الثلاثاء، 20 أبريل 2010

العالم الثالث السابق!

( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")











" العالم الثالث ليس حقيقة.. إنه فكرة"
الفيلسوف الأميركي حنا آرنديت

 
محمد كركوتــي
 
على دول العالم الثالث أن تفرح، وعليها أن تَسعد بتقدمها صفا أمامياً واحداً. عليها أن تعترف للأزمة الاقتصادية العالمية، ببعض "الجميل" في تحركها الطبقي نحو الأعلى. عليها أن تتخلص من مشاعر "الدونية" ولو قليلاً. عليها أن ترفع من صوتها بكل ما تمتلك من قوة، في وجوه "كاتمي الصوت". عليها أن تردد تلك الأغنية الشهيرة للشاعر والمغني الأميركي بوب ديلان " الأوقات تتغير" The Times They Are a-Changin . عليها أن تُذكِر العالم – لاسيما الذين كانوا أقوياء في المُطلق – بما قاله يوماً رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرتشل : " إن الأمم القوية ليست عادلة، وعندما ترغب في أن تكون عادلة، تكون قد فقدت قوتها". على دول العالم الثالث، أن تغتنم التحول التاريخي الذي أحدثه الاقتصاد لا السياسة، والذي جعل من الكبير أقل شأنا، وأكثر اضطراباً، ومن الصغير رقماً، لم يكن محسوباً في السابق. عليها أن تتخذ سياسات توازي التحولات، وأن تعمل على " إنضاج" نفسها وفقاً للمستجدات التاريخية. لقد ظلت هذه الدول عقوداً من الزمن، تسلك طريقاً بلا مسارب، ودرباً بلا نقطة علاَم واحدة!. ارتضت برقمها الثالث الذي حدده الآخرون لها. ربما اعترضت مرة أو مرتين.. لكن لم تجدد اعتراضاتها بعد ذلك. قبلت بالتصنيف، دون أن تسأل عن واقعية ومعايير المُصنِف!.

إذا كانت السياسة والنظم غير الديمقراطية كرست تصنيف العالم الثالث، على اعتبار أن العالم الأول – مثلاً- يمارس السلوك الديمقراطي في حياته، فإن الاقتصاد هو الذي بدأ بدفع التوجهات إلى إلغاء "الرقم الثالث" في عالمه. وهو بالتحديد ما دفع رئيس البنك الدولي روبرت زوليك إلى الإعلان عن أن " مفهوم العالم الثالث القديم، لم يعد قائماً، وأن الدول الغنية ( الصناعية) لا يمكنها فرض إرادتها على الدول النامية التي أصبحت الآن محركات رئيسية للنمو العالمي". كيف توصل حاكم بنك " الأثرياء والفقراء" إلى هذه النتيجة التاريخية بكل معنى الكلمة؟. قام باستعراض بسيط للحراك الاقتصادي في بعض الدول النامية على مدى السنوات الماضية، "واكتشف" أن التقدم الاقتصادي في هذه الدول، كان له آثار عميقة على التعاون الدولي والتعددية وعمل مؤسسات مثل البنك الدولي. "واكتشف" أيضا، أن الاقتصادات الناشئة ستلعب دوراً أكبر، من العودة مجدداً للتركيز على مصالح ذاتية. ولمن نسي – ومن بينهم زوليك – فإن الدول المَعنية في العالم الثالث هذه، بدأت بلعب دور كبير على الساحة العالمية منذ سنوات. أي أنها تجاوزت حالة أو توصيف "ستلعب". لا يرغب مكتشفو "الحقيقة" الجديدة، أن ينظروا لعالم جديد من منظور قديم. والواقع أن الحائط الأخير في "صرح" المنظور القديم، دُمر عملياً وواقعياً مع أول تفجير جاءت به الأزمة الاقتصادية العالمية، "المصنوعة" من جهة الغرب لا الشرق، والمتُشكلة من مفاهيم المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، التي لا دخل لـ " العالم الثالث" في نشوبها، لكنه احترق بنارها، من جملة حرائق العالم.

هل سيفهم الغرب (المُصنِف) خطأ تصنيفه؟ أم أن بقاياه من المنتصرين السابقين، سيحاولون الاحتفاظ بالمنظور القديم بأطول مدة ممكنة ؟ هل سيقتنع الغرب، بأن سياسة الإشراك، لم تعد مطلباً، بل أضحت حقيقة واقعة ماثلة أمام الجميع؟. هل سيستفيد العالم من الفترة المتبقية للرئيس الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض، لتكريس هذه الحقيقة، لاسيما وأنه بدا من دعاتها؟. الواضح أن عدداً متنامياً من "المنتصرين القدماء" الذي ملكوا زمام كل مبادرة دولية، باتوا يعرفون أن التغييرات العالمية ليست مرحلية أو عابرة، بل حدثت ( وتحدث) لتبقى، ولتؤسس لمفهوم جديد فيما يرتبط بصنع القرار الدولي. ومع تزايد تأثير الدول الناشئة في الحراك الاقتصادي العالمي، واشتراكها في صياغة الحلول ( لا تزال بعيدة عن الاشتراك الذين تستحقه في صنع القرار)، لن يكون سهلاً على أي من الدول ذات المفهوم القديم، أن تقاوم وجود اللاعبين الجدد على الساحة. فهؤلاء لم يكن مسموحاً لهم، حتى بالجلوس على مقاعد "الاحتياط". لقد كانوا مثل أولئك الذين يحضرون مباراة لكرة القدم، لا يقومون بأي شيء سوى التشجيع!.

عندما ابتكر المؤرخ الفرنسي الفريد سوفيه مصطلح "العالم الثالث" في العام 1952، لم يشر إلى أن مصطلحه هذا سيصلح في كل زمان، وإن كان يعرف المكان. فقد أطلقه في وقته، على اعتبار أن دول العالم الثالث لم تستفد من الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر. ولأنها كذلك، فهي دول نامية، أو دول متخلفة. ولكن السؤال الذي كان ينبغي أن يُوجه إلى سوفيه : لماذا لم تقم الدول الصناعية أو تلك المنخرطة في التصنيع آنذاك، في نشر "الاستفادة" من هذه الثورة؟! علماً بأن الغالبية العظمى من الدول التي "حملت" الرقم ثلاثة، كانت مجرد مستعمرات للدول الصناعية. إن هذا المصطلح كان ظالماً، لأن "النفحات" الصناعية وقتها، كانت محجوبة عن هذا العالم، الذي لم يكن يملك حتى صنع القرار الاجتماعي في بعض دوله، فكيف الحال بصنع القرار الاقتصادي أو التنموي أو الصناعي؟!.

الآن.. يتحدثون عن أن أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ، ستحقق متوسط نمو يتجاوز الستة في المئة بحلول العام 2015 بينما ستشهد منطقة جنوب آسيا - حيث يعيش نصف فقراء العالم - نمواً بنسبة تصل إلى سبعة في المئة سنوياً خلال الفترة نفسها. وأن التغييرات العالمية الهائلة لا تحدث فقط في دولة مثل الصين والهند. وهذا يعني أن أي مبادرة (أو تحرك) ، ستكون بلا قيمة، إذا ما استبعدت هذه الدول عن ماكينة صنع القرار العالمي. كيف يمكن تجاهل دوراً للصين والهند والمكسيك والبرازيل وماليزيا والفلبين وتايلاند وجنوب أفريقيا في هذا المجال؟. كيف يمكن تجاهل دور المملكة العربية السعودية التي تشهد نمواً متوازناً، وتستأثر بأكبر احتياطي نفطي في العالم، وتساهم مالياً بصورة كبيرة في المؤسسات الدولية، بما في ذلك البنك الدولي؟!.

لقد أظهرت مجموعة العشرين – على سبيل المثال – قدرة فائقة على مجابهة الأزمات، وقوة متعاظمة في صياغة ووضع الحلول. وأثبتت أن القرارات التي فُرضت على مدى عقود من قِبل الدول التقليدية الكبرى، لم تؤد إلا إلى مجموعة من الكوارث، وجملة من المصائب، إلى جانب مشاعر الأسى عند الدول المُتلقية لهذه القرارات. في هذا الزمن سوف يؤدي أي تجاهل لدول "العالم الثالث" الناشئة والمؤثرة في الاقتصاد العالمي، إلى دفعها للسعي وراء مصالحها الوطنية الأضيق. وهذا ما يخشى منه رئيس البنك الدولي، لأن ذلك سيترك " الفريق" تحت رحمة "لاعبين كهول"، لن يسجلوا أهدافاً، وإن فعلوا فسوف يسجلونها في مرماهم!.

إن مفهوم " العالم الثالث"، ينبغي أن ينتهي ليس إعلامياً ولا إنسانياً فحسب، بل سلوكياً أيضاً. المجال الآن مناسب لـ " تغيير الأرقام"، تمهيداً لإلغاء "الطبقية الاقتصادية العالمية". في هذا العالم لم يعد هناك مكان للنخبة، ولا مساحة لمُتسيد، ولا فسحة لكبير. هناك ساحة للجميع.

الثلاثاء، 13 أبريل 2010

بطالة عربية فتية.. لكنها مُعمِرة!


(هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")







" الجوع ليس الشكل الأسوأ للبطالة.. إنه الفراغ "
المؤلف والكاتب الأميركي وليام باريت

 
محمد كركوتــي
 
تستحق قضية البطالة في العالم العربي، صفحات دائمة في الصحف العربية، وفترات مستمرة في وسائل الإعلام الأخرى. وتستحق أن "تحتضنها" دراسات وبحوث أكثر واقعية، ومستندة إلى قاعدة بيانات أكثر حداثة من تلك المتداولة على الساحة. وتستحق أن تبقى ملازمة لصناع القرار، وكل المؤسسات المعنية بالتنمية والحراك الاجتماعي – الاقتصادي. فهي ليست قضية موسمية، ولن تكون في المستقبل بهذه الصفة. كما أنها تلتصق بقوة بالهم المعيشي، اليومي لا السنوي. بل هي صانعة أصيلة للهموم، أينما وجدت. هي "سرطان"، يكبر إذا لم يُقاوم، وينتشر إذا ما كانت المقاومة أكثر ملامسة للضعف، منها إلى القوة. هي بؤس مرحلي إذا كانت مرحلية، وكارثة إنسانية إذا كانت دائمة. هي حالة مشينة للمجتمع، قبل العاطل نفسه. فكما لهذا المجتمع أو ذاك الحق، في الحصول على الطاقة الإنتاجية لأفراده في كل المواقع، كذلك للأفراد الحق في الحصول على فرص، توفر لهم الكرامة، وتمنحهم الأدوات للقيام بدورهم الوطني والاجتماعي.

المصيبة في قضية البطالة العربية، أنها وصلت إلى مستويات مرتفعة، في أوقات الازدهار والنمو، وفي أزمنة الكساد والركود. وبذلك خلقت معادلة اقتصادية غريبة، ليس لها مثيل في العالم كله. ولأن الأمر كذلك، فقد أحدثت ( ولا تزال) إرباكاً في عمليات علاجها – إن وجدت -، وضربت بكل المحاولات الرامية للتقليل من آثارها. فنحن نعرف أن حلها ليس بالأمر السهل، لأنه لا يأتي بقرار ( أو قرارات)، بل من خلال منظومة اقتصادية تنموية وطنية شاملة، تساندها منظومة إقليمية مشابهة، ولا بأس من دور لمنظومة دولية. فبعد اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، بات من الصعب ( إن لم يكن من المستحيل) فصل الاقتصادات عن بعضها البعض، لاسيما تلك التي ترتبط بوثاق إقليمي. والحل المنشود لأزمة البطالة، لم يكن ( ولن يكون) حلاً وطنياً صرفاً، بل هو "كوكتيل" من الحلول، الجانب الوطني فيها (لاشك) أساسي.

المصيبة الأخرى في هذه القضية، أن البطالة "استحوذت" على الشباب العربي، أي أنها ببساطة عطلت المستقبل، في حاضر مليء بالأعطال. حاضر يعج بسياسات مضطربة في بعض البلدان العربية، ومتعارضة في بلدان أخرى، مع استحقاقات التنمية. حاضر فاقد للتناغم بين متطلبات السوق ومخرجات التعليم. وهذه النقطة بالتحديد ساهمت بصورة كبيرة – إلى جانب الأزمات الاقتصادية المحلية والدولية – في ارتفاع معدلات البطالة في الدول العربية، ووصولها إلى أعلى مستوى بين الشباب عالمياً!. والجانب المريع في تحديد معدلات البطالة العربية، أنه لا توجد إحصاءات حديثة، وتقوم المؤسسات المهتمة بهذا الخصوص، بوضع دراساتها وفق إحصاءات جرت قبل خمس سنوات!. أي أن الضحايا الذين أوقعتهم الأزمة الاقتصادية العالمية، ليسوا في الحسبان، وإن كانت هناك تقديرات، يصعب الاستناد عليها، في بحث هذه القضية الخطيرة. والغريب، أن القمة العربية الاقتصادية الاجتماعية التي عُقدت في الكويت مطلع العام 2009، ناقشت دراسة قُدمت لها، بعنوان "تحديات التنمية في الدول العربية نهج التنمية البشرية" بُنيت أساساً، على إحصاءات من العام 2005، بل هناك بعض الإحصاءات (قُدمت إلى القمة) أُجريت في العام 2003!.

لن أستعرض هذه الإحصاءات، التي استُعرضت بما فيه الكفاية، منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وللتذكير فقط، تتحدث منظمة العمل العربية، عن بطالة تصل إلى 14 في المائة، لكن هذه النسبة "استُهلكت" من فرط عدم تجديدها، خصوصا وأنها لا تشمل في الواقع عدد العاطلين العرب الذي انضموا إلى زملائهم في أعقاب الأزمة العالمية. وحسب تقديرات أخرى، فإن النسبة تصل حالياً إلى 17 في المائة، بينما تتحدث جهات أخرى عن 19 في المائة. وأياً كانت النسبة، فالكارثة تكمن في نوعية العاطلين، مثلما تكمن في انتشارهم وارتفاع أعدادهم بصورة مستمرة. الجهات الرسمية العربية تقدر العاطلين الشباب بحدود 25,7 في المائة، وهي النسبة الأكبر على مستوى العالم، وأعلى من المتوسط العالمي بنسبة 77.8 في المائة. وعلى الرغم من أن واقع الحال يطرح نسبة أكبر منها ( بعض الجهات تقدر نسبة العاطلين الشباب بـ 50 في المائة)، إلا أن هذه المُعلنة تمثل قمة المصائب، وتفرض طرح قضايا متلازمة معها، في مقدمتها، ليس توفير فرص العمل، بل توفير العاملين للفرص. أي الموائمة بين ما تحتاجه السوق، وبين ما أصبح يعرف بصورة واسعة "مخرجات التعليم". صحيح أن الفرص في زمن الكساد والركود والأزمات، ليست متاحة بشكل كبير، لكن الصحيح أيضاً، أن هناك ضرورة حتمية، لسد ما هو متوفر في السوق من فرص عمل. هذه النقطة لا تزال ضائعة بين إحصاءات قديمة، وهموم متجددة.

يقول المؤرخ والكاتب الاسكتلندي توماس كارلايل : "إن الرجل القادر على العمل، وليس قادراً على الحصول عليه، يعيش شكلاً من أبشع أشكال البؤس". وعندما يصبح الرجل عاطلاً، دون أن يسبق له العمل في حياته، يكون البؤس أكثر بشاعة وأشد هولاً، وتكون الآثار الاجتماعية مريعة إلى درجة الانفجار في أي لحظة. نعرف أنه ليس هناك حلول سريعة وناجعة لهذه الأزمة المتفجرة، ونعرف أيضاً أن الأوضاع الاقتصادية العالمية، تبرر ازدياد عدد العاطلين عن العمل. ونعرف أن الحكومات العربية ترغب ( وتعمل) للوصول إلى أفضل الحلول الممكنة. لكن الذي نعرفه، أن كل ما طُرح من حلول ( في الركود وخارجه)، لا يعالج القضية، وإن كان يجعلها مطروحة على الساحة. وهذه القضية في الواقع، هي "أم القضايا"، لأنها مرتبطة بتنمية المجتمع، كما ارتباطها بخلق فرص عمل. بل مرتبطة بأمن المجتمع نفسه.

