الخميس، 28 يناير 2010

الولايات المتحدة الأميركية "النامية"!

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




" ليس مهما أن تنشر إعلانات منتجات الطعام إلى الجائعين، ولا منتجات الوقود إلى الذين يموتون بردا، ولا العقارات إلى المشردين"
الاقتصادي الكندي – الأميركي جون كاليبريث

 

محمد كركوتــي
 
تحدُث في الولايات المتحدة الأميركية. تحدُث في بلد يستحوذ على أكبر اقتصاد في العالم. تحدُث في أقوى وأغنى جمهورية في العالم. تحدُث في دولة تعج بأكبر عدد من مقرات وفروع المنظمات والجمعيات الإنسانية والخيرية، بما في ذلك تلك التابعة للأمم المتحدة، التي تحتضن مقرها الرئيسي. تحدُث في مجتمع استطاع أن يرسل رجالا إلى القمر في ستينات القرن العشرين، وتمكن من اكتشاف ما كان مستحيلا اكتشافه. إنها قضية، لو لم تحدُث في أثيوبيا أو الكاميرون أو الصومال – مثلا – لكان هناك خطأ ما!. ولو لم تقع في هايتي ( قبل زلزالها المدمر وبعده)، لقلنا: إنه زمن المعجزات!. ولو لم توجد في دول في القارة الآسيوية، لاعتبارنا أننا على أعتاب نهاية الزمن!. المعادلة لم تُقلب، بل ضمت عناصر جديدة. ففي الولايات المتحدة تشردٌ مستمر ومشردون أكثر استمرارا!. وفي المناطق والدول المشار إليها، مشردون "متأصلون" مستمرون، وتشردٌ متجذر، قوي في استمراريته واستدامته ومصائبه. فالمعادلة إذن.. توسعت من حيث عناصرها، ولم تتجه بمسار معاكس. أي أن التشرد لم يتراجع هنا ويزداد هناك، بل ارتفع هنا وهناك. تعاظم في بيئته المعهودة الحاضنة التاريخية له، وأصاب بالعدوى بيئة ليست متداخلة مع الأولى!.

من الصعب تحميل الأزمة الاقتصادية العالمية المسؤولية المباشرة للتشرد المتزايد في الولايات المتحدة، وإن ساهمت هذه الأزمة، برفع أعداد المشردين ( أفرادا وأسر). فالتشرد وتوابعه، كان جزءا أصيلا من سياسة التجاهل أو عدم الاكتراث، التي مارستها إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن في الداخل الأميركي على مدى ثماني سنوات. كانت من "الثانويات" لا الأساسيات. وحين اندلعت الأزمة الاقتصادية في الأشهر الأخيرة من ولاية بوش الثانية، أضافت مشردين جدد إلى المشردين "المتأصلين"، لتكون "قضية هَمِ" إلى جانب "قضايا الهموم"، التي ورثتها إدارة الرئيس باراك أوباما. وكأن إدارة بوش "استصغرت" توريث الأزمة الاقتصادية الكارثية لوحدها، للإدارة التي خلفتها!.

ماذا فعلت إدارة بوش أثناء وجودها المريب في البيت الأبيض؟. منعت محققة تابعة للأمم المتحدة هي البرازيلية راكيول رولنيك المخصصة للتحقيق فيما يعرف في المنظمة الدولية بـ " المسكن اللائق كمكون رئيسي من مكونات العيش الكريم وحقوق الإنسان" أوAdequate housing as a component of the right to an adequate standard of living ، من دخول الأراضي الأميركية. فقد كانت هذه الإدارة تؤمن بأن "المسكن الكريم" ليس من حقوق الإنسان، ولا دخل للمنظمات الدولية فيه!. وجاء هذا المنع المشين، في إطار مقاطعة الولايات المتحدة – في عهد بوش بالطبع – مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ( لقد قاطعت إسرائيل أيضا نفس المجلس)!. ومع زوال الإدارة المذكورة، استطاعت رولنيك أن تدخل الأراضي الأميركية، وتتطلع على كمية هائلة من المعلومات والحقائق التي صدمت حتى المتخصصين الذين اطلعوا سابقا عن قرب على مصائب كثيرة. ولم تَسلَم إدارة أوباما في الواقع من لسان المحققة الدولية، التي وجدت قضية التشرد في الولايات المتحدة، مسألة معيبة بحجم حقيقتها، ومعيبة أكثر بحكم بيئتها. ماذا قالت؟ :" إن الولايات المتحدة الغنية تتجاهل قضية المشردين التي تواصل التردي، في الوقت الذي تقوم فيه بضخ المليارات من الدولارات الأميركية في المصارف لإنقاذها"!.

بعد أن أكملت رولنيك في أواخر العام 2009 جولة في سبع مدن أميركية ( منها شيكاغو وواشنطن ونيويورك ولوس أنجلس)، وصلت إلى الحقائق التالية: أن الحكومة الفيدرالية لم تنفق ما يكفي من أموال لانتشال مواطنيها من براثن التشرد!. وأن حقيقة أزمة المساكن – العقارات – ليست مرئية عند الغالبية من الأميركيين!. وأن مشكلتي السكن والفقر لا يتم التعاطي معهما كقضيتين خطيرتين!. وأنه حتى في عز التعاطي مع الأزمة الاقتصادية والبحث عن سبل لإنعاش الاقتصاد، لا توجد عمليا آليات ناجعة لحل مشكلة المشردين. وأن الغالبية العظمى من هؤلاء المشردين، هم من أصول أفريقية ولاتينية أميركية، وأميركيين أصليين ( من الهنود الحمر).

في العام 2008 بلغ عدد المشردين ( بلا مأوى) في الولايات المتحدة أكثر من 3 ملايين إنسان، والمثير أن الأرقام المتعاظمة لهؤلاء هي في أوساط الأسر لا الأفراد. وطبقا للمنظمات المختصة، فإن هناك ما يقرب من 17 ألف من الآباء والأمهات والأطفال يلتحفون السماء كل ليلة في مدينة لوس أنجلس. هناك من هؤلاء من يعثر على مأوى لليلة واحدة، لكن الغالبية العظمى من الرجال والنساء، لا يمكنهم ذلك!. صحيح أن الحكومة توفر معونة شهرية للمشردين، لكن المعونة الواحدة تقل 50 في المئة عن قيمة إيجار غرفة لمدة شهر!.

لست هنا في معرض الحديث التفصيلي عن الأوضاع المعيشية للفقراء في الولايات المتحدة. لكني وجدت معايير جديدة تتشكل على الساحة الأميركية بفعل الأزمة الاقتصادية، من بينها تدخل الأمم المتحدة نفسها، وتحت مسمى وشعار حقوق الإنسان. وللتذكير، أنا لا أتحدث هنا عن أثيوبيا أو الصومال أو نيجيريا أو غيرها من الدول الفقيرة والمنكوبة، التي ينبغي أن لا تغيب المنظمة الدولية عنها، قبل أن تحقق الحد الأدنى من كرامة العيش، ولا أقول الكرامة الإنسانية، لأن هذه الأخيرة تبدو جزءا أساسيا من المستحيل!. فبعد زوال إدارة بوش، وحضور الأزمة، سمحت إدارة أوباما لمحققة الأمم المتحدة، بعقد اجتماع "جماهيري" في قاعة بلدية لوس أنجلس، مع الأميركيين الذين خسروا منازلهم وافترشوا حدائق وأزقة المدينة. ومثل أي مواطنين في الدول النامية ( عندما يعثرون على مسؤول دولي يستمع إليهم)، قام المجتمعون بتقديم الشكاوى لرولنيك، بأن المسؤولين المباشرين عن المساكن، لا يولون قضاياهم اهتماما، بل يولونها تجاهلا!. اللافت في الأمر أيضا، أن المسؤولين في إدارة الرئيس أوباما، يوفرون كل الإمكانيات للمحققة الدولية من أجل إتمام مهامها، ويمنحونها الحرية المطلقة للتحرك، كيفما تشاء في البلاد. فهذه الإدارة أعلنت صراحة، أنها تسعى إلى الاستفادة من مهام هذه الشخصية الدولية، ولا تهتم بالإحراج الذي قد ينجم عن تكشف الحقائق. ففي وقت الأزمات، يبدو الإحراج نوعا من أنواع الرفاهية.

لقد صدَرت الولايات المتحدة إلى العالم على مر سنوات طويلة، "طرازا اقتصاديا" – موديل - يقوم على مبدأ "أن كل فرد يستطيع تنظيم نفسه ماليا، وبإمكان أن يحقق ما يريد في هذا المجال". حسنا، من الأهمية بمكان بالنسبة لدول العالم التي "اشترت" هذا "الموديل"، أن تعرف وتحدد الشخص المؤهل لهذا " الطراز"، والشخص غير المؤهل له. إنه "طراز" عائم غائم ومغر في آن معا. وفي الواقع أن هذا " الطراز"، حل على مدى عقود من الزمن، مكان آخر كان يقوم على مبدأ" توفير المسكن اللائق لذوي الدخل المنخفض". ما الذي حدث ؟. ساد الأجواء "اقتصاد الوهم"، وهو أن كل إنسان يمكنه أن يمتلك بيتا بمعايير وهمية، لا حقائق واقعية ملموسة. ماذا نتج عن ذلك؟ أزمة عقارية تاريخية، تحولت إلى أزمة مالية أكثر تاريخية منها، تحولت بدورها إلى أزمة اقتصادية، حفرت لنفسها أبرز مكان لها في التاريخ!.

نعم.. إن جزءا أصيلا من الأزمة الاقتصادية مرتبط بهذا الطراز من السياسة الإسكانية الورقية أو الاسمية أو الوهمية ( لنختر ما شئنا من التوصيفات). فعلى رأس أولويات هذه السياسة، بند تسويق المنازل – العقارات – إلى الأشخاص الذين لم يكونوا مؤهلين للحصول على قروض مصرفية أو إسكانية، ولم يصلوا في حياتهم إلى وضعية ائتمانية، تضمن لهم القروض. وفر "الموديل العقاري" القروض ( الديون) لهؤلاء.. وبسخاء. ولكن أحدا من "المُلهَمين الاقتصاديين"، لم يوجه لنفسه السؤال الأهم وهو "هل يمكن أن ينطبق هذا (الموديل) على الفقراء"؟!.

لقد عبرت راكيول رولنيك بعمق عن الحقيقة الماثلة أمامها حين قالت : " إن الولايات المتحدة واحدة من أغنى دول العالم. أعتقد أنه من الأهمية بمكان، أن يعرف العالم حقيقة ما يجري فيها". كأنها أرادت أن تقول، لأولئك الذين " استلهموا" الطراز الاقتصادي الأميركي : "احذروا التقليد"!.


الاثنين، 25 يناير 2010

الفحش المصرفي!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية" )










"المصرف هو المكان الذي يُقرضك الأموال، إذا استطعت أن تثبت أنك لا تحتاجها"
الممثل الكوميدي الأميركي بوب هوب



محمد كركوتــي


صعد الرئيس الأميركي باراك أوباما "عاقد الحاجبين" على منصة أحد المؤتمرات الصحافية، وقال موجها كلامه إلى رؤساء المصارف: "أريد أن تعيدوا لنا أموالنا". ولكن كيف؟.. يتابع أوباما: "يجب على المصارف أن تدفع ضرائب جديدة، من أجل استعادة الأموال العامة (الحكومية) التي أُنفقت عليها لإنقاذها". كان غضبه من هؤلاء، في قمة فورانه، ومن الواضح أنه بحث عن تعبيرات، تفي غضبه بلاغة، لكنه لم يجد تعبيرا يلاءم حجم المكافآت "المشينة" التي منحها رؤساء المصارف لأنفسهم سوى "الفحش" obscene. وهذه الكلمة يمكن أن تُترجَم أيضا ( حسب سياق وخصوصيات التعبير) إلى "فاسق أو فاجر أو قذر أو داعر"!. وطرح الرئيس الأميركي مسألة منطقية، وفق المعادلة التالية: إذا كانت المصارف والمؤسسات المالية في وضعية تسمح لرؤسائها بمكافأة أنفسهم، بكميات هائلة من الأموال، فهي بالتأكيد قادرة على إعادة كل سنت من أموال دافعي الضرائب التي أنقذتها من براكين الأزمة الاقتصادية العالمية. فكل "مكافأة" يمنحُها رئيس مصرف لنفسه ولمساعديه، "تُنتج" غضبا رئاسيا أميركيا، يفوق "المكافأة" حجما.

يبدو أن إصلاح النظام المالي المحلي والعالمي، بصورة تكفل درء الأزمات وضخ الأخلاق، وإيداع الضمير فيه، أشبه بإصلاح مجرم المافيا الأميركي (الراحل) آل كابون، أو ملك المخدرات الكولومبي(المقتول) بابلو أسكوبار، وأشبه أيضا بتحويل "الإمبراطور" الأفريقي (الراحل) بوكاسا من آكلٍ للحوم البشر، إلى نباتي يعيش على الخس والطماطم والخيار!. فعلى الرغم من كل الإجراءات التي اتُخذت – وتتخذ- بقيت المخاوف من سلوكيات المصارف والمؤسسات المالية، حاضرة لدى مالكي صناعة القرار والمُشرعين، وبقيت معها مشاعر الشك والريبة تستحوذ على هؤلاء. فهم يعرفون، أن أبطال الجريمة الكبرى ( الأزمة الاقتصادية) الذين استمروا على الساحة، لن يستطيعوا إزالة آثارها، ليس فقط من حجم قوتها، بل من فرط الأدلة الهائلة الدامغة حولها، ومن فقدان الأخلاق في مسرحها. ولذلك، فالأمر يتطلب أكثر من ضريبة جديدة تفرض على المصارف وما يشبهها من مؤسسات، وأكثر من غضب رئيس دولة هنا وآخر هناك، وأكثر من إجراءات مرحلية، وأكثر من ضوابط موسمية. فحتى الضريبة التي اقترحها أوباما وسيعمل على فرضها، وُضع لها مساحة زمنية – إذا ما فُرضت – لا تزيد عن عشر سنوات!.

والحقيقة أن الرد الأقوى والأمثل والأنجع، على سلوكيات المصارف ورؤسائها، جاء عمليا من تحرك الاتحاد الأوروبي، عبر حث صندوق النقد الدولي، على السعي لفرض ضريبة عالمية على المعاملات المالية – إلى جانب طبعا ضريبة الدخل - للحد من مخاطر حدوث أزمة اقتصادية جديدة، ولوضع الحراك المصرفي العالمي، ضمن نطاق حجمه الحقيقي.. لا الوهمي. ويرى رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو، "أنه من المنطقي أن يقدم من تسببوا في الأزمة لاقتصاداتنا ولدافعي الضرائب، مساهمة عملية للاقتصاد بوجه عام". وهذا يعني أن الساعين إلى فرض ضرائب جديدة على المعاملات المالية، يرغبون في استخدام عوائدها في تمويل عمليات إنقاذ محتملة في المستقبل، خصوصا وأن الاقتصاد العالمي سيظل لمدة – أجد صعوبة في إيجاد من يمكنه تحديدها – طويلة، تحسب بالسنوات لا بالأشهر. لا بأس في هذا التوجه. فالأوربيون متحمسون إلى سَن مزيد من القوانين الضابطة للحراك المصرفي العالمي، لكنهم – وهنا الغرابة - اصطدموا بموقف أميركي رافض، لأن واشنطن لا تعتقد بأن مثل هذه الضريبة، سوف تؤدي إلى الحد من الممارسات المصرفية التي تحفها المخاطر من كل حدب وصوب!.

