الثلاثاء، 5 فبراير 2013

فلـ «يقتصد» مرسي في توقعاته الاقتصادية


(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






«التأخر واحد من أخطر أشكال الإنكار»
نورثكوت باركنسون - مؤرخ وروائي بريطاني



كتب: محمد كركوتـــي


وجب علي الاعتراف بأن التصريحات المتجددة للرئيس المصري محمد مرسي وأركان نظامه المعينين و''المتعاونين''، لا زالت تجرني إلى مواصلة الكتابة حول الاقتصاد المصري. والحق، أنها تستفزني للمواصلة، بل وتُشعل محفزات الواجب في هذا المجال، لماذا؟ لأن في هذه التصريحات من الأوهام ما يكفي لإثارة السخرية، وفيها من الأحلام ما يوفر سلسلة من ''الكوابيس'' الاقتصادية، وفيها من التخبط ما يجعل المتابع متسائلاً عن جديتها. وفيها أيضاً من ''البركات'' الاقتصادية ما يدفع للزهول، وفيها من الإنكار ما يؤهل الناكرين للعرض على أطباء نفسانيين. ويبدو أن مرسي لم يمر في حياته على ما قاله مارك توين الأديب الأمريكي قبل عقود: ''إن الإنكار ليس نهراً يجري في مصر''، ونسي (أو لم يطلع.. لا فرق) أن الإنكار كان ''المعول'' المحوري الفظيع للأزمة الاقتصادية العالمية كلها، التي قهرت دولاً لا تُقهر، وأن تحصين النفس بتصريحات وهمية المحتوى، لا يمكن أن يعمر حاجزاً دفاعياً مطلوباً.
من نصدق؟ مرسي أم البنك الدولي؟ مرسي أم وكالات التصنيف؟ مرسي أم بيانات البنك المركزي المصري نفسه؟ مرسي الذي قال يوماً: إن بيع السندات ''حاجة كويسة''، أم المستثمرين الهاربين بأموالهم خارج مصر؟ مرسي أم التسلسل المريع لانخفاض قيمة الجنيه المصري؟ مرسي أم تأخر رواتب الموظفين والمتقاعدين؟ مرسي أم لوائح الأسعار المرتفعة للمواد الاستهلاكية الأساسية؟ مرسي أم حجم الرغيف الذي يتعرض لـ ''الاختصار''؟ هناك من يقول- ممن يؤمنون بالأمل (فقط) دون عمل- إن من مثل هذه المقارنات لا تترك مجالاً للأمل، ولكنهم لا يعرفون أن الأمل نفسه هو شكل من أشكال إنكار الحقيقة، الذي يصدر عن مرسي وأركان نظامه، ليست سوى جرعات تخدير منتهية الصلاحية، وبالتالي بلا مفعول. وكل ما هو مطلوب من الرئيس المصري، أن يقدم رؤية اقتصادية حقيقية، ويستغل أن أحداً لن يطالبه ببناء اقتصاد وطني جديد خلال أسابيع أو أشهر. فالكل يعلم أن في مصر أزمات اقتصادية ترقى إلى مستوى الخراب.
ليس من مصلحة مصر أن يتوقع مرسي. فالعالم يرى نتائج توقعاته يومياً في مصر ميدانياً. والأمر ينطبق على ''آماله'' أيضاً. فقد توقع (حديثاً) أن ينتج الاقتصاد المصري 750 ألف وظيفة جديدة على أساس سنوي، وأمل (مع توقعه) أن يحقق هذا الاقتصاد نمواً يصل إلى 5,5 في المائة في العام المقبل، وبين 7 و8 في المائة في العام الذي يليه! بينما تنحصر توقعات البنك الدولي للنمو بـ 2,6 في المائة في العام الجاري، و3,8 في المائة للعام المقبل، و4,7 في المائة لعام 2015. المشكلة هنا، أن توقعاته وآماله هذه، لا تستند إلى أي عامل من العوامل الاقتصادية السائدة على الساحة. كان على الرئيس المصري، أن يراجع الأسباب التي دفعت وكالة التصنيف الائتماني العالمية ''فيتش'' إلى تخفيض تصنيف مصر في هذا المجال إلى مستوى (بي)، لكي ''يقتصد'' بتوقعاته وآماله. الأسباب ببساطة هي وفق التسلسل التالي: الاضطراب السياسي.. الضغوط على الاحتياطي النقدي.. تدهور الوضع المالي.. هروب رؤوس الأموال. وهذه الأسباب اتفقت عليها وكالتا التصنيف العالميتان ''موديز'' و''ستاندر آند بورز''، مع ضرورة الإشارة إلى أن الدين العام بلغ 1240 مليار جنيه مع نهاية السنة المالية، حسب البنك المركزي المصري.
لو تأخر الفرد (أي فرد) في فهم مصائبه الخاصة، فإن الأضرار الناجمة عن ذلك، لن تصيب غيره. ولكن إذا ما تأخر حاكم دولة، في فهم مصائب بلاده، فإننا أمام كارثة لا تصيب الأمة فحسب، بل تجعلها جزءاً أصيلاً من الحياة العامة. إن العجز في الاقتصاد المصري بشكل عام، لن يتقلص ويتراجع، إلا بتراجع العجز في فهم المشاكل والمصائب، التي يواجهها. وهذا لن يتحقق في سياق الذهنية والسلوكيات السائدة في ''مصنع'' القرارات الوطنية. هل يُعقل أن تكون مصر بلا رؤية أو مخططات اقتصادية واضحة وواقعية؟! هل يمكن منح الثقة لمرسي وأركان حكمه المعينين و''المتعاونين''، لإيمانهم الشديد بأن ''البركات الاقتصادية'' ستساهم في بناء اقتصاد جديد، تحتاجه البلاد، أكثر من أي احتياجات أخرى؟! وبعد أن تحولت التصريحات الاقتصادية (والسياسية أيضاً) لهؤلاء إلى ''اكتشات تلفزيونية'' ترفيهية، هل يوجد من يتوقع خيراً للاقتصاد المصري؟!
لا أحد يُحمّل مرسي مسؤولية الخراب الاقتصادي. فهو خراب مزمن كان رئيساً في زمن المخلوع حسني مبارك. ولكن الرئيس المصري ''الموجود'' يتحمل المسؤولية الكاملة على الخراب الذي يسود ساحة الإنقاذ. ولأن الأمر كذلك، فقد دخل التاريخ كأول رئيس يُحاسب مبكراً، في حين كان باستطاعته أن يكون أكثر الرؤساء في التاريخ تمتعاً بالتعاطف والتعاون، ليس فقط لورثته الثقيلة، بل لوجود حب طبيعي لمصر، لا يرتبط بوجود هذا الرئيس أو ذاك. ومن مصائب مرسي، أنه فشل في استثمار هذا الحب، بل نقله في الواقع إلى حالة توجس مريعة من المحبين أنفسهم! لقد نهب النظام الحاكم، أحلى مقدرات مصر. الحب المطلق لها.

الجمعة، 25 يناير 2013

البقاليات الفضائيات التحريضية

(المقال خاص بمجلة "جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج")








"الحياة لا تقلد الفن. إنها تقلد القنوات التلفزيونية السيئة"

وودي ألان ممثل أمريكي






كتب: محمد كركوتـــي

حسناً، بات إطلاق قناة فضائية عربية، أرخص تكلفة (طبعاً مالياً فقط)، من إطلاق أي وسيلة إعلامية أخرى، وفي أفضل الأحوال يوازيها من حيث التكاليف والإنفاق. فالفضاء واسع، والمؤسسات التي توفر خدماتها لهذه القنوات في النقل والبث، جاهزة طالما أن الفواتير تسدد في وقتها، في ظل مغريات كثيرة لاستقطاب المزيد من القنوات، بصرف النظر عن المعايير (بل والأخلاقيات) التي ينبغي أن تحاكي محتوى الفضائيات وأهدافها المعلنة والسرية. ومع إنخفاض تكاليف إطلاق قناة فضائية عربية، ترتفع بصورة مريعة التكاليف الناجمة عما تقدمه على المجتمع كله، بكل شرائحه وانتماءاته. وعلى وجه الخصوص، تلك "البقاليات" الفضائية التحريضية، التي تتعاطى مع الدين كمادة وحيدة في "خدماتها" المشينة، بأسلوب حاسم قاطع لا جدال فيه! في الواقع تقدم هذه الفضائيات مادتها كمُسَلَمات، لا تقبل الجدل، ولا النقاش، ولا حتى المراجعة في معلومة هنا وأخرى هناك. فما تقوله هو الحق المولود من الحقيقة! وغير ذلك لا قيمة له!
تجاوزت فضائيات التحريض، بعددها وقبحها، فضائيات الشعوذة والسحر، وتلك التي تخصصت في "حل" المشاكل المستحيلة عبر الشاشة، ولا بأس عبر الهاتف، التي سادت الفضاء العربي في الأعوام الأخيرة من العقد الماضي. وبدأت تنافس إلى حد كبير (في العدد والضرر) فضائيات الحظ والألغاز، وتلك التي تمنحك جائزة مالية كبيرة، إذا استطعت أن تحدد فروقات صورة واحدة في نسختين، لهيفاء وهبي أو نانسي عجرم أو جينفر لوبيز أو أنجلينا جولي.. وغيرهن. فضائيات التحريض هذه تقترب بسرعة فائقة (من حيث العدد أيضاً) من فضائيات الغناء المريع، التي تبقى أضرارها (رغم بشاعتها الفنية، وملوثاتها الصوتية) أقل حدة وخراباً من تلك التي تحرض على الكراهية والأذى والقطيعة، بل وحتى القتل. إنها مصيبة متعاظمة، لا تزال أقوى بكثير من الحملة (أو الحملات) ضدها، ومن جهود الصادقين فعلاً لقطع بثها، أو وضع حد لقباحاتها. فهذا الانتشار السرطاني لها، يتحول شيئاً فشيئاً، إلى جزء أصيل من الحراك التلفزيوني الفضائي العربي. ومعه أصبحت الكراهية وجهة نظر، والحقد رأي، والقتل حق، بدلاً من التسامح والمودة، وحق الفرد (أياً كان) في العيش.
أصحاب فضائيات التحريض، هم الوحيدون الذين لا يرمون زبالتهم جانباً، بل يقدمونها على شاشاتهم المشينة. ولو طبقت عليهم المعايير والأنظمة الخاصة بالبث التلفزيوني في الدول الراشدة، لما بقيت قناة واحدة منها على الهواء، هذا إن لم يقدم أصحابها إلى المحاكم، بتهم شتى، أقلها نشر وبث الكراهية. علماً بأنه، لايزال هناك عدد كبير من العرب، يعتقدون بأن الدول الغربية (على سبيل المثال)، لا تطبق معايير صارمة على البث التلفزيوني. ولو قورنت معاييرها بالفعل مع المعايير العربية في هذا المجال، لوجدوا أنها أقسى وأقوى، وأشد صرامة، وأن العقوبات التي تُفرض على المخالفين، هي أيضاً كذلك، أشد وأقوى وأقسى. لا توجد حلول وسط. فالهيئات والجمعيات الرقابية الحكومية وغير الحكومية، لا تساوم في أمر تعتبره محورياً للحياة العامة والمجتمع.
ماذا تقدم فضائيات التحريض؟ الطائفية بأبشع صورها وأشكالها بل وألفاظها. وتقدم أيضاً المادة الكفيلة بما يمكن وصفه "شقاق المذاهب"، إلى جانب الحض الممنهج على التكفير، وإقصاء الأفكار التي ليس بالضرورة أن تكون معارضة لها، بل لا تتفق معها بشكل متطابق! تعتمد التجهيل استراتيجية لها، وتتعاطى مع التفكير كشيء مدنس ملوث، بل بعضها ينظر إليه كسرطان ينبغي استئصاله، ومسؤولية المتلقي (إذا كان مؤمناً صالحاً!!) أن يُجري عملية الاستئصال هذه! إنها ببساطة مجموعة من الاستديوهات تبث أبشع مادة بأقبح صورة ممكنة، تصل إلى كل المتابعين لها من كل الشرائح المجتمعية، بمن فيها شريحة الأطفال التي تحظى بكمية هائلة من المواد التلفزيونية القاتلة.
أمام هذه الحقائق، تبدو الفضائيات الأخرى (مهما كانت أضرارها) أقل أذى. وتنطلق الأسئلة في الوقت نفسه، حول الأسباب التي تجعل فضائيات التحريض مستمرة ومتواصلة ومتوالدة ومؤثرة. صحيح أنه لا ينقص أصحاب هذه الفضائيات التمويل. فتمويل الكراهية دائماً متوفر بدون حساب، ودعم الحرب ضد التسامح لا يتراجع. لكن الصحيح أيضاً، أن هؤلاء لا يملكون كامل الأدوات الفنية لتحقيق أهدافهم بفضايات مريعة. وهنا تتحول الأسئلة إلى مؤسسات الاتصالات الفضائية العربية، التي توفر لكل القنوات في المنطقة إمكانية البث والوصول إلى كل المناطق العربية قاطبة. ولعل السؤال الأهم الذي يطرح على الساحة الآن هو: إذا استطاعت هذه المؤسسات أن توقف فضائيات الشعوذة والسحر وجلب الحظ وقراءة الكف والبلورة، وهي بذلك قامت بواجبها الاجتماعي الإنساني، والتزمت برسالة الإعلام الأخلاقية، فضلا عن شرف المهنة نفسها.. فلماذا لا تزال فضائيات التحريض على الهواء؟!
لا يمكن أن يكون المبرر لاستمرار هذه الفضائيات، أن مؤسسات الاتصالات الفضائية تسعى إلى الربح المادي، ورفع مستوى المبيعات، وتحقيق موازنة مالية جيدة نهاية العام. فهذه ليست سلع تموينية أو استهلاكية مختلفة. إنها "سلع" لا تخضع لمتطلبات السوق، ولا لاحتياجات الفرد، ولا لحراك التجارة. إنها ببساطة "سلع" حساسة تنشر الأوبئة الاجتماعية والأخلاقية المختلفة. وعلى هذا الأساس، ينبغي التعاطي معها، وبسرعة توازي سرعة انتشارها. فأي تباطؤ في هذا المجال، يحقق هدفاً مريعاً ومخرِباً في قلب المجتمع العربي. دون أن ننسى أن الأهداف كثيرة، وجاهزة للتسديد.
المطلوب الآن (وليس وغداً)، التقدم بأسرع ما يمكن لوقف هذه الفضائيات السرطانية التحريضية الناشرة للأوبئة بقوة الكراهية والحقد. وإلا فإننا سنشهد انتصاراً، قد تصعب مواجهته في المستقبل، لجهات تسعى إلى الاستحواذ على المجتمع بكل ما تملكه من إمكانيات. وإذا ما تم ذلك فعلاً، فإن هذه الجهات قد تستطيع يوماً( لن يكون بعيداً) أن تملك كل الأدوات. إننا اليوم في ظل معركة، ليس حرباً، ومن الأفضل أن تنتهي وهي بهذه المرحلة لا بعدها.


