الثلاثاء، 27 أكتوبر 2009

سرطان "وول ستريت"!


( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية" )






" في الكونجرس.. كل نكتة هي قانون، وكل قانون هو نكتة"
الممثل الفكاهي والمعلق الأميركي ويل روجرز


محمد كركوتــي

لم يكن المخرج الراديكالي الأميركي مايكل مور متحاملا أو متجنيا على سوق المال والأعمال الأميركي الشهير "وول ستريت"، عندما وضع شريطا على مبنى هذه السوق في فيلمه "الرأسمالية.. قصة حب"، كتب عليه "مسرح الجريمة". ولو وضع الشريط نفسه على البيت الأبيض في واشنطن، لما خرج عن النص. فـ "راديكالية الجريمة" التي ارتُكبت في هذه السوق، أجازت راديكالية المخرج وخففت من عنفها، حتى عند أولئك الذين يرون في التشدد أشياء لا تواكب تطورات العصر، ولا تحاكي متطلبات المستقبل. الجريمة ارتُكبت في "وول ستريت" لكن ضحاياها وقعوا في كل الأسواق، وأوقعوا معهم أشد الصروح مناعة، وأكبر الخطوط الدفاعية قوة، بعدما نالت من الأسس التي يقوم عليها المجتمع الدولي قاطبة. وعندما تخرج الجريمة عن نطاق مسرحها، تتحول إلى أزمة محلية، وعندما تمتد أكثر تتبدل إلى مصيبة وطنية، وعندما تتجاوز إطارها المحلي – الوطني، تصبح كارثة دولية – تاريخية، لتكون قضية "هم عام"، لا رأي عام.

في عالم الجريمة، يقع المجرمون في أيدي السلطات، ويُلاحق من استطاع منهم الإفلات إلى أن يقع، ليمثل أمام عدالة الأمة. لكن مجرمي "وول ستريت" الذين وقعوا لم يقفوا أمام هذه العدالة، وأولئك الذين لم يقعوا بعد، لا يزالون يقاومون محاولات القبض عليهم -إن وجدت أصلا – ويحرصون في الوقت نفسه، على إبقاء ما أمكنهم من "الكتل" السرطانية داخل السوق، والسعي الدائم لنشرها على أوسع نطاق، وبأقل ضجيج ممكن. ولعل هذا النوع من المجرمين، هم الوحيدون الذين يقاومون الوقوع والنهاية، بالحفاظ على السوق ملوثة ومصابة، لا عن طريق التخفي. وهم بذلك يحاولون – بكل الوسائل- حماية ما تبقى من "أيديولوجية وول ستريت"، التي كان من المفترض أن تسقط في أعقاب اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، ولو لم يكن هناك "ملهمون اقتصاديون حكوميون"، لسقطت هذه الأيديولوجية قبل وقوع الأزمة نفسها. فغالبية حكومات الدول صانعة القرار الاقتصادي العالمي، كان تتعاطى مع هذه السوق و"زميلاتها" الأخريات، على أنها منزهة عن الأخطاء، ومنيعة من الانهيار، وطاهرة من الآثام.. وقبل هذا وذاك، قوية لا تهزها حتى الزلازل الكبرى!. بل وقفت هذه الحكومات في وجه أولئك الذين طالبوا فقط بضرورة فرض رقابة – ولو مستترة – على هذه الأسواق.

لقد دمر "سرطان وول ستريت" كل شيء، بما في ذلك الأخلاق، وهز أركان الدولة الاتحادية الأميركية، وشت قوة الإدارة المركزية لهذه الدولة، إلى درجة دفعت تيارا انفصاليا في عدد من الولايات الأميركية، للمناداة برفض تطبيق القوانين الاتحادية، لأن الجهات التي تصدرها لا تَحُكم نفسها، بل تُحَكم من "مسرح الجريمة" في "وول ستريت". وقد شعرت إدارة الرئيس باراك أوباما، بآثار العمليات الاحتيالية والوهمية التي تجري في هذه السوق، حتى في أعقاب وقوع الجريمة. فلا تزال مؤسسات أميركية كبرى تقاوم .. وتقاوم ما أمكنها من القواعد التنظيمية لنشاطاتها وأعمالها. ولا تزال السوق التي تحتضنها تعج بـ "المضاربات المتهورة"، التي كانت – لمن نسي- السبب الرئيسي في انفجار الأزمة. وهذا ما دفع أوباما، إلى إطلاق حملة "توبيخية" جديدة لمؤسسات "وول ستريت"، لعدم تقدمها خطوة واحدة باتجاه تشجيع الإقراض للشركات الصغيرة، التي وضعتها الأزمة، في صف المنقذين المؤهلين للاقتصاد الوطني. ووبخها أيضا لأنها لم تتعلم من "تجربة الأزمة".

صحيح أن خطط التحفيز (الإنقاذ) التي وضعتها الإدارة الأميركية السابقة والحالية، لم تنضج بعد، وتحتاج لمزيد من الوقت، لكن الصحيح أيضا، أن تعاظم مقاومة الإصلاحات في "وول ستريت"، تساهم في إبطاء تسارع مركبة الإنقاذ، التي تسعى إلى منع حدوث انهيار مالي جديد، يمكن أن يدمر ما تبقى من الاقتصاد المحلي والعالمي أيضا. والواقع أن مقاومة "ملهمي" – أو مجرمي وول ستريت لا فرق – لا تنحصر في الإجراءات الرقابية أو التنظيمية التي وُضعت في أعقاب الأزمة، بل تشمل أيضا القوانين المزمعة التي لا تزال في أروقة مجلس النواب الأميركي. وهذه القوانين هي بمثابة "سلاح دمار شامل" لهؤلاء. لماذا؟.. لأنها ستأتي بآليات تشدد القيود على تداول الأوراق المالية ومشتقاتها، وستؤسس لجهة رقابية استهلاكية جديد للمنتجات المالية برمتها، وستضع إصلاحات تنظيمية ستضمن متابعة – وبكلمة أكثر ملائمة : تتبع - كل المؤسسات المالية كمجموعة موحدة. أي أنها لن تُبقي "الحبل على الغارب"، في مسألة القروض المنفلتة ولا الإقراض الذي يستند إلى ضمانات وهمية، ولا التداول المالي – وغيره- وفق قواعد "المقامرة"، هذا إن وجد لـ "المقامرة" قواعد أصلا. بمعنى آخر، أن القوانين المزمعة، لن تترك مساحة للتحرك، أمام أولئك الذين عملوا- على مدى عقدين من الزمن- " البحر طحينة"، حسب المثل المصري الشهير!.

القضية ليست مرتبطة فقط بمدى مقاومة مَن تبقى من "مجرمي" السوق في أماكنهم، لما طرح وما سيطرح من قواعد وقوانين وضوابط ورقابة وغيرها. بل تتعلق بوجود هؤلاء أصلا في مواقعهم، ومدى تأثيرهم على الحراك التنظيمي – الإصلاحي الذي تسعى الإدارة الأميركية إلى تطبيقه، قبل فوات الأوان، لاسيما بعد معاناة من " فوات أوان" أفضى إلى كارثة يعيشها العالم أجمع الآن، رغم كل ما يقال عن الانتعاش البطيء أو التعافي المتوقع في العام المقبل. إن القضية تتطلب -بالإضافة إلى قوانين وإصلاحات ومراقبة ومتابعة – إقصاء تاما لهؤلاء عن الساحة الاقتصادية في "وول ستريت" وفي البلاد كلها، وإعادة تقييم أولئك الجدد الذين دخلوا السوق في أعقاب الأزمة. فغالبية هؤلاء هم من تلاميذ "الملهمين – المجرمين" السابقين، ولن يرضوا بأرباح وإنجازات واقعية، فقد أدمنوا على "استثمارات الفقاعات". وعلى هذا الأساس، فعملية "الغربلة" للكوادر الجديد، تبدو مسألة ملحة الآن. لماذا؟.. لأن سن القوانين، لا يرتكز نجاحها وتمريرها على المُشرعين فقط، بل على المعنيين مباشرة في تنفيذها أيضا، وهؤلاء يستطيعون – كما يحدث في الوقت الراهن- "سن" قوانين سرية مقاومِة. ولأن العلاج الأمثل والأجدى لمقاومة السرطان هو استئصاله، على إدارة الرئيس الأميركي، أن تبدأ عملية استئصال جديدة، وعليها أن تعرف أن "التوبيخ الدوري" الذي توجهه لهؤلاء، لن يسفر إلا عن "مانشيتات" باهتة لوسائل الإعلام.

يقول رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرتشل، في وصف عنيف للاقتصادي الجشع والمحتال والنصاب: " نكون غير أخلاقيين، لو تركنا هذا المصاص يحتفظ بأمواله". وهذا ينطبق على من كانوا – وبعضهم لا يزال – يمسكون بزمام الأمور في الأداء الاقتصادي العام والاستثمارات المالية وغيرها – لاسيما في سوق وول ستريت - وفق "قواعد" المقامرين، وأحيانا على طريقة قطاع الطرق. لكن الأهم من هذا، أن لا يستمروا في الحفاظ على مواقعهم، بما في ذلك أولئك الذين أتوا من تحت عباءاتهم، وولدوا وظيفيا في مكاتبهم. لا .. لا ينفع التوبيخ، ولا التشهير، ولا حتى العقاب، فالذي ينفع هو إخراج هؤلاء من غرفة القيادة الاقتصادية - المالية. وإذا كان أوباما يعمل على تكريس التعاون الدولي في مواجهة الأزمة التي ارتكبتها "وول ستريت"، ونشرت حممها في كل الأرجاء، عليه أن يقنع المجتمع الدولي، بأن "مسرح الجريمة"، بات خاليا من المجرمين، بعد أن خلت البلاد من الإدارة السياسية التي وفرت لهم أقوى حماية، قياسا ببقية الإدارات الأميركية السابقة، التي ساهمت هي الأخرى – بشكل أو بآخر- بتوفير أنواع أخرى من الحماية.

إنها مسألة استئصال.. لا توبيخ، وقضية وجود.. لا توزيع أدوار. وإلى أن يتم العمل وفق هذا التوصيف، ستظل "المانشيتات" الباهتة على الساحة، وسيواصل السرطان انتشاره بخبث.




الأحد، 25 أكتوبر 2009

جمعيات ماذا؟!



( هذا المقال خاص بموقع " سي إن بي سي عربية" )









" لإسرائيل الحق في محاكمة الآخرين، لكن لا أحد يحق له محاكمة اليهود ودولتهم "
رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق (المغمى عليه) أرييل شارون



محمد كركوتــي

سقط الرئيس الأميركي باراك أوباما في الامتحان الفلسطيني – الإسرائيلي الأول. فلم يعد ( مع إدارته) متشددا في مسألة تهويد مدينة القدس المحتلة، ولا في توسيع المستعمرات الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية. وتوبيخه المعلن للإسرائيليين على هاتين القضيتين المحورتين، تحول إلى صمت معلن أيضا. ويبدو أن سقوطه في الامتحان الأول، يؤسس لسقوط آخر في امتحان ثان مرتبط بإعفاءات ضريبية تتمتع بها المؤسسات والشركات الأميركية – وحتى الأفراد - التي تتبرع لـ " الجمعيات الخيرية" اليهودية. فلم يحرك الرئيس الأميركي ساكنا – حتى الآن – تجاه إعادة النظر في الإعفاءات الضريبية لهذه المؤسسات، بعدما تأكد للجميع، بأن متلقي تبرعاتها، يدفعون بالأموال الهائلة، ليس للتعليم ولا الفنون ولا لحوار الحضارات، بل للمستعمرات والمشاريع الجارية حاليا لتحويل القدس المحتلة، إلى مدينة يهودية صرفة، بعد أن يُقذف أصحابها إلى الجهة الأخرى من جدار الفصل العنصري المُهين، ولا بأس لو قذفوا إلى ما بعد حدود فلسطين نفسها. ويكفي أن نعلم، أن الحكومة الإسرائيلية رصدت ضمن ميزانيتها للعام المالي 2009 – 2010 ما يزيد عن 167 مليون دولار أميركي لإتمام عملية التهويد المتواصلة!، بعدما خصصت قرابة الـ 50 مليون دولار لتوسيع مستعمرتي "معالية أدوميم" و " جبل أبو غنيم"!.

في غضون ثلاث سنوات، قدمت "الجمعيات الخيرية" اليهودية الأميركية أكثر من 133 مليون دولارا أميركيا لدعم المستعمرات الإسرائيلية، وحصلت جمعية يهودية صهيونية واحدة، هي "إتيريت كوهانيم" على أكثر من 30 مليون دولار في عام واحد، لدعم جهود طرد 250 ألف فلسطيني من القدس الشرقية، لدمجها ديموغرافيا ( وجغرافيا بالطبع) بالقدس الغربية "المهودة أصلا". ومع ذلك لا تزال هذه الأموال – وغيرها – محصنة من الضرائب الأميركية، وهي ببساطة أموال يقدمها دافع الضرائب الأميركي غصبا عنه، أو في الأفضل الأحوال، يقدمها دون أن يعلم. ولا بد أن أوباما يعرف بأن هناك المئات من المؤسسات التي تقدم هذا النوع من التبرعات، مخالفة للقوانين الأميركية، التي تحظر على الجمعيات الخيرية – أيا كانت - الانخراط في نشاطات سياسية. وإذا كان قد "نسي" ، فقد وضعت مجلة " فوربس" الأميركية مؤخرا 12 جمعية يهودية في الولايات المتحدة، ضمن قائمة أكبر 200 جمعية في البلاد. ولمزيد من "التذكير" يبلغ مجموع اليهود في الولايات المتحدة 6,4 مليون فقط من أصل المجموع الكلي للسكان البالغ 307,784,000 .

والمريع في الأمر، ليس فقط سكوت الإدارة الأميركية عن المخالفات و "الجرائم" الضريبية في بلادها، بل أن القانون الأميركي ينص – يا للمصيبة – على أن أي جمعية خيرية إسرائيلية معترف بها، أين؟ في القانون الإسرائيلي، تخضع تلقائيا للإعفاءات الضريبية، أين أيضا؟ في الولايات المتحدة!. وللمزيد من الصدمة، فإن مثل هذا الامتياز لا ينطبق على الكثير من دول العالم!. ولكي تتحول الصدمة إلى ذهول، أظهرت دراسة للبروفيسور في الجامعة العبرية الإسرائيلية إيليز جاف، أن عدد "الجمعيات الخيرية" في الدولة العبرية يبلغ 27 ألف جمعية!، وجميعها معفاة من الضرائب. أي أن هذا العدد الهائل من الجمعيات، يحظى أيضا بالإعفاءات الأميركية التلقائية!!.

لا تزال سلطات الضرائب الأميركية ترفض الدعاوى المرفوعة ضد "الجمعيات الخيرية" اليهودية. ففي القضايا الإجرائية هناك آلاف المسارب و"الأزقة"، يمكن أن توفر حماية أو مبررات لرافضي هذه الدعاوى من "رجال ونساء القانون". لكن على الصعيد السياسي، تكون "الأزقة" محدودة، والانكشاف سريع جدا. وطبقا للمحامي الأميركي إيريك لويس، فإن الأمر يحتاج إلى إرادة سياسية، فيما لو رغبت الإدارة الأميركية في منع التبرعات الخبيثة – المدمرة، من خلال أمر تنفيذي. لكن لا تبدو في الأفق، أي إشارة إلى تحرك أميركي حكومي، حيال قضية لا تخص الفلسطينيين والإسرائيليين فحسب، بل ترتبط بالمواطن الأميركي نفسه، الذي يدفع جزءا من فاتورة توسيع المستعمرات وتهويد القدس ونقل واستيعاب المهاجرين اليهود، وقبل هذا وذاك، القضاء على ما تبقى من الهوية الفلسطينية انتسابا ووجودا.