وتكمن الغرابة هنا، في أن موقف إدارة الرئيس أوباما، حيال الإصلاحات المالية العالمية، يتسم بالكثير من المرونة والإقدام، بل والإصرار على إنجاز المهمة بأسرع وقت ممكن، من خلال التعاون الثنائي بين الدول، وأيضا عن طريق المجموعات الدولية، لاسيما "مجموعة العشرين" التي استلمت زمام المبادرة وصنع القرار على الساحة الدولية، في أعقاب اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية. ولمزيد من الغرابة، فقد أنشأت الإدارة الأميركية "هيئة تحقيق لمكافحة الجريمة المالية"، وصفها وزير العدل إريك هولدر بأنها "ستتم بالحزم والصرامة، وذلك بهدف تجنب أزمة مالية (اقتصادية) أخرى". وفي الإطار نفسه، يقول بين برنانكي رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ( البنك المركزي) : "نعمل بالتعاون مع زملائنا في الداخل والخارج، لتعزيز معايير رؤوس أموال المصارف والسيولة وإدارة المخاطر، والحوافز التشجيعية وحماية المستهلك ضمن ميادين أخرى". فالذي يتخذ هذه المواقف، ويُقدِم على تلك الخطوات، ينبغي أن يكون مؤيدا للجهود الأوروبية بفرض ضرائب على المعاملات المالية، ليس فقط لجني الأموال، بل للمساهمة أيضا في معرفة دقيقة وواقعية، لطبيعة هذه المعاملات التي كانت السبب الأول في انفجار الأزمة.

وإذا كانت خطة الإصلاح المالي الأميركي، التي طرحتها الإدارة الأميركية هي الأضخم على الإطلاق منذ ثلاثينات القرن العشرين، تتضمن توصية بادخار مبالغ مالية لاستخدامها في الأزمات وتحمل الخسائر، يبدو طبيعيا أن تقف واشنطن إلى جانب فرض الضرائب على المعاملات المصرفية. هي تخشى من أن يتأثر النشاط المالي من العبء الذي سيتأتى من الضرائب، لكنها -أي واشنطن – تعرف أكثر من غيرها، أن هذه الطريقة هي الأنجع – مع طرق أخرى إلى جانبها- لتأمين نشاط مالي خال من "مسببات" أزمة، وخال من العمليات الوهمية وتلك المُبالغ فيها، وخال أيضا.. وأيضا من "صفقات الفقاعات"، ومن النشاطات الاحتيالية. فعندما تكون أنت مدينا للمصرف بمئة دولار أميركي، فهذه مشكلتك. ولكن عندما تكون مدينا له بمئة مليون دولار، فإنها مشكلة المصرف. وقد أثبت التاريخ، أن أحدا لا يستطيع أن يلغي أو يقلل من رغبة المصرفيين – في كل مكان – بالإقراض، لأنه مجبول في تركيبتهم المهنية - العملية. صحيح أن القوانين التي وضعت، وتلك التي ستوضع في ماكينة النظام المالي، تفرض رقابة على عمليات الإقراض، لكن هذا النوع من العمليات، يشكل "بحرا هائجا"، من السلوكيات الالتفافية، تحول القوانين الصارمة، إلى "قوانين مجاملة"!. وعندما تفرض الضرائب على المعاملات المالية، تكون المتابعة أشد وأكثر إحكاما، مع التأكيد بأنها لن تشكل لوحدها، الرادع الأقوى.

هناك الكثير من الخطوات التي يجب أن تُتخذ لإحكام القبضة "الاقتصادية والأخلاقية"، على الساحة المالية العالمية. وقد كان حاكم بنك انجلترا المركزي ميرفين كينج ( وهو أحد المسؤولين المباشرين عن الأزمة المالية العالمية)، شجاعا عندما طالب بتجزئة المصارف الكبيرة. فهو يعرف أن كل مصرف منها يمكن أن يتحول إلى مارد، يستحيل معه حمايته من نفسه، ووقوعه بالفشل. ويتفق ما يُعرف بـ " مصرف التسويات الدولية"، الذي يتخذ من مدينة بازل في سويسرا مقرا له، مع كينج، ويرى ضرورة حتمية للإصلاح واتخاذ الإجراءات التي تكفل ضوابط أكثر صلابة، في قطاع له القدرة على كسر كل القيود، وعلى تصنيع "الفقاعات"، وعلى تجاوز كل المعايير، بما في ذلك الأخلاقية منها.

يقول المذيع الأميركي الشهير جوني كارسون ساخرا :" في أي وقت يدخل أربعة "نيويوركيين" (يقصد سكان نيويورك)، إلى سيارة تكسي معا، من دون أن يتجادلوا، يعني هذا أن عملية سطو على مصرف تجري في ذلك الوقت". وهو هنا لا يقصد فقط اللصوص والسارقين التقليديين، بل قصد أيضا العمليات السوداء التي تجري داخل المصارف.

إن العالم بعد الأزمة الاقتصادية، لا يحتاج إلى تسويق للمصارف ومنتجاتها وخدماتها، بقدر احتياجه إلى "عقلنتها" أولا، وتنظيفها من رواسب تجمعت على مدى أكثر من عقدين من الزمن. والخوف من تأثر الحراك المصرفي بضرائب على معاملاته، لا مكان له في ظل أزمة، ولدت أصلا من معاملات، يبدو اللون الأسود أمامها، أبيضا!.



الأربعاء، 13 يناير 2010

المصابغ المصرفية؟!

(هذا المقال خاص بجريدة" الاقتصادية")









"غسيل الأموال.. جريمة معقدة، يتوجب إيجاد آليات معقدة في الحرب عليها"
النائبة العامة الأميركية السابقة جانيت رينو


محمد كركوتــي

كتبت الأسبوع الماضي عن "الجريمة المتوالدة" من "رحم" الأزمة الاقتصادية العالمية، و"المنبثقة" عن ظلامها. ومررت على الجريمة المُنظمَة ( بما في ذلك جرائم غسيل الأموال)، كصورة من صور الجريمة ككل، وكمنظر قبيح أطْر المجتمع الدولي ما قبل الأزمة، وصبغه بلون أسود بعدها، وضع العالم أجمع أمام استحالة العثور على "صبغة" مضادة، تقلل ( أو تخفف) السواد الإجرامي المشين. فجرائم غسيل الأموال، تحتاج إلى معجزة ( في زمننا هذا)، لا للقضاء عليها، بل للحد منها، بل.. وحتى لتحديد هوية مجرميها. ولأنها تأصلت بعد الأزمة، وأوجدت لنفسها مكانا أعمق في الهيكل ( والنظام المالي) الاقتصادي العالمي، فإن أسلحة "محاربيها" لا تزال أدنى بكثير من أدواتها العدوانية. فعندما تشح الأموال وتنضب، يصبح تتبع مصادر الأموال المطروحة على الساحة، أمرا غير مرغوب فيه، بل وتشطب الجملة الشهيرة " من أين لك هذا" من اللوائح والضوابط والقوانين المعمول بها!.

ليس صعبا تتبع مصادر الأموال القذرة، والأمر لا يحتاج إلى خبراء أمنيين وماليين ومحققين دوليين، لتحديد هذه المصادر، والوصول إلى أوكارها. هي خليط من "صناعة وتجارة" الدعارة، والاتجار بالبشر، والسلاح، وسرقة المال العام، والسمسرة المشينة، والإرهاب، والسرقة، والمخدرات. أو هي "صناعة وتجارة" لكل "قطاع" من هذه القطاعات على حدة. هي صناعة "المصيبة"، وتجارة بـ "المصير". هي أكثر من سرطان عدواني، وأكثر أيضا من دمار اقتصادي وأخلاقي. فلا يمكن أن تأتي أموال قذرة، من تجارة أو مصادر نظيفة. ولا تنتج المصادر القذرة، إلا أموال أشد قذارة منها، ولأنها كذلك.. يبحث أصحابها، عن أفضل "مساحيق التنظيف" وأفخر أنواع "الغسالات". لا يهم أن تكون صناعة إيطالية أو ألمانية أو فرنسية أو أميركية أو غيرها. المهم أن تكون قادرة على إزالة أدران وقذارة الأموال، بأسرع وقت ممكن، وبأعلى سرية ممكنة. أما لماذا السرية؟ فلأن هذا النوع من الغسيل، هو الوحيد الذي لا يمكن نشره لا على الأسطح ولا في الحدائق ولا على الشرفات "لتجفيفه"!.

بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، تحولت بعض المصارف الكبرى والصغرى (المنكوبة) في العالم، إلى "مصابغ" لغسيل الأموال. وتظل المصارف – بشكل عام – أفضل "المصابغ" في هذا المجال، حيث توفر كل طرق الغسيل، بما في ذلك " الناشف" أو "المبتل"، وتوفر أيضا خدمات "الصباغة" بكل الألوان التي تفي بالغرض!. وتخصصت هذه المصارف في العامين 2008 و 2009 ، بغسيل أموال المخدرات، على وجه التحديد، ولكن لا بأس لو كانت هناك أموال قذرة من قطاعات قذرة أخرى. ولكي لا أُتهم بالتحامل على هذه المصارف، أنقل ما قاله رئيس مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة أنطونيو ماريا كوستا. ماذا قال ؟: "إن أموال المخدرات حافظت على بقاء النظام المالي قائماً إبان ذروة الأزمة الاقتصادية العالمية"!. مرة أخرى أموال ماذا؟.. المخدرات!!. ويتابع المسؤول الدولي كلامه الصادم فيقول: "إن معظم أرباح تجارة المخدرات، التي يصل حجمها سنويا إلى 352 مليار دولار أميركي، تم استيعابها في النظام الاقتصادي، وإن عائدات الجريمة المُنظمَة كانت (السيولة الاستثمارية) الوحيدة المتاحة لبعض المصارف التي كانت على حافة الانهيار في العام 2008 والعام الذي تلاه!!.

يا إلهي.. أُنقذت المصارف من أموال "التدمير"، بعد أن شاركت المصارف نفسها (بصورة رئيسية) في عملية تدمير المجتمع الدولي، عندما أغرقت البشر بالديون، وأغرقت نفسها معهم، من خلال أزمة مالية، استحقت – عن جدارة- توصيف الأزمة الاقتصادية الشاملة!. لقد منحت المصارف لنفسها "قروض داخلية" مولت من أموال مصادرها المخدرات، والتجارة السوداء المريعة. عمليات الإنقاذ المشينة هذه، طرحت مجموعة من الأسئلة على الساحة الدولية، في مقدمتها: ما هو نفوذ الجريمة على النظام الاقتصادي العالمي في أوقات الأزمات والمحن؟. وما هي الآليات الجديدة التي تعتزم الدول الكبرى على وضعها، من أجل بناء نظام مالي عالمي شرعي محصن من الأزمات والجرائم؟. وقبل هذا وذاك، كيف يستطيع القادة الكبار الفوز بنوم ليلة هانئة، وهم لا يعرفون ( أو يعرفون)، حجم تدفق الأموال القاتلة في "الجسم" المالي العالمي، وتحديدا في بعض مصارف بلادهم؟!. ولا شك في أن هؤلاء على دراية، بأن صاحب رأس المال، يمتلك الحق في إدارة أمواله، وتوجهيها بالشكل الذي يرغب، وبالتالي يحظى بنفوذ يوازي حجم ما يملك، داخل المؤسسات ( المصارف)، التي يضع فيها رأس ماله. وأمام هذه الحقيقة البديهية، سيكون رئيس العصابة "عضوا غير مُعلن" في مجلس إدارة هذا المصرف أو ذاك، وهذه المؤسسة أو تلك، وسيفرض بالضرورة معاييره الدنيئة!.

عندما يصل حجم الديون المعدومة في القطاع المصرفي في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، إلى أكثر من 1000 مليار دولار أميركي بين يناير/ كانون الثاني من العام 2007، وسبتمبر/ أيلول من العام 2009، بالإضافة إلى الخسائر الأخرى، وعندما يصل عدد المصارف الأميركية التي أُغلقت في عام ونصف العام إلى 140 مصرفا، وعندما لا تحقق عمليات الإنقاذ الحكومية الأهداف المرجوة .. تصبح أموال المخدرات والجريمة المنظمة، مطلوبة عند رؤساء المصارف، فاقدي السيولة ومعها الأخلاق والضمير. ولكن السؤال الكبير هنا هو: هل تعرف الحكومات بهذه الحقيقة.. أم لا تعرف؟. فإذا كانت لا تعرف، فتلك مصيبة وكارثة وطامة كبرى. أما إذا كانت تعرف، فالمصيبة والكارثة والطامة الكبرى أعظم، ولن تكون مختلفة أخلاقيا عن العصابات المنظمة نفسها، وسيكون رئيس الحكومة بمثابة رئيس العصابة!.

والذي يرجح معرفة بعض الحكومات، لتمويل مصارف بلادها بأموال المخدرات والجريمة المنظمة، أن مسؤول الأمم المتحدة ( كوستا)، الذي أعلن عن وجود أدلة على هذه العمليات المشينة، رفض تسمية مصارف بعينها. وهذا يعني تفجر فضائح لن تُنسى، إذا ما أعلن عن هوية هذه المصارف، لأنها سيورط الحكومات أيضا. ولهذا السبب تُرك العنان لـ " رابطة المصرفيين البريطانيين"، للدفاع عن المصارف الملوثة بالقول: "إن أموال الدعم تأتي من المصارف المركزية". وهذا صحيح بالفعل. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل هناك "قدسية" للمصارف المركزية؟. لقد أثبتت الأزمة الاقتصادية العالمية، تورط هذه المصارف في ارتكابها، وإن تحملت العبء الأكبر في عمليات الإنقاذ. هذا ليس تشكيكا في أخلاقيات المصارف المركزية، ولكنه مجرد تساؤل، على حكام هذه المصارف الإجابة عليه، لاسيما وأن الاتهامات لم تأت من عصابة تابعة لـ "المافيا"، بل من مكتب تابع للأمم المتحدة، يُعنى بمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة.

وأقدم هنا مثالا واحدا  يمكن أن يُوضح شيئا من غشاوة المشهد. ففي العام 2007 دفعت مؤسسة "أميركان إكسبريس" الشهيرة، غرامة بلغت قيمتها 65 مليون دولار أميركي، لماذا؟ لأنها فشلت في متابعة وملاحقة أموال المخدرات في عمليات التحويلات المالية التي تقوم بها على مدار الساعة!. وقد اعترفت المؤسسة المعروفة بـ "تقصيرها"، ولا نعرف، إن كانت تعرف، بحقيقة التحويلات المذكورة. ولنا أن نتخيل حجم الأموال القذرة، إذا كانت الغرامة بهذا الحجم!.

لقد تحول غسيل الأموال، في الأعوام الماضية، إلى ما يمكن وصفه بـ "الاقتصاد الخفي" أو "الاقتصاد الأسود" أو ما هو أسوأ من ذلك " اقتصاد الظل"!. ويقول جون وللكر في كتابه " ما هو حجم غسيل الأموال" الصادر في العام 1999، إن حجم الأموال التي "تُغسل" سنويا حول العالم، تصل إلى 2850 مليار دولار أميركي!، وهي مركزة بصورة كبيرة في كل من أوروبا وأميركا الشمالية ( الولايات المتحدة وكندا). وهذا يعني أن "المصابغ" المصرفية وغير المصرفية في العالم، تعمل على مدار الساعة، "لغسيل" ناصع البياض، "نُظف" بمساحيق تبدو أمامها منتجات "إريال " و"برسيل" ، مجرد "مُوسخات" لا منظفات. وهذا يعني أيضا، أن المؤسسات المالية وغيرها، ليست محصنة من تدفق هذه الأموال الهائلة إليها، خصوصا عندما تكون أدوات المقاومة ضعيفة في أزمنة الازدهار، ومفقودة في أوقات الأزمات.

وهل تركت الأزمة الاقتصادية العالمية شيئا منها على الساحة؟!.



الخميس، 7 يناير 2010

الجريمة المتوالدة؟!


( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")






" المجتمع يُحضر الجريمة.. والمجرم يرتكبها"

المؤرخ الإنجليزي هنري توماس باكلي

 
 
 
 
محمد كركوتــي
 
سيحمل العام 2010 ( المولود من عام قلَ العثور على شبيه له)، انتعاشا هنا وتعافيا هناك، وانفراجا هنا وتقدما هناك، بصرف النظر عن حجم وطبيعة هذه التحولات أو المستجدات المتوقعة. وهي كذلك لأنها لن تصل إلى مرحلة " الاستحقاقات الانتعاشية" – إن جاز التعبير – في هذا العام، وحتى في العام الذي يليه. سينقشع جزء من غشاوة الأزمة الاقتصادية العالمية، في العام الأخير من العقد الأول للقرن الحادي والعشرين، لكن السماء الملبدة بالغيوم، ستبقى إلى أجل "غير مرئي"، حتى عند أولئك الذين ينظرون إلى الأزمة بعيون ترى ومكبرات تُوضَح، مما يجعل الحرب أقرب إلى صالح الأزمة، منها إلى حساب "محاربيها". فعتاد هؤلاء لا يزال هشا، وعديديهم لا يزال مبعثرا في ساحة القتال، بينما لا تزال عمليات "تعزيز الصفوف" قيد التنفيذ. وإذا كان العالم بعيد عن استحقاقات الانتعاش أو التعافي أو الانفراج أو التقدم (لا يهم اختيار التوصيف إذا لم تثبت الرؤية!)، فإنه قريب من استحقاقات الأزمة، كقربه من آلامها ومصائبها وزلازلها، ومحصور في زواياها. فهي ليست أزمة آنية لتنتهي في زمنها، بل أزمة تاريخية فرضت زمانها، وشكلت الخطوط العريضة (والرفيعة) للمجتمع الدولي، بكل أطيافه ومكنوناته، وقبل هذا وذاك "موجوداته". والطاقة التي كانت هيكلية هذا المجتمع تقوم عليها، بدلتها الأزمة بطاقة فريدة من نوعها وطبيعتها، تحرك المجتمع وتحرقه في الوقت نفسه!. طاقة تغذي المحرك، ليدفع العربة إلى الوراء، فلا يمكن لهذه الطاقة أن تُشَغل إلا محركات "الدفع الخلفي"، ولا تصلح إلا لـ " التقدم" باتجاه المؤخرة!.

الفوران الاجتماعي الذي "غَلتْه" الأزمة، ظهر بمجموعة من الأشكال، كانت الجريمة - بكل أشكالها أيضا - المالية والجنائية والمُنظَمة والالكترونية منها. ولأنه فوران تاريخي من حيث درجة الغليان، فإنه لن يتوقف سوى بتحولات تاريخية صارمة، لن تأتي أو تُستحضَر، إلا ضمن نطاق الانتصار الشامل في الحرب المفتوحة على الأزمة. فالجريمة المتعاظمة، ما كان لها أن تصل إلى هذا الحجم المخيف، بمعزل عن الجريمة الاقتصادية الكبرى، وما كان لها أن تصبح جزءا من الحراك الاقتصادي – الاجتماعي العالمي، لو حقق العالم خطوات كبرى على صعيد حربه الدائرة ضد الأزمة بـ "عتادها وعديدها". وكلما فشلت معركة – في هذه الحرب – أو تأخرت، كلما تأصلت الجريمة بأشكال ومصائب جديدة. والواقع أن الحد من الجريمة المتعاظمة، لا يمكن أن ينجح لو استند فقط إلى الطرق التقليدية المعروفة، بما في ذلك القبض على المجرمين ومحاكمتهم ووضعهم في السجون أو حتى إعدامهم. فهذه الجريمة هي الوحيدة التي لن تهدأ، إلا بحلول اقتصادية – معيشية ناجعة. ولن تتراجع، إلا بخفض عدد العاطلين عن العمل، ووقف ارتفاع عدد الجياع، وتقليل معدلات الفقر، وخلق وتأسيس وتكريس عدالة اجتماعية عالمية (لا محلية). كيف يمكن أن يتحقق هذا، وقد أضافت الأزمة 59 مليون عاطل عن العامل في عام 2009، وضمت ما يقرب من 100 مليون جائع في العام نفسه ليصل العدد الإجمالي إلى 1,02 مليار إنسان، وأوقعت أعدادا هائلة من البشر تحت خط الفقر، حتى في الدول المتقدمة؟!.

إنها مصيبة كبيرة، دفعت مكتب مكافحة الجريمة والمخدرات التابع للأمم المتحدة، إلى تحذير الحكومات من تعاظم الجريمة بفعل الأزمة، سواء الفردية منها أو الالكترونية أو المنظمة. وهذه الأخيرة تجد من السهل في أوقات "المحن المالية" تحويل أموال غير شرعية إلى المصارف، التي تعاني من مشاكل في السيولة!. يا إلهي .. لقد حصلت هذه المصارف على "الأموال السوداء، لتبييض أيامها السوداء"!!. فالعصابات المنظمة التي كانت موجودة قبل الأزمة، وجدت فيها ملاذا آمنا وسهلا، لغسل أموال القتل والسرقة والمخدرات والاتجار بالبشر والأطفال والدعارة!. ومصادر الأموال لم تعد مطلبا مهما لهذا المصرف أو ذاك، وبعض الحكومات في الدول غير الراشدة، شجعت على شطب "من أين لك هذا" من لوائح مصارفها، بينما لا توجد لوائح أصلا في بعض دول أخرى!.

الجريمة المنظمة.. بحر هائل من الأوساخ والقمامة والشر وموت الضمير، يصعب حتى على الدول الكبرى حصرها، لكن من السهل تحديد الجرائم الفردية، لاسيما تلك الناجمة عن الأزمة. فعلى سبيل المثال، في منتصف العام 2009 أعلنت الحكومة البريطانية عن الحاجة إلى ألفي ضابط أمن إضافي خلال ثلاث سنوات، للسيطرة على الجرائم التي ارتفع معدلها بشكل مطرد بسبب حالة الركود الاقتصادي‏. وتتوقع إدارة الشرطة، أن ترتفع الجرائم ‏ بنسبة ‏25 في المئة خلال العامين 2010 و2011‏.‏ ولأن روسيا "ليست طاهرة" من الجرائم – في زمن الأزمات وغيره – فإن ظروف الحياة التي تحولت إلى الأسوأ، رفعت من معدلات الجريمة فيها، في خضم استياء لا حدود له لدى المستثمرين في هذا البلد. ففي شهر واحد فقط ارتفع معدل الجريمة في موسكو 16 في المئة، والاعتداءات التي تؤدي إلى الموت ارتفعت 44 في المئة!. أما السبب المباشر لهذا الارتفاع؟ فيعود إلى أن المهاجرين الذين تدفقوا على موسكو من الجمهوريات السوفيتية السابقة خلال سنوات الازدهار للعمل في مواقع التشييد والبناء والأعمال الصغيرة، فقدوا وظائفهم، ولم يعد أمامهم ملجأ من برد العاصمة ولا لقمة فيها. ولنا أن نعرف أنه في شهر ديسمبر/ كانون الأول من العام 2008 فقد 5,8 مليون روسي وظائفهم. والأمر بنفس البشاعة على ساحة الولايات المتحدة الأميركية. فقد أظهر تقرير أميركي مستقل، أن العلاقة قوية جدا، بين انخفاض الأجور، ومعدلات البطالة المرتفعة للأفراد الأقل تعليماً، وبين ارتفاع نسبة الجريمة وتزايدها في كل القطاعات، وأن الساحة الأميركية تشهد جريمة واحدة كل خمس دقائق، في أعقاب اندلاع الأزمة الاقتصادية. والتاريخ يعزز هذه النتيجة. ففي زمن الانهيار الاقتصادي الولايات المتحدة الذي انطلق عام 1978، تصاعدت معدلات الجريمة، متى؟ في السنوات اللاحقة لهذا الانهيار، وبلغ ذروته في العام 1981، حيث ارتكبت ما يزيد عن 107 آلاف جريمة سرقة في مدينة نيويورك وحدها!، أي بمعدل294 جريمة في اليوم الواحد!.

هذه هي الصورة في ثلاث دول كبرى مؤثرة على الساحة العالمية، وصاحبة قرار اقتصادي عالمي. والوضع لا يختلف في بقية الدول الأخرى المشابهة مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وغيرها، فضلا عن الدول الفقيرة. ومن المصائب أيضا، أن جرائم السرقة ارتفعت داخل الشركات والمؤسسات، على أيدي موظفين فيها، وليس على أيدي عاطلين أو لصوص من خارجها!. والسبب الذي يروجه "السارقون الداخليون" تبريرا لسرقاتهم، أنهم يريدون الحفاظ على مستوى المعيشة المرتفع، الذي تعودوا عليه أثناء فترات الازدهار الاقتصادي. ولمزيد من الصدمات، فقد أنعشت الأزمة في بلد كالولايات المتحدة، تجارة بيع الأسلحة الشخصية، حيث اعتبر "المتسوقون" الجدد، أن احتمالات تعرضهم للسرقة والاعتداء من أجل السرقة، ارتفعت بصورة كبيرة ومخيفة في أعقاب الأزمة. وطبقا لشركة "سميث أند ويسون" Smith and Wesson الأميركية المتخصصة بصناعة الأسلحة النارية، فإنها تتوقع مضاعفة مبيعاتها في غضون ثلاث إلى خمس سنوات، بعد أن حققت في العام 2009 ارتفاعا في مبيعاتها بلغ 13 في المئة.

يقول الكاتب والمؤلف الأميركي جاري ويلس: " إن المنتصرين هم وحدهم فقط الذين يحددون ساعة انطلاق الحرب ضد الجريمة". والطامة الكبرى، أنه لا يوجد منتصر على الساحة في الوقت الراهن. فالحرب لا تزال جارية ومفتوحة على كل الجبهات ضد الأزمة الاقتصادية العالمية، كما أن مسببات الجريمة جاثمة على صدر المجتمع الدولي كله. وإلى أن تضع "الحرب" أوزارها، في زمن يمتد إلى سنوات لا أشهر، لا عجب إذا ما بدأ الأميركيون العاديون بشراء المدافع ، بدلا من المسدسات، والصواريخ بدلا من البنادق، لحماية أنفسهم من مجرمين، لم يكونوا على الساحة أصلا، قبل سبتمبر/ أيلول من العام 2008، الشهر الذي انفجرت فيه " القنبلة النووية البشرية"، ولوثت المجتمع الدولي، بإشعاعات، لا تنفع معها الكمامات ولا السترات الواقية!.


الأربعاء، 6 يناير 2010

مصرفيو الـ "ثلاث ورقات"!



( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")







" المصرفيون يفشلون، لأن المودعين لا يقدمون ما يكفي من المال، لتغطية خسائر المصرف الناجمة عن سوء الإدارة"
نائب الرئيس الأميركي الأسبق دان كويل

 
 
 
محمد كركوتــي
 
إذا كان "ملهَمو" الأسواق المالية، لاسيما سوق "وول ستريت" الأميركية، لعبوا بـ "البيضة والحجر" على مدى عقدين من الزمن، إلى أن وقع الحجر على البيضة وكسرها ، ماحقا صفارها وبياضها، فإن "ملهَمي" المصارف، لعبوا بـ "الثلاث ورقات"، وهي لعبة الأزقة والشوارع الخلفية، التي تمثل فرعا وضيعا لألعاب الكازينوهات في الصالات الفاخرة. فقيَم هذه الألعاب.. واحدة، وإن اختلف مسرحها وتعددت أمكنتها، من بقعة بجانب صندوق قمامة، إلى صالة فارهة مُلحَقة بأفخم الفنادق وأكثرها رفاهية، يعيش روادها ساعات "عز" مع أحلام ربح، لا تتحقق عادة إلا بمعجزة!.


"مُلهَمو" الأسواق باعوا وهمًا وسط فائض من الجشع والطمع المَرضي الموبوء، و"مُلهَمو" المصارف باعوا سرابا في خضم جشع وحاجة. وماذا فعلوا أيضا؟، تحولوا إلى وكالات تصنيف متخصصة بالأفراد، أزاحت من سجلاتها درجات التقييم السلبية الواقعية، وعززت فيها درجات التقييم الإيجابية الورقية أو الاسمية أو الوهمية. فلكل – وفق معاييرها- مؤهل لـ "الفوز" بالقروض، بعيدا عن الملاءة والقدرة على التسديد الكامل والمنتظم، وبعيدا عن واقعه المالي، وإمكانياته العملية!. الكل يستطيع أن "ينعم" بهذه القروض، بل ويمكنه أن يحصل على أخرى إضافية في أي وقت يشاء، بصرف النظر عن الحِجة (أو السبب) لهذا القرض أو ذاك!. ولأن الأموال لم تكن حقيقية أو محسوسة، فهي متوفرة مثل الأمطار في المناطق الاستوائية، ومثل عدد الجياع والمشردين في العالم ( لاسيما ذلك العالم المنسي). إنها مثل أموال "قارون"، ولكنها ليست كأموال حاتم الطائي. فما عليك إلا أن توقِع على قرض، مع رجاء بسيط بـ "دعم الانتباه" إلى أنه سيقع بك في الحضيض!.

وقع الواقعون، ودبت المصيبة. فلا أموال موجودة، ولا أصول أو عقارات تقوم مقامها. انكشفت المصارف، وانكشف معها (أو تعرى) مدرائها "المُلهَمون"، وتبين لهؤلاء أن "موجودات" مصارفهم ليست في الواقع سوى عشرات الآلاف من المقترضين الذين لا يملكون شيئا، ومليارات من الأموال المعدومة، وهموم في كل الأرجاء!. لم يخجل مدراء المصارف المتورطة في الأزمة الاقتصادية العالمية ( وأزمة الناس ) من نتيجة أعمالهم، ولم يغيروا من سلوكهم الجشع. فقبل وبعد استغلالهم لطمع وحاجات الأفراد، واصلوا جشعهم ضد مصارفهم نفسها، عن طريق مواصلة منح أنفسهم المزيد من المكافآت والمخصصات المالية السنوية، حتى في عز الأزمة العالمية، وفي بؤرة الخراب، وحتى بعد أن تحولت هذه المصارف إلى ملكيات حكومية أو شبه حكومية، بغية إنقاذها!. ففي عز فوران الأزمة، منح مدراء المصارف في الولايات المتحدة الأميركية أنفسهم، ما يقرب من 19 مليار دولار أميركي كمكافآت، بل أن أندرو كومو المحامي العام لولاية نيويورك كشف، بأن المكافآت التي حصل عليها كبار المسؤولين في تسعة مصارف، تدخلت الإدارة الأميركية لإنقاذها عام 2008، فاقت في بعض الحالات صافي الربح!.

هذه الحقائق المريعة، دفعت الرئيس باراك أوباما، إلى الفوز بإقرار مجلس النواب مشروع قانون إصلاح سوق وول ستريت والمؤسسات المالية، كما شن هجوما شرسا على المدراء والرؤساء، ووجه أقذع كلمات التوبيخ لهم، واعتبر" أنه لا يُعقل منح مكافآت ضخمة، بينما يعاني الأميركيون من الفقر والبطالة"، ومضى أوباما أبعد من ذلك حين قال : "لم أترشح للرئاسة، كي أساعد حفنة من (القطط السمان) في وول ستريت". لقد أثبت هؤلاء، أن قضية الأخلاق والإحساس، مسألة ليس فيها نظر، وأن مشاعر العالم الذي يكتوي بنار أزمة كانوا من أدوات تأجيجها، لا معنى لها. بل أن مشاعر الأميركيين الذين دفعوا من أموالهم فاتورة إنقاذ المصارف عن طريق الضرائب، لا قيمة لها!.

أمام هذا المشهد المصرفي العالمي، لم تستطع الحكومة البريطانية الاكتفاء بمواصلة التنبيه والتحذير للمصرفيين، بأن يُظهروا شيئا من الخجل. وأدركت هذه الحكومة أن الغضب الشعبي، وصل إلى أعلى مستوياته، وأنها لن تتمكن من كبح جماحه، إذا ما استمر الحال على ما هو عليه. ماذا فعلت؟، فرضت ضريبة تبلغ 50 في المئة على مكافآت المصرفيين التي تتجاوز 25 ألف جنيه إسترليني، في جميع المصارف والمؤسسات المالية البريطانية وفروع المصارف الأجنبية. وتشمل الضريبة الجديدة، كل المدفوعات التقديرية، مثل الأسهم والخيارات وزيادات الرواتب المؤقتة. ولنا أن نعرف، أن هذه الخطوة ستدر على الخزينة العامة للبلاد، أكثر من 550 مليون جنيه إسترليني، في وقت تحتاج فيه بريطانيا – كغيرها من الدول الأخرى – إلى جنيه إسترليني إضافي لمواجهة تبعات الأزمة، علما بأن الحكومة أقرت رصد هذه الأموال، لتمويل عمليات تشغيل العاطلين عن العمل الذين "تكاثر" عددهم بفعل الأزمة. إنها خطوة ضرورية جاءت متأخرة ومنقوصة. لماذا؟ لأن الضريبة على مكافآت المصرفيين تستمر لمدة ستة أشهر فقط!. ومع ذلك، لم تخجل المجموعات المصرفية من القيام بهجوم على الإجراءات البريطانية الجديدة، بحجة أن "معاقبة" أصحاب الدخول الكبيرة في القطاع المصرفي، ستؤدي إلى هجرة الكفاءات، بينما ظهر عضو في مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، ليقول : "إن فرض ضريبة استثنائية على مكافآت موظفي القطاع المصرفي، لن يكون فعالا في تشجيع سلوك ينطوي على مخاطر أقل بين المصارف على المدى البعيد"!.

