الجمعة، 13 يوليو 2012

زعيم مطابع الليرة السورية بشار الأسد

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


     "لا يمكنني توفير المال بطرق حقيرة"
                                                                      وليام شكسبير أديب إنجليزي 

كتب: محمد كركوتـــي
كما أنه لا يعترف بوجود ثورة شعبية عارمة ضده وضد نظام سحق سورية وشعبها لمدة تزيد عن أربعين عاماً، كذلك لا يعترف بشار الأسد سفاح هذا البلد المسحوق، بوجود أزمة اقتصادية مالية هائلة حالكة متداعية فظيعة في حاضرها ومستقبلها، تنشر الخراب في كل مكان. وإذا قرر التنازل والاعتراف بوجود شيء من هذا القبيل، فالسبب الوحيد يعود إلى تلك العقوبات المفروضة عليه، ولا دخل هنا للنهب التاريخي والسرقة المنظمة والاختلاس الاستراتيجي لأموال ومقدرات الشعب السوري، بما في ذلك المساعدات، بل وحتى القروض التي اقتُنصت باسم هذا الشعب. ولأن المال يُكلف كثيراً في الحالة العامة العادية، علينا أن نترك لأفكارنا ومخيلاتنا، تقدير هول تكاليفه في الحالة التخريبية الممنهجة والمستدامة. وفي سورية.. المال كما الحرية، فكلاهما منهوب مسروق مملوك لنظام وحشي التكوين، وهمجي المعايير، وطائفي الأدوات.
عندما أعلنت عصابة الأسد الاقتصادية (مضطرة) عن طرح أوراق نقدية جديدة للتدوال، تمت طباعتها بلا أدنى غرابة في روسيا.. كانت في الواقع تعلن عن موجة جديدة من هذه الأوراق. فهذا النوع من النقود التي لا تحمل قيمة سوى سعر الأوراق التي طُبعت عليها، أغرقت سورية على شكل موجات انطلقت منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي، ولن تنتهي حتى ينتهي نظام الأسد إلى الأبد، لأن ذلك جزء أصيل من اقتصاد الخراب. أما لماذا "أعلنت مضطرة"، فلأن هذه الأوراق النقدية من الليرة السورية، ليست للتخزين بل للتدوال، وبالتالي لا يمكن طرحها تمريراً ولا تسريباً. والحقيقة أن هذا النظام القاتل، أقدم بالفعل في الشهر التاسع للثورة الشعبية العارمة التي تجتاح سورية، على طباعة كميات كبيرة من أوراق النقد محلياً، لكنه فوجىء بأن جودتها الطباعية (لا قيمتها الحقيقية) لم تكن بالمستوى الذي يمكن أن يساعد في تسويق عملة تُطرح بلا سند أو رصيد أو غطاء اقتصادي مالي ما. لكن مهما ارتفع مستوى فخامة الطباعة وجودتها، تبقى الأوراق الجديدة المطروحة مجرد أوراق ملونة، وأفضل ما فيها أنها لا تحتوي على صورة لسفاح سورية الأول حافظ الأسد (ولا الثاني والأخير بشار الأسد) كما هو حال ورقة الألف ليرة المنحوسة بصورته، والمتراجعة بسرعة "أولمبية" في قيمتها.
ولأن الأسد يكذب انطلاقاً من "مفهوم" استراتيجي خاص (بل وشخصي) لا مثيل له في التاريخ الحديث، فقد حاول ترويج الأوراق النقدية الجديدة، على أنها مطروحة كبديل لتلك القديمة المتهالكة. لكن الأمر ليس كذلك، ولن يكون. فقد وصل الاقتصاد السوري (هذا إن استحق التوصيف الوطني) إلى منتصف الطريق الذي وصل إليه اقتصاد زيمبابوي (مثلاً)، ويسير بسرعة فائقة ونادرة نحو الهلاك. والعملية برمتها تهدف إلى دفع رواتب العاملين في القطاع العام، وتسديد النفقات الحكومية المختلفة. لماذا؟ لأن الأسد (وعصاباته) أفرغوا مبكراً خزائن البنك المركزي، في سياق إفراغ البلاد من كل مقدراتها. ومع ذلك، هناك أسباب أخرى للجوء الأسد إلى طباعة عملة بلا رصيد. في مقدمتها طبعاً، شح السيولة الخاصة بالإيرادات التي يتم تحصيلها عن طريق الخدمات والرسوم الحكومية والضرائب. ففي غضون العام الأول من الثورة الشعبية، تراجعت هذه الإيرادات بنسبة 50 في المائة، وهي مستمرة في التراجع بأشكال مختلفة. يضاف إلى ذلك التوقف التام للاستثمارات الأجنبية في سورية، وشلل حركة الإنتاج بشكل عام، فضلاً عن توقف شبه تام للحراك السياحي في البلاد.
سيواصل سفاح سورية طباعة المزيد من الأوراق النقدية بلا سند أو رصيد. وهو بذلك يسرق مستقبل البلاد، في إطار سرقته لماضيها وحاضرها. فقد أقدم قبل أربعة أشهر تقريباً على طرح سندات خزينة للبيع، ويقوم حالياً باستكمال عمليات بيع ثروة سورية من الذهب في دول يسيطر عليها قطاع طرق، لا مسؤولين اقتصاديين. والأوراق النقدية الجديدة لا توفر إلا الهموم والمصائب، في بلد يكتوي شعبه بفظائع يومية، باتت مقابلها مثيلاتها السابقة في التاريخ الحديث مجرد رحلات ربيعية. لنستعرض بسرعة الانهيار المنهجي لليرة السورية منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، من جراء السرقة والنهب، وبالتالي الاضطرار التخريبي لطباعة أوراق نقدية بلا قيمة. في عام 1986 كان الدولار الأمريكي يساوي 12 ليرة، وبعدها بأربع سنوات بلغ 48 ليرة، ليصبح في عام 1995 أكثر من 52 ليرة! وقبل ثلاثة أشهر بلغت قيمته لعدة أيام  (داخل سورية) قرابة 130 ليرة، وهو يتأرجح الآن ما بين 90 و100 ليرة. في حين كان الدولار في عام 1970 (عندما وصل الأسد الأب إلى السلطة) يساوي 3,90 ليرة سورية.
يقول جوش بيلينج الكاتب الفكاهي الأميركي "طريق الخراب يكون دائماً جيداً في تشييده، والعابرون يدفعون تكاليف التشييد". بشار الأسد لن يعبر أبداً بعد الفظائع التي ارتكبها ويرتكبها بحق الشعب السوري والإنسانية. ومع ذلك فإنه سيترك للعابرين الحتميين هموماً اقتصادية، سيعيشون فيها إلى جانب ذكريات فظيعة، ستعجز حتى المصائب عن محوها. إنها ذكريات سيكون نيسانها ترفاً. 

الجمعة، 22 يونيو 2012

الجبهتان الفرنسية والألمانية في معركة اليورو

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





     "لا أحد في أوروبا سيُهمَل، لا أحد في أوروبا سيُعزَل. أوروبا ستنجح إذا ما عملنا كلنا مع بعضنا البعض"
                                                                                       أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا

كتب: محمد كركوتـــي
تستطيع أنجيلا ميركل أن تحاجج من يرغب في الجدل معها، بأنها لا تزال ملتزمة بما قالته عن أوروبا، قبل أن تدخل هذه القارة في نفق الديون الملتهب (لا المظلم). فهي أعلنت أن أحداً في أوروبا لن يُهمَل ولن يُعزَل، لكن قبل أن تورط نفسها كثيراً في كلام حاسم قاطع لا مجال للمراوغة فيه أو الالتفاف حوله، أسرعت لتقول (قبل الأزمة مرة أخرى)، بأن نجاح أوروبا لا يتم إلا بالعمل الجماعي. وهذا التعبير الأخير، هملامي فضفاض، يوفر مساحات للجدل الذي عادة ما يقدم أفضل المحاور لإضاعة الوقت بل وهدره. فلا توجد صيغة واحدة جاهزة للعمل الجماعي (أي عمل)، لأنه في الواقع نتاج حلول وسط، وفي بعض الأحيان هو وليد تنازلات وتراجعات، وفي أحيان أخرى، يأتي في سياق إهانات، إن وجد من يقبلها على نفسه، وفي الحالة الأوروبية، إن ظهر من يقبلها على بلاده. ولأن الأمر كذلك، لم تعلن ميركل (على سبيل المثال) اتفاقها مع ما قاله الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك قبل سنوات، الذي اعتبر أن بُنية أوروبا، هي فن، ليسرع في القول "إنه فن الممكن".
لا شك في أن ميركل ترغب في تكريس "فن الممكن" في البنية الأوروبية، لكن وفق معاييرها الخاصة، واعتباراتها السياسية الداخلية. ولأن الأمر ليس سهلاً، على الرغم من قدرات بلادها الإنقاذية لعدد من الدول الأوروبية المتهاوية، فليس أمامها سوى التمسك بـ "العمل الجماعي". ولكن مهلاً، هل يفهم الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، آليات ومعايير العمل الجماعي الذي تسوقه المستشارة الألمانية؟ أقول هولاند، لأنه الموازي الأهم لميركل في التعاطي مع أزمة الديون الأوروبية، ولأنه يتحرك وفق خطط، يعتقد أنها الأفضل في عملية الإنقاذ، وقبل هذا وذاك، ليس من أولئك القادة الذين يستسهلون العمل السياسي بشقه الاقتصادي، ويلجأون عادة إلى سياسة رد الفعل. فهو مهاجم شرس يحرص ألا يرتكب الأخطاء، تجنباً للبطاقة الحمراء، التي ستخرجه من الملعب، وتترك "حارس مرماه" بمفرده أمام مهاجمة شرسة أيضاً (ميركل)، لكنها لا تولي اهتماماً كافياً للبطاقات التي يحملها الحَكم. صفراء، حمراء، طرد.. الأمر ليس مهماً، طالما أنها لا تزال اللاعب الذي لا غنى عنه.
هناك "أزمة إجراءات" حقيقية بين فرنسا وألمانيا، حاول المسؤولون في كلا البلدين إبقائها خلف الأبواب المغلقة قدر الإمكان. إلا أن الاختلافات (بل الخلافات) كانت أكبر من أن تُبقي الأزمة ضمن اجتماعات بين الطرفين، الأمر الذي دفع رئيس وزراء إيطاليا ماريو مونتي إلى تنصيب نفسه وسيطاً بين الطرفين، رغم أنه هو نفسه، قد يحتاج إلى وسيط بينه وبين الطرفين المعنيين أنفسهما، عندما "يقرر" أن بلاده تحتاج كما اليونان والبرتغال واسبانيا وايرلندا إلى حزمة إنقاذ، بصرف النظر عن قيمتها وشروطها، وربما مهانتها. ولا يبدو أن وسيطاً كهذا سوف يحقق النجاح، خصوصاً، وأن "أزمة الإجراءات" بين باريس وبرلين ليست اقتصادية بالكامل. هي مزيج بين الاقتصاد المضطرب (هناك من يصفه بالمتهالك) وبين الايدولوجيا السياسية. بين يسار معتدل، ويمين أقل اعتدلاً، مع ضرورة الإشارة هنا، إلى ضرورة عزل اليمين اليوناني تحديداً عن هذه المعادلة. فاعتباراته مختلفة بحكم فداحة وفظاعة أزمة ديون بلاده، وبفعل التداعيات والتخبطات الانتخابية الداخلية.
والمعادلة في الواقع واضحة. الأوروبيون المحافظون يريدون إقرار خطط التقشف في البلدان الأوروبية كلها، وليس فقط تلك التي ترزح تحت وطأة وضربات الديون، في حين يرى الاشتراكيون الليبراليون، أن هذه الخطط هي بمنزلة انتحار سياسي واجتماعي، ويدفعون باتجاه اعتماد ما يمكن توصيفه "تقشف أقل ونمو أكثر". ولكن هل يمكن أن تتحقق هذه المعادلة؟ المدافعون عن هذه الرؤية- الخطة التي تبناها فرانسوا هولاند فور فوزه في الانتخابات الرئاسية، يؤكدون بأنه يمكن أن يتحقق النمو المطلوب، دون أن تصاب الشعوب الأوروبية بالمزيد من الأذى، إذا ما تم طرح سندات الخزانة الأوروبية. لكن الرافضين (المحافظين) يؤكدون في الوقت نفسه، على أن عدم إحكام القبضة على ضبط الموازنات العامة، يعني ببساطة أن كل الخطط ستكون بمهب الريح، وسترتفع فداحة أزمة الديون، بل ستزيد من وحشية عدواها، وسرعة انتشارها في الأرجاء.
ليس أمام فرنسا وألمانيا سوى الاتفاق. لكن السؤال يبقى، الاتفاق على ماذا؟ على "العمل المشترك" شرط ألا يكون بمفهوم المستشارة الألمانية، وبصيغة أخرى "العمل المشترك الممكن". وهو في الواقع يمثل رمزاً مشتركاً لرئيس فرنسي اشتراكي حالي، وآخر يميني محافظ سابق. إنه يوفر لميركل حلاً أعلى من الوسط، الأمر الذي تحتاجه هي شخصياً على الصعيد السياسي الداخلي الآن في بلادها. فمستشارة ألمانيا هي الوحيدة المتبقية من زعماء أوروبا الذين انفجرت الأزمة الاقتصادية العالمية في وجوههم، والتي فجرت معها أزمة ديون تاريخية، في قارة لا تزال تصنع التاريخ بأشكاله المختلفة.

