة لرئيسة الوزراء، تأتي في وقت تفقد فيه البلاد كلها قوتها، ليس فقط بسبب انسحاب مؤكد من الاتحاد الأوروبي، بل من جهة تنامي التوجهات الاستقلالية الوطنية البريطانية. في حين أن هذه الأخيرة قد لا تكون موجود في غضون عقد من الزمن.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

السبت، 22 أبريل 2017

تلك الكارثة المتوارثة







الآلاف عاشوا بلا حب، لا أحد منهم عاش بلا ماء
أحد شعارات حملات توفير المياه العالمية

كتب: محمد كركوتي

ربما تتحسن وضعية الغذاء العالمي، أو تتراجع معدلات التخريب اليومي للبيئة على هذا الكوكب، أو تنخفض معدلات الفقر في بعض المناطق، أو تهبط أعداد الأميين حول العالم، أو تتراجع نسبة وفيات الأطفال. ربما يحدث كل هذه التطورات على تلك الأصعدة، إلا أن المصيبة أو الكارثة المتوارثة المتوالدة المرتبطة بالمياه وإمداداتها، تتحرك من سيئ إلى أسوأ. وإذا ما بقيت هذه المصيبة ضمن مستواها المخيف، فإن ذلك يعتبر شيئا إيجابيا بل "نجاحا". لماذا؟ لأن كل البرامج والمشاريع العالمية والإقليمية والمحلية فشلت بالفعل في الوصول إلى مناطق قريبة من الأهداف التي حُددت على أكثر من مستوى طوال العقود الماضية لمواجهة نقص مياه الشرب، أو لنقل نقص المياه النظيفة. ومن هنا، فبقاء المصيبة على حالها يعتبر "نجاحا"!
تعترف المؤسسات والمنظمات العالمية باستفحال أزمة المياه، مع اعترافها بالطبع بأن الحراك نحو مواجهتها على صعيد التمويل المالي يظل ضعيفا في مناطق وبلا وجود في مناطق أخرى. والغريب أن أزمة طويلة كهذه الأزمة، كان بالإمكان مواجهتها بأقل التكاليف، لو اهتمت الجهات المعنية المؤثرة عالميا بها منذ البداية. ليس فقط عن طريق توفير الأموال اللازمة، بل أيضا من جهة نشر الثقافة المطلوبة للحفاظ على المياه، أو لتسهيل الوصول إليها وفق أسس اقتصادية ذات جدوى. الذي حدث أن التغير المناخي المتسارع، أسهم في رفع معدلات مخاطر أزمة المياه، من خلال امتداد مساحات التصحر حول العالم، فضلا عن عدم متابعة حقيقية لمشاريع إصلاحية ذات جدوى طرحتها المؤسسات العالمية المعنية في المناطق التي تواجه النسبة الأكبر من هذه الأزمة.
منظمة الصحة العالمية أطلقت أخيرا تحذيرا كان متوقعا، يتعلق بعدد البشر الذين لا يستطيعون الوصول إلى مياه الشرب النظيفة، بمعنى آخر عدد البشر الذين يصلون إلى مياه ملوثة. كم هو هذا العدد المرعب؟ مليارا نسمة في مختلف المناطق حول العالم! والمنظمة تمضي أبعد من ذلك، بالتأكيد عبر إحصاءات مباشرة على أن المياه الملوثة بمياه الصرف الصحي، تتسبب سنويا في أكثر من 500 مليون حالة وفاة، في الوقت الذي يرتفع فيه الطلب على المياه بمعدل 50 في المائة بحلول عام 2030. تقرير منظمة الصحة خطير، لأنه يدعو إلى تدوير كميات من المياه، غير أن الأدوات اللازمة لمثل هذا التدوير غير متوافرة في غالبية المناطق التي تعاني نقصا في المياه أو مياها ملوثة.
الشرق الأوسط من تلك المناطق التي تواجه مستقبلا مائيا مظلما، لأسباب تتعلق بالأزمة ـــ الكارثة العالمية بشكل عام، إضافة إلى أسباب إقليمية محلية تتعلق بترشيد الاستهلاك، وهذا الأمر على وجه الخصوص لم يحقق المطلوب أو الهدف منه. ومشكلة المياه لا تنحصر في إطارها على الإطلاق، بل تأخذ معها جوانب عديدة، في مقدمتها التنمية، ووضعية الاقتصاد بشكل عام، والهجرة والكثافة السكانية في مناطق دون غيرها، والضغط على الخدمات في بعض المناطق، دون أن ننسى جانب الأمن والاستقرار. البنك الدولي نفسه يعتقد أن أزمة ـــ كارثة المياه تشكل تحديا خطيرا للأمن والسلم الدوليين، إلى جانب كل ما تمت الإشارة إليه، هي ببساطة أزمة شاملة تحمل معها دمارا شاملا، أو مصائب متكاملة. ويقول مسؤول في البنك الدولي، إنه يعتقد أن المياه ستصبح أم المشاكل في الدول النامية.
وهذا الكلام لا مبالغة فيه، إذا ما عرفنا أن مثل هذه الأزمة تسهم في فقدان الناتج المحلي في الشرق الأوسط 14 في المائة، وفي آسيا 11 في المائة و12 في المائة في بلدان الساحل الإفريقي! هذه الأرقام أجمعت عليها مؤسسات دولية سواء تلك التابعة للأمم المتحدة، أو غير الحكومية منها. أما الحلول، في الواقع هي موجودة، وليست مستعصية على الخبراء في هذا المجال. وهي تنحصر بالطبع في الإرشاد الفاعل وليس النظري، إلى التمويل اللازم، وهو ليس منخفضا كما قد يتصور البعض. ما يحتاج إليه الاقتصاد العالمي لحل أزمة ـــ كارثة المياه نحو تريليون دولار. وهذه الأموال لن تذهب هدرا بالطبع، لأن العائد عن كل دولار منها سيكون ما بين 3 و34 دولارا، بمعنى أن الاستثمار في حل أزمة المياه هو في الحقيقة استثمار بجدوى اقتصادية عالية، وليس فقط استثمارا لحل أزمة.
استطاعت منظمات الأمم المتحدة المختلفة الاقتراب من أهدافها التي حددتها للألفية الجديدة، لكنها على الجانب المائي لم تصل إلى نقطة قريبة من الهدف، وكذلك الحكومات، خصوصا في البلدان النامية، فشلت في صناعة ثقافة مائية عالية الجودة، ومارس بعضها أسلوبا عقيما يعتمد على قطع المياه مثلا لفترات طويلة جدا. المسألة لا تتعلق بقطع الإمدادات لتفعيل أو صناعة ثقافة من هذا النوع، إنها كوكتيل من التعاون العالمي على كل المستويات، والاستثمار الواعي في المياه. ألا يكفي موت نصف مليار شخص سنويا جراء المياه الملوثة للتحرك العملي؟!
(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 11 أبريل 2017


