الاثنين، 27 يونيو 2011

في سورية.. رهين الاقتصاد والقوة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

"الزعيم أو الرئيس المنغمس في أزمة، يُقْدم دائماً على أفعال لا إرادية غريبة، وبعد ذلك يفكر بالأسباب التي دفعته إلى أفعاله"
جواهر لال نهرو أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال






محمد كركوتــي

سواء اعترف الرئيس السوري بشار الأسد، أم لم يعترف، فقد أصبح "رهين محبسين"، لا يشبهان بالطبع (من حيث طبيعتيهما) محبسا الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري. فالمحسب الأول للشاعر، لم يكن إرادياً، لأن عماه لم يكن كذلك، والمحسب الثاني كان شخصياً صرفاً، عندما اعتزل الناس لأسبابه الخاصة جداً. أما محبسا الأسد، فهما إراديان، يرتبطان بعائلة هو عميدها، ونظام هو قائده. الأول، عندما قرر مواجهة المظاهرات السلمية، بقوة مريعة تجاوزت مستوى الإفراط، التي سحبته تلقائياً إلى محبسه الثاني، والمتمثل بإمكانية انهيار الاقتصاد السوري، أو على الأقل تأرجح هذا الاقتصاد، لا على أرض صلبة، بل على حافة الهاوية. ووفق ذلك، فقد حبس نظامه وعائلته في دورة إراقة الدماء، وانحبس في مجهول اقتصادي، في بلد ظل اقتصاده الوطني، "معتقلاً" (على مدى عقد من الزمن على الأقل)، في أيدي مجموعة قليلة جداً من رجال الأعمال، اكتسبوا هذا التوصيف، إما عن طريق التعيين، أو عبر الانتساب الأسري.. ولا بأس من الولاء الأعمى!

لو كنت مستشاراً للأسد (ولن أكون مستشاراً لسفاح)، لما نصحته في تناول الموضوع الاقتصادي في خطابه الثالث، منذ اندلاع الثورة في سورية (إذا ما اعتبرنا أن كلمته الأخيرة أمام مجلس الوزراء هي بمثابة خطاب)، لأن هذه القضية كرست ضعفاً كبيراً لنظامه، لاسيما عندما أولى اهتماماً بالغاً، للإيداعات المالية في المصارف السورية التي لا تزيد عن ألف ليرة سورية، أي ما يوازي 20 دولاراً أميركياً! واعتبر مثل هذا النوع من "الإيداعات" شكلاً من أشكال العمل الوطني للفرد السوري! لقد فتح الأسد على نفسه بوابات لسيل من الأسئلة، لعلها تُختصر بسؤال واحد هو: هل الاقتصاد السوري وصل إلى هذه الحالة المرعبة؟ وفي الوقت نفسه، عمق القناعة، لدى قطاعات عريضة من المجتمع السوري، بل والمجتمع الدولي المراقب لما يجري في البلاد، بأن القائمين على الاقتصاد السوري، المهدد بانكماش مريع قبل نهاية العام الحالي، قد يعجزون عن دفع رواتب موظفي الحكومة في غضون شهرين أو ثلاثة أشهر على أبعد تقدير. وبرزت أسئلة من نوع، هل سيقوم النظام بطبع العملة بدون سند؟ وإلى أي حد سيصل انخفاض قيمة الليرة السورية؟ وهل سيلجأ النظام إلى الحل الوحيد في مثل هذه الظروف، وهو طلب المساعدات والمعونات؟ وهل سيجد من يقدم له هذه المساعدات في هذا الوقت بالذات؟

كان منسقو الثورة في سورية يراقبون بأعلى جودة من المتابعة خطاب الأسد. وفور إشادته بـ "وطنية" الفرد السوري الذي يودع ألف ليرة في المصارف، أطلقوا حملة على الإنترنت، وضعوا لها عنوان "سنعمل على تفتيت دعامة الاقتصاد مع المحافظة على أموال الشعب"، ربما من المفيد نقلها كما هي، في سياق استعراض المشهد السوري كاملاً: "تعلمون أنّ الوضع الاقتصاديّ السوري في الحضيض، وأن الليرة ستنهار أو ستخسر شيئاً كثيراً من قيمتها، وستشهد البلاد موجة ارتفاع للأسعار، خصوصاً مع حرق المحاصيل، وتهجير الكثير من العمّال وما إلى ذلك. وحفاظاً على أموال الشعب، نطلب من الجميع ما استطاعوا، تحويل ما لديهم من أموال إلى عملات أجنبيّة، ولا يشترط التقيّد بالدولار الأميركي، بل يمكن شراء الفرنك السويسري أو اليورو أو أيّ عملة صعبة أخرى في متناول اليد، مهما كان المبلغ المدّخر بسيطاً. لا تنسوّا أنّ النّظام يستعين بمالنا على قتلنا، ولذلك فإنه من البديهي ألا ندفع أي شيء طالما أنه يحاربنا".

من الواضح، أن القائمين على تحريك الثورة، يتحركون في كل الاتجاهات في المواجهة من نظام الأسد (ما عدا استخدام السلاح). وسواء خططوا أم لم يخططوا، فإن الأمور تتجه إلى ما يمكن اعتباره عصياناً مدنياً، تخشى منه أعتى الأنظمة في العالم. وكلنا يعرف كيف ساهم هذا العصيان في تحرير الهند من الاستعمار البريطاني، عندما اتخذه المهاتما غاندي سلاحاً وحيداً في مواجهة هذا الاستعمار. والحقيقة أن الأسد فهم خطورة "العصيان المالي" –إن جاز التعبير- في مرحلة لاحقة من اندلاع الاحتجاجات في سورية، وأمر بفرض سقف على السحوبات بالعملات الأجنبية، خصوصاً بعدما فشلت عمليات التحفيز التي أقدم عليها الأسد، في امتصاص الغضب الشعبي، عندما أصدر مراسيم متوالية، لزيادة الرواتب وتقديم تسهيلات يستفيد منها موظفو القطاع العام والطلاب وغيرهم. أما لماذا فشلت، فلأنها أولاً لم تتضمن المطالب الرئيسية الأولى بالحرية وآليات هذه الحرية، وثانياً نشرت غضباً مضاعفاً عند الشرائح الأشد فقراً في سورية. فحتى هذه الزيادة في الرواتب التي لم تأت تلقائياً، بل لاعتبارات ترتبط بالثورة، عمقت الفوارق بين الشرائح الاجتماعية المختلفة، وكرست الحالة البائسة في المناطق الأشد فقراً. لقد كانت ببساطة، بمثابة حبوب أسبرين تُعطى لرجل مصاب بالسرطان في مراحله الأخيرة.

يمكن تلخيص الوضع الاقتصادي في سورية بالنقاط التالية: هروب الاستثمارات الطبيعية –أي الحقيقية-، فرار الاستثمارات الفاسدة –أي المرتبطة بمدى قوة السلطة-، تراجع متواصل لقيمة العملة الوطنية (خسرت خلال 3 أسابيع ما بين 15 و20 في المائة)، شح السيولة، تحويل أكثر من 10 في المائة من احتياطي المصارف الخاصة، إلى مصارف في الخارج، في غضون أقل من شهرين فقط، خسارة مداخيل الموسم السياحي التي تمثل ما يقرب من 12 في المائة من الدخل العام( هناك من يقول إنها تصل إلى 18 في المائة)، توقف مشاريع وتراخي أخرى مرتبطة بالبنى التحتية في سوريا (المظاهرات عطلت 3 مشاريع استثمارية خليجية كبرى) ، هشاشة متعاظمة لسوق الأوراق المالية، تردد ما تبقى من الرأسمالية الوطنية التي ارتضت أن تكون جزءاً من السلطة، والانتظار ما أمكن لمعرفة لمن ستكون الغلبة.

أمام هذا المشهد الاقتصادي، الذي يزداد بؤساً يوماً بعد يوم، أصبحت هناك قناعة عند المراقبين المحايدين – لا المندسين ولا المتآمرين- بأنه إذا لم يتمكن المتظاهرون السلميون الإطاحة بنظام الأسد، فسيكون بمقدور الاقتصاد ذلكن وقد وصلت – على سبيل المثال- مجلة "تايم" الأميركية إلى هذه القناعة، ومعها جريدة " الفايننشال تايمز" البريطانية الرصينة. وهذه نتيجة طبيعية لأي حالة تمر بها دولة ما. ولعلي أضيف هنا، في إشارة إلى أن السوريين الذين لا يزالون في مرحلة ما قبل إعلان العصيان المدني، يتجهون على ما يبدو بسرعة لإعلان هذه الحالة. فقد التزم عدد كبير من التجار في مختلف أنحاء سورية، بإضراب عام ليوم واحد، دفع السلطات إلى اعتقال ما أمكن منهم. والإضرابات – فيما لو تكررت- تؤدي حتماً إلى "استجلاب" عصيان مدني. وإذا كانت مدته غير معلومة، إلا أن نتائجه لا تحتاج إلى خبير اقتصادي لتوقعها أو حتى لشرحها. إنها – حسب التاريخ- نتائج حتمية لمصير محتوم.




الثلاثاء، 21 يونيو 2011

بيان عن المكتب التنفيذي للهيئة الاستشارية للمؤتمر السوري للتغيير


 
 
تم انتخاب مكتب تنفيذي للهيئة الاستشارية المنبثقة عن المؤتمر السوري للتغيير، يضم تسعة شخصيات من مختلف القوى والأحزاب والتيارات السورية، وذلك في اجتماع للهيئة عقد في 17 حزيران/ يونيو الجاري، شارك فيه 24 عضواً من أصل 31 عضو. وحصل كل من عهد الهندي، وملهم الدروبي، وخولة يوسف، وعمرو العظم، ومحمد كركوتي، وعبد الإله الملحم، وعمار قربي، ورضوان باديني، وسندس سليمان، على أغلبية 21 صوتاً، إثر مناقشات ومداولات، شهدت تبادلاً للآراء، كما طُرحت فيها وجهات النظر، وفق الأطر الديمقراطية، بما في ذلك إفساح المجال لكل من يرغب من أعضاء الهيئة الاستشارية، الترشح لعضوية المكتب التنفيذي، وفتح الباب لطرح أسماء شخصيات أخرى من خارج الهيئة، لخوض العملية الانتخابية، في إطار الحرص على تنفيذ توصيات المؤتمر السوري للتغيير، في استقطاب الكفاءات الوطنية السورية من كل الفئات والقوى السياسية والشعبية، بما في ذلك المستقلون.

وبدأ المكتب التنفيذي مهام عمله فوراً، في ظل التداعيات الخطيرة التي تشهدها سوريا، لا سيما مع تصاعد الحرب الوحشية المُنظمة التي يقوم بها النظام ضد شعبنا الأعزل، الذي يقوم بواحدة من أشرف وأطهر الثورات الشعبيّة السلميّة قاطبة. ويعلن المكتب التنفيذي، أنه ليس حكومة منفى أو مجلس انتقالي، ويرفض أي شكل من أشكال الوصاية على الثورة السورية، ويشدد على أن الأعضاء المُنتخبين فيه، وافقوا على شرط المؤتمر أنه لا يحق لهم الترشح للانتخابات في سوريا، في الدورة الانتخابية الدستورية الأولى التي تلي زوال نظام بشار الأسد، كما يشدد على مواصلة الدعم اللامحدود لثورة الشعب السوري الأبيّ، إلى أن يحقق أهدافه في الحرية والعزة والكرامة، تمهيداً لقيام دولة ديمقراطيّة مدنيّة في سوريا ، تكفل الحريات العامة، وإشراك كافة أطياف المجتمع في صنع القرار، والمساواة في الحقوق والواجبات، والقضاء على سلوكيات وآليات الإقصاء إلى الأبد.

وأطلق المكتب التنفيذي للمؤتمر السوري للتغيير سلسلة من الاجتماعات المتواصلة، لتحديد الأطر العامة للعمل، وتوزيع المهام، وتشكيل اللجان المختلفة، واستكمال الاتصالات على الساحتين العربية والدولية، وذلك للمضي قدماً في دعم الثورة الشعبية العارمة، على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والإنسانية، وتوفير كل أشكال المؤازرة والمساعدة والمساندة للشعب السوري العظيم. ويؤكد المكتب التنفيذي مجدداً، إلتزامه بالتوصيات والقرارات الصادرة عن المؤتمر السوري للتغير، بما في ذلك الموقف المبدئي، الرافض للحوار مع النظام القائم في سوريا، الذي فقد شرعيته مرتين. في الأولى عندما وصل إلى السلطة مغتصباً لها، وفي الثانية، عندما وجه آلته العسكرية الرهيبة إلى صدور أبناء شعبنا الأعزل، إلا من الكرامة.

وتواصلاً مع التطورات الراهنة على الساحة السورية، يعلن المكتب التنفيذي للمؤتمر السوري للتغيير، رفضه الكامل لما جاء في خطاب رئيس النظام السوري بشار الأسد، الذي وجهه في العشرين من حزيران/ يونيو الجاري، ويعتبره محاولة بائسة ويائسة لإطالة عمر هذا النظام، واعتداء سافراً جديداً على الشعب السوري وثورته المجيدة، وعلى أرواح المدنيين العزل الذي سقطوا في الحرب الوحشية المستمرة التي يشنها النظام في كل أرجاء سوريا. ويؤكد المكتب التنفيذي، على أن هذا الخطاب يكرس الأزمة، بعد أن فشل في تقديم الحلول الواقعية التي يقبلها الشعب السوري، رافضاً كل أشكال الحوار التي دعا إليها رئيس النظام السوري. ويشدد المكتب التنفيذي للمؤتمر السوري للتغيير، على أن بشار الأسد فقد شرعيته، وأنه لم يعد في الموقع الذي يمنحه الصلاحيات للدعوة إلى أي حوارات وطنية. وجدد المكتب التنفيذي دعوته بشار الأسد للاستقالة من منصبه، وتسليم سلطاته وفق الأطر الدستورية، إلى حين تشكيل مجلس انتقالي، لوضع دستور جديد يمهد الطريق لانتخابات حرة وديمقراطيّة في البلاد.

يذكر أن المؤتمر السوري للتغيير، عُقد في أنطاليا بتركيا في الفترة الواقعة ما بين 31 أيار/ مايو و3 حزيران/ يونيو، بمشاركة القوى والأحزاب السياسية والشعبية، فضلاً عن مشاركة عدد كبير من الشخصيات الوطنية السورية المستقلة. وبلغ عدد المشاركين 350 شخصاً، انتخبوا في نهاية المؤتمر، هيئة استشارية مكونة من 31 شخصاً، تم تفويضها بالعمل على الوقوف إلى جانب الثورة الشعبية العارمة في سوريا ودعمها. وقد طالب المؤتمر السوري للتغيير في بيانه الختامي، باستقالة رئيس النظام السوري بشار الأسد من كل مناصبه، ونقل السلطات وفق الأطر الدستورية، إلى أن يتم تشكيل مجلس انتقالي، يقوم بوضع دستور جديد، والتحضير لانتخابات حرة تقود إلى قيام دولة ديمقراطيّة مدنيّة في سوريا ، بعد أن شدد المؤتمر على أن الشعب السوري يتكون من قوميات عديدة، عربية وكردية وآشورية وسريان وتركمان وشركس وأرمن وسواهم.