لا تريدون حماية السوريين.. احموا اموالهم

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"اللصوص الصغار يشنقون من رقابهم، واللصوص الكبار ينشقون من مَحَافظهم"
                                                                                                     مثل لا تيني 


كتب: محمد كركوتــــي


كلما اقتربت النهاية الحتمية لنظام سفاح سورية بشار الأسد، كلما ازدادت وتيرة تهريب ما تبقى من أموال الشعب السوري التي تتعرض للسرقة بكل أشكالها منذ الأسد الأول إلى الأسد الثاني والأخير. فعند العصابات لا معنى لمصير المكان الذين يمتلكونه كرهاً، وبالتأكيد لا قيمة لحياة من يعيشون فيه ظلماً، ولا أهمية حتى لأولئك الذين تعاونوا معها على المستويات الدنيا.. المهم النجاة بأرواح قادتها وبالأموال المنهوبة، ولا بأس من ضم بعض المخلصين لها من الكبار في عملية الفرار، والبحث عن ملاذات آمنة لها، وبعد ذلك لهم. فالمشهد السوري المروع على مختلف الأصعدة، لم يمنع حتى أولئك الذين يحسبون كلماتهم قبل إطلاقها، وحركاتهم قبل الإيماء بها، من الخروج عن الثوابت اللفظية خصوصاً حيال القضايا المتفاعلة. فلم يجد رئيس فرنسا فرانسوا هولاند توصيفاً لنظام الأسد (أكثر دلالة) من "أنه نظام حقير". وعندما عبرت لأحد كبار مساعدي هولاند، عن إعجابي بالجرأة السياسية اللفظية لرئيسه في هذا التوصيف، رد مندهشاً.. هل لديك توصيفاً أمثل للأسد؟!
لا أعرف إذا كان للأسد و (عصابته) مساحة من الوقت لـ "توضيب" حقائبه قبل الفرار، إذا ما نجا فعلاً من عدالة الشعب السوري، وتمكن من إنقاذ رقبته. الذي نعرفه جميعاً، أنه (على طريقة رؤساء وقادة العصابات)، يقوم بتهريب وتخزين الأموال المنهوبة من السوريين، ليس بمساعدة المهربين وقطاع الطرق والخارجين عن القانون والأخلاق فحسب، بل أيضاً بعون ودعم كبيرين من بعض الحكومات التي تعيش وَهْمَ إمكانية بقاءه في سلطة لم تكن له شرعية فيها، أباً عن ابن، وشحبيحاً عن مرتزق، وقاتلاً عن مجرم. حكومات مثل الروسية واللبنانية والإيرانية والفنزويلية. بل هناك معلومات (لم تتأكد بعد) عن انضمام حكومة روبرت موغابي الذي فاز باليانصيب الوطني في زيمبابوي إليها! فتعاون العصابات (بمن فيها حتى المتخاصمة منها) يكون حتمي عندما تتعرض للحصار والمكافحة. هكذا فعلت في السابق أسر المافيا في الولايات المتحدة، وهكذا تفعل العصابات في كل مكان. المهم بالنسبة لها، ألا يتم القضاء على الشر الذي تعيش به ومنه.
أمام الشعب السوري الآن مهمة كبرى، تضاف إلى مهمته الفردية في إسقاط الأسد وعصابته. مهمة لن تكون سهلة، وليست قابلة للإنجاز في وقت قصير. وهي تفرض على جميع القوى الدولية مسؤولية كبيرة وأخلاقية لمساعدة هذا الشعب، الذي قرر العالم (حتى الآن) أن يتركه بمفرده عالقاً، بين "هجوم" دولي صوتي لفظي على الأسد، وبين الآلة العسكرية الوحشية لهذا الأخير. هذه المهمة تكمن في حصر وجلب الأموال التي نهبها الأسد الأب والابن، والأم والأخت، والعم والخال، إلى آخر الأسرة وتوابعها.. وتوابع توابعها. وإذا كان العالم قرر عدم مساعدة الشعب السوري، في الحرب التي يخوضها بالنيابة عن الإنسانية جمعاء، عليه على الأقل تقديم العون في استرجاع ما يمكن استرجاعه من أمواله المسروقة. فهذه المهمة لا تحتاج إلى قرار من (الرهينة الروسية) مجلس الأمن الدولي، بل إلى أوامر تصدر في لحظات، شرط ألا تكون أوامر صوتية.
تكفي الإشارة هنا، إلى أنه في الستة أشهر الأولى من الثورة الشعبية العارمة التي تجتاح سورية، تمكن الأسد من تهريب ما يزيد عن 23 مليار دولار أميركي، إلى الدول الصديقة له رسمياً وليس شعبياً. ومنذ إطلاق مبادرة المبعوث الدولي العربي كوفي عنان إلى سورية قبل شهرين تقريباً ، وبصرف النظر عن كونها ولدت ميتة ( وعند حتى المعجبين بالمبادرات، ولدت مشوهة)، فقد تمكن سفاح سورية من تهريب ما يقرب من 4 مليارات دولار أخرى. أي أنه في عام ونصف العام تقريباً هرب ما يزيد عن 27 مليار دولار من أموال السوريين المنهوبة، أو ما يوازي 2 مليار شهرياً. غالبية هذه الأموال كانت في خزائن البنك المركزي، الذي نزع عنه الأسد الأب الصفة الوطنية، ودغمه بالصفة الأسرية.
وإذا اعتمدنا على التقديرات التي اتفقت حولها غالبية الجهات المتابعة لاستراتيجية نهب سورية، حيث تأرجحت بين 30 و40 مليار دولار، فإن الأسد هرَب في 15 شهراً أكثر من ثلثي ما يُعتقد أنه هربه إلى الخارج في غضون 40 عاماً. وأقول الأسد لا عصابته، لأن الأموال التي نهبتها هذه الأخيرة، لا تدخل ضمن التقديرات المشار إليها. وقد تفيد الإشارة هنا، إلى أن ما نهبه محمد مخلوف خال الأسد (لوحده)، يصل إلى 12 مليار دولار أميركي. على كل حال، لا يمكن ترك هذا الأمر إلى ما بعد السقوط الحتمي للأسد وأسرته ونظامه الطائفي، فلا يزال السوريون يتعرضون للنهب والسرقة في غمرة تعرضهم للإبادة الجماعية التي أتاحها العالم. وإذا كان هذا العالم لا يرغب في مساعدتهم في حفظ حياتهم أمام هذا النظام الوحشي، ليساعدهم على الأقل في حفظ مستقبلهم الاقتصادي، بمالهم المنهوب. فالسوريون لا يطالبون بمعونات ومساعدات مالية، بل يطلبون أموالهم التي  سُلبت منهم في سياق قتلتهم الممنهج.

الثلاثاء، 5 يونيو 2012

من قال إن اليورو منيع؟!

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

"شكراً لليورو.. هو دليل قوي على الهوية الأوروبية. علينا أن نبني على ذلك، ونجعل من اليورو أكثر من عملة، ومن أوروبا أكثر من منطقة جغرافية"
لوران فابيوس وزير المالية الفرنسي الأسبق، ووزير الخارجية الحالي

كتب: محمد كركوتـــي
 
لا أعرف إذا كان لوران فابيوس، لا يزال متمسكاً برؤيته الخاصة باليورو والهوية والجغرافيا الأوروبية وما يرتبط بها. فقد أطلق هذا الاستنتاج-الرؤية في عام 2000، عندما كان وزيراً اشتراكياً للمالية في حكومة تحت قيادة جاك شيراك الرئيس اليميني، مع ضرورة الإشارة هنا، إلى أن يمين فرنسا ليس –مثلاً- كيمين بريطانيا حيال أوروبا، في رؤيته للوحدة الأوروبية. فالأول متناغم معها إلى أبعد الحدود، بل ومقاتل شرس من أجلها، والثاني معطل لها قدر الإمكان. اليوم يعود فابيوس إلى "مطبخ" الحكم الفرنسي وزيراً للخارجية، في ظل فروقات ومفارقات تاريخية هائلة بين ما كانت عليه أوروبا قبل 12 عاماً، وما هي عليه الآن. فاليورو (الطفل) الذي ولد في عام 2000، وجلب معه الفرحة التي ينشرها المواليد في الأجواء، ضلل الجميع –دون استثناء- ببهائه وقوته ونضارته وجاذبيته.. بل وجماله، إلى درجة أن خاف البعض عليه من حاسد بريطاني هنا، وآخر أميركي هناك. فقد كان يكفيه "الحُساد" الأوروبيون القابعون في شرق القارة، الذين كانوا ينتظرون دورهم لحجز أمكنتهم القريبة منه اقتصادياً وتشريعياً واجتماعياً.

الفرحة بولادة اليورو، أنست المبتهجين، بأن هذا المولود يحتاج كغيره من المواليد، إلى لقاحات مانعة للأمراض والأوبئة، خصوصاً تلك المُعدِية. وربما كان سبب ذلك، هو من فرط اعتقادهم بأنه منيع أصلاً، لا يمكن أن يطاله وباء اقتصادي أو مرض مالي أو حتى "نزلة برد" مصرفية. فقد كانوا يظنون أن مناعته مكتسبة وليست مستوردة. هي جزء من التكوين! وإن وجد من يتنازل منهم ويعترف بأن اليورو (مثل بقية المواليد، بل وحتى الكبار) يمكن أن يتعرض لـ "نزلة برد"، فقد تعاطوا مع هذا الأمر وفق المفهوم الإنجليزي لهذه الوعكة الصحية العادية، بأنه يمكن الخروج منها خلال أسبوع بالدواء، وفي سبعة أيام بلا أية عقاقير. كانوا يتعاطعون مع "المناعة" المتصَوَرة لديهم، بمنزلة رصيد لا يمس لليورو، تماماً مثل الأرصدة المالية والاحتياطيات من الذهب التي تسند العملات المتداولة، دون أن ينتبهوا، إلى أن دورة الاقتصاد تمر بمراحل من الازدهار والكساد، وفي حالة الاقتصاد العالمي المنفلت الذي ساد الساحة على مدى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، تمر الدورة بمرحلة الخراب الحتمي. وهذا ما حدث بالفعل، عندما أزاح الانفلات، كل معايير الانضباط، وأوجد الأزمة الاقتصادية العالمية.

لقد تحول السؤال الذي طرح في عام 2000 كيف يمكن أن نجعل اليورو أكثر من عملة.. أوروبياً؟ إلى مجموعة مريعة من الأسئلة، ليس فقط حول العملة الأوروبية، بل حول الشكل الأمثل للاتحاد الأوروبي! والبعض المتطرف يتحدث عن ضرورة إجراء عمليات "تجميل" لهذا الاتحاد، بعد أن أصابه اليورو بالتشوه. ويتصدر هذه الأسئلة.. السؤال المخيف، هل ينفرط عقد منطقة اليورو؟ وبصورة ألطف، هل تخرج اليونان وربما بعدها اسبانيا من هذه المنطقة؟ وهل هناك تحضيرات جارية لاحتواء عواقب خروج اليونان؟ هل يدير قادة أوروبا أزمة اليورو جيداً؟ حسناً.. هل يستطيع البنك المركزي الأوروبي القيام بدور الحكومات وإحلال النمو المالي والازدهار الاقتصادي؟ هل يمكن لألمانيا المنقِذة مواصلة الضخ المالي إلى أجل غير مسمى؟ والسؤال الأصعب، هل تتحمل ألمانيا نفسها انهيار بعض دول اليورو؟ هل تنتشر العدوى في دول أخرى من منطقة اليورو؟ لماذا لا تفرض الدول التي لا تزال قادرة، الوصاية على تلك الغارقة في ديونها وأزماتها السياسية الداخلية؟ أين الرؤية المستقبلية للمنطقة؟

الأسئلة كثيرة ومخيفة، ولا يوجد على الساحة الأوروبية (على الأقل الآن) من يستطيع الإجابة عليها، أو على بعض منها. ورغم أن غالبية قادة منطقة اليورو الحاليين، جاؤوا ما بعد غرق المنطقة في ديونها، إلا أنهم لم يقدموا أية حلول ناجعة أو مقنعة في سبيل انتشالها من الغرق. ولهذا السبب بدأت تظهر أسئلة حول أهلية هؤلاء في إدارة الأزمة-الكارثة. والحقيقة أن التمنيات بتماسك منطقة اليورو والحفاظ على أعضائها (بما في ذلك العضو اليوناني)، لا توفر إلا الأوهام، خصوصاً في ظل مشاكل عديدة متصاعدة ليس في الدول الأكثر إصابة فحسب، بل في تلك التي لا تزال العدوى بعيدة عنها، بصرف النظر عن مساحة بُعدها.

كانت الأزمة الاقتصادية العالمية السبب في كل الخراب الذي شهده ويشهده العالم منذ انفجارها في عام 2008. وقد ساهمت الثقة المُبالغ فيها بصحة اليورو في استفحال أزمة منطقته. فإذا كانوا (وهو في سن الثانية عشرة) يتحدثون عن مصيره، فكيف الحال عندما يصل إلى مرحلة الشيخوخة؟! لقد حان زمن الواقعية الاقتصادية في كل مكان، ويكفي العالم أجمع، أنه عاش أوهاماً اقتصادية، تحولت إلى كوابيس، بعد أن جعلت الظلام يسود في عز النهار.