الثلاثاء، 22 يناير 2013

مزلقان الحكم

(المقال خاص بجريدة "الجماهير" المصرية)









كتب: محمد كركوتـــي


الحق على المرشد. لا، الحق على الشاطر. لا، الحق على مرسي. لا.. لا الحق على الثلاثة مجتمعين. هؤلاء الثلاثة لديهم ما يقولونه أيضاً: الحق على مبارك! .. الحق على فلوله! بل: الحق على عبد الناصر والسادات. وهم مستعدون لرمي الحق على الخديوي اسماعيل نفسه! لكن هناك في مصر من يقول: الحق على الأربعة الأول (المرشد، الشاطر، مرسي، مبارك).  على اعتبار، أن ما وَرَثه مبارك من مصائب (ومصاعب) حافظ الثلاثة الآخرون عليها! وفي أحسن الأحوال فشلوا في التخلص منها، أو أُخفقوا في الوصول إلى آليات تدمرها وفي استراتيجية (ولو نظرية) تخفف من محنها قبل تدميرها. وفي كل الأحوال، فإن صدى الاتهامات  الموجهة لمرسي وأركانه المُعينين، وأولئك "المتعاونين"، يظل هو الأعلى، ويبقى الصدى الأكثر وصولاً. لماذا؟ لأنهم ببساطة هم وحدهم يملكون مفاتيح الحكم، ومعها مصنع القرارات.
إنه "مزلقان" الحكم بالنسبة لمرسي وأركان جماعة الإخوان المسلمين، وبسببه تنهال عليهم المصائب، تماماً كما المصائب التي تنهال على الشعب المصري، من مزلقانات القطارات. كان على مرسي، أن يقرأ فقط ما كتبه أحد المصريين بظرافة وبراءة في آن معاً على صفحته على "الفيس بوك"، لكي يفهم الحالة السياسية التي "ابتكرها" والتي ارتضاها لنفسه. المصري الظريف-الحزين، جاءت مشاركته على صفحته على شكل إقرار موقع من ركاب القطارات، يعلنون فيه "أنهم يقطعون تذاكرهم وهم بكامل قواهم العقلية، وأنهم هم وحدهم يتحملون الأضرار (التي سيصابون بها) الناجمة عن الحادث الذي سيقع حتماً"! لقد وقع مرسي و"إخوانه" على إقرار مشابه، لكن ليس لركوب القطارات التي أصبحت محطاتها الأخيرة في المزلقانات، بل لتسييرها وتسيير البلاد معها. فما عليهم سوى أن يتحملوا الأضرار الناجمة عن إقرارهم.
ومن هنا تكتسب الاتهامات الموجهة لهم صداها الأعلى الصارخ. فـ "مزلقان" الحكم لا يزال قديماً وإن تجدد العابرون من خلاله، بل لنقل: المنتهون فيه. عندما ورث الألمان بلادهم من مدمرها هتلر، لم يقولوا: الحق على هذا الأخير. وكذلك الطليان الذين أعادوا بناء روما، لم يقولوا: الحق على نيرون. وحتى عندما استرجعت ألمانيا الغربية، شطرها الشرقي بمصائبه وهمومه وخرابه وانهياراته، لم يقل المسترجعون:الحق على إريك هونيكر حاكم ذلك الشطر. وهؤلاء كلهم أتوا إلى الحكم عبر طريق سياسي عريض واضح المعالم، لم يأتوا إليه بـ مزلقان" سياسي. يضاف إلى ذلك، أن الجودة السياسية لهؤلاء، لا تقارن بالجودة السياسية (إن وجدت أصلاً) عند مرسي ونظامه.
إن أفضل طريقة لنجاح الإخوان المسلمين في حكم مصر، أن يتحول الشعب المصري كله، إلى "شعب سري". على اعتبار أنهم متخصصون في العمل السري، بل هم "فلاسفة" له. لكن هناك مصيبة كبيرة تواجههم. فإذا كان كل شيء في هذه الدنيا قابل لأن يكون سرياً، فالشعوب تبقى الاستثناء الوحيد، والشعب المصري بالتحديد. 


الأسد وخامنئي واتفاقية شر جديد

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«عدم التعامل مع الشر واجب، كواجب التعامل مع الخير»
مهاتما غاندي الزعيم الهندي



كتب: محمد كركوتـــي


تربط نظام سفاح سورية بشار الأسد، مع نظام علي خامنئي الإيراني، معاهدة يمكن تسميتها بسهولة ودون تردد ''معاهدة الهلاك''، تستهدف الشعب السوري بـ ''فورانها الراهن''، إلى جانب استهدافها المتأصل لكل المنطقة العربية. وليس أفضل للمخطط الإيراني التاريخي، من أن يكون قلب العرب (سورية) في أيدي الملالي، وليس أسهل للاحتفاظ بهذا القلب أطول فترة ممكنة، إلا وجود حاكم لا شرعي في دمشق. وهو كذلك في زمن الأب أيضاً. معاهدة الهلاك هذه، وُلدت في الواقع من خلال حلف بين الطرفين، ظهرت أشكاله المتنوعة طبقاً للمراحل المتنوعة التي مرت بها المنطقة ككل. وعلى هذا الأساس تزداد اتفاقيات المعاهدة وتتنوع أيضاً. بعض هذه الاتفاقيات لا يُوقَع، على اعتبار أن محتواها بحد ذاته يشكل تهمة، والبعض الآخر يدخل إطار التوقيع، كجزء من الشكليات المطلوبة. بروتوكولياً وإعلامياً على الأقل.
لو تمكن الأسد وخامنئي من الإعلان عن وحدة ''انصهارية'' لفعلا ذلك. لكن ليس الأمر مهماً، طالما أن معايير ''الانصهار'' هي التي تحكم العلاقات بينهما. فـ ''انصهار'' فعلي حقيقي على الأرض، أفضل آلاف المرات من ''انصهار'' معلن، سيؤدي حتماً إلى رفع عدد ''العيون'' التي تحدق بهذه العلاقة المشينة، وسيضطر ''المنصهران'' للإجابة على أسئلة لن تصب في مصلحتهما، وفي أفضل الأحوال، تنغص عليهما. لا بأس إذن من معاهدة تحت مسميات مختلفة، ولكنها في النهاية ستبقى ''معاهدة الهلاك''، استناداً لـ ''منتجاتها''، وآثارها المدمرة في كل الاتجاهات، سورياً وعربياً وإقليمياً ودولياً. وعلى هذا الأساس، اتفق الجانبان على إعلان التوقيع عن اتفاقية نقل الطاقة ومعدات كهربائية، وخط تسهيل ائتماني يصل إلى مليار دولار أمريكي، بين المصرف التجاري ''السوري''، وبنك تنمية الصادرات في إيران. وهي – كبقية الاتفاقيات- ليست سوى ''اتفاقية شر'' جديد، تدعم الاستراتيجية الإيرانية الثابتة، القائمة على دعم وتمويل وإمداد الأسد وعصاباته بكل شيء أملاً في مد عمر نظامه المتهاوي. وهذا الأخير، يحتاج إلى أي عون، ليس للتنمية (طبعاً)، بل لاستكمال حرب الإبادة التي يشنها على الشعب السوري، منذ قرابة العامين. فقد استنزفت هذه الحرب ما تركه الناهبون (أركان النظام) من أموال في سورية.
المليار دولار الجديد، يضاف إلى مليارات الدولارات التي وصلت إلى الأسد من نظام خامنئي، منذ اندلاع الثورة الشعبية في سورية. ففي عام واحد فقط، ضخ الإيرانيون أكثر من ستة مليارات دولار نقداً في خزائن الأسد، إلى جانب الجسور الجوية لنقل الأسلحة له عبر الأجواء العراقية، وشحنات الوقود التي لم تتوقف، فضلاً عن تصدير المرتزقة الإيرانيين المتخصصين في قنص وقتل السوريين، وفي توفير التدريب الملائم للقتل. وأمام هذه الحقائق، لا يكاد المليار دولار الجديد يساوي شيئاً، مقارنة بما قدمته (وتقدمه) إيران للأسد، وبما تستعد لتقديمه له في المرحلة المقبلة. فـ ''معاهدة الهلاك'' تعج بالاتفاقيات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وتكفل الدعم اللازم للأسد، حتى دون اتفاقيات. وللتأكيد على ذلك، جعل خامنئي بند التسهيل الائتماني في الاتفاقية الأخيرة مفتوحاً، أو في أحسن الأحوال مرناً، بحيث ترتفع قيمته بصورة أوتوماتيكية، دون الحاجة (طبعاً) لمفاوضات ومحادثات بهذا الشأن.
تقوم إيران اليوم (وغداً) بكل هذا، وهي لا تعاني فقط أزمة اقتصادية، بل تواجه خطر انهيار اقتصادها الوطني، مع تراجع مخيف لاحتياطيها من القطع الأجنبي، ومن الجولات المتعددة - المتجددة للعقوبات الغربية عليها. وتقدم تسهيلات ائتمانية بينما تتبخر قيمة عملتها الوطنية. الشيء الوحيد الذي يؤجل انهيار هذا الاقتصاد، هو نجاح متميز لعمليات الاحتيال التي يقوم بها النظام الإيراني على العقوبات المفروضة عليه. وهو لا يزال يستطيع العثور، ليس على شركات ومؤسسات ومصارف تساعد في الاحتيال فحسب، بل على حكومات تقوم بذلك أيضاً. وهذه لوحدها مصيبة تواجه الجهات الفارضة للعقوبات. فالاحتيال في كل شيء، هو جزء أصيل من سياسة نظام خامنئي، فكيف الحال وهو يتعرض لهول العقوبات المتجددة؟!
من الواضح، أن ''معاهدة الهلاك'' بين الأسد وخامنئي، تحتم عليهما المضي قدماً حتى النهاية. نهاية أحدهما أو كليهما معاً. وهي ليست فقط ''مصنعاً'' لتوليد الاتفاقيات التي يحتاج إليها الأسد، ولكنها بمنزلة فتوى غريبة أخرى من فتاوى خامنئي ونظامه. فما يحتاج إليه الأسد يحرم على الشعب الإيراني نفسه! وإنقاذ سفاح سورية (أو بالأحرى وهم إنقاذه)، له الأولوية على كل الأولويات الأخرى، بما في ذلك الاحتياجات المعيشية والاجتماعية للإيرانيين أنفسهم! والأسد ليس خياراً إيرانياً، بل هو حتمية إيرانية لكل شيء. وهو في النهاية أداة من أدوات خامنئي تساعده في التمتع بأوهام السيطرة على المنطقة، أو تخريبها، أو ضرب استقرارها، وذلك انتظاراً لـ ''عودة'' المهدي الضائع، رغم أنه يتصل (كما يروج أتباع خامنئي، بل ويؤكدون) بهذا الأخير حتى عبر الهاتف المحمول، بالصوت و''المسجات''! ولكن لا أعرف.. لماذا لا يختصر الطريق، ويوفر على نفسه توقيع الاتفاقيات ويبعث للمهدي بـ ''مسج'' يطلب منه إنقاذ الأسد؟!
لو تمكن الأسد وخامنئي من الإعلان عن وحدة ''انصهارية'' لفعلا ذلك. لكن ليس الأمر مهماً، طالما أن معايير ''الانصهار'' هي التي تحكم العلاقات بينهما. فـ ''انصهار'' فعلي حقيقي على الأرض، أفضل آلاف المرات من ''انصهار'' معلن، سيؤدي حتماً إلى رفع عدد ''العيون'' التي تحدق بهذه العلاقة المشينة.