إن " التصالح" بين ما هو موجود في السوق، وبين ما يَصدر من المؤسسات التعليمية بكل مستوياتها من قوى بشرية، هو خطوة أولى على طريق إيجاد الحلول، ويكتسب هذا "التصالح" أهمية كبيرة في وقت الأزمات. كما أن العالم العربي لا يزال بعيداً جداً، عن ما يعرف بآليات "الاخراط"، التي تستند بدورها على أدوات التأهيل وإعادة التأهيل، خصوصا في عز الأزمات، التي تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي "غصباً".

القضية ليست سهلة، ولن تكون كذلك. لكن يمكن من خلال بعض الخطوات العملية والواقعية، الوصول إلى مراحل، تفسح المجال أمام المراحل الكبرى، التي لا ينفع فيها، إلا انخراط عربي شامل، لحل مشكلة هي في الواقع " قنبلة" بشرية موقوتة.

الثلاثاء، 6 أبريل 2010

فساد أسود من القارة السمراء؟!


( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")









" اللامبالاة شريكة دائمة لجريمة الفساد"
ملكة الجمال الأميركية السابقة بيس ميرسون

 
 
محمد كركوتــي
 
وجدت صعوبة في العثور على مقدمة مناسبة لهذا المقال. فالأرقام التي أمامي تلغي كل المقدمات، وتضفي ركاكة على كل الجمل الإنشائية البليغة إذا ما سبقتها، وتجعل الكلمة بلا معنى، بل بلا جدوى!. هي أرقام مفجعة حقاً. مرارتها توازي الفاجعة عنفاً، وتصيب متابعها بقرف، يفوق القرف الذي نشرته الأزمة الاقتصادية العالمية في الأجواء. أرقام من النوع الذي ينشر "ضجيج الصمت". أرقام تتقزم أمامها كل الأرقام، فيما لو استثنينا الرقم الذي وصل إليه عدد الجياع في العالم وهو 1,02 مليار إنسان!. والواقع أن الأرقام المفجعة الرهيبة، مرتبطة بهذا "الرقم" من الجياع أيضاً. فهي من النوع الذي ينشر الجوع والفقر والألم والبطالة ويُمَكِن المرض والأوبئة. هي من النوع الذي ينال من الحياة البشرية مباشرة، دون وسيط أو فريق أو طرف آخر. هي أرقام تعاظمت عن طريق جمع الفساد والاحتيال والرشوة والسرقة في حراك شيطاني واحد. هي "منتج" من "قطاع" صناعة هذه "المواد الأولية" الأربعة مجتمعة!. ففي الوقت الذي غاصت فيه كل قطاعات الصناعة في العالم في بحر الأزمة الاقتصادية، بقي هذا "القطاع" مزدهراً و"منتجاً" وملبياً لطلبات القائمين عليه. إنه "القطاع" الوحيد الذي وقف في وجه الأزمة. إنه قاهر الأزمات!.

عندما نتحدث عن الجوع، تكون القارة الأفريقية الموضوع الأول فيه. وعندما نتناول الفقر، تبقى في المقدمة، وعندما نطرح قضايا الأمراض والأوبئة ووفيات الأطفال وتشغيلهم و"أمُُيتهم"، نبدأ منها. وحتى عندما تنطلق المهرجانات الفنية الضخمة لجمع التبرعات، وتتحرك الجمعيات الخيرية في العالم لتوفير المساعدات، تكون هذه القارة الوجهة الرئيسية لها. إنها القارة الأولى المستوردة للعمل الإنساني، والأولى "المنتجة" للآلام الإنسانية!. وماذا أيضاً؟ هي المنطقة الأكثر انتشاراً للفساد الذي يأكل سكانها، ويرمي بقاياهم. بل في هذه القارة مئات الآلاف - إن لم نقل ملايين - من بشر يعيشون كـ "بقايا"، من فرط العوز والجوع والفقر، وكل ما ينال من الحياة الإنسانية!. في هذه القارة عدد الراغبين بنهار جديد، أقل من عدد أولئك الذين ينتظرونه. فاليوم الجديد هناك، يعني معاناة جديدة من طراز جديد أيضاً!.

على مدى أربعة عقود من الزمن، خرج 1,8 تريليون دولار أميركي بصورة غير شرعية من القارة السمراء. صبت غالبية هذه الأموال أين؟ في المؤسسات الغربية، وفي النظام المالي الدولي الآخر المشين!. والتقديرات وراء هذا الرقم ليست من تلك "الجامحة"، بل من المحافظة جداً. فالتقديرات الأخرى تتحدث عن 2,4 تريليون دولار في الفترة المذكورة. أي أن هذه القارة خسرت قرابة 500 مليار دولار أميركي كل عشر سنوات. وهذه الأموال هي ببساطة، خسائر مباشرة لكل فرد يعيش فيها، وهي ضريبة غير مُعلنة فرضها الفاسدون عليه، وتقاضوها دون علمه. هي أموال العلاج والتعليم والتشغيل. أموال لجلب المياه الصالحة للشرب الآدمي، وللتنمية الزراعية والبشرية. هي أموال لصيانة كرامة الإنسان هناك. أموال ليس فقط يمكن من خلالها تسديد الديون الخارجية للدول الإفريقية البالغة – حسب لوائح العام 2008 - 250 مليار دولار، بل يمكن أيضاً أن تحقق معدلات عالية جداً للنمو. وطبقاً لمركز "سلامة النظام المالي العالمي" الأميركي Global Financial Integrity المعروف اختصاراً بـ GFI ، فإن الفرد الأفريقي يخسر سنوياً قرابة 989 دولار أميركي منذ العام 1970!. واستنادًا إلى الأرقام التي توصل إليها المركز نفسه، فقد بلغ حجم الأموال المهربة إلى الخارج 2% من الناتج الكلي الأفريقي في العام 1970، وبلغ في العام 1987 أكثر من 11%. وقد شهد تراجعاً في تسعينات القرن الماضي إلى 4%، ليرتفع في العام 2007 إلى 8%، وفي العام 2008 بلغ أكثر قليلا من 7% من الناتج الكلي لهذه القارة.

المصدومون من هول هذه الأرقام، لم يجدوا أمامهم سوى مجموعة العشرين، التي أخذت زمام المبادرة على الساحة العالمية في أعقاب الأزمة الاقتصادية، ليستنجدوا بها، لماذا؟ لأنها الجهة الدولية المخولة – والقادرة- حاليا على كبح جماح المؤسسات المالية والمصارف العالمية، والملاذات الضريبية الآمنة، واقتصاد "الوهم"، والاستثمار المشين. فالأمر ليس شأناً داخليا لكل دولة أفريقية تعاني من هذا الفساد المدمر، بل هو شأن دولي إنساني أخلاقي. وهو ليس قضية إقليمية، بل دولية خالصة، ليس فقط لتهريب الأموال من القارة السمراء إلى خارجها، بل لأنها تصب، أين؟ في ما تعرف تسميته "نظام الظل المالي العالمي" أو global shadow financial system . وهذا النظام الأسود، يأكل حقوق ومقدرات السواد الأعظم لسكان القارة السمراء، من خلال وجود – ضمن آلياته وتسهيلاته – ملاذات ضريبية آمنة، وأدوات متطورة بصورة مستمرة لغسيل الأموال، ومؤسسات وشركات وهمية لا وجود لها في الواقع، وما يعرف تجارياً بـ " سوء التسعير" أو Trade mis-pricing ، والكثير من الأفكار الاستثمارية السوداء أيضاً. هذا النظام، هو في الواقع "سرطان اقتصادي" دولي، لا أفريقي أو آسيوي أو أوروبي. ولأنه كذلك، فقد خرج منذ زمن بعيد من نطاق محليته أو إقليميته. هو " سرطان" نشأ في بقعة، لكنه سرعان ما أصاب كل البقع.

يقول الفيلسوف الإغريقي ديوجين :" اللصوص الكبار يقودون مسيرة اللصوص الصغار"، وفي رد غير مباشر على هذا الفيلسوف، يقول المؤلف والكاتب الأميركي إدوارد هاو :" إن اللص يعتقد أن الجميع لصوص". في أفريقيا – كما العالم – هناك أنواع متعددة للفساد، من بينها "الفساد المستتر". وهو - في هذه القارة - لا يؤلم، بل يقتل. ووفق تقرير "التنمية في أفريقيا" الذي أصدره البنك الدولي في الربع الأول من العام الماضي، فإن " الفساد المستتر" يكلف الدول الأفريقية أموالاً طائلة، عن طريق فشل الموظفين الحكوميين في تسليم السلع أو الخدمات التي تدفع تكاليفها الحكومات نفسها!. وحسب التقرير، فإن هذا النوع من الفساد، متفش على نطاق واسع في جميع أنحاء أفريقيا ويؤثر سلباً على الفقراء فيها على المدى الطويل. وأنقل هنا مثالاً واحداً على كيفية ارتكاب هذا الفساد. في قطاع التعليم، يحرم طفل من التعليم المناسب، لماذا؟ لأن المدرس- الذي يفترض وفقاً للميزانيات الحكومية - أن يكون في الصف الدراسي، يؤدي واجبه في تعليم التلاميذ بدوام كامل، لا يقوم بواجبه. لماذا أيضاً؟ لأن رواتب المعلمين قد تم تحويلها عن طريق الاحتيال إلى المسؤولين الفاسدين أو إلى أطراف أخرى مؤثرة مثلهم!.

لن يتوقف الفساد في القارة الأفريقية سواء كان مستتراً أم فاضحاً. وقد أثبتت العقود الأربعة الماضية، أن الخطأ لا يكمن في وجود حكومات فاسدة فقط، بل في كيفية إدارة المساعدات التي تقدم لهذه القارة من الدول المانحة، وكيفية تعاطي الحكومات المانحة مع الحكومات الممنوحة. ولا أعرف كيف ينظر رئيس دولة تقدم المساعدات، إلى هذه الحقائق المريعة؟. فغالبية أموال المساعدات ينتهي بها المطاف لدعم حكومات "منتفخة"، ينفق رؤساؤها على حفلات أعياد ميلادهم أموالاً، يمكن أن تبني وتشغل مدارس ومستشفيات، وتوفر الحد الأدنى للكرامة الإنسانية لعدد كبير من مواطنيهم.

إن هروب الأموال من أفريقيا، التي يصونها الفساد من كل الأنواع، هي قضية إقليمية داخلية بلاشك، لكن معالجتها لن تتم بصورة ناجعة إلا خارجياً. إنها مسؤولية دولية، ارتفع زخمها العالمي في أعقاب الأزمة الاقتصادية. وهي مسؤولية أخلاقية، سيحاسِب التاريخ بسببها الفاسد والساكت عن الفساد.

الثلاثاء، 30 مارس 2010

تقارير دولية بلا معنى؟!

( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")










" الرجل الجائع.. ليس حراً"
سفير الولايات المتحدة الأسبق إلى الأمم المتحدة أدلي ستيفنسون

محمد كركوتــي

 لم تعد تقارير وبحوث ودراسات وإحصائيات المؤسسات الدولية الكبرى ( الأمم المتحدة ومنظماتها، والبنك وصندوق النقد الدوليين، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والاتحاد الأوروبي ومنظماته.. إلخ)، تمثل صدمة في أرقامها، ولا خوفًا في حقائقها، ولا إنذارًا في استنتاجاتها. بل لم تعد تشكل وقعًا، حتى إعلاميًا!. فقد تحولت من فرط غياب الجدية في التعامل مع حقائقها( بل وتجاهلها) إلى ما يشبه البيانات التي تصدرها حكومات في دول، لا تسمع إلا صوتها، مهما كان نشازًا. وعلى الرغم من أن كل تقرير عن التنمية والبشر والبطالة والمرض والجوع والعطش والطفولة والتعليم، يحتوي على كارثة إنسانية كاملة ( تماما مثل الجريمة الكاملة)، إلا أنه يظهر ويمضي عابراً، لكنه يترك آثارًا مريعة على أرض الواقع، لا في محيط الوجدان. فصاحب القرار الدولي، مشغول بشيء ما، ولو استطاع، لكتب على جبينه لافتة " نرجو عدم الإزعاج"!. لكنه في الواقع، ليس بحاجة إلى مثل هذه اللافتة. فهو إن قرأ التقرير المريع، يضعه في أسفل كومة الأوراق (الأولويات). وليس مهمًا إن كان هذا التقرير على رأس تلة الأوراق، إذا لم يقرأه أصلاً. فالمادة التي لم تُقرأ، مثل المادة التي لم تُكتب!.

ولأن الأمر كذلك، فلا معنى لإحصاء منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، بوصول عدد الجياع في العالم إلى 1,02 مليار بشري، ولا قيمة لما أصدره مكتب الأمين العام للأمم المتحدة، بأن هناك 1000 مليون شخص في العالم، لا يحصلون على مياه شرب نظيفة، وأن مليون طفل يموت سنويا بسبب المياه الملوثة. ولا وزن لما أعلنته منظمة الصحة العالمية، بأن نصف المرضى في مستشفيات الدول النامية يموتون بسبب تلوث المياه، وأن عدد الوفيات الأطفال دون سن الخامسة في الدول نفسها، بلغ في العام 2008 قرابة 8,8 مليون طفل. ولا أهمية لأرقام منظمة العمل الدولية، التي أحصت 162 مليون طفل عامل في العالم، وأن أكثر من 633 مليون عامل ( بالغ ) يعيشون مع عائلاتهم على أقل من 1.25 دولار أميركي!. ولذلك فقضية وجود 37 في المائة من سكان العالم بدون مرافق صحية جيدة، تبدو مسألة تافهة!، وعدم التحاق أعداد هائلة من الأطفال في المدارس، هو شيء من الكماليات!.

كل تقرير تصدره المؤسسات الدولية الكبرى، يتطلب التزامًا من الدول الكبرى قبل الدول الصغرى. وكل حقيقة مريعة، تستوجب "هَبَة" كبرى توازي في قوتها حقيقة المخاطر. لكن الالتزامات تبددت، والإرادة تزعزعت، وكأن توالد المآسي، يخص المنكوبين فقط، في عالم متشابك، لا توجد قوة على وجه الأرض يمكنها أن تفك تشابكه. ألم تقدم الأزمة الاقتصادية العالمية، الدليل التاريخي الأقوى على "تراص التشابك"؟. ألم تربط بين قوي كان لا يقهر، وضعيف يعيش قهرًا؟. ألم تأتي بحقيقة، أن الحدود لم تعد تلك التي تحدد مساحة هذا البلد أو ذاك؟ بل هي تلك التي المرسومة على محيط الكرة الأرضية كلها؟.

نعرف أن الجميع يعاني من أزمة الأزمات. ونعرف أن الأولويات الوطنية تمثل ضرورة حتمية لحكومات الدول الكبرى. ونعرف أن هذه الحكومات تسعى إلى فرص انتخابية أخرى. ونعرف أنها تواجه مصاعب جمة. ونعرف أن بعضها يسعى إلى إعادة هيكلة اقتصاداته. ونعرف أن ديون بعضها المحلية يفوق دخلها المحلي. لكننا نعرف أيضًا، أن مسؤولياتها الدولية، هي ضرورة حتمية أيضاً، إلا إذا أرادت أن تتخلى عن مكانتها العالمية، وتنضم إلى مجموعة الدول المتلقية للقرار العالمي، لا صانعته. فمسؤوليات الكبير ليست كمسؤوليات الصغير. الأولى دولية عامة والثانية محلية خاصة. الأولى لها مرددوها التاريخي العالمي الكبير، والثانية لها مردود وطني صغير.