«حربان» .. عبر «المانش» وفي الـ «دار»





"انسحاب بريطانيا يمكن إبطاله، بشرط موافقة كل دول الاتحاد"
مسودة ورقة للبرلمان الأوروبي


كتب: محمد كركوتي:

غطت قضية انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بتفعيل مادة الانسحاب ضمن معاهدة لشبونة من جانب لندن، غطت هذه القضية التي تشغل العالم وليس أوروبا فحسب، على احتفالات مرور 60 عاما على إنشاء الاتحاد. في الواقع لم تكن هناك احتفالات توازي المناسبة التاريخية، لأن تاريخية الانسحاب البريطاني "أول دولة تقوم بذلك" طغت على المناسبة الأولى. ولأن الإرباك السياسي سيطر على الساحة الأوروبية ليس خوفا من إتمام الانسحاب فقط، بل أن يكون شرارة وباء انفصالي أوروبي. وهنا سنفهم بالتأكيد، كيف أن المفاوضين البريطانيين سيعاملون بقسوة خلال المفاوضات، لأن أوروبا لا يمكنها أن تقدم أي عروض مغرية للمملكة المتحدة، تدفع غيرها لاحقا إلى الحذو حذوها. باختصار، لا مكافآت لأي انسحاب، حتى لو كان انسحاب دول بأقل كثيرا من حجم بريطانيا.
إجرائيا، سيظل الباب مفتوحا أمام لندن للعودة إلى الاتحاد طوال فترة المفاوضات التي قد تستغرق عامين، في حين هدد البرلمان الأوروبي المفاوضين من كلا الجانبين بأنه سيتخذ إجراءات تشريعية إذا ما استمرت المفاوضات أكثر من ثلاث سنوات. لندع هذا البرلمان جانبا، علما بأنه يمتلك أدوات يمكنها أن تنشر المنغصات غير المستحبة في هذا الوقت بالذات، ولنعود إلى قلب بريطانيا التي لم تستطع رئيسة وزرائها تيريزا ماي أن توقف أو تعطل قليلا حراك الانفصال الداخلي ضمن حدود المملكة المتحدة نفسها، من اسكتلندا التي أِرعت لإجراء تصويت في برلمانها على إجراء استفتاء للانفصال عن المملكة، إلى إيرلندا الشمالية التي يتحين الوطنيون الفرصة لنزع التاج البريطاني، بل حتى إلى ويلز القريبة جدا من إنجلترا على مر التاريخ سياسيا وتشريعيا وقانونيا وإجرائيا.
ستحارب حكومة ماي اليوم على جبهة داخلية خطيرة جدا من ناحية التاريخ والجغرافيا والدولة الكبرى، وجبهة خارجية - أوروبية تحمل الخطورة نفسها من الناحية الاقتصادية. علما بأن الحكومة البريطانية نفسها ليست مع بعضها البعض كما ينبغي أن تكون في مرحلة كهذه، لأسباب تتعلق بطبيعة الانسحاب من الاتحاد، وشكل المفاوضات المقبلة، وحول ما إذا كان من الضروري أن تطرح نتيجة المفاوضات على استفتاء عام، لكي يكون الأداء الديمقراطي أكثر نزاهة. بعض المؤيدين للبقاء يقولون، إن بريطانيا خرجت من الاتحاد بفعل الأكاذيب الناجحة من معسكر الخروج، ولذلك من حق الجميع المؤيدين والمعارضين أن يعطوا رأيهم في نتيجة المفاوضات وحجم الأضرار التي ستتعرض لها بريطانيا على مختلف الأصعدة. يضاف إلى التباين الحكومي الداخلي أن بعض المسؤولين ليسوا على ثقة بقدرة المفاوضين البريطانيين الذين تم اختيارهم، دون أن ننسى الفروقات بين نواب حزب المحافظين الحاكم في مجلس العموم حول هذا الأمر.
ومع كل هذا، لا يزال الباب مفتوحا لعودة بريطانيا كما هو الأمر بالنسبة لباب الخروج. ولكن الباب الأول ليس مفتوحا بما يكفي لرؤيته من بعيد، خصوصا مع وجود إشكالات كبيرة، تتعلق باحترام الديمقراطية حتى لو مورست في استفتاء الخروج الكبير على أساس سلسلة من الأكاذيب. علينا هنا القول، إنه على الرغم من وجود هذه الأكاذيب فعلا، إلا أن الذين أيدوا البقاء فشلوا في إطلاق حملة موازية تستند إلى الحقائق. كل هذا لا يهم الآن. بالنسبة لبريطانيا تسعى للخروج بأقل الأضرار الممكنة، خصوصا إذا ما عرفنا أن عدة آلاف من القوانين والإجراءات ستعود لبريطانيا ولا توجد في لندن حاضنات إدارية لها الآن. أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فقد أعلنها بقوة ودون مواربة أن على بريطانيا أن تدفع ثمن خروجها قبل خروجها ولا مجال للتفاوض في هذا الأمر. وعلى الجميع أن يعي أن أي دولة لن تحظى بمعاملة خاصة إذا ما قررت الخروج من الاتحاد.
بل صبت أوروبا جام غضبها على الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في سياق جديد لتوضيح صورة المرحلة المقبلة. فهذا الأخير شجع بريطانيا على الخروج، بل هنأها على ذلك، ما دفع قادة الاتحاد الأوروبي للطلب من ترمب الصمت، أو أنهم سيشجعون انفصالا قد يحدث في ولايتي تكساس أو أوهايو. أي أن قادة الاتحاد لا يريدون تدخلات خصوصا على مستوى الولايات المتحدة التي تنتهج ، كما هو معروف، سياسة انعزالية محلية شبه خالصة. وسواء شجع ترمب الخطوة، أم ظل صامتا، المفاوضات بشأن انسحاب بريطانيا التي أطلقت في 29 من آذار (مارس) الماضي، ستدخل التاريخ ليس من ناحية نتائجها المقبلة التي لا أحد يعرف كيف ستكون، من جهة أنها الأولى في تاريخ الاتحاد الأوروبي بعد 60 عاما على تأسيسه. ولأنها كذلك، ظهر جليا أنه حتى البلدان التي تحسب الأمور لعقود بل لقرون، لم تستطع في البداية أن تقنع نفسها بإمكانية خروج دولة عضو من الاتحاد، خصوصا بريطانيا التي حصلت في الواقع على تفضيلات لم تحصل عليها أي دولة عضو في هذا الاتحاد، ومع ذلك اختارت الانفصال.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