الاثنين، 21 يناير 2013

الاقتصاد المصري .. حقائق الخاطر أهم من «منتجات» القلب


(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«الإنكار ليس نهرًا يجري في مصر»
مارك توين أديب أمريكي



كتب: محمد كركوتـــي

الأسئلة الكثيرة لا تتوقف حول وضعية الاقتصاد المصري ومستقبله وأدواته و''صحته'' وبعض خرابه.. بل مصائبه، وهي في النهاية موازية لتلك التي تُطرح على الصعيد السياسي، ومعه الدستوري.. وحتى الإجرائي، كما أنها ''أسئلة'' وليست ''تساؤلات''، أي أنها تستوجب ردودًا مباشرة وواضحة ومحددة. فمصر الآن، لا تنعم بخاصية الأجوبة التحليلية، ولكنها تحتاج إلى الردود القاطعة، وأمامها مساحات زمنية لن تكون قصيرة، لكي يعم فيها (ويتواءم مع حالتها) التحليل الاقتصادي والسياسي في آن معًا. مصر ينبغي أن تكون في الخاطر والقلب (في آن معًا) في محنتها الراهنة، بحيث لا تتقدم ''منتجات'' القلب على حقائق الخاطر، مهما كان وقع آلامها ومصاعبها وهمومها. ففي الاقتصاد، ليس هناك أشد ألمًا من تأخر رواتب تقاعدية بسيطة، تمثل في نهاية المطاف ''ثروة'' شهرية ''هائلة'' لمتلقيها. ويشتد الألم، عندما تتراجع القيمة الحقيقية لهذه ''الثروة الهائلة''. فالجنيه الذي يشتري خمسة أرغفة اليوم، يشتري غدًا أربعة فقط! النتيجة، أن العملة تخضع لـ ''التخسيس'' من دون وجود نظام ''غذائي'' طوعي.
الاقتصاد المصري يحتاج اليوم إلى كل شيء. يحتاج إلى قروض واضحة وأخرى مُيسرة، وإلى هبات واستثمارات أجنبية، وتمكين قطاعات موجودة أصلًا. كما أنه يحتاج إلى رؤية واضحة بعيدة عن السياسة والتسييس، ولا دخل لها بجدل عقيم، حول أسلمة الاقتصاد أو مدنيته، وتقدم حركة الأسهم في ''بورصته'' يوما، وتراجعها أياما. ويحتاج أيضًا إلى الصراحة الخالصة. فلا يعقل أن يعلن رئيس الجمهورية -مثلًا- أن الاقتصاد المصري في حالة تحسن! ولا يوجد مسؤول يمكنه أن يتغنى ببيع سندات خزانة بلاده. هذا الاقتصاد في حالة تعاكس التحسن. صحيح أنه لم يصل بعد إلى مرحلة الإفلاس، ولكن الصحيح أيضًا أن الأمر لن يكون غريبًا أو صادمًا فيما لو حدث بالفعل. لا داعي للإنكار. فحتى رؤساء الدول التي تتمتع باقتصادات متينة وراسخة وضاربة في عمق التاريخ، ليسوا في وضعية الآن، تسمح لهم بالإعلان عن تحسن اقتصاداتهم. فسياسة الإنكار، قد تنفع لوهلة في مفاوضات ما، ولكنها لا تستوي مع المعطيات على الأرض. فإذا كان الاقتصاد المصري ''في حالة تحسن''، فلماذا تتراجع قيمة عملته؟! وإذا كان ''في حالة تقدم''، فلماذا يتأخر حراك أدواته؟! وإذا كان ''يتعافى''، فلماذا تتآكل موجودات البنك المركزي؟! بل لماذا يُستبدل حاكم البنك في هذا الوقت بالذات؟!
ليسمح لنا الرئيس مرسي، بالقول: إن الاقتصاد المصري ليس في ''حالة تحسن''، بل هو في ''حالة خطر''، تستوجب المواجهة. ولجوؤه إلى صندوق النقد الدولي، جزء من هذه المواجهة، لكنه ليس الحل الحاسم لكل مصائبها. وكلما برعت الحكومة المصرية في مفاوضاتها مع ''الصندوق''، كلما أضافت قوة لهذا الجانب من الحل. فقروض ''الصندوق'' لم تأت في يوم من الأيام على شكل هبات، وفيها من المخاطر ما يوازي المحاسن. وعلى هذا الأساس يمكن أن يُثبت المفاوض المصري جودته، وقدرته في الحصول على قرض عالي الكفاءة، وشروط متدنية الأثر. فالتاريخ ''حفر'' أحداث 18 و19 يناير في ذاكرته، بعد أن استقرت في خواطر كل المصريين، والأمر ينطبق على كل البلدان التي مرت بهذه الحالة. ينبغي أن تكون الـ (4,8 مليار دولار) التي تسعى الحكومة المصرية للحصول عليها، فرجًا لا همًّا. و''نوعية'' هذه الأموال، مرتبطة بـ ''نوعية'' المفاوض، رغم كل الاتهامات بتواضع جدارته.
هناك الكثير أمام حكومة مرسي لكي تقوم به على الصعيد الاقتصادي، رغم الآثار السلبية للفوضى السياسية والتشريعية التي تسود البلاد حاليًّا. وهي فوضى لا تقتصر على الحالة الاحتجاجية الشعبية الدائمة، التي ينبغي أن تكون مرحلية، بل على المواقف المتباينة حتى داخل النظام الحاكم في مصر، وفي بعض الأحيان المواقف الخلافية داخل الجسم السياسي الواحد. هذه البيئة، لا تستقطب عادة المعاول الأخرى التي يحتاج إليها الاقتصاد المصري، وفي مقدمتها، الاستثمارات الأجنبية، وتحديدًا العربية منها، والموارد السياحية التي ينظر إليها بعض كوادر النظام، على أنها ''رجس من عمل الشيطان''. فإذا كان من الصعب صد هذا ''الرجس'' بضربة واحدة، فيجب تقليص مساحته، ومنعه من الانتشار! هذا القطاع المحوري للاقتصاد المصري، يضيع الآن، بين ''الصد'' و''التقليص''.
لن يُبنى الاقتصاد المصري في بيئة متوجسة بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلاد. صحيح أن مصر تمر بمرحلة انتقالية، ولكن الصحيح أكثر أنه حتى في المراحل الانتقالية هناك ثوابت لا يمكن التفريط فيها، وهناك أسس يستحيل هدمها، وفي مقدمتها الاعتراف بما هو موجود على الأرض، لا بما تتمناه الأفئدة. وقبل هذا وذاك، رؤية واضحة لا إنكار ولا مبالغة فيها. إن مسؤولية الرئيس مرسي ونظامه مضاعفة بهذا الخصوص؛ لأنه لا يخوض معركة إصلاح اقتصادي، بل حربًا حقيقية لبناء اقتصاد آخر جديد لمصر الوطن والأمة، لا علاقة تربطه بـ ''اقتصاد مبارك'' ولا حتى بـ ''اقتصاد مرسي'' إن وُجد.

تصنيف وكالات التصنيف!