مجهول اقتصادي في سورية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"عندما تتلقى قبلة من سارق، قم على الفور بإحصاء أسنانك"
مَثَل لاتيني



محمد كركوتــي

في سورية الاقتصاد يتداعى، وفي أحسن الأحوال يتجه نحو المجهول. في سورية، "رجل أعمال" يعلن عزمه على التوجه للعمل الخيري، ليس زهداً، بل خوفاً. في سورية، هرب المستثمرون رعباً، لأن مصير غالبية استثماراتهم، مرتبط بمصير السلطة، لا الأمة. والحقيقة أنهم لم يقرروا هذا الترابط المصيري، بل قُرر لهم. في سورية، الأموال المنهوبة لا تدخل ولو لدقيقة واحدة في الخزينة العامة. في سورية، أولئك الذين "عُينوا" بمناصب رجال أعمال، يبحثون عن بلدان أخرى، يقبلون بأي توصيف لهم فيها. في سورية، رجال الأعمال التقليديون –غير المُعينين- يجلسون على الحائط، يرمقون جهة اليمين حيناَ وجهة اليسار حيناً آخر، ليقرروا إلى أي جهة سيقفزون. في سورية، تم رفع الرواتب، في حركة امتصاص بائسة للغضب الشعبي، لتدخل البلاد في نفق، يستحق عنواناً على شكل سؤال: هل ستستطيع السلطة دفع الرواتب أصلاً؟ في سورية، بوادر العصيان المدني تتعاظم، في ظل عمليات قتل لا تتوقف للمتظاهرين السلميين. في سورية، توقف تصدير المنتجات، لتبدأ عمليات تصدير بشري على شكل نازحين ولاجئين، لأول مرة في تاريخها. فقد تحولت من مستقبِلٍ أزلي للاجئين إلى مُصدِرٍ لهم! لم تزل هذه "المنتجات" في مرحلة ما دون "الصناعة"، لكن الأمور تتجه إلى تحولها لـ "قطاع صناعي" جديد على البلاد وأهلها، وعلى دول المنطقة وشعوبها، من فرط القمع القاتل. في سورية، مجهول مسيطر، على البلاد والعباد والاقتصاد، رغم أن "عنوان المكتوب" واضح، سواء كان بريدي أم الكتروني، أو حتى عن طريق الحمام الزاجل. وربما من المناسب الإشارة هنا، إلى أن قانون الطوارئ –السيء الصيت- الذي حُكمت به سورية أكثر من 48 عاماً، كان يمنع تربية الحمام الزاجل، ويعرض المربين للسجن الطويل جداً!! وربما من أجل ذلك يقتلون الحمام!

قبل المظاهرات الشعبية العارمة، عاشت سورية على مدى أكثر من عقد من الزمن، في ظل "اقتصاد الفقر وما دونه". وقد أطلقت عليه توصيف "اقتصاد التشبيح". ولأنه كذلك، فقد أصبح بسرعة شديدة، في مهب الريح في أعقاب انفجار الغضب الشعبي. فليس غريباً أن تتوقع جهات محايدة رصينة –لا مندسة ولا متآمرة- إفلاس الاقتصاد. بل الغريب أن يكون هناك من يقول عكس ذلك. جريدة "الفايننشال تايمز" البريطانية، لم تكن متحفظة عندما قالت: إنها تتوقع انهيار الاقتصاد السوري، مما يعني إفلاس النظام-السلطة ورضوخه". وأنقل على الجريدة الرصينة: "أن سورية ستضطر في نهاية العام الجاري، للبحث عن مساعدات اقتصادية خارجية للحفاظ على اقتصادها، في ظل التدمير الذي يعاني منه قطاع السياحة نتيجة الاضطرابات، وتوقف الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع الإنفاق الحكومي للمساعدة في تخفيف حالة الاستياء الشعبي". ويمكن أن نضيف إلى ذلك، أن احتياطات النقد الأجنبي في البنك المركزي السوري تستنزف على مدار الساعة، الأمر الذي خفض من قيمة الليرة بنسبة 15 في المائة أمام الدولار الأميركي. ومع كل يوم يمر هناك تراجع جديد لقيمة العملة الوطنية. في خضم ذلك، رفعت منظمة التعاون والتنمية، مؤشر الخطر لسورية من 6 الى 7، وبدأت الدول الكبرى في الطلب من رعاياها مغادرة البلاد، وهو مؤشر –في المفهوم الاقتصادي- يدل على أن الأوضاع تسير من سيء إلى أسوأ.

لم تكن حالة الاقتصاد قبل الثورة الشعبية أفضل، لكن حالة الدولة كانت مستقرة، مما دفع بعض الجهات الاستثمارية العربية والأجنبية لإنشاء أعمال لها في سورية، بعد أن قبلت بمشاركة قسرية من رامي مخلوف ابن خال الرئيس بشار الأسد، الذي يُعتبر بمنزلة "مصرفي" العائلة الحاكمة. وقد وقعت هذه الجهات بأزمة حقيقة، عندما اكتشفت أن الدولة التي تبدو مستقرة لفترة طويلة، لا يمكن أن تستمر هكذا إلى الأبد، إذا لم تكن عناصر الاستقرار متكاملة. هذا "الاستقرار" اهتز في سورية-كما في تونس ومصر وليبيا- مع أول صرخة شعبية تطالب بالعدالة، ولم يلبث أن انتهى في غضون أيام. وعلى الرغم من حنكة المستثمرين في الحفاظ على أموالهم، وعدم التضحية بها والخوف عليها، إلا أنهم –على ما يبدو- يقعون في نفس الفخ دائماً. حدث هذا في سبعينات وثمانينات القرن الماضي في بعض دول أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، التي كان حكامها يتغنون باستقرار بلادهم، في تسويق ليس من أجل جذب الاستثمارات، بل لمشاركة الحكام فيها. ويعترف –على سبيل المثال- تيودور روزفلت العضو المنتدب للاستثمار المصرفي في "باركليز كابيتال"، بالخطأ التاريخي الذي يقع فيه المستثمرون في الدول التي تبدو لهم مستقرة. ماذا قال؟ " سورية كانت تبدو كأنها دولة مستقرة تبدأ في محاولة التحديث، لكن التفاؤل الذي حمله البعض بشأن سورية كان في غير موضعه فيما يبدو". ويمضي أبعد من ذلك ليقول: "ما يحدث في سورية الآن مقلق للمستثمرين. إننا نشهد حكومة تقمع شعبها". مشيراً إلى أن المستثمرين، قد يُقبلون مرة أخرى، إذا ما خرجت سورية من هذه الأزمة "بمؤسسات مدنية قوية وتطبيق حكم القانون".

المستثمرون الطبيعيون هربوا بالفعل من سورية، بعد أسابيع قليلة من بدء الثورة فيها. أما المستثمرون الجدد الذي عُينوا في "مناصبهم" الاستثمارية، لم يهربوا بعد، ولكنهم هَرَبوا أموالهم إلى كل الجهات الممكنة، لأن هناك أماكن كثيرة في العالم، لم تعد تمثل للأموال المنهوبة ملاذات آمنة، ولاسيما في الدول الغربية، التي سنت مجموعة من القوانين بتجميد أرصدة وممتلكات 23 شخصية سورية متنفذة (وفي مقدمتها بشار الأسد)، وهي تدرس الآن توسيع نطاق هذا التجميد. ليس غريباً أن ينهار الاقتصاد السوري، بل الغريب أن يستمر صامداً تحت وطأة الحركة الشعبية لفترة طويلة. فكيان هذا الاقتصاد لم يقترب كثيراً من المعايير المؤسساتية. والشيء الذي لا يُبنى وفق هذه المعايير، محكوم عليه بالخراب أو الزوال. وحسب تقديرات معهد التمويل الدولي فإن الاقتصاد السوري سينكمش بمعدل 3 في المائة خلال العام الجاري بسبب الاضطرابات، بعد أن كان قد حقق نموا بنسبة 4 في المائة العام الماضي، ويرجح مراقبون مستقلون أن ينكمش أكبر من ذلك بكثير. وطبقاً لمصرفيين في سورية، فإنهم رصدوا هروباً للأموال خلال الشهرين الماضيين، بينما أعرب مودعون سوريون علانية عن قلقهم من إيداع مبالغ كبيرة في القطاع المصرفي الوليد، مفضلين إيداع أموالهم في بنوك معروفة في لبنان أو أماكن أخرى. ويقول عبد القادر دويك رئيس بنك سوريا الدولي الإسلامي (وهو الفرع السوري لبنك قطر الدولي الإسلامي)، إن المودعين سحبوا في غضون أيام، ما يعادل 680 مليون دولار أميركي من بنوك خاصة، وهو ما يمثل 7 في المائة من إجمالي الودائع بهذه البنوك منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية.

أمام هذه المعطيات، لا توجد مخارج أمام الاقتصاد السوري للنفاذ إلى مناطق آمنة. كما لا توجد بدائل أمام النظام فيها للحيلولة دون وصول هذا الاقتصاد إلى حافة الهاوية. وأحسب أن المسؤولين في دمشق، فهموا هذه الحقيقة، وعرفوا أنه حتى طلب المعونات والمساعدات في ظل الحالة الأمنية الراهنة في البلاد، هو شيء من الخيال، في واقع محلي يبدو خيالي لعدد كبير منهم.


الثلاثاء، 14 يونيو 2011

البطالة.. ثائرة أيضاً

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")










"لا تحتاج لخبير في الطقس لكي تعرف اتجاه الرياح"
بوب ديلان شاعر ومغن أميركي

 
 
 
محمد كركوتــي
 
لو وضعنا ألف سبب لاندلاع الثورات العربية في "جمهوريات الأسر الحاكمة"، لن نجد من يوجه إلينا اتهامات بالمبالغة. ولو قمت بسرد "الأسباب الألف"، لانتهى المقال مع حصتي المحددة بالكلمات، وهي ألف كلمة، يضاف إلى ذلك، بأن المقال سيكون سرداً، لا تحليلاً ورأياً ولا استشهاداً بما يقوله الخبراء المعنيين. وأحسب أن كل فرد في هذه الجمهوريات يمكنه أن يضع قائمة بالألف وأكثر، فقد فُرضت عليه معايير و"أدبيات" القرون الوسطى، في "قرنه" الحادي والعشرين. يستطيع القول، مهلاً.. إن أسباب ثورتي هذه أكبر بكثير من الألف، إنها بعدد الأيام التي عشتها رقماً لا إنساناً، وبعدد الشهداء الذين سقطوا من أجل الحرية، وبعدد المعتقلين والمفقودين. ومجازاً يستطيع القول: بعدد الدولارات التي نهبتها الأنظمة في هذه الجمهوريات الأسرية.

على قمة الأسباب الألف، تقف الحرية والكرامة، والحق في عيش كريم لا أحد يستطيع أن يدعي منحه لهذه الشعوب. إنه حق تلقائي، حق من حقوق الوجود نفسه. وفي قائمة "الأسباب الألف"، يأتي الخراب الاجتماعي والاقتصادي. يأتي الظلم المُمأسس مع القهر المنظم. يأتي المجتمع "المتعسكر" قسراً، والمدنية المقتولة ظلماً. يأتي الرئيس المُلهَم (والمُلهِم) الذي يعرف مصلحتك الخاصة أكثر منك، ويمنح لنفسه الحق في امتلاك حتى أولادك لمصلحة النظام، لا لمصلحة البلاد. يأتي أولاد "المُلهَم" وأقرباءه وبقايا أسرته. في القائمة.. يأتي قطاع الطرق أو الشبيحة أو البلطجية أو البلاطجة أو المرتزقة، من خلال مؤسسات لها مجالس إدارة بل وجمعيات عامة. يأتي ازدراء الإنسانية بمعاييره الوحشية، ومعه التجييش البائس ضد كل من رغب في تغيير هذا المنكر، حتى في قلبه. يأتي الفقر ومعه البطالة وسرقة المال العام والنهب المتواتر والخصخصة السرطانية. إن قائمة "الأسباب الألف"، هي في الواقع بمثابة منظومة متكاملة لخراب مستدام، ولتدمير ممنهَج، ولاستراتيجية مريعة لا تكتمل إلا بتنفيذ مباشر من المُلهَم وبعده (أو معه) ولده البكر، وإذا ما مات هذا الأخير، لابأس من ولده الثاني أو الثالث أو الرابع (لا فرق)، وبعد الابن يأتي الحفيد وهكذا.

في "كومة" الأسباب الألف، ليس صعباً أن تعثر على البطالة، التي تنتج فقراً يضاف إلى الفقر السائد، وفراغاً تخشى منه حتى الأحزاب الحاكمة في الدول الديمقراطية الراشدة، ومرارة جامحة يستحيل إزالتها. وربما لم يكن الأديب المغربي الشهير الطاهر بن جلون مُبالِغاً، حين قال مؤخراً: "إن الربيع العربي سيلُهم الشعوب الأوروبية أيضاً". فهو يعتقد أن البطالة ستكون محركاً للأوروبيين للقيام باحتجاجات منظمة، ولا يقصد بالطبع تغيير أنظمة الحكم فيها. فالأنظمة السياسية لا تورَث (ولا تورِث) للأبناء في أوروبا. تتفق منظمتا العمل العربية والدولية، على أن البطالة أسهمت في إشعال الثورات، لاسيما مع وصول نسبتها بين الشباب في "الجمهوريات الأسرية" إلى 23 في المائة، وترتفع بأوساط النساء إلى أكثر من 30 في المائة، وأن مشاركتهن بسوق العمل العربية، هي الأضعف على مستوى العالم، حسب المنظمة الدولية. والحقيقة أن النسب متفاوتة هنا. فعلى سبيل المثال، يبلغ معدل العاطلين عن العمل بين شريحة ما دون الـ 30 عاماً من الشباب في سوريا 49 في المائة، وفي ليبيا يصل إلى 40 في المائة. والمنظمة الدولية تمضي أبعد من ذلك لتقول: "إن ظروف العمل للشباب العربي، سيئة للغاية جراء الأجور المتدنية والرعاية الاجتماعية والصحية المحدودة وعقود العمل غير الآمنة". والجمهوريات الأسرية التي تدعي وجود العمل النقابي وتدعمه، تعرضت لهجوم كبير من المنظمة، لغياب الدور الفعال للنقابات العمالية.

ويعتبر المدير العام لمنظمة العمل العربي أحمد لقمان، أن ارتفاع معدلات البطالة والفقر، كانت الشرارة الأولى التي أشعلت الثورات العربية، وذلك في مؤتمر العمل العربي الذي عقد في القاهرة مؤخراً. وفي ظل "اقتصاد التشبيح" أو "اقتصاد البلطجة" أو " اقتصاد المرتزقة"، الذي شهدته الجمهوريات المشار إليها، ظهر نوعاً غريباً من النمو، وهو " النمو الفاسد". أي أن هذه الجمهوريات حققت نمواً أعلى من النمو في البلدان الكبرى الراسخة( في بعض السنوات تجاوز 3 أضعاف)، لكنه –أي النمو- حط في جيوب رجال أعمال، عُينوا من قبل الحكومات فيها. ماذا حدث؟ ارتفعت معدلات البطالة، بدلاً من أن تنخفض من فرط هذا النمو الكبير! وحسب المنظمة العربية، يصل عدد العاطلين العرب إلى أكثر من 18 مليون نسمة، والحقيقة أن الرقم أعلى من ذلك بكثير، لأن عدداً كبيراً في البلدان العربية، لا توفر الأرقام الحقيقية للبطالة، إلى جانب عزوف نسبة لا بأس بها من العاطلين، عن تسجيل أنفسهم في سجلات البطالة، من شدة اليأس الذي يعيشونه حيال إمكانية حصولهم على فرص عمل، دون أن ننسى، أن الغالبية العظمى من الدول التي تعج بالبطالة، لا تتبع نظام الحد الأدنى للأجور، وهي في الوقت نفسه هائمة بملايين العاملين بنظام المياومة، وهؤلاء لا يفتقرون للحد الأدنى من الأجور، بل لكل الحقوق العمالية، بما في ذلك الرعاية الصحية، والتعويضات الواجبة للإصابة في العمل، وغيرها من الحقوق.

