الثلاثاء، 21 سبتمبر 2010

إنها قضية أخلاق لا مسألة قضاء!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")










" الغد هو متعة اللصوص"
ريكس هاريسون ممثل بريطاني





محمد كركوتـي

يبدو أن القطاع المالي السويسري، لم يعد يستطيع الصمود أمام الضغوط الدولية، الهادفة إلى جعله أكثر وضوحاً شفافية ونزاهة.. بل وواقعية، فيما يرتبط بالحسابات السرية ( الملوثة والمشبوهة) التي تعم المصارف السويسرية منذ عشرات السنين. فضغوط الأزمة الاقتصادية العالمية، رفعت من زخم ضغوط الحكومات – لاسيما في الدول الكبرى- على هذه المصارف، بحثاً عن ضرائب مستحقة على مليونيرات ومليارديرات من كل الجنسيات، إلى جانب البحث عن أموال سرقها حكام سابقون (وآخرون لا يزالون في السلطة) في البلدان الفقيرة، علها تخفف من حدة الضغط على الموازنات التي تخصصها الدول المانحة للدول الفقيرة الممنوحة، علماً بأن هذه الموازنات تعرضت إلى تقليص خطير، في العامين الماضيين، بحجة أن الأزمة قضمت مداخيل المانحين، الذين وجهوا ما تبقى من أموال لديهم، لإنقاذ المؤسسات والمصارف التي غرقت في بركان الأزمة.
.
لقد حارب النظام المالي السويسري، في فترة "الهياج" الحكومي العالمي ضده، كل المحاولات للكشف عن الأرصدة المشبوهة، بما في ذلك تلك التي تعاظمت وأضحت كالجبال ( إلى درجة أنها لم تعد سرية)، من جراء عمليات غسيل الأموال، والتهرب من الضرائب، والصفقات التجارية المشينة، وعقود الأسلحة المريبة، والاتجار بالبشر، وسرقة الأموال العامة. ومن فرط ضخامة حجم هذه الأموال، صارت جزءاً لا يتجزأ من النظام المالي العالمي، بحيث دفعت العديد من المصرفيين "التائبين" إلى الإقرار، بأن أموال المخدرات، سندت مؤسسات ومصارف عالمية، في أعقاب اندلاع الأزمة العالمية!. وهذا يعني أن نظام الظل المالي أو Global shadow financial system تداخل في فترة من الفترات (وربما لا يزال يتداخل) مع النظام المالي الشرعي العالمي أوGlobal legitimate financial system . ولأن الحكومة السويسرية وقفت مع القائمين على القطاع المصرفي في البلاد، في وجه الضغوط الدولية عليهم، كان المسؤولون فيها من الوقاحة، بحيث هددوا قبل عام تقريباً، منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية المعروفة اختصاراً بـ OECD ، بالامتناع عن دفع الصحة السويسرية في ميزانية المنظمة، لماذا؟ لأن هذه الأخيرة، أعلنت في أحد تقاريرها بأن سويسرا لم تلتزم بالشفافية المصرفية، التي يسعى العالم إلى وضعها، تمهيداً لتكريسها. فقد أثبت المسؤولون السويسريون – دون أن يقصدوا – أن بلادهم النظيفة، تعيش على حصة من الأموال القذرة!. ولا أزال أتذكر، قرار محكمة الجنايات الفيدرالية السويسرية برفض تسليم 6 ملايين دولار أميركي من ودائع رئيس زائير (الكونغو الديمقراطية حاليا) الراحل موبوتو سيسي سيكو، لدى بنوك سويسرا إلى حكومة بلاده. فقد وجدت هذه المحكمة، أن شعب الكونغو، لا يستحق استعادة أمواله المسروقة!.
لكن الأوقات تتغير، وتفرض معاييرها ومعطياتها، بصرف النظر إذا ما كانت مُرْضية أو مبغضة. حلوة أو قبيحة. مقبولة أو مرفوضة. ومع "تدافع" دول العالم للخروج من الأزمة الاقتصادية العالمية، تزداد الضغوط للكشف عن الأرصدة المشينة أو المشبوهة، بل وتشع ذاكرة حكومات هذه الدول، لتتذكر ما كان نسياً منسياً!. أمام هذا الواقع، أقدمت سويسرا على خطوة هامة وجيدة.. لكنها متواضعة. فقد صدَق نواب البرلمان فيها، على قانون يجعل من السهل على السلطات الفيدرالية، مصادرة الأموال التي سرقها وخبأها حكام دكتاتوريون في حسابات لهم ولأسرهم ولأعوانهم في مصارف سويسرية. وحسب القانون، رُفعت المدة التي يمكن خلالها تجميد الأرصدة المشبوهة من 5 إلى 10 سنوات. ولعل الفقرة الأهم من هذا القانون الذي صدر بعض مخاض عسير، هي تلك التي تشترط استخدام الأموال المُستعادة، لتحسين ظروف معيشة الشعوب التي سُرقت منها، ولتعزيز سلطة القانون ومكافحة عمليات ومخططات الإفلات من العقاب والمحاسبة.
مرة أخرى، إنها خطوة جيدة لكنها لا تزال دون المستوى المطلوب. وتبدو في الواقع أنها جاءت، لتخفيف " الهياج" العالمي على سويسرا، أكثر من كونها وجدت من أجل تصحيح ما كان يجب أن يُصحح منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما انتشرت في هذا العالم، حكومات فاسدة ومارقة، هي أقرب إلى العصابات منها إلى نظم حكم، في دول حديثة الاستقلال، تحولت في الواقع من دول حرة من الاستعمار الأجنبي، إلى دول أسيرة استعمار محلي!. ومن قصور القانون السويسري الجديد، أنه وضع حداً زمنياً لتجميد الأرصدة المشبوهة. فإذا كان المشرعون يريدون حقاً تحقيق أهداف إنسانية وسامية من جراء قانونهم هذا، ويسعون إلى إعادة الأموال إلى أصحابها الحقيقيين، عليهم أن يفتحوا هذه المدة، أو ربطها بزوال الاشتباه في هذه الأرصدة. ومع ذلك، فإن الخطوة، يمكن التأسيس عليها، خصوصاً في أعقاب اعتزام دولة كبريطانيا، وقف مساعداتها لدول تحكمها أنظمة فاسدة، وفي ظل تعالي الأصوات المنادية بضرورة ربط المساعدات للدول الفقيرة بالتنمية فيها، واستثمار أفضل لثرواتها الطبيعية. فما كان مباح قبل الأزمة العالمية، لم يعد كذلك بعدها، و"شرفاء" الأنظمة الفاسدة قبلها، أصبحوا بمعايير الدول المناحة مجرد لصوص بعدها!.
سيحصل شعب هاييتي بعد القانون السويسري (على سبيل المثال)، على 7 ملايين دولار أميركي فقط، من أموال سرقها الحاكم السابق للبلاد جان كلود دوفالييه المعروف بـ"بيبي دوك". ولكن هل هذا حقاً ما سرقه هذا الديكتاتور الرهيب؟. وماذا عن ما سرقه روبرت موغابي رئيس زيمبابوي الحالي، وما نهبه تشارلز تيلور رئيس ليبيريا السابق، وغيرهما من الطغاة في الدول الفقيرة؟!. هل يتمتع هؤلاء بأرصدة غير مشبوهة؟. وهل يحتاج الكشف عنها، إلى قدرات خارقة من البحث والتقصي؟. أسئلة كثيرة، تحتاج لإجابات واضحة عليها، هذه المرة ليس من قبل المسؤولين السويسريين، بل من جانب القائمين على القطاع المالي في البلاد، ومن مسؤولي خزائن المصارف المليئة بالأموال المشينة.
إن الطريقة المثلى لإعادة ما نهب من الشعوب الفقيرة، ليس اللجوء إلى المحاكم، بل إلى التحقيقات النزيهة، وهذا أمر في غالية السهولة. فعلى مدى أربعة عقود من الزمن، قضت المحاكم السويسرية بإعادة ما يقرب من ملياري دولار أميركي إلى حكومات أفريقية وآسيوية وأميركية لاتينية، ولكن بعد صراع طويل مع القضاء، لإثبات أن هذه الأموال من مصادر غير مشروعة. وفي المقابل، وفي الفترة نفسها، خرج من القارة الأفريقية لوحدها أكثر من 1,8 تريليون دولار بصورة غير مشروعة، صبت أغلبية هذه الأموال في المصارف السويسرية، أو تلك التي ترتبط بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهذا يعني أن المحاكم، لم تحقق الحد الأدنى من العدالة، فيما يرتبط بالأموال المسروقة من الشعوب الفقيرة!. وعلى هذا الأساس، لا ينفع القضاء في مثل هذه الحالات. الذي ينفع حقاً، قرارات سياسية واضحة وحاسمة، وهذه لا تعيد فقط الحق المسلوب إلى أصحابه، بل تُسرع عملية إعادة الأموال، في الوقت الذي تحتاج فيه الدول الفقيرة، كل دولار "ممكن"، قبل الأزمة العالمية وبعدها، وقبل الخطوة السويسرية المتواضعة وبعدها. فالطغاة اللصوص لم يسرقوا أفراداً، بل نهبوا أمماً. والقضاء الذي ينفع في قضايا فردية، ليس سوى مضيعة للوقت في الحالات العامة.
إنها قضية أخلاق، لا مسألة قضاء. وهي مسؤولية أكبر بكثير من أن تُترك لحكومة سويسرية، لا تفرق بين لص سرق من متجر، وآخر سرقة أُمة بأكملها!.

الاثنين، 13 سبتمبر 2010

غذاء عالمي شحيح كماً ودسماً!

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



" الأوقات الصحيحة لتناول الطعام: للأغنياء عندما يجوعون، وللفقراء عندما يجدون شيئاً يُؤكل"
من الأمثال المكسيكية




محمد كركوتــي

تدور في أرجاء هذا العالم، رحى مصيبة غذائية عالمية جديدة، بعد أقل من ثلاثة أعوام فقط من أزمة الغذاء، التي صاحبت مقدمات وانفجار الأزمة الاقتصادية العالمية. والمصيبة الجديدة، هي في الواقع ليست جديدة، إنها من تلك المصائب الموجودة بصورة مستمرة على الساحة العالمية، تبرز في أوقات الازدهار (والفقاعات الاقتصادية)، وأزمنة المحن والانكماش أيضاً. فالقضية ليست مرتبطة بمصرف مُنهار أو قيد الانهيار، بل بأفواه من حقها على العالم، أن تجد ما تُملئ به لتعيش، لا لتخزن الدهون. وإذا كانت قضايا المصارف المؤسسات المتعثرة والمنهارة، تخص العالم المتقدم ( وخصت غصباً العالم غير المتقدم)، فإن مصيبة الغذاء لا تخص عملياً، إلا الدول الفقيرة، التي تعيش في عالم مجهول المستقبل، ومتلاطم المصير.

لنكن صرحاء لبعض الوقت. لم تنفع قمم الغذاء والمؤتمرات المنبثقة عنها واللجان المُشَكلة منها، طوال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، في الوصول إلى صيغة مُرضية، لعلاج أزمة الغذاء العالمي، مع التقدير – بالطبع – لحسن النوايا في هذا المجال ( وهي موجودة، بصرف النظر عن زخمها). وأقصى ما وفرته هذه المحافل الموسمية وأدواتها، أرضية هشة، لا تصمد أمام " أرق" الأزمات!. أرضية تتلاشى مع أول مشكلة، سواء أكانت بيئية أو بشرية أو اقتصادية أو سياسية. أرضية يغرق فيها المنقذون، فما بالنا بالمُنقَذين!. وسواء عُقدت هذه المؤتمرات أو لم تُعقد، فالأمر سيان. ففي الحالتين، الغذاء لن يتوفر، وإن توفر فإن لا يبلغ المستوى الآمن. وعندما انفجرت الأزمة الاقتصادية العالمية، لم يُصب الغذاء بمقتل فحسب، بل أصيبت كل المخططات الهادفة إلى إيجاد احتياطي غذائي معقول، وضربت احتياطياً غذائياً متواضعاً جداً كان موجوداً على الساحة. ولو أضفنا، الآثار الخطيرة للتغير المناخي، والكوارث الطبيعية التي تضرب مواقع الإنتاج الغذائي في العالم، فإننا أمام كارثة، ناتجة عن مسببات بشرية وبيئية واقتصادية.. بل وحتى سياسية. إنها كارثة كاملة، مثل الجريمة الكاملة. وعلى الرغم من التراجع المواضع لبعض أسعار المواد الغذائية – على المستوى العالمي – في العامين الماضيين، إلا أن هذا لم ينفع الفقراء، لأن الأزمة الاقتصادية العالمية قضمت مداخيلهم. فالذي كان يعيش على دولارين أميركيين في اليوم الواحد، أصبح يحيا على دولار واحد فقط!. أي أن الأسعار مهما تراجعت، لا تمثل فرصة مواتية وجيدة لهذا الفقير، لسد رمقه.

الذي يحدث بعد عامين تقريباً من اندلاع الأزمة الاقتصادية، أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بصورة كبيرة، دون ارتفاع دخل الفرد معها، وخصوصاً في البلدان الفقيرة. والحقيقة أن أحداً لا يستطيع أن يتنبأ بارتفاع المداخيل، في الوقت الذي لا يزال فيه العالم، يلمم جراح الأزمة، ولا يزال يسعى إلى وضع تصور معقول وواقعي للنظام الاقتصادي العالمي، تجنباً لأزمة جديدة ربما تكون أكثر "فجوراً" من تلك التي نحياها. وعلى هذا الأساس أطلقت الأمم المتحدة تحذيراً خطيراً، عن طريق مقررها أوليفييه دو شوتر المعني بقضايا الغذاء، الذي قال : "إن غالبية الدول الفقيرة معرضة لخطر أزمات غذاء بسبب أسعار المواد الغذائية الأساسية في السوق العالمية، حيث سجلت ارتفاعات كبيرة في سعر القمح، على أثر الجفاف الذي أدى إلى الحرائق في روسيا". وحسب شوتر، فإن ارتفاع الأسعار أدى – على سبيل المثال – إلى زيادة أسعار الخبر في بلد معدم كموزمبيق بنسبة 33 في المائة!.

لن أتحدث هنا عن تبعات ارتفاع الأسعار على الاستقرار الأمني والسياسي في أكثر من خمسين بلداً. فهذه لوحدها كارثة، تُراكم طاقتها للانفجار في أي لحظة، مع العلم بأنها انفجرت بالفعل في بعض الدول الفقيرة. وربما كانت الحكومة الموزمبيقية تحلت ببعض الحكمة، عندما تراجعت عن زيادة أسعار الخبز، ولكن بعد ماذا؟ بعد اندلاع احتجاجات أدت إلى مقتل 13 شخصاً و400 جريح و300 معقل!. وفي العالم العربي، حدث الأمر نفسه – ولو بصورة أقل عنفاً – في مصر. فيكفي مقتل شخص واحد فقط بسبب رغيف خبز، لتقترب الكارثة من الأبواب. وبالفعل أشارت تقارير صدرت في أعقاب قمة الأمن الغذائي العالمي، التي عقدت في روما قبل عامين تقريباً، برعاية منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو).. أشارت إلى أن ارتفاع أسعار الطعام بات يهدد بسقوط نظم الحكم في 50 دولة، وتوقع روبرت زوليك رئيس مجموعة الغذاء في البنك الدولي، "حدوث مزيد من أعمال الشغب المرتبطة بالطعام، وتفاقم الاضطرابات والمظاهرات، خاصة في النظم التي غابت فيها العدالة الاجتماعية، واتسعت فيها الفوارق الطبقية". ففي أعقاب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، سقطت حكومتا هاييتي ومدغشقر، وبالتأكيد فإن تداعي الحكومات لن يتوقف عند هاتين الحكومتين.
نحن نعلم أنه في غضون عام واحد فقط من اندلاع الأزمة، ارتفع عدد الجياع في هذا العالم من 800 مليون نسمة إلى مليار و200 مليون . فهؤلاء لا يعانون من الفقر بل من الجوع، أي أنهم دون الفقراء!. وهناك 25 ألف شخص و10 آلاف طفل يموتون يومياً – وليس كل قرن من الزمن – من الجوع. والمصيبة أن ظاهرة الموت جوعاً – لا حباً – وصلت إلى دول لم تكن تعرفها من قبل. وتكفي الإشارة إلى أن الأسعار المرتفعة للمواد الغذائية التي تُرهق الأميركيين الأكثر غنى نسبياً مقارنة بغالبية دول العالم، هي مدمرة بالنسبة للبلدان الفقيرة، حيث تنفق العائلات أكثر من نصف دخلها على الغذاء.