التقرير الأخير الذي أصدرته الأمم المتحدة مؤخراً، حمل عنوانًا مليئًا بالدلالات. عنوان مشين للدول الكبرى هو " الوفاء بالوعد". أرادت المنظمة الدولية أن تُذكِر من وَعدوا بوعودهم. أرادت أن تقول لهم : "نرجو قراءة هذا التقرير، ونرجو عدم رميه في سلة المهملات، أو في ملفات التأجيل. نعرف أنكم في أزمة، لكن القضايا المطروحة في تقريرنا، تفوق أزماتكم خطورة، وتحمل معها تفجيرا نوويًا بشريًا عالمياً". أرادت الأمم المتحدة القول : "رجاءً ضعونا ضمن أولوياتكم. فهذه القضايا، هي قضاياكم أيضاً. إنها تحوم في الأرجاء، قبل أزماتكم وخلالها وبعدها". هذا التقرير -الذي بلاشك سيتم وضعه في الملفات فقط – تضمن اعترافاً بحدوث تقدم في المجال الإنساني سابقاً. أي أنه لم يتناول فقط الجانب المأساوي، ولم يطرح الأرقام المشينة، ويتغاضى عن غير المشينة منها. بل تناول ما للكبار وما عليهم. لكن المشكلة أن التردي في الحياة البشرية، فاق التقدم فيها، ومسحت السلبيات الهائلة المفجعة، الإيجابيات الصغيرة الجميلة. لماذا؟ لأن الجهود التي بُذلت لتخفيف الآلام والأوجاع ودفع التنمية ( بصورتها الشاملة) خطوات إلى الأمام، لم تكن مستدامة، ولم تكن على قدر الكارثة. كانت في كثير من الأحيان، جهود موسمية، وفي أحيان أخرى ارتجالية. وفي بعض الأوقات كانت عاطفية حافلة بالدموع، تقدم مشهدًا درامياً مؤثراً في وقته، سرعان ما يصبح ذكريات!.

لقد تراجع كل شيء في السنوات القليلة الماضية ( أي قبل الأزمة العالمية) باتجاه الدول النامية. المساعدات من الدول المانحة الكبرى، ومعها الاستثمارات الأجنبية، والمخصصات التي اعتُمدت من أجل خفض مستويات الفقر وشح المياه والبطالة وتشغيل الأطفال والوفيات والأوبئة والأمية. كانت الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن، لا تؤمن بزيادة مساعداتها للدول الفقيرة وتطوير فعالية هذه المساعدات. ومن أجل ذلك تراجعت في ظل هذه الإدارة من المركز الأول على قائمة الدول المانحة، إلى الرابع!. لا غرابة هنا. فهذه الإدارة وقفت بقوة ضد تعميم الضمان الصحي للأميركيين أنفسهم الذين انتخبوها مرتين!. وفي عام 2005 وضعت الدول الغنية في الاتحاد الأوروبي مخططاً لزيادة المساعدات الإنمائية بشكل تدريجي، يتم بموجبه تخصيص 0.51 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي لمساعدة الدول النامية حتى عام 2010 ، على أن ترفع تلك القيمة إلى 0.7 بالمائة بحلول عام 2015 . لكن النتائج لم ترق إلى مستوى التعهدات. لا مجال هنا للحديث عن " مشاريع الألفية" التي أطلقتها الأمم المتحدة قبل حلول الألفية الحالية، من أجل الحد من تصدع الحياة البشرية في الدول الفقيرة. فهذه المشاريع لم تحقق أهدافها، وإن حققت بعض القفزات المتواضعة.

الجوع ، المرض، الفقر، الأمية ، البطالة، كلها عناوين تصبغ المشهد الراهن والمقبل أيضاً. فالجائع – كما يقول المؤلف الإغريقي أرستوفانيس – لا صديق له إلا مُطعِمه، وكذلك المريض لا صديق له إلا طبيبه، والفقير إلا مُحسِنه، والأمي إلا مُعلِمه، والعاطل إلا مُشغِله. والتقارير الدولية المريعة التي تعج بالهموم، لن تكون سوى سجلات لمصائب، ليست باقية فحسب، بل متعاظمة إلى حد الدمار الشامل.

الثلاثاء، 23 مارس 2010

اقتصاد "التمنيات" العربي!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية" )









" المعرفة لا تكفي، يجب أن علينا أن نُطبق. الاستعداد لا يكفي يجب علينا أن نفعل"
المؤلف والشاعر الألماني جوهان ولفجانج

 
محمد كركوتــي
 
تُطرح على الساحة العربية قضية تكتسب أهمية كبيرة من حيث قيمتها، ومن جهة ارتباطها بصورة عضوية بالمستقبل. كما أنها تكتسب بريقًا استراتيجيًا، يصعب على المُتابع أن يتجاهل ومضاته. ويقوم الطارحون – بحماس واضح – بعرض القصة ( ومعالجتها)، على أنها محورية في هذا الوقت، ولا يمكن تجاهلها، بل لا يمكن تأجيلها. فهي – أي القضية – شيء ينبغي أن يكون حاضرًا الآن وليس غدًا، على الرغم من الأولويات الأخرى المؤجلة أو المتثاقلة ضمن اهتمامات العالم العربي. ويرى المتحمسون أن طرحها الآن، لا يُقوض الأولويات ( المقوضة أصلاً)، بل على العكس، يمكن أن تشكل حافزًا لدفع ما هو مقوًض منها إلى الصدارة. أي أن القضايا يمكن أن تطرح في كل الأوقات، طالما أنها تلتصق بمستقبل المنطقة العربية، وتشكل ضرورة حتمية لها.

القضية ببساطة هي : الاقتصاد المعرفي أو اقتصاد المعرفة knowledge economy وهو اقتصاد يمثل المعرفة الفنية والإبداع والذكاء والابتكار والمعلومات. هذا الاقتصاد المتنامي عالميا، الذي بدأ في احتلال مكانة كبيرة ضمن نطاق الاقتصاد الدولي الشامل، وفي الحراك الاقتصادي العام، واستحوذ على حصة متنامية منه. فقد بات يشكل قطاعا أصيلاً، ومجالاً واسعاً للاستثمارات وما يرتبط بها. هو أشبه باقتصاد " الـ دوت والـ كوم" الذي برز إلى العالم في مطلع القرن الحادي والعشرين، مع فارق واحد، أن هذا الأخير معرض للـ "المفرقعات الاستثمارية" والصفقات الوهمية، بينما لا توجد ثغرات في اقتصاد المعرفة – على الأقل في الوقت الراهن – يمكن أن تلج منها تلك "المفرقعات"، لأنه يمثل منهجية لا سلعة، ويشكل أداة مساعدة للاقتصاد الشامل – إن جاز التعبير – لا "نشازا" اقتصادياً أو وهماً استثمارياً. كما أنه اقتصاد معرفي لا معلوماتي فقط. فالمعلومات – كما يقول العالم الفيزيائي الشهير ألبرت أينشتاين : " ليست معرفة".

قبل شهر تقريباً، اشتركت في ندوة تلفزيونية تحت عنوان عريض وهام هو " اقتصاد المعرفة .. أم معرفة الاقتصاد"، وذلك ضمن فعاليات "المنتدى الاستراتيجي العربي" الذي يتخذ من دبي مقراً له، ويطرح قضايا تحاكي المستقبل بالفعل، من خلال ما يعرضه ويناقشه من مادة تهدف أساساً إلى رفع مستوى الوعي في قضايا التنمية في العالم العربي. كانت الندوة ( ستعرض على تلفزيون دبي في أبريل/ نيسان المقبل) متدفقة، وكان علينا – كمشاركين – في النهاية أن نجيب على سؤال استنتاجي هو: هل يجب على العرب التركيز على اقتصاد المعرفة، أم معرفة الاقتصاد؟. وقد كنت مع الشطر الثاني من السؤال. لماذا؟.

قبل محاولة الدفاع عن اختياري هذا، لا بد من الإشارة إلى أن اقتصاد المعرفة يستحوذ حالياً – حسب الأمم المتحدة – على 7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وينمو هذا الاقتصاد بمعدل 10% سنويا، وهي نسبة عالية للغاية. وطبقا للمنظمة الدولية، فإن 50% من نمو الإنتاجية في الاتحاد الأوروبي، هو نتيجة مباشرة لإنتاج واستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ورغم هذا النمو الكبير على الصعيد الأوروبي، إلا أن "إستراتيجية برشلونة" التي أطلقها الأوروبيون في العام 2000 وهدفت إلى تحويل قارتهم خلال عقد من الزمن إلى اقتصاد المعرفة الذي يعتبر الأكثر تنافسا وديناميكية في العام، أخفقت بصورة كبيرة، مما شكل إحباطاً واضحًا ومعلناً، لدى صناعي السياسات في الاتحاد الأوروبي!. وما علينا إلا أن نتابع إحباط المتقدمين في هذا المجال، لكي نرسم الصورة بشكل واقعي على الساحة العربية.

إن رأس المال في اقتصاد المعرفة، هو التناغم مع التطورات التي لا تتوقف على صعيد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ولن يتم هذا التناغم بمعزل عن وجود ذهنية إبداعية ابتكارية فنية حاذقة، وقبل ذلك تعليم يحاكي آليات هذا الاقتصاد ومتطلباته. فلا تزال الفجوة واسعة بين خطط التنمية البشرية والمناهج التعليمية في العالم العربي. وهذه الأخيرة – أي المناهج – لا تزال "متناغمة" مع الحراك التنموي – الاقتصادي الذي كان سائدا في النصف الثاني من القرن العشرين، مقابل تواضع تناغمها مع الحراك التنموي في القرن الحادي والعشرين، مع غياب شبه تام للاستثمار العربي في المعرفة!. ومع ذلك فالمصيبة لا تنحصر فقط في هذه النقطة الحيوية، بل تتجاوزها إلى الحقيقة المُرة التي قدمتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو" في مطلع العــام 2008، عندما أعلنت عن أن العالم العربي يحفل بـ 100 مليون أمي، من أصل 335 مليون نسمة. أي أن هؤلاء يشكلون حوالي 30% من مجموع سكان المنطقة العربية!. طبعا لن نتحدث هنا عن المناطق الشاسعة في بعض الدول العربية التي لم تصلها الكهرباء أصلا، وتلك التي تعيش على مياه الصرف الصحي، وتلك التي يعيش الفرد فيها على دولار أميركي واحد في اليوم، وتلك التي تعيش الأسرة فيها على عائلها الطفل!.

في العالم العربي لا تزال المسألة معكوسة بين احتياجات السوق والموارد البشرية. ففي هذه المنطقة تتواصل المحاولات لتلبية متطلبات هذه الموارد، لا لسد احتياجات السوق. ولهذا السبب تتصادم مخرجات التعليم مع "الأوعية" المستقبِلة للخريجين!. والبيئة التعليمية في العالم العربي لا تزال عازفة عن مسايرة "الذهنية الإلكترونية" – إن جاز التعبير-. فهذه الأخيرة تمثل ضرورة حتمية للاندماج والتلاقي مع ما يجري وسيجري.. لا مع ما جرى فقط. ولكي لا نظلم العرب، ونقارنهم بالأوروبيين والأميركيين، نقول: إن الفوارق شاسعة بين نظم التعليم عند العرب، وبين مثيلاتها في أقرب المناطق إليهم. فغالبيتهم – على سبيل المثال – من آسيا، وهذه الأخيرة على حدودهم. ولأن التعليم هو أُس الإنسانية والتنمية والعمل، هو بالتالي الأساس لأي اقتصاد كان – معرفي أو غير ذلك - ، هو الحاضن الأول لأدوات الإنتاج، إلى جانب وجود منظومة للتأهيل وإعادة التأهيل أيضًا، خصوصا في ظل اقتصاد عالمي متغير ومتبدل ومليء بالأزمات المفاجئة وتلك المتوقعة.

لايمكن للعرب أن يكون لهم دور في اقتصاد المعرفة، أو أن يبدءوا "السباحة في بحره"، من غير عملية تأسيس لن تكون قصيرة الزمن. عملية فيها من الإرادة على مواكبة المتغيرات، والشجاعة على ما هو قائم، أكثر مما فيها من التمنيات. عملية تستوعب العولمة من الزاوية الحميدة لها. عملية تفسح المجال للقطاع الخاص الوطني الطبيعي – لا الجشع ولا " المُفرقَع" – ليكون مشاركا في تطوير مخرجات التعليم، إما عن طريق الاستثمار المباشر، أو من خلال توفير الوظائف التي تخدمه وتخدم التنمية ككل. وهذا الأمر يعيد طرح السؤال العريض : "اقتصاد المعرفة.. أم معرفة الاقتصاد"؟.

للوصول إلى اقتصاد المعرفة والانخراط به بصورة واقعية لا ارتجالية، لابد من معرفة الاقتصاد أولاً. ولابد من تأمين احتياجات السوق العربية من الموارد البشرية والمؤهلين، قبل الانتقال إلى الاقتصاد الجديد. ولابد أيضا من تهيئة الساحة لاقتصاد المعرفة، ليس فقط عن طريق توفير – مثلا – الإنترنت للجميع، بل فهم العمل على الشبكة الدولية بذهنية استثمارية تنموية. فالمعلومات التي تبقى على أجهزة الكومبيوتر فقط، لا توفر للمستخدم إلا مساحة ثقيلة على قرصه الصلب، وتظل مكدسة لا قيمة لها، إذا لم تتحول إلى معرفة.

إنها عملية ابتكار لا مسألة تجميع.

الثلاثاء، 16 مارس 2010

النشاز «الموسيقي» الاقتصادي!

( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







«لم يستطع ولن يستطيع أحد الهروب من تبعات خياراته»
الكاتب والمؤلف الأمريكي ألفرد منتابيرت


محمد كركوتــي

أي من هذه المنظمات الدولية التالية نُصدق؟ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية المعروف اختصارا ''أونكتاد''، ومنظمة التجارة العالمية؟ أم صندوق النقد والبنك الدوليين؟ فالمنظمات الثلاث الأولى تعلن – بقوة - أن برامج التحفيز الاقتصادي ودعم القطاع المالي التي أطلقتها حكومات العالم لم تعد ضرورية، ويجب التخلص منها. والمنظمتان الأخريان حذرتا منذ مطلع العام الجاري – حتى الآن – من مغبة وقف برامج التحفيز هذه، لأن ذلك سيؤدي إلى انهيار مزيد من المؤسسات المالية وغير المالية، وسيعطل كل خطوة نحو انتعاش الاقتصاد العالمي! المنظمات الثلاث الأول، ترى أن المشكلة الآن تكمن فيما سمته ''الإجراءات الطارئة'' أو برامج التحفيز، بينما يرى ''البنك والصندوق''، أن الأمل يكمن في استمرارها! وأن التفكير بسحب هذه الإجراءات ليس سوى مصيبة أخرى، تضاف إلى مصائب الأزمة الاقتصادية العالمية.

خمس منظمات دولية عريقة ورصينة، تنشد أغنيتين في وقت واحد وفي ''حفلة'' واحدة بكلمات متضاربة ولحنين مختلفين! ماذا وصل إلى السامعين؟ ''نشاز موسيقي'' يستحيل سماعه، ولا يمكن تجاهله أيضا! ''نشاز'' طغى على ما ينشده المتفائلون، بأن الاقتصاد العالمي خرج من عنق الزجاجة، وأن الانتعاش آخذ في الظهور هنا وهناك، ولا يوجد ما يدعو إلى الخوف! للمتفائلين الأفراد مآربهم، ولا سيما أولئك الذين وُصِموا بعار الأزمة، أو أولئك الذين يسعون إلى مكافأة سياسية، مهما قل شأنها. فهؤلاء إما من بقايا ''المُلهَمين الاقتصاديين''، أو من السياسيين الذين تورطوا مع ''المُلهَمين''، في إخراج المشهد الاقتصادي العالمي المشين. لكن هذا لا ينطبق على منظمات أو مؤسسات عالمية كبرى، لا تخضع لمعايير الربح أو الطفرات أو الفقاعات أو النمو المريض أو اقتصاد الوهم. هي منظمات قامت أساسا لقول الحقيقة، لا لتمويه الواقع، وقامت أيضا، لتكون بمثابة البوصلة التي لا يتجه مؤشرها إلا إلى الجهة الصحيحة، تلك التي يتمركز فيها الصالح العالمي العام. هذه المنظمات ليست كوكالات التصنيف الشهيرة التي ''عملت البحر طحينة''، ومنحت – بتصنيفاتها – شركات ومؤسسات ومصارف الأوسمة المشينة، أو نياشين الهلاك.