تمر دول العالم كلها –بما في ذلك تلك الكبرى الثرية منها- بأزمات اقتصادية طاحنة، وترتفع معدلات البطالة فيها إلى مستويات عالية، وتعاني من الديون الحكومية، لكن الدول الراشدة منها، لا تعمق الأزمات بل تعمل على مواجهتها وحلها، وإذا لم تستطع يتم التخلص من الحكومات فيها، وافساح المجال أمام أخرى. لكن الأمر ليس كذلك في الجمهوريات العربية الأسرية. ففي عز أزمنة الازدهار والنمو، يرتفع عدد العاطلين فيها، ويزداد جموع الفقراء، وتتحرك الطبقات نحو الأسفل. فالطبقة المتوسطة تنتهي، وطبقة الفقراء تتحول إلى ما دون الفقر. حصل هذا في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. فلا عجب إذن، من الثورات التي عمت (وتعم) فيها. قامت الأنظمة في هذه البلدان على الظلم المطلق، وأنفقت عقوداً من الزمن، تحاول أن تبرر الظلم لكي تستمر أطول فترة ممكنة. وعندما واجهت ثورات شعبية عارمة، لم تتردد في استخدام العنف والقسوة والقتل، لا لشيء، إلا لإطالة أمد البقاء. ولو قرأ قادة هذه الأنظمة ما كتبه الفيلسوف الإغريقي سينكا في القرن الأول، لربما فهموا أن الأمور لا تتحسن وفق آلياتهم العبثية الوحشية. ماذا قال؟ "إن الدول القائمة على الظلم لا تدوم أبداً". لقد عرفت شعوبهم، أنه في بعض الأحيان ليس كافياً أن تعرف ماذا تعني الأشياء، بل ينبغي معرفة ما لا تعنيه هذه الأشياء.

الثورات العربية السابقة والراهنة، اندلعت من أجل الحرية والكرامة. فالذين قاموا بها، قد ينتظرون طويلاً، ولكن لا ينتظرون إلى الأبد. والحرية والكرامة، متلازمتان للعيش الكريم، الذي توفره أحقية الحصول على فرص العمل، ليس فقط من أجل كسب العيش، ولكن أيضاً من أجل المشاركة في التنمية التي تقود في النهاية إلى الازدهار. لقد كان الازدهار في هذه الجمهوريات خاصاً جداً، بعدد محدود جداً، على مدى وقت طويل جداً.

الأحد، 29 مايو 2011

فساد متمأسس في بلد بلا مؤسسات











"الرجل الذي يكون أول الصارخين حرامي.. حرامي، غالباً ما يكون سارق الخزنة"
وليام كونجريف كاتب وأديب إنجليزي



محمد كركوتــي

في خطابه الباسم (بل والضاحك) الأول الذي ألقاه أمام ما يسمى بمجلس الشعب، في أعقاب اندلاع الثورة، "أصر" رئيس السلطة السورية بشار الأسد، على أنه لا رجوع عن عزمه على محاربة الفساد في البلاد والقضاء عليه. ضحك –وقتها- كثيراً إلى درجة أنه يمكن أن تتخيل نفسك، في أحد عروض "وان مان شو" أو One man show التي تزخر بها القنوات التلفزيونية الغربية، والتي تعتمد النكتة والفكاهة المحور الوحيد لها، لاسيما مع التصفيق المتواصل لجمهور "ممثلي" الشعب، بمن فيهم، "الممثل" الذي "حسم" الأمر، بأن سوريا أصغر من أن يحكمها الأسد الابن، وأن مصلحة العالم أجمع، هي أن يكون حاكماً للعالم نفسه!

في كل مرة ضحك فيها في خطابه، ودماء المدنيين السوريين الجارية لا تزال ساخنة، كان يصر على محاربة الفساد، ليبلغ "الممثلين" بأن إصراره ليس وليد الثورة، بل يعود إلى زمن وصوله إلى الحكم قبل 11 سنة، وارثاً الجمهورية والشعب معها. ضحكات "القائد"، مع التصفيق مع الأشعار الرديئة مع الكلمات الارتجالية البائسة مع وقوف "الممثلين" إجلالاً وإكباراً لكل كلمة تفوه بها هذا "القائد"، أزاحت التفسير الذي يطلبه الشعب ( والعالم الذي يراقب) من هذا الأخير، للفساد وقوته، وللسرقات وانتشارها، وللنهب ومؤسساته. في ظل هذا المشهد المريع، تم تلخيص الحرب التي أعلنها الأسد الابن على الفساد، بأنها تهدف إلى ردم الفجوة بين المؤسسات الحكومية والشعب، وبعبارة أخرى، تصحيح أخطاء إدارية، ناجمة عن تجاوزات موظفين حكوميين غير مسؤولين، لم يكن "القائد" على علم بها أصلاً! ببساطة، لقد أُفرغ توصيف الحرب من محتواه، حتى قبل أن يُنهي الأسد خطابه في ذلك المجلس الذي لم يشهد وقوف "ممثل" واحد يلفت انتباهه إلى ملاحظة سلبية واحدة. فقد كان الممثلون (وكلهم كومبارس) مشغولين بترديد الهتاف المُعيب "الله سوريا بشار وبس"! ولا أشك في أنهم كانوا يرددونه مقلوباً في قلوبهم. ولو استطاع هؤلاء أن يزيلوا لفظ الجلالة لفعلوا. كما أنني لا أشك في أنهم فكروا في إزالة اسم سوريا من الشعار البائس، لكنهم وجدوا أن "القائد" يحتاج إلى جمهورية يحكمها، فابقوا على اسم البلاد، لضرورة القيادة!

مع إعلان "الحرب" على الفساد، تذكرت واحدة من مقولات الناشطة الاجتماعية البولندية-الروسية إيرنستين روز. ماذا قالت؟ : "عندما يأتيني شخص يحاول إقناعي بأنه ليس سارقاً، أقوم على الفور بحمايتي نقودي". ومعها قال الأديب الأميركي إدوارد هاو "السارق يعتقد بأن الجميع سارقون". فور إعلان "الحرب"، طُرحت في خاطري تلك المقاربات المتعارضة –إن جاز التعبير- من نوع، كيف يمكن لزعيم المافيا أن يتولى قيادة حملة ضد الجريمة المنظمة؟! وكيف سيكون الحال لو تولى الزعيم النازي أدولف هتلر مسؤولية الحرب على العنصرية؟! وكيف سيكون الأمر لو قاد الكوبي فيدل كاسترو جمعيات الصداقة مع الولايات المتحدة الأميركية؟! وكيف سيكون المشهد لو تزعم الإسرائيلي المغمى عليه أرييل شارون حملة لقيام الدولة الفلسطينية؟! هل يمكن تسليم جزار البوسنة والهرسك راتكو ملاديتش مهمة التحقيق في المجازر التي حدثت هناك، والقبض على مرتكبيها؟!

الحقيقة أن الفساد في سوريا، ليس الفساد الإداري الذي حاول "القائد" أن يسوقه وهو في غمرة صدمته من الثورة الشعبية وذهوله من تداعياتها، ولا ينحصر في الفجوة بين المؤسسات الحكومية والشعب، ولا يرتبط بتجاوزات موظفين فاسدين أو انتهازيين أو مرتشين. فهذا النوع من الفساد موجود بنسب متفاوتة بسيطة حتى في الدول الراشدة، مع التأكيد على أنه لا يستمر لفترات طويلة في هذه الدول، بسبب آليات المحاسبة الصارمة، المفقودة منذ قرابة نصف قرن من الزمن في سوريا، وبقية الدول غير الراشدة. لقد ألغى الفساد في سوريا المؤسسات، ومأسس نفسه. إن الفساد المطلق يفرض بصورة طبيعية مطلقة آلياته و "أديباته"، التي تلغي أوتوماتيكياً معايير الأخلاق. هذا النوع من الفساد، يزيل إلى الأبد (على وزن قائدنا إلى الأبد "الأمين" حافظ الأسد) مقومات المجتمع. ليس مهماً وزن الفاسد، لأنه وفقاً لمعايير "الفساد المؤسسي" فإن اللصوص الكبار يقودون مسيرة اللصوص الصغار، والسارق الصغير هو في الواقع موظف (بدون عقد عمل) عند السارق الأكبر. الرابط بينهما هو مفهومهما المتطابق للسرقة، وإيمانهما العميق بأن السرقة هي الرافد الأوحد في ساحة أُفرغت من القيم الأخلاقية والإنسانية. والمريع في المشهد السوري، أن "القائد" روج منذ وراثته للجمهورية والشعب، لما اصطُلح على تسميته "الاقتصاد الاجتماعي"، لكن في الحقيقة كان اقتصاداً نادراً، استحق عن جدارة توصيف "اقتصاد التشبيح"، بعد أن مر على مدى 41 سنة بالمراحل التالية : اقتصاد التفقير (فترة حكم الأسد الاب)، واقتصاد الفقر، واقتصاد ما دون الفقر، في فترة الوارث الذي "صغرت" عليه سوريا ليحكمها!

في مقالي السابق الذي نُشر بعنوان "إكرامية الممانعة 40 مليار دولار"، أشرت إلى أن "اقتصاد التشبيح"، حصر مقدرات البلاد في أيدي مجموعة قليلة من الأسر، في مقدمتها الأسرة الحاكمة- المالكة، بينما حصر "اقتصاد التفقير" هذه المقدرات بأيدي مجموعة من الأشخاص، غالبيتهم من الأسرة الحاكمة، ولا بأس من شخصيات أخرى خارجها لضرورة المشهد. والمثير أن الأسر نفسها شهدت في السنوات الماضية، صراعات على ثروات منهوبة، وعلى نفوذ تجاري واقتصادي واستثماري وخدماتي. فقد ظهر واضحاً أن الصراعات ليست محصورة بين المنهوبين والناهبين، هذا إذا امتلك المنهوبون القدرة على الصراع أصلاً. فعلى سبيل المثال، "قلم" رامي مخلوف (ابن خال الأسد الابن) والمعروف بـ "مصرفي" العائلة الحاكمة- المالكة، أظافر الأقارب، بمن فيهم أقارب "القائد" من الدرجة الثانية ( أولاد العم). وعملية التقليم هذه لم تكن تهدف إلى وضعهم خارج دائرة النهب، بل هدفت إلى تحديد المستوى المسموح لهم بالوصول إليه في عمليات السرقة ووضع اليد والاقتناص القسري. بمعنى آخر، تحديد عدد المليارات التي يُسمح لهؤلاء بنهبها. مخلوف الذي يسيطر على 60 في المائة من الاقتصاد السوري، اتبع كل شيء من أجل تكديس الأموال، بما في ذلك عمليات الاحتيال التي طالت مجموعة كبيرة من المستثمرين العرب والأجانب، الذين دخلوا سوريا بحثاً عن استثمارات مربحة، ليخرجوا منها راضين بالخسائر، بدلاً من قبولهم مخاطر تهدد حياتهم. وقصة رجل المال المصري نجيب ساويرس، الذي سرق منه "مصرفي" العائلة الحاكمة، أكثر من 70 مليون دولار أميركي، لا تزال تتردد في العلن. ولم تنفع الرسائل المفتوحة التي وجهها ساويرس إلى بشار الأسد لاستعادة أمواله.

كيف يمكن لرأس السلطة في سوريا أن يقود حرباً حقيقة على الفساد؟! كيف يمكن له أن يزيح الأسر التي ملَكها مقدرات البلاد من طريق الأمة؟! إن أول الخاسرين في هذه الحرب سيكون هو شخصياً. ولأنه وضع هذه "الحرب" الوهمية ضمن نطاق البرنامج الإصلاحي الذي أعلنه نتيجة للثورة، فإن قيادة هذا النوع من الديكتاتوريات لعمليات الإصلاح، تعني سقوطها على الفور. على بشار الأسد أن يتحمل تبعات ورثة لم تكن من حقه، ولن تكون من حق أي فرد آخر في سوريا.



الاثنين، 23 مايو 2011

"إكرامية" الممانعة 40 مليار دولار

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")











"اللصوص الكبار يقودون مسيرة اللصوص الصغار"
ديوجين فيلسوف إغريقي

 
محمد كركوتــي
 
كما هي الأموال المنهوبة على أيدي النظامين المخلوعين في تونس ومصر، والنظام (أو لا النظام) الليبي السائر نحو الخلع بخطوات واضحة المعالم، كذلك الأموال التي سرقها نظام الأسد الاب والابن، على مدى 41 عاماً، لا أحد يستطيع أن يحدد حجمها، وإن كان بالإمكان الوصول إلى حجم تقريبي لها، على أساس استعراض آليات النهب والفترات الزمنية لعمليات السرقة، والقطاعات التي أنتجت هذه الأموال. والحقيقة أن هذا النوع من الأموال، لا يعرف حجمه التفصيلي حتى السارقون أنفسهم، كما أنه لا يعرف استقراراً، لكي يتسنى لمن يريد تعقبها، القيام بجدولتها للوصول إلى الحجم الحقيقي لها. فاللصوص الذين يعرفون كيف يسرقون بلاداً بأكملها بشعوبها ومقدراتها، هم أكثر الخبراء قاطبة براعة في إخفاء ما يريدون إخفائه من مسروقاتهم، ويعرفون أيضاً أفضل الأماكن لتكديس الأموال، من "تحت البلاطة" إلى سندات حكومية في قلب الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من البلدان التي تبيع سنداتها، ومن خزائن تختفي خلف رفوف من الكتب الأخلاقية والعلمية والأدبية، إلى أسهم في أكبر الشركات والمؤسسات العالمية، ومن جيوب لا منافذ لها، إلى استثمارات في دول تحكمها أشد القوانين الاستثمارية نزاهة. لقد أثبتت الفضائح القليلة التي فاحت حول جزء من الأموال المنهوبة، أنه لا فرق بين دولة مارقة تستقطب الأموال القذرة، وبين دولة راشدة "تدقق" في مصادر الأموال "المسكوبة" فيها، وتسن القوانين "الثورية" لملاحقتها! وهنا تتساوى "شبه دولة" كـ إمارة ليختنشتاين ودويلة مثل كايمن آيلاند وجزر متناثرة كـ موريشيوس، مع دول كبرى كبريطانيا وإيطاليا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا! لا أتحدث هنا عن الأموال الملوثة بكل شيء عدا النزاهة (وهذه تقدر بأرقام خيالية)، بل أتناول الأموال التي اقتنصت قسراً من الشعوب مباشرة، ولا تقل هولاً من حيث حجمها عن الأولى. بل أن بعض الثانية يمتزج في بعض الأولى.

ولأن أحداً لن يستطيع تحديد حجم الأموال المنهوبة من الشعوب، على الأقل في المرحلة الراهنة، فإن التقديرات المتفق عليها، أن بن علي وأسرته نهبوا 40 مليار دولار أمريكي، كمكافأة نهاية الخدمة، ومبارك وعائلته ''كوشوا'' على 70 مليار دولار كـ ''أتعاب'' رئاسة، وسفاح ليبيا نفح نفسه وأولاده وزوجته المفضلة بـ 120 مليار دولار، كـ ''أجرة'' على قيادة الثورة! أما "قائد" الممانعة والمقاومة والعروبة بشار الأسد وقبله والده حافظ، فقد حصل حتى الآن على ما بين 30 و40 مليار دولار، كـ "إكرامية" لـ "قيادته" سفينة القومية! وحرصاً على النزاهة في الطرح، فهذه الأرقام الفلكية في بلد كسوريا، اتفقت حولها جهات معارضة للسلطة، مع بعض المؤسسات التي لا يربطها بسوريا ولاء أو معارضة. ويرى البعض أن 30 أو 40 مليار دولار، هو أقل مما قد تكون الأسرة الحاكمة-المالكة في سوريا، قد جمعته على مدى أكثر من أربعة عقود. مستندين في ذلك إلى أن محمد مخلوف خال الأسد الابن، تمكن من تكديس ما بين 12 و15 مليار دولار. فإذا كان الخال لوحده اقتنص هذا الكم الهائل من الأموال، فهل تكون أموال "قائد" الممانعة، إلا ضعف أو ربما أضعاف هذه المبالغ؟ وهل تكون أموال مخلوف مثلاً، أكثر من أموال الأخ الأقوى السيء الصيت والسمعة ماهر الأسد؟ أو الصهر العنيف آصف شوكت أو أبناء أعمام "القائد"؟ وإذا تمكن نائب الرئيس السابق رفعت شقيق حافظ الأسد وبطل مجازر حماة وحلب في الثمانينات، قد خرج من سوريا في منتصف العقد الثامن من القرن الماضي، بـ "مكافأة" نهاية خدمة بلغت 3 مليار دولار، عندما كانت سوريا تعيش اقتصاد التفقير، فهل يعقل أن تكون ثروة "قائد" المقاومة أقل من عشرة أضعاف في ظل "اقتصاد التشبيح"؟! مهلاً.. مهلاً، كيف ينسى المتابعون للأموال التي نهبها عدي وقصي نجلا الرئيس العراقي "المغوار" صدام حسين، وقاما بتهريبها إلى سوريا؟ هذه لوحدها، ثروة منهوبة مرتين، من الشعب العراقي ومن ناهبيها الأصليين!