تقول الأديبة الأميركية بيرل باكس : "إن الجوع يحول أي رجل إلى لص". ولكي يُبقي العالم على "الرجال" شرفاء، عليه الوصول بأسرع وقت ممكن، إلى حلول ناجعة لهذه الكارثة. وإحدى المشاكل التي تعمق هذه الكارثة، أن الدول المانحة تركز على العون الغذائي ( رغم قلته)، أكثر من اهتمامها في توفير المساعدات الخاصة بالتنمية. فالولايات المتحدة الأميركية أنفقت لوحدها – حسب الإحصائيات الرسمية - أكثر من 20 ضعفاً على العون الغذائي لإفريقيا، بدلاً من مساعدات التنمية!. وإذا كان العون الغذائي يؤدي إلى تهدئة الأوضاع السياسية ( ولا أقول الاقتصادية والمعيشية)، فإن التنمية تؤدي حتماً إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي والمعيشي أيضاً. ومن المصائب أيضاً، أن الأزمة الاقتصادية العالمية، ضغطت بصورة تاريخية على الموازنات المخصصة للعون الغذائي نفسه. وهذا يكرس القضية كـ " كارثة كاملة"!. فالرغيف الكامل، "كش" حجمه إلى النصف، وفي كثير من الأحيان إلى الثلث. وليس مستبعداً في هذه العالم، وفي ظل الفشل في تأمين الغذاء، أن تُوزع الحبوب عداً .. لا كميةً!.

الأزمة العالمية، كانت بلاشك سبباً مباشراً لاستفحال أزمة الغذاء، ولكن السبب الرئيسي الأول، يعود إلى السياسات التي أبطأت النمو الزراعي في الدول الفقيرة، في العقدين الماضيين، وإلى تراجع الاستثمارات الأجنبية في الزراعة.

يقول مايكل بولان مؤلف كتاب "دفاعا عن الغذاء": " لقد خلقنا حالة سباق بين السيارات الأميركية السريعة، وهياكل الأطفال العظمية في إفريقيا.. ويمكننا أن نرى من الفائز". والحقيقة أنه لا فائز هنا. فـ " قنبلة الفقر والجوع"، لن تُحدث أضراراً في محيطها، بل ستنشر حممها وبراكينها في كل الأرجاء.

الثلاثاء، 7 سبتمبر 2010

"المستثمر الذكي" في عالم فقد الذكاء

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")








" نحن نعيش قلق ماذا سيكون طفلنا في المستقبل، لكننا ننسى وجوده الآن "
ستيسيا تاوشر كاتبة ومربية أميركية

 
 
 
محمد كركوتــي
 
في زحمة التعاطي مع القضايا العالمية الصعبة، ومراقبة ومتابعة تفاصيلها وشجونها. وفي خضم الاهتمام بأحداث اقتصادية وسياسية عالمية، تركت (وتترك الكثير) من التبعات ورائها، ما لا يطيق العالم تحمله، بل وما لا يقدر عليه. لم أستطع تجاهل الخطوة التي أقدمت عليها هيئة السوق المالية السعودية، بإصدارها مجلة " المستثمر الذكي"، الموجهة إلى الأطفال، لا الكبار. ولو استرجعنا الأحداث التي سبقت الأزمة الاقتصادية العالمية، لوجدنا أن غالبية المستثمرين الكبار، لم يكونوا أذكياء بما يكفي، لكي يحصنوا أنفسهم وأموالهم، بل وحتى أسرهم، من فوضى الاقتصاد العالمي، ومن وهم الأرباح، ومن هشاشة الفقاعة الاستثمارية. كان الجشع سيد الحراك الاقتصادي، وكان التسيب جزءاً أصيلاً من هذا الحراك. ولا أزال أتذكر رسماً كاريكاتيرياً (نشرته في كتابي الأخير عن الأزمة الاقتصادية، الذي صدر هذا العام بعنوان " زوبعة خارج الفنجان") للفنان اللبناني – السويسري باتريك تشاباتي، صَور فيه مسؤول في جائزة نوبل، يعلن عن فوز امرأة بالجائزة في مجال الاقتصاد، لأنها احتفظت بأموالها في منزلها!. فقد أراد أن يؤكد (في أعقاب الأزمة) بسخرية، على أن "الاقتصادي الذكي" هو ذاك الذي لم يتورط في اقتصاد عالمي ورقي ووهمي، بل ومريب.

وعلى الرغم من أن الحراك الاقتصادي العالمي، لم يكن بمعزل عن الانتقادات الحكيمة، والتنبيهات الواقعية، بل والتحذيرات الصادقة، إلا أن الغالبية العظمى من الذين استثمروا أموالهم وأموال غيرهم، وأولئك الذين استثمروا ما لا يملكون، لم يسمعوا تلك الانتقادات والتنبيهات والتحذيرات، بل كان بعضهم يسخر منها من مُطلقيها، ويصفهم بأنهم ليسوا سوى مجموعة من الهدامين المتشائمين، الذين لا يريدون للحراك الاستمرار والازدهار والنمو!. وهذا يعني، أنه لو صدرت مئات المطبوعات للتوعية الاستثمارية، بُغية تكوين "مستثمر ذكي كبير"، لما انتفع بها الذين وقعوا في براثن الأزمة. فالجهل (مع الجشع والوهم)، لم ينتج إلا مستثمرين غافلين، غارقين، إلى درجة أن أقر 22 في المائة من الأهالي البريطانيين، أواخر العام الماضي في استطلاع أجرته شركة التأمين "إنغيج مويتشوال"، وشمل ثلاثة آلاف والد ووالدة، أنهم اقترضوا من مَن؟ من حصالات أبنائهم، لدفع فواتير أو تسديد نفقات غير متوقعة، أو دفع مصاريف رحلة عائلية. وأقر هؤلاء أيضاً، بأنهم أحسوا بالذنب من جراء لجوئهم إلى الأموال التي وفرها الأبناء.

الأوقات تتغير.. وما كان لا ينفع قبل دخول الدول العربية ( وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية)، عصر الأسواق والتحرر الاقتصادي، وارتباط الاقتصادات ( لاسيما الكبيرة منها) بالحراك الاقتصادي العالمي.. ينفع الآن. وحصالات الأطفال التي كانت تُفتح في أي لحظة، يمكن أن تخضع لمعايير "الاستثمار الذكي". لا أحد يطالب الأهالي، بعدم اللجوء إلى حصالات أبنائهم في أوقات المحن، ولكن استخدام موارد هذه الحصالات، ينبغي أن يخضع لآليات الاستثمار البسيطة، ليس من أجل ضمان إعادة هذه الأموال، بل من أجل تثقيف الأطفال أصحاب الحصالات، في مجال الاستثمار والإنفاق والتدبر المالي. وهذا من أهم المعايير التي تسعى مجلة " المستثمر الذكي" إلى تكريسها، إلى جانب العديد من القضايا الأخرى، التي تضع غير البالغين، في دائرة التدبير المعيشي – الاستثماري. وعندما تقف هيئة الأوراق المالية وراء هذه المطبوعة التعليمية – الإرشادية- التثقيفية، تكتسب مادتها، كثيراً من المصداقية والعمق والفائدة. فهذه الهيئة ليست داراً للنشر، بل مؤسسة تسعى لتوعية الأجيال التي ستتسيد الساحة الاقتصادية – الاستثمارية في المستقبل، من خلال التجارب الذاتية – المحلية الجيدة وغير الجيدة، ومن خلال التجارب الخارجية التي فُرضت عليها، وفي مقدمتها الأزمة الاقتصادية العالمية، التي تسود معاييرها العالم على نطاق واسع، لم يسبق له مثيل.

إن الطفل يستطيع توجيه أسئلة، يصعب على الرجل الحكيم الإجابة عليها. ويقول الكاتب الأميركي نيل بوستمان : " إن الأطفال هم رسائل حية نرسلها إلى زمن، لن نكون موجودين فيه". وعلى هذا الأساس ينبغي أن تكون رسائل ذات معنى وأهمية، وقدرة على التعاطي مع أزمنة المحن وأوقات الازدهار، بصورة مستدامة لا فقاعية، وبشكل مرتب لا فوضوي، وبهيئة مُدركة لا جاهلة. والطفل الذي يفهم الاستثمار تدريجياً، بإمكانه تفادي الثغرات المتوقعة دائماً في الحراك الاقتصادي المحلي والعالمي، عندما يصبح القرار في يده، وبإمكانه أيضاً، أن يَصيغ "حياته الاستثمارية"، وفق ما هو موجود لا ما هو وهمي. ومجلة " المستثمر الذكي"، توفر له آلية فريدة من نوعها، ليس فقط في المملكة بل في العالم العربي ككل. وخلال عملي الصحافي الطويل في لندن، وبحثي عن مطبوعات أجنبية مخصصة للمستثمر الصغير، لم أعثر إلا على مجموعة من الكتب الموجهة إلى "المستثمر المراهق" أو Teenage Investor ، ومجموعة من المدونات الجديدة في هذا المجال، وبعض الموضوعات الموسمية في عدد من الصحف والمجلات. أي لم تقع في يدي أو عبر الإنترنت، دوريات متخصصة تتوجه إلى الأطفال أو المراهقين في مجال الاستثمار. وهذا يعطي "المستثمر الذكي" مزيداً من التميز، خصوصاً عندما تكون الجودة عنصراً أساسياً في هذه المطبوعة. وإذا كانت عجائب الدنيا سبع عندما نحن الكبار، فهي سبع ملايين في عيون الصغار!. وعلى هذا الأساس، فإن مهمة أي مطبوعة أو وسيلة إعلامية (موجهة لـ "المستثمر الصغير الذكي")، لا تنحصر فقط التوجيه والتوعية والتثقيف، بل في تقليل هذه العجائب عنده، ووضعه ضمن نطاق الواقع المجرد.

ولا شك في أن مجلة " المستثمر الذكي" تعي هذه الحقيقة، وقد بدا هذا واضحاً، من أعدادها الأولى التي صدرت. فقد قدمت نموذجاً في الوصول إلى الأطفال، يكفل لها مواصلة مهمتها، بل لنقل رسالتها، في عالم لم يفهم فيه الكبار، الرسائل الحكيمة التي وُجهت إليهم على مدى سنوات سبقت أزمة اقتصادية، بدت أمامها الأزمات السابقة، كرحلات استجمام.

إن بناء ذهنية بشرية بعيدة عن الأوبئة الاقتصادية التي أصابت العالم، لا يوفر تحصيناً مطلوباً لدى الصغار فقط، بل يمنح المستقبل الاقتصادي حكمة مكتسبة، خصوصاً عندما ينضم هؤلاء الصغار إلى الكبار، وينخرطوا حراك اقتصادي، لم يعد محصوراً في نطاقهم المحلي، بل هو حراك عالمي مفتوح على بعضه البعض.

الثلاثاء، 31 أغسطس 2010

"شرفاء" زمن الازدهار.. لصوص زمن الكساد!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")






" المبدأ الأول عند اللصوص، أن الشيء مهما صغر.. قابل للسرقة "
جيمي بريسلين صحافي وكاتب أميركي



محمد كركوتــي

إنه سؤال من تلك الأسئلة، التي لا نستطيع تفاديها أو الالتفاف حولها، خصوصاً عندما تكون القضايا التي تخصها، من البديهيات التي لا تحتاج إلى عباقرة لمواجهتها. وقبل السؤال، أطرح القضية. في إطار خطط التقشف البريطانية، المولودة من الأزمة الاقتصادية العالمية، تزمع لندن بحكومتها الائتلافية، وقف مساعداتها، لمن؟ للأنظمة الفاسدة. السؤال البديهي هو على الشكل التالي: هل كان الأمر يحتاج إلى أزمة بهذا المستوى العالمي، ومخططات تقشف بهذا المستوى التاريخي، لكي تفكر بريطانيا (وربما الدول المانحة الأخرى)، بوقف مساعداتها لهذه الأنظمة؟. وربما طوعنا السؤال بهذا الشكل: هل في أزمنة الازدهار، تُعمى الأبصار عن الأنظمة الفاسدة؟. وبتطويع آخر: هل يُحصن الرخاء الاقتصادي العالمي، الفاسدين؟. وبمزيد من التطويع: كيف تقبل بريطانيا السياسية ( ولا أقول الشعبية) على نفسها، أن تكتشف في الوقت "ما بعد الضائع"، ما هو مُكتشف أصلاً؟!، وهل كانت صماء، عندما كانت الأصوات تعلو مطالبة بوقف هذه المساعدات منذ سنوات؟!. لماذا انتظرت، حتى شحت أموالها واهتز اقتصادها، لتخطو مثل هذه الخطوة؟. ولعل السؤال الأهم هو : لو عاد الازدهار مجدداً، هل سيتحول الفاسدون بمعايير الدول المانحة إلى صالحين وشرفاء؟!.

يقول الفيلسوف اليوناني إيسوب :" نحن نشنق اللصوص الصغار، ونأتي باللصوص الكبار إلى السلطة". والواقع أن هذا ما يحصل منذ بدأ عصر ظهور الدول المانحة والدول الممنوحة. وعلى الرغم من كل الإحصائيات والتقارير العميقة والرصينة، عن فساد لا يوصف في الدول التي تتلقى المساعدات، إلا أن هذه المساعدات لم تتوقف، ولم تُربط بشروط ذات قيمة ووزن، من أجل أن تصل إلى مستحقيها الحقيقيين، لا إلى اللصوص الذين يفتحون صناديقهم وحساباتهم الأجنبية، لتمر عبرها أو لتستقر فيها، ومن أجل أن تلبي هذه المساعدات الاحتياجات الإنسانية، لا "الاحتياجات" الترفيهية لهؤلاء اللصوص. وربما قدم المستثمر والكاتب الاقتصادي الأميركي دوجلاس كاسي، أبلغ تعليق في هذا المجال عندما قال : "يمكن تعريف المساعدات الخارجية، على أنها تحويلات من الفقراء في الدول الثرية، إلى الأثرياء في الدول الفقيرة"!.

الآن– بعد الخراب- فقط، اعترف السياسيون البريطانيون ( وربما معهم الغربيون في وقت لاحق)، أن مساعداتهم للدول الفقيرة الغنية بالثروات الطبيعية، يبددها زعماء فاسدون!. والآن عرفوا، أن تحقيق الشفافية في استخراج الموارد الطبيعية في الدول الفقيرة، هو واحد من أهم المظاهر الأساسية للتنمية!. والآن انتبهوا إلى أن دافعي الضرائب لديهم يدعمون استراتيجيات تقليص الفقر، في دول لديها موارد مهمة لا يتم استخدامها لفائدة شعوبها!.

ولكي أُسهل الأمر على واضعي سياسات المساعدات في بريطانيا، أذكرهم بأرقام وإحصائيات وتقارير أعدتها مؤسسات بريطانية ودولية، بما في ذلك البنك وصندوق النقد الدوليين، وبنك التسويات الدولي. إن حجم الأموال المهربة من القارة الأفريقية، يفوق حجم المساعدات المالية المرصودة لتنمية القارة السمراء!. ويفوق ماذا أيضاً؟ حجم مديونية القارة برمتها!. وللمزيد، فإن الفرد الواحد في أفريقيا يخسر سنويا قرابة 989 دولاراً أميركياً منذ العام 1970، وأن الأموال المُهربة في العام 2008 لوحده، زادت عن إجمالي الناتج المحلي للقارة بـ7 في المائة!. وللمزيد أيضاً وأيضاً، فإنه على مدى أربعة عقود من الزمن، خرج 1.8 تريليون دولار أمريكي بصورة غير شرعية من القارة السمراء!. أين صبت أغلبية هذه الأموال؟ في المؤسسات الغربية، وفي النظام المالي الدولي المشين! والتقديرات وراء هذا الرقم ليست من تلك ''الجامحة''، بل من المحافظة جداً. فالتقديرات الأخرى تتحدث عن 2.4 تريليون دولار في الفترة المذكورة!. أي أن هذه القارة خسرت قرابة 500 مليار دولار أمريكي كل عشر سنوات. وبعض من مزيد، فخلال أربعة عقود أيضاً، فاق حجم الأموال التي تم تهريبها للخارج من أربع دول أفريقية فقط 210 مليارات دولار!. وهذه الأموال هي ببساطة، خسائر مباشرة لكل فرد يعيش في دول تحكمها أنظمة فاسدة أو مارقة، وهي ضريبة غير مُعلنة فرضها الفاسدون عليه، وتقاضوها دون علمه أو بعلمه لا فرق. هي أموال العلاج والتعليم والتشغيل واستثمار الثروات الطبيعية. أموال لجلب المياه الصالحة للشرب الآدمي، وللتنمية الزراعية والبشرية. هي أموال لصيانة كرامة الإنسان هناك. أموال ليست فقط كافية لتسديد الديون الخارجية للدول الأفريقية البالغة – حسب لوائح العام 2008 - 250 مليار دولار، بل يمكن أيضاً أن تحقق معدلات عالية جداً للنمو.