أية كفاءات تلك التي ستهرب؟، وأية خسارة في الكوادر ستنجم عن فرض ضريبة على المكافآت الهائلة؟. إن مسؤولية أولئك الذين استمروا في مناصبهم المصرفية بعد الأزمة، في اندلاع هذه الأخيرة، تستدعي فصلهم، لا فرض ضرائب على مكافآت لا يستحقونها. وإذا كانت الضريبة سوف تُبعد هؤلاء عن القطاع المصرفي، فإنها بذلك تحقق هدفين. الأول: "استئصال" الأموال من جيوبهم، وتحويلها إلى الخزانة العامة. والثاني: تشجيعهم على هجرة القطاع المصرفي، الذي ابتلي بهم لسنوات طويلة، دمروا خلالها الثقة، بل والكيان المصرفي برمته، مع ضرورة عدم منحهم رسالة "حسن سيرة وسلوك". كما أن وجود هؤلاء في خضم إعادة التكوين المصرفي العالمي، سيقوض العديد من الخطوات الهادفة لإصلاح هذا القطاع. يضاف إلى ذلك، أن "متورطي الأمس"، لا يمكن أن يكونوا من إصلاحيي اليوم. ويكفي أن نعلم، أن الحكومات في الدول المؤثرة على الساحة العالمية، تقوم بصورة يومية بتوجيه التحذيرات إلى القائمين على المصارف، للالتزام بسلوكيات ما بعد الأزمة، لاسيما في ظل ظهور تراخ هنا وآخر هناك.

لقد بدأت الحكومات التي ترزح تحت وطأة الشح المالي، وخطط الإنقاذ المستمرة المحسوبة بعشرات المليارات من الدولارات الأميركية، بإتباع سياسة حازمة في هذا المجال، خصوصا في ظل تنامي مشاعر الامتعاض والسخط، في أوساط الرأي العام. لكن ينبغي أن لا يكون الحزم موسميا. صحيح أن هناك رؤى مختلفة في أوساط صناع القرار الاقتصادي في الدول المتقدمة، حول مسألة التضييق على مكافآت ورواتب المصرفيين، وصحيح أن كل دولة تسعى إلى تكريس ما تبقى من وضعيتها المالية، من خلال سياسة مرنة، تحافظ على سمعتها السابقة، لكن الصحيح أيضا.. أن الأزمة الاقتصادية العالمية، غيرت المفاهيم، وفرضت واقعا جديدا في كل الميادين، وفي مقدمتها الميدان المصرفي. فالقضية لم تعد وطنية أو محلية، بل عالمية. والمشاركة الدولية في صنع القرار المالي، لم تعد خيارا، بل ضرورة حتمية، اعترفت بها وقبلتها كل الدول دون أي استثناء.

إن خطط الإنقاذ والضخ المالي – على أهميتها – ليست كافية لإنهاء الأزمة العالمية، ولا يمكن أن تحصن الاقتصاد العالمي من أزمة أخرى، ربما تكون أكثر شناعة. فإلى جانب هذه الخطط، لابد من "إنشاء مصنع" عالمي لإنتاج الثقة. مصنع عصي على الإغلاق، ينتج أيضا سلوكيات اقتصادية ومالية جديدة، تقوم على ما هو موجود في الواقع، لا على ما هو وهم في الخيال. ومحاصرة "المُلهَمين المصرفيين"، جزء أساسي لبناء الثقة، وتدمير المقامرة والجشع.

إنها في النهاية مسألة أخلاقية لا يمكن أن تتكرس إلا بالممارسة، وبأدوات هجومية تُبقي الوحوش بعيدة عن الحظيرة.



الثلاثاء، 22 ديسمبر 2009

عام "التعري" الاقتصادي!

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





" المتفائلون ينتظرون حتى منتصف الليل، ليشهدوا بداية السنة الجديدة. المتشائمون ينتظرون أيضا ليتأكدوا من أنها رحلت"
الكاتب الأميركي وليم فاوجهان



محمد كركوتــي

أحسب أنه لا يوجد أحد في هذا العالم، يعارض "حذف" العام 2009، من ذاكرة التاريخ. وأحسب أيضا أن العالم كله يتمنى، لو أن مجموع سنوات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، يساوي تسع، لا عشر، وأن يقفز تسلسل الأعوام من 2008 إلى 2010 مباشرة، وأن يضيع العام 2009 من ملفات هذا الزمن وأوراقها. وأحسب أيضا.. وأيضا، أن الكبار والصغار.. الأثرياء والفقراء.. المتقدمين والناشئين - كل في موقعه وفي خضم ظروفه - سيحتفلون – من فرط سعادتهم – بعام مدمر رحل، لا بآخر مجهول آت. فمهما كانت سمات 2010، لن تكون أفظع من سابقه، ومهما كانت مصائب 2008، لن تكون بحجم ويلات تداعيات لاحقه 2009. وإذا كان الاقتصاديون درجوا على وصف الأيام التي تشهد انهيارا أو انخفاضا مريعا في الأسواق العالمية، بـ"السوداء"، يستطيع هؤلاء أن يصفوا 2009 دون تردد بالأسود، الذي جاء نتيجة الغليان الذاتي للون "الأحمر الدموي" الآتي من 2008. فهذا الأسود، هو اللون الوحيد الذي تكوَن نتيجة "مزج" الأحمر الدموي، بالأحمر الناري!.

لكن هل تُشطب السنوات بالتمنيات والقرارات؟. وهل تزول الآلام بالتجاهل والانصراف عنها؟. وهل يمكن أن تُمحى المصائب بكراهيتها فقط؟. وهل بالإمكان استبدال واقع أسود، بوهم أبيض؟!. نعم لا أحد يريد تكرارا للعام 2009، لكنه في النهاية هو امتداد لـ "عام الكارثة"، وسابق لعام يصعب تحديد ملامحه، حتى في زحمة التطمينات التي تطلق هنا وهناك، بأن الأزمة الاقتصادية العالمية، بدأت بالخروج من عنق الزجاجة، وأن الانتعاش آتٍ في طريقه. فالحمم التي قذفتها هذه الأزمة في العام 2008، غطت العام الذي لحقه، دون أي إشارات على استقرارها فيه فقط. فلا تزال الحرب المضادة التي يشنها العالم ضد الأزمة، دفاعية، ولم تدخل مرحلتها الهجومية بعد، ولا تزال هذه الحرب عبارة عن مجموعة معارك مفتوحة. ولأنها كذلك، فهي مرشحة للاستمرار في العام 2010، الذي يتمنى العالم أن لا يشبه سابقه، ولا ينقل العدوى منه. لماذا؟، لأن الأزمة العالمية، لم تُخلف "أنفلونزا" يمكن تحضير لقاح للقضاء عليها، ولا "حُمى قلاعية"، يمكن مواجهتها بالحجر الصحي (كرنتينا)، ولا وباء "جنون بقر"، يمكن إعدام أعداد من الماشية المصابة لاحتوائه، بل نشرت سرطانا، لا ينفع معه لقاحا، ولا حجْرا، ولا إعداما. سرطان لا دواء يحاربه سوى الاستئصال.

العام 2009 يمضي.. ولا يمضي!. يزول رقما، لكنه يبقى هما، وجرحا نازفا في هيكلية الاقتصاد العالمي، والمجتمع الذي يكوُنه. كان عام التداعيات والانهيارات، والإفلاس والإغلاق، والهموم والأوجاع، والتراجع والانخفاض. كان عام الجوع والفقر.. البطالة والأمية.. المحتالين والجشعين.. الديون والتشرد. كان عام "القومية الاقتصادية" المتحجرة، و"الوطنية المالية" الصلفة. كان عام.. حتى الطلاق والتشتت الأسري. لكن في النهاية كان 2009 عام الحقيقة المتأخرة. ولو ظهرت هذه الأخيرة مبكرا، ربما كان 2009 عاما ككل الأعوام، التي تأتي وتهرب وسط زحام السنوات وتدافعها، أو كتلك التي تُذكر برقمها لا بقيمتها. هذه الحقيقة تأخرت أكثر من عقدين من الزمن، لا سنة ولا اثنتين ولا ثلاث. حقيقة.. كانت مدفونة تحت أرجل "المُلهمين الاقتصاديين"، الذين قدسوا السوق، واستحقروا المجتمع، وبعضهم من ألغى هذا الأخير، كأداة من أدوات وجود الحياة أصلا!. "المُلهمون" الذين كانوا يسخرون ممن كان يحذر، من فداحة تجاوز السوق للمجتمع، ومن قدسية الأموال الوهمية. ولسان حال هؤلاء كان يقول :"لا صوت يعلو فوق صوت السوق"!، ولا مكان لمن يريد أن يجعل من المجتمع بوصلة للسوق. فهذه الأخيرة – بالنسبة لهؤلاء- هي البوصلة والربان.. وحتى نجوم السماء المرشدة للملاحين. وعلى هذا الأساس، حوَل "مقامروا الاقتصاد" المجتمع إلى سلعة تُنتج في مصانعهم!.

في العام 2009، تأكد العالم بأن عجلة الاقتصاد العالمي، كانت تدور بأموال وهمية، لا وجود لها في الواقع، وأن ثروة العالم الحقيقة – بما في ذلك تلك المدفونة تحت "البلاطة"- ليست أكثر من نصف ما يدار في الأسواق ويشكل وقودا لها. ولأنها كذلك، فقد توالت الانهيارات، بعد انفجار الفقاعات، وتداعت الصروح التي توهم "المقامرون" بأن قوة لم توجد على الأرض بعد يمكن أن تهزها!. لم يعد في 2009 مناعة لأي صرح كان، مهما كانت منغرسا في هيكلية البناء الاقتصادي. حتى الحكومات.. انهار بعضها، واهتز بعضها الآخر، وتحولت حكومات، إلى "ملاكم" يتهاوى على الحلبة، أمله الوحيد أن يعلن الحكم وقف المباراة!. لكن .. أين هو هذا الحكم الذي بإمكانه، أن يوقف "مباراة الأزمة الاقتصادية"؟!. فهذه الأخيرة، خربت المشهد، إلى درجة جعلت "الحكم" نفسه يستجدي إيقافا عاجلا واستثنائيا للمباراة!.

لقد عرَى 2009 كل الذين كانوا "مدججين" بالملابس، خصوصا أولئك الذين كانوا يستعرضون بملابسهم الـ "سينييه"، بعد أن حفِل 2008 ببداية "مهرجان العري الاقتصادي". وتساوى هؤلاء -لوهلة من الزمن- مع أولئك العراة أصلا، من فرط غياب العدالة الدولية. فالكبير لم يعد كبيرا. وإذا كان قد احتفظ برقمه الكبير، إلا أنه فقد من الهيبة، ما يوازي الرقم قيمة. وضَح العام 2009 الصورة الحقيقية للجميع، وأظهر الوزن الفعلي لكل لاعب على الساحة. وتبين أن بعض أصحاب الأوزان الثقيلة، لم تكن أوزانهم في الواقع أثقل من "وزن الريشة"، لكن الاقتصاد الوهمي، أفسح لهم المجال، لخوض مباريات في الوزن الثقيل. ماذا حدث؟، كانت اللكمة الموجهة إليهم، تساوي أضعاف قدرتهم على الصمود حتى في الجولة الأولى!.

في العام 2009 ضخت الحكومات حول العالم، ما يزيد عن 20 تريليون دولار أميركي، في اقتصاداتها، للحفاظ على مؤسساتها، وحمايتها من الانهيار، لكنها لم تستطع إنقاذ كل المؤسسات والشركات والمصارف، التي باتت تتهاوى الواحدة تلو الأخرى، في مشهد تاريخي فريد. فقد أصبح – على سبيل المثال – إغلاق المصارف في الولايات المتحدة الأميركية (في العام 2009 بلغت 139 مصرفا)، خبرا يوميا أو أسبوعيا عاديا!، وبات ارتفاع عدد العاطلين عن العمل – في الولايات المتحدة وغيرها – خبرا مملا!، وصار تأميم هذه المؤسسة أو تلك، مثل خبر منشور في جريدة " البرافدا" الروسية، قبل "وفاة" الاتحاد السوفييتي السابق!. وحتى العجز في الموازنات العامة، انسحب من مقدمة الأخبار، إلى ذيلها. لقد غير العام 2009 – بفعل الأزمة الاقتصادية طبعا - نظرة العالم أجمع للأرقام. لم يعد المليار دولار أميركي رقما صعبا، بعد أن فقد هالته!. فعندما تكون الخسائر بالتريليونات، يبدو معها ذلك المليار، كمبلغ لـ "التسوق الأسبوعي"!، وعندما تحسب الأموال وهميا، تفقد قيمتها، وتتساوى المبالغ!.

لكن الأمر، ليس كذلك عندما يكون الحديث عن البشر. والخبر في هذا السياق، ليس عاديا، أو مملا. فالعام 2009 شهد – من ضمن ما شهد – تحولات اجتماعية ومعيشية كارثية، ستبقى ملازمة للمجتمع الدولي، حتى بعد تمكنه من عبور" نفق الأزمة". فقد تحول الفقراء إلى جياع.. وهؤلاء إلى موتى، أو مشاريع موتى!. وهذه لوحدها تحتاج إلى خطط إنقاذ تحسب بالعقود.. لا بالسنوات، إذا ما رغب المجتمع الدولي، بأعوام جديدة خالية من المصائب، ومن موروثات الجوع. وتحقيق منجزات في هذه القضية المتعاظمة، أو ما يشابهها، لن يتم بذهنية ما قبل 2009، بل برؤية العقود التسعة المتبقية في القرن الحادي والعشرين.

لقد أتى العام 2009، بحقيقة متأخرة، بعد أعوام من أخلاق غائبة.


الثلاثاء، 8 ديسمبر 2009

الأثرياء المدينون!



(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")










" نحن ننسى دائما، أن المال يعني الثراء، وأن الديون تعني المال أيضا"
الكاتب الفنلندي بيتر كاجاندير


محمد كركوتــي

تستطيع الدول الفقيرة أو النامية أو الناشئة ( التوصيف لم يعد مهما) الغارقة في الديون الخارجية – والداخلية إن وجدت- أن " تفخر" بانضمام الدول الدائنة إلى "ناديها" الكبير الأكثر نشاطا هذه الأيام في ضم الأعضاء. وتستطيع - ولو للحظة – أن تقول : "ما فيش حد أحسن من حد"، لأن الغني والفقير بات يجمعهما "قاسم الديون المشترك"، بصرف النظر عن حجم الدَين وطبيعته، أو عن هوية الجهات المقرضة، أو عن ضعف وقوة المقترض. فالتحولات التي "ابتكرتها" الأزمة الاقتصادية العالمية، أفرغت الاستغراب من أدواته، من فرط تأثير صدماتها "النوعية" المتتالية. فالذي كان يشكل مفارقة، أصبح بعد الأزمة، جزءا من البديهيات، خصوصا عندما يصبح المستحيل ممكنا، والممكن مستحيلا!. وفي خضم هذا المشهد المرشح للاستمرار لأجل غير مسمى، لم تعد الديون "نخبوية" من الجهة السفلى لقائمة دول العالم، بل شملت كل دول القائمة، وساوت – مع اختلافات القوة وطبيعة الديون – بين دول كزيمبابوي، أو كينيا أو لبنان أو جامايكا، وبين دول كالولايات المتحدة الأميركية أو بريطانيا أو ألمانيا أو فرنسا!. وعلى هذا الأساس، يستطيع روبرت موغابي رئيس زيمبابوي – حتى الموت – أن يقول ساخرا، لـ "زميله" باراك أوباما الرئيس الأميركي – حتى سقوطه في الانتخابات - : "أنت مَدين وأنا كذلك"!.