"نشيد" الانفصال البريطاني الجديد





"الخروج بدون اتفاق من الاتحاد الأوروبي، أفضل من إبرام اتفاق سيئ"
تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا

كتب: محمد كركوتي

هذه هي "النغمة" الآن على الساحة البريطانية "لا اتفاق أفضل من اتفاق سيئ". وهذا بالطبع يختص بالمفاوضات البريطانية ـــ الأوروبية حول خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، في أعقاب تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة التي يفترض أنها تنظم عملية خروج دولة عضو من هذا الاتحاد. باتت هذه الصيغة التي أطلقتها تيريزا ماي رئيسة الوزراء قبل أسابيع، شعارا لكل السياسيين بصرف النظر عن الأحزاب التي ينتمون إليها. وهي في الواقع، تخفف من "الآلام" التي تعيشها ماي في هذه الفترة بالذات، بينما تحضر الأدوات التي تراها مناسبة لإطلاق المفاوضات مع الأوروبيين، وسط خلافات حتى داخل الحزب الحاكم في بريطانيا، فضلا عن تباين وجهات النظر حول طبيعة الخروج وشكله وصورة العلاقات بين جانبي "المانش" لاحقا.
الأوروبيون من جانبهم، رغم الأسى الذي أظهروه بأشكال مختلفة على مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي، لن يحابوا لا بريطانيا ولا أي دولة أوروبية أخرى قد تفكر يوما في الخطوة البريطانية الانفصالية. وهذا في الواقع من حقهم، ويطبقون على لندن المثل الشعبي الشهير" دخول الحمام مش زي خروجه". يعني ستدفع بريطانيا التزاماتها المالية بصرف النظر عن حجمها "تقدر مبدئيا بـ 60 مليار يورو"، لعدة سنوات مقبلة. غير أن هذا الأمر ليس مهما فيما لو قيس، بعدم عقد أي اتفاقات تجارية أوروبية مع بريطانيا، إلى أن تُستكمل عملية مفاوضات الخروج. ما يعني أن المملكة المتحدة ستكون عالقة من دون اتفاقات تجارية أو ما شابه ذلك خلال فترة قد تصل إلى أكثر من عامين. كما أنه ليس من حق بريطانيا "حسب الأوروبيين" عقد اتفاقات اقتصادية مع أي دولة خارج نطاق الاتحاد الأوروبي إلى حين استكمال المفاوضات المشار إليها. وبعد أن وصف مسؤولون بريطانيون مسألة دفع بريطانيا أكثر من 60 مليار يورو لتسوية التزاماتها قبل الرحيل، بأنها "مسألة ابتزاز"، وصفوا قضية عدم عقد اتفاقات تجارية معها، بأنها "قضية انتقامية".
غير أن هذا النوع من التوصيفات لا يقلل من مستوى الصلابة الأوروبية في هذا المجال، خصوصا أن الأمر برمته ليس حكرا على حكومات الاتحاد الأوروبي، بل تشترك فيه مؤسسات أوروبية مختلفة يتقدمها البرلمان الأوروبي نفسه، والبنك المركزي، والوكالات المختصة بالمجالات الحيوية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية وغيرها. فعلى سبيل المثال، يرى البرلمان الأوروبي، أن الأولوية يجب أن تمنح في المفاوضات لمصير ومصالح أكثر من مليون بريطاني يعيشون في أوروبا، وأكثر من ثلاثة ملايين أوروبي يعيشون في بريطانيا. فهذه المسألة على وجه الخصوص تمس أوروبيين وبريطانيين بصورة سريعة ومباشرة. الأمور معقدة بالفعل، ولا يمكن لأي جهة التحدث عن مفاوضات سلسة، ليس بفعل المواقف المتشددة المعلنة من الجانب الأوروبي، بل من جراء عدم وضوح الرؤية حتى لدى البريطانيين أنفسهم. بنك إنجلترا المركزي "على سبيل المثال"، أعلنها صراحة، بأن تكون هناك خطة طوارئ مالية في المملكة المتحدة، وهذه الخطة لا توجد على الساحة إلى الآن.
وبالعودة إلى "نشيد" بريطانيا الحالي "لا اتفاق أفضل من اتفاق سيئ"، على رئيسة الوزراء أن تثبت لشعبها وممثليه صحة هذه النتيجة فيما لو حدث. المصيبة أن مسؤولين مقربين من تيريزا ماي يعترفون بعدم وجود تفسير واقعي لهذا الأمر، كما أنهم اعترفوا في أكثر من مناسبة بوجود بعض التخبط في التحضير للمواجهة الكبرى المتمثلة بإطلاق المفاوضات مع الأوروبيين المتحفزين للبريطانيين. لا مفر من الانسحاب أولا، وتأتي بعد ذلك الاتفاقات الثنائية بين "أشقاء" الأمس. ولا مهرب من دفع بريطانيا التكاليف الهائلة الواجبة عليها. ولا مساحة للتحرك حتى على الصعيد الخارجي ، خارج الاتحاد، قبل انتهاء المفاوضات التاريخية. أي أن المملكة المتحدة محاصرة، والأوروبيون يريدون بصورة أو بأخرى أن تكون بريطانيا عبرة لكل من تسول له نفسه من البلدان الأخرى في الاتحاد الأوروبي أن يفكر في الانفصال أو حتى يهدد به. ما يفسر تمسك الاتحاد ببريطانيا حتى الساعات الأخيرة لاستفتاء الخروج في حزيران (يونيو) الماضي.
وتمسك الأوروبيين بهذا البلد لم يكن من فرط حبهم له، بل جراء حرصهم على عدم حدوث سابقة لم يمتلك أحد في العالم أدنى فكرة على أنها ستحدث يوما. وبالتشدد الأوروبي بعد ذلك، تأتي مرحلة تخويف الأعضاء بحالة بريطانيا المستقبلية والتفاوضية. ليس واضحا مدى صحة نشيد بريطانيا "لا اتفاق أفضل من اتفاق سيئ"، أو جدواه. للوهلة الأولى لا يمكن أن تعيش المملكة المتحدة وسط هذا العدد الهائل من الدول الأوروبية من دون اتفاق خروج لا يضمن طريقة الانفصال فحسب، بل يحدد آفاق العلاقات بين الطرفين. فلم يثبت عبر التاريخ أن الحياة تكون ممتعة إذا ما كان هناك خصام دائم بين الجيران، أو تعارض مصالح بينهم، ولا تنتج مثل هذه الحالة إلا مزيدا من العداء بأشكال مختلفة.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 28 مارس 2017