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«أن تستحق التقدير ولا تحصل عليه أفضل من أن تحصل عليه دون استحقاق»
مارك توين - أديب أمريكي


كتب: محمد كركوتــي


نعم، كانت وكالات التصنيف الكبرى والمتوسطة من أبطال الأزمة الاقتصادية العالمية. قد لا تصل إلى ''نجومية'' آلان جرينسبان رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابق، أو جورج بوش الابن، أو حاكم المصرف المركزي في آيسلندا. لكن كل واحدة منها قامت بدور ''بطولي'' لم يسبق أن قامت بمثله في التاريخ، علماً أنها لن تتمكن من لعب نفس الدور لاحقاً.. لقد انتهى ''المهرجان''. في كتابي الأول الذي صدر عام 2009 بعنوان ''في الأزمة''، خصصت صفحات مطولة لمصائب وكالات التصنيف وآفاتها في الحراك الاقتصادي العالمي. فقد اعتبرت مهمتها الأساسية أن ''تعمل من البحر طحينة''، ولم يلبث الاقتصاد العالمي إلا أن غرق. ولا يهم إن غرق في ''الطحينة'' أو ''الزفت'' أو المحيطات، المهم أنه أصبح غريقاً يكافح لرفع رأسه على السطح. يأخذ نفساً ليغرق من جديد في مأساة اقتصادية نادرة بكل المقاييس.
بعد انفجار الأزمة، حمّل رؤساء المؤسسات والشركات والمصارف الكبرى وكالات التصنيف مسؤوليتها في سياق تبرير فشلهم في قراءة متوازنة وواقعية للحراك الاقتصادي العالمي. وبمعنى أدق، تبرير فشلهم في قيادة مؤسساتهم. بل وجد السياسيون (الفاشلون أيضاً) فرصة مواتية لهم لتحميل هذه الوكالات المسؤولية، في محاولات بائسة تدعو إلى السخرية. فإن وجد مَنْ يتفهم بعضاً من اتهامات المؤسسات للوكالات، فمن المستحيل العثور على جانب واحد يمكن إجهاد النفس في تفهمه من اتهامات السياسيين الموجهة للوكالات نفسها. فهؤلاء هم أصحاب ''المعاول'' الفاعلة والمحورية التي أنتجت الأزمة، وهم الذين أفسحوا المجال لوكالات التصنيف التي عملت مثل شركات الديكور المتخصصة في تجميل المنازل من الخارج، بصرف النظر عن حجم وفداحة الخراب في الداخل! كل متورط في الأزمة أراد أن يرمي حملها وآثامها على الآخر. أراد المتورطون أن يهربوا من التاريخ و''محكمته''، أو على الأقل أن يكونوا شهوداً فقط فيها!
والمصيبة أن وكالات التصنيف هذه فهمت الدرس أكثر مما فهمته الحكومات، ومعها ''الفلول'' الباقية في الشركات والمؤسسات الكبرى. فحسّنت من أدائها، في محاولات لبناء مصداقيتها الجديدة، بعيداً عن المجاملات المدفوعة القيمة، ممن؟ من الشركات والمؤسسات حتى الحكومات الخاضعة لتصنيفها. الأمر لم يعد الآن ''ادفع قسطاً تقفز درجة''. فقد بات على الساعين للقفز درجة أو درجات القيام بذلك وفق قدراتهم الحقيقية. ومع ذلك، ظهرت دعاوى قضائية في الولايات المتحدة الأمريكية ضد وكالات التصنيف، تحمّلها مسؤولية تضليل المستثمرين، لا سيما في نطاق مدى أمان أداء ديون عالية المخاطر قامت بتصنيفها. ويبدو واضحاً أن النظام القضائي ماض حتى النهاية في هذه الدعاوى رغم محاولات وكالات التصنيف المستهدفة إسقاطها. صحيح أن هذه الوكالات لا تزال في مرحلة الإصلاح الذاتي، لكن الصحيح أيضاً أن تتحمّل كل الأطراف المعنية في التصنيف المسؤولية، بمن في ذلك المستثمرون أنفسهم. فالمستشار مهما علا شأنه، لا يكون عادة صاحب القرار النهائي. ورغم أنني من المشككين الدائمين بوكالات التصنيف، فإن الأضرار التي قد تنجم عن تقييماتها ينبغي أن يتحمّلها مَن صدّقها، وعمل على أساس محتواها، دون أن يلجأ إلى دراسة شاملة للمعطيات وطبيعة الحراك الاستثماري. الأمر يتطلب التعاطي الواقعي للوضع، والابتعاد عن الأوهام وأحلام الأموال الوفيرة التي قد تمطر بصرف النظر عن مصادرها.
هذه القضية التي لا تبدو لها نهاية حاسمة، تستدعي التفكير في جدوى وجود وكالات تصنيف لوكالات التصنيف، رغم أنه من المفترض أن الأزمة الاقتصادية الكبرى أفرزت تلقائياً ثقافة جديدة في التعاطي مع وكالات التصنيف، وأزالت الكثير من رواسب فهم التعامل مع ''منتجات'' هذه الوكالات، لا سيما ''المنتجات الوهمية'' التي كانت تنشرها في الأرجاء. وحتى لو تم بالفعل وجود وكالات لتصنيف الوكالات! فإن ذلك لن يغير من الأمر شيئاً، إذا لم تنتشر حقاً الثقافة الجديدة في هذا المجال. ثقافة التعاطي مع الوكالات كجهات استشارية فقط. وإذا ما وجد عملاؤها تدني مستوى خدماتها أو تضاربها أو عدم واقعية معلوماتها، فالخطوة الطبيعية هي ببساطة التوقف عن التعامل معها. وهذه الثقافة تحتم أيضاً على متلقي خدمات وكالات التصنيف ألا يسهم في فسادها برفع مستوى مكافأته المالية لها، لتقدم له المعلومات حسب ما يحب لا وفق الواقع على الأرض.
والحقيقة أن الفساد الذي مرت به وكالات التصنيف قبل الأزمة الاقتصادية العالمية، كان من نتاجها ونتاج عملائها أيضاً. فإذا ما تحددت المهام، وعرف كل طرف دوره الخاص؛ فإن كثيراً من الخلل (الذي كان والذي لا يزال بعض منه على الساحة) يتعدل تلقائياً. إن تصنيف وكالات التصنيف لا يمكن أن ينجح من خلال وكالات أخرى، بل عن طريق تحديد جودة الوكالة من خلال جودة تقييماتها، ودون تكليفها بمسؤوليات ليست من اختصاصاتها، ومن غير تحميلها إخفاقات أطراف يفترض أنها تستنير فقط بما تقدمه الوكالات، لا أن تمضي في تطبيق أعمى لما يصدر عنها.

الثلاثاء، 1 يناير 2013

في الأموال القذرة .. ابحث عن المنظفين

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



«رجال العصابات لا يسألون»

ليل وين مغني راب أمريكي


كتب: محمد كركوتـــي

سواء استعرت الحرب ضد الأموال القذرة و''مصابغها'' في العالم، أو لم تستعر. وسواء حققت الحرب بعض الانتصارات أو لم تحقق، فإن هذه الأموال الناجمة عن كل ما هو مخز للبشرية، ومشين لأي حكومة كانت، تشكل بحد ذاتها اقتصاداً قوياً نشيطاً ''متوالداً''. ومن المريع أنه يستمر في قوته و''توالده''، حتى عندما تلعب العواصف باقتصادات الدول الكبرى والصغرى. فيكفي التذكير هنا، أن الأموال القذرة أسهمت في إنقاذ مصارف ''محترمة'' في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية. مصارف ليست في بلدان مارقة تتخذ من الزوايا المجهولة والمعلومة للمحيطات والغابات مواقع لها، بل في دول تصنع القرار الاقتصادي العالمي، وأخرى تشارك في صنعه. الأموال القذرة هذه، تتصدر (في حجمها) قائمة الناتج المحلي السنوي لأكثر من 30 دولة، عضو في الأمم المتحدة، وتشكل ما بين 2 و4 في المائة من الناتج العالمي، وتتجاوز الحدود، و''تقفز'' في الجيوب، و''تركن'' في الخزائن. ورغم الخراب الذي تنشره على الساحة العالمية، فإن آليات مقاومتها، لا تزال دون المستوى، بما في ذلك تلك ''المتطورة'' التي أطلقتها الدول الكبرى، في أعقاب الأزمة الكبرى.
والحق، أن المصيبة لا تنحصر بـ''الإنتاج'' المستدام لهذه الأموال بكل الأشكال الممكنة وغير الممكنة، بقدر ما تنحصر في الأوعية التي تتوافر لها. أين؟ في الدول التي أعلنت الحرب عليها! فلا يمكن تبييض وبعد ذلك ''تخزين'' أو استثمار هذه الأموال في الدول ذات الاقتصادات المتواضعة (وهي غالباً المصدر الرئيس لجني الأموال القذرة). ولأن الأمر كذلك، فهي تتجه بكل الطرق، إلى الدول التي يسهل لاقتصاداتها استيعابها. فلا غرابة من إعلان منظمة النزاهة العالمية التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، بأن الدول النامية خسرت نحو ستة آلاف مليار دولار أمريكي، في غضون عشر سنوات، من جراء الفساد والجريمة والتهرب الضريبي. ولو أضفنا إليها تجارة المخدرات والرقيق وسرقة المال العام بصورة مباشرة، والسمسرة غير المشروعة، إضافة إلى أموال المنظمات الإرهابية، علينا أن نتخيل الحجم الكلي للأموال القذرة على مستوى العالم.
لا يمكن تحديد حجم الأموال القذرة التي تلف العالم، وتبيض بكل الطرق، وتدخل في الاقتصاد العالمي. والتقدير المتفق عليه عالمياً، بما في ذلك التقديرات السنوية لصندوق النقد الدولي، والمنظمات الدولية الأخرى المعنية، يبقى في حدود 3500 مليار دولار. لكن لو أخذنا النمو السنوي لهذه الأموال والذي يقدر ما بين 10 و11 في المائة، يكون التقدير العالمي هذا متواضعا جداً. وإذا أضفنا الأموال القذرة الناتجة عن ماذا؟ عن المساعدات التي تقدمها الدول الكبرى، لبعض الدول النامية، فإن ذلك يمثل دافعاً جديداً لإعادة تقييم وتقدير حجم الأموال المشينة حول العالم. فقد ثبت - على سبيل المثال - أن المساعدات غير المضبوطة وغير الخاضعة للمراقبة، بمنزلة مصنع آخر للأموال القذرة. وتقوم الدول الكبرى حالياً، بإعادة صياغة طرق تقديم هذه المساعدات. فلا يعقل أن تسهم الدول التي أعلنت الحرب على الأموال القذرة، مباشرة بـ ''إنتاجها''!
إن الدول النامية تنزف أصلاً المزيد من الأموال الخاصة بها، ومن السخرية أن تنزف حتى أموال المساعدات والمعونات المختلفة. وفي ظل غياب إرادة دولية في هذا المجال، فإن النزيف المالي سيتواصل، بل وسيأخذ أشكالاً أكثر ضرراً وخراباً. وأياً كانت أشكال التطور و''الابتكار'' في ''إنتاج'' الأموال القذرة، فإن الحقيقة تبقى هي.. هي. على الدول الكبرى ''المحارِبة'' للأموال المشينة والمنهوبة، أن تركز أكثر على ''المنظفين'' فيها، وأن تبتكر أساليب جديدة أكثر تطوراً، لملاحقة هذه الأموال في الشركات والمؤسسات والمصارف التي تعمل بها، بل والتابعة لها. ففي مثل هذه الحالات، المنظِف- المبيِض هو الذي يساعد في الكشف عن الجريمة، خصوصاً أن أحداً لا ينكر زخم تدفقات الأموال القذرة على هذه الدول. فلا تزال قضايا المصارف الغربية الكبرى المتورطة بتبييض الأموال (إتش إس بي سي، وستاندر تشارتز، وباركليز، وحتى بنك أوف أمريكا.. وغيرها) ماثلة على الساحة. هذه المصارف وغيرها، لم تسهم في تبييض أموال منهوبة من شعوب تستحقها الآن وليس غداً، بل أسهمت بصورة دنيئة في تبييض أموال منظمات إرهابية تقتل الأبرياء، وتنشر الخراب في كل مكان تحل فيه.
لم يعد مقبولاً التستر وراء صعوبة ملاحقة الأموال القذرة. والحرب عليها ينبغي أن تكون شاملة. وعلى الدول التي تسعى حقاً لوضع حد لهذا النزيف المالي العالمي، أن تفكر جدياً ليس فقط بمحاربة ''منتجي'' هذه الأموال ومسوقيهم في أراضيها، بل في العمل على سن قوانين دولية جديدة، لا تستهدف الفساد في دول العالم أجمع بصيغته العامة، بل بصيغه الخاصة المختلفة. وهذا يتطلب جهداً كبيراً، مع إرادة حاسمة، في زمن بات فيه الدولار المنهوب ثروة حقيقية، لمواطنين في دول ومناطق، لا يعرفون ما إذا كانوا سيشهدون اليوم التالي في حياتهم. إنها مسألة أخلاقية إنسانية. إنها مسألة حق من الواجب على الجميع أن يجعلوه سائداً.