مهما كان شكل الدَين – خارجي أم داخلي – لا يخرج عن نطاق المصيبة المستمرة، طالما استمر دَينا، وتعاظم حجما، وزادت قيوده إحكاما. فالديون هي أبشع أنواع الفقر، وهي آلة من آلات "عبودية الأحرار". والدَين الصغير، "ينتج" دائنا، أما الدَين الكبير فلا "ينتج" إلا عدواً. وللرئيس الثالث للولايات المتحدة الأميركية توماس جيفرسون، توصيفا بليغا للدَين. فهو يقول:" لا تنفق الأموال قبل أن تحصل عليها". ولمصائب الديون درجات أيضا. فالمَدين الذي لا يملك شيئا، لن يملك إلا ديونا متعاظمة عليه، أما الآخر الذي يمتلك بعضا من شيء، سيتنفس قليلا، وإن كان يستحيل عليه التخلص من قيود وسلاسل الديون.

لن أتناول هنا قضية ديون الدول الفقيرة. فهذه الديون حاضرة بصورة دائمة في كل الأزمنة. ومتأصلة ليس فقط على صعيد القيود، بل من جهة المعاناة والمشاكل الاجتماعية والصحية والتعليمية وبالطبع التنموية، لاسيما بعدما تحولت إلى "أسرع سرطان" في هيكلية هذه الدول. لكن المثير للاهتمام والمراقبة، تلك الديون التي تعيش بها وعليها الدول الثرية الكبرى، والتي تحولت – مع الأزمة الاقتصادية – إلى جرح نازف، وجدت حكومات هذه الدول صعوبة – بل لنقل: استحالة- تضميده!. ومن المفارقات – التي لم تعد تصدم- أن الدول التي تحتل رأس قائمة البلدان الدائنة، هي في الواقع بلدان لا تقوى على الاستمرار إلا بالديون!. وعلى الرغم من أن غالبية هذه الدول، كانت تلجأ إلى بعض الاقتراض المحلي أو ما يعرف بالإنجليزية (الأميركية) public debt وبالإنجليزية (البريطانية) national debt ، للإيفاء بالتزامات موازناتها العامة، إلا أنها – مرة أخرى بعد الأزمة – باتت تقترض محليا (أو وطنيا) لتغطي كل نفقات هذه الموازنات، إلى درجة أصبحت معها ديونها، تتساوى أحيانا -وتفوق في أحيان أخرى - مع مجموع الناتج المحلي لغالبية الدول الثرية!. وهذا يعني أنها يجب أن لا تنفق دولارا واحدا لمدة عام كامل لتسديد دَينها العام، وبعض هذه الدول، عليها أن لا تنفق لمدة عام ونصف العام، لتحقيق الهدف ذاته. وطبقا لمنظمة "التعاون والتنمية الاقتصادية"، فإن الدول الثلاثين الأكثر تقدما في العالم، ستشهد ارتفاعا في ديونها 100 في المئة، من إجمالي ناتجها المحلي في العام 2010، وهو ما يمثل ضعفي ديونها تقريبا في غضون عشرين عاما!.

لقد ارتفعت مديونيات الدول الثرية بصورة جنونية، لأسباب عديدة، في مقدمتها: ارتفاع النفقات العامة، بما في ذلك الأموال التي ضُخت في الشركات والمؤسسات المالية الكبرى منعا لانهيارها، في أعقاب الأزمة الاقتصادية (بريطانيا لوحدها أنفقت حتى الآن أكثر من 850 مليار جنيه إسترليني على خطط الإنقاذ، بينها 131 مليار جنيه لإنقاذ المصارف)، وأيضا تراجع العوائد الضريبية نتيجة الكساد العارم وتردي حركة الاقتصاد بشكل عام، فضلا عن الدعم العام للاقتصادات الوطنية في مواجهة الأزمة. وتعطي الأرقام صورة واقعية ومرعبة في آن معا، لديون الدول المتقدمة – الثرية. فعلى سبيل المثال يصل حجم الدَين الحكومي في بريطانيا إلى 56.8 في المئة من حجم ناتجها المحلي، وقفز دَين الولايات المتحدة إلى 92 في المئة تقريبا من ناتجها، وفرنسا إلى 72 في المئة، وإيطاليا 127 في المئة، وألمانيا أكثر من 62 في المئة. والصدمة الكبرى، أن الدَين الحكومي الياباني بلغ حاليا أكثر من 170 في المئة من ناتج البلاد المحلي، ومرشح للوصول قريبا إلى 200 في المئة !.

وإذا كانت الديون تشكل مصدر تهديد للعديد من الدول غير الراسخة، فإن ديون الدول الثرية، تمثل أقوى عوامل عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي فيها. وعلى الرغم من سمعتها ومكانتها الدولية، وإمساكها بزمام صنع القرار الاقتصادي العالمي، إلى جانب عدد جديد من الدول المؤثرة، إلا أن هذا لن يضمن الحفاظ على مستوى سمعتها إلى الأبد. فالأسواق العالمية المؤثرة، لم تصل بعد إلى مرحلة الشك في قدرة الدول المتقدمة على تسديد ديونها، وعندما تدخل هذه البلدان ضمن دائرة الشك المخيفة، فمن الطبيعي أن تتحول الأسواق عن أسهم الدول المعنية العامة ( سندات الخزينة)، وبالتالي سيتوقف الإمداد بالأموال السائلة!. وهنا ستتغير التصنيفات والتقييمات، تماما مثلما تتغير حيال العديد من البلدان النامية أو الناشئة. والمصيبة الأكبر، هي أن الحلول المطروحة – أو الممكنة – ليس كثيرة. وفي الواقع لا تزيد هذه الحلول عن حلَين اثنين. الأول: زيادة الضرائب. والثاني: تخفيض النفقات العامة. هذان الحلان، هما أسوأ الحلول بالنسبة لحكومات الدول المتقدمة، لاسيما الضعيفة سياسيا وانتخابيا منها. فهي إن رفعت الضرائب، أغضبت أصحاب الأموال – إن وجدوا في هذه الأيام -، وإن خفضت الإنفاق، استشاط ناخبها غضبا يصعب وصفه، خصوصا في مواسم الانتخابات.

إنها قضية متفجرة، لا تنفع معها "التطمينات" ببداية خروج الاقتصاد العالمي من عنق الزجاجة، أو من براثن الأزمة الاقتصادية العالمية. كما أنها بمثابة جرح مفتوح، فشلت الحكومات الثرية الغارقة في الديون، في العثور على "جرَاح" يلملمه. والذي يزيد "الطين بلة"، أنه جرح يتوسع على مدار الساعة. فعلى سبيل المثال، يرتفع الدَين العام في الولايات المتحدة، بمعدل 3.79 مليار دولار أميركي في اليوم الواحد، منذ سبتمبر/ أيلول من العام 2007!!. وفي هذا البلد تحديدا، تبلغ حصة الفرد الأميركي من الدَين العام 39 ألف و110 دولارا و35 سنتا أميركيا!. يقول الرئيس الأميركي باراك أوباما: "فور تمكننا من الخروج من الأزمة، علينا أن نضع خطة على المدى البعيد، للتخلص من العجز في الموازنة العامة، لكي لا نتركها للجيل المقبل". والواقع أن هذا النوع من الديون، يخص الجيل الحالي، تماما كما يخص الجيل المقبل، الذي لا ذنب له في تكدسها. فهي ديون متوارثة، مثلما هو حالها في الدول الفقيرة. ولعل هذه الأخيرة، تشعر بنوع ما من المواساة، بوجود قاسم مشترك بينها وبين البلدان الثرية. فالأفراد في كلا الجهتين يعانون من المديونية، مع فارق كبير بالطبع، يتمثل في أن الذين يعيشون في الدول المتقدمة، يعرفون أن يوما جديدا سيشهدونه غدا، لكن "أقرانهم" الذين يعيشون في الدول المعاكسة، لا يعرفون إذا ما كان ليومهم الذي يعيشونه غد.


الثلاثاء، 1 ديسمبر 2009

أزمة الأزمات


(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")












"متى وأينما حَلت الأزمة.. إذا استطعت توفير الطعام للناس بصورة طبيعية، فإن الأمور ستتحسن"
الأديبة الأميركي مادلين إنجلي

 
محمد كركوتــي
 
لا أعرف إن كان القادة الكبار يستطيعون الفوز بنوم هانئ، وأزمة الغذاء العالمي تفوق الأزمة الاقتصادية العالمية مصائب وهموم ومحن؟!. ولا أدري إن كان هؤلاء يتذكرون جوعى هذه الدنيا، وهم يتناولون فطورهم الإنجليزي الدسم، أو الفرنسي "الأنيق"، أو فطور "كونتيننتال" الشامل بعسله وعصيره ومكوناته الأخرى؟!. كلما تناولت قضايا الغذاء والجوع والفقر، أتذكر قول رئيس الوزراء البريطاني الراحل هارولد ويلسون: "إن أفضل جائزة لرئيس دولة، أن يستطيع النوم ليلة هانئة". فالمسؤوليات هي أقوى أنواع المنبهات، وعدم الشعور بالمسؤولية هو أقوى أنواع المنومات، وهذه الأخيرة، وإن وفرت نوما هانئا لليلة، فهي تُخلف يوما مرعبا بعدها. وعندما أبلغ القادة العسكريون البريطانيون رئيس وزرائهم ونستون تشرتشل خلال الحرب العالمية الثانية، عن احتمالات نجاح القوات النازية الألمانية باحتلال المملكة المتحدة ( كانت قد احتلت فرنسا أصلا)، استفسر تشرتشل (القائد الفعلي لقوات التحالف آنذاك) عن شيئين: متانة القضاء في بلاده، والاحتياطي الغذائي فيها. فقد كان يعرف أن الشح الغذائي، يصيب الصمود بالعدوى، في حرب كان فيها الصمود، أقوى أنواع الأسلحة.

منذ سبعينات القرن الماضي، تبدل مفهوم الأمن الغذائي العالمي، وتبدلت معه المشاعر الإنسانية الحارة إلى حرارة الثلج، وأصبحت الرفاهية المحلية، أكثر قدسية، من إطعام طفل يلفظ أنفاسه جوعا ( في ظل أزمة غذاء عالمي مرعبة)، ومن توفير مياه صالحة حتى للشرب الحيواني. فالمياه في بعض الدول النامية ملوثة وكريهة، يعف عنها حتى الحيوان!، ولذلك.. لا غرابة في رؤية الأقفاص الصدرية لها ولمربيها بادية للعيان. وأمام هذا المشهد يصعب العثور على مبررات لما يحدث، حتى لو كانت الأزمة الاقتصادية العالمية في أوج ثورانها، وحتى لو كانت الأموال تضخ في المؤسسات والبنوك من أجل بقاءها على قيد الحياة، وحتى لو كانت ديون الدول الكبرى، تساوي مجموع نواتجها الوطنية، وحتى لو ولدت أزمة هنا وأخرى هناك، من رحم الأزمة العالمية الكبرى. وإذا كان لا بد من توصيف ما لأزمة الغذاء العالمي، يمكن القول بسهولة ( ومن دون حذر) :"إنها أزمة الأزمات". دون أن ننسى بأنها ولدت قبل الأزمة الاقتصادية، "متسلحة" بعمر مديد، يفوق مجموع أعمار الأزمات كلها التي انطلقت منذ منتصف القرن الماضي وحتى يومنا هذا.

في العالم اليوم يموت طفل من الجوع كل ست ثواني!. وفي العالم نفسه ( وليس غيره) هناك 1,02 مليار جائع. ما يساوي شخصا واحد من كل ستة أشخاص!. وهذا لا يعني أن الأشخاص الخمسة الباقين، يعيشون حياة رغيدة. فبينهم اثنان على الأقل يعيشون على دولار أو دولارين أميركيين في اليوم. أي أنهما مرشحان للانضمام في أية لحظة إلى الجائع الأول. وإذا كنا نتحدث عن "عالمية" الجوع، فإن عدد سكان العالم سيصل إلى 9,1 مليار نسمة بحلول العام 2050، وهذا يتطلب زيادة في حجم زراعة الغذاء بنسبة 70 في المئة. والدول النامية تحتاج إلى زيادة حجم الاستثمارات الزراعية السنوية بنسبة 50 في المئة، أو ما يعادل 83 مليار دولار أميركي سنويا، في حال أراد العالم إنتاج ما يكفيه من غذاء بحلول العام 2050. وتمضي "منظمة الأغذية والزراعة " ( المعروفة اختصارا بـ "الفاو") التابعة للأمم المتحدة، أبعد من ذلك، عندما تقول:" في حال عدم تخصيص الآن – وليس غدا- مزيد من الأراضي في العالم لإنتاج المواد الغذائية، فإن 370 مليون شخص قد يواجهون المجاعة بحلول منتصف القرن الحالي"!.

ولنا أن نتخيل استحالة (ولمزيد من المرونة) نقول: صعوبة تحقيق ذلك، في ظل ظروف مناخية قاسية تقدم القحط على الزرع، وبالطبع في ظل عدم اكتراث عالمي بمستقبل العالم نفسه!. أمام هذا المشهد المخيف، أخفقت الدول الكبرى ومعها الصغرى بالطبع، في الوصول إلى نتائج عملية، في تحقيق " أهداف الألفية" التي وضعتها الأمم المتحدة في العام 2000 ، من أجل خفض عدد الجياع إلى النصف بحلول العام 2015 . ماذا حدث ؟. انضم إلى الجياع أكثر من مئة مليون جائع!. فاللقمة التي كان يتقاسمها 900 مليون من البشر، يتقاسمها الآن 1,02 مليار بشري!!.

وفي "قمة الغذاء العالمية" التي عقدت في روما ( نوفمبر/ تشرين الثاني 2009 )، بات المشهد المريع للجوع، أكثر وضوحا، وأشد وطأة، وأكبر مصيبة. فلا قرارات ناجعة اتخذت، ولا التزامات مسؤولة طرحت، ولا فهم لمستقبل "اللقمة" بدا على ساحتها. والنتائج جاءت – كما كان متوقعا – باهتة، لا طعم لها. صحيح أن اجتماعا واحدا لا يمكن أن يحل مشكلة أخذت مكانتها في التاريخ، لكن الصحيح أيضا، أن أحدا من الكبار، لم يتعاطى مع المسألة بصورة إستراتيجية. أي أنه لم يحاكِ المستقبل، في قضية تمثل المستقبل نفسه. لن أتحدث هنا عن الإهانة التي تلقاها العالم، من غياب الغالبية العظمى لقادة الدول الغنية عن قمة روما ( لم يحضر من قادة مجموعة الثمانية الكبار سوى رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني، ولولا انعقاد القمة في بلاده لما حضر!). فقد أرسل هؤلاء رسائلهم المرعبة حول مستقبل الغذاء في العالم، بمجرد عدم الحضور والمشاركة، ليس فقط في وضع الحلول المطلوبة، بل وفي قراءة مستقبل الأمن الغذائي بشكل عام. ماذا نتج عن قمة باهتة كهذه؟، وعود عامة بالحد من المجاعة. متى؟، في "أقرب فرصة ممكنة"!!. والشيء المرعب لا يتوقف انتشاره عند هذا الحد، بل يشمل أيضا، عدم طرح الأسباب الحقيقية للأمن الغذائي والمجاعة على جدول الأعمال!. يا إلهي.. قمة عالمية من أجل الغذاء، لا تناقش أسباب المجاعة؟!. ولم ينفع صيام كل من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ورئيس منظمة "الفاو" جاك ضيوف، لمدة 24 ساعة، في خطوة رمزية تمهيدا لقمة روما. فالذي حدث أن الاثنين تضورا جوعا ليوم واحد فقط!.