لعل كبار المسؤولين في كل من البنك وصندوق النقد الدوليين، تعلموا من ''مطبات'' تفاؤلهم الذي ''احتضن'' تصريحاتهم ''الوردية'' في النصف الثاني من عام 2009، خصوصا تلك التي تحدثوا فيها عن بداية انتعاش الاقتصاد العالمي! ففي مطلع العام الجاري، صبغوا هذه التصريحات بشيء من الواقعية، وعرفوا أن زمن التفاؤل ليس قريبا، وأن ''وردية التصريحات'' لا تجلب لهم إلا التهكم، بل الاستهزاء بقدراتهم على التنبؤ. لكن يبدو أن هذه الحقيقة لم تصل بعد إلى المسؤولين في المنظمات الدولية الثلاث الأخرى. إن برامج التحفيز الحكومية، هي التي تدير دفة الاقتصاد العالمي حاليا، بعد أن تبخرت الأموال في المؤسسات والمصارف الكبرى، وبعد أن انتهت سمعتها، التي كانت تمثل نوعا من أنواع رأس المال لها. بينما لا تتحمل الحكومات – ولا سيما في الدول الكبرى - سقوطا جديدا لهذه المؤسسة أو تلك، لأن ذلك يشكل خطرا حقيقيا على الاستقرار السياسي والإداري لهذه الحكومات. دون أن ننسى أنها – أي الحكومات – كانت متورطة بصورة أو بأخرى، في ارتكاب الأزمة الاقتصادية العالمية. وعلى الرغم من العبء المالي الكبير لبرامج التحفيز، إلا أنها تمثل القوة الوحيدة حاليا، لتعويم الاقتصاد العالمي.

نزيف الإفلاس لا يزال يمثل ''وصمة العار'' المتواصلة للأزمة العالمية. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، تتوقع السلطات المالية المختصة، أن يصل عدد المصارف والمؤسسات المالية المفلسة إلى ذروته مع نهاية عام 2010. وفي الشهرين الأولين من العام المذكور بلغ عدد المصارف الأمريكية المفلسة 25 مصرفا، بعد أن بلغ عددها في العام الماضي 140 مصرفا، بينما لم تتعرض سوى ثلاثة مصارف فقط للإفلاس في الولايات المتحدة في عام 2007 و25 مصرفا في عام 2008 (عام الكارثة). يحدث هذا في وقت لم تنته فيه الشكوك ولم تخف مشاعر الريبة حيال أداء بورصة وول ستريت، التي يمكن - في أي لحظة – أن ترتكب حماقة جديدة بأزمة جديدة. وفي أوروبا الغارقة في الخوف على اليونان، والمرعوبة من ''جيوش'' العاطلين عن العمل، والخائفة على مستقبل منطقة اليورو، بل العملة نفسها، بلغت خسائر المصارف فيها أكثر من 649 مليار دولار أمريكي، بينما يتوقع البنك المركزي الأوروبي، أن تتعرض لخسائر إضافية تصل إلى 283 مليار دولار بحلول نهاية 2010 ! أما صندوق النقد الدولي، فيقدر حجم خسائر هذه المصارف بأكثر من 900 مليار دولار. فقد شطبت مصارف منطقة اليورو التي تضم 16 دولة 375 مليار دولار من الأصول المتعثرة العام الماضي.

مهلا.. مهلا، لم تتوقف مصائب أوروبا عند هذا الحد. فإلى جانب ''الكارثة اليونانية'' – وربما بعدها البرتغالية والإسبانية – هناك 1700 مليار دولار أمريكي اقترضتها أوروبا الشرقية من مصارف في ''شقيقتها'' الغربية. ويتفق المسؤولون الماليون الأوروبيون، على أن جزءا كبيرا من هذه الأموال تحيق به المخاطر. بمعنى أنه أقرب إلى الديون المعدومة. أي أن مصائب الشرق ''تهل'' على كوارث الغرب في أوروبا، فأين المفر؟! كيف يمكن لأي جهة حاليا أن تدعو (بل أن تفكر)، إلى وقف فوري أو تدريجي لبرامج التحفيز الحكومية؟ هل تستطيع المؤسسات المصابة '' بداء'' العجز المالي أن تواجه استحقاقات الأزمة؟ هل يمكنها أن تتنفس بدون أجهزة ''العناية المركزة'' الحكومية؟ لقد دخلت كل المؤسسات الكبرى والصغرى وما بينها ''غرف العناية''، ولم تقو بعد لنقلها إلى الغرف العادية.

إن ما يُنفذ حاليا، ليس برامج تحفيز، بل برامج إنقاذ. فالتحفيز ينطبق على مؤسسات تمتلك الحد الأدنى من أدوات الحياة، لا مؤسسات فاقدة لآليات الحياة تماما! وفي خضم المشهد الاقتصادي العالمي الراهن، تتداخل حياة المُنقِذ بالمُنقَذ. فلا الأول يستطيع مواصلة العيش بدون الثاني، ولا الثاني يمكنه حتى التنفس من دون الأول. هي علاقة شكلتها الأزمة الاقتصادية العالمية. علاقة لا يحبها الأول، ويمقتها الثاني، لكنها حقيقة واقعة. لن يستطيع العالم أن يتخلى عن برامج التحفيز – الإنقاذ في هذا الوقت، ليس فقط لاستمرار نزيف الإفلاس المؤسساتي، ولا لتعاظم الديون المعدومة، بل أيضا لفشل الدول الكبرى – حتى الآن – في وضع نظام اقتصادي عالمي جديد، يأخذ بعين الاعتبار حقيقة المصائب التي يعيشها العالم أجمع ومسبباتها. يضاف إلى ذلك، عدم وضوح الضوابط الجديدة التي وضعتها بعض حكومات الدول الكبرى، لكبح جماح الأسواق، وخصوصا ''وول ستريت''. فيكفي الإشارة إلى أن رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) بن برنانكي، أعلن صراحة أن السلطات المالية في بلاده تنظر – وربما تحقق – في دور مؤسسات ''وول ستريت'' في تفاقم أزمة مَن؟.. اليونان؟!

ماذا يعني هذا؟ يعني ببساطة، أن ''عصابة وول ستريت'' لا تزال تتمتع بحراك تدميري، تجعل عمليات الإنقاذ التحفيزية – إن جاز التعبير - ضرورة حتمية حتى إلقاء القبض على كل عناصرها وعملائها، والتخلص نهائيا من مُلهَميها.

الثلاثاء، 9 مارس 2010

صناعة الكتاب العربي.. حروف بلا نقط!

( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







" ينبغي أن لا نُدرِس الكتب العظيمة.. علينا أن نُعلِم حب القراءة "
عالم النفس الأميركي بورهوس سكينر


محمد كركوتــي

تبدو مشاكل صناعة الكتاب في العالم العربي، مثل مصائب البيئة في العالم أجمع. فالأولى مطروحة على الساحة كمعضلة، والثانية كذلك. الأولى تبدو أنها تقترب – بعِسرها – من عثرات القضية الفلسطينية، والثانية كذلك!. الأولى تبدو بلا حل، والثانية كذلك. الاثنتان تنشران مشاعر الإحباط في الأجواء، وكأن أحدا لم يدرك سرهما أو مكامن المشاكل، وبالتالي مفاتيح الحلول. ولكن هل صناعة الكتاب العربي حقيقةً بهذه الصورة؟. أم أن هناك مبالغة في طرح مشاكلها ومنغصاتها وتعثرها، بل وتخلفها؟. هل تستحق مشاكلها توصيف " المعضلة"؟ أم أن هناك خلل في فهم هذه المشاكل؟. هل يمكن لصانعي الكتاب (الناشرين) التركيز فقط على مشكلة تواضع الحماية الفكرية في العالم العربي، وارتفاع قوتها في أماكن أخرى، دون الأخذ في الاعتبار المعايير والمعطيات المتوالدة على ساحة النشر العربية والعالمية؟. تلك المعطيات التي دفعت أكبر وأعرق دور نشر في العالم للتناغم معها، طواعية أو قسرا، وجعلتها أكثر مرونة في أساليب وسياسات وأدوات النشر نفسها. فهي تعلم أن بريق الكتاب – إن وجد- ليس أبدياً، إذا بقي بعيدا عن مخرجاته. فهو نتاج صناعة، بات التجديد فيها العامل الأهم على الصعيد الفني، وقبل ذلك على صعيد المحتوى. والمؤرخة الأميركية باربرا توكهام اقتربت كثيرا من توصيف الكتاب كمُنتَج حضاري بقيمة إنسانية فائقة، حين قالت :" إن الكتب هي إنسانية مطبوعة".

إن مشاكل صناعة الكتاب، ليست حكرا على العالم العربي. والجانب الذي احتكره العرب في هذا المجال، هو أنهم أضاعوا – أو لم يجدوا – آليات الحل، ولا "الأسلحة" الهجومية التي تساعدهم في التوصل إلى حلول، تُنقذ الكتاب وناشره.. وقارئه أيضا. فلا يزالون متمسكين بضرورة تقوية الحماية الفكرية، دون التعاطي مع تردي أوضاع النشر بصورة عامة على الساحة العربية، وأسباب هذا التردي! ودون البحث في تطوير المُنتَج، بما يكفل له الاستدامة والاستمرارية والاستقطاب، ودون إخراجه من وضعيته الموسمية!. فالمعارض – على أهميتها وضرورتها – ليست المكان الأمثل لمُنتَج طُبع للقراءة.. لا للمشاهدة، ولا للعرض!. والحق أن افتتاحية "الاقتصادية" في السادس والعشرين من الشهر الماضي بعنوان "اقتصاد الكتاب ومعارض الناشرين"، لخصت الحالة العامة للكتاب وصناعته في العالم العربي، ووضعت "النقط على الحروف" لوضعية النشر، وحمَلت الناشرين – بحيادية - مسؤولية ما يجري في هذا القطاع، المتداخل بين التجارة والثقافة، وبين الاستثمار والكلمة، وبين الأعمال والفكر، وبين الاقتصاد والمطبعة.

لقد أدركت البلدان المتقدمة مبكرا حقيقة التحولات التاريخية – وأحيانا الجذرية – في عالم صناعة الكتاب، وخرجت من القوالب التقليدية للنشر، الأمر الذي وفر حصانة قوية لدور النشر المختلفة، بالإضافة طبعا إلى عاملين اثنين. الأول: تمتع سكان هذه البلدان بالقدرة الشرائية، مقارنة بغيرهم من سكان البلدان النامية ( والعربية منها بالطبع). والثاني: أن الكتاب – كمُنتَج - استقطب شرائح مُتلقية له – ظن البعض – أنها خارج نطاقه، لاسيما شرائح المراهقين والشباب بشكل عام. ولمواجهة التراجع في معدلات القراءة في الدول المقدمة – الراشدة، قدم الناشرون مئات الآلاف من العناوين التي تدعو لـ "المواكَبة"، لا للملل. عناوين تساهم في التأسيس المتواصل لثقافة الكتاب الجديد المتجدد، لا الجديد فقط. عناوين "تستدرج" – لبعض الوقت - الطفل القابع أمام كومبيوتره الشخصي، من عالم الـ "تشات" Chat الواسع والمليء بالجيد والسيئ، إلى كتاب يقترب إلى حد ما من الجو الآسر للـ " تشات"، وغيرها من "مستقطبات" الإنترنت. باختصار.. قدموا عناوين "قُولِبت" وفق المتغيرات الكاسحة، موضوعيًا وفنيًا وتقنيًا. ومن المشاكل الرئيسية، أن العرب يناقشون أزمة صناعة الكتاب والنشر، طبقا لزمانهم، في الوقت الذي يطوي زمان أجيالهم القادمة زمانهم!. فهم يعرضون معاناتهم الآنية في هذا المجال، دون النظر لمعاناة مستقبل مجتمع آت بسرعة مذهلة! بات تجاهله نوع من أنواع الانتحار!.

إن القضية في العالم العربي لا تكمن فقط في مسألة الحماية الفكرية. هذه الأخيرة ضرورية لا أحد تستطيع التقليل من أهميتها، وهي جزء أصيل من الحضارة الإنسانية والأخلاق، وتستوجب صيانتها بأشد الأدوات الرادعة، وآليات العقاب. القضية هي كل كامل شامل لكل عناصر النشر وصناعة الكتاب. هي نتيجة جمع: المحتوى والتقنية والتوزيع واللوجستية، ودعم القطاعين العام والخاص، والتحولات الهائلة في عالم القراءة، وبالطبع الحماية الفكرية. فعلى سبيل المثال، لم يعد الكتاب الرخيص، حلا – أو مشروع حل – لأزمة القراءة في البلدان العربية، وإن كان من الضرورات للتخفيف من حدتها. ولم تعد "مشروعات القراءة للجميع" أو "الكتاب للجميع"، حلاً أوحداً للأزمة. الحل ينطوي على فهم مستنير لعقول المتلقين، وإدراك واضح المعالم لمستقبل القراءة، ليس من زاوية النشر، بل من جهة محاكاة هذه العقول.

في زحمة تسيُد الإنترنت – ومنتجاتها - للمشهد الثقافي والاجتماعي والتعليمي، ما زالت بريطانيا تُصدر 206 ألف عنوان في العام الواحد، والولايات المتحدة الأميركية تُصدر 172 ألف عنوان، والصين قرابة الـ 100 ألف، وألمانيا أكثر من 71 ألف، واسبانيا أكثر من 46 ألف عنوان. طبعا ليس هناك وجها للمقارنة في النشر، بين هذه البلدان وغيرها من البلدان العربية، لأننا بذلك نظلم الأخيرة. لكن حركة النشر في البلدان المتقدمة، واصلت النمو حتى في أوج هجمة الإنترنت وما يرتبط بها من إنتاج إعلامي – فكري. ففي عز الأزمة الاقتصادية العالمية، بلغت عوائد صناعة الكتاب في الولايات المتحدة، حسب مؤسسة " اتجاهات صناعة الكتاب" الأميركية، 40,32 مليار دولار أميركي، في العام 2008 مرتفعة 1 في المائة مقارنة بالعام 2007. وتعزيزا للقراءة، تعتمد بريطانيا – على سبيل المثال- نظاما حضارياً متطوراً في قطاع النشر، عن طريق إعفاء الكتب من الضرائب، ومن ضريبة القيمة المضافة. أي أن الحكومة في بلد يعتمد النظام الرأسمالي – لا الشيوعي أو الاشتراكي – خبرت أهمية الكتاب، كرافد من روافد التثقيف والمعرفة، باعتمادها سياسة التسهيل في وصول الكتاب إلى أكبر شريحة ممكنة من المجتمع.

هناك الكثير من المهام أمام صناعة النشر في العالم العربي، والكثير من الثغرات في كيفية التعاطي مع الأزمات التي تواجهها. من بينها الاهتمام بما أصبح واقعاً في هذه الصناعة، وهو الكتاب الإلكتروني، الذي أخذ مكاناً متعاظما على الساحة، ويحتاج إلى وقفة معمقة من جانب الناشرين العرب، وأيضا المؤسسات الحكومية والخاصة. هذا الكتاب هو الوحيد الذي يمكن أن يعالج الجانب المظلم في موضوع القراءة عند المراهقين والشباب، ويمكن أن يساهم في جلب هؤلاء إلى قراءة مفيدة يمكن التأسيس عليها على الصعيد الفكري. لست ضد الكتاب التقليدي، بدفتيه وأوراقه ورائحته، ولكني مع الكِتاب للجميع وخاصة الكِتاب للشباب. السؤال الأهم هو ، كيف يمكن أن نجعله بين أيديهم؟. ونحاول إقناعهم بأن الكتاب، هو الهدية الوحيدة التي يمكن أن تُفتح مرة بعد مرة.

الاثنين، 8 مارس 2010

قريبا جدا



كتاب جديد لـ محمد كركوتي بعنوان:
" زوبعة خارج الفنجان"
الكتاب يصدر أيضا تحت عنوان فرعي هو:
" نمو + فقاعة X فساد - مسؤولية = أزمة "
الناشر : مركز الإمارات للدرسات الاقتصادية
عدد الصفحات : 474
القطع : متوسط


الأربعاء، 3 مارس 2010

ندوة "الإعلام الاقتصادي العربي.. ما له وما عليه"


المنامة: وكالات
أقيمت في الحادية عشرة صباح الأربعاء 10 فبراير 2010 بقاعة أوال في فندق الخليج، ندوة "الإعلام الاقتصادي.. ما له وما عليه" التي أدارها الإعلامي محمد كركوتي رئيس تحري مجلة " الاقتصاد اليوم" وكبير مستشاري قناة سي إن بي سي عربية، وشارك فيها كل من الدكتور أحمد الغامدي مستشار وزير البترول للشؤون الاقتصادية بالمملكة العربية السعودية، والدكتور زكريا هجرس الرئيس التنفيذي لشركة الوطن للصحافة والنشر بمملكة البحرين، والدكتور فهد بن جمعة الكاتب والإعلامي الاقتصادي بالمملكة العربية السعودية.