أوروبا وحديث الديون

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




''لا أعتقد أن أحداً منا يرغب في وضع مصيرنا بأيدي الدول الكبرى الآن''
جيرتي زالم وزير المالية الهولندي السابق


كتب: محمد كركوتـــي


في أوروبا، لم تعد مادة الحديث الاقتصادي حكراً على الدول الغارقة في ديونها، والدول التي تحاول انتشالها من هذه الديون. ولم تعد تتركز على كيفية الإنقاذ، وحجم الإهانات التي تتلقاها الدول المُنقَذة من الدول المنقِذة، وما إذا كان من الأفضل التفكير بـ ''احتلال'' الدول التي تعيش تحت أكوام الديون، أو طردها نهائياً من منطقة اليورو، وإذا استدعى الأمر، طردها من الاتحاد الأوروبي. المناقشات والحوارات والأحاديث شملت في أوروبا كل الاحتمالات، بما فيها تلك ''الفانتازية''، كأن ترسل أنجيلا ميركل قوات ألمانية مدعومة بفرنسية (وليس العكس) لاحتلال اليونان. أو أن تعين ألمانيا (باعتبارها المنقذ الأكبر ويكاد يكون الأوحد) مندوباً ساميا لها يحكم الدول التي تقوم بإنقاذها مالياً. أو انسحاب ألمانيا نفسها، ومعها فرنسا من الاتحاد الأوروبي. بل وطرد بريطانيا من هذا الاتحاد، لأنها لا تزال ترفض دخول اليورو، وبالتالي لا مجال للجوء إليها للمساعدة المباشرة في إنقاذ العملة الأوروبية.
المهم.. أن ''فانتازيا'' الحلول، ومعها الحلول الواقعية، لم تعد تشكل محوراً اقتصادياً وحيداً في القارة العجوز، للحديث والجدل والأفكار والاقتراحات، بل بات الانكماش المتصاعد في كل الدول الأوروبية، هو المحور الرئيس في هذا المجال، خصوصاً مع بروز الاعترافات تلو الأخرى من الحكومات القائمة، بأن هذا الانكماش سيمضي قدماً، لينتقل من العام الجاري إلى العام الذي يليه. أي أن عام 2013 سينقل موروثات العام الجاري، بكل مآسيها الاقتصادية. بينما لا أحد يتوقع ألا تنتقل هذه الموروثات إلى الأعوام المتبقية من العقد الحالي. فالانكماش ينتشر من جنوب القارة الأوروبية إلى شمالها، وينال ليس فقط من الدول المنضوية تحت لواء الاتحاد الأوروبي، بل تلك ''المرابطة'' جغرافياً على حدوده. دون أن ننسى، أن بعضها يستند اقتصادياً على دول الاتحاد.
في أوروبا، يكون وزير المالية عادة أكثر الشخصيات السياسية المكروهة في الحكومة (أي حكومة). والأسباب معروفة وبسيطة. فمشاريع القرارات التي تعتمدها الحكومات حيال الضرائب والخدمات وواجبات المواطن الاقتصادية، تأتي من مكاتب وزراء المالية. اليوم لا يوجد مسؤول واحد محبوب في أي حكومة أوروبية. فوزير الشباب والرياضة ''يتمتع'' بالكراهية نفسها التي تُقذَف إلى زميله وزير المالية. وهكذا، حتى تنال من الجميع، وتصل إلى رئيسي الوزراء والدولة. الكراهية الشعبية للسياسيين في السلطة، باتت تعم كل الدول الأوروبية. لا يوجد من يمكنه الادعاء بتمثيل شعبي قوي. وغالبية الأحزاب الحاكمة في القارة، وصلت إلى الحكم، في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، لأنه لا يمكن ترك السلطة فارغة، وليس حباً لهذا الحزب أو ذاك. والحق أن المرحلة الشعبية، ولت في أوروبا والعالم أجمع، خصوصاً عندما باتت الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، تختص بلقمة العيش وبالمأوى والتعليم مباشرة.
ووسط هذا الحال، لا يملك أي مسؤول في القارة، أن يعلن عن خبر اقتصادي سار، أو في أفضل الأحوال، خبر اقتصادي غير مؤذ. فالذي يتصدر المشهد هو تراجع النمو وانتشار الكساد وتعاظم الانكماش. نقول الانكماش؟ نعم، فقد نال من الجميع. فلا غرابة، أن يعلن وزير الاقتصاد الألماني قبل شهرين تقريباً، أن النمو الاقتصادي سيتباطأ في الربع الأول من عام 2013. وفي الواقع فإن مؤشرات كثيرة، تدل على أن هذا النمو سيواصل انكماشه، على مدى العام المذكور، إلا إذا حدثت ''معجزات'' اقتصادية. لكن هذه ''المعجزات'' تشبه في إمكانية تحققها، وصول مخلوقات فضائية إلى كوكب الأرض. فإذا كانت الدول الأوروبية الكبرى، بحاجة ماسة إلى تحفيز النمو، فلا مجال للحديث عن هذا النمو في الدول الأصغر، بل من المضحك الحديث عنه في الدول التي تعيش في بحار الديون العميقة.
كل أوروبا.. حبيسة الأزمة بأشكال مختلفة، وبوتيرة متفاوتة. لكن الحق، أن الأزمة هي التي تشكل المشهد الاقتصادي العام. لا يمكن إضافة عامل آخر واحد إلى هذا المشهد. ومن هنا، تتدافع المؤسسات الدولية من أجل تذكير الأوروبيين بالتحفيز، أكثر من الإنقاذ. والأوروبيون لم ينسوا التحفيز، ولا يعشقون الإنقاذ، لكنهم لا يملكون ما يمكن التحفيز به أساساً. ومن هنا، نجد في القارة الأوروبية الاقتصاد ينكمش رويداً رويداً، والبطالة ترتفع بصورة متسارعة، وتتراجع قيمة اليورو بشكل لا يتناسب مع سمعة العملة نفسها. ومن هنا نستطيع أن نفهم، إعلان المفوضية الأوروبية الذي أطلق في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، بأن أوروبا كلها مهددة بمرحلة جديدة من الانكماش. بل مضت أبعد من ذلك عندما حذرت من دخول الاقتصاد العالمي ''دوامة'' جديدة، نتيجة أزمة الديون التي تعصف بدول منطقة ''اليورو''.
لا يتبادل السياسيون الأوروبيون التهنئة بصوت عال بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة. بل إن التهنئة التقليدية بصيغتها ''كل عام وأنتم بخير''، لم تعد تتوافق مع المشهد العام. فالخير الذي لم يأت في عام 2012 وقبله وقبله.. لن يكون حاضراً في عام 2013. وفي الواقع، سأكون من المستغربين، إذا ما حضر في السنوات القليلة المقبلة.

الخميس، 20 ديسمبر 2012

إيران تتنفس مالياً رغم العقوبات

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«إيران هي التي تعزل نفسها عن بقية العالم»
ليون بانيتا وزير الدفاع الأمريكي



كتب: محمد كركوتــــي


مع الموجات المتلاحقة من العقوبات الاقتصادية المختلفة التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على إيران، يتصاعد سراً مستوى تعاملات مؤسسات ومصارف غربية من كل الأحجام، مع النظام الإيراني، ما يخفف عنه الأوجاع الناجمة عن العقوبات بشكل عام. ولا يبدو - حتى الآن - أن التهديدات الغربية الموجهة لهذه المؤسسات، لها تأثير عملي وواقعي، فيما لو استثنينا فضيحة لمؤسسة هنا، ومصرف هناك، تنتهي عادة بغرامة واعتذار. فهناك نسبة من العقوبات تمتصها إيران عن طريق سلسلة من عمليات الاحتيال والتحايل والالتفاف حولها، ما يحتم على الدول الفارضة لعقوباتها أن تلتفت بصورة أكبر إلى مؤسساتها التي تخرق العقوبات بكل الصيغ الممكنة، خصوصاً إذا كان الاحتيال جزءا أصيلا من سياسة النظام الإيراني. وفي كل الأحوال الفتاوى حاضرة حسب الطلب، بما في ذلك فتاوى الاتجار بالمخدرات، من تلك التي مُنحت لزعيم حزب الله الإيراني في لبنان حسن نصر الله.
واللافت أن الولايات المتحدة و(الغرب عموماً) توصلت من خلال تحقيقات عالية الجودة، إلى حقائق مريعة في هذا المجال، بما في ذلك الكشف عن مؤسسات أمريكية وأوروبية تقدم خدماتها الاحتيالية لنظام علي خامنئي. وقد تبينت هذه الدول أن تهديداتها بملاحقة المؤسسات المشار إليها، لم تحقق المطلوب منها، بل تم الكشف عن معلومات تفيد بأن المؤسسات التي ضُبطت (لا سيما المصارف) لها من الأذرع السرية غير المضبوطة، التي باشرت العمل فوراً، الأمر الذي يجعل المهمة صعبة، ما يتطلب ليس فقط توحيد الجهود ضدها، بل تطوير آليات مواجهتها. وحتى الآن ما زالت إيران تسبق الحكومات الغربية بكل مؤسساتها الاستخباراتية أكثر من خطوة في هذا المجال. فالعقوبات - كما نعلم - تعني تجفيف المنابع المالية للنظام الإيراني، وعلى هذا الأساس، فإن أي منبع مالي (مهما كان بسيطاً أو متواضع القيمة) يُحدث فجوة في هيكلية العقوبات، وكلما زادت الفجوات، تمتع النظام الإيراني بمساحة إضافية تمنح له ما يحتاجه للاستمرار في ''تنفسه المالي''.
هذا ''التنفس المالي'' يأتي بطرق مختلفة، بعضها يحتاج بالفعل جهودا مضاعفة للكشف عنها، لكن البعض الآخر يمكن الوصول إليه بسهولة، خصوصاً أن معظم المؤسسات (في الغرب) التي تخرق عقوبات الغرب، لها روابط إيرانية سابقة على العقوبات، بالإضافة إلى أفراد من أصول إيرانية يحملون جنسيات الدول نفسها الفارضة للعقوبات. وإذا أضفنا ''الخدمات'' التي يقدمها رجال أعمال ينتمون إلى دول متعاطفة ومتعاونة مع إيران، فإن علي خامنئي يستطيع - في بعض الأحيان - أن يتطلع إلى الغرب ويبتسم باستهزاء. وعندما نتحدث عن خروقات للعقوبات المفروضة على إيران، فإن ذلك يشمل دولاً محورية في هذه العقوبات كبريطانيا وفرنسا وألمانيا والنمسا، طبعاً بالإضافة إلى الولايات المتحدة. والقضية في النهاية ليست معقدة. ما يحدث في أغلب الأحيان، أن مؤسسات أوروبية أو (أفراد) تقوم بتصدير مواد محظورة لإيران عن طريق دول ليست خاضعة للعقوبات. وهذا في الواقع أسلوب قديم في خرق العقوبات يعرفه الجميع. أي التصدير وإعادة التصدير، وأحياناً إعادة التصدير.
صحيح أن التهديدات التي أطلقها الغرب ضد الأطراف التي تساعد نظام خامنئي في ''تنفسه'' الاقتصادي والمالي، مهمة وكانت في الواقع ضرورية منذ أول جولة لهذه العقوبات، غير أن أدوات عقاب هذه الأطراف ليست مفهومة، بل ينظر إليها البعض ببعض من السخرية، على اعتبار أنه إذا لم يستطع الغرب التجفيف الكامل للمنابع المالية الإيرانية في الدول الغربية، فكيف يمكنه أن يلاحق ويعاقب الذين يقفون وراء هذه المنابع خارج النطاق الجغرافي الغربي؟! فحسبما رشح من معلومات في الدول الغربية نفسها، أن عمليات تبييض الأموال الإيرانية، ما زالت تجري بصور مختلفة على الساحة الغربية، بما في ذلك طبعاً، الاستخدام اللا محدود لشركات الصرافة، والمكاتب المرتبطة بها. وعلى سبيل المثال تمكنت السلطات في لندن، في الأسابيع الماضية، من تحديد شركات سياحية فيها، تقوم بعمليات غسل أموال حقيقية للنظام الإيراني. وعلينا أن نتخيل دور الشركات الأخرى المماثلة في بقية الدول الغربية.
أمام الدول الغربية مهام بالفعل صعبة لكي تفعل عملياً عقوباتها المفروضة على إيران. وعليها أن تبدأ أولاً من أراضيها قبل أن تستهدف الجهات خارجها. فحتى عندما يتم تفعيل العقوبات الخاصة بمنع إيران من تحويل الإيرادات التي تحققها من صادرات النفط إلى داخل البلاد، اعتباراً من شباط (فبراير) المقبل، فإن ذلك لا يعني ألا يجد خامنئي وأعوانه والعصابات التابعة له، طرقاً جديدة أخرى تلتف على هذه الخطوة المحورية في العقوبات. وعلى هذا الأساس، فإذا كانت العقوبات بكل أنواعها مهمة جداً لوقف حماقات النظام الإيراني وعدوانيته، فإن حماية هذه العقوبات جزء لا يتجزأ منها نفسها. ودون هذه الحماية، فإن الأنظمة المارقة كلها يمكنها أن تبتسم وتسخر مع كل جولة عقوبات يطلقها الغرب.