اقتصاد الإرهاب والخراب




"ترمب وضع تحت عينيه إيران كراع قيادي للإرهاب"
مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي

كتب: محمد كركوتي

كيف يمكن لعلي خامنئي أكبر قائد للإرهاب على مستوى العالم، أن يقدم رؤية اقتصادية هادئة ومتوازنة وحقيقية لبلاد؟! والأهم من هذا، كيف يمكن لمخرب أن يبني؟! ولراع لأنواع مختلفة ومبتكرة من الإرهاب والخراب، أن يتحدث عن خطة تنمية بصرف النظر عن عمقها أو قوتها أو اتساع دائرتها؟! مثل هؤلاء الأشخاص لا يمكن أن يقدموا أي مساهمة للحياة الإنسانية، بما فيها تلك الحياة التي تخص شعوبهم مباشرة. فلا غرابة في زمن الإرهاب الإيراني وتصديره إلى ما أمكن من مناطق، أن يرتفع عدد الفقراء في إيران، وأن تزيد البطالة، وأن تنخفض بصورة تسلسلية قيمة العملة الوطنية، وأن تبحث طهران عن "مواخير" مصرفية لتمرير معاملاتها، وأن يسيطر قائد الإرهاب على اقتصاد البلاد دون مساءلة أو رقابة. هذا واقع يعرفه الإيرانيون قبل الجميع، وهم أول المبتلين بداء إرهاب النظام الإيراني، الذي أثبت أنه يفضل تمويل عملية إرهابية هنا وهناك، على أن يحول هذا التمويل إلى سد رمق أولئك الذين انضموا إلى صفوف الأشد فقرا. ماذا كان يفعل هذا النظام، لتبرير الخراب الاقتصادي الذي تعيشه البلاد؟ يحمل مباشرة المسؤولية للحكومات المتعاقبة، وغالبا ما يحرص خامنئي "وقبله الخميني" على إظهار الخلاف بين القيادة الفعلية للبلاد "مرشد الثورة" وبين الرئيس أو حكومة الرئيس إذا كان هذا الأخير مقربا من المرشد. غير أن اللعبة فضحت منذ زمن، صحيح أن الحكومات لها أخطاؤها، لكن الأصح أنها لا تتحكم بالموارد ولا يمكنها أن تحاسب من المتحكم الفعلي فيها. لا بأس، يخرج خامنئي ويوجه انتقاداته (بل هجومه الشديد أحيانا) للحكومة والرئيس، دون أن يعطي أي حلول ممكنة للمشاكل التي تواجهها بلاده. في الواقع يقوم "المرشد" بتكريس الأدبيات التي قامت عليها "الثورة" وهي أن ولاية الفقيه لا تمس، وأي شيء دونها قابل للهجوم والانتقاد والعزل وغير ذلك. أقصى ما قدمه خامنئي شعار يليق بكل المناسبات المحلية، والإقليمية والعالمية ذات الصلة "الاقتصاد المقاوم". وهذا الشعار بات مثارا للسخرية السرية حتى في أوساط المسؤولين المتفتحين قليلا في طهران، ناهيك عن المعارضين والشرائح المجتمعية المعدمة في هذا البلد، فضلا عن القوميات والطوائف الأخرى التي لا تعاني مر الاقتصاد فقط، بل وحشية النظام في آن معا. أخيرا خرج علي خامنئي بـ "رؤية اقتصادية" لخصها بـ "صنع في إيران" المرشد الاقتصادي طالب بحظر بعض الواردات، وتمكين الصناعة المحلية. ومثل هذا الأمر لا يحتاج إلى "رؤية اقتصادية"، كما أنه لا يحتاج لمختصين اقتصاديين. من الطبيعي أن تمنح الأولوية للإنتاج المحلي، ليس فقط لتوفير العملة الصعبة المستخدمة للواردات، بل أيضا لتوفير فرص عمل للعاطلين المتزايدين. إلا أن الأمر لا يتم هكذا نظريا، بل يتطلب بيئة اقتصادية تتمتع بالحد الأدنى من الصحة، وأن تكون الموارد الحقيقية للبلاد على الطاولة وليس تحتها، وأن تمنح الحكومة بالفعل صلاحية صنع القرار الاقتصادي على أساس ما لديها وما تتحكم فيه. وكل هذه المعايير لا توجد على الساحة الإيرانية، وهي غائبة في الواقع منذ أكثر من ثلاثة عقود. كلام يقوله خامنئي ويمضي دون أثر حقيقي، تماما مثل كلامه عن ضرورة التخلص من تجارة التهريب التي قدر قيمتها بـ 15 مليار دولار سنويا. وهنا تكمن مشكلة أكبر من الأولى. لماذا؟ لأن عمليات التهريب التي تحدث عنها يسيطر عليها "الحرس الثوري" الذي يقوده خامنئي مباشرة. أي أن زعيم التهريب يطالب بمحاربة التهريب! من يجرؤ على ذلك من كل السلطات الموجودة في إيران؟ لا أحد! من يمكنه أن يمضي قدما في مقاومة التهريب استنادا إلى مطالبة خامنئي نفسه؟ لا أحد! رافد واحد من روافد التهريب المتعددة؟ لا أحد! كل شيء مرهون بالمرشد المهرب، ولا بأس من إطلاق شعارات لاحتواء ما يمكن من الكارثة الاقتصادية التي تعيشها البلاد. ولذلك فهو عندما تحدث عن التهريب وصنع في إيران، كان حريصا على الإعلان أن "بعض المسؤولين لا يقنعون الشعب الإيراني"! هذا عن التهريب. فماذا عن غسل الأموال والاتجار بالمخدرات والبشر، وتمويل العمليات الإرهابية في كل مكان تمكن إيران من الوصول إليه؟ لا شيء بالطبع. فالمرشد مهتم بجريمة واحدة، عله يستطيع التغطية على بقية الجرائم التي لا تنال من الإيرانيين فحسب، بل من كل الشعوب التي وقعت بصورة أو بأخرى تحت الآلة الإجرامية الإيرانية هنا وهناك. ستنتهي حكومة حسن روحاني، ويأتي خامنئي بواحدة غيرها. دعك من الانتخابات التي تجري عادة في البلاد، ويعرف المرشد نتيجتها حتى قبل معرفة شخصياتها. إيران ليست بلدا يمكن أن تطبق فيه أي معايير اقتصادية بدائية كانت أم معقدة. إنه بلد منتج ومصدر للإرهاب، ونظام يؤمن حرفيا بأن "المهدي المنتظر" الخاص به، لن يأتي إلا بقتل ما أمكن من شعوب لم تنظر يوما لإيران على أنها من الأعداء. ناهيك عن الخراب المحلي الذي يتجلى في أرقام لا نقاش فيها.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 21 مارس 2017