يقول أول رئيس لوزراء إسرائيل ديفيد بن غوريون، في هجومه على ما كانوا يعترضون على بناء المستوطنات اليهودية على الأراضي الفلسطينية: " إنكم لا تعرفون حتى أسماء المناطق الفلسطينية التي بنينا عليها قُرانا. وأنا لا ألومكم، لأن كتب الجغرافية لم يعد لها وجود". لا شيء يعزز هذا التوصيف العنصري الإجرامي، سوى الأموال المتدفقة إلى القرى والمستعمرات اليهودية – الصهيونية. ولا أعرف إن مر ما قاله بن غوريون على الرئيس الأميركي، الذي يرغب بأن ينظر إليه الفلسطينيون بصورة مختلفة عن زملائه السابقين.



الثلاثاء، 20 أكتوبر 2009

هل تفكك الأزمة الولايات المتحدة الأميركية؟!


  (هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")











" أميركا بلد يافع بذهنية عتيقة "
الفيلسوف والشاعر الإسباني جورج سانتايانا


محمد كركوتــي

أحسب أن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لا دن – إن كان على قيد الحياة – سوف يقرأ هذا المقال باهتمام شديد، وسيوزعه على من تبقى من أعوانه. فهو أحد "المبشِرين" – عن جهل بالطبع – بأن الولايات المتحدة الأميركية سوف تتفكك في يوم من الأيام، وكذلك يرى "زميله" زعيم طالبان الملا عمر الممتلئ جهلا، ومعهما "الفيلسوف" أيمن الظواهري الذي تحول منذ سنوات إلى "محلل صحافي" بعدما فقد تنظيمه الإرهابي الكثير من الإمكانيات، وخسر المزيد من الأتباع. لكن القضية ليست كما يتمنى ويدعو هؤلاء، فلا يمكن لـ "دعواتهم" أن تتحقق، لأن دعوات الضالين لا تستجاب ولا قيمة لها. غير أن الفشل المؤكد لهذه التمنيات والدعوات، لا يلغي حراكا أوجدته الأزمة الاقتصادية العالمية على الساحة الأميركية، يهدف إلى تعزيز مشاعر انفصال بعض الولايات عن هيكلية "الاتحاد الوطني" الأميركي، ويسعى إلى إبعاد هذه الولايات، عن واجباتها الاتحادية، لاسيما في أوقات الأزمات. وكما خلقت الأزمة في العالم – وخصوصا في أوروبا - ما يمكن تسميته بـ " القومية الاقتصادية"، أي تراجع مشاعر الإقبال والاندفاع نحو الاتحاد، لحساب المشاعر الوطنية والقومية من الناحية الاقتصادية – المعيشية، كذلك فعلت في بلد كالولايات المتحدة. فقد أججت مشاعر – بصرف النظر عن قوة تأثيرها أو مدى اتساع رقعتها – على الساحة الأميركية، تشبه إلى حد بعيد تلك التي انتشرت في عدد من الولايات الأميركية في منتصف القرن التاسع عشر، ودفعت شرائح اجتماعية – وحتى سياسية وفكرية – في بعض الولايات، لإعادة طرح قضية من المفترض أنها انتهت منذ عهد الرئيس الأميركي الشهير أبراهام لينكولن، ووضعت في الواجهة مفردات ظننا أنها ليست موجودة إلا في سجلات التاريخ. فالشح المالي، ومعه الفوضى الاقتصادية التي أحدثتها الأزمة، أحييا أشياء لم تكن في الحسبان، لا عند "الملهمين" الذين ارتكبوا الأزمة، ولا عند غيرهم من الذين اكتووا بنارها ويعيشون بين براثنها.

أميركيون مهتزون في مشاعرهم وتوجهاتهم وانتماءاتهم الاتحادية، وجدوا أن الأزمة أتت بـ "وحش" ضار، لا يمكن مجابهته إلا من خلال ضخ المزيد من الأموال. وبما أن الأموال تبخرت – بفعل الأزمة- فلا يوجد على الساحة إلا أموال الضرائب القاسية، من أجل تنفيذ خطط الإنعاش الاقتصادي التي وضعتها الإدارة الأميركية، خصوصا وأن " مهزوزي المشاعر"، لم يلمسوا بعد انعكاسات إيجابية، من جراء ضخ الأموال الهائلة. فالتداعيات والآلام والمصائب هي..هي. ولأن الأمر كذلك، أخذ هؤلاء يدفعون مرات ويحثون مرات أخرى القائمين على ولاياتهم، لا لكي يوقفوا (أو يقللوا) التمويل عن الحكومة الاتحادية، بل لإبطال القوانين الفيدرالية، التي تربط قلادة الدولة وعقدها. ويمضي بعض هؤلاء أبعد من ذلك بالتشجيع على الانفصال!. فالدولة الاتحادية – حسب رؤيتهم – لم تعد مؤهلة للقيادة، والتوجهات المستقلة، توفر ضمانات اقتصادية ومعيشية جيدة، خصوصا في ظل الأزمة. والثقة لدى هؤلاء تجاه " اتحادية الدولة"، لم تتراجع بفعل الأزمة فقط، بل بسبب قناعتهم بأن الحكومات الاتحادية، ليست سوى منفذ لأوامر وتوجيهات.. وتوجهات سوق المال الأميركي "وول ستريت"، على الرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الحالية، لكبح جماح هذه السوق، التي صنعت بالفعل كارثة، انغرست في التاريخ كأزمة عالمية شاملة، نالت من أكبر المصارف قاطبة، ومن راتب عامل النظافة في الوقت نفسه.

والحقيقة أن التيار المعادي للدولة المركزية الأميركية، كان موجودا قبل الأزمة، ولكن رقعته اتسعت بصورة واضحة وبمؤثرات صوتية مسموعة في أعقابها. أي أن إدارة الرئيس باراك أوباما ليست مسؤولة عن صعود هذا التيار وارتفاع صوته، لاسيما وأنها ورثت – من ضمن ما ورثت من مصائب – أزمة اقتصادية لا تحدث إلا مرة كل مئة عام، حسب توصيف "الملهم" الاقتصادي الأكبر ألان جرينسبان رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق، فضلا عن وراثتها لمجتمع مهزوز ملوث بقوانين وقرارات إدارة كان رئيسها " يفسر ويحلل" بأن واردات بلاده تأتي من الخارج!، دون أن نتحدث عن فشله حتى في قراءة موجزة ومبسطة لميزانية بلاده!.

بعد انفجار الأزمة، أصبح تدخل الدولة الاتحادية أكثر قوة وشراسة في الاقتصاد، مما وضع الكثير من القطاعات والأعمال ومصادر الدخل التي كانت تنعم باستقلالية ضمن نطاق ولايتها، في أيدي الحاكمين في واشنطن. ومع الارتفاع المتزايد والخطير في النفقات الحكومية، وجد "التيار الانفصالي" – إن جاز التعبير – أنه من الضروري حماية المؤسسات والمعايير المحلية، التي اضمحلت أو تراجعت في "وجبة" الاستحواذ الاتحادي الطارئ. وفي ظل "الهجمة" الاتحادية، شعر " الانفصاليون" بأن الوقت قد حان، لرفع "الكارت" الأصفر، في وجوه أولئك القابعين في واشنطن، و"الكارت" الأحمر في وجوه أولئك اللاعبين في "وول ستريت". أراد " الانفصاليون" بهذه "الكروت" تحذير السياسيين بالأصفر، وطرد وزجر الاقتصاديين بالأحمر. والذي ينبغي أن يدفع واشنطن للتأمل أكثر في هذه القضية، أن الجماعات الانفصالية، باتت موجودة على الساحة في عشر ولايات على الأقل، من بينها فيرمونت وتكساس وألاسكا وهاوي. بل أن حاكم تكساس ريك بيري أعلن على الملأ، أنه يؤيد الانفصال، ومضى أبعد من ذلك، عندما لم يعترض على ما قاله المتحدث باسم الحركة القومية في هذه الولاية ديف موندي : بأن الدولة الاتحادية باتت متفتتة!. أي أن الأجواء الرسمية في هذه الولاية، باتت ضمن إطار الطرح الانفصالي.

والواقع أن الولايات المتحدة شهدت في السابق تحركات انفصالية استطاعت أن تحقق أهدافها لفترة من الزمن، أدت إلى اندلاع حرب أهلية بين الولايات نفسها، عندما رفضت سبع ولايات الإصلاحات الإنسانية – لاسيما في مسألة العبودية – التي وضعها الرئيس أبراهام لينكولن. ولم تكن هذه الحرب دموية فحسب، بل كانت أيضا طويلة استمرت من العام 1861 إلى العام 1865. فقد اعتبر الانفصاليون آنذاك، أن قوانين الحد من العبودية تصيب أعمالهم بخسائر فادحة، بل هناك من نظر إليها كحرب اقتصادية "اتحادية" موجهة ضدهم!.

لن تحدث حرب أهلية في الولايات المتحدة لا من أجل الانفصال ولا من أجل أي هدف آخر، لأن الاتحاد اليوم يقوم على أسس أكثر رسوخا وأعمق نضوجا. لكن هذا لا ينفي وجود النشاط الانفصالي في عدد مهم من الولايات. صحيح أن دعاة الانفصال لا يزالون قلة، وإن كانت أصواتهم صاخبة. وصحيح أن طرحهم هذا اليوم، لن يستحوذ على قلوب وعقول الأغلبية العظمى من الأميركيين، لكن الصحيح أيضا، أن تيارا مصاحبا – وليس متفقا – مع هؤلاء، بدأ يظهر وبتماسك على الساحة، يدعو إلى ضرورة منح الولايات مزيدا من السلطات والصلاحيات. والذي يُكسب هذا الطرح أهمية كبيرة، أنه يحظى بتأييد متنام ليس من الانفصاليين، بل من الاتحاديين أنفسهم. ولأنهم يقدمون قضيتهم هذه بصورة منطقية – لا غوغائية أو عصبية – فقد بدأ نفوذهم يتزايد ويحظى بآذان تسمع وعقول تفكر، خصوصا وأن الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأميركية لمواجهة الأزمة الاقتصادية، لم تظهر آثارها الإيجابية على الساحة بعد، والأمر يحتاج لمزيد من الوقت، ولنقل لسنوات، وهذا أمر يصب في مصلحة الفكر الانفصالي الأميركي – إن جاز وصفه بالفكر – ويدعم توجهات دعاته. فهؤلاء يرفعون شعارا جذابا على الصعيد المحلي. شعار في صيغة سؤال غير مباشر: لماذا ندفع فواتير مشتريات ليست لنا؟!. هذا السؤال يتزامن من إعلان ميزانية اتحادية سجلت عجزا لا مثيل له منذ أربعينات القرن الماضي، بلغ 1417 مليار دولار أميركي، وسط توقع الحاكمين في واشنطن، بأن أداء البلاد الاقتصادي لن يتحسن في العام 2010.

وإذا كان الأزمة العالمية، أوجدت " قومية اقتصادية" في العالم أجمع، فقد خلقت نوعا من "القومية المحلية الأميركية"، قد تتحول إلى حاضر دائم في المستقبل.


الأحد، 18 أكتوبر 2009

الرأسمالية.. الموت حُبًا!



(هذا المقال خاص بموقع "سي إن بي سي عربية")








" في ظل الرأسمالية.. الرجل يستغل الرجل، وفي الاشتراكية العكس هو الصحيح "
مثل شعبي بولندي


محمد كركوتــي

لو كنت قريبا من المخرج الأميركي الراديكالي الصادم الشجاع مايكل مور، لاقترحت عليه اسما آخر لفيلمه " الرأسمالية.. قصة حب"، رغم أن الاسم الأصلي يعبر بلاغيا عن هيكلية الفيلم ومحتواه. كنت سأقترح على مور عنوان: "الرأسمالية.. الموت حبا". وإذا كنا نستطيع بسهولة "ضبط" المخرج الأميركي كـ "سارق" لاسم فيلمه، من الفيلم الأميركي الشهير الذي عرض عام 1970 " قصة حب" أو Love story ، فيمكن للجميع أن "يضبطوني" كـ "سارق" لاسم الفيلم الذي اقترحته، من فيلم فرنسي شهير آخر عرض عام 1961 هو "الموت حبا" أو Mourir d'amour . ومنعا لـ "التصادم" وجدت مناسبا أن أقترح حلا وسطا للاسم: "الرأسمالية.. قصة حب نحو الموت" أو Capitalism .. A love story to death!!.

كان من المؤكد أن "تصعق" الأزمة الاقتصادية العالمية شخصا مثل مايكل مور. فمثل هذه القضايا تصب في  صلب اهتمامه وطبيعة إنتاجه، وتوفر له المادة المجردة لآلياته السينمائية المجردة. ولأنه كذلك، فهو لا يعرف " الفزلكة" في الطرح، ولا يتبع الأسلوب الإنشائي الدرامي في أعماله. هو مزيج من الصحافي المنقب، والأديب الجارح من فرط حرقته، ومخرج الأحداث الحية المجبولة بالواقع. والدراما التي يقدمها، لا ترتكز على أحداث حية فقط، بل تستند إلى أرقام أكثر حيوية من ناحية "توالدها"، وأكثر عنفا من جهة حقائقها. وإذا أردت أن أقدم توصيفا واقعيا لهذا المخرج الأميركي، أقول:إنه ينتج "دراما الأرقام". وهذا النوع من الدراما، قد لا يكون بليغا، ولكنها الوسيلة الأمثل لبلوغ القمة عندما تختفي الكلمات، أو تصبح هذه الأخيرة مجرد مفردات لا معنى لها، حتى لو كان قائلها هو المتنبي نفسه!.

قدم مور الأزمة الاقتصادية في فيلمه، من خلال مصائبها على المجتمع الأميركي، وسعى إلى تعرية الفكر الرأسمالي – المستنير أو غير ذلك - ليس من خلال الهجوم أو السخرية من مرتكبي الأزمة "الملهمين" فقط، بل عن طريق عرض الآلام الاجتماعية والمعيشية مع الكرامة المفقودة التي خلفتها الأزمة. فعندما تتحكم سوق واحدة هي "وول ستريت" بمصير مجتمع بأكمله، يصبح الأميركيون البسطاء الذين يعيشون في منازل متنقلة (على شاحنات)، من "علية القوم"، وتتحول هذه الشاحنة أو تلك، إلى أمل لا للمشردين، بل لأولئك الذين خسروا منازلهم بفعل الأزمة!. لم يكن مايكل مور قاسيا، عندما وضع في فيلمه شريطا أصفر على مبنى بورصة " وول ستريت" كتب عليه " مسرح الجريمة". فالجريمة انطلقت من هناك، لكنها لم تتوقف عند حدود سوق المال، ولا مدينة نيويورك ولا الولايات المتحدة نفسها. واليوم تبرز أصوات في عشر ولايات أميركية تدعو إلى الانفصال عن"الاتحاد الأميركي"، لأن أصحابها يرون أن الدولة الاتحادية تدار من قبل هذه السوق، وأن زمام الأمور لا تزال في أيدي " ملهمي" السوق، حتى بعد أن اتخذت الإدارة في واشنطن إجراءات مشددة لكبح جماح "وحوش" السوق المعنية. ولم يكن هذا المخرج مهرجا، عندما ظهر أحد المذيعين في الفيلم، يطلب من الجمهور الخروج إذا ما كانوا دون سن الرشد، أو من ضعاف القلوب. فالمشاهد ودلالاتها ووقعها وآلامها، تجعل من فيلم " سكريم" أو "الصراخ" نوعا من أنواع أفلام الأطفال!.