الأسئلة في هذا المجال كثيرة، طالما أنه لا توجد لوائح وبيانات لحسابات الناهبين. فالكشف يعني ببساطة الإدانة الفورية لهم. فكيف يمكنهم أن يورطوا أنفسهم بكشوفات؟ لكن السؤال الذي يُطرح، بعيداً عن حجم المسروقات هو: أين تتكدس الأموال السورية المنهوبة بما في ذلك الجانب العراقي منها؟ الجميع يعلم أن قيام الولايات المتحدة بتجميد أرصدة الأسد الابن وأعوانه كنوع من العقاب على قتل شعبه بدم بارد، لا قيمة لها من الناحية العملية. لها قيمة رمزية فقط. وكذلك الأمر مع الخطوة الأوروبية. لماذا؟ لأن جزءاً كبيراً من الأموال المنهوبة تم نقلها في العام 2005 من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، استباقاً لأي خطوة دولية باتجاه تجميد الأرصدة. وقبل أن تجمد وزارة الخزانة الأميركية في العام 2008 أموال رامي مخلوف ابن خال الأسد الابن و"مصرفي" العائلة الحاكمة-المالكة، كانت الأموال السورية المنهوبة، قد سُحبت من البلدان التي يمكن للولايات المتحدة أن تؤثر عليها. مرة أخرى لا تأثيرات حقيقية للقرارات الأميركية والأوروبية على الأموال المسروقة. وكانت سخرية مخلوف من هذه القرارات مفهومة. والشيء نفسه ينطبق على القرارات المماثلة بحق آصف شوكت صهر رئيس السلطة السورية، ومحمد ناصيف وغيرهما من أولئك الذين دارت حولهم الشبهات بتورطهم المباشر في عملية اغتيال الحريري.

نُقلت الأموال إلى أشباه الدول والدويلات وعدد من الدول العربية، فضلاً عن بعض الدول الآسيوية التي لا تزال فيها مساحات للاحتيال على القانون الدولي، لاسيما بعد أن شددت الدول الكبرى، في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية الإجراءات الخاصة بالأموال المنهوبة والقذرة الباحثة عن "مصابغ" لتنظيفها. بالإضافة إلى ذلك، فقد تجمع جزءاً لا بأس به من الأموال المنهوبة في سوريا، طبعاً دون أي أثر إيجابي لها على الاقتصاد الوطني، الذي استطاع رامي مخلوف (البالغ من العمر 35 سنة) لوحده أن يسيطر على 60 في المائة منه. وربما تكفي الإشارة هنا، إلى أن الدخل السنوي لمخلوف من الأسواق الحرة وعمليات التهريب يصل إلى 500 مليون دولار أميركي، وهذه مبالغ ضائعة من خزينة الدولة. يضاف إلى ذلك، الأموال التي نُهبت على مدى عقود من جراء "وحدة الفساد والسرقة" اللبنانية-السورية، عندما كانت دمشق تقرر المصير اليومي للبنان. ووفق هذه التداعيات الدرامية المالية، سيكون من الصعب على الشعب السوري استعادة أمواله المنهوبة، حتى لو أُطلقت ملاحقات محلية وإقليمية ودولية للسارقين. والأمر لا يختلف كثيراً في بلدان مشابهة أو متطابقة مع سوريا.

وضعت الثورات التي شهدتها تونس ومصر، وتشهدها ليبيا وسوريا، قضايا الأموال المنهوبة في عين الأضواء. وهذا أمر طبيعي. فالطغاة يحسبون أنهم يمتلكون شعوبهم، فما الذي يمنعهم من امتلاك أموال الشعوب ومقدراتها أيضاً؟ ولكن السؤال الأهم هو: هل يستطيع السوريون ومعهم أشقائهم المصريين والتونسيين والليبيين، استرجاع أموالهم المنهوبة؟ وللتذكير –حسب التقديرات المتداولة- يصل حجم الأموال التي نُهبت من هذه الشعوب إلى 440 مليار دولار أميركي. دون أن نضيف الخراب الذي خلفه الناهبون في بلدانهم.

لا شيء يمكن أن يُعبر عن هذا المشهد الذي يدعو إلى الغثيان، سوى الذهول. وأعود إلى الجانب السوري. فالمعركة المقبلة أمام كل السوريين الآن، هي انتزاع حقوقهم المالية والمعيشية المسروقة، بعد أن يتنزعوا كرامة، أراد لها "قائدا" الممانعة الأول والثاني الزوال إلى الأبد، عن طريق الشعار البائس والمشين والمريع (قائدنا إلى الأبد "الأمين" حافظ الأسد).

الاثنين، 16 مايو 2011

امتلك جمهورية واحصل على شعب هدية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")









"المبدأ الأول عند اللصوص، أن لا شيء يصغر على السرقة"
جيمي بريسلين صحافي ومؤلف أميركي




محمد كركوتــي


امتلك بشار الأسد الجمهورية السورية عام 2000، وارثاً البلاد عن والده حافظ الأسد الذي امتلكها على مدى ثلاثين عاماً. أراد الأب أن يكرم الابن، فمنحه الشعب السوري كهدية مع "عقد" الملكية، الذي أُريد (بل وخطط) له أن يكون أبدياً. تمت عملية التوريث، على المبدأ التسويقي المعروف "اشتر واحداً تحصل على آخر مجاناً"، مع ضرورة الإشارة هنا، إلى أن الأسد الأب لم يشتر الجمهورية، بل سرقها. فجأة وجد الأسد الابن (الذي لم يكن مطروحاً للتوريث أصلاً، لكن مقتل شقيقه الأكبر باسل، في حادث فاخر بسيارة لامبورجيني، جعله الوريث الوحيد)، مالكاً لأمة بأكملها، تماماً مثلما كان الإقطاعي في السابق يملك الأرض الزراعية ومن عليها من بشر. كان على الابن، أن ينظم ملكيته وفق المعطيات الجديدة، والتأثيرات الخارجية، وحسب المستجدات المتلاحقة أيضاً، خصوصاً وأن الشعب الذي حصل عليه كهدية، ليس ساكن التكوين، ولا جامد العدد. إنه يتزايد على مدار الساعة، مثل بقية الشعوب، تماماً كما الأرصدة المالية المتعاظمة لرجال الأعمال الجدد، الذين – كما الابن المُفاجَئ بملكيته- وجدوا أنفسهم فجأة يحملون هذا التوصيف، ويملكون ما لا يحلمون به. وقفوا يرددون العبارة المعروفة "هل نحن بحلم أم بعلم؟". وبلا جهد في العثور على جواب، "إنهم بعلم".

في مقالي السابق الذي نُشر بعنوان "سوريا.. اقتصاد الفقر أو ما دونه"، أشرت إلى أن البلاد مرت باقتصادين اثنين، الأول اقتصاد التفقير في عهد الأب، والثاني اقتصاد الفقر في عهد الابن. وأبقى في عهد الابن المتداعي، للحديث عن أن سوريا انتقلت من "اقتصاد ما دون الفقر" إلى "اقتصاد التشبيح". وهو مشتق من شبيح، وجمعه "الشبيحة" التي هي التعبير المرادف لـ "البلطجية" في مصر، و"البلاطجة" في اليمن، و"المرتزقة" في ليبيا. والحقيقة أن كل هذه المرادفات تجتمع تحت سقف التوصيف الأشمل وهو "قُطاع الطرق"، وهو بدوره المرادف الأقرب لـ "المافيا" في العصر الحديث. فكل شبيح وبلطجي ومرتزق، هو في الواقع آل كابون، مع فارق واحد، وهو أن هذا الأخير كان يسرق من الأمة، بينما الآخر سرق الأمة نفسها! أي أن هناك بعض النقاط الإيجابية لزعيم المافيا الشهير يمكن أن تُحسب له، مقارنة بزملائه في سوريا.

اقتصاد التشبيح هذا، يمكن تعريفه بأنه "يقوم على سرقة المال العام والخاص، وامتلاك عدد محدود جداً من الأشخاص، لمقدرات البلاد بما في ذلك المستقبلية منها، من خلال عمليات الترهيب لا الترغيب، باستخدام وسائل حديثة، لتطبيق قوانين الخارجين عن القانون". مرة أخرى هو اختصاراً "اقتصاد قُطاع الطرق"، ولكن بدون أقنعة. فعندما تمتلك القوة المطلقة، لا يعود للأقنعة أي معنى، بل على العكس تماماً، تعطي الانطباع بأنها من رموز الضعف. لا يقوم اقتصاد التشبيح إلا على الشبيحة، وكلما كان هؤلاء قريبون ومقربون من مالك الجمهورية والشعب، كلما كانت هناك أدوات قوية لاستمراره أطول فترة ممكنة، ولا أقول إلى الأبد (على وزن قائدنا إلى الأبد "الأمين" حافظ الأسد)، لأننا نعلم من التاريخ، أنه لم يظهر دخيل أو طاغية أو سارق استطاع أن يمتلك شعباً بأكمله بالخوف والقوة والسلاح إلى الأبد. ومن أشد المخاطر التي تهدد اقتصاد التشبيح، أن تتوسع دائرة الشبيحة. ولذلك فقد ظل الاقتصاد في سوريا، حكراً على عدد من أسرة القائد "المُلهَم"، ومن بعض الأسر المرتبطة بصلة الدم، وعدد محدود جداً من الأسر، التي تؤمن بصورة مذهلة، بأن سوريا أصغر من أن يحكمها "المُلهَم".

لنلق نظرة على هويات الأسر التي يقوم عليها هذا النوع من الاقتصاد المريع. الأسد، مخلوف، الأخرس، طلاس، شوكت، شاليش، حيدر. ولا بأس بعدد قليل جداً من الأسر التي ساهمت في مرحلتي اقتصاد التفقير وما دون الفقر، وذلك لإعطاء الصورة أكبر قدر ممكن من الشمولية. ولم تشمل قائمة الأسر عائلة عبد الحليم خدام نائب الرئيس المنشق، فقد كانت هذه الأسرة فاعلة من مرحلة اقتصاد التفقير فقط، وفترة قصيرة من مرحلة اقتصاد ما دون الفقر. ولأن هناك نخبة حتى ضمن نخبة اقتصاد التشبيح، فقد تصدرت عائلة الأسد المشهد كاملاً، من خلال رامي مخلوف (ابن خال بشار الأسد)، الذي يسيطر على 60 في المائة من الحجم الكلي للاقتصاد السوري، والذي يعتبر "مصرفي" العائلة الحاكمة. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تكون أولى صحيات الانتفاضة السورية التي تحولت إلى ثورة حقيقية، هي عزل مخلوف ومحاكمته على سرقاته، وكان المشهد بليغاً في مدينة اللاذقية –على سبيل المثال- التي ترزح تحت أكبر حصار أمني وعسكري صامت، عندما قام المنتفضون، بإحراق أحد فروع شركة " سيرياتيل" للاتصالات الخليوية المملوكة لمخلوف، في الأيام الأولى للانتفاضة. ماذا يقول "مصرفي" العائلة الحاكمة: "إن الهجوم الذي أتعرض له، ليس سوى غيرة من نجاحاتي"! وهل يستطيع أن يقول غير ذلك؟

ولم يجد رامي مخلوف –مثلاً- غضاضة في أن يتحدث عن وحدة الأسرة وأهميتها حين قال في حواره الشهير مع جريدة "نيويورك تايمز" الأميركية: "إن النخبة الحاكمة في سوريا تكاتفت أكثر بعد الأزمة، وعلى الرغم من أن الكلمة الأخيرة هي للأسد، إلاّ أنه يتم وضع السياسات بـقرار مشترك". وعلى طريقة تحليل رؤساء العصابات للأوضاع، عندما يتعرضون للمخاطر الحتمية، يقول مخلوف: "نؤمن بأنه لا استمرارية من دون وحدة. وكل شخص منّا يعرف أننا لا يمكن أن نستمر من دون أن نكون موحّدين. لن نخرج ولن نترك مركبنا ونقامر. سنجلس هنا. نعتبرها معركة حتى النهاية. يجب أن يعلموا أننا حين نعاني، لن نعاني لوحدنا"! إنه بلا شك تهديد واضح لأمة بأكملها، تتطابق مع التهديدات التي أطلقها سفاح ليبيا معمر القذافي وأبنائه ضد الشعب الليبي. لن أتناول هنا، استجداء مخلوف لإسرائيل عندما قال :"إن استقرارها هو من استقرار الوضع في سوريا". فهذا لوحده يحسم الأوهام التي نشرها الأسد الأب والابن، في أوساط السوريين والعرب، وبعض من العالم، بأن سوريا تمثل قلعة الصمود ضد الدولة العبرية.

إذا أردنا أن نحدد بؤر السيطرة على الاقتصاد السوري من خلال اقتصاد التشبيح، نصل إلى النتيجة التالية: 60 في المائة للأسرة الحاكمة-المالكة بإدارة رامي مخلوف، 20 في المائة للأسر المرتبطة معها بروابط الدم، 15 في المائة للأسر المقربة، 5 في المائة لأولئك الذين كانوا قبل اقتصادات التفقير والفقر وما دونه والتشبيح، من الرأسمالية الوطنية، التي ارتضت بأي شيء لكي تستمر، وهي في الواقع تقوم –بإرادتها- بعمليات بائسة لتجميل الصورة القبيحة.

في أحد الحوارات التلفزيونية التي أُجريت معي مؤخراً حول الوضع المتداعي في سوريا، وجهت المذيعة إلي سؤالاً جاء على الشكل التالي: "لماذا لا يعطي السوريون الأسد فرصة لمحاربة الفساد، لاسيما وأنه تعهد بمحاربته في خطابه الأول الذي تلا الثورة عليه؟"، وكان جوابي، أن ذلك يشبه أن يُكَلف آل كابون بمهمة محاربة الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة الأميركية. إن أول ضحية للحرب على الفساد، ستكون بالتأكيد العائلة الحاكمة- المالكة لسوريا والسوريين.





الأربعاء، 11 مايو 2011

الإعلاميون التلقائيون

(المقال خاص بمجلة "جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج")










"الصحافة هي المسودة الأولى للتاريخ"
أحد الصحافيين المجهولين




محمد كركوتــي

لا شيء يقف أمامهم. لا السلطات ولا القوانين ولا الإجراءات. لا شيء يعطل نشاطهم وحراكهم، مهما كانت الظروف قاسية. بل إن حراكهم لا يتفاعل بصورة كبيرة إلا في الظروف الصعبة والقاسية. إنهم يقفون –بدون أن يعلنوا ذلك- في وجه قانون صارم، أو قيود تكتسب في الكثير من الأحيان صفة الحديدية. إنهم يقدمون الحقيقة كما هي، بدون رتوش أو عمليات تجميل أو مقصات القطع، أو أقلام الشطب. هم لا يعرفون المقاييس المهنية، إلا أنهم يفهمون المقاييس الواقعية، ويؤمنون بأن هذه الأخيرة، تلغي كل الاعتبارات والتأويلات و"الفذلكات" المهنية. لماذا؟ لأنهم ينقلون الحقيقة كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون. هم يعترفون بأن ما ينقلونه عن طريق الاحتيال على القوانين الصارمة، غالباً ما يكون صادماً ومؤثراً ومبكياً، لكنه في النهاية، هو الواقع الذي يستحيل تجاهله، ويصعب الادعاء بعدم وجوده، وبالتالي لا يمكن الهروب منه إلى الأبد. فهذا الواقع هو في الحقيقة تاريخ معاش، لا يلبث أن يتحول إلى تاريخ معاصر، وبعدها إلى تاريخ من حق الأجيال القادمة أن تعرفه وتدرسه، وتستخلص العبر منه. هو حق للبشرية جمعاء، لأنه بشري التكوين، سلوكياً وإنسانياً وأخلاقياً. ومهما بلغت الآلة المانعة له من قوة، فإنها ليست قادرة على ممانعته حتى النهاية. فالحقائق، قد تؤجل، لكنها لا تُمحى، والواقع قد يُهمش، لكنه لا يُزال. ويسجل التاريخ، قيام قوى (قيل أنها لا تقهر)، بإزالة الحقائق وتدمير الواقع، لكن أدوات الحقيقة كانت أقوى، وآليات الواقع كانت أشد، من أن تزول عن الساحة، وتُمحى من الذاكرة. وفي التاريخ الحديث، فعل ذلك النازي الألماني أدولف هتلر، والفاشي الإيطالي بيتينو موسوليني، والشيوعي السوفييتي جوزيف ستالين. لكن الحقائق، وضعت كل واحد من هؤلاء في المكان الذي يستحقه من التاريخ.