مرحلة تجارية عالمية صعبة



"لست انعزاليا ولكنني نصير للتجارة الحرة"
دونالد ترمب رئيس الولايات المتحدة

كتب: محمد كركوتي

ليس مهما مسألة عدم مصافحة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لمستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل. في الواقع صافحها عند استقبالها على مدخل البيت الأبيض، وهذا من الناحية البروتوكولية يكفي. وليس مهما أيضا استحواذ هذا الحدث على وسائل الإعلام والتواصل الغربية، هو في النهاية حدث مثير، لكن لا قيمة له. أما المسألة التي تخص ألمانيا والعالم، وترتبط مباشرة بالولايات المتحدة، فهي التجارة العالمية وآفاقها، بل لنقل "التجارة العالمية ومستقبلها" في ظل المتغيرات التاريخية الهائلة بالفعل، ولا سيما في أعقاب وصول ترمب إلى السلطة في البيت الأبيض. إلى جانب طبعا تبعات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتحول الشعبوي المخيف في غير بلد غربي يفترض أنه يتمتع بحد معقول من الرشد.
ستمضي مسألة المصافحة من عدمها بسرعة، لكن الذي سيبقى الآن هو الخلاف الخطير الذي ظهر بصورة واضحة على صعيد اجتماعات وزراء المالية في مجموعة العشرين في ألمانيا، الذي برز بالطبع في البيان الختامي لهذا التجمع المهم، الذي أخذ زمام المبادرة على الساحة الدولية في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية. ببساطة هذا الاجتماع فشل في إعادة تأكيد التزام "أطراف العشرين" بالتجارة الحرة. وهذا الالتزام بات تقليدا معروفا منذ أن أطلقت هذه المجموعة. بمعنى، أن التجارة الحرة تعتبر عماد مجموعة العشرين، التي بدورها تتحرك على بقية الساحة العالمية لتكريسها وتمكينها لتوسيع نطاقها، وضم مزيد من البلدان إلى نطاق "الدائرة" التجارية العالمية الحرة. إنها (أي التجارة الحرة) رمز للتعاون الدولي، والتنمية العالمية المستدامة بصرف النظر عن الجهات المنغمسة فيها.
هذه المرة لم يصدر وزراء مالية مجموعة العشرين بيانا متجانسا ومتناغما ومتفاهما حول القضايا الرئيسة على الأقل، لماذا؟ لأن تأثير الموقف الأمريكي الجديد حيال مفهوم التجارة العالمية كان سائدا على أروقة هذه الاجتماعات، بصرف النظر عن التصريحات الإيجابية التي أطلقها ترمب خلال لقائه بميركل، أو تصريحات وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين التي تكتسب الإيجابية نفسها. قال الأول، إنه ليس عدوا للتجارة الحرة بل نصير لها. بينما قال الثاني "نؤيد التجارة الحرة شريطة أن تكون نزيهة ومتوازنة". وهذا المستوى من الخطاب لم يتخلف عنه أي مسؤول في إدارة ترمب، على الرغم من توقع مراقبين أن تظهر اختلافات ضمن هذه الإدارة، مستندين إلى حقيقة أن بعض السياسات التي تتخذها لا يمكن أن تلقى إجماعا مقبولا عليها حتى ضمن التيار السياسي الواحد. وهذا يفسر في الواقع التباين الواسع في رؤية الحزب الجمهوري للأشياء ورؤية ترمب لها.
على كل حال، لا متمردون في إدارة الرئيس الأمريكي على الأقل في الوقت الراهن، وهم واضحون كرئيسهم، لا بد من إعادة النظر في المعاهدات والاتفاقيات التجارية ـــ الاقتصادية العالمية، ليس لتعزيز الحمائية، بل لتكريس النزاهة في هذا المجال. غير أن واقع الحال ليس كذلك على الإطلاق، لأن سعي ترمب إلى فرض رسوم جمركية على الواردات تحت اسم "ضريبة حدود تصحيحية" تقارب 20 في المائة، يتعارض مع المواقف والعبارات الأمريكية المرنة التي أطلقت قبل اجتماعات وزراء مالية العشرين في ألمانيا. ناهيك طبعا عن الخلافات الكبرى الحقيقية في المفهوم العالمي البيئي، ومفهوم دونالد ترمب، الذي لا يرى أي أضرار بشرية على البيئة العالمية، ما أسقط أيضا ثابتا من ثوابت المجموعة في الاجتماع المشار إليه.
وربما الموقف الأمريكي الراهن من ألمانيا يلخص المشهد العام للحراك الاقتصادي العالمي المقبل، أو يعطي مؤشرات سلبية مستقبلية لهذا الحراك. وتكفي الإشارة هنا إلى إعلان ترمب بوضوح أن على برلين أن تدفع أموالا أكثر ضمن نطاق حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وكذلك الأمر بالنسبة لبقية الدول الأعضاء في هذا الحلف. وهو يقول هذا الكلام بعد أن توقف عن الهجوم على ألمانيا من ناحية "اليورو" الضعيف ـــ حسب اعتقاده ــــ الذي يؤثر سلبا في الصادرات الأمريكية. ألمانيا لم تواصل الصمت طويلا، وإن كانت تحاول حل المشكلات ضمن أضيق نطاق إعلامي ممكن. الأمر على ما يبدو لا يحتمل صمتا دبلوماسيا، ولهذا السلب أطلقت بريجيت تسيبريس وزيرة الاقتصاد تهديدا برفع شكوى أمام منظمة التجارة العالمية ضد الولايات المتحدة، في حال قررت هذه الأخيرة فرض ضرائب على الواردات.
لكن مهلا، هل ينظر الرئيس الأمريكي أساسا بأي شيء من القيمة لمنظمة التجارة العالمية؟ الجواب بالتأكيد هو لا كبيرة، لأنه بدأ الهجوم على هذه المنظمة منذ سنوات، أي قبل أن يفكر حتى في الترشح للرئاسة. وهو يعتقد أن القوانين الخاصة بها غير عادلة بالنسبة لبلاده. لكن الواضح أن كل الاتفاقيات التي وقعتها واشنطن طوال العقود الماضية لا تروق لترمب ولا لكل أركان إدارته. بدليل أنه يريد التفاوض على اتفاقية "نافتا" لشمال القارة الأمريكية. وكذلك الأمر بالنسبة لاتفاقيات ثنائية مع المكسيك وكندا وغيرهما من البلدان الأوروبية، بما فيها تلك التي تدخل ضمن إطار الحلفاء! إنها مرحلة تجارية عالمية صعبة، بمخاطر عديدة ومؤشرات سلبية.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 14 مارس 2017