إذن.. لم تكن بريطانيا ( وغيرها) بحاجة إلى أزمة لكي تعرف الحقيقة. وإذا أرادت الحكومة فيها معرفة الحقائق أكثر وبجهد خاص، ما عليها إلا أن تستعرض حجم وقوة ''نظام الظل المالي العالمي'' أو global shadow financial system، الذي تصب فيه الأموال السوداء المسروقة من القارة السمراء. وهذا لا يعني أن الفساد سمة خاصة بأفريقيا، فهو موجود في كل مكان، لكن.. لأن هذه القارة تستحوذ على أكبر نسبة من المساعدات الخارجية، فإن أعين المراقبين – لا السياسيين – عليها أكثر من غيرها. كما أننا لا نتحدث هنا عن عمليات غسيل الأموال التي تجري في "مصابغ" هذا النظام، وأموال المخدرات التي سندت النظام المالي " الشرعي" في محنته. بل نتناول فقط أموال المساعدات، التي لم تساعد إلا اللصوص أو الفاسدين، كما يحلو للمسؤولين الغربيين وصفهم.

لو أتى الموقف البريطاني الجديد، قبل الأزمة الاقتصادية العالمية، لكان وقعه أكبر وقيمته أعلى، ولسد الطريق أمام المشككين أو المرتابين في النية البريطانية، الذين يستطيعون القول: لولا التقشف والشح المالي والديون الحكومية، لما "عثرت" الحكومة البريطانية على هؤلاء الفاسدين. ولولا التردي الاقتصادي، لما فرقت هذه الحكومة، بين الشرفاء واللصوص. وإذا أرادت الدول المانحة، أن تُكفر عن أخطائها في هذا المجال، وتنقذ ما يمكن إنقاذه، أمامها مهمة أخرى، تنحصر في متابعة وملاحقة الأموال التي هربت من الدول التي تتلقى المساعدات، وترتبط بـ " نظام الظل المالي العالمي"، الذي يعمل بصورة أساسية في الدول المانحة نفسها. وإذا شكلت الأزمة الاقتصادية، حافزاً للدول الكبرى للتفكير في مصير مساعداتها، لتشكل دافعاً للنيل من اللصوص السابقين أيضاً، واستعادة ما أمكن من الأموال المسروقة، خصوصاُ وأنها – أي الدول الكبرى – تعيش في خضم إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، والنظام المالي ( بشقيه الشرعي والفاسد)، هو جزء أصيل من عملية التشكيل هذه. وإذا لم تستطع مجموعات الدول الكبرى التقليدية، القيام بهذه المهمة التاريخية، لتترك المجال لمجموعة العشرين، التي تضم أطياف متنوعة من القوى في العالم.

وعلى الرغم من أن الخطوة البريطانية جاءت "موسمية"، إلا أنه يمكن التأسيس عليها، ويمكن أن تقود لندن مسيرة وقف المساعدات الدولية عن الأنظمة الفاسدة في كل القارات، وليس القارة الأفريقية فقط. إن الأمر ليس صعباً من جهة التخطيط، بل هو صعب من ناحية التطبيق والتنفيذ. وهذه من المسائل التي لا تنفع معها السياسية ولا الدبلوماسية ولا المرونة. الذي ينفع معها حقاً، موقف استراتيجي حازم، سيحول المساعدات من "مستودعات" الأموال المسروقة الهائلة، إلى جيوب الفقراء الصغيرة. هذا إن كان في ملابس هؤلاء جيوب أصلاً.


الثلاثاء، 24 أغسطس 2010

صندوق النقد الدولي.. ليس "حصالة" أوروبية!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")











" أن تبقى خارجاً أسهل من أن تنجح في الدخول "
مارك توين أديب أميركي

 
 
محمد كركوتــي
 
بصرف النظر عن الملاحظات التي قد توجه لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، في عدد من القضايا العالمية، إلا أنها تمكنت في أقل ما عامين على وجودها في البيت الأبيض، أن تستحوذ على قسط من الحكمة، التي كانت دائماً (في الغرب) من نصيب الدول الأوروبية، لاسيما الكبرى منها. ففي غضون الفترة القصيرة التي مرت على هذه الإدارة، ظهر بوضوح اهتزاز "الرصانة" الأوروبية، التي كانت في السابق (في ظل وجود بعض الإدارات الأميركية المضطربة والمهزوزة وحتى الجاهلة)، بمثابة صمام أمان، في "مصنع" صنع القرار العالمي، وشكلت هذه الرصانة، ملاذاً للمتضررين من القرار الأميركي الذي يخص الحراك العالمي.

كان الأوروبيون يلجمون الجموح الأميركي متى استطاعوا، وكانوا يُصوبون الأخطاء، متى سنحت لهم الفرص. وفي الوقت الذي سنحت لهم فرصاً لتناغم واقعي مع الأميركيين، بوجود إدارة آمنت بضرورة إتباع سياسة "الإشراك"، لعب الأوروبيون – في بعض الحالات – الدور الأميركي غير الراشد، مع إدارة أميركية أكثر رشداً من غالبية سابقاتها!. وقد تجلت هذه الحالة بوضوح، من خلال البحث عن حلول ناجعة للأزمة الاقتصادية العالمية، بما في ذلك إقرار إصلاح اقتصادي عالمي. فقد اختلف الأوروبيون مع الأميركيين في طبيعة الحرب على الملاذات الضريبية الآمنة، والتزموا بحرب أقل هجومية. واختلفوا أيضاً في مسألة فرض ضرائب على العمليات المصرفية، وفضلوا أن لا تكون قوية. واختلفوا أيضاً وأيضاً، في لجم مكافآت ورواتب رؤساء المصارف، واستحسنوا أن تكون عملية الـ " لجم" هادئة ومتهاونة، واختلفوا في النمو الاقتصادي، فأرادوا تقشفاً لم يُقنع الأميركيين.

وقد أحب الأوروبيون الإبقاء على ما أمكن من قوة التجمعات التي تضم الدول التقليدية الكبرى، بينما فضَل الأميركيون تدعيم قوة مجموعة العشرين التي اتخذت زمام المبادرة في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية. وبدا واضحاً، أن بعض قادة أوروبا يرغبون بالتمسك أطول زمن ممكن، بالمعايير التي قام عليها الاقتصاد العالمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بينما وجدت إدارة أوباما، أن الوقت قد حان لإدخال إصلاحات عليها، علماً بأنها لم تعد تصلح لعالم ما بعد الأزمة، مهما كانت عمليات " التجميل" مُتقنة. ولو قمنا باستعراض طبيعة العلاقات الأميركية – الأوروبية منذ وصول إدارة أوباما إلى السلطة، نجد أنها تبتعد بمقدار اقتراب العلاقات الأميركية مع بقية دول العالم، خصوصاً مع منطقة شرق آسيا. ويبدو أن العالم يحتاج إلى جانب الإدارة الأميركية الديمقراطية، القيادات الأوروبية التي حكمت في سبعينات وثمانينات والسنوات الأولى من تسعينات القرن الماضي. فقد كانت أوروبا تنعم بقادة أكثر حكمة ورصانة وتأثيراً.. وحتى مقاماً، من تلك القيادات التي تحكم أوروبا الآن.

وقفت أوروبا (ولا تزال)، ضد المحاولات الأميركية الجديدة لمنح بعض الصلاحيات الأوروبية في صندوق النقد الدولي إلى الدول ذات الاقتصادات الناشئة، والتي استطاعت أن تحتل مكانة متعاظمة في السنوات القليلة الماضية، وتدعمت مكانتها في أعقاب الأزمة العالمية. فالمجلس التنفيذي في الصندوق ( وهو أهم أجهزة صنع القرار) بات " مُلكاً" للدول الأوروبية، من فرط تمثيلها الكبير فيه. فهي تحتل تسعة مقاعد من أصل 24 مقعداً في المجلس المذكور، ولا ترغب أيضاً باقتراح أميركي لخفض عدد المقاعد من 24 إلى 20 مقعداً في إطار صلاحيات أوسع، من شأنها أن تمنح القوى الاقتصادية الناشئة صوتاً أعلى في قرارات الصندوق، بصورة تعكس تنامي النفوذ الاقتصادي لهذه القوى. ولأن الأوروبيين يريدون احتلال مقاعدهم إلى الأبد – مثل الأنظمة الديكتاتورية – بل وزيادة نفوذهم في الصندوق، يحاولون بشتى الوسائل تخليص دولة مهمة كالمملكة العربية السعودية التي أصبحت من الأعمدة الأساسية للصندوق، من بعض صلاحياتها ومنحها إلى دول أوروبية مثل أسبانيا، كما أنهم لا يرغبون بنفوذ مؤثر للصين التي تفوقت من حيث حجم اقتصادها على اليابان، واحتلت مكانتها الثانية في قائمة الاقتصادات الكبرى.

ورغم المحاولات الأوروبية لاقتناص ما أمكن من حقوق التصويت الخاصة بالسعودية في صندوق النقد الدولي، من أجل الالتفاف على المحاولات الأميركية، إلا أن المملكة أيدت منذ البداية، المخططات الرامية لزيادة نفوذ الدول الصاعدة في الصندوق. فقد عرفت أن ذلك يدخل في إطار التحولات الضرورية. فلا يمكن أن يستمر العمل بمعايير اتفاقيات " بريتون وودز" (التي وُضعت في العام 1945 وأوجدت هذا الصندوق الذي يضم الآن 186 دولة)، في القرن الحادي والعشرين، وبعد ماذا؟ بعد أزمة لم تغير وتربك المعايير فحسب، بل وضعت معاييرها. كيف سيكون الإصلاح المزمع إصلاحاً، إذا ما نجحت الدول الأوروبية في تخليص دول ناشئة وصاعدة وفاعلة عالمية – كالسعودية – من "ممتلكاتها" التصويتية؟!. ببساطة تريد أوروبا أن يدفع الصاعدون "فاتورة" الإشراك المُستحق للصاعدين الجدد، وتقاوم كل المحاولات لوضع الأمور في نصابها الطبيعي، خصوصاً وأنها – أي أوروبا – لا تزال تعيش في أوهام ماض ولًى منذ وقت قريب لا بعيد!. ولا تزال تعتقد بأن ثقافة " بريتون وودز"، التي سببت أزمات متلاحقة للعالم أجمع، وزعتها على كل عقد من الزمن تقريباً، يمكن أن يكون لها موطئ قدم في عالم، تبدلت فيه معايير الكبير والصغير. وربما لا تزال تعتقد، بأن القرارات التي كان تَصدر بـ " التمرير" يمكن أن تنسحب على عالم اليوم!.

لم يحدث من قبل أن استعرضت الولايات المتحدة الأميركية عضلاتها بهذه الطريقة مع شركائها الأوروبيين. فقد اعتبرت – بل وأعلنت- أن ما يؤخر خطوة تاريخية كهذه، هو العجز الأوروبي في تعزيز إصلاح الصندوق. ومن الواضح أنها وضعت هذه القضية ضمن نطاق مفهومها للإصلاح الاقتصادي العالمي. فهي لا تريد لصندوق النقد الدولي أن يكون بمثابة "حصالة" أوروبية، أو شركة تابعة للقارة العجوز، أو مصرف من المصارف الأوروبية – وحتى الأميركية - المشينة. وإذا أراد الأوروبيون صندوقاً يتسيدون فيه المشهد العالمي، لينشئوا "صندوق النقد الأوروبي"، علماً بأنهم فشلوا في الوصول إلى قاسم مشترك فيما بينهم لتأسيس مثل هذا الصندوق. فالقضية باتت أكبر بكثير من ناد يسيطر عليه طرف ما، أومن منظمة تقبع تحت وصاية جهة معينة.

ما يحتاجه الاقتصاد العالمي، وهو في طور خضوعه للإصلاح الشامل، أن يَخضع صندوق النقد الدولي إلى معايير الحوكمة، تماماً مثل أي مؤسسة عالمية أو محلية. بل أن حوكمة الصندوق ينبغي أن تشكل جزءاً أصيلاً من عملية الإصلاح. فهذا الصندوق تدخل – ويتدخل – عشرات المرات من أجل إنقاذ اقتصادات قابلة للانهيار، والمخططات التي يضعها والأموال التي يمنحها، تمر عبر مجلسه التنفيذي. ومن حق الدول الصاعدة أن تكون لها كلمة مسموعة في حراكه وآفاق عمله، لا كلمة للاستهلاك الإعلامي فقط. كلمة توازي القوة المتكسبة لهذه الدول، التي – لمن نسي – لم تكن طرفاً في ارتكاب الأزمة العالمية الراهنة، التي لم تخلط الأوراق فحسب، بل أوجدت حقائق، دمرت كل "الحقائق" التي اعتاد العالم عليها طوال أكثر من ستة عقود من الزمن. أوجدت تغييراً حتمياً لا اختيارياً. فالاختيار لا مكان له، عندما يكون الجميع في قارب واحد، وعندما تكون الأمواج أعلى من هامة الكبار، وأكبر من قدرتهم على السباحة.

الثلاثاء، 17 أغسطس 2010

شباب البطالة!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")










" ما جدوى أن تكون عبقرياً طالما أنك لا تستطيع أن تستخدم عبقريتك كحجة لبطالتك"
جيرالد بارزان كاتب ومؤلف أميركي

 
 
محمد كركوتــي
 
إذا كان انهيار المصارف والمؤسسات الكبرى والصغرى، مثَل الوجه "البطولي" للأزمة الاقتصادية العالمية، فإن انتشار البطالة بأنواعها (وهي كثيرة) يُمثل وجهاً بطولياً للأزمة الاجتماعية – المعيشية – الإنسانية، التي وُلدت ( ولا تزال تتوالد) من الأزمة الكبرى. والمفجع، أن مصيبة البطالة، هي عبارة عن مجموعة من المصائب، بدأت بتسريح الموظفين والعمال، بأعداد تاريخية هائلة ( قسراً وطوعاً)، واستمرت بتشغيل الأطفال، وارتفاع عدد الشبان العاطلين الذين لم يدخلوا أصلاً سوق العمل، بل وتسريح من دخلوا منهم بالفعل إلى هذه السوق، لفترات تحسب بالأشهر لا بالسنوات ولا بالعقود. ماذا كانت النتيجة؟ تعاظم الفقر والجوع والجرائم والضياع الاجتماعي، وتشتيت شمل الأسر، بل وانهيارها!. وقد وصل الأمر إلى حد، تغير معه مفهوم أن المصائب الكبرى تولِد مصائب صغرى. فما نشهده على الساحة العالمية، أن المصائب الكبرى تأتي بمصائب كبرى، وفي بعض الحالات توِلد مصائب أكبر منها!.