وأمام هذه الحقائق المروعة، ضاعت قضية ارتفاع أسعار المواد الغذائية، المرشحة إلى الصعود بصورة مخيفة في منتصف العام 2010. وإذا كان ليس مهما البحث في أسباب الجوع، فإن طرح قضية ارتفاع الأسعار، يبدو أمرا مضحكا!. هذا الواقع "برر" رفض الدول الكبرى الالتزام بجدول زمني للقضاء على الجوع بحلول العام 2025. ولنا أن نعرف – على سبيل المثال- أن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، يحتاج الآن – مرة أخرى ليس غدا – إلى مليار دولار أميركي لإطعام 20 مليون شخص في شرق أفريقيا على مدار ستة أشهر فقط، بينما تحتاج دولة مثل أثيوبيا – لوحدها- نصف هذا المبلغ!. وبينما تتهم الدول الكبرى بعضها البعض في تلويث الكرة الأرضية، وتجنب بعضها التعاون للحد من التدمير البيئي والتغيير المناخي، فإن هذا التغيير الخطير، يؤدي إلى انخفاض الناتج المحتمل للغذاء في القارتين الإفريقية بنسبة 30 في المئة، والآسيوية بمعدل 21 في المئة!. أي أنه يجب أن لا يحلم أحدا منا، بتحسن الأداء الزراعي لاسيما في الدول التي تحتاج إلى لقمة العيش اليومية، لا إلى "الكفيار"، ولا إلى "السلمون المدخن"، ولا إلى "لبن العصفور"!.

إن أهم مصائب أزمة الغذاء العالمي، أن الغالبية العظمى من الدول الكبرى، تتعاطى معها كـ "أزمة اقتصادية". ولأنها ترتبط باللقمة، فهي ليست "اقتصادية"، بل هي "أزمة ضمير"، لايمكن أن تُحل، بمعاول الاقتصاد لوحدها، بل بالدافع الإنساني أيضا.


الثلاثاء، 24 نوفمبر 2009

"تسويق" حكومي أجنبي بفضائيات عربية


(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




" البث التلفزيوني الحكومي، يقوم على التبليغ لا على توصيل المُعلنين إلى المستهلكين"

بات ميتشيل الرئيسة التنفيذية
لمركز بالي الأميركي للإعلام
(متحف الإذاعة والتلفزيون سابقا)

 
 
محمد كركوتــي
 
لم يحظ المشاهد العربي في السابق تدافعا نحوه من جانب حكومات أجنبية، عن طريق إطلاق قنوات فضائية مجانية ناطقة باللغة العربية، كما يحظى اليوم. فقد تحول إلى هدف معلوم، لجهات معلومة أيضا، ومتلقي "متخم" بكل أنواع الفضائيات، بما في ذلك فضائيات التداوي بالأعشاب، وترتيب أطباق الطعام في الخزائن، وكيفية شرب المياه، وأغاني الـ "إس إم إس". ( يوازي عمق "طرب" هذه الأخيرة، مستوى "بلاغة" المفردات المستخدمة في الرسائل النصية القصيرة)!. فعلى مدى أعوام قليلة عج الفضاء العربي بفضائيات، بلغ نشاط توالدها معدل فضائية واحدة كل أسبوع، بصرف النظر عن جودتها ومهنيتها وحتى جدواها. لقد كانت الأموال متوافرة، في عالم كان يعيش طفرة اقتصادية تاريخية، تحولت في مساحة زمنية ليست طويلة، إلى قنبلة انفجرت في كل الأرجاء، لتخلف أزمة اقتصادية غافلت حتى أولئك الذين كانوا يصنعونها!. لن أتحدث هنا عن "البقالات الفضائية"، فبعضها انتهى – بفعل الأزمة- وبعضها الآخر ينازع، لأن الطفرة – عادة – لا تدوم طويلا، وهي على عكس النهضة التي تكفل استمراريتها الذاتية، أو على الأقل تضمن قدرتها على إعادة الانطلاق، في أعقاب حالة تستدعي التباطؤ في مرحلة ما.

توصيف "البقالات الفضائية"، لا ينطبق بأي حال من الأحوال على الفضائيات الأجنبية الناطقة بالعربية. فوراء هذه الفضائيات دول كبرى، لها القدرة على إطلاق فضائيات "يومية"، وتحظى بمكانة – وفي كثير من الأحيان بهيبة - عالمية تؤهلها لامتلاك فضائيات بكل اللغات. لكن هذا لا يعني أن الفضائيات العربية الحالية المملوكة لدول أجنبية، تتمتع بميزانيات مفتوحة. ففي هذه الدول أنظمة محاسبة شعبية - برلمانية، لا يمكن لحكوماتها تجاوزها، وعلى هذه الأخيرة التي تدفع اليوم لفضائيتها العربية – وغير العربية – أن تبرر غدا مدفوعاتها. والخزائن العارمة ( أو التي كانت عارمة) في هذه الدول ليست مفتوحة دائما، لكنها تفتح وفق قواعد إجرائية ومهنية متعارف عليها.

في الفضاء العربي حاليا، باقة من الفضائيات الأجنبية – العربية سعت وتسعى إلى وجود لدولها على الساحة العربية، لاسيما في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، اليوم الذي غيرت فيه الهجمات التي استهدفت الولايات المتحدة الأميركية شكل العالم، وغيرت معه أدوات التشكيل أيضا. يضاف إلى ذلك "استحقاقات امتداد" العولمة – قسرية كانت أم طوعية – على الساحة الدولية، دون أن أستبعد تعاظم الفقاعة الاقتصادية العالمية منذ مطلع القرن الحالي. وباستثناء بريطانيا التي أطلقت فضائيتها العربية ( بي بي سي) في منتصف تسعينات القرن الماضي لفترة وجيزة، وأعادت إطلاقها قبل عامين ونصف العام تقريبا. فإن بقية الفضائيات الأخرى بدأت بإطلاق نفسها تباعا مع بداية الألفية الحالية. الولايات المتحدة الأميركية دخلت بـ " الحرة"، وتبعتها روسيا بـ " روسيا اليوم"، وفرنسا بـ " فرانس 24"، وألمانيا بـ " دويتشه فيلله". ولأنه كما يقول المصريون:" ما فيش حد أحسن من حد"، خاضت الصين غمار الفضاء التلفزيوني العربي بفضائية عربية، وكذلك فعلت كوريا الجنوبية بفضائية مُعرَبة. بل حتى الدنمارك درست – ولا تزال تفكر – إمكانية إطلاق فضائية موجهة إلى العرب.

ولكن هل يمكن لهذه الفضائيات أن تستقطب العدد الذي يبرر وجودها من المشاهدين العرب، في ظل فضاء عربي مفتوح، لا يشبه الفضاء التلفزيوني الذي كان يخيم على المنطقة في العقدين الأخيرين من القرن الماضي؟. وهل يمكن للمادة العربية الأكثر حرية (الآن) في هذه الفضائيات، أن تغري هذا المشاهد بمتابعتها؟. وهل استطاعت أن تَوصِل بصورة "رشيقة" رسائل دولها إليه؟. لاشك في أن هذه الفضائيات أحدثت حراكا إيجابيا في عمليات تطوير القنوات الأرضية والفضائيات الحكومية العربية، لكنها لم تكن الأولى في هذا المجال. فقد استطاعت فضائيات عربية صرفة تتمتع بحد أعلى من المهنية الإعلامية، أن "تُجبر" عددا كبيرا في المحطات الحكومية في العالم العربي على التطوير – بصرف النظر عن مستواه وزخمه – وجعلت الحكومات أكثر خشية على مصير محطاتها. فعندما لا يكون هناك منافس، تغيب عادة معاول الإبداع. ولذلك لم تشكل الفضائيات الأجنبية – العربية عاملا رئيسيا في هذا المجال، وإن مثلت أداة مساعدة للتحفيز نحو التغيير أولا، وتلطيف الخطاب الحكومي ثانيا. يضاف إلى ذلك أن الفضائيات العربية (الصرفة) تجاوزت الحكومية بأشواط طويلة جدا، الأمر الذي جلب لها شرائح متعددة ومتنوعة وعريضة من المشاهدين العرب. فعندما كان المشاهد العربي يفضل – على سبيل المثال - الـ " بي بي سي" العربية في تسعينات القرن الماضي على قنوات بلاده، لم تكن في الأجواء العربية فضائيات أخرى أصلا، ولذلك كان يرى في هذه المحطة الأجنبية "ملاذا ومصدرا آمنا وصادقا" للحصول على معلومة ذات جودة عالية.

أما بالنسبة إلى المادة المقدمة. فقد تحسن مستواها في الفضائيات العربية – مرة أخرى الحرفية – وباستثناء بعض المحظورات (وهي قليلة بالفعل)، فإن مادة الفضائيات الأجنبية العربية، لا تسجل تفوقا عارما على مثيلاتها العربية. بل أن بعض الفضائيات العربية تقدمت في المادة الإخبارية في كثير من الأحداث الرئيسية، لأنها كانت تنفق عليها أكثر من إنفاق الأجنبية نفسها. وطبعا لا مجال للمقارنة في المادة الدرامية، بين الأجنبية ونظيراتها العربية. فهذه الأخيرة، تولي اهتماما كبيرا لهذه المادة، التي توفر لها أعلى درجة من المشاهدة، بينما لا تبدي "الأجنبية" أي اهتمام في هذا المجال.

لست متأكدا من أن الفضائيات الأجنبية تمكنت من تسويق دولها للمشاهد العربي. فهذا النوع من التسويق، يواجه عادة مصاعب كبيرة في تحقيق أهدافه، حتى في الدول التي تمتلك أدوات إعلامية متطورة. وأذكر أنني كنت ضيفا على إحدى هذه الفضائيات، أناقش موضوع الأزمة الاقتصادية العالمية، وأداء الدول الكبرى في مواجهتها، عندما أرادت المذيعة أن تدفعني للإشادة بأداء الدولة التي تمول هذه الفضائية. وعلى الرغم من "مقاومتي" الحوارية لكي لا أنجر ورائها، ظلت "تقاوم" من جانبها، إلى أن تمكنتُ من تحويل مجرى الحديث بصورة غير مباشرة، حفاظا على مستوى الحوار. إن الغالبية العظمى من مشاهدي الفضائيات – عربا أم أجانب – ليسوا مغرمين في متابعة " تسويق الدول". بل يسعون من خلال متابعاتهم التلفزيونية إلى مزيد من الخدمات (بكل قطاعاتها) وبالطبع يتطلعون إلى الترفيه. وإذا أرادت الدول التي تمتلك الفضائيات العربية تسويق نفسها للمشاهد العربي، عليها أن تتوجه إلى هذا المشاهد المقيم فيها في الدرجة الأولى. فهذا الأخير يحتاج بالفعل إلى مزيد من جرعات التعريف والتوعية المحلية، وهو أمر ليس متوافرا في أكبر الدول وأكثرها رسوخا، لاسيما وأن هناك جاليات عربية متعاظمة في البلدان نفسها، تحتاج أيضا إلى ما يمكن تسميته " الإشراك" في المجتمعات التي تعيش فيها، ليس من أجل الذوبان في هذه المجتمعات، بل للحصول على دور أكبر في عملية التنمية والتطور والتثقيف، وحتى المشاركة السياسية والاجتماعية.

أي أن تكون في الدول المتدافعة نحو المشاهد العربي في المنطقة العربية، وسائل إعلام تدعم المشاركة على صعيد الأجانب الذين يعيشون فيها. وهي بذلك تستطيع أن تحقق الكثير من الأهداف الذاتية، بينما ستكون عملية تسويق الدول نفسها أكثر سهولة ومنطقية في مرحلة لاحقة. وأحسب أن هذه الدول تعرف، بأن الفضاء العربي المليء بقنواته التلفزيونية الخاصة، ليس سهل الاختراق، خصوصا عندما يكون الهدف "تسويقا حكوميا".


الأحد، 22 نوفمبر 2009

بلير يخرج قبل أن يدخل!


( هذا المقال خاص بموقع " سي إن بي سي عربية")











" السياسي يحتاج إلى القدرة على تنبؤ حدوث الشيء غدا.. وفي الأسابيع والشهور والأعوام المقبلة. وأن تكون له القدرة بعد ذلك على تفسير عدم حدوثه"
رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرتشل


محمد كركوتــي

عندما خرج رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير من الحكم، كتبت مقالا تحت عنوان "بلير.. الخروج من الباب الخلفي". فهو لم يستطع الخروج من الباب الأمامي الذي دخل منه، كواحد من أقوى رؤساء الوزراء برلمانيا و"شبابيا" في التاريخ البريطاني، بعدما فشل في العثور على من يتفق معه في سياسته الخارجية ( لاسيما المرتبطة بالولايات المتحدة الأميركية). فقد أراد أن يكون قائدا دوليا، لكنه اختار أسوأ الأدوات لتحقيق أمله هذا. فخسر "حلمه الدولي" في القيادة، قبل أن يخسر "حلمه الوطني" في الاستمرار أطول فترة ممكنة حاكما. ومع ذلك.. فالرغبة في الاستمرار على مسرح الأحداث لم تتراجع عند رئيس الوزراء البريطاني السابق. فقد اقتنص موقعا دبلوماسيا على ساحة الصراع العربي – الإسرائيلي، لكن عيناه لم تغب عن منصب رئيس الاتحاد الأوروبي. فهو موقع مرموق جديد، سيُدخل بلا شك شاغله التاريخ من بابه الواسع، لا من "مخرج الفرار" الضيق، وسيكرس الفائز به، كشخصية سياسية جامعة، لا كشخصية مفكِكة. لكن توني بلير خرج من أرفع منصب أوروبي، قبل أن يدخل إليه أصلا، بل قبل أن يُعتمد هذا المنصب في الهيكلية الإدارية والسياسية للاتحاد الأوروبي!.

وإذا كان "الالتصاق" البريطاني في عهد بلير، بالولايات المتحدة الأميركية في عهد جورج بوش الابن، سببا رئيسيا في رفض قبول ترشح الأول لموقع رئيس الاتحاد الأوروبي، فإن هناك عوامل أخرى، ساهمت في بقاء بلير مندوبا لـ "الرباعية الدولية" إلى مفاوضات الشرق الأوسط فقط. فلم تشفع له "توسلات" خلفيته جوردون براون أمام صناعي قرار التوظيف الأوروبي. وأحسب أن هذا الأخير، ما كان ليتوسل، إلا لكي يتخلص من "شبح" بلير على ساحة حزب العمال البريطاني الحاكم، الذي خرج من زعامته رئيس الوزراء السابق، كـ "اقتلاع الضرس" من دون تخدير. وقبل أن أتحدث عن العوامل الأخرى، التي أبقت بلير بعيدا عن رئاسة الاتحاد الأوروبي، لابد من الإشارة هناك، إلى التأثيرات السلبية لما قاله وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول، عن علاقات بلير ببوش الابن، وعن المرحلة التي اختلط فيها على العامة، إذا ما كان بوش يحكم بريطانيا بالفعل!.

كان هناك من يرى، أن "التلاحم" بين الرجلين، لم يكن خاطئا، بل على العكس، كان ضروريا، لماذا؟. لأن وجود شخص كتوني بلير، مع آخر أحمق وأمي سياسي كجورج بوش الابن، يشكل توازنا مطلوبا، ويقلل من الحماقة "البوشية" التي شملت كل شيء خارج الولايات المتحدة وداخلها. ولكن ماذا يقول باول هنا :" لقد حاولت ومعي زميلي وزير خارجية بريطانيا آنذاك جاك سترو، أن نجعل بلير يُقدم على مراجعة بوش الابن". ويضيف قائلا:" لقد وجدنا أن رئيس الوزراء البريطاني السابق، جاهز لمراجعة بوش حول العديد من القضايا، وفي مقدمتها الشأن العراقي. لكن ما أن يرى بلير الرئيس الأميركي حتى يفقد عزمه"!!.