وفي مستهل الندوة أوضح كركوتي أن الإعلام الاقتصادي لا يزال جديداً على الساحة العربية، ولا تزال تجاربه لم تنضج بعد، وقد ثارت حول مدى مهنتيه العديد من التساؤلات خاصة بعد الأزمة المالية العالمية الأخيرة، ما طرح أسئلة عدة، حول مدى الإفصاح عن المعلومات، خاصة أن الأزمة الاقتصادية طالت العديد من المجالات منها المجالين الإعلامي والفني.

وأضاف أن سؤالاً آخر يثور حول مدى توافر الكوادر المتخصصة المؤهلة في مجال الإعلام الاقتصادي، معتبراً أن المهرجان أقدم على خطوة جيدة بإفراد ندوة متخصصة عن الإعلام الاقتصادي، وإدخال البرامج الاقتصادية في مسابقات المهرجان.

البترول والإعلام

وفي روقته بعنوان أثر الإعلام الاقتصادي في توجهات الشعوب (دور الإعلام في تأجيج الأزمات البترولية أنموذجاً) أوضح الدكتور أحمد الغامدي أن القطاع البترولي يعتبر أحد أهم القطاعات الإستراتيجية على المستوى العالمي. فالبترول سلعة إستراتيجية ذات أهمية محلية وعالمية، وتؤثر بشكل مباشر في حياة المواطن العادي وفي كافة قارات العالم. وأكد الغامدي أن التاريخ أثبت أن اتخاذ القرار في هذا القطاع يرتبط بشكل قوي ومباشر بما ينشر عنه في الوسائل الإعلامية المختلفة، خاصة في أوقات الأزمات السياسية والاقتصادية، مشيرا أن للوسائل الإعلامية دور كبير في حالة عدم استقرار أسعار هذه المادة الإستراتيجية من حيث نشرها لأحداث السوق والصناعة البترولية وبالتالي ما يتبعها من تأثيرات على الأسعار صعوداً وهبوطاً. منوهاً بأثر الحملات الإعلامية الغربية السلبية خلال فترة السبعينيات تجاه الدول المنتجة وخاصة دول منظمة الأوبك وخاصة الدول العربية الأعضاء فيها، وبدوافع سياسية نتيجة لمقاطعة بعض الدول العربية لتصدير بترولها لبعض الدول الغربية التي ساندت إسرائيل بشكل مباشر في الحرب العربية الإسرائيلية لعام 1973م، مما أدى إلى الدعوة إلى إنشاء وكالة الطاقة الدولية في عام 1974م كمنظمة تمثل الدول المستهلكة والدفاع عن مصالحها في مجال الطاقة. كما أخذ البترول موقعاً مميزاً واهتماماً إعلامياً على المستوى العالمي خلال فترة الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية وانخفاض صادرات هاتين الدولتين مما ساهم في ارتفاع أسعار البترول العالمية بنحو ثلاثة أضعاف. ولقد كان لهذين الحدثين وتزامنهما مع ظهور فكرة قرب نضوب البترول بمثابة الجائزة للإعلام الغربي المعادي للشركات البترولية والدول المنتجة وبالذات دول الشرق الأوسط، منادياً بالبحث عن المصادر البديلة وعدم الاعتماد على هذه الدول كمصدر موثوق للإمدادات. ولفت الغامدي إلى أن الارتباط الوثيق بين وسائل الإعلام المختلفة وقطاع البترول اتضح مع ظهور الأسواق الآجلة في نيويورك ولندن خلال فترة الثمانينيات بحيث أصبحت هذه الأسواق بمثابة الأساس في تسعيرة البترول على المستوى العالمي. هذه الأسواق تعمل على مدار الساعة، ويعتمد المتعاملون فيها على المعلومات والأخبار المباشرة السريعة التي تتناقلها وسائل الإعلام، ما سبب في زيادة التنافس بين الوسائل الإعلامية المختلفة لنقل الأخبار لهذه الأسواق بحيث أصبح للثانية الواحدة قيمتها في بث الخبر. كما ساهمت هذه الأسواق في ظهور الإعلام المرئي الإخباري الذي يعمل على مدار الساعة وإنشاء أقسام متخصصة للطاقة في معظم محطات التلفزة العالمية ووكالات الإنباء، وظهور العديد من الدوريات الإخبارية على المستوى اليومي والأسبوعي لنقل الأخبار المهمة وبشكل عاجل للمشتركين، إضافة إلى تطورات الشبكة العنكبوتية واستخدامها إعلامياً.

الشفافية وصدق المعلومة

أما الدكتور فهد بن جمعة فقد كانت مداخلته حول "تأثير شفافية المعلومات على مصداقية الإعلام الاقتصادي العربي"، والتي أشار فيها إلى أن العالم العربي في السنوات الأخيرة شهد توسعاً في تنمية الإعلام الاقتصادي، وتناغماً مع أهمية التنمية الاقتصادية المستدامة ومؤشراتها في البلدان العربية التي أصبحت هاجس كل مواطن، وبرزت الحاجة الماسة لنقل تلك المعلومات الاقتصادية التي تقيس أداء القطاعات الحكومية والخاصة إلى الجمهور، من أجل رفع مستوى مشاركته في عمليات التنمية المتوازنة بين الأقاليم، ومنعاً لانتشار الفساد الإداري والمالي، الذي يؤدي إلى هدر الثروات مع غياب الرقيب، سواءً كان ذلك في قطاع المصارف أو أسواق المال أو العمل، -التي أصبحت ظاهرة البطالة أحد سماته- أو في الإنفاق الحكومي، أو في الاستراتيجيات والبرامج الاقتصادية التي تضعف فيها عمليات الإفصاح والشفافية عن المعلومات الاقتصادية الدقيقة، الأمر الذي جعل المواطن يبحث عن ضالته في الإعلام الاقتصادي بمختلف أنواعه، عسى أن يجد ما يروي غليله من معلومات متفائلة، لكن أكثر تلك المعلومات تكون -في معظم الأحيان- منقولة بشكل مغلوط وغير شفاف من المصدر، مما يُفقِد ذلك الإعلامَ مصداقيَّتَه، ويُضْعِف من أدائه، ويَحُدُّ من نُمُوِّه في المستقبل. واعتبر بن جمعة أن عمل الإعلام الاقتصادي يقوم على جمع المعلومات وتبادلها ونشرها، باستخدام أساليب البحث والتحليل الكمي، ووسائل التكنولوجيا المتقدمة، في عملية جمعٍ وتفحصٍ لتلك المعلومات من مصادر متعددة من أجل الإفصاح عن المعلومة الدقيقة التي تفيد القارئ والمشاهد على السواء، ليس هذا فقط بل يتعدى ذلك إلى تفسير تلك المعلومات، وتحديد الأهداف في ظل السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية السائدة والمتوقعة، وما سوف يتمخض عنها من قرارات تمس حاجات الاقتصاد والمجتمع ككل، بل يذهب بعيداً إلى تحديد الإخفاقات والنجاحات من أجل مكافأة من يقف وراء تلك الإنجازات ومعاقبة هؤلاء الفاشلين، وما قد ينتج من فساد إداري خلال تنفيذ العمليات الاقتصادية، لذا يعتمد الاقتصاد الإعلامي على نشر المعلومات الصحيحة والتنبؤ بالأحداث قبل وقوعها بناء على الأرقام والإحصائيات والنماذج الرياضية والدراسات والأبحاث، وتحليل وتفسير المتغيرات الاقتصادية داخل وخارج البيئة الاقتصادية لبلد ما، وهذا يجعل إعداد المعلومات الاقتصادية أكثر موضوعية ومصداقية، عندما يتلقاها الجمهور في عالم أصبح الاقتصاد هو المسيطر عليه، وهو الذي يحدد اتجاه سياساته واستراتيجياته ومكانته في نظر الموظف والمستهلك والمستثمر على حدٍّ سواء. وأكد على أن تحقيق مبدأ الشفافية يستلزم وجود المصادر المفتوحة والموَثَّقة، وبيانات الإفصاح المالي، وسياسات التشريع التي تدعم حرية الحصول على المعلومات عن الميزانية العامة والاقتصاد الكلي والجزئي، وما يتم اتخاذه من قرارات وسياسات اقتصادية تمس الأفرادَ والشركاتِ والاقتصادَ كَكُل، لذا تصبحففا المصداقية -بعد ذلك- من أهم الأدوات في مفهوم الشفافية، التي تتجسد في أمانة نقل المعلومة والتأكد من مصادرها، فلا يكفي مصدرٌ واحد أو وجهةُ نظرٍ واحدة, فكلما تعددت المصادر ووجهات النظر كلما ارتفع مستوى الشفافية طردياً، حيث إن كلمة مصداقية مشتقة أصلاً من كلمة الشفافية المبنية على تفحص المعلومة والتثبت من دقتها وسلامتها، لكي يتم نشرها بكل حيادية دون تعارض المصالح، حتى لا تستخدم المعلومة بشكل مُشوَّه بما يخدم مصالح خاصة.

وجاء حديث الدكتور زكريا هجرس حول إشكاليات الإعلام الاقتصادي العربي، حيث أوضح أن أهميته برزت في بداية ارتفاع أسعار النفط،، التي اتخذت أبعاداً سياسية، ثم ازدادت أهميته بعد سقوط النمور الآسيوية، وفي عام 2008 دخل الإعلام الاقتصادي مرحلة جديدة بعد ظهور الأزمة الاقتصادية، ما جعل المواطنين يهتمون بهذا النوع من الأخبار، ما اضطر القائمين على الغعلام الاقتصادي إلى التوجه إلى عموم المشاهدين والمستمعين والقراء بدلا من توجههم إلى النخبة فقط. ويرى هجرس ضرورة المزج بين الندرة في الموارد والبدائل المتاحة من جانب، ودور الوسائل الإعلامية في إبلاغ المعلومة، مشيراً إلى أن وظيفة الإعلام بشكل عام تتمثل في نقل الأخبار الهامة، وتحليلها، وتعبئة وإرشاد الأفراد، والدعاية. معتبراً أن الإعلام الاقتصادي نجح في الوظيفتين الأولى والثانية إلا أنه فشل في تحقيق بقية الوظائف المنوطة به.

وفي مداخلة للإعلامي السعودي خالد الجناحي أشار فيها إلى أن مخاطبة شرائح المجتمع المختلفة أصبحت ضرورة من ضرورات الإعلام المتخصص، داعياً الإعلاميين إلى تحري البحث عن المعلومة المدققة. ودافع الدكتور فهد بن جمعة عن فكرة توافر المعلومات، لكنه أشار إلى غياب القدرة على التحقق من مصداقيتها.

من جانبه اعتبر الدكتور أحمد الضبيبان مدير إدارة الإعلام والمطبوعات بالأمانة العامة لمجلس التعاون أن بعض الصحفيين يسعون إلى تلقي الأخبار الجاهزة دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث والتدقيق والتحليل للمعلومات التي يتلقونها، وهو ما يعد قصوراً في هذا الجانب، وأيده في ذلك الدكتور فهد بن جمعة مستدلاً بأن المواقع الإلكترونية ووكالات الأنباء العالمية مليئة بالمعلومات الاقتصادية، التي يتم نقلها حرفيا، حيث تكون في بعض الأحيان مليئة بأخطاء الترجمة، لتنشر عبر وسائل الإعلام العربية.

وأجمع العديد من الحاضرين على وجود رغبة حقيقية في التوصل إلى قوالب برامجية تتناسب مع طبيعة الإعلام الاقتصادي، بحيث تخاطب كافة شرائح المجتمع.





الثلاثاء، 2 مارس 2010

قضية طُرحت من "فرط" أزمة؟!

( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



" لا شيء يمكن إبداعه من لا شيء"
الشاعر والفيلسوف الروماني لوكريتيوس


محمد كركوتــي

مع انطلاق الأزمة الاقتصادية العالمية، انطلق حديث لم يتوقف على الساحة العربية، يختص بأهلية الإعلام الاقتصادي العربي، في أوقات الأزمات وفي أزمنة الإنفراجات.. في مراحل الركود وفي حقب الازدهار. وارتفعت "حرارة" الحديث بصورة واضحة، مع ارتفاع حمم الأزمة العالمية، وتناثرها في المنطقة العربية، بعد أن عمت المناطق الأخرى من العالم، ولم تترك قطاعا إلا وأشعلته، ولا بابًا إلا وأغلقته، ولا متنفسًا إلا وكتمته!. وإذا كان هذا الحديث ( القضية)، ضروريا من منظور التطور الطبيعي، إلا أنه جاء متأخرا، وأتى كرد فعل على ما حدث ويحدث وسيحدث، ولم يأت كاستحقاق لتنمية هذا القطاع الإعلامي الهام، الذي لا يزال يُنظر إليه، كقطاع مخصص لنخبة الأعمال والأسواق المالية والصفقات التي يسيل لها اللعاب، لا كقطاع مرتبط بصورة مباشرة في "شعبية" المجتمع – إن جاز التعبير - وأدواته ومكنوناته. أي أن طرح القضية، جاء من "فرط" أزمة كبرى، لا من حتمية تطوير مستحق!.

في العام 2007 ( قبل الانفجار الحقيقي المدمر للأزمة العالمية)، كتبت مقالا في "الاقتصادية"، تحت عنوان "الإعلام الاقتصادي العربي.. ذهب المضارب، أين المستهلك؟". قصدت بـ "المضارب"، ذاك الذي انغمس بسوق الأسهم وخرج منها إلى الأبد بعد أن تبخرت أمواله فيها. طرحت وقتها بعض الأسئلة المختصرة (لا كلها المستحَقة) على القائمين على وسائل الإعلام العربية ( لاسيما الفضائيات منها) : ماذا يعني ارتفاع أسعار الحبوب بالنسبة لمحدودي الدخل؟. وما هي انعكاسات ارتفاع أسعار النفط على ميزانية الأسرة؟ وكيف يؤثر تقاضي محلات الـ "سوبر ماركت" رسوما على الأكياس البلاستيكية التي تُمنح عادة مجانا، على إنفاق الأسرة؟. إلى أي مدى يمكن للأسرة الاستفادة من عمليات التدوير الخاصة بالحفاظ على البيئة؟. ماذا يعني ارتفاع أسعار الفائدة بالنسبة لساكني المنازل التي يملكونها عبر الرهن العقاري؟. كيف تتأثر المحفظة المالية المنزلية من تراجع قيمة صرف الدولار الأمريكي؟. كيف يمكن إدارة هذه المحفظة بصورة تمكن رب ( ربة) الأسرة من الاستمرار في توفير متطلبات منزله؟. وما انعكاسات التضخم - سواء المستورَد أو المحلي - على القيام بالإجازة السنوية العادية لمحدودي الدخل؟. وإذا كنا نتحدث عن التضخم، هل يضرب في الصميم لفترة طويلة؟. أم أنه حالة استثنائية؟. ما فوائد تعويم العملة على الراتب الشهري؟. كيف يؤثر التعليم الخاص على ميزانية الأسرة؟. هذه نماذج قليلة جدا من أسئلة كثيرة توجه بصورة يومية من المستهلك في العالم العربي، إلى نفسه أولا، وإلى المحيطين به، بل إن هذه الأسئلة باتت تصبغ النقاشات الاجتماعية داخل الأسرة وخارجها. فلا يمكن الاستمتاع المُطْلق بمباراة رياضية حماسية، ولا بمسرحية كوميدية، ولا بفيلم مثير، ولا بمسلسل آسر، من قبل شخص يفكر فيما إذا كان ما تبقى من مرتبه يكفي حتى نهاية الشهر؟!.