الأزمة الاقتصادية، أتت بهموم اجتماعية، تبدو أمامها هموم المصارف والمؤسسات التي انهارت أو تلك التي بيعت بدولار أميركي واحد، مجرد سحابة صيف. ولأنها ارتُكبت بأيدي بشر لا بمسببات طبيعية، فإن العالم يحتاج إلى " تسونامي" لإزالة مرارتها. فالولايات المتحدة الأميركية، التي قدم مايكل مور حرائق مجتمعها كمثال لنيران المجتمع الدولي بأسره، لم تخرج بعد من سيطرة السوق. ولكي أكون أكثر اعتدالا من مور الراديكالي الذي لا يرى من الرأسمالية إلا الخراب، أقول: إنها لم تكرس بعد المعايير المنضبطة للسوق". وعندما تنجح الإدارة المركزية في الولايات المتحدة، بضبط سوقها التي يتأثر بها العالم أجمع ( بأغنيائه وفقرائه)، تكون قد وضعت زمام الأمور في أيدي المجتمع نفسه، وتكون قد أبعدت " الملهمين الاقتصاديين" عن "مسرح جرائمهم"، وتكون قد أغاظت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر التي تنتظر صدور شهادة وفاتها. فهذه الأخيرة خسرت حياتها السياسية بعدما قدمت معايير السوق على قيم المجتمع، بل أنها ألغت هذا الأخير أصلا من حراك الحياة.

وإلى أن يتم تصحيح المشهد، أقترح على مايكل مور، أن يكتب ويخرج سلسلة من الأفلام عن الأزمة، لأنها تستحق إنتاجا سينمائيا لكل الأعمار، يتناول كل المصائب التي أفرزتها، وأن يتحول إلى "جاكي رولينج الأزمة الاقتصادية"، تيمننا بكاتبة أفلام " هاري بوتر"!.


الثلاثاء، 13 أكتوبر 2009

"مونديال" الرشاوى!


( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")




" لكل رجل سعره"  
مثل شعبي لا تيني



محمد كركوتــي

يستطيع الفاسدون - المرتشون في القطاع العام حول العالم أن يتنفسوا "مادون الصعداء". وبإمكانهم اليوم أن يستريحوا "بعض الشيء" من مشاعر الكراهية الشعبية العامرة تجاههم، بل يمكنهم أن "يحتفلوا"، وأن يُشهدوا العالم أجمع، على أنهم ليسوا الفاسدين الوحيدين في الأرض، وأن "نادي الفساد العالمي" لم يعد محصورا ضمن نطاق "النخبة الحكومية"، أو تلك التي تعمل في الشأن العام. فهؤلاء هم الوحيدون الذين لا يريدون الـ "نخبوية" لناديهم، بل يسعون إلى لصق صفة "العمومية" به، لأن "سوق الرشوة" الناجحة، هي تلك التي تضم أكبر عدد من الفاسدين ( من أفراد وحكومات)، وتحظى بشمولية كل القطاعات. ولأن الأمر كذلك، يصعب وصف الفرحة التي تعم الفاسدين، عندما يتزايد عدد المنضمين إلى ناديهم!. وحتى المحتالين ليسوا مؤهلين للانضمام إلى هذا النوع من النوادي، ولا تنطبق عليهم شروط "العضوية". لماذا؟ لأن المحتال يسرق وغالبا ما يقع في شر أعماله، والفاسد - المرتشي ينهب وغالبا ما يمضي في طريقه، على الرغم من أن قوانين محاربة الفساد والرشوة أشد صرامة ووطأة، من قوانين مكافحة الاحتيال، لكنها مثل أدوية محاربة السرطان، لا تضمن التعافي، ولا توفر الحماية من انتشار المرض الخبيث!. ففي عالم الفاسدين، هناك نوع من الحصانة تشكلت بفعل آلية "تسلسل المتورطين"، في حين أن المحتالين لا يتمتعون بـ "حمائية التسلسل". وهذا يدل على أن غياب الأخلاق (وهو القاسم المشترك بين الفاسدين والمحتالين) لا يوفر حاصلا صحيحا، ولا يجمع بين الطرفين، في كل الأوقات.

الفاسدون - المرتشون إذن.. يتنفسون "ما دون الصعداء". لماذا؟ لأن "مونديال الرشاوى" – نسبة إلى مونديال كرة القدم – يشهد انضمام القطاع الخاص في العالم إلى القطاع العام في هذه "المباريات". وإذا كانت نهائيات مونديال كرة القدم تجري كل أربع سنوات، فإن مباريات "مونديال المرتشين" تجري على مدار الساعة، وفي كل المواسم، وبطلها هو الوحيد في هذا الكون الذي يفر من تسلم كأس "الانتصار"!. فهذا النوع من الانتصارات، يشبه إلى حد بعيد، ذلك الناجم عن إلقاء قنابل مدمرة وفتاكة على دار للعجزة، أو روضة للأطفال، أو مبنى لمستشفى!.

يصل الإنفاق العالمي سنويا على الرشاوى في القطاع الخاص إلى ما بين 20 و40 مليار دولار أميركي. وهذه الأموال الهائلة تزيد تكاليف المشروعات المختلفة – بما في ذلك التنموية منها – بنسبة تصل إلى 10 في المئة، كما أنها تعادل مابين 20 و 40 في المئة، من المساعدات التنموية الرسمية. وماذا تفعل أيضا؟ تلحق أضرارا بالغة بالتجارة والصناعة والتنمية والمستهلك، وكأن المجتمع الدولي يمكنه تحمل مثل هذه الخسائر، خصوصا وهو يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية قاطبة. هذه النتائج المريعة، لم يتوصل إليها أمي يجلس على مقهى في أحد البلدان المتخلفة، بل جاءت في سياق تقرير "منظمة الشفافية العالمية" Transparency International (منظمة غير حكومية معنية بمراقبة ومتابعة الفساد، بما في ذلك الفساد السياسي) للعام 2009 . وعلى الرغم من أن هذه الأموال لا توازي شيئا مقارنة بالرشاوى التي تدفع في كل القطاعات وعلى مختلف المستويات سنويا، وتصل – حسب تقديرات البنك الدولي للعام 2007 – إلى أكثر من 1000 مليار دولار أميركي، إلا أنها تعتبر هائلة، لكونها تنفق في قطاع يفترض أنه يتمتع بأعلى درجات الشفافية والنزاهة. فالدولار "المشين" في القطاع الخاص، يساوي في دلالته ألف دولار "مشين" آخر في القطاع العام، على اعتبار أن السلوك والأداء يفترض أن يكونا مختلفان في كلا القطاعين.

والذي يرفع من حدة الصدمة، أن الإجراءات التي اتخذت ضد المرتشين في مؤسسات القطاع الخاص عالميا، لم تؤد إلى شيء يذكر. ففي استطلاع للمنظمة الدولية نفسها، شمل نحو 73 ألف شخص في 69 بلدا، أقر مدراء عدد من الشركات أنهم لم يتعرضوا إلى عقوبات، على الرغم من افتضاح أمرهم!. بل ربما تلقوا التشجيع من أصحاب الشركات نفسها، لأنهم يعقدون لها الصفقات التي تسيل اللعاب، بصرف النظر عن الأضرار والخسائر التي تصيب هذا المجتمع أو ذاك، من جراء ارتفاع تكاليف المشروعات والأسعار. وكالعادة، فإن الدول النامية تتقدم المراتب في "مونديال الرشاوى"، لأن الفساد في هذه البلدان يعم غالبية المؤسسات الخاصة والعامة، سواء تلك المرتبطة بالثروة الوطنية ومقدرات البلاد، أو تلك المتصلة بالنمو( تُقدر المنظمات غير الحكومية الرشاوى الهاربة من القارة الأفريقية سنويا إلى الملاذات الضريبة الآمنة بنحو 30 مليار دولار أميركي!). ولأن الفساد مثل السرطان، فقد وصل منذ زمن بعيد في هذه البلدان، إلى البرلمانات والأحزاب السياسية. لا مفارقة هنا، لأن الثانية هي التي تشكل الأولى. وعندما يكون الوضع على هذا الشكل، يبدو معه ارتفاع تكاليف المشروعات بنسبة 10 في المئة، مجرد " هفوة"!. مهلا .. مهلا، لقد بلغت حدة الفساد والرشاوى في بلد كالعراق مستوى، دفعت مدير دائرة الصحة في مدينة بابل، إلى وضع كاميرات مراقبة، أين؟ في الأماكن المخصصة لتسليم المواليد الجدد في ثلاثة مستشفيات. لماذا؟ لمنع الرشاوى!. يا إلهي .. يمتنعون عن تسليم المواليد لذويهم إذا لم يحصلوا على الرشاوى!!. فالقضية عززت مرة أخرى "تحالف" الفساد الاقتصادي بالأخلاق المفقودة.

إن مصائب الفساد لا تتوقف عند هذا الحد، بل تدمر أيضا المنافسة الشريفة القائمة على أسس معلومة لا مجهولة أو وهمية، وتنال من الأسعار الطبيعية التي يستحقها المستهلك في العالم أجمع، الآن أكثر من أي وقت مضى، كما أنها تقضي أو تهز من وضعية الكفاءة على الساحة، لأنها تدفع الفاشلين إلى المقدمة. فالأزمة الاقتصادية العالمية، أحدثت حقائق وأتت بمستجدات، بات معها الدولار "المسروق" بمثابة "ثروة" بيضاء للأيام السوداء، ليس فقط للأفراد، بل للدول نفسها. فكيف الحال إذا ما ارتبطت الرشاوى بمشروعات تنموية أو إنسانية أو اجتماعية؟!. ومن المصائب أيضا، أن "صناعة الرشاوى" شهدت ازدهارا كبيرا في أعقاب الأزمة الاقتصادية، بينما كانت إحدى مقدمات الأزمة نفسها، عن طريق الفساد الذي استشرى في مؤسسات التصنيف والتقييم التي ينبغي أن تكون مثالا للحصانة من الرشاوى. فأساس عمل هذه المؤسسات، هو الكشف عن حقيقة الشركات التي لا تلتزم بالقوانين واللوائح المعمول بها، ومن ضمنها بالطبع قوانين محاربة الرشاوى. فإذا كان المصنف – بكسر النون – مرتشي ويقبض " المعلوم"، فلا غرابة إذن، لو كان المصنف – بفتح النون- غارقا في الفساد والرشوة.

لا أحد يتوقع – استنادا إلى استطلاعات وإحصائيات ودراسات على مدى سنوات طويلة – أن يتراجع حجم الإنفاق على الرشاوى. فقد ساهمت مؤسسات التصنيف، بتحويل الكسب غير المشروع، إلى آلية "إنتاجية" واقعية، قامت ببناء واجهات جميلة للخرائب. وسيمضي هذا العام، وسيأتي آخر بعده، وستتواصل الرشاوى بالنمو في كل الاتجاهات والقطاعات، وفي كل القارات، "شقراء" كانت أم "سمراء" أم " صفراء" أم بكل الألوان. ولا يمكن بأي حال من الأحوال وقف هذا التدمير الاقتصادي، من دون إصلاحات كاملة للأنظمة الاقتصادية ككل. صحيح أن قوة لا يمكن أن تنهي "صناعة الرشوة"، ولكن الصحيح أيضا، أنه بالإمكان الحد من آثارها المدمرة. والعالم اليوم يعيش ولادة نظام اقتصادي ومالي جديد – من جراء الأزمة طبعا – يسعى واضعوه لهيكلته وفق أعلى درجات النزاهة والإفصاح والمراقبة، لاسيما في مجالات هروب وانتقال الأموال إلى حسابات لا كشوفات لها، باتجاه ما تبقى من الملاذات السرية. وهذا لوحده يمثل عاملا صارما لكبح جماح الفاسدين والمرتشين، إلا إذا استطاع هؤلاء شراء ما أمكنهم من واضعي هذا النظام. وقتها.. سيصبح العالم بأسره ملاذا آمنا للفساد، ولا غرابة إذا ما سنت قوانين لـ "مكافحة" النزاهة.

الاثنين، 12 أكتوبر 2009

دفاعا عن المهنة


(هذا المقال خاص بـموقع "سي إن بي سي عربية")









" إذا كان عليك أن تقتل إنسانا، لن تخسر شيئا لو كنت مهذبا "
رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرتشل




محمـد كركوتــي

برز "التهذيب الغائب" بصورة واضحة ضمن السلوكيات التي مورست في موجة صرف أعداد من الزملاء الصحافيين والكتاب والموظفين في بعض المؤسسات الإعلامية اللبنانية. ومهما كانت المبررات لعمليات الصرف، فإن هذه الموجة تشكل سابقة مقيتة في هذه المهنة. قبل كل شيء. من حق أية مؤسسة ( إعلامية كانت أم غير ذلك)، أن تعيد ترتيب شؤونها الإدارية والمالية، بل يتوجب على المؤسسات أن تقوم بعمليات ترتيب دورية، لا لحصر النفقات فقط، بل لمواكبة التطور الإداري أيضا، من أجل جعل هذه المؤسسة أو تلك أكثر "رشاقة" في الأداء، وأكثر حيوية في العطاء والإنتاج.
ولكن ما واجهه الزملاء المصروفين من المؤسسات المعنية – وفي مقدمتها جريدة "النهار" – شكل إهانة للمهنة نفسها، ووضع مؤسسة راسخة وعريقة جنبا إلى جنب مع "المؤسسات" الإعلامية الارتجالية أو "الموسمية" أو تلك الشبيهة بـ " البقالات"، وطرح أسئلة حول مستوى "جودة" نقابتي المحررين والصحافة، إن لم نقل جدوى وجودهما. القضية كبيرة، ليس من جهة قطع الأرزاق، ولا من ناحية عدد الزملاء المصروفين من وظائفهم وأعمدتهم الصحافية، بل لأن السلوك غير اللائق مورس مع هؤلاء في بلد كانت له اليد الأولى والماهرة في ولادة مؤسسات إعلامية في بلدان أخرى، على صعيدي الكوادر والآليات. والذي يزيد العيب عيبا، أن بعض وسائل الإعلام اللبنانية تعاملت باستخفاف ( وبعضها باستهزاء) مع هذه القضية، التي لا تخص المصروفين وحدهم، بقدر ما ترتبط بالأخلاقيات المهنية.
ولأنها قضية سلوك، أكثر من كونها مسألة حقوق. كان ينبغي إتباع معايير تتناسب مع قيمة المؤسسات وسمعتها، لاسيما وأن عددا من الزملاء المصروفين ساهموا على مدى عقدين من الزمن، في تكريس السمعة المهنية والأخلاقية.. وحتى الوجدانية لمؤسساتهم. فالغائب في هذه الموجة، كان الوضوح ومعه الكرامة والسلوك غير اللائق، والحاضر كان "ساعي البريد" ووسائل إعلام أخرى، عرف من خلالها الزملاء، أن خدماتهم لم تعد مطلوبة، وأن السنوات الطويلة أو القصيرة التي "صرفوها" من حياتهم في مؤسساتهم، لا تستحق حتى الاعتذار من إداراتهم على صرفهم!. فقد غاب عن المدراء وشركات "إعادة الهيكلة"، أن الأمكنة تحتاج إلى الكاتب والصحافي، أكثر من احتياج هذين الأخيرين إليها.
نعترف بأن الأزمة الاقتصادية العالمية، نالت من كل شيء، حتى من "أرصدة" الأطفال في حصالاتهم. والمؤسسات الإعلامية عربية كانت أم أجنبية، أخذت قسطا كبيرا من مصائب الأزمة، بما في ذلك مؤسسات إمبراطور الإعلام العالمي روبرت ميردوخ، وصحف متجزرة على الساحة الدولية كصحيفتي "الأبزيرفر" الأسبوعية و"الإندبندنت" البريطانيتين، وأعداد كبيرة من المطبوعات الأميركية والفرنسية والإيطالية والإسبانية وغيرها. هذه حقيقة تحتم على الناشرين ومالكي هذه المؤسسات إعادة صياغة مؤسساتهم وفق المعطيات التي أفرزتها الأزمة.
لكن هذا لا يبرر السلوكيات غير اللائقة في موجات صرف الصحافيين والكتاب. فهؤلاء يصنعون الكلمة، ولأنهم كذلك فهم يقدسونها ويسعون إلى تطويرها لتصل إلى أعلى درجات البلاغة في التعبير والتعاطي الإنساني. من حقهم أن "يستحصلوا" على كلمات بمستوى جودة صناعتهم. والذي حدث مع الزملاء المصروفين، أنهم سمعوا كل الكلمات المريعة، من المدراء ومن وكلائهم. لم يكونوا ينتظرون قصائد تمجدهم، ولا حفلات وداع ترفه عنهم، أو تمنحهم قيمة لليلة يتيمة. كانوا يرغبون بسماع كلمة واحدة فقط، من صاحب الشأن، لا من وسائل الإعلام ولا طريق ساعي البريد. كلمة : شكرا. لا "معزوفة"، أنكم تجاوزتم سن العمل، ولا أن بعضكم لا يأتي إلى مكتبه، ولا أن المؤسسة أصيبت بالترهل منكم.
وإذا كان هذا هو مستوى خطاب مالكي ومدراء مؤسسات تصنع الكلمة، علينا أن لا نعترض على مستوى خطاب المسؤولين عن العمال والصناعيين والحرفيين، وأصحاب البقالات، والمشرفين على عمال "التراحيل".