مصبغة الأسد لغسيل الأموال

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"أهمية إيجاد الشهود توازي أهمية القبض على المجرمين"
سايمون وايسنتال محقق في الجرائم النازية

 
كتب: محمد كركوتــــي
 
يقف سفاح سورية بشار الأسد، بجدارة وامتياز في قائمة المجرمين الذين اكتسبوا توصيفهم الإجرامي، بصورة كاملة. ويرتفع عن بعض هؤلاء (في التاريخ) درجة، في أنه ورث الإجرام إبناً عن أب. بينما الأمر لم يكن كذلك، في حالة النازي هتلر، والفاشي موسوليني، والهمجي تشاوسيسكو، والمجنون القذافي، والسادي ميلوسوفيتش.. إلى آخر المجرمين الذين كان مرورهم في التاريخ الإنساني عاراً على البشرية جمعاء، ومصائب عليها لم تنته حتى اللحظة. والمجرم الكامل الأوصاف، هو القاتل والسارق. هو المغتصب لحقوق ليست له، ولحياة لا يملكها. هو ليس خارجاً عن القانون فقط، بل عدو له. وإن كان هناك من قانون خارج عن سيطرته، فهو يزدريه. وبشار الأسد، الذي قتل وعذب واعتقل ودمر وهجر وسرق ونهب، وارتكب الفظائع (بحكم قوانين الوراثة، و"محركات" الـ دي إن إى)، هو أيضاً غسل (ويغسل) الأموال المنهوبة من الشعب السوري، بل ومن شعوب أخرى (العراقيون في مقدمتهم)، وتلك الناتجة عن الجرائم المختلفة، من زراعة وتجارة المخدرات، إلى الإتجار بالسلاح، مروراً (طبعاً) بالتهريب، وتشكيل العصابات المتنوعة إجراماً، وتزوير العملات وطباعتها بدون سند، والرشى، إلى آخر تلك الجرائم التي لا تنتهي.

وعلى هذا الأساس، جاء قرار السلطات السويسرية مؤخراً بالتحقيق في عمليات تبييض الأموال لحساب نظام الأسد متأخر كثيراً، وذلك في سياق تقاعس سويسرا التاريخي في التعاطي مع عمليات غسيل الأموال التي تعج بها مصارفها، وعلى رأسها أموال شعوب عديدة في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، حيث شكلت تلك المصارف لسارقيها ملاذات آمنة. وقد عاندت سويسرا في السنوات الماضية حكومات دول كبرى، عندما طالبتها هذه الأخيرة، أن تتقدم خطوات إلى الأمام في هذا المجال. وبلغ الأمر حداً، أن هددت الحكومة السويسرية قبل عامين، بتجميد حصتها من الدعم المالي لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الأوروبية، لأن هذه الأخيرة وضعتها في مقدمة قائمة الدول التي لم تتعاون بما يكفي في مجال مكافحة غسيل الأموال. ولعل من المفيد الإشارة هنا، إلى أن تفعيل التحرك ضد سويسرا في هذا المجال، لم يأت إلا بعد انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، مما تزيل عنه بعضاً من أخلاقياته.

أعود إلى بشار الأسد والعصابة التي يحكم بها سورية. فهذا الأخير لديه "مصابغ" أخرى كثيرة إلى جانب "المصبغة" السويسرية. ولأنه يمارس الكذب كاستراتيجية مصيرية له، لم يتردد بين الحين والآخر في إصدار مراسيم جمهورية لماذا؟ لمحاربة غسيل الأموال في سورية؟! آملاً في إقناع العالم بأنه محارب شرس لهذه الجريمة المتخصص بارتكابها (مرة أخرى) ابناً عن أب عن عم عن خال.. إلى آخر الروابط العائلية. فقد أصدر في العام 2003 مرسوماً تشريعياً بهذا الخصوص، عدله بآخر في العام 2005، وكل بند فيه ينطبق على الأسد وعصابته في دائرتيه الضيقة جداً أو في تلك الأوسع قليلاً جداً أيضاً.

الأموال غير المشروعة هي تلك الناتجة عن ارتكاب الجرائم التالية، حسب المراسيم "الأسدية": 1- زراعة أو تصنيع أو تهريب المخدرات.. فمنذ سبعينات القرن الماضي، وأسرة الأسد تسيطر على هذه "الصناعة" القاتلة، ليس في سورية فحسب بل وفي لبنان "الناشط" أصلاً فيها. 2- الأفعال التي ترتكبها جمعيات الأشرار.. لنتذكر استيلاد الأسدين المتواصل لعصابات أخذت شكل تنظيمات، ومن بينها حزب الله الشيعي الإيراني في لبنان، وفتح الإسلام، والجبهة الشعبية –القيادة العامة، والميليشيات العراقية وغيرها. 3- جرائم الإرهاب.. عمليات ممولة ومدعومة من الأسدين، تعدت الأراضي السورية لتشمل لبنان والعراق والأردن وتركيا ودول الخليج العربية، وعدداً من البلدان الأجنبية الأخرى. 4- تهريب الأسلحة والذخائر والمتفجرات وتصنيعها أو الإتجار بها.. مرتبط مباشرة بالبندين الثاني والثالث. 5- سرقة المواد النووية أو الكيماوية أو الجرثومية، أو تهريبها أو الإتجار بها.. هذه الجريمة خاصة بعدد قليل جداً من الأسرة الحاكمة في سورية، نظراً لحساسيتها الدولية. 6- سرقة واختلاس الأموال العامة أو الخاصة.. الأدلة في هذا المجال تحتاج إلى مجلد كامل، ولاسيما أن هذا النوع من الجرائم ارتُكب بصورة متواصلة على مدى أكثر من أربعة عقود. 7- تزوير العملة.. لم يكتف الأسد الأب والابن بارتكاب هذه الجريمة على مدى سنوات، بل أضافا إليها طباعة الأوراق النقدية بدون سند أو رصيد، مما دمر الاقتصاد السوري المنهوب أصلاً. 8- سرقة الآثار.. ظلت هذه الجريمة حكراً على أفراد عائلة الأسد فقط. 9- جرائم الرشوة والابتزاز.. هي جزء أصيل من الحراك "الاقتصادي" السوري. 10- تزوير حقوق الملكية الفكرية.. تجاوز الأسد وعائلته والمقربين منه التزوير إلى السرقة العلنية لهذه الحقوق.

لا تمثل "المصبغة" السويسرية التي يغسل فيها الأسد الأموال المنهوبة، وتلك الناتجة عن الجرائم المختلفة التي يرتكبها منذ أربعين عاماً، أهمية كبيرة. فـ "مصبغته" الخاصة بفروعها المنتشرة حول العالم، ولا سيما فرعيها اللبناني والإيراني، توفر ناتجاً مالياً مريعاً، يفوق ذاك الذي تنتجه له "السويسرية". إنها المصبغة الوحيدة التي تعمل بالآلام والدماء، لا بالكهرباء.

الثلاثاء، 22 مايو 2012

كلهم في الهم غرب

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"الديون هي عبودية الأحرار"
ببليليوس، كاتب وفيلسوف روماني من أصل سوري

 
كتب: محمد كركوتــــي
 
المكان: منتجع "كامب ديفيد" في الولايات المتحدة الأميركية. المناسبة: قمة مجموعة دول الثماني. مع نظرة ازدراء ثاقبة "محترمة"، صافح الرئيس الفرنسي الجديد فرانسوا هولاند جاره رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون. كان يريد أن يقول له: كيف تتجرأ وترتكب خطأً، لا يرتكبه إلا القادة الأغبياء، أو في أفضل الأحول.. الهواة، عندما أعلنت "رسمياً" تأييدك ودعمك العاطفي لغريمي في الانتخابات نيكولا ساركوزي؟ عرفت مبكراً أنك لاترغب بي رئيساً لفرنسا، وإلا لكنت استقبلتني كزعيم للمعارضة في بلادي، وفق ما هو متبع عندكم، عندما زرت بلادكم. ليس مهماً ماهية رغبتك، فالشرعية لا تكون منك، بل هي من صنع الفرنسيين أنفسهم. يا جاري كاميرون، لماذا نسيت ما قاله بوب ديلان في إحدى أغنياته الشهيرة "لا تتحدث مبكراً، بينما العجلة تدور. فالخاسر الآن قد يكون الفائز لاحقاً"؟! أحسب أنك عشت شيئاً من أجواء شعره في ستينات القرن الماضي.

كان هولاند يريد أن يقول: يا "مستر" كاميرون، لا معنى لتبرير، ربما ترغب في إخراجه، كما لا معنى لأن أستمر فيما أقوله لك. الشيء الأهم الآن وغداً، هو كيفية تنفيذ خطة إنقاذ، تسمح لقارتنا (أوروبا) أن تتنفس "تحت الماء" دون أن تغرق. لنتمسك بالشطر الأول من بين نزار قباني الشعري، ولندع العشاق يغرقون، فنحن لسنا منهم. أضف إلى ذلك، أننا لا نتمشى في طريق العشاق هنا. نحن في "كامب ديفيد" وأنت تدرك (بالتأكيد) ما "كامب ديفيد". نحن نريد حلاً جامعاً لكارثة ومصيبة وهم الديون، لا حلاً منفرداً كما حدث في نفس المكان في سبعينات القرن الماضي. علينا أن نستغل وجود رئيس أميركي، اعتبر الإشراك آلية من آليات الحلول، لكل المشاكل الاقتصادية والسياسية أيضاً. دعك من جيمي كارتر الذي كان يريد حلاً بأي صورة، ولنترك بيل كلنتون الذي رغب بالحل بأفضل الصيغ، وبالطبع دعنا من جورج بوش الابن، الذي سعى لحل "مُمشكل"، لتلك القضية العربية المحورية، المنزوية في أحد أركان "كامب ديفيد". بالمناسبة يا "مستر" كاميرون هل عثرت عليها في نزهتك الصباحية (أو المسائية) هنا؟ لقد فشلت وفريقي في تحديد مكان اختفائها.

كان هولاند يريد أن يقول: يا رئيس وزراء حكومة "الرأس ونصف" في بريطانيا، اعذرني، ما كان علي أن أستعيد في "كامب ديفيد" حتى ذكريات المنتجع، لأننا في مصيبة حقيقية، تجعلنا أصغر مما كنا، تعيدنا صفاً أو صفين (أو ربما ثلاثة صفوف)، في كل القاعات التي تصدرنا مقاعد الصف الأول فيها، على مدى أكثر من ستة عقود، وقبلها قرون بأشكال مختلفة.. احتلال، انتداب، وصاية، علاقات خاصة جداً. لنترك الذكريات، إلى ما سيصبح ذكريات حاضرة إلى سنوات (بل عقود). لقد أتينا إلى "كامب ديفيد" ويستحق على اتحادنا (الاتحاد الأوروبي) 11 ألف مليار دولار أميركي، لا زيمبابوي ولا اكوادوري ولا فيجي. عذراً لقد أخطأت، هذه الأموال الهائلة هي ديون على دول منطقة اليورو، وليس الاتحاد، ولكن أليست بريطانيا (غير "اليوروية") مدينة بأكثر من 1500 مليار دولار أميركي؟ إذن.. كلنا في الهم غرب.

كأن هولاند يريد أن يقول لـ "المستر" كاميرون: ألم تقف ضد صديقك (ساركوزي) الخاسر أمامي، عندما طرح وزملائه الأوروبيين خطة الضبط المالي، من أجل المساعدة في تخفيف جبال الديون عن منطقة اليورو خصوصاً والاتحاد الأوروبي عموماً. لا غرابة إذن، في وقوفك ضد فرض ضرائب على التحويلات المالية، من أجل تحقيق الهدف نفسه. ألم تهدد باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد فرض ضريبة كهذه في مختلف أنحاء أوروبا؟ لقد ذكرتني بفلاديمير بوتين الذي يرفع سيف الفيتو الروسي في مجلس الأمن، من أجل حماية سفاح سورية بشار الأسد، مع اختلاف الحالة طبعاً، ومع اتفاقنا (ربما الوحيد) على همجية هذا السفاح. كأن هولاند يقول لكاميرون: كنا جميعاً في سفينة واحدة لا تقهر، تصارع الأمواج مهما علت.. تكسرها على جوانبها، لكننا في ظل مصائبنا الاقتصادية-المالية، أصبحنا في قارب، لا يصمد أمام موجة "لطيفة" واحدة. وعندما "يتعولم" الهَم، لا معنى للوطنيات، فكيف الحال والهَم محصور بصورة لا تشبهها أخرى في قارتنا؟! عليك ألا تنسى، أن قادة هذه القارة الذين "تواجدوا" في الأزمة الاقتصادية العالمية، سقطوا الواحد تلو الآخر، وكان آخرهم صديقك ساركوزي. حسناً، لم تكن منهم، ولكن لا غرابة في أن تنضم إليهم، ومعك من؟ معك أنا شخصياً.

كأن هولاند يريد أن يقول لكاميرون: لم نرتكب الأزمة الكبرى، ولكن قبلنا أن نرثها. دعك من الحب الغائب والمودة المفقودة بيننا. ورغم أنك لست "ثاتشرياً" –نسبة لمارجريت ثاتشر- تماماً، إلا أنك لا تزال تؤمن بأن إنقاذ الدول من أخطاء كارثية ارتكبتها حكوماتها، يبرر عصر مواطنيها معيشياً. لكنني أرى عكس ذلك. علينا أن نعصر الحكومات، ونخفف عن الشعوب. يكفي أن مواطنينا يسددون فواتير "سلع" قاتلة، لم يشترونها أصلاً.

الاثنين، 14 مايو 2012

عقوبات موحدة ضد اقتصاد الشر

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"أهمية عدم التعاون في الشر، هي بأهمية التعاون في الخير"
الزعيم الهندي ماهاتما غاندي

 
كتب: محمد كركوتــــي
 
لا يختلف التعاون بين نظام سفاح سورية بشار الأسد، ونظام الملالي في إيران من حيث الجوهر، عن التعاون الذي صبغ العلاقة بين نظامي النازي الألماني أدولف هتلر والفاشي الإيطالي بنيتو موسولوني. فالتعاون الأول (كما الثاني) هو ببساطة "تعاون الشر"، وبصورة أوسع، هو تعاون من أجل القتل والتدمير وارتكاب الفظائع. والأول، هو تعاون مريع لبسط نفوذ إيراني خبيث، على المنطقة العربية كلها. وليس أفضل من أداة عربية مساعدة لتحقيق هدف وُضع أصلاً على أمل إنجازه منذ أكثر من 3000 سنة. وفي المجمل، فالثنائي الأسد-خامنئي، هما نسخة حديثة متطورة في الأدوات للثنائي هتلر- موسوليني، مع الفروقات الجغرافية والتاريخية، وشيء من السياسية. وكما كان ينقص هذين الآخيرين إعلان الاتحاد بينهما، كذلك الأمر بالنسبة للثنائي الآخر، بصرف النظر عن طبيعة التعاون التي وصلت إلى المستوى الاتحادي، دون إعلان رسمي، خصوصاً عندما يكون هذا الإعلان.. تحصيل حاصل.