تتحمل القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية المسؤولية الأكبر في القصور الإعلامي الاقتصادي العربي. لماذا؟، لأن أدواتها قفزت بمساحات شاسعة ( من حيث الاستقطاب الشعبي) فوق "زميلاتها" التقليدية من المطبوعات على اختلاف هوياتها وأشكالها. ولأن الأمر كذلك، فقد أخذت (الفضائيات والإذاعات) الحصة الأعظم من الانتقادات والهجوم، ليس فقط لأنها لم تقدم مادة تحاكي الأزمة الاقتصادية بمقدماتها وتبعاتها وآثارها وكوارثها، بل لأنها كانت بعيدة عن المادة الاقتصادية الشاملة. المادة التي تجتذب المستثمر والمستهلك، ورجل الأعمال وصاحب محل للبقالة، ورئيس أكبر المؤسسات ورب أصغر الأُسر، ورئيس دولة كبرى ورئيس بلدية صغرى. لم تستطع وسائل الإعلام العربية ( المرئية والمسموعة)، أن تجعل "مُتلقيها" متواصلا معها في "فتراتها الاقتصادية" ( برامجها ونشراتها الإخبارية)، بل دفعته إلى العزوف عن متابعتها، ومتابعة هذه الفترات، إلى محطات أو برامج "مفهومة"، ولا أقول مُسلية. وهل هناك أسهل من الانتقال من محطة إلى أخرى؟!.

والحق أن المطبوعات ( رغم الملاحظات على مادتها الاقتصادية) تقدمت في هذا المجال على الفضائيات والإذاعات. والسبب الوحيد لذلك، هو النضوج الذي اكتسبته من جهة الزمن، ومن تراكم التجربة. ولكن هل حُلتَ المشكلة بتقدم هذه الأخيرة؟. وهل استطاعت أن تسد الثغرات؟. الجواب ببساطة: لا!. لأن الأسرة المكونة من خمسة أفراد، يقرأ واحد منهم فقط –إن وُجد - هذه المطبوعة أو تلك، بينما يكتفي الأربعة الآخرون بمتابعة الوسائل المرئية والمسموعة، بالإضافة طبعا إلى الإنترنت وعالمها الواسع. وهذا يعني أن "نضوج" المطبوعات لم يحقق غاياته من حيث المُريدين (المُتلقين)!. والمشكلة لا تتوقف في الواقع عند هذا الحد، بل تستمر لتشمل الفضائيات ( تحديدا) العربية الاقتصادية المتخصصة، التي لم تستطع الوصول هي الأخرى إلى قاعدة واسعة من المشاهدين، لا قبل الأزمة العالمية ولا بعدها، وظلت – منذ نشأتها الحديثة – "نخبوية" في مادتها، و"ضيقة" في أُفقها تجاه السواد الأعظم من المشاهدين!. مع ضرورة الإشارة إلى أنها تعاني – كغيرها من الفضائيات التي تقدم ضمن برامجها منتجات إعلامية اقتصادية- من نقص الكوادر المؤهلة للتعاطي مع هذه المادة الملتصقة بالمشاهد، الذي يمثل في النهاية المجتمع كله، دون الحديث بالطبع عن النقص الهائل في مجال برامج تأهيل الإعلاميين الاقتصاديين في العالم العربي.

إن طرح قضية الإعلام الاقتصادي العربي، يمثل مسألة هامة، سواء جاءت كفعل أو كرد فعل. غير أن هذا النوع من الإعلام، لم يحظ بمبادرات حقيقية وفاعلة، تضعه ضمن نطاق الحراك الخاص بمناقشة الإعلام المرئي أو المسموع. فقد ظل غائبا عن مبادرات، وهامشيا ( جدا) على بعضها. فالبرامج الحوارية والمسلسلات والبرامج الغنائية والإخبارية والوثائقية وغيرها، والفضائيات الثقافية والكوميدية والرياضية والدينية، وحتى فضائيات "قراءة الكف والفنجان والطالع"، تستحوذ على مبادرات الإصلاح والتوعية الإرشادية والبيانية الإعلامية. وإذا كان هناك – على سبيل المثال – عشرة منتديات ومؤتمرات وورشات عمل عربية، تقام في العام الواحد لبحث حراك هذه الفضائيات وبرامجها، لا نجد بينها فعالية واحدة تبحث حراك ( أو جمود أو تقدم أو تراجع) البرامج الاقتصادية في الفضائيات العامة، أو الفضائيات المتخصصة بهذه المادة الحيوية!. فلا يمكن أن يتحقق تقدما ما من جمود، ولا يمكن إنتاج شيء من لاشيء. وإذا كانت الدراما – مثلا – ترتبط بوجدانيات الناس، فإن الاقتصاد ملتصق بحياتهم، ويزداد التصاقا في ظل الأزمات الخاصة والعامة.

لقد أقدم "مهرجان الخليج الحادي عشر للإذاعة والتلفزيون" الذي عقد في البحرين في فبراير/ شباط الماضي، على خطوة ضرورية في هذا المجال، عندما أفسح مكانا ضمن فعالياته للإعلام الاقتصادي، تحت شعار عريض هو "الإعلام الاقتصادي العربي.. ما له وما عليه". وأن تَطرح هذا الموضوع - القضية مؤسسة راسخة في هذا الوقت بالذات، يعني أن مرحلة "التثقيف" الإعلامي الاقتصادي العربي، بدأت بالانطلاق نحو فعالية أكبر، وتحتاج إلى استدامة ومواكبة دورية، إذا ما أُريد لهذا النوع من الإعلام أن يحقق قفزات نوعية على صعيد "منتجاته". نحن نعلم أن أدوات النضوج ( ومعها النجاح بالطبع)، تكمن في الديمومة والخبرة والإصلاح الذاتي المتواصل، ونعلم أيضا أنها لن تُوجد، بمعزل عن الإمكانيات المادية والبشرية وعمليات التأهيل المطلوبة للكوادر. لكننا نعلم أيضا.. وأيضا، أن عناصر النضوج لن تكتمل، من دون مبادرات وفعاليات مساعِدة، توفر "أجود" معايير التوعية والتثقيف والمراجعة والنقد والتقييم وحتى التصنيف.

لا أحد يطالب بوصاية على الإعلام الاقتصادي ووسائله. فالوصاية على الإعلام – بكل أنواعه وأشكاله- هي بمثابة "طلقة" قاتلة موجهة إلى قلبه، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نطالب – نحن الإعلاميون تحديدا – بأي نوع من أنواع الوصاية، بل علينا مقاومتها بكل الوسائل. المطلوب ليس أقل من "منتدى مفتوح" غير متقطع، ومبادرات محددة، تساعد هذا القطاع، وتطرح الحقائق كما هي، وتستقطب الأفكار التي تحاكي المستقبل، بعيدا عن "التنظير"، وبعيدا عن محاولات "تَسيُد" المشهد. ويبدو (والعالم العربي في أزمة اقتصادية لا دخل له في تفجرها، لكنه أخذ حصته من لهيبها)، أن الوقت مناسب الآن، لوضع الإعلام الاقتصادي العربي، على خارطة الاهتمامات الإعلامية العربية، لا لأنه حديث عهد، بل لأنه الأكثر قُربَا من الحياة المعيشية اليومية، وأقوى التصاقا بها.

الاثنين، 22 فبراير 2010

المعذرة سنخفض المساعدات.. نحن في أزمة!

(هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")




" يمكن تعريف المساعدات الخارجية على أنها تحويلات من الفقراء في الدول الثرية إلى الأثرياء في الدول الفقيرة"

الكاتب الاقتصادي الأميركي دوجلاس كاسي

 
 
محمد كركوتــي
حسنا.. الجميع في أزمة. لا فرق بين فقير وثري. الكل وقع فيها. لا فرق بين دولة متقدمة وأخرى تعيش حضارة بدائية، ولا فرق بين مجتمع غارق بـ " المياه المعدنية" وآخر غارق في "مياه جافة"!. هذه الأزمة جمعت أصحاب "الياقات البيضاء" وأولئك الذين لا يملكون ملابس أصلا في ناد "مرحلي" واحد!. إنه أكبر النوادي العالمية الشعبية في التاريخ!. لماذا؟ لأن العضوية فيه قسرية، لا قيمة لموافقة العضو أو معارضته لها!. هذا النادي ضرب عرض الحائط كل المستويات والدرجات. تجد فيه رجلا بسترة إيطالية فاخرة، وآخر لاشيء يستره!. الأزمة الاقتصادية "الشعبية" العالمية، وضعت الجميع تحت سقفها الضارب في الأفق. لم تترك شيئا إلا وانتهكته، ولا مجالا إلا واقتحمته، ولا أملا إلا ودمرته. وحتى في مرحلة الانتعاش الهش، يظل الدمار ولفترة طويلة جدا قابعا في كل الأمكنة. فالمشهد لن يتجمل من جراء تعاف هش هنا وآخر هناك، وبالطبع لن يزول بالتطمينات ولا بالمسكنات. لن ينتهي إلا بعمليات جراحية لن تنجح إلا باستئصال مسببات الوباء.

قبل عام تقريبا كتبت مقالا تحت عنوان "ضخ وشح"، تناولت فيه مصير المساعدات التي تقدمها الدول المانحة إلى تلك "الممنوحة". قلت فيه : تستطيع الدول الكبرى المانحة للمساعدات الإنسانية والتنموية الخارجية، أن تعلن – بصوت ليس خفيضا- بأن حجم هذه المساعدات سيتراجع إلى أجل غير مسمى. وتستطيع هذه الدول أن تنتقد المنتقدين وتقول: "لا توجهوا اللوم إلينا.. نحن في أزمة". وتستطيع أن تردد المثل المصري الشعبي المعروف "ما يحتاجه البيت.. يحرم على الجامع". ولكن هل تستطيع ( والعالم معها) تحمل تبعات تراجع مساعداتها؟. وهل بإمكانها احتواء المصائب التي ستنجم عن تدني المساعدات؟. وهل تقدر الدول المانحة، "القنبلة الاجتماعية" التي ستنفجر عندما تخفض من مستوى معوناتها؟. وقبل هذا وذاك، هل يتحمل العالم استفحال أزمة كبرى، في ظل أزمة أكبر منها؟.

الجواب جاء من منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي Organisation for Economic Co-operation and Development المعروفة اختصارا بـ " أو.إي.سي.دي". ماذا تقول المنظمة التي تتخذ من باريس مقرا لها؟: "إن تعهدات الدول الغربية لمساعدة الدول الفقيرة خلال العام 2010 سوف تتراجع، رغم وصول إجمالي التعهدات الدولية إلى مستوى قياسي". وتتوقع المنظمة، أن لا تحصل الدول الإفريقية على نصف المساعدات التي تعهدت بها الدول الصناعية الثماني الكبرى في قمتها باسكتلندا قبل خمس سنوات وكانت بحدود 25 مليار دولار أميركي. لقد تعهدت 15 دولة في العام 2005 بتخصيص 0,51 في المئة من إجمالي ناتجها القومي عام 2010 لمساعدة الدول الفقيرة. وعلى الرغم من أن دولا مثل السويد والدنمارك وهولندا، سوف تقدم مساعدات تتجاوز تعهداتها، فإن دولا أخرى لن تفي بالنسب المتفق عليها، وفي مقدمتها فرنسا التي ستقدم 0,45 في المئة وألمانيا 0,40 في المئة والنمسا إلى 0,37 في المئة وإيطاليا 0,20 في المئة، من إجمالي الناتج القومي. وعلينا أن نعرف أن دولتين هما فرنسا وألمانيا تساهمان بحوالي 37 في المئة من إجمالي ميزانية برنامج مساعدة الدول الفقيرة!. باختصار سيكون هناك عجز يصل إلى 12 مليار دولار لعام 2010 بين المساعدات "الموعودة" والفعلية.

لا نشكك بنوايا الدول المتقدمة الثرية، ونفهم معها " أن الذي يحتاجه البيت يحرم على الجامع"، ونتفق أيضا بأن إنقاذ المؤسسات في هذه الدول، هو مسؤولية وطنية حتمية، فلا يمكن أن تسمح حكومات بانهيار مؤسسات، أصبحت تمثل في الواقع رموزا شكلت النسيج السيادي في بلدانها. ولكن المسؤولية الوطنية ( لاسيما في الدول الكبرى) توازيها مسؤولية عالمية، لا مجال للهروب منها، ولا يمكن التخلص من استحقاقاتها. إنها مهمة الكبير إذا ما أراد أن يكون كبيرا. ولأنها كذلك، فلا يمكن أن تتساوى مسألة إنقاذ مصرف أو مؤسسة، مع قضية توفير مياه الشرب – لا الاستحمام – في دولة ( أو مجتمع) تصل فيها قيمة الأمطار إلى قيمة الألماس!، وتستحيل المقارنة بين فقدان الدواء لعلاج مرضى الإيدز – مثلا – في دولة ما، وبين تراجع مبيعات السيارات في الدول الثرية. وهل يمكن أن نقارن بين الكوارث المولودة من الحروب - وتلك الطبيعية – وبين المشاكل التي يعاني منها قطاع السياحة في هذا البلد أو ذاك؟!. الدول المتقدمة الثرية تعرف تماما، أنها لا تستحق هاماتها في عالم لا توجد فيه هامات أخرى. وإذا لم يفهم هذا القوي هذه المقاربة، فإنه لن يختلف عن شخص خاض سباقا بمفرده.. لكنه احتل المركز الثاني!!. ولمن نسي من أولئك الذين يُحمِلون الأزمة الاقتصادية العالمية مسؤولية " التقتير" المالي، أقول: هناك امرأة في مكان ما من هذا العالم، تموت كل دقيقة أثناء الولادة، وهناك 72 مليون طفل لم يلتحقوا بالمدارس، وهناك 1,02 مليار جائع، وهناك طفل واحد من كل 6 أطفال مصاب حتى أذنيه بآفة عمالة الأطفال!.

يقول كبير مستشاري مؤسسة "أوكسفام" الخيرية البريطانية الكبرى في أعقاب إعلان "منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي" عن عدم إيفاء الدول المانحة بتعهداتها للعام 2010 : "تلك الوعود التي لا يتم الوفاء بها، لا تقل عن كونها فضيحة". والواقع أن الفضيحة ليست وليدة الأزمة الاقتصادية العالمية، بل سبقتها بسنوات عدة. فقد تراجع حجم المساعدات الأميركية للدول الفقيرة في عهد إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن إلى مستويات مُخجلة، ساهمت في "تصغير" الولايات المتحدة التي قزمتها أصلا سياسات إدارة بوش على مدى ثماني سنوات. أما مساعدات الدول المانحة الأخرى فقد شهدت هي الأخرى تراجعا ملحوظا، لم يصل بالطبع إلى مستوى تراجع مثيلتها الأميركية. فعلى سبيل المثال تراجعت مساعدات الاتحاد الأوروبي الخارجية في العام 2007 التي بلغت 46,1 مليار يورو ( اليورو يساوي 1,2 دولار أميركي تقريبا) أكثر من 1,7 مليار يورو مقارنة بحجمها في العام 2006!. أي أن الدول المنضوية تحت لواء هذا الاتحاد لم تف بكامل تعهداتها قبل الأزمة. وهذا المبلغ المستقطع يمكن أن يمول – حسب مفوضية الاتحاد الأوروبي- بناء 4500 مدرسة أو 1200 مستشفى.

لا يمكن مقارنة الكرم الأوروبي بـ "الكرم" الأميركي في عهد بوش الابن. فالمقارنة تظلم الأوروبيين، وتمنح واشنطن تحت بوش تقديرا لا تستحقه. لكن هذا لا يلغي حقيقة تراجع المساعدات الأوروبية في الوقت الذي تحتاج فيه الدول الفقيرة كل شيء تقريبا، في زمن الأزمة التي لا دخل للدول المحتاجة في ارتكابها. إنها أزمة مُصدَرة من بلدان المساعدات. من واشنطن من طوكيو من لندن من باريس من برلين من روما وغيرها. وقد أصبح واضحا للجميع، أن "شماعة" الأزمة لم تعد تحتمل المزيد من المبررات أو الحجج، فقد أُثقلت بما يكفي منها. فالأزمة "تحملت" الكثير، بعد أن حملت العالم الكثير أيضا. لكن هذا لا يعني على الإطلاق الهروب من المسؤولية، بل على العكس تماما، تمسي المسؤولية ضرورة حتمية في وقت الأزمات والمحن، وليس فقط في زمن المسرات.

إن قنابل التدمير الشامل لا تصنع فقط من اليورانيوم المخصب، بل تصنع أيضا من حرمان البشر من حقوق إنسانية بسيطة الماء والطعام والدواء أجزاء أساسية منها، لكن الكرامة تقف على رأسها.