هؤلاء الذين لا يقف شيء أمامهم، ليسوا سوى أشخاص عاديون، أرادوا أن يمارسوا الإعلام التلقائي –إن جاز التعبير- عن غير قصد في أغلب الأحيان، من خلال نقلهم للأحداث في أماكن يصعب وصول الإعلاميين المهنيين إليها، في وقت الأزمات وغيرها، وفي أزمنة المحن والمصائب. إنهم "المراسلون التلقائيون"، المتسلحون بأقل الهواتف تطوراً، وأكثر الأحداث تلاحقاً. ليس مهماً أن تكون كاميراتهم عالية الجودة، المهم أن تكون الصورة من قلب الحدث، لاسيما في المواقع التي يفرض عليها حصار إعلامي، يجرم الصحافي- المراسل، كما يجرم المجرم القاتل. وإذا كان بالإمكان تحديد عدد الصحافيين – المراسلين حول العالم، فإنه يستحيل الوصول حتى إلى عدد تقريبي لهؤلاء. فكل من يحمل هاتفاً نقالاً بكاميرا بسيطة، هو في الواقع مراسل. وفي الأحداث الجسيمة، مثل تلك التي يشهدها غير بلد عربي، يقدم المراسل التلقائي، خبطة في كل لقطة، ويعرض على العالم، الحقيقة بعمقها وألمها وتأثيرها. وفي حوار تلفزيوني أُجري معي على قناة "الحرة"، طُرح موضوع الإعلام في ظل منع المراسلين من العمل في بعض الدول التي تشهد أحداثاً جسام. وأتذكر أنني قلت: "علينا أن نعترف ببعض الفضل لحكومات هذه الدول، لأنها عندما تمنع مراسل من دخول البلاد أو العمل فيها، فهي توفر أرضية لكي يعمل ألف مراسل تلقائي". إذا كانت تستطيع أن تمنع مراسلاً قادماً إلى البلاد بأوراقه ومعداته من الباب، فإنها ستفشل حتماً في منع المئات –وربما الآلاف- من المراسلين التلقائيين الذين يعملون تحت الأرض وفوقها، ولا يحتاجون لأبواب أو حتى نوافذ للولوج منها.

يقول الكاتب والصحافي الأميركي جون هيرسي: "الصحافة تسمح لمتابعيها ليكونوا شهوداً على التاريخ، والرواية تمنح متابعيها الفرصة لكي يعيشوا فيها". وفي غمرة الأحداث الجارية على الساحة العربية، قال مراسل صحافي يعمل في لبنان لإحدى وسائل الإعلام الأجنبية :"إن عملنا الصحفي صار عبارة عن نفايات لا قيمة له"، لماذا؟ لأن الهواتف النقالة المزودة بالكاميرات، التي يحملها الملايين، تزود مواقع الانترنت المتخصصة وغير المتخصصة بالأحداث المصورة لحظة بلحظة. ويقول هذا الصحافي :"لم يعد الأمر يقتصر على تسريب معلومات من السهل القول إنها محض شائعات أو حتى افتراءات، عندما لا نرى آثارها على أرض الواقع، بل صارت المعلومات مدعمة بصور فيديو من الهواتف، تُبث على الانترنت وتتلقفها القنوات التلفزيونية بسرعة تتجاوز الزمن اللازم لتحرك المراسل على الأرض للتحقق من حصولها". هذا إذا سُمح أصلاً للمراسل بالوصول إلى موقع الحدث. والحقيقة أن عشرات القنوات التلفزيونية خصصت ساعات بثها كلها، لفيديوهات المراسلين التلقائيين، بينما اعتمدت قنوات مهنية شهيرة عربية وأجنبية عليها في نشراتها الإخبارية، لكي تُملئ النقص المريع في المادة المصورة لديها.

وحتى في زمن الهدوء، وسماح السلطات في بعض الدول، لعدد محدود من المراسلين في العمل على أراضيها، اتبعت بعض القنوات المتطورة، نظاماً يمكن أن يطلق عليه اسم "المراقبون" أو "المتابعون"، وهو يقوم على تعاون هذه القنوات، مع أشخاص عاديين يُمنحون هذا التوصيف، عن طريق تزويدها بتسجيلات وصور ومقاطع فيديو وشهادات، تدعم القضايا التي تطرحها القنوات المذكورة، وفي بعض الأحيان، تساعد المواد الآتية من المراسلين التلقائيين، المشرفين على القنوات بطرح قضايا جديدة وبأبعاد جديدة وواقعية. أما في زمن الأزمات والأحداث –لاسيما المأساوية المتلاحقة- فإن الأمر يصبح أكثر إلحاحاً بالنسبة للقنوات التلفزيونية كلها. ولأن المراسلين التلقائيين يوفرون مادة خام مائة بالمائة، فقد تحولت القنوات التي تضطر لاستخدام هذه المادة، والتي تتبع معايير البث المهني، إلى صالات لتحرير المادة وانتقاء ما يصلح منها للبث. وهي في ذلك لا تواجه مشاكل، لأن المادة حجم المادة المتوفرة كبير جداً، لا يمكنها حتى احتوائه.

لقد كرست الأحداث المتفاعلة على الساحة العربية، حقيقة أن الإعلام ليس حكراً على الإعلاميين، وأنه قطاع مفتوح لكل من يرغب في المساهمة فيه، خصوصاً فيما يرتبط بنقل الأحداث تلفزيونياً. صحيح أن هناك معايير مهنية، ليست متوافرة عند المراسلين التلقائيين، ولكن الصحيح أيضاً، أن المادة الخام التي يصعب توفرها، لا تترك مجالاً لعمل الإعلاميين الحرفيين. يضاف إلى ذلك، أن الوسيلة الإعلامية هذه أو تلك، ليس بمقدورها أن تتواجد في كل مكان، مهما بلغ شأنها وقدرتها على تجنيد المراسلين العاملين فيها، الأمر الذي يدفعها للجوء إلى "إنتاج" المراسلين التلقائيين، حتى في الأزمنة والأمكنة المستقرة، فكيف الحال بالأزمنة والأمكنة المضطربة؟

استطاع المراسلون التلقائيون، أن يتجاوزا كل الحواجز، وأن يعززوا دورهم في نقل الحقيقة كما هي، وأن يكونوا شهداء موَثقون للتاريخ. استطاعوا أن يعملوا في أماكن مليئة بالعيون ولكنها لا ترى، وأن يعيشوا أوقاتاً تشهد أحداثاً (مرعية في غالبيتها). احتل هؤلاء مكان "الشاهد الملك"، في أماكن مُنع فيها الشهود. أماكن، حاول المسيطرون عليها، أن يقنعوا العالم بأن ما يجري من أحداث جسام، ليست سوى مهرجانات "شم النسيم"، مليئة بالفراشات والطيور الجميلة. أراد المسيطرون أن يقولوا للعالم: لا تصدقوا من يقول لكم إن هناك جثثاً على قارعة الطريق، وهناك أنيناً في الزوايا، وهناك مصائب في الأرجاء!

لم يبدأ عصر المراسلين التلقائيين بالأمس، لكنه كرس وجوده أكثر، مع كل حصار إعلامي، وكل منع لصحافي. هؤلاء لا يصنعون الحدث، إنهم يوثقون لتاريخ، أراد البعض له أن يكون بلا أيام وبلا أحداث وبلا وقائع، بل.. وبلا ضمير.


الاثنين، 9 مايو 2011

سوريا.. اقتصاد الفقر أو ما دونه

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")









"الطغاة كالأرقام القياسية، لابد من أن تتحطم في يوم من الأيام"
محمد الماغوط كاتب وشاعر سوري

 
 
 
 
محمد كركوتــي
 
عاش الشعب السوري (ولايزال)، بين رحى اقتصادين اثنين لا ثالث لهما. الأول سَحق ببطء حتى ما بعد الرمق الأخير، والثاني طَحن بسرعة حتى ما بعد النهاية. الاقتصاد الأول الذي ابتكره حافظ الأسد، حوَل الشعب بأكمله، إلى رعية لا تستحق العيش، إلا من أجل استكمال الصورة، أو المعادلة. أي أن وجود القائد المُلهَم، لا يستمر إلا بوجود شعب يعيش على كرم القائد، لا على مقدرات ومكتسبات الشعب نفسه. فإذا حصل فرد من أفراد هذا الشعب على حفنة من الرز، فهذا يعني أن القائد ليس ملهَماً فحسب، بل هو مجبول بالرأفة والكرم والحنان! وإذا حصل تلميذ على كتاب مدرسي مجاني، هذا يعني أن أبوة القائد، طافحة بصورة لا يمكن السيطرة عليها! وإذا تمكن مواطن من الحصول على علبة دواء لابنته المريضة، هذا يؤكد "تسونامية" إنسانية القائد! بدون القائد الملهَم، لا حياة في الحياة نفسها، ولا مستقبل للغد، ولا ماض للأمس. ولو كانت لحافظ الأسد القدرة على امتلاك الحياة فيزيائياً، لنظم توزيع الأوكسجين إلى رئات الشعب، في مهرجان من الكرم على مدار كل الدقيقة. كان الاقتصاد السوري في عهد الأسد الأب، اقتصاد التفقير، تمكن من خلاله أن يربط لقمة المواطن ودوائه وتعليمه وتفاصيل حياته، به شخصياً. وعندما يكون الأمر على هذا الشكل المريع، يكون وصول الإنسان إلى العزة والكرامة، بنفس سهولة الوصول إلى الفوهات السوداء في عمق الكون!

لم يخرج الشعب السوري من اقتصاد التفقير، إلا ليدخل في اقتصاد ما دون الفقر. وهو اقتصاد مبتكر، تمأسس فيه الظلم والحرمان، بعدما تمأسس الفساد والنهب والسرقة، بصورة دفعت حتى الجهات الدولية المحايدة، إلى "ممارسة" الدهشة كلما استعرضته، وإلى "هز رأسها" حيرة وصدمة، كلما تعاطت معه. فبعد أن ورث بشار الأسد الابن الجمهورية والشعب في آن معاً من والده، وجد أن الأوقات تتغير بشكل يصعب معها استمرار اقتصاد البلاد تحت مظلة هائلة من الفساد الفردي. وفي هذه الحالة لم يجد أمامه سوى مأسسة الفساد، للتناغم مع التطورات المحلية والدولية. فالمؤسسة الفاسدة توفر أجود أنواع الحصانة لكل شيء مشين، كما أنها تعطل أو تؤخر، وفي بعض الأحيان تحمي إلى الأبد، الفاسدين أو الناهبين أو السارقين أو المختلسين، إلى آخر المفردات المشينة التي تنتهي بـ "بالياء والنون". في مقالي السابق الذين نُشر بعنوان (في سوريا كل شيء قابل لـ "البزنس")، قلت: "في مرحلتي الأسد الأب والابن، تاهت سوريا، بين اقتصاد مغلق من دون باب، وبالتالي لا معنى لوجود ملايين المفاتيح، واقتصاد بباب مغلق، له مفاتيح قليلة جداً، في أيدي أشخاص قليلين جداً، 'عُينوا' في مناصب رجال أعمال". في ظل الاقتصاد الثاني، وبعد أن أحكم رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد قبضته على اقتصاد البلاد، وسيطر على 60 في المائة من الحجم الكلي لهذا الاقتصاد، وصلت سوريا إلى أدنى المستويات العربية والعالمية، في كل شيء تقريباً، بما في ذلك الأمن والأمان. فكثيراً ما نسمع تصريحات لمسؤولين في السلطة السورية، يفاخرون بأن البلاد تتصدر المراتب الأولى في الأمان الشخصي. وهذا طبعاً قبل أن تجند السلطة القناصة في قلب المدن السورية، لاصطياد البشر.

ووفقاً لمنظمة الشفافية الدولية، فقد تصدرت سوريا في تقرير المنظمة السنوي قائمة الدول العربية الأكثر فساداً على الإطلاق. من تفوق عليها في الفساد على الصعيد العالمي؟ لنتأمل قليلاً هذه الدول: الصومال وأفغانستان وايران وليبيا واليمن وهايتي والكاميرون وساحل العاج والنيبال والباراغواي. لا عجب، فكل هذه الدول لم تعش في التاريخ المعاصر إلا فساداً. حتى تونس ومصر اللتان اعتمدتا الفساد كـ "خيار استراتيجي" في عهد المخلوعين زين العابدين بن علي وحسني مبارك، تقدمتا على سوريا بأشواط طويلة جداً في النزاهة. ولأن السلطة في سوريا (ولا أقول النظام، لأن النظام فقد توصيفه مع مقتل أول مدني على أيدي قوات السلطة)، تشكك بكل شيء، فأنا أنقل هنا عن دراسة محلية سورية للدكتور فريد خليل الجاعوني من كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، نُشرت العام الماضي، أثبت فيها أن سوريا تحتل المرتبة الـ 19 في مكافحة الفساد، في قائمة الدول العربية التي يبلغ عددها 22 دولة! وفي العام الماضي، احتلت سوريا (وفقاً لإحصائية لموقع "هيرتيج" المتعاون مع صحيفة "وول ستريت جورنال" الاقتصادية الأميركية) المرتبة 140 في قائمة ضمت 180 دولة، فيما يرتبط بالحرية الاقتصادية. وحسب الإحصائية، فقد جاءت سوريا بعد كل من جيبوتي وموريتانيا!

لن أتناول هنا، مؤشر حرية الصحافة التي بلغ فيه ترتيب سوريا 165 من أصل 175، ولا مؤشر الديمقراطية التي احتلت فيه المركز 152 من أصل 167 دولة، وتقدمت عليها كل من أفغانستان وكوبا وأريتيريا والإمارات والبحرين والكويت. ولا مرتبتها في عدد مستخدمي الانترنت التي بلغت 128 من أصل 215 دولة، ولا عن جامعة عريقة كجامعة دمشق التي بلغ ترتيبها عربياً 75 وعالمياً 5900، ولا من مستوى الأمان، حيث "تمكنت" سوريا من احتلال المركز 115 على مستوى العالم، وتقدمت عليها الغالبية العظمى من الدول العربية. في عهد اقتصادي التفقير (الأب) والفقر أو ما دونه (الابن)، انغمست سوريا في حالة ممانعة للتنمية والتطور، وتصدت لأي شكل من النمو التلقائي. لماذا؟ لأن اقتصاد التفقير والفقر، صاحبه "اقتصاد الأسرة"، التي جيرت مصالح أمة بأكملها، لتختصرها في مجموعة من الأشخاص، يقررون مصيرها نيابة عنها في كل شيء. أشخاص قرروا أنهم يعرفون مصلحة الفرد أكثر منه، بل ووضعوا هذه "المعرفة" ضمن نطاق مؤسسي!