الاثنين، 5 أكتوبر 2009

المحتالون لا هوية لهم

 (" هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية" )













"هناك فرق بين المجرمين والمحتالين.
المحتالون يسرقون، لكن المجرمين يقتلون. أنا محتال"
أشهر لصوص بريطانيا روني بيجس


 


محمد كركوتــي
 
قال البعض: إنها مؤامرة إسرائيلية!. وقال آخرون: إن أجهزة المخابرات الإسرائيلية "طبختها"!، ولا يمكن لهذا "التقي الأمين"، أن يكون محتالا ويسرق أموال الأثرياء، فما بالك بأموال "الغلابة". وقالوا أيضا: إنه سيعيد الأموال إلى أصحابها، لأنه يتحلى بأخلاقيات عالية، تردعه عن عدم الإيفاء بالتزاماته، لاسيما لأولئك الذين خسروا "تحويشة العمر"، أو الذين تركوا لديه أموالهم "البيضاء"، لأيامهم "السوداء". فرجل الأعمال اللبناني صلاح عز الدين، ليس من اللصوص ولا من المحتالين، إنه من أولئك الكرماء المدركين لحقيقة الأوضاع المعيشية للمودعين لديهم، ويعرفون أن دولارا ناقصا منها، سيؤدي إلى إرباك معيشي لهؤلاء المودعين، فكيف الحال إذا ما حسب النقص بالآلاف والملايين؟!. هذا ما يقولوه المدافعون عن عز الدين، الذي ألقي القبض عليه من قبل السلطات اللبنانية، بينما يتحدث القريبون من هذه القضية، عن مسؤولية رجل الأعمال هذا في ضياع مابين 400 و 500 مليون دولار أميركي، هي عبارة عن أموال لمودعين أفراد في الأساس، تعيش غالبيتهم العظمى في المناطق الجنوبية من لبنان. بعضهم قدم خمسة آلاف دولار لـ "الاستثمار"، وآخرون قدموا أكثر من ذلك للغرض نفسه.

وإذا كان هناك من يدافع عن عز الدين، هناك أيضا مع يرى أن الناس كانوا يسلمونه أموالهم، لا لسمعته "الطيبة"، بل لأنه يرتدي عباءة حزب الله، الذي وجد نفسه في خضم أزمة – لم يحسب لها – عندما وقع رجل الأعمال في أيدي السلطات اللبنانية، بعدما عجز عن تسديد جزء من التزاماته المالية للمودعين، وأصدر مجموعة من الشيكات بدون رصيد. وعلى الرغم من ارتباط حزب الله بهذه القضية – بصورة أو بأخرى – إلا أنها في النهاية ، قضية كلاسيكية. أي أنها ليست فريدة من نوعها، وحدثت وتحدث في كل البلدان. بل أصبح هذا النوع من القضايا – بفعل الأزمة الاقتصادية العالمية – جزءا لا يتجزأ من المشهد الاقتصادي والاجتماعي على الساحة العالمية ككل. ولعل هذه إحدى الزوايا الإيجابية للأزمة، التي أتت بالفضيحة تلو الأخرى، وسمت المحتالين بأسمائهم، وقدمت بعضهم للمحاكم، ولا حقت البعض الآخر، ودفعت آخرين للتواري عن الأنظار، باحثين عن ملاجئ آمنة لأطول فترة ممكنة. ولأنها عالمية، فسرعان ما وُصف عز الدين بـ" مادوف لبنان"، نسبة للمحتال الأميركي العالمي الأكبر برنارد مادوف، الذي اختلس قرابة 65 مليار دولار أميركي على مدى عقدين من الزمن، لم يستثن حتى أموال الجمعيات الخيرية والمدارس والجامعات!. مادوف الأصلي نفسه، سمي بـ " تشارلز بونزي" الأميركي – الإيطالي الذي ابتكر في عشرينات القرن الماضي، استثمارا احتياليا يقوم على دفع أرباح للمودعين السابقين، من أموال مودعين جدد، دون أن يستثمر دولارا واحدا في السوق!.

في العالم العربي، أضاف المحتالون بعدا آخر لعملياتهم القبيحة، عندما استطاعوا أن يجندوا شخصيات عامة مرموقة وتحظى باحترام الرأي العام، بل جندوا حتى رجال دين، في تسويق مباشر وغير مباشر لعملياتهم "البونزية"، حيث وفر هؤلاء غطاء طاهرا لهذه العمليات. ففي ثمانيات القرن الماضي، فاضت مصر بـ " شركات" توظيف الأموال، التي سوَقها بعض رجال الدين. وكذلك الأمر في سوريا والجزائر والأردن. ماذا كانت النتيجة؟. الحكومات في هذه الدول – لاسيما مصر – دفعت بعد سنوات من وقوع المصيبة، الحد الأدنى من أموال المودعين، بعدما ما نجح غالبية أصحاب شركات التوظيف بالفرار من البلاد. وعلى نفس وتيرة القصة " البونزية – المادوفية"، لم يترك هؤلاء شيئا يذكر للتعويض (بونزي ترك 60 دولار من أصل ثمانية ملايين دولار، ومادوف خلف حوالي 400 مليون دولار من أصل 65 مليار!!). ومن المفارقات أن شريحة متعاظمة من الناس في العالم العربي، لم تتعظ من فضائح المحتالين، بما في ذلك أولئك الذين ظهروا على الساحة بفعل الأزمة الاقتصادية. وعلى الرغم من حملات التوعية التي تقوم بها الحكومات – بل والتحذيرات - إلا أن حراك عمليات توظيف الأموال، لم يتوقف بصورة تامة. وإذا كان المحتالون – قبل الأزمة - يظهرون مع قصة جميلة وطفرة، فهم يظهرون بعدها مع جشع كبير وحاجة أكبر!، مع بقاء الأدوات الاحتيالية على حالها.

نعرف أن حزب الله يحاول بكل ما لديه من وسائل احتواء قضية صلاح عز الدين. بما في ذلك قيام قيادة الحزب بإصدار أوامرها إلى المؤسسات التي تلقت تبرعات من عز الدين، بعدم إنفاق ما تبقى من هذه التبرعات، من أجل تعويض المودعين المساكين الذين فقدوا مدخراتهم، أو من أجل دفع الحد الأدنى لهم على الأقل، خصوصا وأن هناك شرائح كبيرة من ضحايا عز الدين تعيش على الأرباح الشهرية لأموالها، أي لا يوجد مصدر دخل آخر لها. إنها خطوة جيدة، لكنها لا تلغي في النهاية الحالة الاحتيالية التي وقع فيها هؤلاء الناس. صحيح أن الاستثمار خاضع لمعايير الربح والخسارة، ولكن الصحيح أيضا، أن الاستثمار يتحول إلى مقامرة، عندما يتغير الهدف من عمل استثماري إلى تعويض للخسائر. فعند سؤال عز الدين عن أسباب المغامرة بأموال المودعين بعد أن تعرض لخسائر قدرها هو بـ 80 مليون دولار أميركي في العامين 2007 و2008، رد قائلا:" كنت أحاول الحصول على المزيد من الأموال للقيام بمشاريع جديدة لتعويض الخسارة"!. لا مفارقة هنا. فعندما وجه قاضي التحقيق الأميركي السؤال نفسه لـ برنارد مادوف، رد هذا الأخير، بأنه كان يحاول تعويض الخسارة، عن طريق الحصول على المزيد من الأموال. وهذا الجواب هو نفسه تقريبا الذي قدمه تشارلز بونزي للمحقق، قبل ثمانين سنة. وهكذا.. فإن الآليات واحدة، والسلوكيات واحدة، والأخلاق واحدة في كل الحالات الاحتيالية، هذا إن وجدت الأخلاق أصلا.

لا دخل لإسرائيل – ولا غالبية دول العالم – في عمليات الاحتيال الفردية. بل على العكس، تسعى إسرائيل إلى تغذية الاحتيال والفساد في المنطقة العربية – إن استطاعت – لأن ذلك يوفر لها حماية غير مباشرة. فـ " معزوفة" أن إسرائيل هي وراء كل شيء سيء على الساحة العربية، لم تعد مسموعة، بل أصبحت مضحكة، مع التأكيد بأنها لا تريد الخير للعالم العربي. وصلاح عز الدين نفسه اعترف بأن خسائره جاءت نتيجة للوضعية المتقلبة لأسعار النفط في الأسواق العالمية، وهشاشة قطاع العقارات العالمية والإقليمية، وغيرها من الأعمال التي لم تحقق النجاح. وبالتأكيد ليس لإسرائيل القدرة على التلاعب بأسعار النفط أو العقارات إقليميا وعالميا. واعترف الرجل بأن استثماراته اللبنانية لوحدها تصل قيمتها إلى 280 مليون دولار، وأنه لا يعرف الحجم الحقيقي لاستثماراته الخارجية!.

إذن.. القضية مرة أخرى كلاسيكية. منتشرة في كل الأرجاء. من المضحك تسييسها أو قولبتها ضمن نطاق "تآمر دول"، أو وضعها في إطار مخططات حكومات تقوم بأعمال خبيثة. والذي يتابع قضية مادوف الأصلي - لا اللبناني - يعرف أن هذا الأخير سرق أموال جمعيات ومؤسسات يهودية أميركية، وأخرى إسرائيلية صرفة. منذ تشارلز بونزي – وحتى اليوم – أثبت المحتالون بأن لا هوية لهم. فهم أكثر "الناس" استغلالا لحاجة البشر، خصوصا أولئك الباحثين عن دولار إضافي لمواجهة متطلبات الحياة. وإذا كان أمام ضحايا مادوف الأصلي، وغيره في الدول الغربية، إمكانية اللجوء إلى العون الحكومي الفوري لمواصلة الحياة بكرامة، فليس أمام ضحايا "المادوفيين" في العالم العربي ما يوفر كرامة الحياة. وضحايا "مادوف لبنان" القابعون في منازلهم الريفية البسيطة في الجنوب اللبناني، ينظرون إلى قصره المعلوم الشامخ الذي أتخمه بكل شيء، حتى بطيور الفلامنجو!!.




الأحد، 4 أكتوبر 2009

مصائب فاخرة!!

(هذا المقال خاص بموقع " سي إن بي سي عربية")








" رأيت بعض الموتى من الجوع، ورأيت موتى بمئات الآلاف من التخمة "
      الفيلسوف والسياسي الأميركي بنجامين فرانكلين


محمد كركوتــي

في الاتحاد الأوروبي – وليس أفريقيا –هناك 30 مليون شخص يعانون من سوء التغذية!. أي ما يوازي عشرة في المئة تقريبا من المجموع الكلي للسكان. القضية لا تنتهي هنا، لأن الخزائن العامة في دول الاتحاد تخسر أكثر من 170 مليار يورو سنويا في مواجهة هذه الأزمة المتفاقمة. بينما يحلم واضعو السياسات الاقتصادية بضم هذه المبالغ الهائلة، إلى الأموال التي رصدتها الحكومات الأوروبية للتحفيز الاقتصادي، وانتشال المؤسسات التي وقعت تحت ضربات الأزمة الاقتصادية العالمية. وعلى عكس الأفارقة المصابين بسوء التغذية – بل بانعدامها– لا تظهر الأقفاص الصدرية للعيان عند "زملائهم" الأوروبيين، ولا تظهر مشاهد القحط في خلفية الصورة. فلا يزال اللحم فوق العظم، وسيظل بموقعه الطبيعي. فأوروبا ليست "متخصصة" في هذا النوع من الأشكال البشرية. والبطن المنتفخ المستند على سيقان كأعواد الكبريت، "يُنتج" في الدول الفقيرة لا الغنية.

للشاعر والمغني الأميركي بوب ديلان الذي يلقب بالأسطورة، أغنية يقول فيها: "التقيت برجل جريح من الحب، والتقيت بآخر جريح من الكراهية". وإذا ما استبدلت هنا الحب بالطعام، فقد رأيت شخصا يعاني من سوء التغذية لفقدان الشهية، ورأيت آخر يعاني من فقدان الطعام!. القضية أيضا لا تتوقف عند هذا الحد. فـ " المصائب الفاخرة" ظهرت في بيانات رسمية أوروبية، دعمها خبراء تغذية أوروبيون اجتمعوا مؤخرا في العاصمة النمساوية فيينا، جاء فيها : أن ما بين 5 إلى 15% من مجموع سكان أوروبا، و40% من المرضى الذين يعالجون في المستشفيات، و60% من نزلاء دور العجزة، يعانون من سوء التغذية أو معرضون لذلك. والمثير أن الكلفة الناتجة عن سوء التغذية، توازي ثلاث أضعاف تكاليف مواجهة الأزمات الصحية الناجمة عن البدانة. ولا أعرف إن كان "ملهما" من "الملهمين" الاقتصاديين الأوروبيين، سيظهر ويدعو إلى ضرورة تشجيع البدانة، وتسمين الشعوب الأوروبية، للحد من الخسائر!.

لقد أظهرت هذه القضية، أن فقدان الشهية في الدول الأوروبية مكلف ماليا، وفقدان الطعام في الدول الفقيرة مكلف إنسانيا. وإذا كانت الحكومات الأوروبية تستطيع أن تخصص مبالغ هائلة لمواجهة مصائب فقدان الشهية، فإن الحكومات في بعض الدول الفقيرة، عاجزة عن توفير حتى المياه الصالحة للشرب الآدمي. بل أن هناك دولا تنقصها المياه الصالحة لشرب الحيوانات، ويستطيع أي متابع لأحوال الدول القاصرة أن يشاهد أيضا الأقفاص الصدرية للحيوانات فيها. فاللحم ليس تحت العظم، لأن لا وجود له أصلا!.

لا يمكن التعاطي مع قضية كهذه، دون إسقاطها على المشهد الإنساني العالمي. فالعالم يعج الآن بـ 1,02 مليار جائع – لا فقير – وثلث سكان الكرة الأرضية يعيش على دولار أميركي واحد في اليوم، والثلث الآخر يعيش على دولارين اثنين في اليوم الواحد. وتعاني حاليا المؤسسات والمنظمات الإنسانية من شح في التمويل، بينما تعاني الدول النامية المتلقية للمساعدات شحا في هذا المجال. وإذا كان الأوروبيون يخشون على حياة عشرة في المئة من مواطنيهم من جراء "مصائبهم الفاخرة"، فإن العالم مطالب الآن أكثر من أي وقت مضى، بإظهار خشيته من مصائب "الموت والهلاك" التي يواجهها 30 في المئة من مجموع الجنس البشري.