وهذا ليس غريباً في عالم هائم بما هو غير مُحتمَل وما هو غير مُتصَور وما هو غير وارد. إنه عالم "العجائب" الاقتصادية، التي صدمت الجميع، بما في ذلك أولئك الذين ارتكبوا الأزمة الكبرى، وكانوا يدَعون بأنهم يملكون الرؤية التي تُمكِنهم من تفادي الأزمات والمصائب، وأنهم يستطيعون إصلاح الخلل فور وقوعه.. بل وتفاديه!. وكانت النتيجة، أن الخلل لم يكن سوى كارثة، لا تحدث إلا مرة كل قرن من الزمن، كما قال "زعيم" المُدعين الاقتصاديين آلان جرينسبان رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق ( البنك المركزي)!. والمشكلة، أن المصيبة الكبرى جداَ، لم تترك مجالاً للتحرك الفعال والسريع أو المناورة الضرورية. بل لم تفسح المجال، حتى لتصور الممكن أو المتاح!. سدت كل الطرقات والمنافذ، وأصبح التحرك – أي تحرك – معها شيئاً من العبث، وفي أحسن الأحوال بلا جدوى. ولعل هذه المصيبة هي الوحيدة في التاريخ، التي لن تزول، دون أن يكون للزمن حصة تصل إلى 90 بالمائة من الحل!. لماذا؟ لأن أدوات الحلول لم تعد صالحة، والصدأ الذي أصابها، تجاوز إمكانيات إعادة تأهيلها للعمل، إلى جانب أمراض "الشيخوخة" الاقتصادية التي ضربت الدول الكبرى في الوقت المناسب. أي أنها لم تُصب بـ شيخوخة" مبكرة.

في منتصف ثلاثينات القرن العشرين، وفي عز الكساد العظيم، كان العالم أكثر واقعية وحكمة، عندما وضع كارثتان لا ثالث لهما على رأس أولوياته. البطالة، والتهديد بنشوب الحرب. وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وبعد انفجار أزمة اعتبرها العاقلون أعظم من الكساد العظيم، لم تمثل البطالة سوى قضية خطيرة جداً، لكن لتنزوي خلف القضايا الأخرى في الوقت الراهن!!.

البطالة الجديدة، هي تلك التي تعم أوساط الشباب، وتقطع الطرق أمامهم للحصول حتى على وظائف غير مستدامة، أو على طريقة " عمال التراحيل". هذا النوع من البطالة، أوجد جيلاً ضائعاً ومحبَطاً على مستوى العالم. وطبقاً لآخر دراسة أصدرتها منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة، فإن العام يعج بأكثر من 81 مليون عاطل عن العمل، تتراوح أعمارهم بين 15 و 24 سنة. وهذه النسبة ضمن هذه الشريحة، هي الأعلى الإطلاق في تاريخ العمالة!. والواقع، أنه في الأشهر القليلة التي سبقت الأزمة العالمية في عام 2007 ( وإن انفجرت في العام 2008) بلغت النسبة الكلية للبطالة في العالم 11,9 في المائة، وارتفعت حتى نهاية العام 2009 إلى 13 في المائة، ومن المتوقع أن تستقر عند نهاية العام 2010 في حدود 13,1 في المائة. وعلى الرغم من بعض التوقعات بأن تنخفض البطالة إلى 12,7 في المائة في العام 2011، إلا أن المؤشرات كلها تدل على عكس ذلك. خصوصاً في ظل تعاف اقتصادي عالمي منكمش، أو نمو هش.

ومنذ منتصف العام 2007 أُضيف 7,8 مليون عاطل، إلى "عديد" العاطلين الشباب، وأُضيف معهم همٌ، لا يقل فداحة عن الهموم الكبرى. وعلينا أن نتخيل صورة أداء الاقتصاد العالمي، عندما يكون هذا العدد الهائل من مُحركي التنمية الاقتصادية، بلا عمل، وبلا مؤشرات على إمكانية إخراطهم في المستقبل بالسوق!. ماذا يحدث في المقابل؟ تقوم الدول الكبرى ( وفي مرحلة لاحقة الصغرى)، بسن قوانين لرفع سن التقاعد، ليس من أجل الحفاظ على مشاعر العاملين الكبار، وإبقائهم في مواقعهم أطول فترة ممكنة، لكي يشعروا بأنهم لا يزالون قادرين على العطاء، بل من أجل توفير الأموال، لكي تستطيع المؤسسات والشركات التي نالت منها الأزمة، تعويض خسائرها، وتسديد فواتيرها الإنقاذية. ولهذا السبب ( بالإضافة إلى أسباب أخرى لا تقل ضرراً)، فإن الأبواب تغلق أمام طالبي العمل من الشباب، على الرغم من أنهم يطرقونها بكل ما يملكون من قوة. ويرى المدير العام لمنظمة العمل الدولية خوان سومافيا، أن التخلي (أو لجم) طاقات الشباب "يسبب خسارة اقتصادية قد تخل باستقرار المجتمع".

وهذا صحيح إلى أبعد الحدود، خصوصاً في الدول الناشئة، التي تشكل شرائح الشباب فيها قرابة 90 في المائة من عدد سكانها. ولكن لتخفيف المرارة في أوساط الشباب الذين يعيشون في الدول الفقيرة والناشئة، أظهرت الأرقام أن ارتفاع نسبة البطالة عند الشباب في الدول الصناعية، لاسيما في وسط أوروبا، بلغ 45 في المائة، في حين بلغ في الولايات المتحدة الأميركية 18 في المائة. ولكن لا عزاء للعرب. فالجهات الرسمية العربية تُقدر عدد العاطلين الشباب بحدود 25,7 في المائة، وهي النسبة الأكبر على مستوى العالم، وأعلى من المتوسط العالمي بنسبة 77.8 في المائة، إلا أن واقع الحال يطرح نسبة أكبر منها ( بعض الجهات تقدر نسبة العاطلين من الشباب العرب بـ 50 في المائة).

إذن.. المصيبة عامة، كعموم الأزمة الاقتصادية العالمية، مع فارق كبير، هو أن التشريعات في الدول الصناعية، تمنح العاطلين ( شباباً وكباراً)، كرامة ليست متوفرة لشعوب الدول الفقيرة. ومن المشاكل أيضاً، أن توفر العمل، لا يتيح حياة كريمة للعاملين الشباب. فعلى سبيل المثال فشل في العام 2008 ما يقرب من 152 مليون شاب ( أي ما يوازي 28 في المائة من هذه الشرائح) في الخروج من حالة الفقر، رغم أنهم يعملون، وذلك لأن ما يكسبه الفرد الواحد منهم لا يزيد عن 1,25 دولاراً أميركياً في اليوم الواحد. أي أن هذا الدخل، ليس كافياً إلا لشراء الرغيف، ولا بأس من بعض الملح معه!.

هذه الحقائق، تطرح سؤالاً طبيعياً مُلحاً. ما هو الحل؟. الحل المنطقي ببساطة، هو قيام الحكومات بتنفيذ برامج لدعم توظيف هذه الشريحة في مجتمعاتها. وهنا تظهر المعضلة. هذه الحكومات تقوم في الواقع بخفض موازناتها من أجل تسديد ديونها الهائلة، وإعادة شيء من الاستقرار لاقتصادات بلادها. فلا أموال موجودة، ولا مشروعات متوفرة، ولا أمل في المستقبل المنظور، يمكن التمسك به. وإذا قلنا، إن الاستثمارات الخارجية تساهم في عمليات التوظيف، فإننا نصطدم بشح أموال الجهات الخارجية.

الشيء المؤكد، هو أنه ليس أمام هؤلاء الذين يُفترض أنهم عماد التنمية الاقتصادية، سوى التضرع إلى الله.

الثلاثاء، 10 أغسطس 2010

مراقبة الرقيب!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")







" لكي تتعلم قول الحقيقة، عليك أن تتعلم سماعها "
صموئيل جونسون أديب وكاتب بريطاني


محمد كركوتــي

بعد المصارف ورؤسائها، والأسواق المالية وسماسرتها، والمؤسسات الاستثمارية و"فطاحلها". وبعد الحكومات وسياسييها، والأحزاب وقادتها. وبعد الشركات الاستشارية و" عباقرتها".. جاء دور وكالات التصنيف (التقييم)، برؤسائها وباحثيها ودراساتها وبياناتها وجداولها، وبـ "إلهامها" التنبؤي، ومساهماتها "الإرشادية" غير التنويرية. فعلى مدى عقدين من الزمن، لم يقف شيء في وجه هذه الوكالات. ولأن الأمر كذلك، لم تُدخل على نفسها إصلاحات، حتى ولو كانت متواضعة. فقد كانت تعتبر نفسها فوق كل الإصلاحات والشبهات. كيف لا؟ وهي التي وهبت لنفسها الحق في توجيه الآخرين ـ "إصلاح" أنفسهم، ولاقت قبولاً منقطع النظير لدورها هذا، ولآلياتها التصنيفية، وبالتالي لكل ما يصدر عنها، بصرف النظر عن قيمته.

قبل الأزمة الاقتصادية العالمية، تحولت وكالات التصنيف إلى ما يشبه الطغاة، الذين لا يحبون سماع سوى كلمتين فقط من الرعية، هما " السمع والطاعة". ولا بأس من مكافآت هائلة يتلقونها من السامعين والطائعين!. هذه "المكافآت" كانت بمثابة رشاوى، تقدمها مؤسسات تسعى إلى تصنيف عالي المستوى، حتى وإن كانت هي نفسها دون المستوى!. بينما كانت الحكومات تستجدي هذه الوكالات، خوفاً من تصنيف، لا يضر السياسيين فحسب، بل يؤذي الاقتصادات الوطنية، ويثير الشكوك حولها. وفي فترة زمنية طويلة، كانت التصنيفات الخاصة بالشركات والمستثمرين الكبار ( من بينهم المستثمر الوهمي المحتال برنارد مادوف) تصدر على حسب الأجور التي تتقاضاه وكالات التصنيف، بما في ذلك تلك التي تحتل مكانة مرموقة في الحراك الاقتصادي العالمي. ولذلك فقد أشادت وثمنت شركات ومصارف قبل أيام من انهيارها، ورفعت مؤسسات إلى أعلى المستويات، بينما كانت تصارع الموت، وتستجدي مالاً حكومياً لإنقاذها أو لتعويمها، ولإبقاء ما أمكن من دماء في عروقها. وبينما كان رؤساء المصارف يلملمون أوراقهم ومكافآتهم الهائلة، تحت جنح الظلام للهرب من الساحة، كانت وكالات التصنيف تمنحها درجة ( إى إى إى )، إلى حد أذهل الرؤساء الهاربون أنفسهم!.

لم يتحرك أحد من أصحاب القرار للجم هذه الوكالات. وإذا وجد من يرفع صوته عالياً داعياً إلى إخضاعها هي نفسها للتصنيف والتقييم، كان يواجه اتهامات، بأنه نذير شؤم ومحبط، وفي أحسن الأحوال ليس متفائلاً. ولأنها وصلت إلى مرحلة التقديس، فلم يُسمح لأحد ( أو لجهة) بانتقادها، خصوصاً عندما يكون الحراك الاقتصادي متفاعلاً و "رشيقا وجذاباًً"، بصرف النظر إذا ما كان هائماً على وجه أم لا، أو إذا ما كان متفاعلاً في حراك فوضوي "فقاعي"!. وكما أُسكتت الأصوات التي كانت تنادي بضرورة الإصلاح، وبوقفة لتقييم أدوات الاقتصاد، كذلك أُسكتت الأصوات المنادية، بتقييم المصنِفين. وعندما يكون شعار المرحلة الطويلة "دع الأسواق تعمل، وإنها قادرة على تصحيح نفسها"، لا مكان للمنتقدين، ولا لأولئك المتشائمين. لقد كان شعاراً وفر كل غطاء ممكن، لكل حركة فوضوية تسود السوق.

بعد "قنبلة" الأزمة الاقتصادية، عرف العالم أن وكالات التصنيف، لم تكن سوى بوق لمؤسسات وشركات ومصارف تعمها الشكوك ومعها الفشل. ولم تكن سوى أداة للتخويف من الاقتصادات الوطنية خصوصا في الغرب. وعندما كان ترفع تقييم ومستوى شركة أو مصرف في اليابان -على سبيل المثال- كانت في المقابل تُخفض – من دون وجه حق – مستوى الاقتصاد الياباني، والأمر ينطبق على غالبية الدول الغربية، التي وجدت في هذه الوكالات، عدواً ينبغي الوقوف في وجه، أو على الأقل تحييده. وعندما استفحلت الأزمة، ونالت من كل شيء، صار بيان من سطر واحد فقط يصدر عن وكالات التصنيف، يمثل خطورة وطنية وقومية للبلد المصنَف، لاسيما إذا ما كان هذا البيان متجاوزاً للواقع. وهذا لا يعني أن تقوم الوكالات المعنية بتغطية الحقائق، ولكن عليها أن تقدم الحقائق كما هي. فمسؤولية وكالات التصنيف ليست اقتصادية فقط، بل أخلاقية أيضاً.

هذا التردي لم يجعل من الوكالات عدواً للحكومات فحسب، بل أيضاً للمؤسسات الدولية، التي وجدت في تقييم الوكالات إحباطاً غير مبرر، للحكومات وشعوبها، الأمر الذي دفع رئيس البنك المركزي الأوروبي جان كلود تريشيه إلى القول:" إن العالم يحتاج إلى أكثر من ثلاث وكالات رئيسية للتصنيف الائتماني، لأن تحركاتها تؤجج تقلبات السوق". ومضى المسؤول الدولي أبعد من ذلك عندما قال:" إن وكالات التصنيف تميل بشكل عام، إلى تضخيم الارتفاعات والانخفاضات في الأسواق المالية، ومازال من الممكن رؤية ذلك بوضوح اليوم. هذا يؤثر على الاستقرار المالي". ولعل أبلغ مثال على ذلك، قيام وكالات التصنيف بتهوين قدرة منطقة اليورو، على التعامل مع أزمة الديون الحكومية ( السيادية)، في الوقت الذي يرى فيه أي مراقب متوازن الرؤية، بأنه من الخطأ التقليل من قدرة أوروبا، خصوصا في منطقة اليورو.

هناك وكالات تصنيف عالمية رئيسية، وأخرى بالعشرات ( إن لم تكن بالمئات) موجودة على الساحة. والحل في الحقيقة، ليس بزيادة عدد الوكالات الرئيسية ( أو غير الرئيسية)، بل بتأسيس منهج جديد، يقوم على حوكمة وكالات التصنيف كلها، وهذا لن يتم إلا بإشراف دولي ( عن طريق الأمم المتحدة أو مؤسساتها الدولية مثلاً)، بعيد عن أيادي الحكومات ومكاسب الوكالات. وإذا تعذر الوصول إلى هذه الحالة الرقابية، ماذا يضير من وجود لجان مستقلة على طريقة الـ " ووتش دوج" Watchdog ، سواء أكانت وطنية أو دولية؟. فإذا كانت الوكالة متخصصة في تصنيف قدرات ومقدرات الدول، فلماذا لا تخضع إلى رقابة دولية محايدة؟. لماذا لا يتم البحث عن صيغة ما تحل المعضلة الكامنة، في أن المصنف ( بكسر النون)، يحصل على أتعابه من المصنف ( بفتح النون)؟. هناك الكثير من الخطوات الضرورية التي ينبغي القيام بها، لحل واحدة من أكبر المشاكل. ولا يمكن بأي حال من الأحوال، أن تحقق مشروعات الإصلاح العامة التي تشمل المصارف والأسواق المالية والمؤسسات الكبرى، نتائج عملية دون التعاطي السريع مع هذه القضية، وفق منظور مختلف، يأخذ بعين الاعتبار الأزمة الاقتصادية الراهنة، التي يعرف الجميع أن وكالات التصنيف كان له دور في صناعتها.

قد يحتاج العالم إلى وكالات تصنيف رئيسية جديدة ( وربما بديلة)، لكن تزايد أعدادها، سيجلب معه أزمة جديدة، إذا ما ظلت هذه الوكالات بعيدة عن تشريعات مستحدثة، وأدوات رقابية، لا تسترها، ولا تستر معها في الوقت نفسه الجهات الخاضعة للتصنيف. كما أن الانتشار العشوائي والفوضوي للوكالات المتخصصة في تصنيف المؤسسات ( المصارف على رأسها)، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التصنيفات غير المستحقة، التي بدورها ستنشر حالة من التمويه، تشبه تلك التي كانت في خضم مقدمات الأزمة. يضاف إلى ذلك، أن وجود وكالات خاضعة لمعايير الشفافية والجودة وحتى الحوكمة، سيجعل من حجج الحكومات "المتظلمة" واهية، وسيمنح المستثمرين (لاسيما الصغار منهم)، معلومات فائقة الجودة، عن مؤسسات وشركات ومصارف، لا تستحق امتياز الجودة. يجب أن تكون هذه الوكالات مثل الطبيب، الذي لا يخفي شيئاً للمريض عن حالته، ولكنه لن يوفر وسيلة لعلاجه. لقد أصبح ضرورياً الآن، مراقبة الرقيب، الذي أخطأ مرات لا تحصى، وساهم في جلب أزمة لا يزال العالم يحصي خسائرها.