إذن.. لم تكن العلاقة ضرورية بين الاثنين، إذا لم تصل إلى مستوى، يمكن توني بلير "الحكيم والسياسي المحنك" من مراجعة بوش " الأحمق والسياسي الجاهل". ويضاف إلى "قنبلة" باول التي انفجرت في وجه بلير، أن الاتجاه لتقديم رئيس الوزراء البريطاني السابق إلى محاكمة بسبب حربه في العراق، أو على أقل تقدير استجوابه "بعنف تحقيقي" - غير جسدي بالطبع- لإشراك بلاده في حرب غير مبررة من الناحية القانونية أو لنقل: من الناحية المعلوماتية، لاسيما فيما يتعلق بالقدرات النووية العراقية التي لم تكن موجودة أصلا، هذا الاتجاه، ساهم هو الآخر في إبقاء بلير خارج المنصب الأوروبي الأكبر.

أما من الناحية الأخرى، فيرى الأوروبيون الموالون للاتحاد الأوروبي، أن توني بلير، لم يقم بما يكفي من خطوات عملية، لدمج بلاده بالاتحاد، خلال فترة حكمه التي دامت قرابة العشر سنوات. فلا تزال بريطانيا خارج نطاق منطقة اليورو، ولم تقم – حتى الآن – بإقرار الدستور الأوروبي، ولا تزال تعمل على بعض " الجبهات"، كبريطانيا لا كدولة عضو في اتحاد يتكرس يوما بعد يوم، ويتحول شيئا فشيئا إلى دولة واحدة. والأوروبيون الذين رفضوا توني بلير رئيسا للاتحاد، يعتقدون بأن هذا الأخير، يمثل الماضي ولا يرتبط بالمستقبل. وهذا لوحده سببا كافيا، لإبقاء بلير في أي مكان، إلا المكان الأوروبي.

والحقيقة، أن هؤلاء يمسكون بمبررات لا تقهر في هذا المجال. فكيف يمكن أن يأتي شخص من بلد ليس مندمج تماما مع وتيرة اندماج الاتحاد الأوروبي، ليكون رئيسا لهذا الاتحاد؟!. وكيف يمكن القبول بهذا الشخص، بينما لا تزال شوائب علاقاته مع إدارة بوش السابقة، على الساحة، بتداعياته وتبعاتها؟.

إنها مسألة فيها الكثير من النظر، والكثير من المنطق، والكثير من الحكمة. كما أنها ستكون مثالا يحتذى لأي زعيم أوروبي، يسعى في المستقبل للخروج عن "النص الأوروبي". فالاتحاد الأوروبي أصبح مثل الحزب السياسي، من يخرج عن نطاقه، يخرج منه.. وإلى الأبد، أو في أحسن الأحوال، يتعرض إلى تقليص نفوذه، بكل الوسائل المتاحة.


الثلاثاء، 17 نوفمبر 2009

"المتشائلون" الاقتصاديون!!

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")








" إذا كنت تعتقد أن أحدا لا يحفل إن كنت حيا أو ميتا.. جرب التوقف عن دفع أقساط سيارتك "
لاعب البيسبول الأميركي روبرت إريل ويلسون




محمد كركوتــي

ليس مسموحا لشخص بوضعية ومسؤوليات رئيس البنك الدولي روبرت زوليك، أن يكون متفائلا أو متشائما، فيما يرتبط بتداعيات وآفاق الأزمة الاقتصادية العالمية. وليس مقبولا منه أيضا، أن يكون متفائلا حينا، ومتشائما حينا آخر، لأنه ليس على طاولة "بوكر" أو " روليت" أو " بلاك جاك" في إحدى الكازينوهات. فهو يمثل مؤسسة يفترض أنها تتمتع بأعلى درجات من الشفافية والواقعية والحقيقة المجردة.. وبالطبع النزاهة. وهو أيضا بمثابة مؤشر، لما ستؤول إليه الأمور – خصوصا في زمن الأزمات - لا محلل يمكن أن تخطئ توقعاته أو تصيب. هو مثل سائق يقود قطارا، ينبغي أن يعرف بالضبط مواقع محطاته، وفي مقدمتها محطته الأخيرة. والأمر نفسه ينطبق على رؤساء ومدراء المؤسسات والهيئات الدولية المعنية بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية. فالخطأ في تقديرات هذه الهيئات، لا يُخيب الآمال فحسب، بل يُوصل الإحباط إلى أعلى قمته، أو يُلون الخراب بأزهى الألوان وأقواها بريقا!، والنتيجة في كل الحالات، لن تكون أقل من مأساة ضمن كارثة.

لقد اتبعت بعض الحكومات في العالم – راشدة وغير راشدة- منذ اندلاع الأزمة العالمية، أساليب الإنكار في البداية لبلوغ الأزمة دولها في المرحلة الأولى، والتخفيف من آثار الأزمة – لفظيا لا عمليا - في المرحلة الثانية، والتفاؤل -التسويقي الوهمي - في المرحلة الثالثة. لكن سرعان ما وجدت نفسها، مثل شخصية سعيد أبو النحس، التي رسمها الأديب الفلسطيني الراحل إميل حبيبي في روايته الشهيرة " المتشائل". وإذا كان "التشاؤل" الفردي يؤذي فردا، فإن "التشاؤل" العام يؤذي أمة – بل أمم – بأكملها. ولأن الأمر كذلك، فقد أسرعت الحكومات "المتشائلة"، إلى الهروب من حالتها المرضية هذه إلى الواقع، الذي ربما لا يضمن لها استمرار شعبيتها – لاسيما في الدول الراشدة -، ولكن بالتأكيد يوفر لمصداقيتها الحصانة المطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى. وإذا كان التفاؤل –غير الواقعي – ينتج وهمًا، كذلك الأمر مع التشاؤم، لكن " التشاؤل" لا يؤدي إلا إلى انفصام في الشخصية، في وقت يحتاج فيه العالم، إلى كل إمكانيات الشخصية المتماسكة.

لا شك في أن بعض دول العالم، شهدت نموا ما في غضون الأشهر القليلة الماضية، خصوصا مع بداية الربع الأخير من العام 2009. لكن هذا النمو ليس طبيعيا، ولا يدخل ضمن نطاق التطور الاقتصادي الذي يكمل المشهد التنموي العادي. هو أشبه بامرأة تحمل جنينها خارج الرحم، ولا أحد يستطيع أن يخمن، إذا ما كان هذا الجنين قابلا للحياة( جنينا أو إنسانا)، قبل أن تتضح الصورة الكاملة للحمل. والنمو الذي يتحدثون عنه الآن، هو في الواقع، عبارة عن توقف الانهيار أو الكساد أو الركود. والحراك الاقتصادي الراهن، لا يستحق صفة النمو، إلا بعد مرحلة الانتعاش. وطالما أن هناك عمليات إنقاذ – لا أقول تحفيز – تجري في كل الأرجاء، تبقى مرحلة النمو سابقة لأوانها. فعلى سبيل المثال، يجري الحديث عن خروج منطقة اليورو ( الدول التي تعتمد اليورو كعملة وطنية لها، ويصل مجموع ناتجها السنوي إلى 8400 مليار يورو) من الكساد. وعلى الرغم من الشكوك التي تلف هذا الخروج الهش، إلا أن الوضع الاقتصادي المتحسن لهذا المنطقة، لا يزال يعتمد على عمليات الإنقاذ، التي دفعت البنك المركزي الأوروبي، إلى ضخ المليارات من اليورو، لتشجيع الإقراض. وهذا يعني، أن الأموال الحكومية هي التي دفعت الحال إلى التحسن، لا الأداء المتكامل والطبيعي لاقتصاد منطقة اليورو. ولا بد من التأكيد هنا، على أن عمليات الإنقاذ تختلف عن عمليات التحفيز. فالأولى أُطلقت لانتشال الشركات من الغرق، لاسيما تلك التي تُعتبر رمزا من رموز السيادة الوطنية، والثانية لا تُطلق إلا في نطاق الشركات التي استجمعت أنفاسها. والسؤال يبقى: هل استجمعت الشركات والمؤسسات المعنية أنفاسها فعلا؟. وهل بلغت من القوة لتشجيعها؟، أم أنها لا تزال في أوضاع تحتاج فيها إلى المساندة، للحفاظ على كياناتها؟.

ولأن الصورة لا تزال غائمة، والمؤسسات التي أُنقذت لا تزال مضطربة، والوضع بأكمله لا يزال عائما، تبدو التوقعات المتناقضة للهيئات الدولية المعنية حول النمو – خصوصا البنك وصندوق النقد الدوليين – خارجة من اللوحة العامة للاقتصاد العالمي. فعندما يقول رئيس البنك الدولي، قبل أشهر: إن اقتصاد العالم، سيشهد نموا في العام المقبل، ويدعمه زميله رئيس صندوق النقد الدولي دومينيك شتراوس، علينا أن نفرح وتغمرنا السعادة. ولكن ما عسانا أن نشعر، عندما يعود زوليك وشتراوس للقول: إن النمو العالمي يواجه مخاطر التراجع في العام 2010؟!. ولأن هذا النمو الذي يتحدثان عنه هشًا، أسرعا للتأكيد على ضرورة أن لا يتم سحب إجراءات " التحفيز" الاقتصادي في العام المقبل. وإذا كان شتراوس – على سبيل المثال – يرى بأن أوروبا لن تشهد انهيارات جديدة للمصارف، كيف يفسر لنا الانهيارات المتتالية للمصارف الأميركية، حيث بلغ عدد المصارف التي أُغلقت نهائيا في غضون عام واحد 120 مصرفا. أليس لهذه الانهيارات تبعات عالمية؟، أم أن الاقتصاد الأميركي بات منفصلا عن الاقتصاد العالمي؟!!.

ربما كان وزراء مالية " منتدى التعاون لدول آسيا والمحيط الهادي" - المعروف اختصارا بـ " إيبك" - البالغ عددها 21 دولة، أكثر مسؤولية من رئيسي البنك وصندوق النقد الدوليين، عندما حذروا من تصور انتهاء الأزمة الاقتصادية العالمية. فهي – حسب هؤلاء - لا تزال موجودة، وأن الموقف لا يزال هشًا، رغم التحسن المالي. وتكمن مسؤولية وواقعية هذا التوجه، أن ما يشهده العالم حاليا، ليس سوى هدنة، ضمن نطاق الحرب الشاملة على الأزمة، لاسيما وأن بعض المسببات الحقيقية التي وَلدت الأزمة، لا تزال على الأرض، في مقدمتها، عدم التوصل إلى اتفاق عالمي نهائي، ينظم الأداء المالي للمصارف والمؤسسات المالية. ومما لاشك فيه، أن أصحاب القرار الاقتصادي العالمي، باتوا يعرفون الآن (بفعل الأزمة) أن الانتعاش – وإن تحقق مستقبلا وبصورة واقعية – عليهم أن يعملوا على احتواء المتغيرات التي أحدثتها هذه الأزمة. ولا أبالغ إن قلت، إن الأمر يحتاج لعشر سنوات أخرى، لأن السلوك الاستثماري والتنموي تغير في بعض البلدان، وانقلب رأسا على عقب في بلدان أخرى. مع ضرورة الإشارة، إلى أن أنماط الطلب الاستهلاكي تغيرت أيضا وبصورة متطرفة، وإلى التراجع المخيف في وتيرة تنفيذ مشروعات البنى التحتية، خصوصا في البلدان الأقل تقدما.

في الأزمات الكبرى، تبرز أزمات من قلبها، إلى جانب الفرص التي تستحدثها. لقد حدث هذا في الكسادين الطويل والعظيم اللذين انطلاقا في الولايات المتحدة الأميركية في القرنين السابقين. لم ينفع وقتها التفاؤل المستند إلى التمنيات، ولا التشاؤم المرتكز على الخوف. الذي ينفع في مثل هذه الحالات التاريخية، هو التعاطي مع الواقع كما هو، إلى جانب – بالطبع - التعاون الدولي الشامل. فالأزمة لم تكن خاصة بالولايات المتحدة – وإن انطلقت منها – ولا بالاتحاد الأوروبي، ولا بالصين أو الهند أو غيرهما من الدول. هي أزمة جمعت العالم تحت عباءة واحدة. عباءة مليئة بثقوب الجشع والاحتيال والخوف والإحباط .. والأمل أيضا، لا يستطيع حتى أمهر الخياطين ترقيع هذه الثقوب بمفرده، فما بالك برَتيها. إنها مسؤولية أمم بأجمعها. ومسؤولية حكماء – لا ملهَمين - يعرفون متى يتفاءلون ومتى يتشاءمون.. وأيضا.. متى لا " يتشائلون". حكماء يعرفون أهمية التحرك، ليس فقط لمواجهة الأزمة، بل أيضا للحيلولة دون اندلاع أخرى. فالعالم أُجهد بما يكفي من أزمة، أزاحت مسرات وهمية، وجلبت أحزانا واقعية.


الأحد، 15 نوفمبر 2009

السوق في مواجهة المجتمع!

(هذا المقال خاص بموقع " سي إن بي سي عربية")













" الأشياء الأخرى قد تغيرنا.. لكننا نبدأ وننتهي مع الأسرة "
الكاتب الأميركي أنتوني براندت


محمد كركوتــي

لم تنجح حكومات على مر التاريخ، في تكريس مبدأ، أن السوق هي التي تضع معايير المجتمع، لا العكس. فهذا المبدأ الذي وضعته والتزمت به بعض الأحزاب السياسية التي حكمت عددا من البلدان الأوروبية، وكذلك الأمر مع بعض الإدارات التي حكمت الولايات المتحدة الأميركية، كان يعيش لفترة، ولكنه لا يموت إلا بمصيبة اقتصادية – اجتماعية عامة. كانت مارجريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية المحافظة السابقة، الرمز الأكبر لـ "التيار السوقي"، وكانت لا تعترف بالمجتمع كمحرك لذاته، بل لا تعترف بوجوده أصلا. ماذا حدث على مدى 11 عاما، حكمت خلالها تاتشر بريطانيا طوال العقد الثامن من القرن الماضي؟. أشرف اقتصاد بلادها على الانهيار، بعدما تمزقت مفاهيم الأسرة، وسادت مفاهيم السوق الخالية من الضوابط. ونشأت في تلك الفترة شريحة طفيلية مدمرة، استطاعت أن تحقق مكاسب مالية كبيرة، عن طريق الغش والخداع، تشكلت من الفاشلين في كل شيء، إلا في الاحتيال.

كانت الأسرة التي تشكل المجتمع، في الدرجة الأخيرة من أولويات حكومة تاتشر – والحكومات الأخرى التي استلهمت المبدأ التاتشري- وتصدرت المصارف التي كانت تعقد الصفقات الاسمية أو الوهمية أو الورقية سلم الأولويات ( وهذا ما حدث قبل الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة)، والشركات الصغيرة والمتوسطة، التي كانت تظهر لأقصر فترة ممكنة، ثم تختفي، بعد أن تكون قد جمعت ما أمكنها من الأموال غير الشرعية، وأيضا المحتالون الذين عرفوا كيف يقدمون لوحة جميلة، لأبشع منظر ممكن. وسط هذا الخراب الاقتصادي المتعمد، كانت الأسرة تتعرض للقضم شيئا فشيئا، إلى أن زال حراكها الاجتماعي تماما، وأصبحت عبارة عن مجموعة أفراد تجمعهم صلة القرابة فقط، لا حراك الحياة. ماذا حدث بعد ذلك؟. قام قادة مؤثرون في حزب المحافظين الحاكم آنذاك، في ليلة ظلماء بعملية انقلاب بيضاء ضد تاتشر، التي خرجت بأبشع صورة مهينة من الحكم. فقد وجد المحافظون العقلاء، أن الخراب لم يتسيد المجتمع فحسب، بل وصل إلى الحزب نفسه الذي تردت سمعته، وخبا بريقه، وتراجع تأثيره.

حل جون ميجور المحافظ مكان تاتشر زعيما للحزب ورئيسا لحكومة البلاد. وعلى الفور رفع شعارا أراد من خلاله أن يستعيد حزبه بعضا من الشعبية التي فقدها على مدى 11 عاما. ما هو هذا الشعار؟ : العودة إلى الأصول". كان ميجور والفريق الحاكم الجديد، يريد أن يكرس حقيقة أن المجتمع ( بتكوينه الأسري) هو الذي يحدد المعايير العامة للسوق، وأن السوق عندما تخرج عن نطاق خصوصيتها ودورها، تجعل من المجتمع ساحة للذئاب، وسط مجموعة من الحملان.