في اقتصاد الفقر أو ما دونه، بلغت نسبة السوريين الذين لا يستطيعون تلبية احتياجاتهم الأساسية 35 في المائة، وهؤلاء يعيشون –حسب المعايير العالمية- تحت خط الفقر في حده الأعلى، وهناك 13 في المائة يعيشون في فقر مدقع، أي أنهم لا يستطيعون تلبية أياً من احتياجاتهم الأساسية. وفي هذا الاقتصاد، هناك 49 في المائة من السوريين دون الثلاثين من أعمارهم عاطلون عن العمل. وتصل نسبة البطالة الكلية إلى 22 في المائة. وطبقاً لمحللين مستقلين دوليين –غير مندسين أو متآمرين- فإن انتشال أولئك الذين يعيشون تحت خط الفقر، لا يحتاج إلا إلى 200 مليون دولار أميركي فقط. لكن الواضح، أن اقتصاد ما دون الفقر، يعجز عن توفير هذا المبلغ، على الرغم من أن دخل سوريا من النفط لوحده يصل إلى 3 مليارات دولار أميركي. وإذا قبلنا بالحجج التاريخية، بأن أموال النفط تذهب إلى التسلح، لمقاتلة العدو الذي يجلس هادئاً آمناً عن الطرف الآخر من الحدود، فإن جزءاً بسيطاً جداً من عمولات الأسلحة، تكفي ليس فقط لانتشال الفقراء من فقرهم المدقع، بل أيضاً لتشغيل مئات الآلاف من العاطلين عن العمل. أليس اقتصاد الفساد الموازي للاقتصاد الوطني في عهد الأسد الأب، الذي تقدم على "الوطني" في عهد الأسد الابن، جزء لا يتجرأ من الاقتصاد الكلي للبلاد؟ ليمنح الذين أُفقروا قسراً، شيئاً من مسروقاتهم.

الاثنين، 2 مايو 2011

في سوريا كل شيء قابل لـ "البزنس"

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"الظلم في أي مكان، يهدد العدالة في كل مكان"
مارتن لوثر كينج زعيم حركة الحقوق المدنية الأميركية

 
 
محمد كركوتــي
 

على مدى 41 عاماً، انتقل الاقتصاد السوري من مرحلة الفساد الفردي في عهد حافظ الأسد، إلى مرحلة الفساد المؤسسي في عهد بشار الابن. وفي المرحلتين، تاهت البلاد، بين اقتصاد مغلق بدون باب (وبالتالي لا معنى لوجود ملايين المفاتيح)، واقتصاد بباب مغلق، له مفاتيح قليلة جداً، في أيدي أشخاص قليلين جداً، "عُينوا" بمناصب رجال أعمال. وقد احتلت سوريا المراكز الأولى في قائمة الدول التي تمنح مثل هذه المناصب! فهي سبقت مصر وتونس بمراحل عديدة في هذا المجال. وكما كانت أول الدول العربية (وغالباً آخرها) في توريث الجمهورية للابن (والثانية على مستوى العالم بعد كوريا الشمالية)، كذلك كانت الأولى عربياً، في تعيين رجال أعمال يحملون حقائب أقوى من الحقائب الوزارية، بل وأقوى من "حقائب" نواب الرئيس أنفسهم! وإذا كان هذا الأخير يملك مفاتيح خزائن البنك المركزي، فإن هؤلاء ملكوا (ويملكون) خزائن مقدرات البلاد كلها. والحقيقة، أن ملكية البنك المركزي، هي متوارثة أيضاً من الأب للابن. فكلنا يتذكر ما ورد في أحد كتب وزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس (التي لا نعرف من يكتبها له)، بأن حافظ الأسد طلب أموالاً من محافظ البنك في منتصف الثمانينات، كثمن يدفعه لشقيقه رفعت الأسد، مقابل أن يتوقف هذا الأخير عن محاولاته لعزله. وقد فوجئ المحافظ بأن الثمن الذي طلبه رفعت، أعلى كثيراً مما هو موجود في خزائن البنك، فما كان لحافظ الأسد إلا أن يطلب من سفاح ليبيا معمر القذافي، تسديد الفارق، وقد لبى هذا الأخير الطلب.

على كل حال، مع المأسسة في عهد الأسد الابن، تحول الفساد إلى قطاع تجمعت في ظله كل القطاعات، بما في ذلك تلك المرتبطة بالتنمية، التي ظلت في ذيل قائمة الحراك الاقتصادي. فقد بلغ الفساد حداً، بات من المستحيل فصل المال العام عن الخاص، بصرف النظر عن مصادر هذا المال الخاص. وصار رجال الأعمال المعينون، هم المالكون الوحيدون لمقدرات البلاد، وأصبحت –على سبيل المثال لا الحصر- العوائد النفطية سراً من أسرار الدولة، ومصير المساعدات التي تصل إلى البلاد من القضايا المرتبطة بالأمن القومي، وحتى وكالات الشركات الأجنبية مهما صغرت، يتم التعاطي معها بصورة حصرية. بعضها محصور بأشخاص معينين بشكل مباشر، وبعضها الآخر محصور بنفس الأشخاص بشكل غير مباشر. ومع انطلاق مرحلة مأسسة الفساد، برز التحالف المريع بين السلطة وكبار التجار التقليديين، الذين يندرجون ضمن نطاق الرأسمالية الوطنية. وعلى الرغم من أن هذا التحالف، قام على مبدأ الندية، إلا أنه لم يستمر على هذا الشكل. شيئاً فشيئاً، تحول الرأسماليون الوطنيون إلى حليف هش، يقبلون بالفتات مقابل الاستمرار على الساحة الاقتصادية، حتى أصبحت غالبيتهم مجرد شركاء رمزيين. وقد قبلوا بهذه الوضعية المهينة، ليس لأنهم يخشون الاقصاء –وهذا وارد دائماً- ولكن من جراء عمليات تخويف، يقوم بها رجال الأعمال الجدد، بأنه إذا سقط النظام، سيسقط بالضرورة رجال أعماله معه، وبالتالي، فإن المجازر وعمليات الانتقام، ستطال التجار في غمرة الأحداث. ومن هنا، فإن هذا التحالف المريع، قام على الخوف والإرهاب، أكثر من قيامه على المصالح المشتركة. فالذي لم يكن يرضى من التجار الكبار بدخل يومي أقل من عشرة ملايين دولار أميركي، قبل مرتعداً بأي دخل كان للنجاة التجارية والشخصية أيضاً!

هذا الإرهاب الاقتصادي، وفر لنظام الأسد الابن، واحدة من آليات البقاء والاستمرار، إلى جانب موجات التخويف الوهمية للأقليات في سوريا، بأن زواله يعني القضاء عليها، وأنه يمثل الحماية الواجبة لها، وأن أي بديل آخر له، لن يكون أقل وحشية من النازي الألماني أدولف هتلر، والفاشي الإيطالي موسوليني. مارس نظام الأسد الابن هذا التخويف-الإرهاب، وبصورة علنية، أكثر مما مارسها نظام الأسد الأب. فقد وفر الانغلاق الفظيع لهذا الأخير، ضمانة هادئة وقوية على هذا الصعيد، بعد أن درس وطبق بجودة عالية، نفس المعايير الكورية الشمالية الاستبدادية، بينما لا يوفر –حتى الانفتاح المنظم- هذه الحصانة لنظام الأسد الابن.

في سوريا كل شيء قابل لـ "البزنس" (بما في ذلك القضايا السياسية)، شرط أن يكون "المستثمر" – والأصح المستحوذ- واحداً من رجال الأعمال المُعَينين. أقول كل شيء، أي انطلاقاً من مصنع صغير لإنتاج العلكة (اللبان)، إلى الاتصالات والنفط ومشاريع البنى التحتية والوكالات الأجنبية والنقل والعقارات والإنشاءات والسياحة والطيران وتجارة التجزئة والمدارس الخاصة. وحتى قطاع التاكسي! وتكفي الإشارة هنا، إلى ما يمكن وصفه بـ "مدير عام رجال الأعمال المُعينين" رامي مخلوف ابن خال الأسد الابن (ونجل القائد السابق للحرس الجمهوري) بأنه يسيطر على ما يقرب من 60 في المائة من حجم الاقتصاد السوري الكلي، وذلك من خلال شبكات معقدة من الشركات القابضة، وله استثمارات يصعب حصرها، بسبب السرية المحكمة عليها في كثير من الدول، من بينها الإمارات ولبنان وألمانيا وأوكرانيا وبلجيكا واسبانيا وسويسرا وانجلترا ورومانيا. بل يمتلك استثمارات كبيرة في دول مثل السودان وليبيا وباكستان واليمن. والحقيقة أن أحداً من الدائرة الضيقة في نظام الأسد الابن، لم يُكذب ولو لمرة واحدة، أي تقديرات على حجم الأموال والاستثمارات التي تعود إلى مخلوف. وتؤكد مصادر معارضة للنظام، بأن هذا الأخير، يقوم ايضاً بالاستثمار لحساب شخصيات متنفذة في النظام، على اعتبار أنه لا يمكن أن يسمح الأسد، باستفراد مخلوف بهذا الكم الهائل من الأموال والاستثمارات المتنوعة.

حين فرضت وزارة الخزانة الأميركية في العام 2008 عقوبات على مخلوف، ومنعت المواطنين أو المؤسسات الأميركية من التعاطي بأعمال معه، وصفته بالقول "رجل أعمال سوري قوي ومتنفذ، جمع إمبراطورتيه التجارية من خلال استغلال علاقاته مع أفراد النظام السوري"، ومضت في وصفه على أنه من داخل النظام ممن يزعم أنه "يستفيد ويساعد في الفساد العام" للمسؤولين. وفي العام نفسه، قال مخلوف لوكالة "رويترز":" إني أشكر جورج بوش –الذي كان رئيسا للولايات المتحدة آنذاك- على هذا القرار، لأن العقوبات زادت من مستوى الدعم لي داخل سوريا. فأنا لست برجل أعمال ينتهج سياسة الصفقات السريعة والانسحاب". وعلى الرغم من أنه لم يصدق، بأن شعبيته زادت في وسوريا، إلا أنه صدق في توصيف نفسه، بأنه ليس رجل الصفقات السريعة. فهو لا يستطيع أن يقول، إن مؤسساته وشركاته التي قامت عن طريق مأسسة الفساد، خُطط لها، على اعتبار أن نظام الأسد مستمر إلى الأبد، وأن هذا النظام الذي عاش أكثر من 40 سنة، سوف يعيش إلى عقود مقبلة، ربما توفر لمخلوف استحواذاً على الاقتصاد الوطني لسوريا يصل إلى مائة بالمائة بدلاً من 60 في المائة.

مع تمأسس الفساد في سوريا، تمأسس الظلم والحرمان في هذا البلد. فالذين يستجدون فرص عمل، عليهم أن يمروا بسلسلة من الامتحانات التأهيلية. فإذا كانوا من أولئك الباحثين عن وظائف بسيطة، يجب عليهم أن يُثبتوا أنهم مؤمنون بحتمية الرشوة، أما أولئك الباحثين عن وظائف أعلى قليلاً، عليهم أن يبرهنوا أن الأخلاق لا قيمة لها، تماماً فثلما هي الإنسانية لا قيمة لها، في مدينة صامدة كدرعا، ومدن مُكافِحة كحمص وبانياس واللاذقية وغيرها.

الاثنين، 25 أبريل 2011

الملهَمون يستلهِمون

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")










"الدولة القائمة على الظلم، لا تستمر أبداً"
سنكا فيلسوف روماني





محمد كركوتــي

بعد الانهيار العجيب لأنظمة الحكم في الكتلة الشيوعية السابقة في أواخر ثمانينات القرن الماضي، وبعد أن استُكمل انهيار الاتحاد السوفييتي في الفترة نفسها، بصورة مدهشة أذهلت الغرب قبل الشرق، وجه سؤال إلى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، جاء على الشكل التالي: لماذا لا تقومون بإصلاحات سياسية في سوريا، تحصن نظامكم مما آلت إليه الأحوال في الكتلة الحديدية؟ ماذا قال الأسد الأب؟ "إننا لسنا بحاجة إلى إصلاحات، نحن نمارس الديمقراطية منذ سنوات، عن طريق وجود أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، ضمن مجلس الشعب. وكان على هذه الكتلة أن تتعلم من تجربتنا الديمقراطية هذه لتنجو"! نجا نظام الأب عشرون عاماً، منذ ذلك التاريخ، ونجا نظام الابن (بشار) عشر سنوات أخرى، حتى الآن. ولكن هل كان السبب هو ممارسة الديمقراطية التي لم تطبقها الكتلة الشيوعية، أم هناك شيء آخر؟ وهل تمكن الأب من رصف أرضية صلبة للابن لمواصلة المسيرة، أم أنها أرضية رصفت لمرة واحدة وغير قابلة للصيانة؟

معظم الأنظمة السياسية في العالم، تقوم على استلهام تجارب الآخرين، سواء تلك التاريخية أو المعاصرة. وحسبي أن الوحيد الذي لم يستلهم أي تجربة هو سفاح ليبيا معمر القذافي. فهذا الأخير أراد أن يكون ملهِماً بنظرية لا تنفع في الطرح، إلا في برامج القنوات الفضائية الكوميدية، وفي العروض الساخرة، إلى درجة أن أُطلقت مواقع على الإنترنت، وصفحات التواصل الاجتماعي، عينت القذافي إمبراطور "كوكب الفكاهة". الأسد الأب، استلهم واحدة من أسوأ التجارب في التاريخ البشري، وطبقها بحذافيرها في سوريا، ووضع لها الآليات للاستمرار حتى بعد غيابه عن الساحة. كان يريد أن يستمر إلى الأبد، ليس وفق مبادئ وأفكار ورؤى متجددة، بل من خلال هذه الآليات المريعة، التي لم تنفع وريثه، الذي وجد نفسه فجأة رئيساً لدولة مركزية في المنطقة، بعد أن  تمت في ما يسمى بمجلس الشعب، عملية تصغير "البدلة" بسرعة (وعلى الهواء مباشرة) على مقاسه.

لم يكن الأسد الأب بحاجة إلا إلى زيارة "تاريخية" واحدة لكوريا الشمالية، لكي يعود إلى بلاده، حاملاً معه على طائرته مجموعة من الخبراء الكوريين، لتنفيذ واحد من أعنف وأقسى البرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ماذا فعل؟ ألغى مؤسسات المجتمع المدني التي كانت تترنح أصلاً في ظل سياسته، وعسكر المجتمع، وأطلق شعار القائد الملهَم. أقفل البلاد على كل شيء، تماماً مثل الملهِم الكوري الشمالي كيم إيل سونج. أصبح التاريخ هو والمستقبل أيضاً. وفر هذا له الغطاء لربط مصير البلاد كلها بمصيره، لا بمصير الأمة. وحسب اللوائح الكورية، نزع "ملكية" الأسرة لأفرادها، وأصبحوا (ولاسيما المواليد الجدد)، ملكية حصرية للنظام، إلى درجة بلغ ولاء الأطفال في سوريا (كما في كوريا) لهذا النظام، أكثر من ولائهم لأسرهم. وبعسكرة المجتمع التي تبدأ من الصفوف في المدارس الابتدائية، تحول أفراده إلى جنود موالين مؤمنين بأن الكون لا يستوي إلا بوجود القائد الملهَم، وأن شيئاً في هذه الدنيا لا يمر إلا عبره. وباستثناء الاحتجاجات ضد الأسد الأب التي اندلعت في مطلع الثمانينات، وقمعت بوحشية مطلقة، فإنه عاش بعيداً عن المنغصات. فقد سن قوانين مطلقة ومتطرفة وحديدية، إلى جانب التجييش المنظم للمجتمع، وفرت له ثلاثة عقود من الهدوء الصارم، تتخللها الهتافات التي لم تطلق إلا في سوريا وكوريا، وهي "قائدنا إلى الأبد". وربما من المفيد الإشارة هنا، إلى أن الكوريين لايزالون حتى بعد وفاة سونج منذ 15 سنة، يحتفلون سنوياً بعيد ميلاده.