يقول الكاتب البريطاني تشارلز لامب : "لا أعرف غبطة أعظم من أن أُسدي يداً في الخفاء، ثم ينكشف أمرها مصادفة". هل هناك أعظم من هذا الشعور؟!.

الخميس، 18 فبراير 2010

الأوبئة الاقتصادية الأوروبية!

( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")












«لكي تفهم أوروبا، يجب عليك أن تكون عبقريا أو فرنسيا»
وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت

 
محمد كركوتــي
 
في موجة الرعب الأوروبي من انهيار الاقتصاد اليوناني، يستطيع رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون الحصول على مساحة للتنفس، ليست متوافرة عند قادة دول منطقة اليورو (الدول الأوروبية التي تعتمد اليورو عملة رسمية لها). فلا تزال بريطانيا خارج هذه المنطقة، وتحتفظ بـ ''جُنيهها الإسترليني'' إلى أجل لم يشأ براون تحديده. لكن.. ما نطاق ''مساحة التنفس'' هذه؟ إنه ضيق ومحدود، لا يلبث أن يتحطم أمام حقائق الترابط الاقتصادي الأوروبي، سواء داخل منطقة اليورو أو خارجها. فمسؤولية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، قد تتفاوت بين دولة وأخرى (طبقا لحجم هذه الدولة أو تلك)، لكنها لا يمكن أن تغيب عن الساحة، كما أنها ليست اختيارية، هي في الواقع إلزامية لكل من ارتضى أن يكون عضوا في هذه المنظومة الأوروبية الهائلة.

اليونان اليوم، وربما البرتغال غدا، وإسبانيا بعد غد، وحتى بريطانيا ربما ''بعد بعد غد''!. عجز هائل في الموازنات العامة لهذه الدول، تضاف إليه ديون سيادية متعاظمة، تنذر بأزمة اقتصادية عالمية أخرى، بينما لا تزال الأزمة (ليس غيرها) تتسيد الموقف الاقتصادي العالمي، إلى أجل يُحسب بالسنوات، لا بالأشهر. فالتعافي الذي بادر بالظهور مع ''هروب'' عام 2009، يشبه ذلك التعافي الذي يشعر فيه مريض يتكدس السرطان في كل أنحاء جسمه. هو أشبه بوردة تم العثور عليها '' بقدرة قادر'' وسط جبل من القمامة. هو إطار جميل للوحة قبيحة. هو بمثابة كلمة خارجة عن النص! ولأن الأمر كذلك، فليس مهما أن تكون هذه الدولة أو تلك داخل أو خارج منطقة اليورو. المهم أنها ضمن الاتحاد الأوروبي، وأن استحقاقات الأزمة سارية على الجميع، وأن الهَم اليوناني الآتي من جهة البحر الأبيض المتوسط، لا مناص من أن يتحول إلى هَم فنلندي قابع عند تخوم روسيا، وهَم ألماني مترابط حدوديا مع فرنسا، وهَم فرنسي متلاصق مع إيطاليا، إلى آخر ''التوليفة'' السياسية الاقتصادية الحدودية الاتحادية الأوروبية.

لم تنته الأزمة الاقتصادية العالمية، ولن تنتهي في المدى المنظور. وإلا كيف نفسر تعاظم الديون السيادية؟ وارتفاع معدلات البطالة؟ وتواضع معدلات النمو المتوقعة؟ وتزايد العجز في الموازنات العامة؟ كيف نفسر التباطؤ في الوصول إلى نظام اقتصادي عالمي، يضع النظام القائم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في سجلات التاريخ فقط؟. كيف نفسر تحذيرات صندوق النقد والبنك الدوليين، من مغبة سحب خطط الإنقاذ الحكومية على مستوى العالم؟ كيف نفسر الجشع العائد (هذا إن رحل أصلا) إلى نفوس القائمين على المؤسسات المالية الكبرى؟ كيف نفسر ما يستحيل تفسيره؟! تكفي الإشارة إلى أن الديون السيادية التي لا تتوقف عن النمو، بدأت تشكل المشهد الاقتصادي العالمي ما بعد اندلاع الأزمة. فقد وضعت العالم أمام تهديد جديد يتمثل في إمكانية عجز الدول عن تسديد ديونها في المرحلة المقبلة. منها دول تملك القرار الاقتصادي العالمي، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا، فضلا عن دول مثل إيرلندا، النمسا، المكسيك، لاتفيا، أوكرانيا، الأرجنتين، والإكوادور وبالطبع إسبانيا والبرتغال وغيرها!.

الاتحاد الأوروبي، يعيش سكرات حقيقية لما بعد انفجار الأزمة. وعلى الرغم من الهزات الاقتصادية التي شهدها العالم مطلع القرن الـ 21، ظلت منطقة اليورو متماسكة وقوية إلى حد ما. لكن مع بدء شبه انهيار الاقتصاد اليوناني (العجز في موازنة اليونان 12.7 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي، أي أكثر من أربعة أضعاف المعدل المسموح به في دول منطقة اليورو. فقد وصل إلى 300 مليار يورو)، أصبحت هذه المنطقة ( المكونة من 16 دولة) في مواجهة أكبر تهديد لوجودها، منذ إنشائها في كانون الثاني (يناير) من عام 1999. لم يجد رئيس الاتحاد الأوروبي هيرمان فان رومبوي أمامه سوى المطالبة بتشكيل حكومة اقتصادية أوروبية، لكي تقوم بتنسيق سياسات مواجهة الأزمة بصورة أفضل. فهو يعتقد بأن القادة الأوروبيين هم الوحيدون القادرون على بلورة استراتيجية مشتركة تهدف إلى خلق مزيد من النمو ومزيد من الوظائف. وفي الواقع، فإن ما يطالب به رومبوي هو تعزيز ''آلية الحكم'' باعتبارها أمرا ملحا ومطلوبا، لا سيما في وقت الأزمات الكبرى. لكن مطالبة ''الرئيس الأوروبي''، لم ترق بعد إلى دول مثل بريطانيا وألمانيا، ولكنها تصب تماما في التوجه الفرنسي. فقد كان الرئيس نيكولا ساركوزي قد تقدم سابقا بمقترحات بهذا المعنى لزملائه الأوروبيين. فهو يسعى من خلال هذه التحركات والاقتراحات والمطالب، إلى تكريس الدور الأوروبي ( إقليميا وعالميا)، من أجل استكمال ''دق المسامير'' في نعش النظام الاقتصادي الأنجلوساكسوني، الذي يعتبره ساركوزي وبعنف مجرد نظام تخريبي عالمي، أو على الأقل مجرد نظام لم يعد صالحا لما بعد الأزمة الاقتصادية.

وسواء تم تشكيل ''الحكومة الاقتصادية الأوروبية'' أم لم يتم، يواجه الاتحاد الأوروبي أكبر التحديات قاطبة، منذ تحوله من ''مجموعة أوروبية'' إلى هيئة اتحادية. وهذه التحديات لا تترك مجالا للجدال. فكلما زاد وقت الجدال تحولت هذه التحديات إلى تهديدات، وتحولت بالتالي إلى مصائب متفاقمة تنال من مستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه. في القمة الأوروبية التي عقدت في بروكسل الشهر الجاري، تبين – مرة أخرى - لقادة الدول الـ 27 المنضوية تحت لواء الاتحاد، أن الآتي أعظم، وأن مساعدة اليونان في محنتها المالية التاريخية، هي مجرد ''تدريب'' لما قد يحدث ( في وقت ليس ببعيد) في دول أوروبية أخرى. فالتضامن النظري لم يعد له مكان على الساحة الأوروبية، تماما كما هو حاله على الساحة العالمية. لكن ما حدث في القمة، ظل ضمن نطاق ''التمنيات الأخلاقية'' في أن تتجاوز اليونان محنتها. نحن نعلم أن الاتحاد لن يترك اليونان بمفردها، لكننا نعلم أيضا، أن هذا البلد لن يكون قادرا على تقليص العجز في موازنته العامة إلى 4 في المائة مع نهاية عام 2010!. وهنا يأتي دور الدول الأوروبية الكبرى للتدخل، وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا. إلا أن هناك مشكلة إجرائية (بل دستورية) في هذا المجال. فطبقا للقواعد المعمول بها في الاتحاد الأوروبي، لا يجوز لدول منطقة اليورو أن تقوم بتطبيق خطة إنقاذ جماعية لاقتصاد أي دولة في المنطقة المذكورة. وهذا يعني أن المساعدات التي تحتاج إليها اليونان، لن تأتي إلا بشكل فردي، دون أن ننسى، بأن الديون السيادية هي التي تتقدم المشهد الاقتصادي في كل الدول الأوروبية، تماما مثلما هو الحال في الولايات المتحدة.

تقول الأديبة الأمريكية المعروفة أليسون لوري: ''الذي يذهب إلى أوروبا لرؤية التاريخ المُعاش، عليه أن يذهب إلى جنوب كاليفورنيا لرؤية المستقبل''. لقد أرادت أن تقول: إن الولايات المتحدة تمنح الرؤية الواضحة للمستقبل، مثلما تمنح أوروبا رؤية تاريخ يعيشه الأوروبيون في القرن الـ 21. لكن هل ينطبق هذا التوصيف على أوروبا والولايات المتحدة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية؟. أحسب أنه لا ينطبق على الإطلاق!. فأوروبا.. تواجه أوبئتها الاقتصادية بمعايير الحاضر ''الاتحادية'' – إن جاز التعبير -، وهو أمر لم يكن مطروحا على الساحة الأوروبية قبل القرن الـ 20. والولايات المتحدة.. قدمت مستقبلا اقتصاديا لهذا العالم، مليئا بالأوبئة والأمراض بمعاول نظام بات القضاء عليه أمرا واجبا على الجميع، وعلى رأسهم الأمريكيون أنفسهم. ولأن الأوقات تتغير، والحقائق المُريعة تسود الساحة الدولية ( بنخبها وغيرهم)، فإن المستقبل الذي تحدثت عنه لوري، لن يكون مشرقا إلا بتغيُر المفاهيم والأنظمة والمعايير السائدة، وبالتعاون العالمي المفتوح (لا المحلي أو الإقليمي الضيق). وإذا كان ''الرئيس الأوروبي'' يدعو إلى حكومة اقتصادية أوروبية لمواجهة أبشع الأزمات العالمية قاطبة، فمن الأفضل الدعوة إلى تشكيل ''حكومة اقتصادية عالمية''، يرسم من خلالها العالم مستقبله، ويُبعد بأدواتها المخاطر. إنها خطوة ستجعل من العولمة نفسها حاجة ملحة، لا قضية خلافية.

الزبون ليس دائما على حق!

(هذا المقال خاص بجريدة الاقتصادية)

«لا تثق بالراوي.. ثق بالرواية»
الأديب والشاعر الإنجليزي ديفيد هربرت لورنس

محمد كركوتــي
 
رسام الكاريكاتير البريطاني كيبير وليامز رسم بليغ حول الصدمات التي أحدثتها الأزمة الاقتصادية العالمية. فقد رسم موظفا كبيرا في صندوق النقد الدولي، يقول لزميل له: يجب علينا أن نلجأ إلى صندوق النقد الدولي. فما كان من الموظف الثاني إلا أن رد مستغربا مستعجبا: نحن صندوق النقد الدولي! ذكَرني هذا الرسم المعبِر، بوكالات التصنيف والتقييم الكبرى، المتخصصة في تحديد مستويات وملاءات (وحتى نزاهة) المؤسسات والشركات الكبرى، والمؤسسات ذات ''المقاسات'' المختلفة الأخرى. فهذه الوكالات أصبحت جزءا من الأزمة، قبل هذه الأخيرة وخلالها، وربما بعدها، إذا كان هناك من لا يزال يعتقد أنها وكالات ''معصومة'' لا تخطئ، وبأنها تتحلى بالنزاهة والشفافية!

وعلى الرغم من أنها تعرضت إلى ما تستحق من هجوم وانتقادات وتشكيك وارتياب بعد أن ''طفح الكيل''، إلا أن هذه المسألة تستوجب وضعها على الدرجة نفسها من الأهمية، الذي يضع العالم فيها النظام المصرفي الساعي إلى إعادة هيكلته بما يتوافق مع إفرازات ومصائب الأزمة الاقتصادية. فاستحقاقات الأزمة، تجاوزت - منذ اندلاعها - مستويات الإصلاح و''الترقيع''، وبلغت مرحلة إعادة الهيكلة. فكيف يمكن القيام بأعمال الديكور في مبنى منهار؟! وكيف يمكن إجراء عملية تجميل لامرأة فارقت الحياة؟! وكيف يمكن تحسين صورة لا معالم لها؟! الأمر يحتاج إلى إعادة صناعة، وإعادة بناء، وإعادة تكوين، لن تنجح معه أية جهود تهدف لـ ''إعادة التدوير''! وإذا كان بالإمكان إلقاء القبض على شخص ارتكب جريمة قتل، ووقعت عليه العدالة الخالصة، هل يمكن لهذه العدالة أن تُعيد الضحية إلى الحياة؟

في كتابي الذي صدر في منتصف عام 2009 عن الأزمة الاقتصادية العالمية تحت عنوان ''في الأزمة''، نشرت موضوعا مستفيضا عن وكالات التصنيف والتقييم، تحت عنوان ''عملوا البحر طحينة''. وقتها كان رؤساء هذه الوكالات يقولون: ''لا دخل لنا في ارتكاب الأزمة، ولسنا مسؤولين عن تداعياتها، وقد قمنا بمهامنا على أكمل وجه''!. لكن هؤلاء لم يبرروا تقييماتهم لمؤسسات وضعوها في الدرجة الممتازة، كيف تعرضت إلى الانهيار بـ ''لمح البصر''؟ ولم يفسروا تصنيفاتهم ''فوق الممتازة''، لمؤسسات وشركات تابعة أو متعاونة مع المحتال الأمريكي الشهير برنارد مادوف، الذين استطاع أن يسرق 65 مليار دولار أمريكي على مدى 20 عاما. هي التي ''طمأنت'' العالم بأن بنك ''ليمان برازرز'' الأمريكي لا غبار عليه، وأن بنك ''نورثرن روك'' البريطاني متماسك، وأن ''ميريل لينتش'' الأمريكية متوازنة، وأن مصرف ''رويال بنك أوف أسكوتلاند'' لن يخسر، وأن شركة ''فورد'' قوية، وأن مؤسسة الضمان الأمريكية ''إى آي جي'' مضمونة. وقبل هذا وذاك، أن لدى مادوف من ''النزاهة'' والصدق، ما يكفي لوضع أموال الدنيا بين يديه! والمصيبة أن شرائح نافذة في الاقتصاد العالمي، اعتبرت أن وكالات التقييم لديها من الشفافية والنظافة ما يكفي لتحصينها من الخضوع للتقييم!

إن الأمر ليس كذلك. فالجميع يعلمون أن الثقة تحتاج إلى سنوات لبنائها، وقابلة ومطواعة للتدمير في ظرف ثوان معدودة. ولا أعرف إن كان أولئك الذين يؤمنون بـ ''قدسية'' وكالات التقييم ( مثل ''زملائهم'' المؤمنين بـ ''قدسية'' السوق)، يعرفون أن الجودة لا تبدأ إلا من الداخل، ثم تحفر لنفسها طريقا إلى الخارج. فهذه الوكالات لم تعمل بالجودة المطلوبة، من أجل تحديد مستوى جودة الآخرين!. لا غرابة إذن.. في أن تكون المؤسسات التي خضعت لتقييم وكالات التصنيف هذه، أول وأكبر الهيئات المنهارة، وأول من نشر الصدمة والآلام معها، وأول من ''بشَر'' بكساد عالمي يصعب حتى على القائمين على إدارته وضع مدة محددة أو متوقعة لانتهائه.