الإجراءات المنكوبة للأموال المنهوبة



"الفساد هو الهلاك الأكبر لنا"
أوليسجون أوباسنجو - الرئيس النيجيري السابق


كتب: محمد كركوتي

يبدو أن دور الأمم المتحدة في استرداد الأموال المنهوبة من الشعوب، مثل دورها في صناعة القرار العالمي، أي بلا قيمة عملية. وقد تكون الأموال التي صرفتها المنظمة الدولية على الاجتماعات الخاصة ببحث كيفية استرداد ما تم نهبه من الشعوب على مدى عقود، أكثر جدوى بالتبرع بها إلى منظمات الأمم المتحدة نفسها، ولا سيما تلك التي تعنى بمسائل الغوث والمعونات والمساعدات في زمن الطوارئ. لماذا؟ لأن هذه الاجتماعات، على الرغم من ضمها لمختصين من كل أنحاء العالم، لم توفر أي دفعة على صعيد العمل في مجال استرداد الأموال، خصوصا تلك التي تعود لشعوب أنهكها الفساد على مدى سنوات طويلة، وتم امتصاص ثرواتها ومقدراتها بأقذر الوسائل الممكنة وغير الممكنة. وبهذه الصورة، تضيف الأمم المتحدة فشلا جديدا لها، في ظل فشلها على أكثر من صعيد لأسباب معروفة للجميع. الواضح أيضا، أن الدول التي تتجمع فيها الأموال المنهوبة من الشعوب، ليست متعاونة بما يكفي سواء مع المسؤولين في الأمم المتحدة، أو الجهات المعنية مباشرة بهذه السرقات. وفي أحسن أحوال التعاون، تقوم حكومات هذه الدول بترك القضايا للإجراءات القضائية التي تستغرق سنوات بل عقودا لكي تتم أو تتوصل إلى نتيجة ما. في حين أن مثل هذه القضايا لا تتطلب الخضوع للإجراءات القضائية المعمول بها على مستوى الأفراد، لأن الأموال المستهدفة تخص شعوبا ثبت عمليا أنها سُرقت ونُهبت بأشكال مختلفة، من جهات كانت تمتلك السلطة والنفوذ والحكم على مدى سنوات. دون أن ننسى، أن الاعتراف بالحكومات الجديدة "النظيفة" على المستوى الدولي، لا يوفر دعما واقعيا للمطالبات بالأموال المنهوبة! كل عام تظهر التقديرات الخاصة بحجم الأموال المنهوبة من الشعوب، وهي كبيرة إذا ما أخذنا الحد الأدنى منها. وأسهمت الملاذات الضريبية والمالية الآمنة في أسوأ عملية تغطية عن أموال مسروقة من أصحابها. وعلى الرغم من الخطوات التي اتخذت ضد هذه الملاذات في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، إلا أنها ما زالت قاصرة عن فتح الملفات المالية للأفراد والجهات التي تخص الأموال فيها. وإذا كانت سويسرا تمثل بؤرة تاريخية للأموال المنهوبة، إلا أنها تبقى واحدة فقط من عشرات البلدان أو المناطق التي تستوعب هذه الأموال وتوفر لها الحماية، ليس فقط من أصحابها الحقيقيين، بل من الحكومات الغربية التي اعترفت أخيرا بأن الملاذات الآمنة، تعمل ضد الجميع، وأن حريتها وسريتها المالية أسهمت في فقدان مئات المليارات من الضرائب والرسوم إضافة طبعا إلى الأموال المنهوبة. لا شك أن حجم الأموال المنهوبة هائل، والممتلكات التي تم شراؤها من هذه الأموال كبيرة ومتعددة وموجودة في أغلبية البلدان، بما فيها بلدان تحارب الملاذات الآمنة كبريطانيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها. ليس المقصود هنا التقليل من حراك الأمم المتحدة في هذا الاتجاه، ولكن كان على المنظمة الدولية أن تتخذ موقفا أكثر وضوحا حيال عدم تعاون بعض البلدان في مسألة الأموال المنهوبة، أو تلكؤ البعض الآخر في هذا السياق. وكان بإمكان الأمم المتحدة أن تستند إلى الحملة الكبيرة والسريعة التي شنتها البلدان الكبرى في السنوات الماضية ضد الملاذات الضريبية ــــ المالية الآمنة. وفي الواقع، أن المشاركين أنفسهم في اجتماعات الأمم المتحدة بهذا الخصوص يعترفون علنا بعدم تحقيق أي خطوة في هذا المجال. وإذا لم تتقدم البلدان الكبرى بهذا الخصوص، فإن مسألة الأموال المنهوبة ستبقى مراوحة مكانها إلى عقود أخرى مقبلة. لم تعد تشريعات الأمم المتحدة مهمة في قضية ينبغي أن تكون متفاعلة بسرعة وبوتيرة إجرائية عالية النشاط. علما أن حجز أموال أشخاص أو جهات لأسباب سياسية يمثل الخطوة الأولى على صعيد حصر الأموال المنهوبة، لكن في أغلب الأحيان تبقى الأموال محجوزة لسنوات طويلة جدا. والمسألة ، على الرغم من تعقيداتها، تتسم بالبساطة، كيف؟ إذا تم نزع الشرعية الدولية ، مثلا، عن هذا النظام أو ذاك، أليس هذا كافيا لأن ينزع الشرعية مباشرة عن أصول وممتلكات وأموال هذا النظام سواء على شكل جهات أو أفراد؟ وعندما يصل الأمر إلى هذه المرحلة، فإن الإجراءات القانونية لن تكون معقدة أو بطيئة. الرغبة والإرادة لدى البلدان المؤثرة كفيلتان بأن تحسما موضوع الأموال المنهوبة من الشعوب بصورة سريعة، وبقالب قانوني شرعي لا غبار عليه على الإطلاق، خصوصا أن الأصحاب الحقيقيين لهذه الأموال في أمس الحاجة إليها الآن، ولا سيما في أعقاب التحول من مرحلة إلى أخرى، بل من عصر إلى آخر. إن الأموال المنهوبة ستظل هكذا حتى تتغير "الذهنية" العالمية تجاه أمر لا يختص فقط بحقوق كانت مسلوبة ومقدرات نهبت، بل بكرامة تمت استعادتها، مع التأكيد هنا أن بعض هذه الشعوب يمكنها النهوض الاقتصادي بصورة أفضل فيما لو استعادت أموالها حقا.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 7 مارس 2017