الأحد، 8 أغسطس 2010

محتوى على الهواء العربي.. بوزنه!

( هذا المقال خاص بمجلة إذاعة وتلفزيون الخليج )



" كل القنوات التلفزيونية تعليمية. السؤال هو : ماذا تُدرِس؟"
رئيس المفوضية الأميركية السابق للاتصالات نيكولاس جونسون




محمد كركوتــي

تعاني القنوات التلفزيونية العربية ( وفي مقدمتها الفضائية )، من أزمة مُستحكمة لم ينفع معها التراكم المهني للقنوات التي تتمتع بقسط زمني طويل منذ وجودها على الهواء، ولم ينفع مع القنوات الفضائية الجديدة نسبياً، انفتاحها ( من حيث الأداء) على مثيلاتها غير العربية. أزمة وُضعت في ذيل الأولويات، بل أن بعض القنوات العربية وضعتها خارج سلم هذه الأولويات!. أزمة لو طبقت عليها المعايير الإعلامية الأساسية، بل والبدائية، لسقطت الغالبية العظمى من القنوات العربية في هذا الامتحان المهني. أزمة تمثل هماً عند القنوات الراشدة ( لاسيما غير العربية)، لكنها في الساحة العربية، تبدو وكأنها من الكماليات، أو تلك التي تنطبق عليها مقولة "إلى حين ميسرة"!.

إنها أزمة المحتوى، الذي يشكل القاعدة الأساس لأي وسيلة إعلامية، والذي من خلاله يتم تصنيف هذه الوسيلة وتلك، وفق المعايير المعمول بها على الساحة الإعلامية ككل. فغالبية القنوات العربية تقدم الشكل على المضمون، وبعضها لا يُقدم شكلاً ولا مضموناً، وبعضها الآخر، يكتفي بإعلان "نجاحه"، لمجرد أنه استطاع أن يعبئ ساعات الهواء الواحدة تلو الأخرى!. المهم أن الشاشة مليئة بالمنتج التلفزيوني، بصرف النظر عن ماهية ومستوى وجودة هذا المنتج. وقد شاءت الصُدف أنني شخصياً، جُمِعت في أحد المنتديات الإعلامية العربية، مع رئيس لإحدى القنوات العربية، الذي قال بفخر، إنهم ينتجون الساعة التلفزيونية الواحدة، في مدة ساعة واحدة!!. فما كان مني، إلا أن انسحبت بهدوء، مستضيعاً الزمن الذي جلست فيه إلى جانبه . فإذا كان أكبر شخصية في هذه القناة، يفهم الإنتاج بهذه الصورة، فكيف الحال بالمنفذين الذي يعملون تحت إمرته؟!. هي إذن.. تعبئة الهواء بأي شيء، حتى ولو كان أخف من الهواء نفسه. فقد كنت أعتقد، أن كل من يعمل في هذا القطاع الخطير، يعرف أن ساعة إنتاج، تحتاج إلى ما بين خمس إلى ست ساعات إعداداً وتحضيراً، وخلق الظروف المواتية لهذا الساعة، وبعض الساعات الأخرى تحتاج إلى أسابيع إنتاجية. وحتى لو افترضنا أن قناة ما تعاني من شح الموارد والضيق المالي والبشري، فلا يمكن أن يشكل هذا الإنتاج المُعيب فخراً لأحد. فقد تمنيت أن لا يظهر في يوم من الأيام مدير آخر لقناة عربية أخرى، يتباهى بإنتاج ساعة تلفزيونية بنصف ساعة فقط!!.

إن المحتوى مع غياب الإدراك الإعلامي ( الذي يُغييب معه بالضرورة الحد الأدنى من المستوى المهني)، ليس سوى جعجعة لكنها خطيرة ومؤذية. لماذا؟ لأنها موجه إلى قاعدة عريضة من المتلقين. وإذا كانت هناك شريحة من هؤلاء المتلقين، تستطيع فرز الغث من الثمين، فإن الشريحة الأكبر تأخذ ما يُقدم لها كما هو، لاسيما في ظل التراجع الذي لم يتوقف أو يتباطىء، على صعيد التحصيل الفكري والثقافي فيها ( في العالم العربي 90 مليون أمي). لن أتحدث هنا عن البرامج الموجهة للأطفال، فهذه لوحدها جريمة ترتكب على مدار الساعة. والذي يزيد الأمر تعقيداً، أن التراكم المهني الذي يُفترض أن يكون موجوداً على الساحة الإعلامية بصورة أوتوماتيكية، لا يزال دون مستوى المحتوى، ويبدو هذا التراكم مثل المياه التي تذهب هدراً، في أوج الاحتياج لها!. وقد أثبتت غالبية القنوات العربية، أن التخبط يتسيد الساحة، خلف الكاميرات وأمامها، وأن قدسية الهواء لا مكان لها!. ومع ازدياد عدد الفضائيات العربية ( يصل مجموعها إلى ما بين 600 و700 قناة حالياً)، يزداد الجهل في المادة المُقدَمة، ويرتفع زخم تجاهل المُتلقي نفسه، الذي يمثل في النهاية الحلقة الآمنة لأي قناة.

والحقيقة أن مصائب الإنتاج التلفزيوني العربي، تصاحبه كمية هائلة من البرامج المستنسخة، فضلاً عن الدراما المدبلجة، الأمر الذي يعزز الحقيقة الأكبر، وهي أن الابتكار مفقود في القنوات التلفزيونية، بما في ذلك تلك التي تستند على أرضية مالية وبشرية صلبة. والابتكار – كما نفهمه – يسبق المحتوى بخطوة، ولأنه كذلك، فإن المصبية تصبح مصيبتان، وتتحول سريعاً إلى جزء أصيل من المعطيات الموجودة في القنوات العربية. نحن نعلم أن "المنتجات" الإعلامية المستنسخة، ليست حكراً على القنوات العربية. فهي موجودة في قنوات تلفزيونية أجنبية، ضاربة الجذور في القِدم والابتكار والإبداع، وقبل هذا وذاك المهنية العالية، لكن هذه "المنتجات" لا تشكل جزءاً أصيلاً، من الهيكل الإنتاجي فيها. فلديها من البرامج ما يمكن أن يُسوَق، وهناك الكثير من القنوات تسعى للحصول على حقوق إعادة بث هذه البرامج، من فرط جودتها.

إن الانفتاح والعولمة، بالإضافة إلى وجود القدرة على استنساخ البرامج ( مالياً على الأقل)، أحسب أنها يجب أن تُبقي قضية المحتوى الإعلامي – بشكل عام – حية ومطروحة بصورة دائمة، طالما أن هناك فضاء عربياً يعج بهذا الكم الهائل من القنوات التلفزيونية. أو على الأقل ينبغي أن تُبقي هذه القضية في محيط القنوات العربية التي ترتكز على المهنية، وشيء من الإبداع المطلوب. فعدد القنوات المتعاظم، لا يوفر بأي حال من الأحوال، إعلاماً جيداً. وكل ما تقدمه هذه القنوات، إنتاجاً مكرراً ومملاً ومتخلفاً، (بعض المتخصصين في الشؤون الإعلامية يعتبرونه سلطويا)، فضلاً عن ضرره الماحق، للمتلقي البسيط، ثقافة واطلاعاً.

يقول الجندي الأميركي الأول وليم فوستر: " الجودة لا تأتي مصادفة. هي نتاج نوايا حسنة، وجهد صادق، وتوجيه ذكي، وإخراج متمرس.. إنها اختيار حكيم لبدائل متعددة". والجودة هي الحاجة الأولى المُلحة، للغالبية العظمى من القنوات العربية، لكنها لن تأتي من فرط عدد القنوات ( لاسيما الارتجالية منها)، بل من معادلة بسيطة التركيب، لكنها ليست سهلة التطبيق، هي على الشكل التالي: إبداع + انفتاح + ابتكار+ كوادر واعية – جهل = جودة". ويرى بعض الخبراء العرب، أن الحل أو مشروع الحل، يكمن في الإنتاج العربي المشترك، بصورة تتلاقى فيها المصالح والإيرادات. وهذا في الواقع ليس صعباً، بل قابلاً للتنفيذ والتطبيق، ولكن ليس بمعزل عن رؤية متكاملة، تستند على فهم "قدسية" الهواء العربي، الذي انتهكه بعض من يملكون المال، ولا يملكون شيئاً معه.

الثلاثاء، 3 أغسطس 2010

في بريطانيا شيء من حماقة إدارة بوش!

( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")









"الموقف الصحيح في المساعدات
.. هو حذف الامتنان"
ماريا ماينس مؤلفة وناقدة أميركية

 
 
محمد كركوتــي
 
عندما رحلت إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن عن البيت الأبيض إلى غير رجعة، خلَفت – من ضمن ما خلفت من فواجع – أزمة اقتصادية عالمية، تتحدى كل الأزمات الكبرى الأخرى بفواجعها.. وقبلها خلَفت موقفاً ( وسلوكاً) سياسياً – اقتصادياً حيال المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة الأميركية للدول الفقيرة المُعدمة، بلغ حداً اعتبر بعض كبار المسؤولين في الإدارة، أن هذه المساعدات ليست ضرورية. ولو استطاعوا أن يمضوا أبعد من ذلك، لاعتبروها من "الكماليات". ولو تمكنوا من حذفها نهائياً لحذفوها. بل لو أمكن لهم استعادة ما قدموه لفعلوا!. ومن فرط هذا السلوك المشين، تراجعت الولايات المتحدة في فترة بوش الابن، من المركز الأول في قائمة الدول المانحة للمساعدات، إلى المركز الرابع في العام 2008 بـ 6,9 مليار دولار أميركي، بينما بلغ حجم مساعداتها في العام 2003 قرابة الـ 12,9 مليار دولار، لتتقدم عليها كل من فرنسا ( بـ 12 مليار دولار) وبريطانيا ( بـ 10,7 مليار دولار) واليابان (بـ 8,9 مليار دولار). وفي حين احتلت ألمانيا المركز الخامس ( بـ 5 مليار دولار)، بلغت المساعدات الهولندية 4 مليارات. وهذا يعني أن الولايات المتحدة التي لا تزال تتمتع بأكبر اقتصاد في العالم، تقف في أدنى درجة لها أمام دولة صغيرة مثل بلجيكا التي تقدم ألف مليون دولار سنوياً كمساعدات خارجية، على أساس ناتجهما الوطني.

هذه الحالة الأميركية المُعيبة، كان يقابلها فخرٌ بريطانيٌ مستحق، بالمركز الثاني للمملكة المتحدة في قائمة المانحين، استناداً إلى الفارق الهائل في حجم الناتجين الوطنيين لكل من بريطانيا والولايات المتحدة. وشكلت الحالة الأميركية، نشوة عارمة لحكومة العمال البريطانية السابقة، التي كانت تنظر إلى المساعدات التي تقدمها، كجزء أصيل من "الانتساب" إلى الإنسانية، وكواجب دولي، تفرضه معايير الكبير بهامته وسلوكه في آن معاً، وليس بهامته فقط. فقد ظلت الولايات المتحدة في عهد بوش الابن، هامةً جوفاء، فقدت احترام العالم ( سياسياً واقتصادياً وسلوكياً)، بل فقدت احترام الناخبين الأميركيين الذي أَوصلوا هذا الأخير إلى البيت الأبيض. وتكفي الإشارة إلى أن إدارة بوش الابن، "فازت" بكأس أسوأ الإدارات الأميركية قاطبة، داخلياً وخارجياً.

ليس واضحاً، إذا ما كانت بريطانيا بحكومتها الحالية تستعير شيئاً من حماقة إدارة بوش الابن. لكن يبدو أن الأمور تسير بهذا الاتجاه، رغم أن التاريخ يُثبت، بأن الحكمة كانت تعتري الغالبية العظمى من الحكومات البريطانية المتعاقبة. ويبدو أيضاً، أن الائتلاف الغريب ( وغير المتكافئ)، بين الحزب الديمقراطي الليبرالي وحزب المحافظين، لم يفسح مجالاً للمعايير الإنسانية التي يلتزمها الليبراليون، مع الأخذ بعين الاعتبار، أن المحافظين هم الجناح الأساسي في هذا الائتلاف وليس العكس. في بريطانيا تتشكل ثقافة سياسية باتجاه تحولها إلى سلوك، يمكن تلخيصها في هذه المقاربة: " إن ما تحتاجه سيراليون والنيجر والصومال واريتريا وليبيريا، وغيرها من الدول المنكوبة اقتصادياً، منذ أن رُسمت حدودها على الخارطة، ليس حتماً أن يكون ضرورياً!". فالضروريات التي كان يتفق عليها حتى الخصوم، لم تعد تستحق توصيفها!. ولأن الأمر كذلك، فقد قررت الحكومة البريطانية استقطاع مئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية من مساعدتها للدول الفقيرة، لماذا؟ لمواجهة تكاليف مشاركتها (وانسحابها مستقبلاً) من أفغانستان!. والحجة – التي أصبحت "نشيد" المتهربين من المسؤوليات- هي الأزمة الاقتصادية العالمية، وتبعاتها على الموازنات والمخصصات.

نحن نعلم أن بريطانيا تعيش أزمة اقتصادية تاريخية – كغيرها من الدول الكبرى والصغرى -، ونعلم أيضاً، بأنها تضغط الإنفاق العالم، من أجل سد العجز في موازنتها العامة. ونعلم أيضاً وأيضاً، أنها في وضع مالي، بات يهدد الإنفاق العسكري، إلى درجة أنها تفكر بسحب قواتها البالغ عديدها 26 ألف جندي من ألمانيا، المتمركزة هناك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945. ولكن هل يبرر هذا الوضع "غربلة" المساعدات البريطانية التي تنتفع منها 102 دولة حول العالم(بما في ذلك دول تحت لواء الكومنولث) ؟!. وهل يمكن للمملكة المتحدة، الحفاظ على مكانتها والتزاماتها الدولية، بعد عمليات التقليص؟. وهل تعجز دولة كهذه، عن الاستمرار في توفير ما يقرب من 9 مليارات جنيه إسترليني (من بينها 2,9 مليار جنيه هي ميزانية وزارة التنمية الدولية)، حتى في ظل الأزمة العالمية؟. إذا كان المثل المصري الشهير " ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع"، ينطبق على بيت في الحدود الدنيا من دخله، فإنه لا ينطبق بأي حال من الأحوال على دولة كبريطانيا، يمكنها – رغم الأزمة – أن تحافظ على التزاماتها الدولية، بما يتناسب مع هالتها العالمية. والواقع أن المساعدات الأوروبية – من ضمنها البريطانية – تراجعت في العامين الماضيين بصورة ملحوظة، ومن المرجح أن لا تفي هذه الدول بتعهداتها الخاصة بالمساعدات، ضمن ما أصبح يعرف بـ " أهداف الألفية" التي أطلقتها الأمم المتحدة مطلع القرن الجاري.

لبريطانيا – كما الدول الكبرى الأخرى – حجتها، فبإمكانها القول : " لا توجهوا إلينا اللوم.. نحن في أزمة"، ويمكنها لوحدها أن تقول: " إننا في الواقع في أزمتين، الأولى: الاقتصادية، والثانية: الأفغانية – العراقية". ولكن هل تستطيع تحمل تبعات تراجع مساعداتها؟ وهل بإمكانها احتواء المصائب التي ستنجم عنها، وفي مقدمتها "القنبلة الاجتماعية" العالمية التي ستنفجر من جراء الشح المالي؟. وبينما العالم يحاول الخروج من الأزمة الكبرى، هل بإمكانه وقف استفحال أزمة اجتماعية – عالمية أكبر منها؟. أسئلة كثيرة، يبدو أن صناعي القرار البريطاني وضعوها في الملفات المؤجلة، رغم معرفتهم – بلاشك – بأن تأجيلها يعني استفحالها!. وهذا أمر ليس من "شيم" دول ترغب في التمسك بتوصيفها التاريخي، كدول كبرى، علماً بأن آثار الحماقة التي تركتها إدارة جورج بوش الابن على بلادها بهذا الصدد، لا تزال ماثلة أمامنا. فقد كانت وصمة عار، ولم تكن خطأً سياسياً – اقتصادياً.