السبت، 8 ديسمبر 2012

فشل «الحجاب» في صد الحسد عن الليرة السورية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





«المال لا ينتج النجاح، الحرية تصنعه بحرفية»
نيلسون مانديلا، رئيس جنوب إفريقيا الأسبق

كتب: محمد كركوتـــي


ورث بشار الأسد عن أبيه كل شيء، وليس فقط سلطة لم تكن له شرعية فيها، تماما مثل أبيه. ورث عنه حتى والدته (أنيسة) التي تستمتع بقتل الأطفال، وتدمير البلاد، من أجل البقاء يوما إضافيا في قصر لا تملكه. بل إن زوجته (أسماء)، ورثت عن والدته بشاعتها وأخلاقياتها، لتتكرس حقيقة، أن هذه العائلة تتوارث كل الخبائث، ضمن قوانين الحمض النووي وخارجها. فيكفي الاقتراب من (العائلة)، لضمان تلوث لا مُنظف مضاد له. تلوث لا يزول إلا بزوال المتلوث نفسه. ورث السفاح الراهن، الوحشية والهمجية، وإنتاج الظلم والقهر والتعذيب، وصناعة القتل والنهب والخراب. ورث طائفية ''أسرية''، توازي في بشاعتها قومية هتلر وموسوليني وميلوسوفيتش وكاراديتش. كانت تكفي بعض البراعة لدى أي شخص، للتحدث بلهجة الأسرة، ليس إعجابا ببلاغتها، ولكن لـ ''شرعنة'' المُحرم! كان إرثا يستحيل حصره. ولأنه كذلك في استحال إصدار شهادة ''حصر إرث''.
في أيلول (سبتمبر) من العام الماضي نشرت مقالا بعنوان ''الأسد الابن يطبع الليرة بلا غطاء''. وقتها انبرى أعوان الأسد، لنفي أي شيء يرتبط بطباعة الليرة، بل شددوا على أنه ليس في نية النظام أن يقدم على هذه الخطوة، لماذا؟ لأن الاقتصاد السوري قوي، إلى درجة أن أصبحت الليرة نفسها محسودة! وأبديت ''تعاطفا'' مع هؤلاء، واقترحت عليهم أولا، تعليق ''حجاب إلكتروني'' على كل ورقة نقدية لحماية الليرة من الحسد، وتعيين العرافة ماجي فرح، إما مستشارة اقتصادية لـ ''الدولة''، أو حاكمة للبنك المركزي السوري، أو بالأحرى حاكمة لما تبقى من مركزية وسورية البنك، إن توفرتا أصلا. ففي قناعة هؤلاء، أن العالم أجمع يحسد سورية والسوريين على بشار الأسد. فلا غرابة في أن يحسد الاقتصاد كله، ومعه الليرة وكل القطاعات في البلاد. ولمن نسي، فقد أعلن أحد نواب ما يسمى بمجلس الشعب، بأن ''سورية أصغر من أن تحكمها يا سيادة الرئيس. يجب أن تحكم العالم''!.
لم تتمكن روسيا من إخفاء أمر طباعة الأوراق النقدية من الليرة السورية، لحساب بشار الأسد. مثل هذا الأمر لا يمكن إخفاؤه مهما كانت قوة وصلابة خبرات فلاديمير بوتين الاستخباراتية الموروثة من رئاسته لجهاز الـ ''كي جي بي'' لسنوات طويلة. ولو ظهر راسبوتين مجددا، لفشل في إزالة رائحة الطباعة عن الأوراق الجديدة. فالأوراق النقدية اختُرعت أصلا للتداول لا للتخزين، والأوراق التي يطبعها بوتين للأسد تحديدا، لا يقبل حتى هذا الأخير بتخزينها، لأنها بلا سند، وتكاليف تخزينها أعلى من قيمتها، وبالتالي لا نفع لها في المستقبل. لقد اختصرت المؤسسات الأجنبية الطريق منذ البداية، وأعلنت رفضها التعامل بالأوراق النقدية السورية الجديدة التي تظهر في نطاق التداول. والحقيقة، شكلت هذه الخطوة الضربة الأولى للأسد وعصاباته بعد أسابيع من اندلاع الثورة الشعبية العارمة في البلاد. بلغ وزن أوراق الليرة السورية المطبوعة في روسيا أكثر من 240 طنا، نُقلت على مراحل في فترة قصيرة إلى سورية. وكما أن تكاليف تخزينها أعلى من قيمتها، كذلك تكاليف نقلها. ومع ذلك، فإن هذه الكميات الهائلة، تجد في سورية سوقا وإن كانت وهمية.
لقد جرب الأسد طباعة الليرة في دمشق، لكنها أتت رديئة مثل نظامه، ومكشوفة مثل تاريخه. وبعد أن رفض الأوروبيون (وتحديدا النمسا) تنفيذ عقود الطباعة له، كان بوتين يوقع عقدا جديدا آخر معه، حتى بعد معارضة خافتة ومتواضعة (وفي حالة الحكومة الروسية.. وضيعة) من المسؤولين وخبراء المال في موسكو. فكلنا يعرف، أن النقاش والجدل من الممنوعات عند الرئيس الروسي، فكيف الحال بالمعارضة؟ لم يتبق لدى الأسد (بالفعل)، من الأوراق النقدية التي تغطي رواتب حوالي مليوني موظف حكومي في سورية. وحتى الأوراق المغطاة ماليا، انكشفت على مدى 20 شهرا، بحيث قفز الدولار الأمريكي من 57 ليرة إلى ما بين 85 و100 ليرة. فالغطاء المالي لهذه العملة، تبخر نتيجة لعاملين اثنين. الأول: النهب التاريخي الذي يتعرض له احتياطي البلاد من القطع الأجنبي، بما في ذلك احتياطي الذهب الذي صب في كل من روسيا وإيران، وتقدر قيمته بـ 2,5 مليار دولار. والثاني: تخصيص جزء كبير منه لتمويل حرب الإبادة التي تشن بلا هوادة على الشعب السوري.
الأطنان من الأوراق المالية التي يطبعها بوتين ويصدرها إلى سفاح سورية، هل بمنزلة حبل آخر حول رقبة الاقتصاد السوري ما بعد سقوط بشار الأسد. فهذا الأخير، يثبت مرة أخرى، حجم كراهيته للسوريين كلهم. يسعى إلى تكبيلهم اقتصاديا حتى بعد زواله الحتمي. فقد باع السندات قبل الطباعة المشؤومة، وهو مستعد في أيامه الأخيرة، لأن يبيع البلاد كلها، في سبيل أن يبقى يوما إضافيا في سلطة، وفرت كل الأجواء التي تقوده إلى حبل المشنقة، بعد أن حولها (وقبله والده)، إلى ''فرامة'' لشعب بأكمله. لن تنفع (الأسد) ''ليرات'' بوتين السورية، كما لم تنفع أسلحته الروسية. ليس فقط بسبب الثورة السورية الاستثنائية في التاريخ الحديث، بل لأنه لا عهود دائمة بين قادة العصابات.

المال المنهوب + المال الوطني = اقتصاد جديد

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«علينا أن نستثمر في البني التحتية للتنمية، وإعادة بناء المجتمع لخلق فرص العمل»
كارول برون عضو مجلس الشيوخ الأمريكي