قبل الإمدادات المالية الإيرانية المباشرة للأسد لمساعدته على استكمال حرب الإبادة التي يشنها ضد الشعب السوري، في ظل تقاعس دولي وسط "جحيم" لا حدود له، "صنعته" حرب الكلمات التي تشنها دول أعلنت صداقتها لهذا الشعب! كانت هناك إمدادات القتل بتوريد قُطاع الطرق والمرتزقة الذين ما أن يصلوا إلى سورية، حتى يحصلون على وظيفة "شبيحة"، ومعها يأتي خبراء قتل الأبرياء فقط. وبعدها جاءت اتفاقية التجارة الحرة بين نظامي طهران ودمشق، وفي سياقها انتعش التهريب ونمت معه الصفقات التجارية الالتفافية على العقوبات الأميركية والأوروبية والعربية، وانتعشت عمليات المقايضة. وقبل هذا وذلك وفر نظام الملالي الملاذ الآمن للأموال المنهوبة من الشعب السوري، بما في ذلك الذهب، بل وحتى تسهيلات بتخزين النفط السوري المنهوب. ولا شك في أنه سيوفر ملاذاً آمناً للأسد وعصاباته عندما يسقطه السوريون. والذي لا يرى بأن سقوطه هو مسألة وقت، فهو بالتأكيد يعيش وهم التمنيات، أو أنه لا يتابع إلا القنوات الفضائية الأسدية، التي تنقل كاميراتها مشاهد من قلب المدن السورية تصاحبها موسيقى حالمة، تُستخدم عادة في مقاه يرتادها العشاق!

لا أعرف لماذا لا تهتم الدول التي فرضت عقوبات على الأسد، بصفقات شراء الحبوب التي يعقدها هذا الأخير عبر إيران؟! على الرغم من أن العقوبات المفروضة كلها لا تطال المواد الغذائية الأساسية. فقد فُرضت أصلاً للتضييق على الأسد وعصاباته، على أمل أن يتوقف عن قتل شعبه، وبالتالي فإنها لا تستهدف الشعب على الإطلاق. وهذه الصفقات مريبة، فمن خلالها تعقد صفقات أخرى لتوريد بضائع ومنتجات تشملها العقوبات، ويتم الاحتيال بنقل الأموال، التي يفترض ألا تنقل من داخل سورية. ويستغل الأسد ومعه إيران، ثغرات عدة في هذه العقوبات، بما في ذلك عدم إقدام الدول التي فرضتها، على ربط مباشر بين مؤسسات وشخصيات سورية وإيرانية. والأمر أيضاً ينطبق على مؤسسات وشخصيات لبنانية وعراقية، وكلها توفر قنوات احتيالية خطيرة، تخفف من إحكام الطوق الاقتصادي حول عنق الأسد وعصاباته.

لقد ارتفع حجم التبادل التجاري المعلن بين دمشق وطهران منذ انطلاق الثورة الشعبية السلمية العارمة في سورية، إلى معدلات كبيرة وسريعة جداً، يفوق مرتين حجمه على مدى عقد كامل من الزمن، رغم العلاقات الخاصة والخبيثة التي ربطت النظامين الحاكمين في البلدين. وفي أوج الثورة السورية، والحصار الاقتصادي المفروض على الأسد، وجد هذا الأخير مساحة لإقامة معرض للمنتجات السورية في إيران، شاركت فيه 300 شركة سورية! وعلينا أن نتخيل فقط الثغرات التي أحدثها هذا المعرض في العقوبات، ناهيك عن الصفقات السوداء المباشرة وغير المباشرة التي تمت بين الطرفين، والتي تتم في مرحلة لاحقة بين إيران وأطراف أخرى. ورغم أن إيران نفسها تخضع لسلسلة من العقوبات الدولية عليها بسبب برنامجها النووي الخطير، إلا أنها لا تزال تستطيع أن توفر "أوكسجيناً" اقتصادياً للأسد. وتكفي الإشارة هنا إلى الشركات الوهمية (والأفراد) التي تعمل لحساب نظام الملالي حتى في قلب الدول الغربية "الثائرة" اقتصادياً عليه.

قبل الثورة السورية، كان يجمع كلاً من دمشق وطهران اقتصاد خاص بنظامين لا بشعبين، وبعدها أصبح اقتصاد خاص بإنقاذ نظام وقتل شعب كامل. وإذا كنا نستطيع تمرير صفقات الحبوب –رغم الشكوك فيها- كيف يمكن (على سبيل المثال) تمرير إمدادات نظام الملالي للأسد بالديزل (أو المازوت)، مقابل تصدير هذا الأخير البنزين إلى إيران؟! والأمر نفسه ينطبق على كل الواردات التي توفر دعماً مباشراً لسفاح سوريا لمواصلة حرب الإبادة.

الذي تشكل بين طهران ودمشق بعد الثورة، اقتصاد الهلاك أو الشر. وهو اقتصاد لا يقل خطورة عن استمرار بشار الأسد في سلطة لم يستحقها في يوم من الأيام. والعقوبات المطلوبة ليست تلك المتعددة الجولات فقط، بل تلك التي تستهدف اقتصاداً واحداً لنظامين متجانسين في الشر.

الاثنين، 7 مايو 2012

الفقر في سورية "ابن" 42 عاماً

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


"الفقر هو أب الثورة"
سقراط فيلسوف إغريقي

كتب: محمد كركوتـــي
 
لو كان سقراط على قيد الحياة، وتابع ما يجري على الساحة السورية، لأضاف كلمة الإجرام إلى الفقر ليكونا معاً والدا الثورة. ولو أراد أن يوسع من مقولته في الحالة السورية، لأضاف إلى الكلمتين، الظلم والقمع والاستبداد والتعذيب والتنكيل، والفصل الطائفي وسرقة المال العام، واستئثار أسرة مجرمة واحدة وتوابعها من الأقربين والمقربين بمصير أمة بأكملها. بل ربما اختصر الأمر وقال: "الأسد هو مُلهِم الثورة ضده". والأسد الابن (كما الأب) احتضن كل سبب يمثل أب وأم وأخ وعم وخال الثورة. أليست أسرة اختصرت وطناً فيها لأكثر من أربعة عقود؟ أليست عائلة ملَكت نفسها حياة أمة بتاريخها وحاضرها، وسعت إلى تسجيل مستقبلها باسمها؟ ربما يأتي ماقالته ماما تيريزا، أكثر توافقاً مع الحالة السورية مما قاله سقراط، عندما اعتبرت "أن الفقر هو أسوأ أشكال العنف". تذكرت الكاتب والأديب الأميركي مارك توين، في مراجعتي اليومية لمؤشر تقاعس المجتمع الدولي، حيال الثورة السورية الشعبية السلمية العارمة التي انطلقت لإسقاط نظام الأسد الوحشي في سياق دفاعها عن الإنسانية، عندما قال:" تذكر الفقر.. إنه لا يكلفك شيئاً".

سأحاول هنا تذكير حكومات الدول التي أعلنت صداقتها للشعب السوري، بالفقر الذي منهجه الأسد الأب والابن، بل ويحاول الابن بائساً يائساً أن يستثمره بعد الثورة للتحايل على العقوبات العربية والأميركية والأوروبية، التي جففت بعضاً من منابع التمويل المالي له. يريد هذا النظام الناهب لكل شيء استغلال الذين فَقَرهم حتى ما بعد فقرهِم! ولذلك أوعز إلى أحد اتحادات العمال (الاتحاد المهني لنقابات عمال الكهرباء والصناعات المعدنية) التابع له، لإصدار تقرير اقتصادي حول الفقر في سورية، تضمن مجموعة من الأرقام، لو صدرت في أي دولة يحكمها نظام شرعي، لسقط النظام قبل أن ينتهي الناس من قراءة التقرير. ولتعرض أركان النظام أنفسهم إلى التحقيق، وربما للمحاكمة. فلا يمكن أن تكون أرقام الفقر في بلد ما بهذا المستوى المرتفع، إذا لم يسبقها فساد وسرقة ونهب وظلم واستحواذ من جانب النظام والمقربين منه. وطبقاً لهذا التقرير المريع، فإن نسبة الفقراء وصلت إلى 41 في المائة، وأن الخطة الخمسية العاشرة التي هدفت إلى خلق 625 ألف فرصة عمل جديدة للنصف الأول من عمرها، لم توفر –حسب التقرير المشكوك فيه دائماً- سوى 277 ألف فرصة. وفيه أيضاً أن نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر الأعلى تصل إلى 30 في المائة (2052 ليرة سورية شهرياً) في حين تصل نسبة خط الفقر الأدنى الى 11 في المائة (1458 ليرة شهرياً). وفي محاولة مفضوحة لمنح هذا التقرير بعضاً من المصداقية، أورَد "أن الحكومة لم تتمكن في خطتها الخمسية العاشرة (2006- 2010) من تخفيض هذه النسبة". غير أن الأرقام الحقيقية للفقر وللذين يعيشون فقراً مدقعاً بكل أشكاله المرعبة وتداعياته الفظيعة، ليست كذلك على الإطلاق. فنسبة خط الفقر الأعلى تصل على الأرض (وليس في التقارير) إلى 50 في المائة، أما نسبته في حده الأدنى فقد بلغت –طبقاً لمصادر محايدة ومعلنة- 17 في المائة. وهذا يعني أن 67 في المائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، أو ما يعادل 13 مليون نسمة تقريباً، من مجموع عدد السكان. وهذا كله ليس ناتجاً عن العقوبات المفروضة على نظام الأسد الهمجي، بل يرجع إلى سلسلة من المراحل التي مر بها الاقتصاد السوري منذ العام 1970 (أي منذ وصول الأسد الأب إلى الحكم بطريقة غير شرعية)، وكانت –كما أشرت في مقالات سابقة لي- على الشكل التالي: "اقتصاد التفقير" و"اقتصاد الفقر ومادونه"، و"اقتصاد التشبيح".

فالفقر في سورية ليس وليد عام أو عامين أو حتى عشرة أعوام، إنه في الواقع "ابن" 42 عاماً. ولأنه ممنهج لا تنفع معه أية خطة للحد منه، وقد فشلت كل الدراسات والمخططات التي وضعتها المؤسسات الاقتصادية الدولية الحكومية والمستقلة، في الوصول إلى أفضل علاج للفقر في سورية، لأسباب عديدة، في مقدمتها بالطبع الفساد والسرقة، وعدم تكافؤ الفرص، والمحسوبية الممأسسة في توزيع الحصص وفرص العمل. وسورية التي يحكمها نظام فريد في وحشيته، هي أيضاً فريدة في فقر مواطنيها. فقد نما هذا الفقر في حالتين اقتصاديتين متضاربتين. الأولى: عندما كان الاقتصاد مغلقاً على كل الشعب، لم تنفع كل المفاتيح لفتحه. والثانية: حين أصبح مفتوحاً على مجموعة "انتخبت" نفسها لتستحوذ على كل ما في. ولعل تكرار التذكير بالحقيقة المفزعة بأن شخصاً واحداً هو رامي مخلوف (ابن خال نظام سفاح سورية) يملك ما بين 60 و65 في المائة من هذا الاقتصاد، توفر الكثير من الكلمات والتحليلات والدراسات، وتختصر قصة اقتصاد كان الأفضل على الإطلاق بين الاقتصادات الإقليمية قبل اغتصاب سورية من عائلة الأسد وتوابعها. بل كان الأكثر مرونة في التناغم مع الاقتصادات العالمية الكبرى والصغرى. يقول أحد الشعراء :" تعجبين من سقمي.. صحتي هي العجب"! فلا عجب في أن يكون أكثر من نصف السوريين تحت خط الفقر.

الاثنين، 30 أبريل 2012

إنها مجزرة المصارف

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


جيد جداً أن الناس لا تفهم نظامنا المالي والمصرفي. فإن فهموا، سوف تكون هناك ثورة قبل حلول صباح الغد"
هنري فورد صناعي أميركي

 
كتب: محمد كركوتــــي
 
ستخفض وكالة "موديز" للتصنيف والتقييم الائتماني، تصنيف عشرات المصارف في 16 دولة أوروبية. ربما يصل العدد إلى 114 مصرفاً (حسب ما هو متداول) أو أقل، لكنها ستقدِم على هذه الخطوة رغم التحذيرات والمخاوف والاتصالات المريبة، بل والاستجداءات التي أطلقتها كل المصارف الأوروبية، بأن تلتزم هذه الوكالة الصمت، ولو في المرحلة الراهنة على الأقل، على اعتبار أن المصارف المستهدفة لديها من المصائب ما يكفي وأكثر، وأنها ليست "ناقصة" مشاكل جديدة، وأنها في وضعية المتلقي للمساعدات المالية الإنقاذية (لا التحفيزية)، وفي أحسن الأحوال المساعدات الإصلاحية، وبالتالي فهي تحتاج إلى أجواء من الهدوء الائتماني. بينما يعتبر بعض المتطرفين الرافضين لأي تصنيف حقيقي جديد، أن خطوة كهذه لا تدخل إلا في نطاق "عدوان" جديد على المصارف، وأنه ينبغي على "موديز" وغيرها من الوكالات المشابهة، أن تصمت، مع تمنيات يائسة بانهيارها.