إن تراجع المساعدات البريطانية، بالإضافة إلى فشل الدول الكبرى الالتزام بتعهداتها ضمن نطاق الأمم المتحدة، ستوفر عجزاً يصل إلى 12 مليار دولار أميركي مع نهاية العام 2010، بين المساعدات " الموعودة" والفعلية!، في الوقت الذي تواجه فيه مشروعات التنمية في الدول النامية (التعليمية والصحية والبيئية والإعمارية.. إلى آخره)، مصائب جمة، بل أن بعضها توقف بسبب شح الموارد. ماذا كانت النتيجة الأولى لهذا التردي؟ ارتفاع مستوى الفقر وعدد الفقراء في هذا العالم، وانضمام أعداد كبيرة من الجياع إلى أعدادها الهائلة. لا توجد أعذار لتخفيض المساعدات. فالأعذار تخص العاجزين فقط. وعلينا أن نعرف، أن خفض 1,5 مليار أميركي فقط من المساعدات الممنوحة للدول النامية، يعني – حسب مفوضية الاتحاد الأوروبي - أن هذه الدول ستخسر تمويل بناء 4500 مدرسة أو 1200 مستشفى، لا صفقة طائرات ولا دبابات!. ويعني أيضاً، خسارة إنسانية، سيكلف تعويضها أضعاف هذه الأموال، مع استحالة تعويض الكرامة، وصعوبة استعادة الهالة، التي تمتعت بها الدول الكبرى على مدى عقود طويلة من الزمن.

الثلاثاء، 27 يوليو 2010

العنصرية الاقتصادية!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")





" الاقتصادات يجب أن تخدم الإنسانية، وليس العكس. نحن ننسى مخاطر أن الأسواق تنتج موظف جيد، ومدير سيئ ، ومعتقدات قبيحة "
أموري لوفينس رئيس علماء معهد "روكي ماوتن" الأميركي

 
 
 

محمد كركوتــي
 
بعد " الوطنية" الاقتصادية أتت "القومية" الاقتصادية، وبعد هذه الأخيرة جاءت " العنصرية" الاقتصادية. وبعد التشدد الاقتصادي، أقبل التطرف الاقتصادي. وبعد "تسامح" اقتصادي لافت، حضرت "القسوة" الاقتصادية!. هُزم الانفتاح الاقتصادي – الاجتماعي، أمام وحش صنعته الأزمة الاقتصادية العالمية، لا يحب إلا نفسه، ولا يجد على الساحة إلا صورته. وحش خال من الاعتبارات إلا الذاتية منها. إنه ليس سوى أثر من آثار "عدوان" الأزمة المعززة بتبعاتها وآلامها ومصائبها وحتى "فجورها"!. كانت "العنصرية" الاقتصادية قبلها موجودة لكنها متوارية، وكانت حاضرة لكنها "خجولة". كانت عدوانيتها "مُلطفة"، وكانت آثارها محصورة، وكانت حممها فاترة. كانت تمثل جزءاً من الحراك الاقتصادي الغربي، لكنه ليس جزءاً متفاعلاً، يشكل أزمة حقيقية على الساحة. كان يسبب بعض الشغب، الذي يشبه شغب تلميذ في فصله الدراسي، لا يلبث أن يتأدب، عندما يعرف حدوده، ومساحته التي ربما تكفل له مشاغبة محدودة، لا تمثل ظاهرة.

مع انفجار الأزمة العالمية، تشكلت "وطنية اقتصادية"، سرعان ما تحولت إلى " قومية اقتصادية"، التي أصبحت بعد ذلك "عنصرية اقتصادية". وإذا كان من حق " المتأزمين"، توفير الحماية لأنفسهم في الأزمات والمحن المحدودة، فليس من حقهم ذلك، عندما تكون الأزمات مفتوحة، تشمل الأضداد، وتجمع تحت جناحيها، ما كان يستحيل جمعه قبلها، خصوصاً في البلدان التي ارتكبت الأزمة، وصدَرتها إلى كل الأسواق. في السنوات التي سبقت الأزمة، لم تكن قضية الأجانب العاملين في الدول الكبرى ( لاسيما الأوروبية منها)، تشكل مسألة معقدة أو كبيرة. بل أن بعض الدول – ومن بينها بريطانيا – شهدت مطالبات من المؤسسات والشركات فيها لحكومتها، بالتروي في سن قوانين تحد من تدفق العمال والموظفين الأجانب، وذلك لأن الحراك الاقتصادي، يستدعي بالفعل وجود الطاقات الأجنبية، حتى في المؤسسات الحكومية. فمخرجات التعليم كانت – ولا تزال – غير متناسبة بصورة مُحكمة مع احتياجات السوق، يضاف إلى ذلك أن المهارات الأجنبية تكمل تلك الوطنية. وقد شهد العقدان اللذان سبقا الأزمة، " توليفة" ناجحة بين المهارات المحلية والوافدة. وقد استفادت أوروبا إلى حد كبير، من قوانين الاتحاد التي تجمع دولها، والتي تُسِهل تبادل الخبرات والمهارات وتكرس الأداء النوعي في مجالات الأعمال المختلفة.

وبعد الفوران " القومي الاقتصادي" الذي شهدته بلدان الاتحاد الأوروبي في أعقاب الأزمة، عندما كان العامل البريطاني ينظر – على سبيل المثال - إلى زميله الإيطالي في بريطانيا كعدو، وكذلك الأمر بالعامل الفرنسي مع زميله البريطاني في فرنسا، والألماني مع زميله الأسباني في ألمانيا.. إلى آخره. بعد هذا الفوران دبت " العنصرية الاقتصادية". فقد بات البريطاني والفرنسي والألماني والإيطالي والأسباني واليوناني وغيرهم من النسيج الأوروبي، ينظرون إلى العمال غير الأوروبيين كأعداء. وقد ظهر هذا بوضوح في التقرير السنوي لـ " هيئة مكافحة العنصرية" التابعة لـ " وكالة مجلس أوروبا" ( الهيئة تُجري تحليلاً دورياً للأوضاع العنصرية والتعصب في البلدان الـ47 الأعضاء في مجلس أوروبا)، بأن الأزمة العالمية، رفعت من حدة الفروقات العرقية في القارة الأوروبية. وحسب التقرير الخطير الذي تناول الحراك الاقتصادي للعام 2009، فإن الأزمة "زادت من الأشكال المعاصرة للعنصرية والتمييز، القائمة على العرق واللون واللغة والدين والجنسية". والمصيبة أن هذه العنصرية، لا تتجلى في نطاق العمل فحسب، بل تشمل أيضاً قطاعات التعليم والسكن والاستفادة من الخدمات، وحتى الرياضة!.

هذا الوباء الجديد، عجَل من سن القوانين الجديدة حول الهجرة إلى البلدان الأوروبية، وحوَل حتى السياسيين الذين كانوا يتعاطون مع هذه القضية بشيء من الرحمة، إلى مُشرعين مهمتهم الرئيسية هي سد كل الثغرات التي قد تصيب قوانين الهجرة. ففي السابق كان المتعاطفون مع المهاجرين، يرون في هذه الثغرات نوعاً من الأدوات والأساليب الإنسانية المبررة. ومع تزايد عدد المُسرحين من وظائفهم في الدول الكبرى ( بلغ عدد العاطلين الجدد بفعل الأزمة 47 مليون في 30 دولة كبرى)، بدأت الاتهامات المُعلَنة تدور في نطاق "أن المهاجرين ( لا اللاجئين) يسرقون الوظائف، ويحصلون على الخدمات الاجتماعية"!. ولأن هذا الأمر بالتحديد، يمثل مقاسياً لارتفاع شعبية الحكومات وانخفاضها، فقد تسارعت هذه الحكومات لسن القوانين، وبدأ السياسيون "يُسوِقون" أحزابهم، بأعلى درجات الحزم والشدة في الإجراءات والقوانين حيال المهاجرين، إلى درجة دفعت حزب الديمقراطيين الأحرار البريطاني ( وهو الحزب الأكثر لطفاً مع المهاجرين)، إلى التخلي عن سياساته الإنسانية الخاصة بالمهاجرين، لكي يُشكل حكومة ائتلافية مع حزب المحافظين، الذي يُعد من أشد الأحزاب البريطانية حزماً حيال الهجرة بشكل عام!.

"العنصرية الاقتصادية" التي أتت من جراء أزمة، استفحلت نتيجة الفشل في تخفيف حدة بشاعة وتعاظم " القومية الاقتصادية". فلم يعد التنوع هدفاً للتحقيق، بل هدفاً للتدمير!. وإذا كانت شعوب الدول الأوروبية التي تساعد اليونان لتجنيبها الانهيار، توجه الاتهامات المتنوعة لهذا البلد، إلى جانب "الردح" ( ولاسيما "نشيد الردح" الألماني المتواصل) والإذلال والإهانة، لا عجب إذن.. من الاتهامات التي يتعرض لها المهاجرون في الدول الأوروبية على مدار الساعة. ولعل الجانب المخيف هنا، هو أن بريطانيا ( الدولة الأكثر تسامحاً مع المهاجرين إليها – لا اللاجئين – مقارنة بغيرها من الدول الكبرى في أوروبا)، بدأت خطوات عملية باتجاه "العنصرية الاقتصادية". والحقيقة أن الضحية الأولى للسياسات الجديدة، ليس المهاجر أو الوافد العامل، بل هي "هامات" الدول الكبرى، ومواقعها على الساحة العالمية. فالكبير لا يستحق هامته إذا ما فشل في احتواء كل الأطياف في مجتمعه، بصرف النظر عن ماهيتها، ولن يستطيع الاحتفاظ بهالته، إذا ما انحنى أمام الأمواج، مهما كانت عالية وعاتية!. والعدالة (مع التسامح)، هي جزء أصيل من مؤهلات الكبير. لكن يبدو أن رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرتشل، كان على حق عندما قال: " إن الدول القوية لا تكون عادلة، وعندما ترغب في أن تكون عادلة، تكون قد فقدت قوتها".

لا أعرف إن كانت الأيام المقبلة ( ولا أقول السنوات) ستشهد مرحلة " الإرهاب الاقتصادي"، كتطور تراتبي للـ " الوطنية والقومية والعنصرية" الاقتصادية؟. ولكن إذا ما تُركت الأمور نهباً للمصالح السياسية ( الحزبية في مقدمتها)، فلا عجب في أن يتسيَد هذا النوع من الإرهاب المشهد العالمي العام، وخصوصاً في الدول الأوروبية النابذة لليد العاملة الأجنبية الموجودة فيها، لا القادمة إليها. حينئذ سيعرف العالم، أن إرهاب تنظيم القاعدة، وغيره من تنظيمات ضالة، ليس سوى مجرد نزهة، ولا بأس في أن تكون كـ "رحلة صيد". إن الإرهاب ضد لقمة العيش والكرامة، سيولد تنظيماً عالمياً، أساسه قاعدة شعبية، لا مجرد قطاع طرق كأولئك الذين يعيشون في جحور تورا بورا.

الاثنين، 19 يوليو 2010

أوباما يفوز بـ "النهائي" بلا كأس البطولة؟!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")





" أكره المصارف. لا تقوم بشيء إيجابي لأي شخص، ما عدا حرصها على نفسها. إنها أول من يفرض الرسوم، وأول من يفر عندما تبدأ المتاعب"
قاضي قضاة الولايات المتحدة الأميركية الأسبق إيرل وورين

 


محمد كركوتــي
 

يستطيع الرئيس الأميركي باراك أوباما أن يتباهى قليلاً (لا كثيراً)، بقدرته – بعد جهد جهيد - على تمرير مشروع قانون إصلاح النظام المالي على مجلس الشيوخ الأميركي. ويستطيع أن يستمتع قليلاً أيضاً، بوقوفه "التاريخي" جنباً إلى جنب مع الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت، الذي فاز بخطة إصلاح مالي، في ثلاثينات القرن الماضي. يستطيع أوباما أن يحتفل بفوزه في "المباراة النهائية"، وإن كان فوزه لم يضمن له بعد الحصول على "كأس البطولة"، ورفعِه أمام العالم. إنه (أي أوباما) "إسبانيا" التي فازت مؤخراَ في نهائي مونديال 2010 لكرة القدم، لكنه ليس هي التي حملت الكأس. يستطيع هذا الرئيس أن يفخر – ولو متأخراً – بأنه تمكن من تمرير هذا القانون التاريخي، وله أن تستريح بعض الشيء، من آثار الحرب التي أعلنها الجمهوريون عليه، في الكونجرس بشكل عام (أيد القانون ثلاثة أعضاء جمهوريين فقط في مجلس الشيوخ من أصل 41 عضواً)، الذين لو أمكن لهم استخدام السلاح ضده في هذا الشأن.. لاستخدموه، ولو استطاعوا تدبير فضيحة له.. لدبروها. ولا أعرف إذا ما كانت من ضمن أمنياتهم، نهاية لأوباما لا تشبه إلا نهاية الرئيس الأسبق جون كينيدي. لقد وجدوا في القانون الجديد، "بذور" التدمير لـ "الثقافة" المالية الأميركية بشكل خاص، والغربية بصفة عامة، التي لم تُقدم على مدى سبعة عقود سوى الأزمات المتتابعة. لم توفر استدامة ومعها الاستقرار. كانت ارتجالية وظرفية دنيئة، ولم تكن في يوم من الأيام، مؤسسية وواقعية نظيفة. وقبل هذا وذاك، ظل النظام المالي محكومٌ، إما بمقامرين، أو محتالين، أو أفاقين، أو متسترين، أو لصوص!. وعمد الجمهوريون الأميركيون طوال العقود الماضية، على إزالة أو تبديد المَثَل الأميركي الشهير من الذاكرة، الذي يقول: "لا يمكن توظيف اللصوص في المصارف".


وإذا كان إصلاح النظام المالي الأميركي ( والعالمي) ضرورة حتمية، لإزالة آثار "عدوان" الأزمة الاقتصادية العالمية، فإن إصلاح الفكر والسلوك لدى الجمهوريين، لا يقل ضرورة. لكن المشكلة أن الإصلاحات الحزبية لا تأتي عادة إلا من الداخل، في حين لم يظهر بعد في هذا الحزب، يميني معتدل كرئيس الوزراء البريطاني المحافظ ديفيد كاميرون، أو يساري أكثر اعتدالاً من سلف هذا الأخير العمالي توني بلير. وعلى هذا الأساس، سيواجه أوباما فيما ما تبقى له من فترة انتخابية، مزيداً من العراقيل، وكثيراً من الاتهامات، وكماً هائلاً من محاولات الإحباط الجمهورية. وهذا يعني أن مقاومة تنفيذ القانون الجديد، لن تهدأ، ولن يستكين المتضررون الذين ارتكبوا الأزمة الاقتصادية، ولا المشبوهون الذين وقفوا وراءهم، حتى يفرغوا القانون من محتواه، ليس عن طريق تشريع مضاد، بل بواسطة الوسائل المشينة، التي سادت الأسواق ومعها المصارف على مدى عقود طويلة من الزمن.

تكفي الإشارة إلى أن الجمهوريين يعارضون – من ضمن معارضتهم – نصاً في القانون، يهدف إلى تعزيز مراقبة سلطات ضبط قطاعات كاملة من سوق المال، لم تكن تخضع للإشراف، يقضي خصوصاً بإقامة هيئة للمستهلك المالي في المصرف المركزي، ويَحول دون إنقاذ مؤسسات مالية كبرى على حساب دافعي الضرائب. ويعارضون أيضاً، نصاً يدعو إلى مراقبة أفضل وأشمل لسوق المشتقات المالية الهائلة، التي تعتمد على المقايضة. ويعارضون أيضاً وأيضاً بنداً يقضي بإنشاء مجلس لمراقبة الاستقرار المالي. وماذا يعارضون أيضاً؟ فقرات للحد من الصفقات المشبوهة. ولمن نسي، فقد كانت أدوات المضاربة ووسائلها المختلفة، سبباً رئيسياً مباشراً في اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، التي بدأت شرارتها – كما يعرف الجميع – من الولايات المتحدة الأميركية، التي شهدت منذ سبتمبر/ أيلول 2008 وحتى منتصف العام 2010 إغلاق 228 مصرفاً، وهو رقم مرشح للارتفاع، إلى أجل غير مسمى!.