كتب: محمد كركوتــــي


ينشط أصدقاء الشعب السوري في حراك لافت ومتفاعل ومُركز، على صعيد مرحلة ما بعد سقوط سفاح سورية بشار الأسد، أكثر مما ينشطون ويتفاعلون ويركزون، على المرحلة التي تسبق سقوطه الحتمي. والأمر مفهوم تماماً، لأن حسابات ومحاذير بل ومخاوف ما قبل السقوط، أكثر حضوراً (لديهم) الآن من تلك التي تخص ما بعده، بصرف النظر عن الخسائر المتنوعة الناجمة عن سلوكيات تعاطي "الأصدقاء" مع المرحلتين، بما في ذلك الخوف الكامن والمعلن لدى هؤلاء، من إمكانية أن يسرق الإسلاميون السوريون (ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين) منتجات الثورة الشعبية الكبرى التي تجري في البلاد منذ أكثر من 20 شهراً. هذا الخوف، أفرز تقاعساً فظيعاً من جانب "الأصدقاء"، خوف يُعزز (بصورة باتت تدعو إلى السخرية) "الإمكانية" التي يخشون منها! الأمر الذي أدى إلى تعاظمه، بدلاً من تآكله. لقد ظهر هؤلاء في كثير من الأحيان، بمظهر العاجز عن مواجهته. الخوف المشار إليه، موجود ومبرّر، لكن آليات مواجهته أضعف منه.
هذا الوضع النادر (بالفعل)، لا يلغي أهمية ومحورية الحراك الناشط لـ "الأصدقاء" على ساحة ما بعد سقوط الأسد ونظامه، فهو في النهاية يرتبط بمستقبل يربط الشعب السوري ومحبيه، الذين قرروا بصدق المساهمة في إعادة بناء سورية، كما أنه يؤسس لعلاقة أكثر من ضرورية بين الطرفين. علاقة لا يستغني عنها الطرف الأول، ويصعب على الطرف الثاني تجاهلها. خصوصاً أن المساهمة في إعادة البناء، لا دخل لها بأي نوع من الإمدادات الخيرية. إنها مجبولة بالمصالح السياسية والاقتصادية، بل وبمستقبل ومصير منطقة، يبدو الهدوء والاستقرار فيها، شكل من أشكال الترف و"الكماليات". إنهما "سلعتان فاخرتان" للمنطقة بأكملها. ولذلك، فإن الحراك الذي يستهدف الاقتصاد السوري ما بعد الأسد، المتمثل باجتماعات مجموعة عمل أصدقاء الشعب السوري، المعنية بإعادة بناء الاقتصاد والتنمية، يكتسب أهمية كبيرة، ليس فقط من جهة نوعية وقوة المنخرطين فيه، بل من ناحية ما يُطرح من خلاله، وما ينتج عنه من أفكار وتصورات ودراسات. وإن برزت بين الحين والآخر في سياقه، شذرات قليلة (ليست غريبة بالطبع) عن مثل هذا الحراك.
العرب ومعهم الدول الغربية المحبة للشعب السوري خلال كارثته التي يعيشها، وما بعدها، يشكلون عاملاً مهماً جداً في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد السوري، وبالأصح بناء اقتصاد وطني جديد. فما سيتبقى (بعد زوال الأسد) من "أطلال" اقتصادية، يستحيل البناء عليها. والجميع يعرف، أنه لم يكن في سورية على مدى أكثر من أربعة عقود شيء يستحق توصيفاً قريباً من الاقتصاد، بل كانت هناك مؤسسة عائلية (وطائفية) الدولة نفسها كانت إحدى شركاتها، يديرها "خريجون" من "المعهد الاقتصادي" لأي عصابة. ورغم أهمية الدور العربي والغربي في بناء الاقتصاد الجديد المأمول، الذي يستند (مرة أخرى) إلى الاستثمار لا الأعمال الخيرية، إلا أن هناك عنصرين يشكلان أساساً لهذا الاقتصاد، وهما: المال الذي يملكه رجال الأعمال السوريون الوطنيون، والمال الذي نهبه الأسدان (الأب والابن) وعصاباتهما على مدى السنوات الأربعين الماضية. وإذا كانت جلسة واحدة من جلسات مؤتمر "شركاء في بناء سورية" الذي عُقد أخيراً في دبي، سجلت تعهدات من مستثمرين سوريين مشاركين بلغت 5 مليارات دولار أمريكي، فهذا شيء مطمئن خصوصاً مع صدق النوايا وثبات الكلمة. ومن خلال معرفتي بغالبية هؤلاء "المتعهدين"، فإنني أستطيع القول: إن وطنيتهم تؤازر كلمتهم.
هناك العنصر الثاني، الخاص بالمال المنهوب. وهو محور لا ينبغي أن يكون مطلوباً فقط من السوريين المسروقين، بل من الدول التي تجمع لديها بصورة أو بأخرى، بخزانة أو بأخرى، بحفرة أو بأخرى، بشركة أو بأخرى.. وهكذا. صحيح أنه لا يوجد حكيم، يمكنه أن يحدد برقم معين حجم هذا المال، ولكنه يستطيع ألا يخشى من تقديره ما بين 30 و40 مليار دولار أمريكي، كحد أدنى. وهذه الأموال وحدها، يمكنها أن توفر انطلاقة كبيرة لبناء الاقتصاد السوري، خصوصاً أن التقديرات الأولية تحوم حول احتياجات سورية ما بعد الأسد إلى أموال فورية تترواح ما بين 50 و60 مليار دولار. على الدول المحبة للشعب السوري، أن "تنبش" بسرعة هذا المال. وهي بذلك لن تعيد المال لأصحابه، بل ستخفف عنها بعض الالتزامات الاستثمارية (أو الإنقاذية المستثمرة) التي ارتضتها لنفسها، في سياق بناء الاقتصاد السوري. وبما أن غالبية هذه الدول تواجه أزمات اقتصادية موروثة من الأزمة الاقتصادية العالمية، فإن العمل الجاد والسريع والديناميكي، بما في ذلك استصدار قوانين وتشريعات، تلغي تلك التي تُطيل أمد الرحلة نحو استعادة أموال الشعوب المنهوبة بشكل عام، سوف يعطي ثماره بنفس وتيرة السرعة المشار إليها.
عنصران أساسيان حاضران فعلاً، يمكن ببساطة تطويعهما في المشروع التاريخي المنتظر، لبناء اقتصاد سوري، يستحقه السوريون أولاً، ويكرس تلك المحبة التي أظهرها أصدقاؤهم، بصرف النظر عن أولويات هذه المحبة، التي قد لا تتفق بنودها الزمنية.

الأربعاء، 21 نوفمبر 2012

في سورية.. إفقار الفقير أيضاً

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


«لكل شيء حدود. لا يمكن تحويل الحديد إلى ذهب»
مارك توين - أديب أمريكي


كتب: محمد كركوتـــي

بعد أن فرض بشار الأسد ''اقتصاد المقايضة'' على الشعب السوري، لا سيما في المناطق التي لديها شيء ما تقايض به. وبعد أن أفرغ البلاد من كل مقدراتها (أباً عن ابن)، ويواصل إفراغها من سكانها قتلاً وتهجيراً. وبعد أن سحب ما في جيوب السوريين من ليرات متبخرة القيمة أصلاً، لا يسندها إلا الوهم؛ لم يبق للسوريين شيء يساعدهم على متطلبات الحياة اليومية، بصرف النظر عن طبيعة هذه الحياة، التي تراوح بين القصف المتواصل بالطائرات الحربية، وإسقاط القنابل ''البرميلية'' عليهم مع القنابل الفوسفورية، واستهدافهم حتى على المخابز، وتحويل المدارس إلى ثكنات، والجامعات إلى مواقع عسكرية، وقنص ما أمكن منهم. فهي حياة لا بد أن تُعاش. وهي بحد ذاتها تحد لنظام لا يستمر إلا بالقضاء عليها. ألم تكن قبل الثورة ميتة؟
''اقتصاد المقايضة'' تلا مرحلة ''اقتصاد الفقر وما دونه''، في سياق أنواع لا حصر لها من ''اقتصادات الخراب''. هذا إذا كانت تستحق أساساً التوصيف الأول. فإذا كان سكان المناطق الزراعية التي لم تصل إليها آلة الأسد الماحقة (وهي قليلة جداً)، يجدون ما يقايضون به، من خلال ما ينتجونه لاستهلاك أسرهم، والحصول على منتجات أخرى ضرورية، فإن سكان المدن ليس لديهم هذا ''الثراء''. مع ضرورة الإشارة إلى أن ''حراك'' المقايضة يتم بعيداً عن المناطق التي توالي الأسد وعصاباته. دون أن ننسى أن النزوح الهائل الذي يتم على مدار الساعة في سورية، أضاف أعباء كبيرة على كاهل سكان المناطق الريفية بشكل عام. ولكي يكرس مصائبهم، يمنع الأسد عن هؤلاء كل الاحتياجات الخاصة بالإنتاج الزراعي، بما في ذلك الوقود والبذور والسماد وغيرها. فاستراتيجيته تتخلص بإما أن يُقَتلوا أو يموتوا جوعاً.
ومع ذلك، فإن هؤلاء يعيشون بنعمة (بصرف النظر عن مدتها وجودتها)، مقارنة بسكان المدن، الذين يحصلون على رواتب أقل 60 في المائة من قيمتها قبل سنة، ويعيشون جنباً إلى جنب، مع غول البطالة المتعاظمة. الآن في سورية أكثر من 55 في المائة من اليد العاملة لا تعمل، من فرط الإغلاق اليومي للشركات والمؤسسات على مختلف أحجامها. بل حتى المؤسسات ''الحكومية''، لم تعد تشكل ضمانة لنسبة من القوى العاملة. فهذه الضمانة لا تأتي إلا من خلال حكومة شرعية. وفي سورية لا توجد مثل هذه الحكومة، ولم تقم الثورة الشعبية العارمة إلا من أجل شرعنة الحكم ومؤسسات الدولة.
في ظل هذا المشهد الفظيع، ابتكر الأسد اقتصاداً تخريبياً آخر، وهو ''إفقار الفقير''! وهذا لوحده يشكل جريمة أخرى ضد الإنسانية، لأنه متعمد، ولأنه جزء أصيل من استراتيجية الأسد الشاملة. فطبقاً للإحصاءات الميدانية، بلغت نسبة المواطنين الذي باعوا ما يملكون من الذهب أكثر من 40 في المائة. وهؤلاء لم يبيعوا الألماس أو البلاتين أو اللؤلؤ المكنون، وغيرها من أنواع المجوهرات، لأنهم ببساطة لا يملكونها. ما باعوه ليس سوى خواتم الزواج والهدايا الرمزية التي تقدم عادة للمواليد. وحتى عمليات البيع هذه لا تتم بعد مراجعة ذاتية. يدخل ببساطة ''الزبون'' إلى محل المجوهرات، وينزع الخاتم من أصبعه، ويعرضه للبيع. ولنا أن نتخيل فداحة مشاعره وهو يقوم بهذه العملية التجارية الفظيعة. الجملة الوحيدة التي ينطق بها خجلاً، هي تلك التي يوجهها لصاحب المحل ''ألا يمكن أن تقدم لي سعراً أفضل''؟ وفي أغلب الأحيان الجواب: لا.
''إفقار الفقير'' ولد نوعاً جديداً من المرابين. فالبائعون هنا ليسوا تجار ذهب ومجوهرات، بل باحثون عن ثمن للقمة العيش. وهنا فقط يتوالد المرابون، وتنتعش أسواقهم. أليسوا دائماً تجار المحن، ومستثمري المصائب؟ أليس هذا ما يهدف إلى إنجازه النظام المتهاوي في سورية؟ منذ عام، بدأ الأغنياء في تحويل أموالهم إلى الذهب بكل أشكاله. والغالبية العظمى من الأغنياء في البلاد لا يمكن فصلهم عن النظام نفسه. فهم لا يكتسبون هذا التوصيف إلا إذا كان راضياً عليهم، وفي الأغلب الأحيان مشاركاً معهم. وهذا هو الذهب ''العاطفي'' لا التجاري، يصب في خزائنهم، وفي حقائبهم المهربة إلى الخارج. وإذا كانت نسبة أصحاب هذا الذهب بلغت 40 في المائة من السوريين، فإنها ستصل بلا شك إلى 100 في المائة، فيما لو طال أمد هذا النظام الوحشي.
سيزول الأسد بالتأكيد، وسيترك في سورية ''خراباً عاطفياً'' يضاف إلى الخراب الكلي الذي أوقع به البلاد لأكثر من أربعة عقود، بعد أن فرض كل أنواع الاقتصادات التي لم تترك شيئاً للسوريين ليبنوا عليه. إنهم مطالبون ببناء اقتصاد جديد في واحدة من أقدم دول العالم، وعليهم أن يتمسكوا بـ ''الذهب'' الحقيقي الذي تملكه ثورة اتُفق على أنها استثنائية بكل معايير الثورات. فهي الوحيدة الآن التي ستوفر الأساس لبناء دولة يستحقها كل سوري ضحى بكل شيء من أجل الخلاص من نظام ما كان ينبغي أن يكون.

الاثنين، 19 نوفمبر 2012

في إيران.. جهاد الاكتفاء الذاتي أيضاً!