من حق أي دولة أو إقليم أو تجمع، العمل من أجل رفاهية أبنائه. هذه قاعدة إنسانية وحقوقية ثابتة، لكن من حق العالم أيضا أن يحظى باهتمام الكبار، ليس فقط عن طريق الحد من الأسلحة النووية والبيولوجية، ولا مكافحة الإرهاب بكل أشكاله، بل أيضا بتخفيف المعاناة وأنات الجوع التي تعم الأجواء.

إنها مسألة إنسانية لا سياسية. ومسألة مستقبل لا حاضر. إنها مسألة ينبغي أن تكرس العولمة بمسراتها وبهمومها وأناتها، وأن تحتضن جوع بعض "مواطنيها".


الاثنين، 28 سبتمبر 2009

قمة القرار غير الحصري

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية" )






"غزو النفس.. هو أعظم الانتصارات"
الفيلسوف اليوناني أفلاطون

محمد كركوتــي

لنبتعد قليلا عن الخلافات التي دبت (وكانت متوقعة) في قمة مجموعة العشرين في الولايات المتحدة، حول رواتب ومكافآت وحوافز مديري المصارف والمؤسسات المالية، وحول بعض القضايا الأخرى، بما في ذلك حجم النفوذ (عدد الأصوات) لبعض الدول الناشئة في المؤسسات الدولية وفي مقدمتها بالطبع صندوق النقد الدولي. ولنبتعد بعض الشيء عن مناقشة كيفية تطبيق قواعد جديدة مع نهاية عام 2012 لتحسين وضع وحجم رأسمال المصارف. فلا أحد ينتظر من القمم – أي قمم – أن تخرج برؤى متطابقة 100 في المائة، أو أن تتخذ القرارات – لاسيما المصيرية منها – بالتزكية. فهذا عادة أسلوب ''البرلمانات'' التي لا تحمل من القيم البرلمانية- التشريعية، سوى اسمها. ولندع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني جوردون براون وإلى جانبهما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في خضم تناطحهم حول بعض القضايا (رواتب مديري المصارف على رأسها). فهذا التناطح أصبح سمة من سمات العلاقات بين أكبر وأقوى دول الاتحاد الأوروبي قاطبة، في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية. ومن المفارقات أن هذا التناطح يجري، في ظل وجود إدارة أمريكية ترغب في التعاون، وتفهم ما جرى ويجري على الساحة العالمية!. ولنترك قضية الاضطرابات والمظاهرات والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي التي صاحبت القمة في بيتسبرج حيث عقدت. فهذه المظاهرات، هي أيضا سمة من سمات هذا النوع من القمم، ولذلك فالخبر لا يكمن في انطلاقها، بل في عدم اندلاعها!.
في المحن الشاملة، لا مكان للنخبة، ولا مساحة لمتسيد، ولا فسحة لكبير. هناك ساحة للجميع من أجل مواجهة مصائب هذه المحن، وهمومها وإشكالياتها وحممها المتقاذفة في كل الأرجاء. ساحة يقف فيها الكبير إلى جانب الصغير (وأحيانا الصغير هو من يقف إلى جانب الكبير)، خصوصا عندما يكون الكل على مركب واحد، فقد قبطانه الخبير - العتيق الاتجاه، بعدما خسر البوصلة!. في هذه الساحة، يجري ''فرز'' الحكمة عند الجميع، ليس وفق تجاربهم، بل على قدر استيعابهم لهذه التجارب. وعلى الرغم من هول الأزمة الاقتصادية العالمية، إلا أنها – للمفارقة – ليست عصية على الفهم. فمقدماتها.. دلت عليها، ومصائبها ملكت أدوات حلها، وعنفها احتوى على بعض من آليات ''تلطيفها''، بعد ما فضحت ''الإلهام'' الاقتصادي لدى الأفراد الذين كانوا يدعون المناعة من الأخطاء، والدول التي كانت ''تتبختر'' بأن قوة لم توجد بعد، يمكن أن تهزها!.
اللافت في قمة مجموعة العشرين الثالثة بعد الأزمة، أنها حققت شيئا تاريخيا، كانت تحتاج إليه هي أولا كمجموعة دول، ويحتاج إليه العالم أجمع في آن معا. لقد قامت بأولى خطواتها الثابتة نحو ''المأسسة'' – إن جاز التعبير- بمعنى أن القمة دعمت خطوات تكريس المجموعة، ككيان دولي هو الأكبر والأقوى على الإطلاق منذ الحرب العالمية الثانية، مهمته الأساسية مراقبة أداء الاقتصاد العالمي، والعمل على تنفيذ الاتفاقات والاتفاقيات، التي لم تعد حكرا على ''نوادي النخبة''. فالقرار الاقتصادي العالمي، لم يعد في أيدي الأمريكيين أو البريطانيين أو الفرنسيين أو الألمان، أو غيرهم من الأمم التقليدية التي ملكت زمام المبادرة والقرار الدولي، قبل وبعد الحرب الثانية. هذه القمة أوجدت آلية يمكن وصفها بـ ''آلية صنع القرار غير الحصري''. صحيح أن البعض بدأ ينظر إليها كـ ''كيان نخبوي''، لكن الصحيح أيضا، أنها تضم دولا أبعدها النخبويون عن ''ماكينة'' صنع القرار العالمي، لعقود طويلة من الزمن. واللافت أيضا.. أن النخبويين السابقين اقتنعوا بحقيقة أنهم لا يملكون الحق المطلق في المعرفة والحل، وفي المصلحة العالمية وأدواتها، وفي البناء والنمو. وهذا أيضا من الجوانب الأكثر ترشيحا لدخول التاريخ، مقارنة ببقية الجوانب الأخرى في قمة بيتسبرج. وبسبب ذلك، تراجعت الطروحات – وستتراجع أكثر في المستقبل – الخاصة بالتوصل إلى صيغة نهائية لمجموعة دولية، تتسلم زمام الأمور والمبادرة، ليس فقط خلال الأزمة، بل أيضا بعدها، بما في ذلك الطرح الفرنسي المؤيد الصلب لصيغة '' الـ 14''، المكونة من مجموعة الثماني، إضافة إلى كل من جنوب إفريقيا والصين والبرازيل والهند والمكسيك ومصر.
والواقع أن مجموعة العشرين التي تسيطر على ما بين 85 و90 في المائة من الناتج العالمي، تمتلك حق صناعة القرار الاقتصادي الدولي، لا الإشراف على تنفيذه فقط، وإذا استطاعت المجموعة في القمة الأخيرة، أن تُدعم خطوات ''مأسستها''، عليها أيضا أن تعمل من أجل تكريس دورها كمشرع دولي. فما يريده الفرنسيون – على سبيل المثال – أن تقوم المجموعة بمهام الإشراف، في وقت تمتلك فيه أدوات تشريعية وتنفيذية وروحا من التعاون لم تكن موجودة أصلا على الساحة الدولية حتى وقت قريب، وقبل هذا وذاك.. ''أزمة'' عززت لديها مكامن الخبرة أشواطا طويلة في زمن قصير. هذه الخبرة تمكنها من ''صناعة المستقبل''.. من معطيات المستقبل، لا من مخلفات الماضي. فقد عانى العالم لعقود طويلة من الزمن، من صناعة مستقبله وفق ماضيه، ماذا حدث بعد ذلك؟ مجموعة من الأزمات، شكلت الأزمة الاقتصادية الراهنة أبرز ''نجماتها''.
إن عزل المجموعات الأخرى عن عملية صنع القرار العالمي يجب ألا يكون هدفا. بل على العكس تماما ينبغي إشراكها في هذه ''الصناعة''، لكن المشكلة أن '' الطبخة'' معرضة للاحتراق من فرط تعدد الطباخين – كما يقولون -، ومجموعة العشرين تمثل الصيغة الأمثل المطروحة على المسرح الاقتصادي. فهي خليط بين دول كبرى وأخرى ناشئة. بين دول فهمت أن التفرد (وأحيانا العنجهية)، لا يحقق في عالم متداخل.. المصلحة الملحة المرجوة حتى لها، وبين دول انتظرت طويلا من أجل أن تلعب دورها وفق إطار منطقي، إن لم نقل ''وفق حق شرعي''. كيف يمكن لغير مجموعة العشرين – على سبيل المثال – في هذا الوقت بالذات، أن تقرر موعدا لإلغاء الحوافز التي وفرتها الحكومات المختلفة للإنعاش الاقتصادي؟. وكيف يمكن لغير هذه المجموعة، أن تضع القوانين النهائية لإصلاح القطاع المالي العالمي؟. وكيف يمكن لغيرها أيضا.. أن يحدد الصيغ الكفيلة بمنع حدوث أزمة اقتصادية عالمية مشابهة لهذه التي لا نزال نعيش في ظلها؟. فالكل يعرف أن الطريق لا يزال طويلا أمام العالم للخروج من أزمته، وقد اعترف بذلك وزير الخزانة الأمريكي نفسه تيموثي جاذنر، حين قال: ''إن الركود لا يزال حادا، والطريق ما زال طويلا''.
لقد صنعت الأزمة الاقتصادية، مستجدات لم تكن في الحسبان، فرضت على العالم أجمع ضرورة أن يحسب لكل شيء مهما كان صغيرا. فرضت عليه أن يسعى لوجود مُشرع متحرر من الماضي ومن العنجهية والفوقية ومن المصالح الذاتية. مُشرع يتكون من ''متقدم وناشئ ونام''، ومجموعة العشرين قامت أساسا على هذه المعادلة. الأزمة وسعت أيضا مدارك البشر، وإن ضيقت عليهم معيشتهم، وكرست حقيقة أن المشاركة في الهموم، هي أقصر الطرق لتخفيف حدتها.


الخميس، 24 سبتمبر 2009

مجموعة غيرت ثقافة "الكاوبوي الاقتصادي"!



( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية" )

محمد كركوتــي

إنها القمة.. الثالثة لـ "مجموعة العشرين"، بعد اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، والثانية بعد خروج إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن من البيت الأبيض (الإدارة لم تفهم المكانة التاريخية والإستراتيجية للمجموعة). إنها القمة.. التي تكرس حقيقة أن هذه المجموعة أخذت بالفعل زمام المبادرة والأمور على الساحة الاقتصادية العالمية. إنها القمة.. التي ستعزز "صيغة العشرين"، بدلا من صيغ " السبع " أو "الثماني" أو حتى "الـ 14"، رغم إعجاب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بهذه الأخيرة. إنها القمة.. التي تختصر أكبر نسبة من المجاملات، وتضخ أكبر "كمية" من الصراحة. إنها القمة.. التي تجعل العالم أقل توترا في ظل الأزمة الاقتصادية التاريخية، وأكثر تناغما مع طروحاتها. إنها القمة التي تستطيع الدول المنضوية تحت لوائها ( بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية في ظل إدارتها السياسية الحالية)، أن تفخر بأنها سنت ( وتسن) قوانين غيرت معالم ثقافة "الكاوبوي الاقتصادي" الذي سيطر على أسواق المال في العالم على مدى عقدين من الزمن، ولم يأت "برأس واحد من البقر" إلى الحظيرة، بل على العكس نفقت الرؤوس التي كانت موجودة أصلا!. إنها القمة.. التي ستتضح معها علامات مواجهة الأزمة الاقتصادية أكثر فأكثر. فـ "مجموعة العشرين"، هي المجموعة الوحيدة في التاريخ الحديث، التي نضجت في زمن قياسي قصير، من جراء أزمة تركت هموما لسنوات طويلة.
إنها القمة التي يجب أن تستكمل - أو تقترب من استكمال- عملية إنهاء وجود "نوادي النخبة" التقليدية، لماذا؟.. لأن "مجموعة العشرين" (مرة أخرى، خصوصا مع زوال إدارة بوش الأخيرة)، تعمل بمفهوم "الإشراك"، لا بذهنية "الإقصاء". ولأنها كذلك، فهي المجموعة العالمية الوحيدة، التي يمكن وصفها بـ "التكنوقراطية". بمعنى أنها المجموعة ( أوالهيئة) القادرة على العمل بأقل حد من "التسييس"، وأعلى مستوى من الواقعية، مستفيدة من جانب إيجابي، طرحته الأزمة العالمية، وهو أن المصائب التي أتت بها الأزمة، دحرت التكتلات التقليدية وسياسات المحاور وحتى المجاملات، كما أنها وضعت العالم ليس فقط أمام مسؤولية إيجاد الحلول لهذه الأزمة، بل أيضا أمام "استحقاق" إعادة صياغة نفسه، بصورة لا تشبه الصياغة التي كانت، ولا المفاهيم التي سادت، ولا المسلًمات التي "حكمت" الأسواق والمجتمع.. بل والدول. فما كان ينفع في "اصطياد البقر"، لم يعد يصلح حتى لاصطياد الفراشات!.
أمام قمة العشرين الثالثة بعد الأزمة الاقتصادية الكبرى، ملف يمكن وصفه بـ " مأسسة" مجموعة العشرين، إلى جانب الملفات الأخرى التي طرحتها الأزمة. وإذا أراد قادة المجموعة أن يحققوا إنجازات واقعية وعملية من خلال هذه القمة ( وغيرها من القمم المقبلة)، عليهم أن يتعاطوا مع هذا الملف بنفس الأهمية التي يتعاملون فيها مع الملفات الأخرى. إن الانخراط في معارك – وحتى مناوشات- حول أي المجموعات أفضل للعالم ( "السبع" أم "الثماني" أم " الـ 14" أم " العشرين").. لا يخرج عن نطاق المعارك "الصبيانية" و"خناقات" الأزقة، في ظل أزمة "يشيب لها الولدان"!. فالعالم يحتاج إلى "مرجع" لا يشبه المراجع التقليدية التي أثبتت فشلها "بجدارة"، عندما وقفت عاجزة عن إيقاف ضربات الأزمة، بل عجزت حتى عن التقليل من قسوة هذه الضربات. ويحتاج العالم أيضا – وبنفس الوتيرة- حلولا واضحة المعالم، لا تستند إلى أي اعتبارات وطنية ( خصوصا السياسية – الحزبية )، أو حتى إقليمية. فالانكماش الاقتصادي العالمي، لن يتحول إلى "ازدهار اقتصادي"، إذا ما أراد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي شيئا، وأراد رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون شيئا آخر. والأمر نفسه ينطبق على كل قادة دول مجموعة العشرين، لاسيما قادة الدول الكبرى. فعلى سبيل المثال يرى براون ضرورة للعمل من أجل منع حدوث انهيار اقتصادي عالمي آخر. حسنا.. إنه طرح مثير للإعجاب والتقدير، لكن رئيس الوزراء البريطاني سيخوض بذلك معركة جديدة، قبل أن تنتهي المعركة الحالية!.
وفي الوقت الذي نشهد فيه وجود إدارة أميركية شابة ومتعاونة ومتفهمة لما جري ويجري وسيجري، ومؤمنة بأهمية الإشراك لا الإقصاء، نرى حكومات أوروبية راسخة خبرة وتجربة، تناوش بعضها البعض، حول مشاريع الحلول للأزمة أولا، وحول حجم الخطوط التي يجب أن ترسم بها خريطة الاقتصاد العالمية. فعلى الأوروبيين أن يستغلوا الحكمة التي تتحلى بها الإدارة الأميركية الحالية، لاسيما وأنهم – والعالم معهم – عانوا الأمرين من الإدارة الأميركية السابقة، ليس فقط في مجال التفاهم حول الحلول، بل في نطاق جهل هذه الإدارة لحقيقة ما يجري. إن القضية لن تنتهي باستكمال تنفيذ اتفاق قمة مجموعة العشرين الأخيرة في لندن، بضخ 5000 مليار دولار أميركي في هيكلية الاقتصاد العالمي، لإعادة الأمور إلى نصابها. ولن تنتهي بالاتفاق على حد أقصى لرواتب ومكافآت مدراء المصارف والمؤسسات المالية الكبرى، ولن تنتهي بشراء ديون المؤسسات أو تأميمها، أو تغطية عجز المقرضين والمقترضين، ولن تنتهي بضخ المزيد من الأموال في المؤسسات الدولية ( مثل البنك وصندوق النقد الدوليين)، ولن تنتهي بـ "مسح" الملاذات الضريبية الآمنة، ولا بـ " القضاء" على المتهربين الكبار من الضرائب. ولن تنتهي بتحديد سقف لأسعار البترول في الأسواق العالمية، ولن تنتهي بوقف "الغزو" التجاري الصيني للدول الكبرى.
إن القضية تحتاج إلى شيء أكبر وأقوى وأكثر فاعلية من ذلك. تحتاج إلى مجموعة دولية، تعرف احتياج الكبير ومتطلبات الصغير، وتعي أن العالم لم يعد كما كان قبل الأزمة الاقتصادية العالمية، ولن يعود إلى ما كان عليه، وأن ما كان يفيد دولة كفرنسا بالأمس، لن يفيدها في الغد، وما كان يعتبر نصرا وطنيا وقوميا ألمانيا في السابق، لن يكون كذلك الآن، وأن "المسلًمات الأميركية" التي كانت تسود العالم قبل الأزمة، تحولت إلى " مضحكات" بعدها.
إن "مجموعة العشرين" – بمفهوم الإشراك- وبوجود دول فيها ( مثل المملكة العربية السعودية والبرازيل والهند واندونيسيا وغيرها) إلى جانب "دول النخبة" السابقة، تمثل أفضل هيئة دولية موجودة على الساحة، ليس من أجل وضع الحلول والإشراف على جودة تنفيذها فقط، بل من أجل "صناعة" خريطة اقتصادية عالمية، لا "مسلًمات" بين خطوطها، ولا "نجوم اقتصادية" أنتجت أكثر "الأفلام" فشلا، وأشدها تدميرا.