تطرح قضية وكالات التقييم، موضوع التشابك في المصالح بينها وبين المؤسسات الخاضعة لتقييمها. فعلى مدار السنوات التي سبقت الأزمة الاقتصادية العالمية، لم تقدم وكالة واحدة، تصنيفا سلبيا، لمؤسسة واحدة من تلك الكبرى أو المتوسطة. أقصى ما كانت تقوم به، هو تخفيض مستوى التقييم بصورة لا تتأثر معه سمعة المؤسسة أو الشركة. والتشابك الذي يحتاج إلى ''التفكيك'' أو التوضيح، يكمن في أن المؤسسة التي توظف وكالة التقييم، تتحول أوتوماتيكيا إلى زبون لهذه الوكالة، الذي ينطبق عليه التعبير السوقي الشائع ''الزبون دائما على حق''. لكن هذه – ربما – هي الحالة الوحيدة التي لا ينطبق عليها هذا التعبير. فالوكالة لا تقدم منتجا استهلاكيا، يجب أن يخضع بالضرورة لرضا المستهلك. بل ''تصنع'' منتجا معلوماتيًا لتوعية المستثمر الذي سيساعده في توجيه أمواله. وفي الواقع ينبغي أن يكون الزبون هنا هو المستثمر، لا المؤسسة ولا الشركة. وإلى أن يتم حل هذه الإشكالية، وفك ''التشابك''، ستظل وكالات التصنيف ''بائعة للتقييمات''، وستبقى محل شك وريبة. فقد تحولت هذه الوكالات قبل الأزمة – وحتى لأشهر بعدها – مثل الجامعات التي تبيع شهادات الدكتوراه والماجستير، لأشخاص لا يملكون إلا المال!

والمشكلة الكبرى، أن الأوروبيين فهموا ضرورة وحتمية حل هذا الخطأ الاقتصادي الاستثماري التاريخي، لكن الأمريكيين لا يريدون أن يفهموه. ففي الربع الأول من عام 2009، وافق المشرعون الأوروبيون على تنفيذ إصلاحات – لا تغييرات - ترتبط في مسألة دفع تكاليف عمليات التصنيف. غير أن الأمريكيين لم يتوصلوا بعد إلى صيغة ما بهذا الخصوص، الأمر الذي سيقلل من حجم ومستوى الإصلاح الأوروبي، لأن قطاع وكالات التصنيف – لا سيما الكبرى منها – هو أيضا متشابك عالميا، مثلما هو متداخل محليا. ويطرح الـ ''مكتوون'' بنار الأزمة، قضية الشفافية مع وكالات التصنيف نفسها. فالأسئلة كثيرة في هذا المجال، ولا توجد إجابات شافية عليها. ولعل في مقدمتها: ما مدى خضوع وكالات التصنيف للتدقيق في رسومها وماضيها ومستويات التصنيف والتقييم التي تعتمدها؟ بل، هل المحلل التابع لهذه الوكالة أو تلك، يتمتع بالقدرة المهنية الجيدة؟ وما مدى جودة سمعته؟ يكفي الإشارة هنا، إلى التضارب الذي بات جزءا أصيلا في عمليات التقييم تجاه مؤسسة واحدة. فلم يعد غريبا منذ سنوات، أن تجد مؤسسة حاصلة على مستويات متفاوتة من عدة وكالات في وقت واحد!. ويتكرر هذا الأمر بصورة مضحكة ومؤذية في آن معا. والمثير أنها لم تتردد (في أعقاب الأزمة) في تخفيض مستوى تقييماتها الخاصة بالمؤسسات العالمية - والعربية أيضا- دون أن تقدم أي مبررات معقولة لهذه التقييمات المتدنية، تماما كما فعلت في رفع تقييماتها لهذه المؤسسات قبل الأزمة، دون أي مبررات واقعية أو صادقة، أو معلومات حقيقية.

هناك الكثير من الخطوات والمقترحات التي تجعل من ''قطاع التصنيف'' قطاعا يستحق اسمه. من بينها: أن لا تملك وكالات التصنيف الحق في تحديد قيمة الديون التي تساعد على إعادة جدولتها. وألا يشترك المحلل الموكَل بتقييم المؤسسة في مفاوضات حول أجوره. ويقترح المشرعون: ألا يحصل هذا المحلل على هدايا تفوق قيمتها 25 دولارا أمريكيا. وعلى الوكالة التي توظفه، أن تمتلك سجلا تاريخيا عن نزاهته، وإذا ما كان تعرض إلى شكاوى في السابق. وإذا ما وضعت هذه المقترحات قيد التنفيذ الفعلي، سيعاد النظر بحقيقة وكالات التصنيف، بما في ذلك تلك التي تحمل أسماء رنانة، وستحصل على المكانة التي وُجدت من أجلها. وإذا كانت المؤسسات والشركات.. وحتى الحكومات معرضة للفساد، ينبغي أن تكون هذه الوكالات، هي الوحيدة المحصنة منه. وللتدليل على ذلك، فقد خلصت لجنة مراقبة حكومية أمريكية إلى ماذا؟.. إلى أن المسؤولين في وزارة الخزانة الأمريكية كذبوا على الرأي العام في بلادهم، عندما روجوا لتسع مؤسسات مالية حصلت على مساعدات حكومية لإنقاذها من الانهيار. وكذب هؤلاء – حسب المفتش العام الخاص بالمساعدات الحكومية نيل باروفسكي – عندما ''رسموا صورة إيجابية''، وأكدوا بطريقة غير واقعية على أن المصارف التي حصلت على أموال الإنقاذ الحكومية ( أموال دافعي الضرائب)، قادرة على الإقراض بفضل هذه المساعدة. وماذا فعلوا أيضا؟ أخفوا معلومات عن الوضعية الحقيقية لهذه المصارف حتى بعد خطط الإنقاذ!.

يقول الأديب الأمريكي الشهير مارك توين :''إن تستحق التقدير ولا تحصل عليه.. أفضل من أن تحصل عليه دون استحقاق''. لقد عبَر عن واقع وكالات التصنيف والمؤسسات التي ''صُنفت''، وكانت أول الغارقين في الأزمة.

يسارية اليمين!

( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")










''الاقتصاد العالمي يرتكز على تموين رغبة اثنين في المائة من مجموع سكان العالم''.
الكاتب والمؤلف الأمريكي بيل برايسون

 
 
محمد كركوتــي
وجد عديد من قادة دول العالم (المؤثرة وغير المؤثرة)، في الأزمة الاقتصادية العالمية، فرصة سانحة ومناسبة لـ ''الثورة'' على ما كان سائدا قبلها، بما في ذلك أولئك الذين كان لهم نصيب في وقوع الأزمة نفسها، أو الذين غضوا الطرف عن مقدماتها، أو الذين ''تحايلوا'' على الاتهامات الموجهة إليهم! فـ ''ثورة'' المتورط، تسهم في تلطيف – وربما في تخفيف – الاتهامات الموجهة إليه، و''ثورة'' غير المتورط، تعطيه دفعا شعبيا قويا يحتاجه في وقت الأزمات وفي دائرة النكبات. وفي الواقع، أوجدت الأزمة ''موجات ثورية''، وصلت إلى حد دفعت رئيس أساقفة الكنيسة الإنجليكانية روان وليامز للقول علنا: ''إن كارل ماركس كان على حق.. إذن''. وهذا لا يعني بالطبع أن وليامز يوافق على الطرح الماركسي – ولا سيما من الجانب الديني – لكنه أراد بهذا الموقف الغريب، أن يقدم تعبيرا ثوريا، يصعق صانعي القرار السياسي – الاقتصادي، الذين يعيشون الصاعقة الناجمة عن الأزمة، وفي مقدمتهم أولئك الذين ارتكبوها!. لكن الاندفاع ''الثوري الموسمي''، يظل فاعلا ضمن نطاق آني، لا ينفع إلا في تحقيق مكاسب إعلامية – دعائية آنية، سرعان ما تزول أمام الحقائق المتفجرة، وعاجلا – وليس آجلا – ما تنتهي بنهاية اليوم.

في الأزمة، رأينا سياسيين يمينيين محافظين، لا ينتقدون المصرفيين الجشعين و''المُلهَمين'' الاقتصاديين المُدمِرين فحسب، بل يشتمونهم. ورأينا ثوريين تقليديين (بصرف النظر عن رُشد ثوريتهم أو فوضويتها)، يطورون الشتائم إلى أقوى منها! لقد سوَت الأزمة، بين مؤمن بالاقتصاد المفتوح الذي ''لا يخطئ مدى الدهر''، وبين مؤمن بأن الاقتصاد المفتوح ليس سوى الخطيئة بعينها!. وضمت رئيسا مثل الفرنسي نيكولا ساركوزي الآتي من جهة اليمين السياسي، ورئيسا مثل الفنزويلي هوجو تشافيز الآتي من أقصى اليسار السياسي، إلى ''بيان مشترك واحد''، في صيغة متطابقة. بيان لا يحتوي إلا على هجوم ضد سلوكيات السوق المفتوحة، وضد القائمين والمؤمنين بـ ''قدسيتها''. وقبل هذا وذاك ضد النظام الاقتصادي ''الأنجلوساكسوني''، الذي دمرت الأزمة كل أدبياته في إعصارها الذي أغرق كل أتباعه وأغرق معهم المناوئين له أيضا. إنه نظام ما بعد الحرب العالمية المنتهية في عام 1945، يرى الثوريون التقليديون، ومعهم '' الثائرون'' غير التقليديين الجدد، أنه ينبغي أن ''يُعلن استسلامه'' في الحرب الدائرة إلى أجل غير مسمى على الأزمة الاقتصادية العالمية. فهؤلاء يعتبرون هذا النظام الاقتصادي، بمثابة ''سلاح الدمار الشامل الاقتصادي''.

ليس هناك أفضل من ''المنتدى الاقتصادي العالمي'' الذي يعقد سنويا في دافوس السويسرية، كمنبر لتجسيد ''التحول الثوري''. فهذا المنتدى يجمع السياسيين ومعهم رؤساء أكبر المؤسسات والشركات في العالم تحت سقف واحد. وعلى الرغم من أنه يناقش الاقتصاد بعالميته وشموليته ومصائبه، إلا أنه ظل في نطاقه النخبوي من حيث شروط العضوية فيه. وأُذكر من نسي، بأن المؤسسات ''النخبوية''، كانت ''الحجر الأساس'' في ''بناء'' الأزمة الاقتصادية العالمية، إلى جانب ''الأعمدة'' السياسية المساندة لهذا البناء! لقد حذر ''منتدى دافوس 2010 '' الذي عُقد تحت شعار عريض هو: ''إعادة التفكير، إعادة التصميم، إعادة البناء''، من أن تداعيات الأزمة العالمية، قد تطول لتكلف العالم مزيدا من الخسائر، ما لم يتم تغيير طريقة التفكير في التعامل مع المخاطر التي تواجه الاقتصاد، ابتداء من معاجلة ثغرات الحوكمة في جميع أنحاء العالم. ويرى ''المنتدى'' في تقريره السنوي لعام 2010، أنه من غير الممكن إحداث تغييرات تقي من تكرار الأزمات في الاقتصاد العالمي، إلا بعد إعادة النظر في القيم والسلوكيات الحالية من جانب صانعي القرار، بغية تحسين مستوى التنسيق والإشراف.

وفي ظل هذه النتائج و''العِبر''، تكرَس ''منتدى دافوس'' أمام '' الثوريين الجدد'' كمنصة ''لجلد'' النظام المالي والاقتصادي الذي سيطر على العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وقد فهم الرئيس الفرنسي هذه الوضعية، وفهم أكثر ضرورة استغلالها، ليواصل ما بدأه في أعقاب اندلاع الأزمة، وهو الهجوم الشرس على ''الثقافة الاقتصادية الأنجلوسكسونية''. لقد هاجم ''الرأسمالية الجشعة''، التي جلبت للعالم هذه الأزمة التاريخية، وطالب بما وصفه بـ ''اعتدال اقتصاد السوق''، وإصلاح النظام المالي العالمي. ولمزيد من ''الثورية الآتية من اليمين''، يرى ساركوزي – ويرى معه القابعون تحت وطأة الأزمة ولا سيما أولئك الذين لا دخل لهم في ارتكابها – أن العالم يحتاج إلى ''بريتون وودز جديد''، وهو الاتفاق الدولي الذي أعقب الحرب الثانية، وشكل الخريطة الاقتصادية والاجتماعية.. وحتى السياسية للعالم. وللتأكيد على أنه ''ليس ثوريا عابرا''، قال : '' إنني سأعمل على إيجاد الإصلاحات المناسبة والتاريخية الحتمية، عندما تتولى فرنسا رئاسة اجتماعات مجموعة الثماني ومجموعة العشرين في عام 2011''. لا غرابة فيما قاله الرئيس الفرنسي. فعلى المنصة نفسها قال زعيم حزب المحافظين البريطاني المعارض ديفيد كاميرون في دورة المنتدى لعام 2009: ''يجب علينا أن نقف في وجه المؤسسات والمصارف التي تجعل من حياة الناس صعبة لا تطاق''، ليعلن – بطريقة غير مباشرة - على الملأ، أنه لم يبق من ''الحزب التاتشري'' – نسبة لزعيمته السابقة مارجريت تاتشر – إلا ''أطلالا تاتشرية''. فهذه الأخيرة، كانت تقدس السوق وتحتقر المجتمع.

لقد جاء الموقف المتجدد للرئيس الفرنسي، بعد عام ونصف العام من اندلاع الأزمة، وهذا يعني أن الدول الكبرى، لم تصل بعد إلى مواقع متقدمة وعملية ومؤثرة، في مسيرتها نحو إنشاء نظام اقتصادي جديد، يأخذ في الحسبان، الأخطاء المدمرة للنظام المولود بعد الحرب العالمية الثانية. ويعني أيضا، أن مصداقية '' الثوريين'' الجدد، ستظل على المحك، إلى أن يضعوا على الأرض ما ينادون ويطالبون به، حتى لو أتى ''الثوريون'' من بلد أم الثورات فرنسا. نعم.. استطاع ساركوزي – بمواقفه الاقتصادية الثورية - أن يدعم شعبيته، ليس فقط على الساحة الفرنسية بل والأوروبية أيضا. لكن هل تمكن من وضع علامات التحول التاريخي الذي ينادي به على الطريق؟. الجواب ببساطة: لا . وهذا الأمر يطرح سؤالا كبيرا هو: هل حققت الدول الكبرى بمجموعتيها ''الثماني'' و''العشرين'' إنجازات ''تحوُلية'' على صعيد تأسيس نظام اقتصادي، يحل مكان النظام المنبثق عن اتفاق ''بريتون وودز''؟. الجواب مرة أخرى: لا!

إن التحرك الدولي الذي انطلق في أعقاب الأزمة، وأصبح أكثر فاعلية بعد خروج إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن من الحكم، من أجل ما يمكن وصفه بـ ''التجديد الاقتصادي''، حقق خطوات عملية وواقعية، لكنه لم يرق بعد إلى مستوى ''التجديد التاريخي'' الذي ينبغي أن يوازي تاريخية أخطاء ما قبل الأزمة، وتاريخية مصائب الأزمة نفسها. فـ ''التغييرات'' التي أُدخلت إلى النظام المالي العالمي مثلا، ظلت في إطار الإصلاحات، بينما يتطلب الأمر، بناء نظام مالي جديد بمعايير ومعاول جديدة، لا بأدوات إصلاحية فقط. والذين يتحدثون عن ''بريتون وودز'' جديد، يعلمون أن القضية لا تنحصر فقط في نظام مالي، بل في نظام اقتصادي، يأخذ في الحسبان مدى أهلية المؤسسات التي نشأت بفعل هذا الاتفاق التاريخي، ومدى تناغمها مع المستجدات، خصوصا بعد أن غيرت الأزمة، كل المفاهيم والمبادئ التي سادت العالم قرابة سبعة قرون من الزمن، ولا سيما في ظل اتفاق عالمي – لثوريين وغير ثوريين - على أنه .. وإن مرت عاصفة الأزمة، إلا أن آثارها وتداعياتها ستظل باقية إلى زمن يحسب بالسنوات لا بالشهور ولا بالفصول. وعلى هذا الأساس، يجب على ''الثوريين'' القادمين من جهة اليمين تفعيل توجهاتهم، لكيلا تظل محصورة فقط في الخطاب الإعلامي. هذا الخطاب الذي كان له الدور الأكبر في تجميل الوجه القبيح، لواحد من أكثر الأنظمة الاقتصادية تشوهًا في التاريخ.

الذي يحتاج إليه العالم – بعد الفاجعة - ليس اتفاق ''بريتون وودز'' جديد، بل معاهدة دولية يشترك فيها الجميع. معاهدة توفر ''اعتدالا'' للسوق، وعدالة للمجتمع.