بريطانيا بين «انفصالين»



"رسالتي بسيطة. الاتحاد الأوروبي ليس مثاليا، لكن مصلحة اسكتلندا أن تكون عضوا فيه"
نيكولا ستيرجن - رئيسة وزراء الحكومة المحلية في اسكتلندا


كتب: محمد كركوتي

لم يتأخر التلاسن، ومعه المناكفة، بين تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا ونظيرتها الاسكتلندية نيكولا ستيرجن. كان مؤكدا الحصول، بصرف النظر عن الأيام القليلة الأولى من عهد ماي، التي شهدت تجاذبات دبلوماسية بلغة هادئة جدا. وهذا مفهوم، لأن المسؤولة الاسكتلندية رغبت في منح المسؤولة البريطانية وقتا للملمة الأشلاء الناجمة عن تصويت البريطانيين الصادم لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي. الصدمة كانت بالفعل كبيرة على بريطانيا كلها. وانسحاب رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون من الساحة، أربك المشهد السياسي العام، سواء على ساحة حزب المحافظين الحاكم، أو الأقاليم البريطانية، أو في ميدان مجلس العموم نفسه. بصرف النظر عن الجانب الديمقراطي والأخلاقي لانسحاب كاميرون هذا. فالرجل كان صادقا، لماذا؟ لأنه لا يستطيع أن يقود المفاوضات لانسحاب بلاده من الاتحاد، بينما هو شخصيا يؤيد بقوة بقاءها فيه.
عرفت تيريزا ماي منذ يومها الأول في الحكم، أن عليها الاطمئنان على وضعية الاتحاد، ليس الأوروبي بالطبع، بل البريطاني. فهذا الاتحاد ليس قويا بما يكفي للصمود في وجه عاصفة الخروج من الاتحاد الأوروبي "بريكست". في الواقع، ألهبت نتيجة الاستفتاء الشعور القومي ــــ المحلي في اسكتلندا، كما حصل في إيرلندا الشمالية. لا نتحدث هنا عن ويلز، هذا الإقليم المندمج أكثر الأقاليم مع الجسم البريطاني. وظهر هذا واضحا من تصويت أغلبية الويلزيين لمصلحة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، رغم أن ذلك شكل بالفعل مفاجأة لكل المتابعين. المهم الآن الإقليم الشمالي اسكتلندا، التي صمتت بعض الوقت، لكنها لم تستطع الاستمرار في ذلك لمدة أطول. لا يهم الآن وضعية تيريزا ماي وحكومتها ونواب مجلس العموم، المهم أن الاسكتلنديين صوتوا لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي، ولأن الانسحاب سيتم بالفعل، فهم لا يستطيعون الاستمرار في الاتحاد البريطاني.
عند هذه النقطة وصلت المملكة المتحدة إلى وضعية ما بين انفصالين، واحد من خارج حدودها والآخر من قلب أراضيها. صحيح أنه تم الاتفاق الضمني على أن نتيجة الاستفتاء الذي جرى في اسكتلندا حول انفصالها عن بريطانيا، وصوت الاسكتلنديون لمصلحة البقاء ستكون النتيجة نهائية، أي ألا يأتي حزب أو سياسي في هذا الإقليم ليطرح المسألة من جديد، على الأقل في غضون العقدين المقبلين، لكن الصحيح أيضا، أن الذين صوتوا للبقاء في بريطانيا صوتوا أيضا للبقاء في الاتحاد الأوروبي. وهنا ينتهي، عند الاسكتلنديين، الاتفاق الضمني. كيف يمكنهم القبول بما رفضه الشعب؟! ألم ترضخ تيريزا ماي لرغبة الشعب البريطاني بالخروج من الاتحاد الأوروبي، وفق القواعد والأعراف والأخلاقيات الديمقراطية؟ عليها إذن القبول برغبة الاسكتلنديين أيضا. إنها الصيغة الأكثر عدلا في حالة هي الأكثر اضطربا وفوضى على الساحة البريطانية كلها.
غير أن رئيسة الوزراء البريطانية تصارع ذلك بكل ما لديها من قوة، وهنا انتقلت التجاذبات السياسية من حالة دبلوماسية مفهومة إلى تلاسن مفهوم أيضا. خصوصا بعد أن رفضت المطالبة بتصويت نواب اسكتلندا حتى على الاتفاق الذي ستتوصل إليه مع المفوضية الأوروبية، بعد عامين على الأغلب من الآن. وهنا يمكن أيضا فهم ما قالته نيكولا ستيرجن أخيرا، بأن الوقت ينفد أمام لندن لتغيير المسار. وتسلحت هذه الأخيرة بالحقيقة الواضحة، وهي أنه من حق الاسكتلنديين إجراء استفتاء جديد لتحديد البقاء ضمن الاتحاد البريطاني أو الخروج منه، في أعقاب انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. التزمت ماي الصمت قليلا لكنها ما لبثت أن أظهرت موقفها الواضح أيضا، "لا استفتاء للانفصال"، ولا حتى استشارة ممثلي الاسكتلنديين في فحوى اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي.
أمام هذا الواقع، لن تكون هناك مساحة كبيرة للحوار بين رئيستي وزراء، الأولى "البريطانية" مضطربة سياسيا بما يكفي للصداع الدائم في عمق رأسها، الثانية "الاسكتلندية" التي تدغدغها مشاعر القومية الجلية. يضاف إلى ذلك، أن تصاعد الخلاف بين الطرفين، سيضعف كثيرا الموقف التفاوضي البريطاني مع الأوروبيين، الذين كانوا أكثر صراحة بالإعلان رسميا أن انفصالا سهلا لن يحدث لبريطانيا كما يتمنى المسؤولون في المملكة المتحدة. انفصال صعب على الساحة الأوروبية، وانفصال ممكن على الساحة الداخلية، هذا هو الوضع الراهن. ومن الصعوبة العثور على من يمكنه أن يحسد تيريزا ماي على وضعها. وإذا كان ديفيد كاميرون قد دخل التاريخ كرئيس وزراء أخرج بلاده من الاتحاد الأوروبي، فخليفته ماي ستدخل التاريخ أيضا، كمنفذ لعملية الخروج، مع إضافة أخرى في سجلها قد تكون انفراط حلقة من سلسلة المملكة المتحدة، دون أن ننسى أن القابعين في إيرلندا الشمالية ليسوا أقل قومية من الذين يسكنون في الشمال البريطاني.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

الثلاثاء، 28 فبراير 2017



«طلاق» مكلف .. فراق قاس

القطعة البريطانية تنفصل

"بريطانيا تحتاج إلى أعوام للتفاوض حول اتفاق تجاري مستقبلي مع الاتحاد الأوروبي"
جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية


كتب: محمد كركوتي

حسناً، لن ينجح رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في محاولاته لطرح صيغة أو حل أو وسيلة تمنع بريطانيا من استكمال إجراءات الانفصال ـــ الطلاق عن الاتحاد الأوروبي. والحق أن تمسكه بضرورة بقاء بلاده ضمن هذا الاتحاد، يعتبر أصدق مبادرة قام بها بلير يوما! وفي النهاية لم يعد توني بلير مهما لا على الساحة المحلية ولا الأوروبية ولا العالمية، رغم أنه رصد مبالغ شخصية كبيرة من الجنيهات الاسترلينية، لدعم حملة بقاء غير معلنة لكنها نشطت في الأسابيع القليلة الماضية. المهم الآن، بدأ الحديث يتركز على تكاليف الانفصال سواء بالنسبة لبريطانيا أو للاتحاد الأوروبي نفسه، علما بأن التكاليف على الجانب البريطاني لن تكون سهلة ولا قليلة، سواء من الناحية المعنوية أو المادية، كما يوضحه المسؤولون الأوروبيون.

بلير وغيره من المؤيدين للبقاء، يلعبون على هذه النقطة، على اعتبار أن الناخب البريطاني الذي صوت لمصلحة الخروج، لم يكن يعرف حقيقة الخسائر التي ستتكبدها بلاده (وبالتالي هو) جراء الانفصال. باختصار، يتمنى البعض أن يتم طرح الاتفاق الذي ستتوصل إليه حكومة تريزا ماي على استفتاء عام آخر، معتقدين أن الناخب سيغير رأيه عندما يجد الحقيقة رسميا مطبوعة على الورق وضمن جداول محددة. وهي حقيقة ستبرز الخسائر أكثر من الفوائد، والتعثر في العلاقات أكثر من السلاسة فيها. حقائق ستحول حليف اليوم، إلى مجرد جار الغد الذي يستحق بعض الريبة إن لم تكن كلها، دون أن ننسى، أن المسؤولين في الاتحاد الأوروبي لم يُظهروا أدنى مرونة في مفاوضات الخروج المزمعة، ليس كراهية للقرار البريطاني، بل تخويفا للدول الأوروبية الأخرى التي قد تفكر في الخروج على الطريقة البريطانية.
لن يكون الطلاق سلسا، بل المتوقع أن يكون عاصفا، لأن الدفاع عن المصالح في مرحلة الانفصال عادة ما يكون عنيفا. والأوروبيون بدأوا بالفعل بتحذيرات تهديدية ـــ إن جاز القول ــــ من مغبة قيام لندن بأي مفاوضات تجارية خارج نطاق الاتحاد الأوروبي، ما لم تخرج تماما من هذا الاتحاد. في الواقع، أن بريطانيا نفسها لا يمكنها أن تبدأ مفاوضات تجارية حتى مع الاتحاد الأوروبي قبل أن تستكمل إجراءات الخروج تماما. أي أن المفاوضات التي ستنطلق بعد تفعيل المادة 50 من معاهدة الوحدة الأوروبية لا تختص باتفاقات جديدة، بل بشكل وتكاليف وطبيعة الخروج من الاتحاد فقط، أما بقية الاتفاقات الممكنة البريطانية ـــ الأوروبية، فإنها تحتاج إلى مفاوضات أخرى جديدة، يتم التعاطي فيها مع المملكة المتحدة كجهة غريبة تماما.
وإذا كان البريطانيون الذين ينتظرون خروج بلادهم من الاتحاد بفارغ الصبر، يضحكون على أولئك المحبين لأوروبا، إلا أنهم سيواجهون الحقائق المرة لاحقا. لماذا؟ لأن الاتحاد الأوروبي يخطط لإلزام بريطانيا بدفع أموال مشاريع الاتحاد لمدة أربع سنوات بعد توقيعها على الاتفاق النهائي في عام 2019. ولدى المفوضية الأوروبية ما يمكن أن تستند إليه في هذا المجال. وفيما قدر المسؤولون في المفوضية الأوروبية التكاليف التي ستدفعها بريطانيا للخروج بـ 60 مليار يورو. هل لبريطانيا أصول في أوروبا؟ بكل تأكيد لها أصول كبيرة، قدرت بنحو 150 مليار يورو، كحسابات نقدية وعقارات ومشاريع دخلت بريطانيا فيها من المرجح أنها لن تكتمل. غير أن استرداد هذه الأصول لن يكون بالأمر السهل، نظرا لوجود كثير من الثغرات التي ستستغلها المفوضية الأوروبية في مفاوضاتها مع المسؤولين البريطانيين.
وفي كل الأحوال لن يكون "الطلاق" البريطاني ـــ الأوروبي سهلا، ولا أقل تكلفة، ولا حتى وديا. سيكون طلاقا صعبا، لقطع الطريق أمام أي محاولة مشابهة في المستقبل من أي بلد أوروبي ضمن الاتحاد. قد يكون توني بلير بالفعل على حق، بأن الناخب البريطاني الذي صوت لمصلحة الخروج لم يكن يعرف الحقيقة كاملة. وإذا كانت رئيسة الوزراء ماي متمسكة بديمقراطية استفتاء الخروج، عليها أن تكون أكثر ديمقراطية بطرح الاتفاق المستقبلي للاستفتاء أيضا. لأن النسبة الأكبر التي صوتت للخروج كانت تعرف أن بريطانيا تدفع ما يقرب من 250 مليون جنيه استرليني أسبوعيا للمفوضية الأوروبية، لكن هذه النسبة لم تكن تعرف الفوائد التي تجنيها بلادهم من الاتحاد، حتى في ظل حرية الحركة ضمن حدود الاتحاد الأوروبي، التي يرفضها البريطانيون الانفصاليون.
التسويق لبعض العواصم الأوروبية بدأ بالفعل كبديل مالي عن لندن، وهذا من الخسائر الفادحة على المدى البعيد، ناهيك عن خسارة سهولة الوصول إلى السوق الأوروبية التي تضم ما لا يقل عن 300 مليون مستهلك، والإعفاءات الجمركية التي تتمتع بها المؤسسات البريطانية كبقية المؤسسات الأوروبية الأخرى. ناهيك عن ضراوة المفاوضات التجارية ما بعد مفاوضات الخروج، التي لن تكون أقل عنفا. إن تبعات الاستفتاء البريطاني الانفصالي، لن تنتهي حتى بالخروج بصرف النظر عن طبيعته، وستظل على الساحة لسنوات طويلة، بكل تأثيراتها الكبرى والصغرى.

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")