لن يحمل أوباما "كأس مونديال الأزمة المستمر"، قبل أن يؤمن أدوات وكوادر وبيئة نقية (للأخلاق نصيب فيها)، لتطبيق قانون لو نجح بالفعل، إلى جانب نجاح الرئيس الأميركي نفسه في تمرير قانون التأمين الصحي سابقاً، لسوف يقف ( حقاً) جنباً إلى جنب الرئيس روزفلت، ويدخل التاريخ من نفس الباب الذي ولج منه هذا الأخير. في مطلع العام الجاري صعد أوباما '"عاقداً الحاجبين'" على منصة أحد المؤتمرات الصحافية، وقال موجهاً كلامه إلى رؤساء المصارف: "أريد أن تعيدوا لنا أموالنا". ولكن كيف؟.. يتابع أوباما: "يجب على المصارف أن تدفع ضرائب جديدة، من أجل استعادة الأموال العامة (الحكومية) التي أُنفقت عليها لإنقاذها". عليه أن يصعد الآن على المنصة مجدداً ليقول: "إن هذا القانون وُجد لينفذ بحذافيره. إننا نراقبكم، وقد عرفنا أدواتكم. لا مكان بعد الآن لطفرة قاصمة هنا وأخرى هناك، ولن نكون مراقبين فقط لممارساتكم. تكفي الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة والعالم، والتي بلغت 15 تريليون دولار أميركي حتى الآن".

يقول نائب الرئيس الأميركي الأسبق دان كويل ( وهو جمهوري ) : "إن فشل المصارف يعود إلى المودعين، الذين لا يودعون ما يكفي من الأموال، لتغطية سوء إداراتها". ولعلي أضيف – بعد الأزمة العالمية – "سوء نياتها وأخلاقها". لو كان هذا القانون مطبقاً قبل الأزمة، لما شهد العالم الكارثة الاقتصادية الكبرى. ولو سمح السياسيون المشبوهون، ببعض الرقابة، لما وقع هذا العالم في أتون نار، فشلت كل "مطافي" العالم في إخمادها أو السيطرة عليها، ولما أصيب البنك المركزي الأوروبي بالرعب، من فشل 1121 مصرفاً أوروبياً في إعادة 442 مليار يورو. لو كان هذا القانون موجوداً، لما انضم 47 مليون عاطل إلى زملائهم العاطلين أصلاً في الدول الصناعية فقط، ولما ارتفع عدد الفقراء في الدول الثرية الكبرى ( ولن أتحدث عن عددهم المريع في الدول الفقيرة)، ولما فقد الآلاف منازلهم، في دول تعد التشرد تهمة مشينة!.

هل سيُجنب قانون الإصلاح المالي الأميركي الولايات المتحدة ( ومعها العالم)، أزمة مشابهة لتلك التي انفجرت في العام 2008؟ نعم.. لأنه سيوفر الحماية من "الموبقات المالية" التي صبغت الأسواق لسنوات طويلة. ولكن هل ستكون له فاعلية مستدامة، إذا ما فقد التناغم مع مخططات الإصلاح المالية العالمية الأخرى، لاسيما الأوروبية منها؟ أغلب الظن أن لا. ولعل السؤال الأهم هو، هل "ستعيش" قوانين الإصلاح المالية ( بصرف النظر عن مدى قوتها وجودة تطبيقها)، بمعزل عن وجود نظام عالمي اقتصادي جديد، يستبدل النظام القديم الذي جلب للبشرية المصيبة تلو الأخرى؟. الجواب ببساطة، أن أي قانون لن يصمد لفترة طويلة، إذا ما واصل صانعو القرار تلكؤهم باستبدال النظام القديم بآخر جديد خالٍ من الأدوات والسلوكيات التي أسست لـ "الفحش المصرفي"، الذي بدوره حول المصارف إلى مؤسسات مُقرضة لجهات عليها أن تثبت – إذا ما رغبت بالحصول على الأموال - بأنها ليست بحاجة للقروض!.

الاثنين، 12 يوليو 2010

أهلاً بمأساة صغيرة فقط!؟

(هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")










" الرأسمالية هي ما يقوم به الناس، شرط أن تتركهم وشأنهم"
المُنظِر السياسي الأسترالي كينيث مينوغ

 

محمد كركوتــي
 
نادراً ما تتفق آراء الأكاديميين مع أولئك العاملين في الساحة. وغالباً ما يتلقى الأكاديميون اتهامات من الذين يقودون الحراك – أي حراك- بأنهم ليسوا سوى منظرين، لا يفهمون ما يجري على أرض الواقع، وإن كان هناك منهم من يفهمه، فإنه يقدم النظرية على التطبيق أو الممارسة.. وهذا أمر مكانه الدراسات والبحوث فقط. وقادة الحراك ومن يواكبونهم، لا يرغبون عادة في سماع أصوات لا تتناغم مع "معزوفاتهم"، ويسعون بكل أدواتهم إلى "تسويق" -"منتجهم" الوهمي- بأنهم يملكون الحقيقة والقدرة على المواصلة. كيف لا؟ وهم في قلب الميدان، وفي خضم عَراكه. ويحاول "الحَراكون" – إن جاز التعبير- أن يُصبغوا ما يقوله الأكاديميون والباحثون، بصبغة "الرومانسية العلمية"، التي لا تنفع إلا في ندوة أو ملتقى أو محاضرة. فما هو موجود على الأرض، ليس له بالضرورة أن يتناغم مع ما هو مطروح نظرياً. وفي المقابل يرى أصحاب النظريات والرؤى، أن الحراك الذي لا يستند على رؤية مجردة، لا ينتج سوى الأزمات والانتكاسات، وفي أحسن الأحوال، لا يستمر إلا بعدد كبير من الثغرات، التي تشكل وصفة جاهزة للمصائب.

قبل الأزمة الاقتصادية العالمية، كان قادة الحراك الاقتصادي - الذين أحب أن أصفهم بـ "المُلهمين الاقتصاديين" - ومعهم عدد هائل من "المُلهمين السياسيين"، يعملون، وفي الوقت نفسه، يقومون بتكميم أفواه كل من يحاول أن يحذر من الفوضى على الساحة الاقتصادية، ومن الانفلات الذي كان يعم الأسواق، ومن السياسات التي كانت تَمنح هذه الأسواق حصانة من الأخطاء، بل وتلفها بقدسية، كفَروا كل من يشكك فيها. ولم يكتف "المُلهمون" بذلك، بل سخِروا من أولئك الذين يطالبون بوقفة لتقييم الأداء الاقتصادي العام، وحراك الأسواق، وتصحيح الخلل الذي استفحل إلى درجة التفكك. وما زلت أذكر، عندما وَصف "أبطال الأزمة" في العام 2006 البروفيسور نوريل روبيني الأستاذ في جامعة نيويورك في العام 2006 بـ "بروفيسور شؤم" ، بعد أن أطلق تحذيره في العام نفسه بأن أزمة مالية تتشكل، وذلك عندما أخبر الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي بأن الولايات المتحدة الأميركية ستواجه إفلاساً كبيراً في مجال العقارات، هو الأسوأ في تاريخها بالإضافة، إلى أزمة نفطية وركود عميق. "أبطال" الأزمة.. لم يكونوا مستعدين لسماع أي "نغمة" خارج نص المقامرة "الموسيقي". ولم يقبلوا أي رؤية لا تتوافق مع مخططاتهم، وتوقعاتهم لأداء الاقتصاد العالمي. لم يختلفوا كثيرا في "عمق" فكرهم، عن الزعيم السوفييتي الأسبق جوزيف ستالين، عندما أبلغه مساعدوه: إن بابا الفاتيكان يزداد قوة على الساحة العالمية. ماذا رد عليهم؟. قال: "كم يملك البابا من الدبابات"؟!. والذي كان لافتاً في الحملة التي قام بها "الأبطال"، ضد "المتشائمين"، انضمام بعض وسائل الإعلام الأميركية الرصينة إلى الجوقة، وفي مقدمتهم صحيفة " نيويورك تايمز". لكن مع هبوب العاصفة، ووصولها ككارثة، سرعان ما تصالحت بعض هذه الجهات الإعلامية مع نفسها، واعترفت بخطئها.

بعد مرور عام ونصف العام تقريباً على اندلاع الأزمة، تخرج مجموعة من الأكاديميين والمفكرين والمراقبين، بجملة تحذيرات من مغبة وقوع أزمة جديدة، وليدة من أزمة الأمس. يحذرون من انكماش جديد، سيزيد من حجم الإعصار العالمي، ويجعل الآمال بنهاية للأزمة، مجرد أحلام تشبه "أحلام إبليس في الجنة". هذه المرة التزمت وسائل الإعلام الرصينة الصمت، وامتنعت عن نشر النعوت بحق هؤلاء، بل قامت بإبراز تحذيراتهم. فهي تعلم، أنها لو كررت خطأ الأمس، سوف تفقد توصيفها الرصين. وبول كروجمان ومعه جوزيف ستيغلتز الحائزان على جائزتي نوبل في الاقتصاد، من أبرز هؤلاء الذي كانوا يُوصفون بـ " المتشائمين" سابقاً. ماذا يقول كروجمان؟: "نحن نعيش ثالث أزمة مالية لها تداعيات عالمية بعد عامي 1873 و1929، وإذا استمرت الأمور كما هي على مستوى القرارات السياسية دون أن نشهد حصول انعطافة كاملة، فسنكون قد وضعنا أسس التعرض لأزمة جديدة". وفي السياق نفسه يقول ستيغلتز: "من المبكر جداً أن نقوم بوقف برامج الدعم – أو التحفيز - الاقتصادي، أو حتى خطط دعم المصارف. لم ننجح بعد في جعل الاقتصاد يقف على أسس صلبة، وإذا استمرت السياسات التي تهدد النظام المالي، فإننا أمام خطر حقيقي للوقوع في هوة موجة ثانية من الركود". ويتفق معها رئيس بنك التنمية الأوروبي السابق جاك أتالي، بأن العالم على شفير انكماش لم يشهده منذ قرن ونصف القرن!.

إذن.. علينا أن نترقب ونقول: أهلاً بمأساة اقتصادية جديدة، على أن تكون صغيرة. فالمآسي الكبيرة لا تزال تلف العالم، وتلف معها ساكنيه. وإذا كان هذا العالم شهد في السابق كساداً طويلاً وآخر عظيماً، فكساد الأزمة الراهنة ليس أقل من رهيب. وعلى الرغم من أن هذه الحقائق تتراكم شيئاً فشيئاً على الساحة، إلا أن المسألة برمتها ليست محصورة فقط، بوقف عمليات التحفيز، ومخططات الإنقاذ، ولا تكمن في فداحة الديون الحكومية، التي أصبحت جزءاً أصيلاً من الحراك الاقتصادي لغالبية دول العالم، لاسيما الكبرى منها، ولا بعدد العاطلين عن العمل، ولا حتى بخفض الإنفاق على التسلح، كما يدعو ستيغلتز. إنها تتعلق أولاً وأخيراً، بمدى سرعة صانعي القرار العالمي، بالتخلص من النظام الاقتصادي الرأسمالي القديم. وهذا لا يعني اعتماد نظام اشتراكي مغاير لهذا النظام. فقد أثبت النظامان فشلهما في الاستدامة، وحتى في استمرارية الانتعاش والاستقرار الاقتصادي - الاجتماعي بحدوده الدنيا. والمريب أن الدول الكبرى لا تزال تعاند الواقع، بـ "القتال" من أجل الإبقاء على النظام الاقتصادي الرأسمالي. ويعزز التلكؤ في وعودها بإصلاح هذا النظام، تلك الحقيقة. فلا هي أَصلحت، ولا استبدلت! ولم تقدم سوى مُسكِنات، لا ترقى إلى مستوى اسمها.

لن تتوقف التهديدات بانتكاسة جديدة للاقتصاد العالمي، إذا ما ظلت الدول الكبرى تهرب إلى الأمام، تجنباً للوصول إلى المصير الحتمي للنظام الرأسمالي، الذي أفقدته الأزمة العالمية كل أدواته، وبدلت الكثير من المعايير التي كانت في السابق لا تُمس. ويقول البروفيسور الأميركي ريتشارد وولف : "إن هذه الأزمة لم تبدأ في الأسواق المالية ولن تنتهي هناك. وهي ليست كما قيل إنها بسبب هذا العامل أو ذاك، بل هي أزمة النظام نفسه، ما يعني أن الحل الوحيد هو إجراء تغيير كلي على بنية الاقتصاد". لا أحد من الكبار التقليديين، يريد الحديث عن هذا الموضوع، ولهذا السبب فإن قمم الدول الكبرى، بما في ذلك قمم مجموعة العشرين، ظلت تدور في نطاق حلول آنية، ولا بأس من خلافات آنية هنا وأخرى هناك، تضيف مزيداً من العقبات في طريق الوصول إلى مشاريع حلول، لكي لا نقول : حلول.

لا وقت الآن للتشاؤم أو التفاؤل أو توزيع النعوت والاتهامات، أو التضارب بين الأكاديميين ومُحركي السوق. بل لا وقت حتى للإصلاح. لقد كان أمام العالم في الأزمات السابقة العديد من الطرق للخلاص منها، إلا أن طرق الخلاص من الأزمة الراهنة، لا وجود لها. وما يحتاجه العالم في أزمته، نظاماً اقتصادياً جديداً، يستبدل النظام القائم، وينهي إلى الأبد عنجهية أولئك الذين انتصروا في الحرب العالمية الثانية، وفشلوا في إيقاف مصرف واحد، كان يعمل "البحر طحينة"!.

الجمعة، 9 يوليو 2010

الإعلام الاقتصادي العربي.. البحث عن كيان

(هذا المقال خاص بمجلة إذاعة وتلفزيون الخليج)






" الأخبار الحقيقية.. هي الأخبار السيئة "
المعلم والمُنظر الإعلامي الكندي مارشال ماكلوهان




محمد كركوتــي

أعترف مسبقا، بأني لم أكن أتوقع حضوراً كبيراً للندوة التي أقامها "مهرجان إذاعة وتلفزيون الخليج في دورته الـ 11 التي عقدت في البحرين تحت عنوان "الإعلام الاقتصادي العربي.. ماله وما عليه". وأعترف بأني كنت قلقا - كمدير لهذه الندوة – من "شح" الحضور، على اعتبار أن هذا النوع من الإعلام، لا يزال "إعلام النخبة"، بل لا أبالغ إن كنت: "إنه إعلام مجهول"!. ولأن الأمر كذلك، فقد حسبت – قبل الندوة- بأن المشاركة في حراكها، ستوازي تواضع زخم حضورها، خصوصا في ظل فعاليات ونشاطات ومناسبات مثيرة، ازدحمت بها أيام المهرجان، أضفت عليه سحرا يستقطب الباحثين عنه. وفي ظل هذه الأجواء، كيف يمكن للإعلام الاقتصادي العربي، أن يعثر على موطئ قدم؟. وكيف يمكن أن "ينافس" أمسية فنية هنا، وحفل توزيع جوائز هناك، ومعرضاً يضم أحدث المنتجات الإذاعية والتلفزيونية؟. بل كيف يمكن أن "يتنافس" في زحمة وجود نجوم فنية خليجية وعربية متألقة؟!.

اعترافي المسبق هذا، بأن ندوة "الإعلام الاقتصادي العربي"، لن تلقى إقبالاً مؤثراً، يفرض عليَ اعتراف آخر بعدها، وهو أنني كنت مخطئاً، وضعت التشاؤم في حده الأقصى، بعد أن بالغت في تقديراتي المُحبِطة!. على العكس تماما، استقطبت هذه الندوة أعداداً غير متجانسة من الحضور، وهو أمر يصب في صالحها. وأعني بغير متجانسة، أنها جمعت حضورا من كل الشرائح، بما في ذلك رؤساء ومدراء مؤسسات إعلامية عربية كبرى ودارسين وفنانين ومنتجين وصحافيين وإعلاميين من كل الأعمار. هذا المشهد منح هذا الإعلام، شيئاً من الدعم الذي يفتقده، وأساساً يحتاجه للانطلاق نحو قراءة مستقبله، ووضعه في دائرة الضوء، التي لم يدخل إليها منذ انطلاقه في الأجواء العربية، بصرياً وسمعياً وورقياً. لقد أثبتت ندوة " الإعلام الاقتصادي العربي.. ماله وما عليه"، أن هناك من يسمع، وهناك من يشاهد، وهناك من يرغب في دفع هذا الإعلام إلى المكانة التي يستحقها، وسط الاهتمام الكبير في بقية القطاعات الإعلامية.