الأربعاء، 23 سبتمبر 2009

فقر الأثرياء!



( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية" )

«إنه الآن يصعد من النعمة إلى الفقر»
الأديب الأمريكي مارك توين

محمد كركوتــي
الاقتصاديون الواقعيون، أو لنقل: «الاقتصاديون غير الملهمين»، يبدون حرصا واضحا على عدم التفاؤل بالإشارات الإيجابية حول مستقبل الاقتصاد العالمي بعد عام تقريبا على اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية. فهم - على عكس «الملهمين»- يعرفون أن أحد أسباب الأزمة الكبرى، كان الإفراط في التفاؤل، والامتناع عن المساس بالسوق، التي حولوها إلى «مقدسة».. ولأنها كذلك فهي لا تخطئ، وإن فعلت ذلك فهي قادرة على تصحيح أخطائها على الفور، وعلى الجميع أن يقف بعيدا دون تدخل!. وفي الأشهر التي حفلت بمقدمات الأزمة العالمية، كان «الملهمون» يسخرون من أولئك الاقتصاديين الذين كانوا يطلبون من صناع القرار الاقتصادي، التخفيف من تفاؤلهم، والنظر إلى الأمور، بعين مختلفة عن تلك «العمياء»، وأن يتابعوا الإشارات السلبية التي كانت تظهر على مدار الساعة. لكن صناع القرار، التزموا تطمينات «الملهمين»، ولم يلتفتوا إلى آراء أولئك المتشائمين، الذين كانوا يريدون « تعكير» حركة الأداء الاقتصادي!.
الأزمة اندلعت، ولم تمنح لحظة واحدة لـ «الملهمين» حتى لاستيعاب الضربة الأولى. فلا السوق صححت نفسها، ولا التفاؤل جلب قوارب النجاة. وقد قدم رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابق (البنك المركزي) آلان جرينسبان، أبلغ توصيف لحالة أصحاب «دعوا السوق تعمل» – وهو منهم – عندما قال: «إن هذه الأزمة غير مسبوقة، ولا أصدق ما يجري»!. فإذا كان هذا الرجل الذي جلس على كرسي أهم صانع للقرارات الاقتصادية الأمريكية – ومتعلقاتها الدولية – لمدة تزيد على 18 عاما، لم يستطع فهم ما يجري، نستطيع أن نتخيل مستوى استيعاب «الملهمين» لما جرى ويجري.
هذا المفارقة في «المصيبة» الاقتصادية العالمية، جلبت معها مفارقات لا حدود لها. نحن لا نتحدث هنا عن المصائب التي أحدثتها الأزمة في الدول النامية، من جراء تراجع مستوى مساعدات الدول المانحة لها، ولا عن توقف العديد من المشاريع التنموية والإعمارية والصحية، ولا عن تراجع الإنفاق على التعليم وبرامج محو الأمية، ولا عن ضياع الأموال «الغلابة وغير الغلابة» على أيدي المحتالين الذين ظهروا في كل الأمكنة، ولا عن ارتفاع عدد الجياع 100 مليون ليصل العدد الإجمالي العالمي إلى 1.02 مليار نسمة، ولا عن عدد العاطلين الذين سيضاف إليهم مع نهاية العام الحالي أكثر من 59 مليون عاطل.. لا نتحدث عن هذه المصائب، بل عن مشكلة انفجرت في العالم الغربي، من جراء الأزمة العالمية. مشكلة.. لم تكن مطروحة للنقاش حتى في عز الأزمات. مشكلة.. كانت حتى عام مضى تخص الدول الفقيرة والنامية بل وحتى الدول التي اصطلح على تسميتها بالناشئة. هذه المشكلة تتلخص في ارتفاع عدد الفقراء، أين؟ في الدول الأوروبية الغنية!. فقد انضمت هذه الدول إلى الولايات المتحدة في هذا النطاق. فعدد الأشخاص الذين يعيشون عن طريق « كوبونات الإعاشة» في الولايات المتحدة، وصل حدا يقترب من عددهم أيام الحروب الكبرى ( 2.5 مليون أمريكي غاصوا خلال العام الجاري دون خط الفقر)، وكذلك الأمر في بعض الدول الغربية الغنية الأخرى، التي ارتفع فيها عدد المتاجر الخيرية وشبه الخيرية، التي تبيع المنتجات الضرورية بأسعار رمزية، لتمكين الأسر من الاستمرار في حياتهم، بأدنى حد من الكرامة.
فقد وجدت بعض الدول ومن بينها النمسا – رابع أغنى دولة في الاتحاد الأوروبي – أن الأزمة التي نالت من أغنيائها بصورة بشعة، تمكنت أيضا بصورة أبشع من غير الأغنياء فيها. فالقضية لم تعد تحسب بعدد العاطلين عن العمل ( في الاتحاد الأوروبي وصلت البطالة إلى 9.4 في المائة)، ولم تعد محصورة بمعدلات التضخم والإخفاق في تسديد القروض السكنية والمعيشية الأخرى، بل أيضا بلقمة العيش اليومية. وفي الوقت الذي بلغ فيه عدد المتاجر التي أغلقت في بريطانيا منذ بداية العام الجاري أكثر من 12 ألف متجر بسبب الأزمة، ارتفع فيها في المقابل عدد المتاجر الخيرية التي تبيع بضائعها بأسعار رمزية جدا، وفي بعض الأحيان مجانا، حسب حالة المشتري المعيشية. وفي فرنسا تجري الأمور في هذا الاتجاه. فعلى الرغم من أن مثل هذه الخطوات تصب ضمن النطاق الاجتماعي والإنساني، إلا أنها تترك أثرا بالغا في هالة وهامة هذه الدولة أو تلك. فعل يعقل – على سبيل المثال – أن بلدا كالنمسا يحتل المرتبة الرابعة في قائمة أغنى دول الاتحاد الأوروبي، أن يشهد انطلاق مجموعة من المتاجر الاجتماعية – الخيرية، من أجل «سد رمق الفقراء»؟!. نعم إن هذا يحدث وسيحدث بصورة أكثر درامية – ربما - في الأشهر القليلة المقبلة، في عدد آخر من البلدان الغنية. ويكفي الإشارة هنا، إلى أنه يعيش في العاصمة النمساوية فيينا أكثر من 200 ألف نسمة تحت خط الفقر، بينما لا يتعدى عدد سكانها أكثر من 1.6 مليون نسمة.
ومن ضمن المشاكل التي تواجهها الحركة الخيرية في الاتحاد الأوروبي ككل، أن جمعياتها تواجه أيضا شحا في التمويل والتبرعات، لأن الأزمة ابتلعت أموال جهات كبرى كانت تمثل مصدرا ماليا كبيرا لهذه الجمعيات، فضلا عن تراجع قدرة الأفراد في التبرع. لكن هذا لم يعرقل تحرك الكثير من المؤسسات الخيرية، لتأسيس « المتاجر الاجتماعية»، التي تشبه إلى حد بعيد «الجمعيات التعاونية» التي كانت منتشرة في دول الكتلة الأوروبية الشيوعية السابقة. صحيح أن «المتاجر الاجتماعية – الخيرية» لن تحل مكان المتاجر الأخرى العادية أو الفاخرة، لكن الصحيح أيضا، أنها دخلت السوق، التي كان «الاقتصاديون الملهمون» يعتقدون – بل ويؤمنون – بأنها لا تخطئ ولا تجلب إلا الازدهار والنمو!. لكن الذي جلبته – السوق وأزمتها العالمية – «استعارة» اجتماعية – غير مرغوبة – من كتلة بلدان سابقة، كان العالم ينظر إليها، على أنها تعيش في كوكب آخر.

الجمعة، 18 سبتمبر 2009

سنة ليست حلوة يا قبيح!





( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")


" كانت الحياة أكثر سهولة عندما كنا نحترم آباءنا وأمهاتنا، وليس بطاقات الائتمان"
الكاتب الأميركي الساخر روبرت أوربن

محمد كركوتــي

وقف وزير المالية الأميركي السابق هنري بولسون قبل عام، أمام مجموعة من الصحافيين في واشنطن، محمر العينين – ليس من فرط البكاء بل من زخم السهر- ليعلن للعالم أجمع، عن انهيار مصرف " ليمان برزرز" الأميركي، وليعزز دخول الإدارة الأميركية آنذاك التاريخ من الباب الخلفي، كأسوأ إدارة ابتلت بها البلاد، ليس سياسيا فحسب بل اقتصاديا. فقد كان هذا الإعلان شبيها بإعلان رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرتشل عن اندلاع الحرب العالمية الثانية، مع الفروقات في الحالتين. فالأول "بشر" بتفجر أزمة اقتصادية عالمية، تحول أمامها "الكساد العظيم" في العام 1929 إلى مجرد "نزهة غير سعيدة"!، ووقف عاجزا أمام تحديد أفق ما لها. والثاني، وضع العالم أمام مسؤولياته ومصيريه، مع تحديد آفاق عامة لهذه الحرب. ولعل هذا ما تسبب في زيادة حجم المصيبة التي نشرتها الأزمة. فأدوات الحل كانت مبعثرة، وحتى لو كانت متجمعة، لم تكن إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن، مؤهلة لاستخدامها. كانت هذه الإدارة تعيش فوضى القرار السياسي – الاقتصادي، أو لنقل كانت غارقة بما يمكن تسميته بـ "تزاحم القرارات"، وهي العدوى التي أصيبت بها من رئيسها "البطل" في "تزاحم الأفكار"، فهو الرئيس الوحيد في هذا العالم، الذي "شرح" ميزانية بلاده في أحد الأعوام بأنها "ميزانية.. لأنها تحتوي على أرقام كثيرة"!!.
لم يكن آلان جرينسبان رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق ( البنك المركزي)، أفضل حال من "متزاحمي القرارات والأفكار". فهذا الرجل الذي يتحمل المسؤولية الأولى على اندلاع الأزمة الاقتصادية المريعة (لقد سيطر على صناعة القرار الاقتصادي الأميركي لمدة تزيد عن 18 عاما)، وقف عاجزا أمام آليات فهمها!. فـ "كلينت ايستوود الاقتصاد" (الرجل تحول مع الأيام إلى نجم اقتصادي، لا إلى رجل اقتصاد)، اعترف بفشله في فهم ما جرى ويجري. ولم يجد غضاضة في القول: "إن هذه الأزمة لا تحدث إلا مرة كل قرن من الزمن"، وبالطبع لم يشر إلى دوره في جعل كل الأجيال يشهدون أزمة بهذه القباحة!، وبهذه الصورة التي لم تغير المعالم فحسب، بل أوجدت معالم اقتصادية واجتماعية وحتى سياسية جديدة، وأثارت قضايا، كان العالم يدعو الله كل صباح أن تبقى في قبرها. ولكي لا أظلم كلينت ايستوود الممثل والمخرج، يجب علي الاعتراف بأن هذا الأخير كان بارعا في مجال تخصصه، بينما قدم "ايستوود الاقتصاد" أبشع صورة للفشل، وأكثرها أذى.
المولودة (الأزمة)، بلغت سنة من "خريفها" لا ربيعها!، ومن حق الأجيال التي اكتوت بنارها، أن تنشد وتقول: "سنة ليست حلوة يا قبيحة". بل من واجب الجميع العمل على وئدها. فهذه الأزمة حملت من "الذنوب" ما يكفي لعدم سؤالها عن أسباب وئدها. نشرت خرابا ومهدت الطريق أمامه. تركت القطار يمضي من دون محطات ولا مكابح، بل أنها تركت السائق في نقطة الانطلاق. دمرت التسامح الذي كان بحده الأدنى. أيقظت المشاعر العدوانية. ضيقت الساحات – الضيقة أصلا -، وسدت الأنفاق التي قد توفر ممرات للخلاص. أوقعت ضحايا بات متخصصوا الإحصاء عاجزين عن حصرهم، فـ "العداد" أصبح أسرع من أن يُقرأ. إنها أزمة حولت العالم إلى ساحة حرب لا قادة فيها.. جنودها إما مهزومين أو مستسلمين!.
لقد ضخت الدول – لاسيما الكبرى منها – في عام واحد أكثر من 3000 مليار دولار أميركي في اقتصاداتها، ليس من أجل حل الأزمة – الحل لا يزال بعيدا – ولكن لحماية مؤسساتها ومصارفها، خصوصا تلك التي ترتبط بصورة غير مباشرة بـ " كرامة " و"وجاهة" حكومات الدول نفسها. وعلى الرغم من عمليات الضخ هذه، ما يزال الخراب منتشرا في كل الأرجاء، ولا تزال المخاوف مسيطرة حتى على أولئك الذين "يحبون" التفاؤل. فهؤلاء يعرفون أن غياب التشاؤم عن الساحة الاقتصادية العالمية في الأعوام التي سبقت الأزمة، ساهم بصورة أساسية في اندلاعها. ولكي تزيد الصورة قاتمة وقباحة، فقد كان "الاقتصاديون الملهمون" يسخرون من الاقتصاديين المتشائمين الذين حذروا من أن الخراب سيأتي، وطالبوا الحكومات – خصوصا التي كانت تمتلك زمام القرار الاقتصادي العالمي – أن تعيد النظر بمبدأ " دعوا السوق تعمل بدون ضوابط، ولا خوف من المشاكل التي قد تحدث فيها، لأن السوق قادرة على تصحيح نفسها"!. ماذا كانت النتيجة؟. لقد انهارت السوق والمصارف والمؤسسات التي كانت تتبجح طوال عقود بأنها لا تقهر، وبأنها أقوى من حكومات كثيرة في هذا العالم. والجواب البليغ جاء في الربع الأول من العام 2009 عندما سجلت الشركات المتعددة الجنسيات التي يبلغ عددها 368 مؤسسة متنوعة، تدهورا في أرباحها بلغت 75 في المئة!.. أين القوة إذن؟!.
ولمزيد من الحقائق عن "الحصون المنيعة".. أغلقت السلطات الأميركية في غضون ستة أشهر فقط 88 مصرفا، وهذا العدد يساوي ثلاثة أضعاف المصارف التي أغلقت في العام 2008. وفي مجال المصارف أيضا.. وأيضا، أغلق "بنك أوف أميركا" 10 في المئة من فروعه البالغة 6100 فرعا. ومن أكبر "الحصون" شركة " جنرال موتورز" التي لم تستطع الصمود في عين عاصفة الأزمة، فـ"سلمت" نفسها للحكومة.. والحكومة التي أخذت تؤمم ما أمكن تأميمه من الشركات، تواجه عجزا في ميزانيتها العامة يصل إلى 1800 مليار دولار، بعد أن فقدت 1300 مليار دولار من ثروتها الوطنية، في الثلاثة أشهر الأولى من العام 2009، مع وصول نسبة البطالة إلى 10 في المئة تقريبا، وارتفاع عدد الأميركيين الذين يعتمدون على "كوبونات الإعاشة" إلى شخص واحد من كل عشرة أشخاص ( بلغ عددهم 34 مليون).، في حين دخل أكثر من 2,5 مليون أميركي دائرة الفقر رسميا، وذلك طبقا لمكتب الإحصاء السكاني!.
هذه الصورة المصغرة للوضع الاقتصادي الأميركي تحت رحى الأزمة، هي نفس " اللوحة" في بعض بلدان العالم المتناغمة اقتصاديا مع الولايات المتحدة، ولكنها حلت بوقع أشد على بقية الدول التي لا تمتلك مقدرات القرارات الاقتصادية الكاملة. فقد "ارتكبت" الأزمة جريمة وصول عدد الذين يعانون من الجوع – لا الفقر – حول العالم إلى 1,02 مليار جائع. وعلى الرغم من الزيادة المتواضعة لمستوى الدعم المقدم لصندوق النقد والبنك الدوليين، إلا أن مساعدات الدول المانحة تراجعت بصورة مخيفة، ودمرت الكثير من مخططات التنمية. بل أن الأزمة ضربت ما يعرف بـ "أهداف الألفية" التي وضعتها الأمم المتحدة في العام 2000 لخفض عدد الجياع والأميين إلى النصف بحلول العام 2015. كيف يمكن تحقيق هذه الأهداف، وستضيف الأزمة بحلول العام 2009 أكثر من 59 مليون عاطلا عن العمل حول العالم، بعد أن تراجع حجم الاستثمارات الخارجية في الدول النامية بحدود 30 في المئة، وانخفضت التحويلات للدول نفسها بنسبة 20 في المئة!. ماذا ارتفع في المقابل؟. حجم "صناعة البغاء"، وعمليات تشغيل الأطفال حتى في الدول المتقدمة ( الراشدة)!.. بل ارتفع معدل "الاتجار بالبويضات الأنثوية"!، وعدد العائدين إلى بلدانهم الأصلية، من البلدان التي كانوا يعملون فيها. مهلا.. مهلا، في "قطاع الارتفاع" – إن جاز الوصف - انضم المحتالون بدءا بالأميركي برنارد مادوف، ولكن من دون نهاية لهم. فقد أخذوا بالظهور في كل الأرجاء، بما في ذلك في المنطقة العربية، إنهم مثل السرطان، الكل يعرف أن يظهر، لكنهم لا يعرفون كيفية القضاء عليه.
يقول الرئيس الأميركي باراك أوباما:" لقد أطفأنا الحريق، لكن الاقتصاديين – لاسيما أولئك العاملين في وول ستريت – لم يبدوا ندما على ما حدث، بل أنهم لم يتعلموا من الأزمة".
وليس لدي تعليقا على كلام أوباما، سوى : يا إلهي.. هل يخططون لارتكاب أزمة جديدة، بينما لا تزال "جثث" ضحايا الأزمة الراهنة في مسرح الجريمة؟!!.