لكن الوكالة وغيرها من المؤسسات المعنية بالتصنيف الائتماني، تعلمت من دروس الأزمة الاقتصادية العالمية، وتخرجت منها بدرجة "مقبول" على أن تكون تحت المراقبة، حتى تثبت عكس الظنون بها، بينما لا تزال المصارف في مرحلة "محو الأمية" في هذا المجال، رغم كل مصائبها التي توفر أدوات مساعدة لتعليم حتى أولئك الذين غادرت عقولهم كياناتهم. لا تزال المصارف "تغازل" وكالات التصنيف على طريقة "روميو وجولييت"، بصرف النظر عن المصير الحتمي للعاشقَين. وهي (أي المصارف) التي لا تزال تحب أن تَعشق بهذه الطريقة، تكره في سياق عشقها، كل من يشكك في نواياها ومخططاتها وسلوكياتها. فمثلاً.. لم تستطع إلا أن تحب كراهية المفكر السياسي الأميركي الشهير توماس جيفرسون، الذي اكتشف مبكراً جداً، أن المؤسسات المصرفية تشكل خطراً محدقاً للحريات، أكثر من الأخطار التي تشكلها الجيوش الجرارة. ولأنها كذلك، فهي لم تستطع أن تكره (مثلاً أيضاً) جورج بوش الابن، وقبله رونالد ريجان في الولايات المتحدة، ومارجريت ثاتشر في بريطانيا. فهؤلاء منحوا المصارف قداسة فاقت تلك التي تتمتع بها الكنسية في بلدانهم، بل أرادوها أن "تأكل" مؤسسات "غبية" تؤمن بالأخلاق وقيمها.

لا يبدو أن استجداءات المصارف لوكالة "موديز" ستحقق أي خطوة على صعيد تأجيلها إطلاق التصنيفات المتوقعة، التي تستحق بجدارة توصيف "مجزرة المصارف". فقد سبق للوكالة وغيرها تخفيض تصنيف دول كبرى، كانت تعتقد أن أحداً لا يستطيع الاقتراب منها في هذا المجال. لنتذكر فقط خفض التصنيف الائتماني لمن؟ للولايات المتحدة الأميركية وفرنسا. ألم تهدد هذه الوكالات بريطانيا؟ ألم تعلن وكالة "فيتش" عن تغيير نظرتها الإيجابية للمملكة المتحدة؟ ألم تقم نفس الوكالة بتخفيض جماعي لتصنيف 12 مصرفاً بريطانياً، بما في ذلك مصرف "رويال بنك أوف اسكوتلاند، و" لويدز تي اس بي" الحكوميين؟ لن أتحدث هنا عن خفض التصنيفات الائتمانية لدول مثل أسبانيا والبرتغال واليونان وإيطاليا. فهذه لم تدع مناعة بهذا الخصوص. أمام هذه الحقائق، لا مناعة لأي مصرف ولا سيما في القارة الأوروبية، الغارقة في عملية تاريخية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ليس فقط من المصارف بل من بعض الدول المنضوية تحت لواء الاتحاد الأوروبي نفسه. اليونان وأسبانيا مثلان أصيلان.

لاشك في أن التصنيف الجماعي الضخم المتوقع لوكالة "موديز"، سوف يعرض المصارف المستهدفة للمزيد من الضغوط، بل وربما يُخرج بعضها من دائرة المصارف التي يمكن إنقاذها بصورة مباشرة. ورغم أن تصنيفاً بهذه الضخامة، سيُربك الأداء المصرفي المتعثر (بل والمتخبط) في أوروبا، إلا أنه بات ضرورياً، الآن أكثر من أي وقت مضى. فلا يمكن لوكالات تعمل من أجل استعادة كاملة لسمعتها التي لطختها الأزمة الاقتصادية العالمية، أن تصمت أمام هذا الواقع، وإلا ستكون شريكة في المأساة كما كانت قبل الأزمة. لقد قام البنك المركزي الأوروبي في الأشهر القليلة الماضية، بتقديم قروض غير مكلفة تقدر مدتها بثلاثة أعوام، لأكثر من 800 مصرفاً في أوروبا، وبلغت قيمة هذه القروض حوالي 1000 مليار يورو. وبعيداً عن التمنيات في زمن لم تعد ذات جدوى، فإن هذه القروض الهائلة، لن تحل المشكلة الكبرى، وهي في أحسن الأحوال، تساعد في إرجاء أو تجميد العملية الحتمية الخاصة بتنظيف ميزانياتها العمومية.

ليس أمام المصارف الأوروبية الآن، إلا مواصلة مواجهة الحقيقة. هي مُرة ومخيفة ومليئة بـ "الآلام" المالية. ومحاولات إخفاء الحقائق تذكرنا بالمحاولات القاتلة لإخفائها في السنوات التي سبقت الأزمة الاقتصادية العالمية. فقد أنتجت هذه المحاولات أزمة (بل كارثة) نالت مباشرة وبدون وسيط من المحاولين أنفسهم، ولا تزال تنال منهم حتى الآن، بصور مختلفة، وبتبعات متغيرة. والحقيقة أنها ستظل تستهدفهم، طالما لا يزال صانعوا القرار المصرفي الأوروبي والغربي عموماً، يعيشون أحلاماً مصرفية، ليست سوى كوابيس لن يتمكن أحداً في طردها إذا لم يستيقظ.

الأحد، 22 أبريل 2012

في سورية.."ذهب" الثورة براقٌ لو غُسل توسخ

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"مساحة إنش من الوقت هي إنش من الذهب، لكن لا يمكن شراء إنش من الوقت بإنش من الذهب"
مَثَل صيني



كتب: محمد كركوتـــــي

لنترك جانباً حملات الترويج البائسة (وفي كثير من الأحيان المضحكة) التي يقوم بها نظام سفاح سورية بشار الأسد. فهو متجه بقوة إلى الهاوية الاقتصادية، منطلقاً إليها من الهاوية الأخلاقية، التي وقع فيها منذ وصوله إلى الحكم. لا أتحدث هنا عن الاقتصاد الوطني. فقد خسر هذا الاقتصاد توصيفه منذ أن وصل الأسد الأب بانقلاب عسكري، إلى سلطة لم يكتسب شرعية فيها يوماً واحداً، ليصبح "اقتصاد الأسد". وعلى هذا المنوال.. فـ "مركزي" سورية صار"مركزي الأسد"، ونفط سورية أضحى "نفط الأسد"، لم لا؟ وقد اعتبر شعب سورية "شعب الأسد" وهي نفسها باتت "سورية الأسد"! مهلاً.. ألم يمتلك جهمورية وحصل على الشعب هدية؟! في ثمانينات القرن الماضي انتشرت نكتة في أوساط السوريين، حول سائح سأل مرافقه السوري، عن مستشفى مر به فقال له "مستشفى الأسد"، وعن مدرسة وكان الجواب" مدرسة الأسد"، وعن جسر كان "جسر الأسد"، وعن مكتبة فهي "مكتبة الأسد"، و"أكاديمية الأسد"، و"مطار الأسد"، و"ثكنة الأسد".. وهكذا، وبكل براءة قال السائح، ألا يوجد عندكم إلا هذا الحيوان لتسمية الأشياء به؟! وأخرى عن سائحة أجنبية مراهقة، دُهشت من فيضان صور وتماثيل الأسد في كل مكان، لتسأل: هل هذا هو المطرب الأول عندكم؟!

يبيع بشار الأسد ذهب سورية، في سياق استحواذه على كل شيء. ورغم أن قيمة هذا الذهب أقل بكثير من حجم الهبات والمساعدات المالية التي وصلته من إيران والعراق (بلغت 12 مليار في غضون 6 أشهر فقط)، في إطار دعم حكومتي هذين البلدين له في حرب الإبادة التي يشنها على الشعب السوري، إلا أن الذهب في النهاية يمنحه تمويلاً مالياً جديداً بات يحتاجه بقوة. لماذا؟ لأن العقوبات الأميركية والأوروبية والعربية المفروضة عليه، تجفف بالفعل على (أصعدة عدة) مصادر الأموال، وكلها غير شرعية، ولأن إيران (وإن كانت قادرة على مواصلة مده بالمرتزقة وخبراء قتل الأبرياء)، فلم تعد كذلك على الصعيد المالي المباشر، في ظل العقوبات المفروضة عليها أيضاً، وتآكل اقتصادها حتى قبل هذه العقوبات. وكذلك الأمر مع حكومة العراق (الإيرانية) التي لم تقدم سيولة مالية مباشرة، بل تسهيلات تجارية وخدماتية مختلفة، توفر عوائد مالية كبيرة، لكن للتسهيلات والخدمات حدود، في ظل اقتصاد عراقي، لا يقل بؤساً عن جاره الإيراني.

الجديد في قضية الذهب السوري المنهوب، هو بدء عملية بيعه لا سرقته، لأنه نُهب أصلاً منذ سنوات، تماماً مثل النفط والمشروعات الكبرى، ومعها مشروعات البنى التحتية، والوكالات العالمية وغيرها. ولأن بشار الأسد عرف (ولو متأخراً) بأن لا أمل له في البقاء والاستمرار، أمام ثورة شعبية سلمية عارمة، قام بتهريب ممتلكات سورية من الذهب، التي تصل حسب التقديرات إلى حوالي 26 طناً، بقيمة إجمالية تبلغ 2 مليار دولار أميركي، إلى بعض الدول التي لا تزال (ولا أعرف كيف؟!) تعتقد بأن هناك فرصة ما لنجاته مع نظامه. وبالطبع كانت إيران ولبنان وروسيا في مقدمة هذه الدول. غير أن تهريب و"طمر" الذهب، لا معنى لهما إذا لم تعد هذه الثروة بالنفع على السارق وقت الحاجة، خصوصاً وأن للأسد ما بعد سقوطه من الأموال المنهوبة الكثير الكثير، هذا إن نجا من قبضة الشعب السوري. وعوائد الذهب يحتاجها الآن، لأن الفرص والمهل والمبادرات الميتة في رحم منتجيها، توفر له مساحات زمنية إضافية، على أمل أن يقضي على ثورة، انطلقت أصلاً كي لا تنطفىء.

ليس مهماً قناعة الأسد وعصاباته بجسارة الثورة، المهم بالنسبة له ولهؤلاء المضي في حرب الإبادة، للاستمرار يوم إضافي واحد في السلطة. وهذا يتطلب المزيد من المال. فبعد أن باع النفط تهريباً بأسعار يحددها المشترون، وفي ظل محاولاته لبيع سندات خزينة (ولاسيما للصين)، وبعد أن قضم احتياطي سورية من القطع الأجنبي (انخفض من 18 مليار دولار إلى 8 مليارات في أقل من عام)، وبعد أن فر المستثمرون الأخيار من البلاد، وعزف السياح عنها، وجب عليه أن ينبش الذهب المنهوب لبيعه. ووفق طريقة بيع النفط بشروط المشتري، يبيع الأسد مسروقاته الذهبية، مع سعيه الحثيث إلى بيع الاحتياطي كله من القطع الأجنبي. فالذي يقتل الأطفال، لا يهمه مستقبل بلادهم الاقتصادي، والذي يقصف الأحياء السكنية بالمقاتلات، لا يكترث بتحميل شعبه أكوام من الديون المستقبلية، لا قدرة لهذا الشعب على الإيفاء بها.

وسط هذا الخراب الممنهج، ليس مهماً أن تكون عمليات البيع متناغمة مع حراك وأسعار السوق. فهل حدث مرة أن باع لص ساعة مسروقة –مثلاً- بسعرها الحقيقي؟ ولذلك فإن بيع ذهب سورية بأسعار تقل 15 أو 20 أو 30 في المائة عن سعره الحقيقي، أمر مفهموم بل وطبيعي، ولا يمكن أن يكون المشتري أقل سوءاً ودنائة وشراً من البائع. فهذا الأخير سرق ونهب وباع، والمشتري الذي يتلفت يمنة ويسرة، يغسل ويوضب المسروقات، وهو يعلم تماماً أنه يسلب شعباً بأكمله مستقبله، الذي حوله سفاح سورية إلى سلعة رخيصة السعر، فظيعة الأثر. ومع ذلك "ذهب" الثورة براقاً، لو غُسل.. توسخ.

الثلاثاء، 17 أبريل 2012

البنك الدولي "الأميركانلي"

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"هذا العالم محكوم بمؤسسات ليست ديمقراطية. البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية"
خوسيه شاراماغو أديب وشاعر برتغالي



كتب: محمد كركوتــــي


حسناً.. سينتصر الأميركي جيم يونغ كيم، وسيفوز برئاسة البنك الدولي، إلا إذا حدثت مفاجأة (أو معجزة). "سأُخاطر"، وهذا المقال كُتب قبل يومين من عملية اختيار رئيس لهذه المؤسسة، وأقول: إن مفاجأة لن تحدث. أما لماذا "المخاطرة"؟ فلأنه أُريد لهذا المنصب أن يكون حكراً على الأميركيين، بصرف النظر عن أي اعتبارات، على الرغم من وجود آلاف المؤهلين من غير الأميركيين لهذا المنصب. ومنذ العام 1946 وحتى يومنا هذا، لم يُسمح لأي "مُناطح" غير أميركي الوصول إليه. ليس مهماً أصوله، المهم أن يكون "أميركانلي"، مع الاعتذار للأديب المصري صنع الله ابراهيم، على استعارتي هذه المفردة من عنوان لرواية له.