لقد كانت الندوة حية بكل معنى الكلمة. وأشركتْ مادتها الغالبية العظمى من الحضور، الأمر الذي أحدث تضارباً مع الوقت الذي خصص لها. ولأننا احترمنا المدة الممنوحة، فقد خسرنا مجموعة من المداخلات أحسب أنها كانت ستصب في قلب الموضوع المطروح. يمكن أن نعتبر هذه الندوة، بمثابة خطوة أولى على طريق الوصول إلى معالجة حقيقية للإعلام الاقتصادي العربي بشكل عام، والإعلام الاقتصادي العربي الإذاعي والتلفزيوني بشكل خاص. أما لماذا الاهتمام بهذا الأخير؟ فلأنه بات – ومنذ سنوات – أكثر تأثيراً على الملتقي، وأكثر وصولاً إليه. ولذلك فإن المسؤولية تقع عليه بصورة أعمق من الإعلام الورقي، الذي يفقد تدريجياً وجوده على الساحة العربية، بنفس الوتيرة التي يفقد بها تأثيره عالمياً.

الصدى الذي أحدثته الندوة الأولى من نوعها في تاريخ "مهرجان إذاعة وتلفزيون الخليج"، يطرح ضرورة "التأسيس" لعلاج الخلل في الإعلام الاقتصادي العربي، على الرغم من أنه حديث عهد، فيما لو قورن بالقطاعات الإعلامية الأخرى. فهناك الكثير من الأسئلة ينبغي الإجابة عليها، في أكثر من ملتقى أو تجمع أو ندوة أو مهرجان. أسئلة لا ترتبط بمستقبل هذا النوع من الإعلام فقط، بل تتعلق بالرابطة بينه وبين المتلقي. فلا تزال هناك شرائح واسعة تعتبر الإعلام الاقتصادي نوعا من أنواع "إعلام النخبة". هل هو كذلك بالفعل؟. هل وصل هذا الإعلام إلى مرحلة من النضوج، تكفل الحق لمن يريد أن يحاسبه؟. هل يمكن أن نصفه "بالإعلام الشامل" لهذه المادة الحيوية؟. هل قدم هذا الإعلام الاقتصاد من مفهوم المجتمع، أم العكس؟. ولمزيد من الأسئلة، هل كان هذا الإعلام على مستوى الأزمات، لاسيما الأزمة الاقتصادية العالمية التي لا يزال العالم يعيشها اليوم؟. هل استطاع – مثلاً – أن يقدم الخدمة المطلوبة للمستهلك والمستثمر في آن معاً؟. هل يمكن المقارنة بين الإعلام الاقتصادي العربي والأجنبي؟. هل نقص المعلومة الاقتصادية، هو السبب في تردي أوضاعه؟. وقبل هذا وذاك، هل "ينعم" هذا الإعلام بكوادر مؤهلة لخوض غماره؟.

الأسئلة – كما نرى – كثيرة ومتشعبة، تحتاج إلى طرح متواصل، ومعالجة متمكنة. لاسيما وأن الإعلام الاقتصادي في حقيقته، هو الأقرب للحالة المعيشية للمتلقي، وليس بعيداً -كما يظن البعض- عن القاعدة الشعبية. فهو مرتبط بالمستهلك الذي يشكل المجتمع، لا العكس. لقد طُرحت هذه الأسئلة وغيرها في ندوة " الإعلام الاقتصادي.. ما له وما عليه"، وأتت الطروحات والنقاشات بعدها بالكثير من الأفكار التي يمكن أن تكون محاور لورش عمل، بل ولملتقى مخصص لهذا الموضوع – القضية. الجميع رغب في دور أكثر فاعلية للإعلام الاقتصادي على الساحة العربية، وحاول الجميع تحديد أماكن الخلل التي ينبغي العمل على إصلاحها، من أجل إعلام اقتصادي مستدام ومؤثر. حرص المشاركون والحضور على التركيز على قضية مهمة جداً، وهي أنه لا يمكن أن تطرح قضية هذا الإعلام من جراء أزمة عالمية أو حتى عربية، وأن هناك نقص في الكوادر العاملة في هذا المجال، بل وقصور في كفاءة نسبة كبيرة من الإعلاميين الاقتصاديين. وهذا أيضاً يطرح مسألة غياب المؤسسات أو الجهات، التي توفر التأهيل اللازم لهذا النوع من الإعلاميين، خصوصا وأن وسائل الإعلام الاقتصادية العربية الموجودة على الساحة، لا تزال دون مستوى التحول إلى مؤسسات تدريبية أو تأهيلية في هذا المجال!.

هناك أيضاً القضية الأهم، وهي "الإعلام الاقتصادي والمستهلك". هذه القضية يمكن أن تشكل القاعدة الأساس لتطوير أداء هذا الإعلام، وجعله أكثر التصاقا بالمتلقي. والإذاعات ومحطات التلفزيون لا بد أن تكون في قلبها. لماذا؟ لأن الإعلام الاقتصادي هو أكثر قرباً من المادة الخدمية التي تشكل أساس الأداء اليومي للمجتمع. لقد وجدت هذه القضية اهتماماً كبيراً من المشاركين والحاضرين في الندوة، وأجمعوا على أن المستهلك يجب أن يشكل منطلقاً للمادة الاقتصادية المُقَدمة. يضاف إلى ذلك، أن إعطاء المستهلك "حقه الإعلامي"، سوف ينعكس إيجاباً على المؤسسات الإعلامية من خلال تدفق الإعلانات إليها. إن الإعلام الاقتصادي العربي، يمر بمرحلة صعبة للغاية، ولا أبالغ إن قلت: " إنه في مرحلة البحث عن كيان بعد حصوله على الهوية"، وتزداد مصاعبه كلما تعمق غيابه المؤثر على الساحة الإعلامية. ففي المؤسسات الإعلامية الغربية الناضجة، لا يتم التعاطي مع الخبر الاقتصادي كمادة من الدرجة الثانية، إذا ما كان يستحق بالفعل الدرجة الأولى. وقد أوجد هذا السلوك الإعلامي وعياً عميقاً لدى المتلقي في البلدان الغربية. فالمادة الاقتصادية ترتبط بلقمة العيش مباشرة، وهذا أمر من الأولويات.

مرة أخرى، يمكننا التأسيس على ما طُرح في ندوة " الإعلام الاقتصادي.. ماله وما عليه"، ويستطيع "مهرجان إذاعة وتلفزيون الخليج"، أن يأخذ زمام المبادرة ، خصوصاً وأنه لأول مرة في تاريخه قدم في دورته الـ 11 جوائز لبرامج اقتصادية. إنها خطوة مهمة على صعيد التشجيع، و على طريق فهم قطاع لا يقل أهمية عن أي قطاع إعلامي آخر.


الثلاثاء، 6 يوليو 2010

دموع صادقة لا وقت لها؟!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")








"عمالة الأطفال والفقر مصيبتان مترابطتان. إذا واصلت تشغيل الأطفال كعلاج للفقر، ستحصل على مصيبتين متكاملتين معاً في النهاية"
الخبيرة الاجتماعية الأميركية جريس آبوت

 
محمد كركوتــي
 
يعمل أحمد رمضان، البالغ من العمر 13 عاماً، 11 ساعة في اليوم في مخبز يقع في حي خربة خير الله الفقير في القاهرة. ويقول إنه يتعامل مع آلات خطرة، ويتعرض لحرارة الفرن الشديدة للغاية، ويعاني من معاملة سيئة من قبل رب العمل. ويشكو ظروف عمله قائلا: "أستيقظ كل صباح في الساعة السادسة وأسرع إلى المخبز، لأحصل على فرصة العمل هناك في اليوم ذاته. فبالرغم من كون المخبز يتعامل مع أربعة أطفال، إلا أنه لا يقبل سوى أول الواصلين كل يوم". وإذا تمكن أحمد من الوصول أولاً، فإنه يجني 15 جنيهاً (2.6 دولار) في اليوم، تذهب لمساعدة أسرته على دفع الإيجار وفواتير الماء والكهرباء. هذا إن غطت هذه "الأعباء" الأساسية!. إنها قصة نشرتها "شبكة الأنباء الإنسانية" المعروفة اختصاراً بـ ( إيرين)، وهي تابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أو ( أوتشا). إنها حالة واحدة من ملايين الحالات المشابهة في العالم العربي. طفل ( أو طفلة) يعيل أسرته. طفل بالغٌ في العمل، لكنه ليس كذلك في البدن. طفل هو رمز من رموز "منظومة" تشغيل الأطفال، وهو الاسم الألطف لـ "منظومة قتل الأطفال ومعها الطفولة".

قبل عام تقريباً، كتبت في هذا الموضوع المشين تحت عنوان " عفواً.. وظيفتك سيشغلُها طفل!"، وأجدني ملزماً في التعاطي مع هذا الملف المعيب، كلما سنحت الفرصة. ولأن الفرص سانحة دائماً في هذا المجال - من فرط تفاقم المصيبة – فإن القضية تستأهل الوجود الدائم على "سرير" العمليات لا العلاج. فقد تجاوزت مرحلة المعالجة، لتنتقل إلى مرحلة الاستئصال والعمليات الجراحية الحاسمة. لا.. لم يقم العالم بما يجب عليه أن يقوم به، لنسمح له بالقول: " تركنا الباقي على الله". لقد شبعنا ادعاءات لا حصر لها، و بطولات ( لاسيما الغربية منها) بلا سقف، وكانت النتيجة، وصول أفواج من العمال الصغار "الهرمين" إلى سوق العمل. قبل عام كتبت: "هذه القضية – المصيبة وليدة الأمس لا اليوم، والأزمة الاقتصادية العالمية بريئة من إحداثِها، لكنها مُدانة في استفحالها، وفي ارتفاع عدد ضحاياها". حاولت أن أكون أقل عنف في توصيف الحالة من "قتل الأطفال والطفولة" إلى "الأطفال الهَرمون"! أو "الأطفال الكبار قسراً"! أو "الأطفال البالغون بقرار"!. يقول زعيم التبييت المنفي دالاي لاما (لاما تعني بلغة التبييت "محيط الحكمة"): "إن مشاكل هذا العالم بما في ذلك تشغيل الأطفال والفساد، هي أعراض لأوبئة روحية، وافتقار إلى الرحمة". ولعلي أضيف.. أن تشغيل الأطفال، هي عملية تقوم على أخلاق موبوءة – إن وجدت الأخلاق أصلاً. وقالت بعد لاما، طفلة بنجلادشية، هي سلطانا تبلغ الثانية عشر من عمرها، وتعمل في مصنع للملابس: " لماذا ينبغي علينا دفع فاتورة الفقر؟. نحن لم نصنع الفقر، البالغون هم الذين صنعوه".

يتجاوز عدد الأطفال في العالم العربي 130 مليون طفل، أي ما يوازي 60 إلى 65 في المائة من المجموع الكلي للسكان. ويصل عدد الأطفال العاملين فيهم إلى 12 مليون طفل، عشرون في المائة منهم دون سن العاشرة ( يبلغ عدد الأطفال العاملين في العالم قبل الأزمة الاقتصادية العالمية 250 طفل، ومن المرجح أنهم وصلوا الآن إلى 300 مليون) . وطبقاً لوكالات رعاية الطفولة العربية، يعمل الأطفال العرب في معظم مجالات العمل المتاحة. فعلى سبيل المثال، يعملون في زراعة التبغ في جنوب لبنان، وقطف الياسمين في مصر، والزراعة في الريف اليمني والمغربي، وصيد الأسماك في اليمن ومصر وتونس، والخدمة في المنازل في مصر وسوريا والمغرب، وفي الصناعات الخطرة مثل الدباغة في مصر، والسجاد في المغرب وتونس، وفي ورشات إصلاح السيارات أو بيع الحاجيات، والقيام ببعض الخدمات البسيطة كغسل السيارات أو تلميع الأحذية في الشوارع في معظم الدول العربية!. وكما هو حال مخططات التنمية بصورة عامة في العالم العربي، فإن برامج الحد من تشغيل الأطفال، تشبه عمليات الحد من الفساد. لا شيء على الصعيد العملي يتحقق في كلا القضيتين. والمريع، أن هذا التشغيل المشين، أصبح جزءاً أصيلاً من الحياة الاجتماعية، في غالبية الدول العربية، وقد اختُرعت له تسمية مريعة هي " مساعدة الطفل لأسرته"!، لكنها في الواقع هي " إعالة الطفل ( أو الطفلة) لأسرته"، لأننا نعرف أن المساعدة لا تكون في أي حال من الأحوال دائمة، بل هي في غالبية الأحيان مرحلية أو مؤقتة.

إذا كانت هناك قضايا اجتماعية ومعيشية تستدعي حملات وبرامج توعية وطنية ومحلية، فهي لا تنطبق على مسألة تشغيل الأطفال. فالتوعية في مسألة التعليم والاستهلاك والبيئة والتنمية البشرية وغيرها، تمثل ضرورة حتمية، في عملية البناء في بعض المجتمعات الموغلة في البدائية، والإصلاح في المجتمعات التي وصلت إليها "نسائم" حضارية – اجتماعية، غير أن الأمر ليس كذلك فيما يرتبط بالأطفال العاملين. الذي ينفع في هذه الحالة – تحديداً – استحضار ظروف اجتماعية، تحد من فقر الأسرة أولاً، وتدفع بقوة باتجاه تعليم الأطفال. والمعادلة ليست صعبة الفهم، هي ببساطة على الشكل التالي: " عدم التعليم + فقر = سوق عمالة هائلة للأطفال"!. وعندما يبلغ عدد الأطفال العاملين في اليمن – طبقاً لإحصائيات العام 2000 لا 2010 – 9,1 في المائة من إجمالي القوى العاملة، وعندما يبلغ عدد الأطفال المصريين العاملين ( حسب إحصاء 2001) الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12 عاماً أكثر من 2,7 مليون طفل ( ما يوازي 21 في المائة من مجموع الأطفال ذوي الفئة العمرية نفسها)، وعندما يصل عددهم في سوريا – حسب دراسة للأمم المتحدة عام 2002- إلى ما يزيد عن 18 في المائة، يعني أن هذه المصيبة، في طريق "المأسسة"، هذا إن لم تكن قد "تمأسست" فعلاً. لماذا؟ لأن العدد في تزايد، ولأن الإحصائيات المتداولة، إما قديمة العهد، أو لا تغطي العدد الحقيقي لهؤلاء الصغار "الهرمين".

في منتصف القرن الماضي، قال الأديب والكاتب البريطاني الشهير جورج أورويل: "إذا أردت أن تعرف شكل الإنسانية في المستقبل، تخيل صورة وجه إنسان، على خده طبعة حذاء". واسمح لنفسي بالتصرف فيما قاله أورويل، فأقول : "إن شكل الإنسانية الآن، هي عبارة عن صورة طفل في الخامسة من عمره، يعمل في مصنع"!. إن هذه المصيبة الإنسانية، لم تنفع معها في السابق إدانات منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى غير الحكومية، ولم تجدي معها أيضاً توسلات القائمين على الجمعيات الخيرية. وقد أثبتت "الدموع الصادقة"، على عدم أهميتها، في ظل تعاظم المصيبة، مع غياب إرادة محلية – وطنية أولاً، ودولية ثانياً. صحيح أن تشغيل الأطفال في العالم العربي، هو جزء من هَمٍ عالمي، لكنه لا يزال دون مستوى الحراك الذي تقوم به الحكومات العربية. كيف يمكن التأسيس لمستقبل فيه لمحة إشراقة – لا إشراقة كاملة – بينما عناصره تقبع في جوف مستودع، وقرب جحيم فرن، وفي ركن مصنع، وفي عبودية الَدين.

إنها مسألة – كما الفقر – ليست مرتبطة بالاقتصاد فقط، بل متشابكة بالأخلاق. إنها ليست مسؤولية الأسرة التي لا تجد لقمة عيش، بل واجب مجتمع، لا يستحق اسمه، إذا ما سمح لطفل يمسح ويلمع الأحذية على قارعة الطريق!.