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2009

أخلاق مصرفية .. لا تُصرف!


( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية" )
«العالم يحترق بنار الرغبة في الجشع والغطرسة والأنانية»
الفيلسوف الهندي سري جورو جرانث
محمد كركوتــي
للشاعر الأمريكي روبرت فروست تعريف بليغ للمصرف (البنك). فهو يقول: ''إن المصرف هو المكان الذي يقرضك مظلة في الطقس الصافي، ويطالب باسترجاعها عندما يبدأ المطر بالهطول''!. وإذا كان هذا التعريف ينطبق على عملاء المصرف – ولا سيما المقترضين من أجل الضروريات لا الكماليات - إلا أنه لم يكن قابلا للتطبيق على مديريه، فهؤلاء هم الذين يقررون استعادة المظلة في اليوم الماطر. من الصعب أن تجد عميلا لمصرف ما ''هائما في حبه''، وفي المقابل.. من السهل العثور على عميل، يمكنه أن يستعرض أمامك جملة من السلبيات عن مصرفه، مع مسحة ''كراهية'' توازي هذه السلبيات حجما. وبسبب تغير الآليات - بل والثقافة المصرفية - التي كانت سائدة منذ 20 عاما، وحتى اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية في أيلول (سبتمبر) من عام 2008، تغيرت مسببات الجفاء المعهود بين العميل ومصرفه، من التشدد في منح القروض، إلى توريط العميل في الحصول عليها، دون - طبعا - إغفال ''شهوانية'' العميل للاقتراض، وجشعه في الحصول على الأموال التي يعرف - والمصرف يعرف معه أيضا - أنه لا يستطيع إعادتها!.
وبعيدا عن هذه العلاقة المريضة، التي تراجع حراكها، مع تقدم الأزمة الاقتصادية العالمية، فإن حالة مديري المصارف – ولا سيما الكبرى منها - أصبحت شبيه بحالة عملائهم. فالمظلات التي استعادوها في اليوم الماطر، سيتخلون عنها عنوة في اليوم الماطر والعاصف أيضا، الذي اختفت فيه حتى الملاجئ!. ولأن الوضع كذلك، فإني أستطيع أن ألمح ''ابتسامات'' العملاء المكبلين بالقروض - غير الميسرة - وأولئك الذين تُركوا على قارعة الطريق، يحاولون العثور على ملاجئ تقيهم الأمطار الرعدية والبرقية وزوابعها. فـ ''الإنفلونزا'' المؤكدة التي سيصابون بها، سيتابعونها في تحركها لإصابة المديرين أنفسهم. لماذا؟.. لأن ''المظلات'' آخذة في التجمع بأيدي الحكومات، التي أصبحت شريكة في بعض المصارف، وصاحبة رأس المال الأكبر - والكلي - في بعضها الآخر، عندما تدخلت - وتتدخل - لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه المؤسسات المالية.
لقد انتقل ميدان ''الأخلاقيات المصرفية'' التي لا تُصرف، من ساحة المصارف والعملاء، إلى ساحة المصارف والحكومات. فالتدخل الحكومي الذي كان مُحرما في مصارف الدول الغربية بشكل عام، بات ضروريا في الوقت الراهن. ليس فقط بسبب الأموال الحكومية - أموال دافعي الضرائب - التي ضخت في هذه المؤسسات، بل أيضا من أجل أن يتوصل العالم أجمع - وليس الدول الغربية فقط - إلى وضع نظام مالي عالمي جديد، على رأس أولوياته، التعلم من عِبر الأزمة التي فاقت كل الجامعات في زخم دروسها. ومن ضمن الملفات التي وضعت على الطاولة، ملف لا يوجد مدير مصرف واحد يريد فتحه، وإن تمكن من حرقه لن يتردد لحظة واحدة. ملف يعج بوثائق الجشع والغطرسة والأنانية، من المستحيل العثور فيه على ورقة واحدة ترتبط بالأخلاق. إنه ملف مكافآت ورواتب مديري ورؤساء المصارف. فهذا الملف دخل التاريخ مرتين. في المرة الأولى: من هول المكافآت والرواتب الضخمة التي يصرفها المديرون لأنفسهم. وفي المرة الثانية: لأنه وُضع لأول مرة، ضمن نطاق مباحثات ومفاوضات، الدول التي أخذت زمام المبادرة الاقتصادية العالمية، من خلال ''مجموعة العشرين''. فحتى المجموعات والكيانات الدولية التاريخية المعروفة الأخرى ( مجموعة السبع والثماني، والاتحاد الأوروبي وغيرها)، لم تُقدم في السابق على مثل هذه الخطوة. لقد كانت الحصانة المريعة التي تمتعت بها هذه المصارف والمؤسسات المالية، على مدى عقود من الزمن، سببا رئيسيا في الدمار الاقتصادي الذي يعيش فيه العالم الآن.
تتحرك فرنسا ومعها كل دول الاتحاد الأوروبي - ما عدا بريطانيا - لسن قانون دولي من خلال ''مجموعة العشرين'' في قمتها التي تنعقد في الولايات المتحدة أواخر شهر أيلول (سبتمبر) الجاري، يضع حدا أقصى لرواتب ومكافآت مديري المصارف. والتحرك الفرنسي جاء عمليا في أعقاب إجراءات وضعتها حكومة الرئيس نيكولاي ساركوزي، وقبلتها البنوك الفرنسية لتقليص هذه الرواتب والمكافآت، لا سيما تلك التي تدفعها المصارف لمضاربيها، أو لنقل إلى ''مقامريها''. لكن في بريطانيا وجهة نظر أخرى، وإن تماشت مع التحرك الفرنسي في خط، إلا أنها ليست كذلك في خط آخر. فرئيس الوزراء جوردون براون، تعهد باتخاذ إجراءات صارمة بشأن المكافآت المبالغ فيها في إطار مسعى دولي، ويعتبر أن الرواتب والمكافآت يجب أن تُمنح على أساس النتائج على المدى الطويل، وليس وفق معايير المكاسب عن طريق المضاربات، بل ويمضي أبعد من ذلك بمطالبته بضرورة أن تُسترد المكافآت إذا ما تدهور الأداء في الأعوام اللاحقة. وهذا ''جميل جدا''، لكن الجانب ''غير الجميل''، هو أن براون، لا يرغب في وضع حد أقصى للمكافآت بشكل عام!. ولا شك في أن رئيس الوزراء البريطاني أراد بموقفه المتباين مع موقف الرئيس الفرنسي، أن يحافظ إلى أقصى مدى على وضعية لندن كأهم مركز مالي أوروبي، لكن غاب عنه، أن الأزمة الاقتصادية العالمية، غيرت كثيرا من الأساسيات، وقلبت كثيرا من الثوابت التي كانت قائمة قبلها. والغريب أن الإدارة الأمريكية تقف إلى جانب الحكومة البريطانية في موقفها هذا، على الرغم من أن الولايات المتحدة، كانت من أكثر الدول اكتواء من لهيب هذه المكافآت والرواتب و''بقشيش'' السمسارة!.
والأغرب من هذا، أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما نفسه، لم يتوقف عن مهاجمة مديري المصارف، بسبب مكافآتهم الهائلة التي يمنحونها لأنفسهم، ومن عدم تعلمهم من دروس الأزمة. والواقع أن الوقاحة بلغت أعلى مستوى لها عند مديري المصارف والمؤسسات المالية الأمريكية، عندما صرفوا لأنفسهم أكثر من 19 مليار دولار أمريكي كرواتب ومكافآت.. وماذا أيضا؟.. حوافز! عن عام 2008، الذي انفجرت فيه الأزمة الاقتصادية، بل إن حجم هذه الأموال، لم يتراجع حتى في ظل الضخ المالي الحكومي في المصارف والمؤسسات المالية!. فهذه '' القطط'' (المديرون المصرفيون) تسمن في وقت يعاني فيه العالم أجمع ''من سوء التغذية''، وتتضخم في زمن تتقزم فيه مؤسساتها!. والحالة نفسها تقريبا في بلد كبريطانيا. فلا تزال قصة المدير السابق لمصرف ''بنك أوف اسكوتلاند'' فريد جودوين الذي رفض التنازل عن راتبه التقاعدي مدى الحياة البالغ مليون دولار أمريكي سنويا، رغم أن مصرفه مني بخسائر في عام 2008 بلغت أكثر من 34 مليار دولار أمريكي.. لا تزال هذه القصة تدور في الأروقة والساحات. ولمزيد من الدهشة، فإن خسارة هذا المصرف هي الأكبر على الإطلاق في تاريخ المؤسسات المالية البريطانية، يضاف إليها 400 مليار دولار، هي عبارة عن ديون مشكوك في تحصيلها، بل لنقل ''ديون معدومة''.
والذي يزيد من غرابة موقف رئيس الوزراء البريطاني الرافض لوضع حد أقصى لرواتب ومكافآت المصرفيين، أنه هو نفسه قال: ''أنا مستعد لتقليص راتبي ولا أخشى عليه. وإذا ما تم الاتفاق على تطبيق ذلك على الجميع، فسأكون مستعداً بالكامل لهذه الخطوة. فأنا لا أقوم بعملي الحالي في سبيل المال''. مرة أخرى.. إنه كلام جميل، خصوصا وأن جوردون براون، ليس من أولئك السياسيين الماكرين، لكن الكلام سيكون أجمل، لو تعاون هذا الأخير مع قادة الدول الساعية، لوضع حد لجشع مديري المصارف. وخطوة مثل هذه ستخفف آلام الأزمة الاقتصادية في مجتمعات، شهدت تصاعد قوة المصارف الكبرى، لتتوازى في بعض الدول مع قوة الحكومات نفسها. إن تحديد مستوى الرواتب والمكافآت في القطاع المصرفي، لم تعد داخلية أو محلية أو وطنية، لقد أصبحت عالمية، لأنها - أي المصارف والمؤسسات المالية - قدمت أزمة اقتصادية لا شبيه لها في التاريخ الحديث، والذي يرضي الرأي العام حاليا، هو كبح جماح المديرين المصرفيين، بعدما تم كبح جماح الأدوات المصرفية التي كانت محصنة من الضوابط والشكوك والمساءلة. والخلاف البريطاني - الأوروبي حول هذه القضية، سيدفع الرئيس الفرنسي للحديث مجددا، عن الدور المدمر للنظام الاقتصادي ''الأنجلو سكسوني''، الذي ذوبته الأزمة الاقتصادية، ومنحت صنع القرار لـ ''مجموعة العشرين''، ليس فقط لتأسيس نظام مالي عالمي جديد خال من الشوائب والريبة، ومن مبدأ ''دع السوق تصحح نفسها''، بل لتحديد مستوى معاشات مديرين يكافئون أنفسهم حتى على الفشل!!.