حسناً مرة أخرى، لتحصل أوروبا على هذا المنصب ولو لمرة واحدة، كي لا أقول أفريقيا أو آسيا أو حتى كندا. لكن مهلاً.. لماذا أوروبا؟ ألم تحتكر هي الأخرى رئاسة صندوق النقد الدولي، منذ العام نفسه 1946؟! بل ألم تُدوره فقط بين بلجيكا والسويد وألمانيا وهولندا وأسبانيا وفرنسا؟! إذن.. بلا غمز من قناة المؤامرة، فالواضح أن الأميركيين والأوروبيين قسموا "تركة" العالم في هذا المجال بعد الحرب العالمية الثانية، دون أن يدونوا هذه القسمة في لوائح اتفاق "بريتون وودز" التاريخي، الذي أسس وكرس طبقية اقتصادية عالمية، صمدت نظرياً في وجه الأزمة الاقتصادية العالمية، لكنها وقفت عارية أمامها. نعلم أن للمنتصرين في الحروب (ولاسيما الكبرى منها) مغانمهم، ونعلم أيضاً أن المغانم تُستكمل فور أن تضع الحرب أوزارها، لكن الحرب الكبرى الثانية وفرت مغنانم مستدامة للمنتصرين! في مقدمتها السيطرة الكاملة على "مطبخ" صنع القرار الاقتصادي العالمي، بما في ذلك التحكم (أو في أفضل الأحوال التأثير) بموازنات دول ذات سيادة حقيقية لا صورية، والإملاءات الاقتصادية الاجتماعية المعيشية، بالإضافة طبعاً، إلى إطلاق توقعات حول مستقبل الاقتصاد العالمي، لم تكن كلها صائبة. وفي هذه النقطة بالتحديد، لنتذكر مقدمات الأزمة الاقتصادية العالمية.

كنت من أولئك الذين توقعوا ألا يصر الرئيس الأميركي باراك أوباما على مرشح أميركي لرئاسة البنك الدولي، أو على الأقل ألا يقاتل من أجله. ليس شكاً في وطنيته، بل استناداً إلى تحولين يسودان المشهد الاقتصادي العام. الأول.. التحول التاريخي المتواصل (بل والمتجدد) الذي أحدثته الأزمة الكبرى، والثاني.. سياسة الإشراك التي اعتمدها أوباما منذ وصوله إلى البيت الأبيض. لكن تباً للانتخابات وروابطها التسويقية، عندما تعطل المبادىء العامة المعلنة والمستترة. وأحسب أنها السبب الرئيس في إصرار الرئيس، فيما لو اتفقنا على حسن نواياه في سياسة الإشراك التي لم يفرضها أحد عليه، بل أطلقها وارتضاها لنفسه، هذا إلى جانب تعطيل الانتخابات القسري لجانب من استحقاقات الأزمة، التي تحتم على المنتصرين في تلك الحرب اللعينة، تغييراً جذرياً لسلوكياتهم الاقتصادية، بما في ذلك تخفيف سيطرتهم على المؤسسات الاقتصادية الأممية.

الأسئلة في هذا المجال كثيرة. لماذا لا يُترك المجال أمام وزيرة المالية النيجيرية نغوزي إيوالا، التي عملت مايزيد عن ربع قرن في البنك الدولي؟ لماذا تم الضغط على الاقتصادي الكولومبي خوسيه أوكامبو لسحب ترشيحه؟ لنعتبر أن هذين المرشحين ليسا مؤهلين لقيادة هذا البنك. لماذا لا تُمنح الفرصة لأي مرشح من الدول غير الكبرى في مجموعة العشرين التي استلمت زمام المبادرة على الساحة العالمية في أعقاب الأزمة؟ لماذا لا تتفق الولايات المتحدة وأوروبا –مثلاً- على تدوير منصب رئيس صندوق الدولي بينهما، وترك المجال أمام مرشحي دول أخرى في البنك الدولي؟ لماذا لا يكون العكس، أي تدوير منصب رئيس البنك بينهما، وترك منصب رئيس الصندوق للآخرين؟

ربما يظهر من يقول، إن الأمر لا يتم اختياراً، بل من خلال انتخابات داخل البنك. لنلق نظرة على عملية الانتخاب. سيتم تعيين "المرشح" الأميركي في مجلس المدراء بالتوافق، مدعوماً من ممثلي الولايات المتحدة وكندا واليابان، قبل أن يحصل على موافقة مَنْ؟ الأوروبيين. حسناَ.. تمثل هذه الكتلة مجتمعة قرابة 60 في المائة من الأصوات، أي أن كرسي جيم يونغ كيم (وهو شخص غير متخصص بالاقتصاد، مع الاعتراف بنجاحاته في مواقع مختلفة) مضمون.. مضمون.. مضمون. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، هل وقف الأوروبيون في السابق بصورة معطلة في وجه "المرشح" الأميركي؟! بل هل يجرأون على ذلك؟ هل سينسون "غض الطرف الأميركي" على استحواذهم على قيادة صندوق النقد الدولي؟ على هذا الأساس، تجرأتُ بالإعلان عن قناعتي بأن كيم سيكون رئيس البنك الدولي الجديد، قبل أن تجري هذه العملية الانتخابية الغريبة. وعلى هذه الأرضية يمكن القول ببساطة، إن المنافسة على رئاسة هذا البنك، لا تعتمد (ولم تعتمد) على مؤهلات وكفاءات وتاريخ المرشحين، بل تستند بكل المقاييس إلى المعايير السياسية.

هل يحتاج الأمر إلى تسيير مظاهرات ترفع شعاراً مشابهاً للذي يرفع في بعض الدول العربية "الشعب يريد إسقاط النظام"، ليكون " العالم يريد تغيير نظام انتخاب رئيس البنك"؟

الخميس، 12 أبريل 2012

قائمة "الخونة" كما وضعها أتباع سفاح سوريا بشار الأسد

نشرت مواقع موالية لنظام سفاح سوريا بشار الأسد قائمة بأسماء شخصيات سورية وعربية إعتبرتها تسيئ "لسوريا" وقيادتها .. كما اعتبرت أن هذه الشخصيات مسؤولة عن سرقة "الأمان والمحبة" من بلدهم .
وأنشر هذه القائمة، مع تحفظاتي على ورود أسماء فيها، لا تقل إجراماً عن بشار الأسد، وفي مقدمتها رفعت الأسد وأبنائه ومن يرتبط به، فضلاً عن تحفظات حول أسماء أعضاء في هيئة التنسيق، التي أعتبرها هيئة تنسيق مع سفاح سوريا. كما يبدو أن واضعي القائمة، لم يسمعوا بعد باستشهاد مشعل تمو.

الأسماء منشورة حسب التسلسل الأبجدي، واسمي بكل فخر يحمل الرقم 134.
وفيما يلي الأسماء والنص، كما ورد تماماً:

(هؤلاء الواردة أسمائهم أدناه يقومون بشكل ممنهج للإساءة لسورية وقيادتها هؤلاء الواردة أسمائهم أدناه يقومون بشكل ممنهج للإساءة لسورية وقيادتها

بعد ال...متابعة والتدقيق توصلنا إلى أن هؤلاء الواردة أسمائهم أدناه يقومون بشكل ممنهج للإساءة لسورية وقيادتها من خلال الدعم المادي وتوفير الغطاء والتصريحات النارية من خلال قنوات الفتنة المعروفة المشرق - بردى - الجزيرة والعربية وذلك للوصول إلى قلب نظام بلدنا رأسا على عقب وهم بالتأكيد ليسوا معنيين بالإصلاح وهم أجانب وعرب وسوريون مقيمون بالخارج أو ممن يقيمون داخل بلدنا. وهذه هي الأسماء حسب التسلسل الأبجدي وعلى الشعب السوري أن لا ينسى من حاول سرقة الأمان والمحبة من بلدنا. ربما هؤلاء لم يحملوا السلاح ولكن التحريض والفتنة أشد من القتل:

1. إبراهيم بن عبد الرحمن التركي سعودي صاحب موقع على الإنترنت

2. إبراهيم الزبيدي كاتب عراقي

3. إبراهيم الشغري المجلس الثوري للتنسيقات

4. أبو عبد الرحمن عيسى المجلس الثوري للتنسيقات

5. أحمد عبد العال مؤتمر العلماء المسلمين إسطنبول

6. أحمد طعمة إعلان دمشق

7. أمال شابة محطة أورينت

8. أشرف المقداد لندن

9. أسامة القاضي رئيس المركز السوري للدراسات واشنطن

10. أكرم البني

11. ألان قادر حقوقي لينز

12. العرعور

13. القرضاوي

14. إلياس حرفوش صحفي

15. إلياس دبانة

16. أمجد ناصر أردني

17. أنس العبدة حركة العدالة والبناء

18. أنور البني محامي

19. أنور المختار لجنة الثورة السورية لندن

20. إياد خضور عضو تنسيقيات في لبنان

21. إيمان شاكر

22. برهان غليون

23. بسمة قضماني مديرة مبادرة الإصلاح العربي باريس

24. بسام الملك

25. بسام بيطار واشنطن

26. بسام جعارة

27. بنكي حاجو كردي سوري

28. بندر بن سلطان

29. بهية مارديني

30. ثائر الناشفن

31. جبر الشوفي إعلان دمشق السويداء

32. جمال الجراح

33. جمال ملا محمود حزب الديمقراطي الكردي

34. جميل صائب

35. جورج صبرا

36. جيفري فيلتمان

37. جيري ماهر لبناني مدير موقع الثورة السورية الفيسبوك

38. حازم النهار

39. حسان حيدر مدير تحرير جريدة الحياة لندن

40. حكم البابا ناقد محطة أورينت دبي

41. حمزة الغضبان عضو تنسيقيات في لبنان

42. حسن عبد العظيم حلب

43. حسين العودات

44. خالد الفيومي المجلس الثوري للتنسيقيات

45. خالد الضاهر نائب لبناني كتلة الحريري

46. رامان كنجو تنسيقيات الثورة حلب

47. رامي عبد الرحمن

48. رجاء الناصر حزب الإتحاد الإشتراكي الديمقراطي حلب

49. رستم جودي

50. رضوان باديني

51. رضوان زيادة الولايات المتحدة الأمريكية

52. رفيق الشامي ألمانيا

53. روز أبو علي ياسين

54. روزا ياسين حسن

55. رولا غازي

56. روناهي شيلان

57. ريبال الأسد

58. رفعت الآسد

59. رياض سيف

60. زكريا السقال

61. زهير سالم إخوان مسلمون لندن

62. زياد السيد مذيع محطة بردى لندن ومراسلها في إسطنبول

63. سليمان محمود عماشة

64. سعد الحريري

65. سمر يزبك

66. سمير الدخيل

67. سمير العيطة صحفي باريس

68. سمير نشار هيئة إعلان دمشق حلب

69. سهير الأتاسي

70. سلمان أحمد إدلب

71. سلامة كيلة دمشق

72. شاكر النابلسي

73. شفكر رفيق البارتي

74. صادق جلال العضم

75. صالح مسلم حزب الديمقراطي الكردي

76. صبحي حديدي

77. صلاح بلال

78. ضياء الدين دغمش لبناني

79. طارق جانودي

80. عادل الطريفي لندن

81. عارف دليلة

82. عامر الصادق تنسيقيات الثورة دمشق

83. عباس عباس ألمانيا

84. عبد الأحد اصطيفوا

85. عبد الإله ثامر طراد الملحم من مشايخ العشائر

86. عبد الباسط حمو

87. عبد الحليم خدام

88. عبد الرافع حاكمي مؤتمر العلماء المسلمين إسطنبول

89. عبد الرحمن الراشد

90. عبد الرحمن جليلاتي لندن

91. عبد الرحيم السمان محامي حماة

92. عبد الرزاق عيد إعلان دمشق باريس

93. عبد الرؤوف درويش رئيس "تجمع 15 آذار من أجل الديمقراطية

94. عبد العزيز الحلبي المجلس الثوري للتنسيقيات

95. عبد العزيز الخير

96. عبد اللطيف المنير واشنطن

97. عبد الكريم الريحاوي

98. عروة الفاضلي المجلس الثوري للتنسيقيات

99. عصام العطار مؤتمر العلماء المسلمين إسطنبول

100. علي القره داغي مؤتمر العلماء المسلمين في اسطنبول

101. علي الأحمد موقع syria.net

102. علي حمادة

103. علي سنقر

104. علي فرزات

105. عماد الدين الرشيد إخوان مسلمون الأردن

106. عمار عبد الحميد محطة بردى لندن

107. عمر قشاش

108. عمر مقداد صحفي

109. عهد الهندي

110. غازي دحمان دمشق

111. غالب محمد مذيع محطة بردى لندن

112. غسان إبراهيم مدير موقع غلوبال أراب نتوورك بريطانيا

113. غسان المفلح سويسرا

114. غسان النجار

115. غسان عبود صاحب محطة أوربت دبي

116. فايز سارة

117. فداء السيد إخوان مسلمون ألمانيا

118. فداء المجذوب

119. فهد المصري

120. فوزي حمادي دير الزور

121. كاميران حاج عبدو حزب الديمقراطي الكردي

122. كاميران حاجو

123. كمال سنقر

124. كمال شيخو

125. لافا خالد

126. مالك العبدة

127. مجاب السمرة بيروت

128. محمد العبد الله

129. محمد العمار تيار إسلامي متشدد

130. محمد دحلان فلسطيني

131. محمد رحال المجلس الثوري للتنسيقيات

132. محمد زهير الصديق الشاهد الكاذب الملك

133. محمد الزعبي ألمانيا

134. محمد كركوتي أنطاليا مؤتمر التغيير أبو ظبي

135. محمد سيد رصاص

136. محمد عبد المجيد منجونة حزب الإتحاد الإشتراكي الديمقراطي حلب

137. محمد علي الصابوني مؤتمر العلماء المسلمين إسطنبول

138. محمد فيزو تنسيقيات الثورة جسر الشغور

139. محمد منصور ناقد محطة أوربت دبي

140. محمد ياسر المسدي مؤتمر العلماء المسلمين في اسطنبول

141. محمد نجاتي طيارة

142. محمود مرعي حقوق الإنسان دمشق

143. محي الدين شيخ آلي

144. محي الدين لادقاني

145. مشعل التمو تيار المستقبل الكردي القامشلي

146. مصطفى رستم حماة

147. مصطفى سعيد المجلس الثوري للتنسيقيات

148. ملهم الدروبي إخوان مسلمون

149. ممتاز سليمان محامي لندن

150. منتهى الأطرش السويداء

151. منير البيطار

152. ميشيل كيلو دمشق

153. نبيل مرزوق إقتصادي دمشق

154. نجم عبد الله

155. نصر حسن

156. نزار توبة لندن

157. نواف البشير من مشايخ العشائر

158. هوزان حسن

159. هيثم المالح

160. هيثم المناع

161. هيثم رحمة المنسق العام للائتلاف الوطني لدعم الثورة

162. لؤي حسين

163. وائل الحافظ باريس

164. وحيد صقر

165. وسيم سنقر

166. وليد البني

167. وليد شخو

168. وهيب أيوب

169. ياسين الحاج صالح دمشق).
انتهى

الثلاثاء، 10 أبريل 2012

الأسد يبيع مستقبل سورية أيضاً

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"الذي يسند السلم للسارق، ليس أقل منه سوءاً وشراً"
مَثَل ألماني