ولأن أحداً في هذه الدنيا لا يبقى إلى الأبد، فقد مات الأسد الأب، ليأتي الأسد الابن هابطاً من لندن إلى قصر الرئاسة مباشرة، مرفعاً من رتبة عقيد إلى فريق في ثوان معدودة، بعد أن قام أحد "خياطي" القوانين، بتعديل البدلة (الدستور) بالصورة التي يعرفها الجميع. أتى الابن بذهنية المُجدد لا الإصلاحي، وهناك فرق كبير بين التوصيفين. بمعنى أنه لا داعي لتغيير السيارة المتهالكة، ادهنها فقط! أو ليس مهماً أن تحلق الطائرة في الجو، إذا كانت تسير فقط في أرض المطار! وجد الأسد الابن، أن التجربة الكورية لا تواءم الأوقات المتغيرة، خصوصاً بعد انفراط عقد الكتلة الشيوعية الحديدية، وبعد أن تغير المزاج السياسي الدولي العام. لم يتحول إلى التجربة السنغافورية أو الإندونيسية أو الهندية. ربما لأنه يعلم (وغالباً لا يعلم)، بأن استلهام واحدة من هذه التجارب، لا يتم عبر نظام جمهوري مورث، هو الأول من نوعه في تاريخ العرب، والثاني في تاريخ العالم ( بعد الكوري الشمالي). ماذا فعل؟ راقب التجربة التونسية التي ابتكرها زين العابدين بن علي. وقد اعترف هو شخصياً بذلك، في خطابه الأول بعد المظاهرات العارمة التي عمت (ولاتزال) سوريا ضد نظامه. راقب واحدة من أبشع التجارب القائمة على الظلم وعدم تكافؤ الفرص والفساد والاستبداد. لكن الأسد الابن، اعترف بأنه بعد مراقبته لهذه التجربة على مدى عشر سنوات، قرر صرف النظر عن استلهامها. ولا شك في أنه قام بذلك، لأنها أدت إلى نهاية مهينة لصاحبها، حيث أثبتت التحقيقات التونسية، بأنه تورط بكل شيء حتى بالمخدرات.

راقب الأسد الابن التجربة التونسية وفي مقدمتها الجانب الاقتصادي، على مدى عقد من الزمن، ليكتشف أنها لا تصلح! وخلال هذه السنوات، أبقى على كل الآليات القمعية التي وضعها والده، دون أن يتباهى بأن سوريا تمارس واحدة من أفضل الأساليب الديمقراطية في العالم. مُنح ما يعتبره المراقب المحايد، ما يكفي من الفرص للتقدم خطوة إلى الأمام باتجاه الإصلاح. ولكن لأنه مجدد نظري (ولم يعد الآن بعد الثورة ضده) وليس إصلاحياً، رمى بهذه الفرص عرض الحائط. حاول أن "يتجدد" عن طريق الاقتصاد (بدلاً من السياسة والحقوق العامة)، فقام بمثل ما فعله والده، مع فارق واحد. الأسد الأب أغلق البلاد وقذف بالمفتاح عرض البحر، وفعل الأسد الابن نفس الشيء، لكنه وزع مفاتيح قليلة جداً لعدد من الأشخاص الجشعين جداً، من الدائرة الضيقة جداً جداً. وشارك قسراً الرأسمالية الوطنية، التي ارتضت بما يوفرها لها من مكاسب بسيطة، لأن البديل هو اقصاؤها تماماً عن الساحة الاقتصادية. وتكفي الإشارة، إلى أن شخصاً واحداً من عائلته، يسيطر على 60 في المائة من الاقتصاد السوري! بالطبع كان لهذا النوع من الاقتصاد تبعات مريعة، في مقدمتها، وصول نسبة البطالة إلى 25 في المائة، بينما وصلت نسبتها في أوساط الشباب ما دون الثلاثين من أعمارهم إلى 49 في المائة، وبلغت نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر في الحد الأدنى 12,5 في المائة، في حين بلغت في حدها الأقصى 30 في المائة!

في عهد الأسد الأب كان الفساد فردياً، محدوداً في زمرة من الأقرباء والمقربين، وفي عهد الأسد الابن، تمأسس الفساد، وصار قطاعاً من القطاعات في البلاد. صار في صلب الاقتصاد، تماماً كما صارت عسكرة المجتمع على مدى 41 عاماً من حكم الأب والابن (وأرجو أن لا يكون هناك روح قدس) سلاحاً لمقاومة وجدان هذا المجتمع.

الاثنين، 18 أبريل 2011

مسيلمة الثائرين

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")










"أنقِذ السارق من حبل المشنقة، فسوف يجز رقبتك لاحقاً"
مثَل فرنسي

 
 
 
محمد كركوتــي
 
استكمالاً لمقالي السابق حول سفاح ليبيا معمر القذافي، الذي نُشر بعنوان "إمبراطور الاستثمار في الإرهاب"، وانطلاقاً من سهولة العثور على ألقاب جديدة ومتجددة له، سواء من تلك التي يُحبها، ولا تنطبق عليه، أو تلك التي يكرهها، وهي مفصلة على مقاسه بصورة طبيعية، أمنح القذافي لقب "مسيلمة الثائرين"، أو "مسيلمة الأموال المنهوبة". وفي النهاية يمكن أن يفوز بجدارة باللقب الشامل، وهو "مسيلمة كل شيء". وإذا كان هناك "مسيلمات" في هذا العالم، فهو بلا شك يحتل المراكز العشرة الأولى على الأقل. أي أن مسيلمة الثاني، هو في الواقع مسيلمة الحادي عشر. وكلنا تابعناه في خطاباته الترفيهية- البائسة، عندما قال وهو في خضم صدمته من ثورة شعبه: "يقولون هناك مظاهرات في ليبيا، ولا توجد مظاهرات. ويقولون هناك قتلى، ولا يوجد قتلى. ويقولون إننا استخدمنا الأسلحة ضد الليبيين، ولم نستخدم أي أسلحة". وليس مستبعداً أو مستغرباً، أنه فكَر في الإعلان عن أن المظاهرات والاحتجاجات التي عمت ليبيا، ليست سوى فعاليات شعبية على هامش مهرجان شم النسيم! وسيجد ما يكفي من المرتزقة، ليقسموا بالله، بأنهم تناولوا "الفسيخ" في حدائق وساحات مدينة مصراتة الصامدة، وأنهم بعد ذلك، دخنوا الشيشة في قلب مدينة البريقة المناضلة، وأنهم تركوا أبنائهم يسبحون على شواطئ راس لانوف الحرة، وأن بناتهم قضين أوقاتهن يطاردن الفراشات على أبواب أجدابيا الأبية!

ماذا يقول مسيلمة المعاصر أيضاً: "أنا ما عندي فلوس. أنا عايش على اللجان الشعبية. أنا بلا وظيفة. أنا غلبان"! ولو استمر في الكلام، لقال: لقد شكلت جمعية مع زملائي الثوريين، لمواجهة شظف العيش، يقبضها واحد منا كل شهر. وهذا صحيح، ولكن مع فارق بسيط، هو أن هذه الجمعية، ليست شهرية بل أبدية، وأموالها ليست ملك أفراد، بل ملك أمة بأكملها، وأعضائها ليسوا بالملايين، بل بالعشرات فقط، غالبيتهم من أسرة مسيلمة، وبقيتهم من الأسرة الثورية. وهذه الجمعية، هي أول "جماهيرية" خاصة! ولو لم يكن مسيلمة يملك البلاد بأكملها، لسجلها في غرفة التجارة، كشركة ذات مسؤولية محدودة، بمجلس إدارة مكون من أعضائها فقط!

لم تكن إشارة الرئيس السوري بشار الأسد في "مجلس الشعب" في سياق مهاجمته للفضائيات، إلى مبدأ "اكذب.. اكذب حتى يصدقون"، موفقة. وبالمناسبة هذه الإشارة منتحلة من المقولة الشهيرة لوزير الدعاية النازية غوبلز. لكنها تنطبق على مسيلمة الثائرين، مع ضرورة تغيير "حتى يصدقون" بـ "حتى أُصدق". ومع ذلك، تبرز هنا مشكلة حقيقية، هي أن القذافي نفسه لا يصدق ما يقوله، لأنه أول العارفين بحقيقة الكذب ونوعيته، مع الإشارة إلى أنه كان آخر العارفين بالثورة الصادقة ضده. ولذلك، فقد كذب.. كذب حتى فشل في العثور عمن يصدقه، ونهب.. نهب حتى عجز عن حصر الأموال المنهوبة. قبل أن أتناول الحديث، عن "الثورات" بين أبنائه من أجل اقتناص أكبر كمية من ثروات الشعب الليبي، أحسب أنه من المهم، إعادة التذكير بالأموال التي نهبها القذافي، طبقاً للمصادر الرصينة، والتي تصل في حدها الأدنى إلى أكثر من 200 مليار دولار أميركي (لا زيمبابوي)، موزعة على الشكل التالي: 130 مليار له ولأبنائه وزوجته المفضلة، و70 مليار لزملائه "الثوريين"! ومن المهم الإشارة هنا، إلى أن هذه التقديرات، تعود إلى تسعينات القرن الماضي. وبدد مسيلمة أكثر من 350 مليار دولار، هي عبارة عن استثمارات في الإرهاب بكل أنواعه وأشكاله، بما في ذلك، الاغتيالات، والانقلابات، وتدريب قطاع الطرق، ودعم المرتزقة من أولئك الذين يأكلون لحوم البشر، وتسليح قبائل يرتدي أفرادها ريش الطيور وأوراق الأشجار، لا الأقمشة.

يقول الأديب الكوبي خوسيه مارتي: "الرجل الأناني هو لص". ويقول معه الأديب والشاعر الايرلندي أوسكار وايلد :"إنه دائماً متأخر تجاه المبادئ. لأن مبادئه متناغمة مع النهب وسرقة الوقت". وعندما يقول مسيلمة "إنني لا أملك فلوس"، فهو لا يكذب فقط، بل يغطي أيضاً على ثورات حقيقية، قام بها أفراد أسرته الصغيرة المؤلفة من تسعة أشخاص، ضد بعضهم البعض. لماذا؟ للحصول على المزيد من الأموال المنهوبة. والحقيقة أن هذا سلوك أحدثته عصابات المافيا، ودرجت على اتباعه في كل جريمة ارتكبتها، من عمليات السرقة وتجارة المخدرات والقتل والخطف وتبييض الأموال وفرض "الإتوات". وقد خاض أبناء وبنت القذافي، ضد بعضهم البعض، ثورات "الكوكاكولا" والاتصالات والنفط والتوكيلات والفنادق والمنتجعات السياحية، إلى درجة حملوا السلاح ضد بعضهم البعض. وعلى مبدأ قطاع الطرق، وصلوا في ثوراتهم هذه، إلى نصب الكمائن لبعضهم. وفي إحدى المرات، حاول المعتصم قتل أخيه غير الشقيق محمد، من أجل صفقة تجارية، أرضاه والده على أثرها، بتخصيص ميزانية بمليارات الدولارات، ليشكل كتائب خاصة له، وكذلك الأمر مع المضطرب عقلياً وسلوكياً الساعدي. وكان القذافي، قد خصص لكل واحد من أبنائه بالتساوي خمسة مليارات دولار. ومع ذلك، فقد كان كل واحد منهم، يصبوا إلى أموال شقيقه المنهوبة أصلاً. وإذا كان هؤلاء لا يتورعون في ارتكاب جرائم ضد بعضهم البعض، ويسعون لسرقة المال المسروق، فهل هناك قوة في هذا العالم، يمكن أن توقفهم عن سرقة مقدرات الشعب الليبي؟! هناك قوة واحدة فقط، يمكن أن تحد من جشعهم وجرائهم وسرقاتهم، هي الأخلاق. ولكن من يملكها منهم؟

في إحدى وثائق "ويكيليكس" التي نشرتها جريدة "الفايننشال تايمز" البريطانية الرصينة، قال كاتبها الأميركي :"إن سيطرة عائلة القذافي على اقتصاد ليبيا متجذرة، إلى حد أن أفرادها يحاربون بعضهم بعضاً في تنافسهم لاغتنام هذه الفرص المربحة"، وتتابع :"القذافي أقام إمبراطورية مالية ضخمة، هي مصدر خلافات جدية بين أبنائه". وفي وثيقة أخرى، جاء "أن أولاد العقيد التسعة وزوجته، يسيطرون على أغلبية قطاعات الاقتصاد الليبي، وبشكل خاص النفط الذي يشكل الثروة الحقيقية للبلاد. وليس من الصدف استيلاء سيف الإسلام القذافي على حصة من الثروة النفطية الليبية عبر الشركة الوطنية العامة التي تدير هذا القطاع الحيوي". وطبقاً لجريدة "الجارديان" البريطانية الرصينة فإن "هناك فجوة بالغة من مليارات الدولارات تظهر سنويًا بين عائدات النفط والغاز الليبي وبين الإنفاق الحكومي". ولا شك في أن هذا الخلل المريع والواضح بين حجم العائدات النفطية، وحجم الإنفاق العام، هو المصدر الرئيسي لثروة مسيلمة وعائلته و"الثوار". ولا يوجد، من يستطيع تحديد الأموال المنهوبة، وتلك التي أُنفقت في ليبيا، وذلك لاستحالة فصل ثروة مسيلمة واستثمارات الحكومة، التي هي في الواقع استثمارات عائلية.

بلغ حجم الأموال التي جنتها ليبيا من عائدات النفط، منذ العام 1969 قرابة الـ 3000 مليار دولار أميركي. واستناداً إلى المحامي الليبي الهادي شلوف، عضو محكمة الجنايات الدولية بلاهاي، فإن نصف هذه الأموال ذهب إلى خزينة القذافي وأبنائه". أي ما يتم تداوله من حجم الأموال المنهوبة، يصل إلى الثلث فقط. ماذا فعل مسيلمة أيضاً؟ أنشأ حساباً أطلق عليه اسم "الحساب المجنب"، أي الحساب الذي توضع فيه عائدات النفط والغاز جانباً. وماذا أيضاً، لا يُنفَق دولار واحد، من دون موافقة خازن المال المنهوب!

في اليابان مَثَل يقول: "حتى السارق يحتاج إلى عشر سنوات، لكي يتعلم التجارة". وللتذكير فقط، مسيلمة الثائرين "يملك" ليبيا منذ 42 عاماً.

الاثنين، 11 أبريل 2011

إمبراطور الاستثمار في الإرهاب

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


"أولئك الذين يؤلهون أنفسهم، غالباً ما يرون الخراب أمام أعينهم، ولكنهم يدخلون فيه"
ليوبولد فون رانكي مؤرخ ألماني






محمد كركوتــي

في مقالي السابق الذي نُشر بعنوان "أموال ملك ملوك الثائرين"، حاولت حصر الأموال التي نهبها معمر القذافي وعائلتيه الصغيرة جداً والكبيرة قليلاً جداً، واستندت في ذلك، إلى التقديرات الرصينة، على اعتبار أن اللصوص لا يعلنون عن حجم سرقاتهم، بالإضافة طبعاً إلى ما أعلنته أربع حكومات غربية (ليس من بينها الإيطالية والفرنسية والسويسرية ولا أي حكومة عربية)، بأنها استطاعت أن تحدد وتجمد في غضون أيام قليلة فقط، أكثر من 50 مليار دولار أميركي من الأموال الليبية المنهوبة. وهذا لوحده، يدعم مصداقية التقديرات، بأن ما نُهب على أيدي القذافي ودائرته الضيقة، يصل في حده الأدنى إلى أكثر من 200 مليار دولار، موزعة على الشكل التالي: 130 مليار له ولأبنائه وزوجته المفضلة، و70 مليار لزملائه "الثوريين"! وعلى الرغم من أن القذافي لا تنقصه الألقاب، التي منحها لنفسه أو تلك التي اشتراها بمليارات الدولارات، مثل ملك ملوك أفريقيا، وأمين القومية، وإمام المسلمين، وعميد الحكام العرب، وأمير المفكرين، وقائد الثورة، وكبير الثائرين.. وغيرها. أجيز لنفسي أن أمنحه لقباً إضافياً هو "إمبراطور الاستثمار في الإرهاب". وأحسب – وهو من الهائمين بالألقاب- أنه سوف يُسعد بالكلمة الأولى فقط، لا بالتوصيف ككل. فلم يسبق له أن منح نفسه هذا اللقب، وأجزم بأنه لو استطاع أن ينجو من ثورة شعبه –ولن ينجو- لن يتردد في إطلاق اللقب على نفسه. ففي مقال سابق لي، قلت: إن القذافي يأسف بلا شك، من أن زمن الأنبياء والرسل قد انتهى قبل أكثر من 14 قرناً من الزمن.