في بريطانيا اليوم، توجها حكوميا مباشرا لتشجيع تشغيل الأزواج وفق عقود عمل لـ "جزء من الوقت"، أو ما يعرف بالإنجليزية بـ Part-time ، لأن حكومة جوردون براون، توصلت إلى ضرورة إبقاء الأسرة مع بعضها البعض لأطول فترة ممكنة، وبأكثر عدد من أفرادها، وتدعيم معاييرها وأخلاقياتها. وبالفعل طلبت وزيرة العمل إيفيت كوبر من رؤساء المؤسسات والشركات البريطانية، توفير الوظائف وفق هذا النوع من العقود، كما طلبت من مكاتب التشغيل ( التابعة للحكومة)، عرض هذه الوظائف على الأزواج الذين يتقدمون بطلبات العمل لديها. وتقول الوزيرة: "إن الحكومة التي تهتم بأداء الشركات والمؤسسات المختلفة، تهتم بصورة أكبر بنوعية الحياة الأسرية،و سبل دعمها". ولأن هذا الأمر لا يروق للشركات، فقد اتهم رؤساؤها الحكومة، بأنها لا تولي اهتماما لأوضاع شركاتهم، التي ترزح تحت ضربات الأزمة الاقتصادية العالمية.

لكن للحكومة نقطة لصالحها. فهي لم تطالب بتوفير الوظائف من قبل الشركات وفق عقود العمل لجزء من الوقت، بل طالبت بعرض الوظائف ذات عقود العمل الكاملة أو ما يعرف بالإنجليزية بـ Full-time ، على أن يجري اقتسام الوظيفة الواحدة بين شخصين، في مكاتب التوظيف التابعة للحكومة، فضلا عن أن المطالبة الحكومية لا تجبر الشركة على تحويل عقد الموظف الحالي لديها من "كل الوقت" إلى "جزء من الوقت"، إلا إذا قبلت الشركة بذلك. وفي كل الأحوال، جاء اتهام رؤساء الشركات للحكومة بعدم اهتمامها بأوضاع شركاتهم تحت الأزمة العالمية فارغا، لأن وزير الأعمال اللورد بيتر ماندلسون، قام بتأخير فرض قانون التشغيل "جزء من الوقت"، إلى أن تنجلي صورة الاقتصاد البريطاني تماما ككل.

لاشك في أن هذه الخطوة، تعزز من الحياة الأسرية. فعلى سبيل المثال، أظهرت إحصائية صدرت مؤخرا، أن البريطاني يحظى بأعلى دخل مقارنة بزملائه في الدول الأوروبية الأخرى، لكن الامتيازات الاجتماعية والترفيهية التي تمنح له، هي الأقل مقارنة بمثيلاتها في بقية دول أوروبا، بما في ذلك طول ساعات العمل. وبصرف النظر عن هذه النقطة، إلا أن التوجه العام لتوفير أكبر قدر من الالتفاف الأسري، بات مطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى. لأن المجتمع يعيش حاليا، أسوأ أزماته بسبب تداعيات الأزمة العالمية، ولأن عمليات التصحيح التي فرضتها الأزمة، تشمل بصورة أساسية المجتمع. فهذا الأخير كان – ولا يزال – الأكثر تعرضا لأذى الكارثة الاقتصادية العالمية، والأقل حصانة منها.


الثلاثاء، 10 نوفمبر 2009

توقيع كتاب " في الأزمة" لمحمد كركوتي


دبي: خاص


أقام "نادي دبي للصحافة"، حفل توقيع كتاب " في الأزمة" لـ محمد كركوتي، وذلك بحضور عدد من ممثلي وسائل الإعلام في الإمارات، بالإضافة إلى مجموعة من الكتاب والمهتمين. وسبقت التوقيع جلسة نقاش حول الكتاب بشكل خاص، والأزمة الاقتصادية العالمية بشكل عام. وأدار الجلسة كل من الزميلين نهى علي المذيعة في قناة "سي إن بي سي عربية" ، والدكتور صباح ناهي من قناة " العربية".

وتناول النقاش جوانب الأزمة الاقتصادية العالمية، التي تنال من العالم العربي، بالإضافة طبعا إلى هيمنة الأزمة على الحراك الاقتصادي العالمي. وشدد كركوتي، على أن الأزمة لم تهدأ بعد، وتوقع أن يتواصل وجودها عالميا وعربيا لفترة طويلة، خصوصا وأن خطط الإنقاذ التي اعتمدت منذ انطلاق الأزمة، لم تظهر نتائج عملية وفاعلة، بهذا الصدد. كما أشار المؤلف: إلى أن ضرورة أن يتخلص العالم، من ثقافة الأسواق المنفلتة، مع التشديد على أنه لا يطالب بسيطرة حكومية كاملة عليها.

وتضمنت جلسة النقاش أيضا، آفاق الأزمة وتاريخ الأزمات والمقارنة بينها. وتم التركيز على دور الإعلام العربي الغائب على صعيد تناول الأزمة بصورة تصل إلى القاعدة العريضة من المتلقين العرب للإنتاج الإعلامي بكل أنواعه. وأثيرت في الجلسة أيضا، مواقف وتنبؤات وسائل الإعلام العالمية، قبل الأزمة الاقتصادية.

وقام "نادي دبي للصحافة" بتقديم هدية تذكارية للكاتب، عبارة عن مجسم زجاجي لشعار النادي، الذي يقوم بنشاطات مختلفة على صعيد خدمة الإعلام والإعلاميين العالمين في الإمارات ككل.

يذكر أن كتاب " في الأزمة" صدر تحت عنوان فرعي هو " النمو لمجرد النمو مبدأ الخلية السرطانية"، عن مركز الإمارات للدراسات الاقتصادية. ويقع الكتاب في 342 صفحة، تتضمن مجموعة من الإحصاءات والبيانات المساندة للموضوعات الأساسية فيه. فضلا عن قسم للصور المعبرة، عن فداحة الأزمة الاقتصادية العالمية.


الصورة الأولى: محمد كركوتي

الصورة الثانية: كركوتي/ نهى علي/ صباح ناهي

















الاثنين، 9 نوفمبر 2009

جرائم الـ"دوت" والـ "كوم" ؟!



(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")










 " أُفضل الفشل بشرف عن النجاح بالاحتيال "
الكاتب الدرامي الإغريقي سوفوكليس


محمد كركوتــي

ليس غريبا أن توفر الأزمة الاقتصادية العالمية آليات و"معاول" لمرتكبي الجرائم المالية عبر الانترنت، أو ما أصبح يعرف بـ "الجريمة الالكترونية". فعندما تجف المياه، تزدهر سرقة الآبار من فوهاتها، ومن أخاديدها المخفية تحت الأرض. وعندما تتبخر الممتلكات، تتوجه العيون على ما تبقى منها. والأزمة "شفطت" ما كان في الأيدي والجيوب والخزائن، بما في ذلك الممتلكات ورؤوس الأموال "الوهمية"، أو الاسمية، أو الورقية. ومن كان يعتقد ( فردا أم مؤسسة) أنه يملك المال، اكتشف أنه يخزن "أموالا وهمية"، وممتلكات اسمية!. والجريمة الالكترونية المتصاعدة، تواكب الجريمة التقليدية في كل مكان على وجه الأرض، وتفوقها من حيث الخسائر. فالنشل اليدوي، والسطو المسلح، والسرقة الليلية والنهارية، والاحتيال المتنوع، هي مرادفات، لنشل الهوية الالكترونية، والسطو على مواقع الأفراد والمؤسسات، والسرقة من بطاقات الائتمان وغيرها من أدوات التحويل المالي، والاحتيال على مفاتيح الدخول إلى الشبكة الدولية، مع اختلافين واضحين، الأول: أن احتمالات وقوع المجرمين التقليديين أعلى من إمكانية القبض على المجرمين الالكترونيين، والثاني: أن وسائل وأدوات "التقليديين"، تظل أقل "توالدا" من مثيلاتها عند "الالكترونيين". لماذا؟، لأن "الإبداع الإجرامي" الالكتروني لا آفاق له، وتبدو ملاحقته أقرب إلى اللحاق بالسراب. ولعل هذا ما جعل حكومات تندفع للاستعانة بالمجرمين الالكترونيين التائبين، لملاحقة زملائهم السابقين. ويبدو أن هذه الحكومات – بمؤسساتها الأمنية المختصة – أخذت بنصيحة الشاعر المثير للجدل أبو النواس الذي قال : "وداوها بالتي كانت هي الداء".

لم تكن جرائم الـ"دوت" والـ "كوم"، أو الجرائم الالكترونية، جديدة على الساحة العالمية. فقد بدأت مع تعاظم اتساع رقعة الشبكة الدولية، وعلى الفور أقدمت المؤسسات – بكل أنواعها- على بناء جدران الكترونية مضادة، نجحت في بعض معاركها، وفشلت في بعضها الآخر. كانت – ولا تزال – أشبه بالملاكم، الذي يحقق نقطة لصالحه في المباراة، لكن سرعان ما يحقق خصمه نقطة أخرى. ومع التطور المذهل لأدوات الجريمة الالكترونية، بات المجرمون يحققون نقطتين لصالحهم مقابل واحدة لضحاياهم. والأمر ليس كذلك بالنسبة للأفراد، فهؤلاء بدون "جدران الكترونية مضادة"، ولا يملكون من " الأسلحة" سوى تلك التي توفرها الشركات أو الجهات التي تقدم لهم الخدمات الالكترونية، وهي عادة ما تكون متواضعة من حيث الفاعلية. ومع اندلاع الأزمة الاقتصادية، دخل العالم الالكتروني في فوضى تحمل معها المخاطر أكثر مما تحمله من تشتت.

وفي ظل استفحال الأزمة، حققت الجريمة الالكترونية معدلات عالية لم يسبق لها مثيل. ففي غضون عام واحد فقط ارتفعت في الولايات المتحدة الأميركية أكثر من 33 في المئة، وبلغت الخسائر الناجمة عنها في العام 2008 أكثر من 264 مليون دولار أميركي، مرتفعة من 239 مليون دولار في العام الذي سبقه، بينما لم تتجاوز في العام 2001 حدود 18 مليون دولار، وذلك طبقا لـ "مركز شكاوى الاحتيال عبر الانترنت"، التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالية، المعروف اختصارا بـ "إف بي آي". ومع نهاية العام 2009 ستقفز النسبة إلى مستويات أعلى، لأن العوامل المشجعة على ارتكاب هذه الجرائم لا تزال موجودة على الساحة. والولايات المتحدة تتصدر – من ضمن ما تتصدر – قائمة الدول الأكثر إنتاجا لهذه الجرائم، ومعها بريطانيا وكندا، ومن أيضا؟، نيجيريا والصين!. ولمزيد من "الهم الالكتروني" تعتقد شركة " تريند مايكرو" الأميركية المتخصصة في مجال البرمجيات وخدمات "الأمان الالكتروني"، أن مجرمي الانترنت يستغلون الأعداد الهائلة من المبرمجين المحترفين والبارعين في اختصاصاتهم الذين فقدوا وظائفهم بفعل الأزمة!. وهذا يعني أن العالم لن يصاب فقط بزخم إجرامي الكتروني، بل بـ "عديد" بارع من المجرمين!. مع الإشارة إلى أن الأجواء مواتية أيضا لهؤلاء، بفعل الضبابية التي تشهدها بيئة الأعمال في العالم، لمهاجمة المؤسسات، وطبعا لسلب أكبر عدد ممكن من الأفراد.

لا توجد أرقام حقيقية بعد عن الحسابات المصرفية المخترقة من قبل "مجرمي الانترنت"، ولكن العدد، طبقا لبعض المصارف التي تنشر البيانات في الولايات المتحدة وأوروبا عن هذه العمليات، يتزايد، وبصورة مريعة. فالسرقات تستهدف أكبر قدر من المعلومات المصرفية والهوية والموارد، بواسطة أكثر الطرق تعقيدا. دون الإشارة بالطبع إلى المواد الالكترونية الخبيثة التي ينشرها هؤلاء في أوسع نطاق ممكن، والرسائل الالكترونية غير المرغوبة، التي يصل عددها وفي الوقت الراهن يوميا إلى 115 مليار رسالة، مقابل 75 مليار رسالة في العام 2005 . ومن المذهل ، أن البرمجيات الخبيثة الموجودة على عناوين الانترنت ارتفعت في العام 2008 - حسب شركة " تريند مايكرو" – 256 في المئة، مقارنة بالعام الذي سبقه!!. وإذا كانت المؤسسات والشركات المستهدفة، تستطيع تحديد حجم خسائرها المالية، والعمل على احتواء أزماتها مع مجرمي الانترنت، فإن الضحايا الأفراد يستطيعون – بالطبع - معرفة مستوى خسائرهم، لكن لا توجد طريقة أو وسيلة لتحديد الحجم الحقيقي لخسائر الأفراد مجتمعين، فالغالبية العظمى من هؤلاء، لا يبلغون الجهات الأمنية المختصة، عن عمليات الاحتيال والسرقة التي يتعرضون لها، على الرغم من وصول عدد الشكاوى المرفوعة في الولايات المتحدة وحدها في العام الماضي، إلى 275284 شكوى!. وإذا ما وزع حجم الأموال المسروقة خلال عام واحد فقط على الضحايا المعلومين، فتبلغ الخسائر حدود 931 دولارا لكل ضحية.

ومن ضمن "التسهيلات" التي قُدمت للمجرمين الالكترونيين، أن الشركات والمصارف والمؤسسات المالية، خفضت الإنفاق على حربها ضد هؤلاء، وذلك في إطار التخفيض الذي اتبعته، لمواجهة تبعات الأزمة الاقتصادية. وسرعان ما وجدت نفسها أمام كارثة الأزمة، ومصيبة جرائم الانترنت!. وفي الجانب الآخر، فإن غالبية مستخدمي الشبكة الدولية، ليسوا على قدر من الكفاءة والفطنة التي تمكنهم من المواجهة. فالبرامج الخبيثة لا حدود لها، والأفكار الالكترونية المدمرة تتوالد مثل الفئران. فلم تعد الرسائل غير المرغوبة – على صعيد الأفراد - أداة ناجعة من أدوات الاحتيال والسطو، لأن أمرها فضح عند الجميع، والبرامج التي تستهدف المؤسسات، لم تعد هي الأخرى كما كانت. فالمنهجية الاحتيالية تتغير على مدار الدقيقة لا الساعة، وخسائر هذا النوع من الجرائم يفوق الخسائر الناجمة على الجرائم التقليدية. ويكفي الإشارة إلى دراسة كندية حديثة، أظهرت أن معدل خسائر السطو المسلح يصل إلى 3200 دولار للحالة الواحدة، وترتفع إلى 22500 دولار في حالة السطو عن طريق الغش والخداع. بينما تقفز خسائر السطو الالكتروني إلى 430 ألف دولار، ومعدلات ضبط الجناة تهبط من 95% في حالة السطو المسلح إلى 5% في حالة السطو الإلكتروني!. والمصيبة - حسب الدراسة – أن معدل ملاحقة المجرمين قضائياً لا تتجاوز 1% من "الحالات الالكترونية"!. وتعزيزا لهذه الدراسة هناك أخرى أصدرتها الأمم المتحدة حول جرائم الانترنت، أظهرت أن ما بين 24 و42 في المئة من مؤسسات القطاع العام والخاص في العالم، تعرضت لنوع من أنواع الجريمة الالكترونية، وقد شهدت ارتفاعا أيضا في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية.

وإذا كانت الأزمة قضية – أو مصيبة – عالمية، وفعَلت من مكنونات الجريمة الالكترونية، تبدو على الساحة الآن، ضرورة لـ " عولمة" هذا الهم المتوالد. فهناك الكثير من بلدان العالم ( بأفرادها وحكوماتها) لا تزال دون مستوى خوض الحرب ضد هؤلاء المجرمين. وإذا كانت الدول المتمرسة في هذه الحرب، تربح معركة وتخسر اثنتان، فلا غرابة في أن تخسر بقية الدول المعارك كلها في هذه الحرب. دون أن ننسى بأن غالبية المجرمين الالكترونيين، يعيثون في الانترنت فسادا وإجراما من مواقعهم في الدول المتمرسة نفسها!.