 
كتب: محمد كركوتـــي
 
لن يرحل سفاح سورية بشار الأسد، قبل أن يحول البلاد إلى كيان منكوب، بكل ما يملك من قوة، ومن زمن لا يزال متاحاً له. فهذا النوع من الأشرار لا يقبل إلا بتلك المعادلة الفظيعة المرعبة "إما أنا أو الأمة بأكملها". هكذا فعل نيرون روما، الذي قتله أحد ضباطه لتخليص الأمة من شروره ومجونه وجنونه، وبالأمس.. هكذا فعل سفاح ليبيا معمر القذافي، و"قبل الأمس".. هكذا فعل الألماني أدولف هتلر، الذي تقدم على نيرون والقذافي والأسد بنقطة إيجابية واحدة فقط، عندما انتحر، ليس هروباً من جرائمه، بل فراراً من الاعتقال والمحاكمة. كل هؤلاء، قَتَلوا وحَرَقوا ودَمَروا واعتَقَلوا وعَذَبوا وهَجَروا وشَرَدوا وسرقوا، كي يستمروا في حكم لا يملكونه، وفي سلطة لا شرعية لهم فيها. ولو استطاعوا لأطلقوا الزلازل الطبيعية، ليستمروا يوماً إضافياً واحداً.

بعد سرقة ثروات سورية على مدى أربعة عقود، ومعها المساعدات والمعونات، وإفراغ البنك المركزي من موجوداته (الاحتياطي النقدي فيه انخفض في أقل من عام، من 17 مليار دولار إلى ما بين 5 و6 مليار)، واستحواذ أسرة واحدة (أسرة الأسد) على 65 في المائة من الاقتصاد الوطني، و"تطفيش" رأس المال الوطني، ومعهم المستثمرون الأخيار، واضمحلال قيمة الليرة. وبعد الفساد المُمأسس، والنهب المنهجي، يسعى بشار الأسد لبيع سندات خزينة، لجمع أكبر قدر ممكن من الأموال، لماذا؟ لتمويل حرب الإبادة التي يشنها على الشعب السوري منذ أكثر من عام، ولمواصلة الفظائع التي تُرتكب على مدار الساعة في البلاد. ببساطة.. لإطالة أمد بقائه أطول فترة ممكنة. وهذا يؤكد، على أن الإمدادات المالية التي وصلته من إيران والعراق والبالغة قرابة 12 مليار دولار أميركي خلال أقل من عام واحد، لم تكن كافية لاستكمال حرب الإبادة. ويُؤشر أيضاً، إلى أن النظام الطائفي في إيران، لم يعد يستطيع مواصلة مد النظام مالياً، من جراء الخراب الاقتصادي الذي يعيشه الإيرانيون، والمرشح للمزيد من الفداحة في المستقبل القريب. والأمر ليس أفضل في الحالة العراقية. فما قدمته حكومة نوري المالكي الإيرانية هناك، كان مجموعة من التسهيلات والاتفاقات الاقتصادية، وفرت للأسد 6 مليار دولار، ولا تبدو في الأفق إمكانية تواصلها إلى الأبد.

هناك مثل أفريقي-أميركي يقول: "الكاذب سيَسرُق، والسارق سيَقتُل"، وبشار الأسد جمع بامتياز الصفتين الأولى والثانية. فقد كذب على شعبه وعلى العالم أجمع (بل حتى على من تبقى من أصدقائه)، وسرق وقتل، ولا يزال يقتل. فلا مجال للصدمة هنا من محاولاته بيع الصين (المتخصصة بشراء السندات) سندات خزينة بقيمة 10 مليارات دولار أميركي، وكل من إيران وروسيا سندات بقيمة 10 مليارات أخرى. إنه بذلك يدمر مستقبل سورية، في إطار تدميره المتواصل لتاريخها، بل وحتى آثارها. إنه يكبل الشعب السوري بمزيد من الديون، ويرهن ثرواته وحراكه الاقتصادي لسنوات طويلة بعد زواله إلى الأبد. إنه يسعى إلى إضافة خراب آخر إلى الخراب الذي خلفه للاقتصاد السوري، هو ووالده على مدى أكثر من أربعين عاماً. المعادلة تتحول هنا من "أنا أو الأمة بأكملها"، إلى "أنا ومن بعدي الخراب".

عندما تشتري روسيا سندات خزينة سورية، فهي تقتل الشعب السوري ثلاث مرات. سياسياً من خلال وقوفها سداً في وجه أي قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي ضد الأسد وأعوانه، وعسكرياً عن طريق الإمدادات الحربية المتواصلة له، واقتصادياً بسندات مسروقة. وكذلك تفعل الصين. أما إيران، فهي تمد قاتل السوريين قبل وبعد ثورتهم. وستكون سورية التي يحاصرها الأسد الآن، محاصرة اقتصادياً بعد سقوطه الذي أصبح واجباً عالمياً وإنسانياً. وقد أثبت التاريخ، أن الديون تُسقط دولاً. وفي قلب الاتحاد الأوروبي، كادت دول راسخة في التاريخ والجغرافيا معاً، أن تسقط من جراء ديونها، لولا تهافت الدول الكبرى فيه لإنقاذها.

وإذا كان مصير الثورة في سورية في أيدي شعبها فقط، بعد تقاعس المجتمع الدولي في سندها، فإن سندات الخزينة تظل في أيدي الأسد حتى ينهار هو ونظامه، وهي بمنزلة حبل شيطاني يخنق الأجيال القادمة، ويربطها بجنازير اقتصادية غليظة، لن تكون طيعة في الكسر. وهذا يتطلب تحركاً دولياً فورياً، ولا سيما من أصدقاء الشعب السوري، يستهدف إقناع حكومتي موسكو وبكين، بأنهما لا ترهنان حاضر سورية فحسب، بل مستقبلها أيضاً. نحن نعلم صعوبة هذه المهمة، لكنها قد تكون أقل حدة من إقناع هذين البلدين، بأن الرهان السياسي على بقاء الأسد، يحمل خسارته معه. على الدول المؤثرة، أن تتجه إلى أية حكومة تسول لها نفسها شراء سندات الخزينة السورية، بأنها لا تستثمر فيها، بل تعيد مجدداً قصة شايلوك في مسرحية "تاجر البندقية" لشكسبير، مع فارق وحيد هنا، أن دولاً كبرى، ستختصر نفسها بهذه الشخصية المرابية المريضة.

إن القضية برمتها ليست سياسية ولا عسكرية ولا اقتصادية، إنها قضية أخلاقية. ألم يصر شايلوك على قطع قطعة من لحم مَدينه؟!

الثلاثاء، 3 أبريل 2012

إيران ستختنق مالياً بنفطها

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


"الولايات المتحدة تحاول إقناعنا بأن العقوبات على إيران ستدفع هذه الأخيرة للتراجع عن برنامجها النووي. لكني لا أرى ذلك على الإطلاق"
راي تقية مسؤول سابق في الخارجية الأميركية




كتب: محمد كركوتــــي

لا شيء يضرب إيران في صميمها الاقتصادي الهش، سوى الشق النفطي من العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة عليها. وهذا أمر طبيعي، عندما تحقق صادراتها ما يزيد عن 80 في المائة من مداخيلها من القطع الأجنبي، أو أكثر من 20 في المائة من ناجها المحلي الإجمالي. فالعقوبات المالية المفروضة عليها (بما في ذلك حظر التعامل مع البنك المركزي)، يمكن الالتفاف حولها من خلال عدد من القنوات، يمثل العراق بحكومته "الإيرانية" الحالية أوسعها، بالإضافة إلى "القناة" الروسية وغيرها، مع ضرورة عدم الانتباه إلى ما يُعلنه مسؤولون في الحكومة العراقية، بتشديد حركة نقل الأموال وتبديل العملات التي يقوم بها النظام الإيراني من خلال بغداد. فكلها تصريحات يجهد مطلقوها أنفسهم للعثور عمن يقبلها أو يصدقها، إلا إذا استثنينا سفاح سورية بشار الأسد، وآلته الإعلامية البائسة اليائسة. والحقيقة لا تنافس الأكاذيب العراقية، سوى السورية والإيرانية، ولا تنافسها مجتمعة إلا أكاذيب حزب الله الإيراني في لبنان، لكن في النهاية لا يوجد نوع واحد من هذه الأكاذيب ذا جودة، فهي تنكشف قبل أن ينتهي إطلاقها.

راهن نظام خامنئي على إرباك السوق النفطية العالمية، من جراء العقوبات المفروضة عليه (بما في ذلك تهديداته الفارغة بإغلاق مضيق هرمز)، لكنه خسر رهانه على الفور. فالاحتياطي النفطي العالمي مستقر، بل ويتزايد حجمه في بعض الدول، فضلاً عن سهولة سد النقص الذي قد يحدثه النفط الإيراني في هذه السوق. وإذا كان الأمر في سياق الرهانات، فإن الرهان الوحيد الذي كسب (ويكسب)، هو رهان الدول التي فرضت هذه العقوبات، والتي حاولت بشتى الوسائل السياسية أن تحول تحركات نظام طهران من جهود نووية عدوانية، إلى جهود نووية أيضاً لكنها سلمية، تخضع للرقابة الدولية، كغيرها من الدول التي سارت على نهج النزاهة والشفافية وحسن النوايا في هذا الطريق. وعلى ضوء "الضربات" النفطية الغربية، سوف تخسر إيران ما يقرب من 50 مليار دولار أميركي في غضون الأشهر القليلة المقبلة. أي نصف عوائدها النفطية تقريباً التي بلغت 100 مليار دولار في العام الماضي. وهذا يعني أنها ستدخل في نفق شح القطع الأجنبي، وإذا ما طال أمد هذه العقوبات، فإن نظام الملالي سيقضي وقته كاملاً في البحث عن دولار هنا ويورو هناك، وحتى روبية هندية وروبل روسي. لن يبحث عن الليرة السورية المتهاوية معه وبه.

ولا تكمن أزمة إيران في العقوبات النفطية الغربية عليها فقط، بل تتجاوز لتشمل تهديد الغرب للدول المستوردة للنفط الإيراني بفرض عقوبات عليها، إذا لم تخفض من حجم وارداتها بنسب كبيرة. فليس هناك حجة لهذه الدول، طالما أن المملكة العربية السعودية تعهدت رسمياً بسد النقص من النفط في السوق العالمية. وحتى لو تمكنت إيران من مواصلة بيع نسبة من حصتها المعروفة من النفط، فإنها ستبيع بأسعار منخفضة، تماماً كما هو الأمر حالياً بالنسبة للأسد الذي يبيع النفط السوري بأي سعر، بحثاً عن القطع الأجنبي من العملات الصعبة. وطبقاً لوكالة الطاقة الدولية، فإن العقوبات قد تخفض صادرات إيرانية النفطية إلى مليون برميل يوميا (من 2,5 مليون برميل)، أو بنسبة 40 في المائة من حجم الصادرات اليومي الكلي. وطبقاً للحالة الإيرانية الراهنة، فإنها ستضطر لبيع البرميل ما بين 80 و90 دولاراً فقط، لأن العقوبات المالية الغربية، ستجعل عملية السداد معقدة وصعبة للغاية. هذا إذا استطاعت أن تجد من يشتريه في المرحلة اللاحقة.

مهلاً.. نظام طهران سيواجه نفس الموقف حتى لو أصر (ونجح) على البيع بسعر السوق العالمية، لأن أسعار النفط مرشحة أصلاً للتراجع، والعودة إلى السعر العادل الطبيعي للبرميل في حدود 100 دولار، فضلاً عن التعقيدات والمخاطر في عمليات الشحن، وارتفاع تكاليف تأمينها. وعلى هذا الأساس، لا تفيد "عنتريات" خامنئي وأحمدي نجاد، وعليمها أن يتعلما من "العنتريات" اليائسة والمضحكة في آن معاً لمندوبهما في لبنان حسن نصر الله.

لقد قرر النظام الإيراني أن يمضي قدماً في إقامة ما أطلق عليه أحد المسؤولين الاقتصاديين في طهران "اقتصاد الحرب". فهذا النظام لا يمكنه بعد أكثر من ثلاثة عقود على وصوله إلى السلطة، أن يؤسس لاقتصاد سِلم. والحالة الراهنة للاقتصاد الإيراني، هي في الواقع حالة حرب، فرضها النظام على بلاده، لن تنال إلا من شعبه، ولا بأس من نيلها لعملائه في كل من سورية ولبنان، وأتباعه في العراق. ولا أعرف لماذا لا يعي خامنئي –حتى الآن- أن الرياح العاصفة المدمرة الكامنة في بلاده، ستنطلق مجدداً وبصورة سيقف مذهولاً أمامها. تماماً كما يقف في الوقت الراهن بشار الأسد. لا أعرف إذا ما كانوا يعرفون، أن أحداً ليس بحاجة إلى خبير في الطقس، لمعرفة اتجاه الرياح.