السبت، 5 سبتمبر 2009

لا جدار أمام الأخلاق



(هذا المقال خاص بموقع " سي إن بي سي عربية")

* في الصورة: محمد كركوتي أمام الجدار القبيح

"الفلسطينيون وحوش تمشي على قدمين"

رئيس وزراء إسرائيل السابق مناحيم بيجين

محمد كركوتــي

عندما وضع أرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل "المغمى عليه"، حجر الأساس لأبشع جدار عرفه التاريخ، بما في ذلك جدار برلين الشهير، لم يكن يسعى فقط للوقاية من الهجمات الفلسطينية، بل كان يعمل على تقسيم الشخصية الفلسطينية نفسها، وتحويل معاناة الفلسطينيين إلى "سلوك" يومي متواصل. فهو يعلم – قبل أن يغيب عن الوجود وهو موجود! – أن الجرح الداخلي أقبح وأكثر ألما وفظاعة من الجرح الخارجي. لقد أقيم الجدار داخل النفس الواحدة معنويا! وداخل المنزل الواحد جغرافيا، وفي حين فشل شارون في فصل النفس الواحدة عن بعضها البعض، نجح في فصل المنزل الذي مر منه الجدار عن مطبخه وعن صالة الجلوس!، مع فشل العالم – بما في ذلك الأمم المتحدة- في الوقوف أمام تمدد الجدار، ومستوى ارتفاعه. فقد تجاوزت "هامة" هذا الجدار العنصري القبيح، هامات دول بأكملها.
نقاط العبور عبر الجدار التي هي عبارة عن مواقع عسكرية كاملة توزع المهانة اليومية، والأسلاك الشائكة على قمته تنشر الذل، وأبراج المراقبة تشبه تلك التي كانت منتشرة في سجن "سان كوانتن" San Quentin الأميركي الرهيب، الذي كتب عنه المغني الأميركي الراحل جوني كاش أغنية قال فيها : "سان كوانتن أنا أكره كل إنش فيك". تصاريح العبور( يلفظها الإسرائيليون: تصاريخ) التي يحتاجها الفلسطينيون يوميا للنفاذ من منطقة "المطبخ" إلى "الصالون"، هي مصيبة يومية، وفي الوقت نفسه هي ساعية ( نسبة للساعة)، لأنها تمنح بالدقائق لا بالأيام!.
هذا الجدار العنصري المذل المريع، شارك في توفير مواده بعض من رجال الأعمال الفلسطينيين، وبعض هذا البعض تبوأ مناصب عالية في السلطة الفلسطينية القاصرة في السنوات القليلة الماضية. وفر هؤلاء الحديد والاسمنت وحتى المياه، لرفع الجدار مدماكا إثر مدماك، ولبناء أبراج المراقبة المطلة على الشعب الفلسطيني السجين. لم يكن شارون يريد أكثر من ذلك. فقد استطاع إشراك السجين في بناء سجنه!.. تماما مثل بعض الاتفاقيات الإسرائيلية – الفلسطينية، التي نصت على " أن يعتقل الفلسطينيون أنفسهم"!. وبذلك حقق هذا "المغمى عليه"، أبشع أنواع التطبيع.
أمام هذا الوضع المشين، تظهر على الساحة مَن؟.. النرويج التي أعلنت حكومتها قبل أيام: أن صندوق ثروة البلاد البالغة قيمته 400 مليار دولار أميركي، استبعد التعامل مع شركة "البيت سيستمز" الإسرائيلية لتوريدها تجهيزات مراقبة للجدار العازل في الضفة الغربية المحتلة. أي أنها رفضت التعامل حتى مع شركة مراقبة، لا شركة بناء!. وقالت وزيرة المالية كريستين هالفورسن: "إننا لا نرغب في تمويل مؤسسات تشارك بهذا الشكل المباشر في انتهاكات للقانون الإنساني الدولي". لقد استندت النرويج إلى قرار محكمة العدل الدولية القاضي بأن هذا الجدار القبيح ينتهك معاهدة جنيف الرابعة. وبذلك عزز "صندوق ثروة النرويج" مبادئه الأخلاقية في التعاطي مع المؤسسات والشركات المختلفة. فهو يلتزم - وأوفى بالتزامه - بمبادئ استرشادية أخلاقية، أصدرتها وزارة المالية. وسبق للصندوق نفسه أن استبعد شركات تنتج أسلحة نووية أو ذخائر عنقودية أو تلحق أضرارا بالبيئة أو تنتهك حقوق الإنسان أو العمال.
لقد قررت أن أخوض شخصيا " رحلة الجدار"، عندما كنت مشاركا في مؤتمر " الاستثمار في فلسطين" الذي عقد في بيت لحم قبل عام ونصف العام. وخبرت المهانة اليومية التي يتعرض لها الفلسطيني كل يوم، في العبور عدة أمتار من طرف الجدار إلى طرفه الآخر. الرشاشات فوق الرؤوس، والكاميرات حول الأجساد، و"التصاريخ" في الأيدي مع أحزمة البنطلونات، بل البنطلونات نفسها تتحول إلى "يدوية" في نقاط العبور. جندية شقراء جميلة، سألت فلسطينيا كان بجانبي، عن سبب "عبوره"، فرد عليها: أنه يريد أن يزور ابنته، التي لم يلتقيها منذ بناء الجدار!، بينما لو كان رفع صوته مناديا عليها من وراء الجدار لسمعته وردت عليه!. لن أتحدث عن آلاف العمال الذين يعبرون أمتارا لا تزيد عن عشرين، في ظرف ثلاث ساعات وأكثر، علما بأن " التصاريخ" ليس من الضروري أن تضمن العبور. ولن أتحدث عن التخريب البيئي الذي ارتكبه الجدار، ولن أتحدث عن الآثار الصحية المدمرة التي يتركها عند الفلسطينيين، ولا عن شح المواد الغذائية الأساسية. فهذه قضايا تحتاج إلى "مجموعة العالم" لتناولها، لا مجموعات السبع ولا الثماني ولا العشرين ولا حركة عدم الانحياز ولا غيرها من مجموعات عالمية.
لكني لا أستطيع إلا أن أنحني أمام الحكومة النرويجية وأخلاقياتها الآتية من أقصى شمال الكرة الأرضية، وأقف بهامتي أمام أولئك الذين حملوا أكياس الاسمنت وقضبان الحديد، ليس من أجل بناء مدرسة أو مستشفى أو حتى متاريس.. بل من أجل بناء سجن ليُعقتلون فيه . إنهم مثل الوثنيين الذي يصنعون الأصنام ليعبدونها!.

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2009

مهاجرون في ظل "قومية إقليمية" مهزوزة!




(هذاالمقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

"علينا أن نتذكر دائما نحن جميعا.. أنت وأنا شخصيا، ننحدر من مهاجرين وثوار"
الرئيس الأميركي الراحل فرانكلين روزفلت

محمد كركوتــي

في كتابي الذي صدر في يونيو/ حزيران الماضي تحت عنوان " في الأزمة"، كتبت في أحد فصوله، عن بزوغ ما يمكن تسميته بـ " القومية الاقتصادية"، من جراء الأزمة الاقتصادية العالمية، التي لم تغير آليات الحراك الاقتصادي فحسب، بل أطلقت العنان للمشاعر القومية (والمحلية) بصورتها السلبية، وأعادت التطرف إلى الانتماءات الوطنية في دول، كانت – قبل الأزمة- تفتخر بأن وطنيتها الحقيقية " الجميلة" ، تكمن في عمق الانتماء الإقليمي لها، وكانت تقر أن الانغماس في "وطنية عصبية"، لا يسبب أضرارا للكيان الإقليمي، بل يصيب هذا البلد المتعصب بأضرار فادحة، في مقدمتها، عدم الاستفادة من السوق الكبيرة المفتوحة أمامه، بالصورة التي تستفيد منها البلدان الأخرى، ذات " القومية الإقليمية" – إن جاز الوصف - . في منظومة ضخمة كالاتحاد الأوروبي تنعم بأكبر اقتصاد في العالم ( الناتج الوطني السنوي لدول الاتحاد يبلغ 18,394,115 مليار دولار أميركي، من أصل الناتج الإجمالي العالمي البالغ 60,689,812 مليار دولار) بات الإيطالي– بعد الأزمة – الذي يعمل في شركة فرنسية تزاول نشاطاتها في بريطانيا مقتنصا لفرصة عمل بريطاني. والبرتغالي الموظف في شركة بريطانية في أسبانيا، يبعد أسباني عن وظيفة. والمزارع الروماني الذي يحرث بستانا في اليونان، يضع الفلاح اليوناني في قائمة ملتقي إعانات البطالة. وحتى السمسار البريطاني في بورصة لندن، يصعب عليه تخفيف نظرات الكراهية لكل السماسرة الفرنسيين والبلجيكيين وزملائهم من غير البريطانيين العاملين في هذه البورصة. فهؤلاء قد يحصلون على وظيفته، في خضم التزاحم اليومي في ميدان السوق. فما كان مقبولا قبل الأزمة، أصبح مكروها بعدها، والمشاعر تجاه الجار – وحتى الشريك – لن تكون بمعزل عن ذلك.
وإذا كانت هذه التحولات مشينة في منظومة تنص اتفاقياتها على معاملة البريطاني في فرنسا.. كفرنسي، واليوناني في النمسا.. كنمساوي، واللكسمبورجي في إيطاليا.. كإيطالي، والفنلندي في ألماني.. كألماني، فإنها ليست بهذا الزخم المشين عندما ترتبط بمهاجر قادم من آسيا أو الشرق الأوسط أو أفريقيا، أو حتى من بعض دول الكتلة الشرقية الأوروبية، التي لم تنغمس دستوريا بعد في هيكلية الاتحاد الأوروبي. صحيح أن هناك اتفاقيات دولية تنظم وضعية المهاجرين – بشكل عام – وصحيح أن الدول الراشدة - والأوروبية منها – لن تتجاوز هذه الاتفاقيات، إلا أن الصحيح أيضا، أن الاحتياجات الاقتصادية والبشرية في الدول الحاضنة لأكبر عدد من المهاجرين، تغيرت، بفعل الأزمة العالمية، وبدأت تسن القوانين التي تحد من الهجرة، أو على الأقل التشريعات التي "تغربل" المهاجرين. فالذي تحتاجه الآن، مهاجرون مؤهلون، لا مهاجرين متطفلين يسعون فقط إلى حياة أفضل، من تلك التي يعيشونها في بلدانهم الأصلية. ففي بلد كبريطانيا - معروف بالتسامح والتساهل مع المهاجرين- بدأ صناع القرار فيه، بوضع مخططات جديدة لتشديد شروط الهجرة والجنسية. والشروط التي كانت مطلوبة بالأمس، لم تعد صالحة لليوم وللغد. وبريطانيا التي كانت مصدرة للقوانين والتشريعات على مستوى العالم، قررت استعارة بعض تشريعات الهجرة الأسترالية. والقوانين الجديدة تضع العاملين الأجانب – وحتى الطلاب! - ضمن تصنيفات تتعلق بمؤهلاتهم وأعمارهم، ومدى حاجة البلاد إلى مهاراتهم في إطار السعي لضبط عملية تدفق الأجانب الباحثين عن عمل. وحسب المشرعين البريطانيين، فعندما تشهد البلاد أزمنة اقتصادية عصيبة، ينبغي إعادة النظر في كل شيء، وفي أي شيء، لكي تتمكن الحكومة من الاستجابة بمرونة وفاعلية لتغير الاحتياجات الاقتصادية للبلاد.
في بريطانيا يصل عدد المهاجرين إلى 5 ملايين مهاجر، أي ما يوازي 7,9 في المئة من مجموع عدد السكان البالغ 59 مليون نسمة. ويصل إلى البلاد يوميا أكثر من 1500 مهاجر من مناطق، تعاني غالبيتها من الفقر والتخلف والفساد والحروب والصراعات القبلية. والحق أن بريطانيا وضعت منذ سنوات سياسة متشددة – لا قوانين جديدة واضحة - بشأن الهجرة. فقد اتبعت "سياسة العراقيل" أمام الراغبين بدخول البلاد والعيش فيها، باستثناء من يتمتعون بمهارات عالية من العمالة الأجنبية. والواقع أن السياسة المتشددة هذه، لم تنطلق لأسباب اقتصادية، بل لأسباب أمنية، مع اشتداد خطر الإرهاب البغيض عليها. فالإرهابيون شوهوا الوجه البريطاني المتسامح حيال المهاجرين واللاجئين بشكل عام، تماما كما شوهت الأزمة الاقتصادية العالمية، المشهد الاقتصادي الذي كان سائدا قبلها، وبعثرت مشاعر الإنسان، كما عبثت بإنسانية المكان. وبعيدا عن الإرهاب الذي يجب أن يحارب بكل الوسائل، بصرف النظر عن مبرراته، فإن قوانين أو نظام الهجرة البريطاني الجديد، يتعرض لانتقادات حادة من جانب لجنة من المشرعين. فهذا النظام يركز على المؤهل العلمي فقط، لاستقطاب هذا المهاجر أو ذاك، بينما يعتقد المشرعون المعترضون أن هذا التركيز يأتي على حساب عوامل أخرى، في مقدمتها القدرة على العمل أو الخبرة المكتسبة، إلى جانب طبعا انتقادات أرباب العمل، الذين اعتبروا أن نظام الهجرة الجديد والتعديلات المقترحة عليه، يحول دون تمكنهم من جلب وتوظيف العمالة الماهرة الضرورية، وغير المتوفرة في الساحة المحلية.
من المؤكد أن الصراع التشريعي سيتواصل في بريطانيا، فهذا البلد لا يصدر عادة قوانين وتشريعات ارتجالية سرعان مع يضطر واضعوها إلى إلغائها وإطلاق المبررات المضحكة، خصوصا في البلدان التي لا تعاقب المخطئين – وحتى الفاشلين – بل تمنحهم الترقيات!. والحقيقة أنه حتى قبل إقرار التشريعات الجديدة الخاصة بالهجرة والعمل والتحصيل العلمي، بدأت أعداد من المهاجرين مغادرة بريطانيا طوعا. وطبقا لـ " معهد أبحاث السياسة العامة" البريطاني فإن عدد هؤلاء سيصل إلى مليون مهاجر في غضون السنوات القليلة المقبلة بسبب الأزمة الاقتصادية. وحسب دراسة للمعهد نفسه، سيغادر البلاد كل عام 200 ألف مهاجر على الأقل في غضون الخمس سنوات المقبلة. وإذا ما اعتبرنا أن أبناء دول الكتلة الشرقية الأوروبية السابقة من المهاجرين ( عمليا هم من مواطني الاتحاد الأوروبي) فقد بلغ عددهم في السنوات الماضية في بريطانيا أكثر من 1,1 مليون نسمة، لكنه في أعقاب الأزمة، غادر منهم ما يقرب من 550 مليون نسمة. وهذا يعني أن هذا البلد الذي يتميز بقدرات جاذبة للمهاجرين الوافدين – مقارنة بالبلدان الأوروبية الأخرى – بدأ بالتحول إلى بلد "هجرة معاكسة".
يقول رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرتشل: " الأمم القوية لا تكون عادلة، ولكن عندما تريد أن تصبح عادلة، تكون قد فقدت قوتها"!. ولا شك أن قوة بريطانيا – كغيرها من الدول الكبرى المنكوبة من الأزمة الاقتصادية – لم تعد كما كانت، والمؤشرات كلها تدل على أنها لن تعود إلى وضعيتها ما بين فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية والأزمة الاقتصادية الراهنة. بل أن الكبار فقدوا بعضا من "عدة" صنع القرار الاقتصادي العالمي. لماذا؟. لأن الأوقات تتغير.. وتتغير معها المتطلبات والآليات، وحتى المبادئ والمشاعر. وإذا كانت بريطانيا المتسامحة، تمضي في هذا الطريق، يمكننا أن نتصور أشكال التعاطي مع المهاجرين والعمالة الوافدة في بقية بلدان العالم. والدول التي "تستعيد" عمالها ومواطنيها في هذا الوقت بالذات، تحتاج إلى خطط إنقاذ جديدة، ليس فقط من أجل احتواء العاطلين – العائدين، بل من أجل توفير الحصانة للمجتمع بأكمله. فالغالبية العظمى من هؤلاء لا يعودون كمستثمرين، ولا كرجال أو سيدات أعمال.. يعودون باحثين عن فرص عمل، ينتظرها في " الطابور" الملايين من أولئك الذين لم يستطيعوا مغادرة بلادهم.