يقول المؤلف البريطاني-الأميركي كريستوفر هيتشينز:"إن الإرهاب، هو تكتيك يسعى إلى المستحيل، ويطالب به تحت تهديد السلاح". وهذا بالضبط ما قام (ويقوم) به القذافي منذ أكثر من أربعة عقود. فقد مارس (ويمارس) الإرهاب العسكري، وإرهاب العصابات على مبدأ "قطاع الطرق"، تماماً مثلما يمارس عملية التنفس البشري. وكما مأسس الفساد والقمع، مأسس أيضا الإرهاب بكل أشكاله، بما في ذلك، شن الحروب عديمة الجدوى والهدف، واغتيال قادة وسياسيين أجانب، وتنظيم العمليات الانقلابية الخارجية، وتسليح عصابات تأكل اللحم البشري كما تأكل لحوم الخرفان، ونشر الفتن في كل الأرجاء، وازدراء الإنسانية بأقبح الصور. هذا طبعاً بالإضافة إلى الفظاعات التي نالها الشعب الليبي (ولايزال) منه.

وكما هو الحال مع الأموال المنهوبة، التي تُقدر حسب المعطيات الاحتمالية، واستناداً إلى ما تم ضبطه منها حتى الآن، فإن الأموال التي "استثمرها" القذافي في "قطاع الإرهاب"، لا تقل عن 350 مليار دولار. ولكي لا نلتزم جانب المبالغة، أرى من المفيد الإشارة إلى ما قاله الرائد عبد السلام جلود، (الرجل الثاني في ليبيا، عندما كان أولاد القذافي مجرد أطفال، ولا نعرف رقمه الآن) في الذكرى العشرين لاستيلاء القذافي وأعوانه على الحكم. ماذا قال؟ :"إننا أنفقنا ما نسبته 22 في المائة من عائدات النفط الليبية (أي نحو 44 مليار دولار آنذاك) على تمويل ودعم ومساندة حركة الثورة العالمية وحركات التحرر". وبالطبع لم يكن هذا التوصيف حقيقياً، فالغالبية العظمى من "حركات التحرر" هذه، ليست سوى حركات لعصابات تسعى إلى الاستيلاء على الحكم، من أجل الخراب. وتقول مجلة " فورين ريبورت" الأميركية الرصينة :" إن العلاقات التي تربط القذافي ببعض من أكثر الأنظمة القمعية في العالم والحركات المسلحة، قد بدأت في ثمانينات القرن الماضي، عندما كان يُنظَر إليه على أنه واحد من أبرز التهديدات الإرهابية في العالم. وعبر استعانته بأموال وعائدات النفط، قام القذافي بتنظيم حملات تدريبية لأولئك الأشخاص الذين أصبحوا فيما بعد أكثر أمراء الحرب وحشية في كثير من دول إفريقيا، وهو الإرث الذي ترك المنطقة مصابة بالشلل وفي حالة من عدم الاستقرار اليوم". وفي كتابه الذي صدر في العام 2001 بعنوان "قناع الفوضوية"، يقول المؤلف ستيفن إليس:"إن المركز الثوري العالمي الخاص بالقذافي بالقرب من بنغازي، قد أضحى بمثابة (جامعتي هارفارد وييل لجيل كامل من الثوار الأفارقة)، أكثرهم من أعتى طغاة القارة".

غالبية القادة الاستبداديين الدمويين الأفارقة الذين حكموا (أو أولئك الذين يحكمون الآن) بلدانهم بأقصى أنواع الوحشية، إما كانوا من خريجي "مركز القذافي"، أو من المتأثرين بهم، بما في ذلك، بليز كومباوري رئيس بوركينا فاسو، وإدريس ديبي رئيس تشاد، والقاتل الذي فاز في اليانصيب الوطني في بلاده زيمبابوي روبرت موغابي! ولوران كابيلا رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطي، ورئيس ليبيريا تشارلز تيلور الذي يحاكَم الآن في المحكمة الدولية على جرائمه الفظيعة ضد شعبه، بالإضافة طبعاً إلى قادة العصابات في النيجر ومالي وموريتانيا. لا توجد دولة، حكمها خريج من "مركز القذافي" في أفريقيا، إلا وتعيش أو عاشت الخراب والويلات والفظائع. إن هذه "الجامعة"، خرَجت صناع الهموم والمصائب والقتلة والسارقين. خرَجت ناشري وموزعي الأنين المتواصل. خرَجت أولئك الذين حولوا الظلم إلى مؤسسات، والسرقة إلى قطاعات، والقتل إلى سلوك يومي.

أنفق "ملك ملوك الثائرين"، على مدى 40 سنة، قرابة 350 مليار دولار أميركي، على تنظيم المؤامرات الإرهابية، وتخريج القادة الدمويين، وعلى تنفيذ مخططات تآمرية وعدوانية –مفهومة الأهداف- ضد جيرانه ومن بينهم العرب أنفسهم. وبحساب بسيط، بدد "إمام المسلمين" ما يقرب من 9 مليارات دولار سنوياً على هذه المؤامرات. وبلغ عدد عمليات التخريب الخارجية في أربعين دولة عربية وإفريقية وآسيوية وأوروبية على الأقل، بما في ذلك محاولات قلب أنظمة الحكم، والاغتيالات الفردية 127 عملية. من بينها محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت الملك عبد الله بن عبد العزيز. ويقول معارضو القذافي أن هذا العدد في حدوده الدنيا. لن نتحدث هنا، عن صفقات السلاح الذي كدسه "ملك ملوك أفريقيا"، والذي استحوذ على 40 في المائة من عائدات النفط الليبي. وقد قام "عميد الحكام العرب"، بتجنيد وتدريب وتجهيز وتمويل ما بين 15 و20 ألف من المرتزقة من كل الجنسيات، بما في ذلك العربية، وأقام لهم أكثر من 30 معسكراً في كل أنحاء ليبيا. ودعم "أمين القومية"، مالياً ولوجستياً أكثر من 30 منظمة وحركة وعصابة إرهابية على مستوى العالم، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ماذا فعل أيضاً؟ أنفق "أمير المفكرين" أكثر من 200 مليون دولار، على ترجمة وطبع وتوزيع كتابه (الأخضر) المريع بكل اللغات، بما في ذلك لغات القبائل الأفريقية آكلة لحوم البشر (غير المكتوبة أصلاً، لا أعرف كيف!)، ولغة الإشارة! وأنفق "قائد الثورة" مليارات الدولارات على تطوير أسلحة نووية وبيولوجية وكيماوية، ورهن ثروة الشعب الليبي لسنوات طويلة، من أجل دفع تعويضات تاريخية غير مسبوقة الحجم في التاريخ، على عملياته الإرهابية والتخريبية.

وطبقاً لوثائق "ويكيليكس"، فإن "إمبراطور الاستثمار في الإرهاب"، يقفل حنفية النفط أو يفتحها حسب مزاجه، إما لمعاقبة من يزعجه أو لتغطية أية نفقات خاصة. ففي العام 2009، أمر بضخّ 100 ألف برميل إضافي من النفط، لتغطية كلفة احتفالات الذكرى الأربعين لاستيلائه على الحكم!

هذا هو الإمبراطور الذي وصف شعبه بالجرذان. إنه بلا شك كان يتحدث عنه نفسه.




الثلاثاء، 5 أبريل 2011

أموال ملك ملوك الثائرين

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






"الإنسان الذي لا يملك شيئاً، يمكنه أن يُصفِر بقوة في وجه اللص"
جوفينال شاعر من العصر الروماني

 
 
 
 
محمد كركوتــي
 
لا أحد يعرف أين يختبئ ملك ملوك أفريقيا العقيد الليبي معمر القذافي، أو أين سيختفي إلى الأبد، ولكن هناك من يعرف أين يُخبئ "إمام المسلمين" المزور قسماً كبيراً من الأموال التي نهبها، على مدى أكثر من أربعة عقود من الزمن. وأحسب أن توني بلير المستشار الشخصي للقذافي، واحد من أولئك الذين يعرفون. أليس هو من أعاده إلى المجتمع الدولي، بحملة تسويق لم يشهد التاريخ السياسي، عناصر مشابهة لها؟! وكما للرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي الذي يحب وصفه بـ "المكافح"، وزميله المصري حسني مبارك الذي يسعد بوصفه بـ "المحارب"، كذلك القذافي الذي يهيم بوصفه بـ "الثوري"، له عائلتان. صغيرة تستحوذ على كل مقدرات الشعب، وكبيرة تشارك في الاستحواذ، ويحظى كل فرد منها على نصيبه حسب مستوى ولائه لا كفاءته، وحسب حبه للقائد الأوحد لا إعجابه، وحسب سرعة تلوثه لا نظافته. والعائلة الكبيرة هذه لا تعد بالملايين، بل بالعشرات فقط، حصلوا على "مناصب" رجال أعمال ومستثمرين بالتعيين!

بعد أن استفاق القذافي جزئياً من صدمة الثورة الشعبية العارمة، ألقى خطاباً مُهيناً –كعادته- للشعب الليبي، ادعى فيه –كما يفعل دائماً- بأنه "ثائر لا يملك إلا بندقيته وخيمته"، وبالطبع تناسى أن يشير إلى أنه ملك ملوك أفريقيا، لأن هذا "المنصب" لا يستقيم مع ثائر ادعى بأن العالم كله يحبه، بل وادعى بأنه قائد لهذا العالم! والحقيقة أن القذافي لم يكن سوى مملوكاً للمال المنهوب، والممتلكات المسروقة. وهو يستحق بجدارة توصيف "ثائر من أجل المال"، لا من أجل الحق والحرية والكرامة. يستحق توصيف المناضل من أجل الثروة لا الثورة، من أجل الفساد لا النزاهة، من أجل كل ما هو شائن لا الكريم. لم يكن القذافي إلا طاغية من طراز فريد، عشق نفسه وكره شعبه. اشترى بالمال المسروق، المناصب البائسة من أفريقيا البائسة لإرضاء غروره البائس. رغب القذافي أن يشتري النبوة، ولكن من في هذا العالم يملك أن يمنحها له أو لغيره؟ ولذلك اكتفى بـ "منصب" وهمي هو إمامة المسلمين.

كبقية الطغاة الناهبين في هذا العالم، يصعب حصر الأموال التي سرقها معمر القذافي خلال فترة حكمه لبلاده. ليس هناك غير التقديرات التي تتسم بالرصانة في هذا المجال. فالسارق مثل القاتل، يجهد نفسه في إخفاء الضحية، وإن فشل في ذلك، يواصل جهده في إخفاء أدوات الجريمة. هكذا فعل بن علي وكذلك مبارك، وغيرهما من الطغاة الذين فروا بأموال هائلة، وتركوا شعوبهم وسط مصائب مريعة.

تصل التقديرات حول الأموال التي نهبها القذافي وعائلته الصغيرة إلى ما بين 80 و131 مليار دولار أميركي. وهو بذلك يحتل المركز الأول في قائمة الرؤساء الأكثر نهباً لشعوبهم على مستوى العالم. أما الأموال التي نهبتها عائلته الكبيرة فتتأرجح بين 60 و70 مليار دولار. وطبقاً لوثائق "ويكيليكس" التي أصبحت المصدر الأكثر دقة في عالم مليء بالأسرار المشينة، فإن عائلة ملك ملوك أفريقيا الصغيرة، "بنت مصالح تجارية واسعة في قطاعات مختلفة من النفط إلى الفنادق، خلال فترة حكمه التي تمتد زهاء 42 عاماً". والثروة الليبية المنهوبة موزعة في كل أنحاء الأرض، ولاسيما عند صديقه المتهاوي رئيس وزراء إيطاليا سيلفيو برلسكوني، وفي بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والنمسا. إنها على شكل أرصدة، واستثمارات في شركات بترول وقصور ويخوت وأندية أوروبية، وشركات المنتجات الغذائية والمشروبات. وإذا ما استندنا إلى الحد الأدنى من التقديرات، فإن القذافي كان ''عادلاً'' في توزيع الثروة على أبنائه. فقد منح خمسة مليارات دولار أميركي بالتساوي لكل واحد منهم. لم يظلم أحداً! وتقول صحيفة "التايمز" البريطانية الرصينة: "إن معمر القذافي هو المسيطر الأوحد على كافة قطاعات الاستثمار في ليبيا، وعلى رأسها النفط، وهذه الاستثمارات يمرر معظمها من خلال إيطاليا". وتصف إحدى الوثائق المسربة من وزارة الخارجية الأميركية النظام الليبي بأنه "عبارة عن فساد مستفحل، وشبكة للسرقة الحكومية لصالح أفراد أسرة القذافي و/أو حلفائهم المقربين الذين يسيطرون على كل ما يتعلق بالبيع والشراء والتملك في كل ما يخص البلاد". واستناداً إلى منشقين "تائبين" عن النظام الليبي (والأصح أن نقول لا نظام)، فإن أي حركة مالية لا تدب بها الحياة، إذا لم تكن ملكاً لـ "الثائر"، وفي أحسن الأحوال، دون موافقته المباشرة عليها.

وإذا كان مبارك –كما يقول مسؤول استخباراتي بريطاني- بقي 18 يوماً في السلطة بعد اندلاع الثورة في مصر، لإخفاء ما هو ظاهر من ثروته وثروة عائلته، فالقذافي يخفي الأموال المنهوبة، فور استكمال عملية السرقة، مع استمراره في حمل مفاتيح البنك المركزي الليبي، الذي يتعاطى معه كـ "حصالة". يسلب منها ما يريد، ويبدد ما يريد أيضاً وفق "استراتيجية ثورية" فظيعة. كان –ولايزال- يعتقد بأنه يملك ليبيا ومعها الليبيين، وبالتالي فهو يملك مقدراتهم وثرواتهم، ولا يحق لأحد أن يسأل، وإن وجد من يسأل بالفعل، فلا أحد يسأل عن مصيره فيما بعد.

بعد ثلاثة أيام فقط من فرض الحظر الدولي على القذافي وعائلتيه الصغيرة والكبيرة، بما في ذلك تجميد الأموال التي نهبها، تمكنت ثلاث دول هي بريطانيا والولايات المتحدة والنمسا، من حصر أموال وأصول له تصل قيمتها إلى 41 مليار دولار أميركي. وبعدها بأسبوعين فقط أعلن جون كيري رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، بأن السلطات الأميركية جمدت ثروة لـ "الثائر" في الولايات المتحدة تبلغ 31,5 مليار دولار. وتنقل وسائل إعلام نمساوية عن جهات مصرفية واستثمارية نمساوية، أن المبالغ المالية التي يملكها "الثائر" نفسه وعائلته وحلفاؤه بالنمسا، تقدر بنحو 30 مليار دولار. وإذا ما جمعنا هذه الأموال، فإنها تصل إلى أكثر من 100 مليار دولار! أي نصف ما هو متداول، بأن مجموع الأموال المنهوبة على أيدي أسرة القذافي وأركان نظامه، تصل إلى قرابة 200 مليار دولار. والحقيقة المريعة، أن ما تم حصره أو تجميده من هذه الأموال، لم يشمل بعد تلك المخزنة في إيطاليا وسويسرا وغيرهما من الدول، بالإضافة طبعاً إلى أشباه الدول. وعلينا أن نعرف، أن إيطاليا، هي أكثر الدول استقطاباً لأموال القذافي. فإذا كانت التقديرات تشير إلى أن حجم هذه الأموال في بلد كالنمسا، لا تربطه علاقات متميزة مع ليبيا بلغت 30 مليار دولار، يمكن أن نتخيل حجم هذه الأموال في إيطاليا. ففي السويد البلد التي لا تعتبر مقربة من نظام القذافي، استطاعت السلطات هناك، أن تجمد أموالاً وأصولاً له بلغت 1،6 مليار دولار!

تمكن القذافي من نهب بلد، يعيش فيها 1،5 مليون عاطل عن العمل، و30 في المائة من مجموع سكانها يعيشون تحت خط الفقر، و17 في المائة منهم أميون. كان ثورياً إلى حد الجنون، في النهب المنظم وغير المنظم. كان ملك ملوك الهموم التي صنعها لشعبه، كان "إماماً" لمجموعة من الأشخاص، أقسموا ألا يتركوا للشعب شيئاً. ألم يقل ذلك سيف الإسلام القذافي ولي عهد "الثائر"، عندما هدد كل الليبيين على الهواء مباشرة، بأنهم لن يصلوا حتى إلى الخبز، إذا ما استمرت ثورتهم؟!