الاثنين، 2 أبريل 2012

في سورية .. اقتصاد الخراب الكلي

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


«الحقائق كثيرة، لكن الحقيقة واحدة»
طاغور أديب وفيلسوف هندي



كتب: محمد كركوتـــي


استغرق الأمر عاماً كاملاً، كي يشير (لا أن يعترف) بشار الأسد وأتباعه إلى أن أزمة اقتصادية تضرب سورية، أو على الأقل، أن خسائر مادية أصابت البلاد. فقد اعتقد أن الاستمرار في الكذب ونكران الحقائق الموجودة على الأرض، سيُبقي الحقيقة الكُلية متوارية، وسيُقنع العالم بأن سورية التي تشهد واحدة من أبشع المجازر التي يرتكبها نظام ضد شعبه في التاريخ الحديث، تستطيع العيش حتى في ظل الحصار الاقتصادي المفروض على النظام، وأن هذا النظام يمكنه تلبية الحد الأدنى من حاجات المواطنين. وإذا كان الاقتصاد السوري يتداعى في أعقاب الثورة الشعبية السلمية العارمة التي تجتاح البلاد، فإنه كان قبلها يعيش أزمة خراب تاريخية، بدأت في الواقع منذ وصول الأسد الأب إلى السلطة، لتتطور بأشكال مختلفة مع وصول الأسد الابن إلى حكم لم يكن يوماً من حقه (ولا من حق أبيه)، ولتستمر وفق معطيات أخرى جديدة، إلى أن انطلق السوريون لاستعادة حريتهم. وللتذكير فقط، هذا الاقتصاد مر في العهدين غير الشرعيين، بثلاث مراحل هي: اقتصاد التفقير، واقتصاد الفقر وما دونه، واقتصاد التشبيح (أو البلطجة). وفي أعقاب الثورة، استحق بجدارة توصيف اقتصاد الخراب الكلي.

يدعي الأسد وأعوانه، أنه يستحيل حساب الخسائر الاقتصادية التي ضربت البلاد في الأشهر القليلة الماضية، وهو يوجه اللوم إلى الثورة على هذه الخسائر، على الرغم من أن العالم أجمع يعرف أن هذه الثورة قامت أصلاً لوقف خسائر إنسانية وسياسية ومعيشية، إضافة طبعاً إلى الخسائر الاقتصادية، واندلعت لتؤسس لدولة مدنية ديمقراطية طبيعية، في مقدمة عناصرها، اقتصاد وطني لا اقتصاد تستحوذ عليه أُسرة واحدة فقط، ملكت كل شيء، في إطار استكمال استحواذها على أمة بأكملها. والادعاء باستحالة حساب الخسائر الاقتصادية في ظل استمرار الأزمة، ليس إلا محاولة يائسة لإخفاء اقتصاد بائس، وأوضاع معيشية تعج بالخراب. فأسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، وصلت إلى مستويات تاريخية في ارتفاعها، بما فيها تلك المنتجة محلياً. وتكفي الإشارة هنا، إلى المشكلات التي تواجه عمليات استيراد مواد مثل السكر والأرز والشاي وحتى الخميرة المستخدمة في إنتاج الخبز، وهناك مصاعب كبيرة في تأمين استيراد البذور للإنتاج الزراعي، ولا سيما الحبوب، فضلاً عن مصاعب جمة في استيراد الأدوية.

وسط هذه الحقائق، تواصل الليرة السورية خسائرها بصورة يومية، لا شهرية ولا سنوية. ففي أقل من عام، فقدت 72 في المائة من قيمتها، في الوقت الذي لا يزال هناك من أعوان الأسد، من يروج لأن هذه الليرة محسودة على ثباتها! والاحتياطي المتبقي في البنك المركزي من القطع الأجنبي، بلغ قرابة تسعة مليارات دولار، منخفضاً من نحو 18 مليار دولار، تم تهريب نصف هذه الأموال إلى الخارج، واستُهلك النصف الآخر في عمليات إسناد بائسة ويائسة لليرة. وبصورة طبيعية أخذت مدخرات السوريين تتبخر حقاً. فمن كان يحتفظ في جيبه بألف ليرة قبل عام، باتت تساوي الآن قرابة 300 ليرة فقط. وهذا ما يبرر إقدام السوريين على سحب ودائع بلغت قيمتها في عام واحد أكثر من 100 مليار ليرة سورية، أو 30 في المائة من إجمالي الودائع في المصارف. في هذه الأجواء توقفت الغالبية العظمى من أعمال الإنشاءات والبناء والتشييد والإسكان، وذلك بسبب ارتفاع أسعار المواد المستخدمة فيها. أما القطاع السياحي الذي كان يشكل رقماً مؤثراً في الاقتصاد، فلم يحقق شيئاً طوال العام الماضي.

ليس صعباً حساب الخسائر التي ضربت الاقتصاد في سورية، حتى في ظل استمرار الثورة الماضية حتى النهاية لإسقاط الأسد ونظامه. فأسعار المواد الاستهلاكية والأولية وتلك المرتبطة بالبناء والتشييد، والأدوية، والمواد المستخدمة في الإنتاج الزراعي، تسير كلها نحو الارتفاع، وفي بعض الأحيان بصورة أسبوعية. وقيمة الليرة السورية ستواصل الانخفاض، خصوصاً بعدما فشلت كل المحاولات للحفاظ على مستوى ثابت لها، بما في ذلك فرض رقابة مشددة على تصريف العملات الصعبة، وشن حملات ضد مكاتب الصرافة، والتعويم الجزئي الغريب لليرة قبل ثلاثة أشهر، وسيواصل السوريون سحب ما أمكن لهم من ودائعهم، لتحويلها إلى عملات أخرى تضمن ما تبقى من قيمتها. ولكن مهما بلغت الخسائر المادية والاقتصادية الشخصية والعامة، فإنها لا تمثل شيئاً أمام الخسائر البشرية التي يتعرض لها السوريون في كل أرجاء بلادهم، بل هي في الواقع، خسائر طبيعية لحملة وحشية بربرية ضد شعب أعزل.

في مقال سابق لي، أشرت إلى أن الاقتصاد السوري يسير إلى الزوال الفعلي جنباً إلى جنب مع زوال بشار الأسد ونظامه. فالزوال سيشمل كل ما يمتلكه هذا النظام، وفي مقدمة ممتلكاته.. الاقتصاد نفسه. وسيسهم تدهور الاقتصاد (بوضعيته الراهنة) في تسريع رحيل الأسد، لأن الخراب وصل إلى لقمة العيش وإلى الدواء وإلى التفاصيل المعيشية اليومية للفرد السوري. وهنا لا أعني أولئك الذين هبوا لإزاحة الأسد، بل الذين لا يزالون يعتقدون أن نظام هذا الأخير، لا يزال قابلاً للحياة.

نظام واقتصاد معًا إلى الهاوية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


''خراب فوق آخر، هزيمة فوق أخرى، يجعلان من التشوش أكثر إرباكًا''
جون ميلتون شاعر ومؤرخ إنجليزي


كتب: محمد كركوتــــــي

مع تحطيم الدولار الأمريكي أرقامًا قياسية في سورية (ستبلغ قريبًا مرحلة ''حرب إبادة'' لليرة السورية، في سياق حرب الإبادة التي يشنها بشار الأسد ضد الشعب السوري)، ومع ارتفاع حجم السحوبات المالية التي قام بها السوريون في الأشهر الماضية، ومع عجز هائل في الموازنة العامة، ومع انكماش محقق للاقتصاد في العام الجاري، ومع ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الرئيسة، ومع بلوغ مداخيل السياحة الرقم صفر، ومع ارتفاع مؤكد للدين الخارجي يصل إلى تسعة مليارات دولار أمريكي، وأيضًا مع تراجع الإنتاج الزراعي والصادرات، وتفاقم معدلات البطالة والفقر.. مع كل مؤشرات الخراب هذه، لا يزال الأسد (ومعه أعوانه)، يعتقد أن الاقتصاد سينجو، وكأن نظامه الوحشي البربري هو نفسه سينجو من الفظائع التي ارتكبها (ويرتكبها) بحق شعب أراد فقط حرية لاختيار من يحكمه. ولا أعرف إذا كان يعلم أن الأمر لم يعد بحاجة إلى أرقام، لاستكشاف آفاق هذا الاقتصاد. فيكفي استعراض ما يجري على الأرض، لتكتمل صورة الخراب الاقتصادي، بل يكفي إلقاء نظرة على القوانين والقرارات المتضاربة التي ساهمت في تسريع وتيرة الخراب.

منذ اندلاع الثورة الشعبية السلمية العارمة، حاول بشار الأسد وأعوانه، إخفاء حقيقة الوضع الاقتصادي الذاهب ''بقوة'' إلى الخراب. فقد أثبتت هذه الثورة مرة أخرى أن ما يوجد في سورية لم يكن اقتصادًا وطنيًّا، بل كان (ولا يزال) اقتصادًا أُسريًّا يتصرف فيه (بل يمتلكه) عدد محدود من الأشخاص، صادف أنه مرتبط بأمة بأكملها! ولأنه ليس وطنيًّا، فقد كان من الطبيعي أن يتداعى سريعًا. والحقيقة كان هذا الاقتصاد مؤسسًا على الخراب، وما فعلته الثورة أنها نقلت الأساس إلى السطح، وكشفت كيف أن نظام الأسد الأب والابن، لم ينهب البلاد ومقدراتها فحسب، بل لم يترك مجالاً ولا أملاً لإصلاح اقتصادي ما في المستقبل. ولذلك، فإن على السوريين الذين يستعدون لبناء وطنهم سياسيًّا بعد زوال الأسد إلى الأبد، أن يعيدوا بناء اقتصاد جديد من الصفر، بنقله من معايير وسلوكيات اقتصاد قطاع الطرق، إلى معايير الاقتصادات التي تستحقها سورية الحرة وتليق بها.

لا أعرف لماذا يُجهد المحللون الاقتصاديون أنفسهم، لقراءة ما إذا كان الأسد قادرًا على إعادة الاستقرار لاقتصاد سورية أم لا؟ هذا الأمر لا ينطبق على سورية؛ لأن الاقتصاد لم يكن مستقرًّا فيها على مدى ثلاثة عقود على الأقل، إلا إذا اعتبرنا أن عملية تخريب الاقتصاد كانت مستقرة طوال هذه العقود. وقراءة مستقبل أي اقتصاد، عملية تتطلب أرقامًا وإحصائيات ودراسات وبحوث نزيهة، إن لم تكن محايدة، وهذا ما لم تشهده سورية طوال الفترة المذكورة. وعلى هذا الأساس كانت المؤسسات الدولية المختصة، تقرأ الاقتصاد في سورية، وفق تقديرات كانت حريصة دائمًا على إطلاق آمال بأن تكون قريبة من الواقع. ورغم المحاولات الدولية المستمرة مع الأسد الأب والابن، للسماح باستكشاف حقيقة الأرقام والإحصائيات التي تعطي مؤشرات على وضعية الاقتصاد، إلا أنها كانت (ولا تزال) تصطدم برفض حاسم. فهل حدث أن كشفت العصابة (أي عصابة) طواعية عن مسروقاتها؟

الاقتصاد ''السوري'' الآن لا يتجه إلى الانهيار وحده، بل يسير ومعه بشار الأسد ونظامه. فما بدأته هذه الثورة التاريخية، سينهيه حتمًا الاقتصاد، خصوصًا مع تضييق الخناق الاقتصادي حول رقبة الأسد، بما في ذلك الجولات الجديدة من العقوبات الأوروبية والأمريكية عليه، فضلاً عن تفعيل العقوبات العربية ضده، في حين ليس مضمونًا أن يواصل النظام الإيراني توفير الإمدادات المالية له إلى ما لا نهاية، بسبب المصائب الاقتصادية التي تعيشها إيران نفسها، والضغوط الشعبية المتعالية على نظام الملالي من جهة الاقتصاد. فمع وصول سعر صرف الدولار الأمريكي إلى 80 ليرة سورية، وسحب أكثر من 100 مليار ليرة من الودائع خلال أقل من سنة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض هذه الودائع بنسبة 30 في المائة، (علمًا بأن هذه الأرقام والنسب تقديرية، وعادة ما تكون أعلى من ذلك في معظم الحالات)، ومع توقف غالبية القطاعات الإنتاجية والخدماتية، بات على الأسد أن يفكر إذا ما كان يستطيع أن يدفع رواتب الموظفين الحكوميين في الأشهر القليلة المقبلة، إذا ما نجح أصلاً (خلال هذه الأشهر) البقاء في السلطة.

ليس هناك الكثير من الوقت أمام الأسد لتسويق أوهام اقتصادية للسوريين والعالم، بما في ذلك ''إيمان'' أعوانه بأن سورية محسودة على اقتصادها وليرتها! لقد بلغ الاقتصاد حافة الهاوية، التي هي نفسها يسير إليها النظام نفسه، الذي يصر على أنه يستطيع تغيير البدهيات، عن طريق مواصلة حرب الإبادة التي يشنها على الشعب السوري. وإذا كان لا يقرأ التاريخ (أو لا يفهمه، وهذا مرجح)، ألا يوجد شخص بجانبه يبلغه بأنه لم يحدث على مر التاريخ أن انتصر نظام على شعب أو أمة؟