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«ثمن العظمة.. المسؤولية»
ونستون تشرتشل، رئيس وزراء بريطانيا الراحل


كتب: محمد كركوتـــي


في إيران، لا يمكن تجاهل تشكيلة من ''الجهادات'' - إن جاز التعبير - المتنوعة و''المتميزة''، بل والفريدة، كما لا يمكن إلا الانتباه لتتطابقها مع ''الصرعات''، مع اختلاف واحد بينهما، وهو أن لـ''الصرعة'' أجل لا يكون طويلاً عادة. لنتذكر فقط ''البوهيمية'' و''الهيبز'' و''البانكس'' و''الروك'' و''الراي'' وغيرها، التي انفجرت كصرعات في مدد زمنية محددة ومختلفة. والحق، لم يفكر مفجروها في استدامتها أصلاً. بينما ''الجهادات'' الإيرانية، ليست متنوعة فحسب في الزمن الواحد والمكان الواحد، بل تحتضنها بيئة سياسية طائفية ''مهدية'' و''خمينية''، توفر لها كل أشكال الاستدامة، بل وتكرسها كمنهج للدولة نفسها. فالجهاد بأنواعه وألوانه، جزء لا يتجزأ من ''جودة'' الوطنية! في الدولة الوحيدة في هذا العالم التي ''دسترت'' - من دستور - الطائفية! ووضعتها جنباً إلى جنب، النشيد والعَلَم وشكل الحكم.
بعد ''الجهاد'' الطائفي، والسياسي، والاقتصادي، والشعبي، و''جهاد'' تصدير الثورة، و''جهاد'' حماية سفاح سورية بشار الأسد، و''جهاد'' الاستحواذ على العراق، وغيرها من ''الجهادات''، انطلق في إيران ''جهاد'' ماذا؟ الاكتفاء الذاتي! وهو ''جهاد'' ليس جديداً تماماً، متفرع من ''اقتصاد الحرب'' الذي أطلقه علي خامنئي ''مرشد'' الثورة، ولكن سرعان ما حوله إلى ''جهاد'' اقتصادي. فالخراب المعيشي الذي تشهده البلاد حالياً، فرض على ''المرشد'' هذا التحول. ولن أستغرب لو قام بتحويله مجدداً، إلى ''النفير'' الاقتصادي، وبذلك ينتقل الاكتفاء الذاتي من حالة ''الجهاد'' إلى ''النفير''. وفي الوقت الذي تتناقص فيه المواد الاستهلاكية بكل أنواعها في إيران، ما زال خامنئي يعتقد أن ''الجهاد'' المتجدد قابل للاستهلاك. وكأن الاضطرابات والمنازعات التي تحدث في البلاد، بحكم الأزمة الاقتصادية الداخلية المخيفة، تحدث في بلد آخر، دون أن ينتبه إلى أن بضاعته هذه لم تعد صالحة للاستهلاك الآدمي حقاً، وبالتالي يستحيل العثور على من يشتريها.
على خطى بشار الأسد، قرر النظام في إيران حظر استيراد عدد كبير من السلع الأجنبية، التي تدخل ضمن قوائم الكماليات في معيار الأسد، والفاخرة في تقدير خامنئي. وحسب اللوائح الجديدة، فقد شمل الحظر 70 سلعة على الأقل، تراوح بين السيارات الفارهة والكومبيوترات المحمولة والهواتف النقالة والأجهزة الكهربائية المنزلية ومستحضرات التجميل وغيرها. باختصار، شُطبت السلع التي يستحيل إنتاجها محلياً، وفُرض حظر استيراد السلع، التي يمكن إنتاجها داخل إيران. والسبب معروف، وهو حماية ما تمتلكه البلاد من العملات الأجنبية الصعبة. ولأن تناغم الخراب بين الأسد وخامنئي وصل إلى أوجه، لم يلتفت النظام الإيراني إلى أن خطوة سفاح سورية بهذا الخصوص لم توفر له حصانة تذكر للعملات الأجنبية المتبخرة، بل إن هذا الأخير، عاد عن قرار الحظر بعد أيام قليلة من فرضه، بصورة جسدت التخبط الذي يعيشه. فقد تحول القرار نفسه إلى مادة للسخرية لفترة طويلة، على اعتبار أنه لا يمكن أن تسند ناطحة سحاب آيلة للسقوط بعود ثقاب.
فالقرار الإيراني الجديد الذي صاحبه إطلاق ''جهاد'' الاكتفاء الذاتي، سيوفر للخزينة العامة 4 مليارات دولار أمريكي سنوياً. ويبلغ حجم إنفاقها السنوي على السلع الترفيهية ما يقرب من 12 مليار دولار. وفي زحمة ابتكار ''الجهادات''، لم ينتبه خامنئي إلى أن بوادر فشل ''جهاد الاكتفاء''، بدأت مع إطلاقه. فإذا كانت السلع الترفيهية غير الضرورية تمتص هذا القدر من العملات الصعبة، فلماذا لم يحم الـ12 مليار دولار مرة واحدة؟! أليس الأمر ''جهاداً'' أم أنه كغيره من ''الجهادات'' ليس سوى ''فقاعات'' تشبه تلك التي تتعلق بالمهدي التائه؟! وفي كل الأحوال، لن يقدم القرار الإيراني الجديد شيئاً في مجال ''الجهاد'' ضد العقوبات الغربية المتنوعة على البلاد. فإذا كانت هذه الخطوة ستوفر 4 مليارات دولار سنوياً، فإن خسائر إيران من العقوبات تصل إلى 5 مليارات دولار شهرياً.. وليس سنوياً.
والحقيقة، أن خامنئي لم يكن له الفضل في ابتكار ''جهاد الاكتفاء الذاتي''. فالفضل كله يعود إلى الخميني الذي أطلقه خلال الحرب العراقية-الإيرانية بين عامي 1980 و1988. الذي فعله ''مرشد'' الثورة، أنه أحياه رغم أنه لم يحقق شيئاً عملياً في التجربة الأولى له. وكل ما أنتجه هذا ''الجهاد'' في مرحلته الأولى (وسينتجه في مرحلته الجديدة)، أنه دفع بعمليات التهريب إلى مستويات عالية، بات حتى ''الجهاد'' ضدها مستحيل. فمن الآن، يمكن أن أنصح خامنئي بعدم إطلاق ''جهاد'' جديد يستهدف التهريب، في خضم إغراقه بلاده بكل أنواع ''الجهادات''.
لن تنفع كل الترقيعات الاقتصادية في إيران، مهما كان هول مسمياتها. فاقتصاد البلاد يسير بخطوات متسارعة ومرعبة نحو الانهيار. وما يملكه البنك المركزي اليوم، سيكون أقل غداً. وغداً يعني بالفعل اليوم التالي. والبلاد التي يتعاطى سكانها مع عملتها الوطنية كهم يومي، لا مكان لأي شكل من أشكال التهدئة الاقتصادية فيها. وفي ظل هذا المشهد البائس، تنمو بقوة إرادة شعبية ستوفر كل المعاول لجهاد شعبي وطني حقيقي، ستكون أولى ضحاياه، تلك ''الجهادات'' التي ستتطابق تماماً (في النهاية) مع الصرعات، بفقاعاتها وأزمنتها المحدودة.


الثلاثاء، 6 نوفمبر 2012

الغرب ضد الأسد اقتصادياً بالنقاط لا بالضربة القاضية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




«نحن لا نأخذ الصورة الأشمل للعقوبات. ينبغي لنا النظر إلى كل شركة لمعرفة إذا ما كانت العقوبات، مساعدة أم مؤذية».
روبرت بوزين اقتصادي أمريكي


كتب: محمد كركوتـــي

مع كل جولة من العقوبات الاقتصادية التي يرفضها الغرب (وخاصة الاتحاد الأوروبي) على نظام سفاح سورية بشار الأسد، يظهر السؤال التقليدي. إلى أي مدى تؤثر هذه العقوبات على الأسد؟ يستتبعه سؤال آخر، ما مدى الأضرار التي يتعرض لها السوريون من جراء هذه العقوبات؟ وعلى الرغم من أن التجارب السابقة المشابهة، تحمل معها أجوبة مناسبة، وفي كثير من الأحيان متطابقة، إلا أن الحالة السورية (كما الثورة السورية) تمثل استثناء، من جراء روابطها، وتداخلاتها، وسلوكيات (ونيات) تجسد أحد مبادئ وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، الذي يرى ألا تنتصر أو تنهزم أمم بعينها. الأمر الذي يترك مجالاً منطقياً، لمن يرغب بالتأكيد على أنه لا يُراد للثورة السورية الشعبية العارمة أن تحقق نصرها أو تنهزم. وهو ما يسهم في تكريس الاعتقاد السائد في الشارع السوري (والعربي أيضاً)، بـ ''الرابط الإسرائيلي''.
وبعيداً عن هذا الجانب، بمراراته وظنونه وحقائقه. فالسؤال الذي يُطرح مع كل جولة جديدة من العقوبات، يستحق الاهتمام والإجابة، بصرف النظر عن تكراره بصيغته الواحدة. لم تقض العقوبات على نظام في التاريخ. فكيف الحال بعصابة اغتصبت سورية أكثر من أربعة عقود، وتسعى الآن إلى أن يتحول ''جسد'' البلاد إلى أشلاء، في سياق اعتمادها القتل المؤدي إلى نشر أكبر عدد من أعضاء الضحية الواحدة. إنها حرب إبادة، بعنوان فرعي ''حرب لإنتاج الأشلاء''. التجارب السابقة، أثبتت أن الناتج المأمول من العقوبات التي تُفرض على نظام، أكبر بكثير من ناتجها على عصابة. فهذه الأخيرة تتمتع دائماً بـ''أفضلية'' امتلاكها لأهداف مجهولة يصعب استهدافها. وهذه حقيقة، تفرض على فارض العقوبات أن ينفذها بسلوكيات وآليات العصابات، لا الأنظمة، وتحتم عليه (لكي يحقق هدفه)، أن يبحث في المجهول لا المعلوم فقط، وأن يمر على قنوات تبدو بريئة. خصوصاً أن العقوبات، مهما كانت ''ذكية'' ومُحكمة ومتطورة، تتحول إلى ''غبية'' وفوضوية ومتخلفة، إذا ما طال أمدها. وعندما نقول: طال أمدها، يعني أن أمد النظام-العصابة طال أيضاً. وهذا يجيب على السؤال الثاني، المرتبط بأضرار العقوبات على الشعب السوري، التي يفترض أنها أُطلقت من أجله، لا ضده!
صارت جولات العقوبات الاقتصادية الأوروبية و(الأمريكية) على الأسد، مثل مباريات الملاكمة التي تنتهي بالنقاط لا بالضربة القاضية. ورغم تنوعها وتعدد جولاتها، لم يُخضِعها المعاقِبون لمعايير الجودة، وإن أخضعوها لشيء من معايير ''الذكاء''. والحق، أن هذه الجولات بدأت تُظهِر الغرب، على أنه ''يعتذر'' من خلالها بطريقة غير مباشرة، عن تقاعسه في التحرك غير الاقتصادي، والمساهمة في تعجيل زوال نظام وحشي، ليس لمصلحة الشعب السوري فقط، ولكن لفائدة الإنسانية نفسها، بصرف النظر عن المبررات الإجرائية، التي لم تعد تقنع أحداً، خصوصاً إذا ما استعرضنا سوابق مشابهة لم تخضع لمثل هذه المبررات أبداً. ومن الجوانب السلبية في فرض هذه العقوبات، أنها تأتي تدريجياً، مما يوفر لبشار الأسد (وأعوانه وبعض الدول المارقة الحالمة ببقائه) مساحة زمنية ليس فقط للالتفاف حول العقوبات، بل لتأمين المؤسسات والشركات والكيانات التي يمكن أن تُستهدف لاحقاً، فضلاً عن أفراد سوريين وأجانب.
فعلى سبيل المثال، ضمت الجولة العشرون من العقوبات الأوروبية التي أُطلقت في الشهر الماضي، 28 فرداً جديداً من السوريين الذين يمدون الأسد بالتمويل المالي المطلوب لاستكمال حرب الإبادة على الشعب السوري. وأسماء هؤلاء ليست مجهولة تماماً، وكان من الأجدى أن تكون ضمن الجولات الأولى التي فرضها الأوروبيون، وكذلك الأمر بالنسبة لرحلات شركة الطيران ''السورية'' التي مُنعت من الهبوط في المطارات الأوروبية. وهي شركة كبقية الشركات والمؤسسات في سورية، ليست سورية، بل ملكية خاصة للأسد وأعوانه. وهذا الأمر لا يحتاج إلى تحقيقات ومعلومات استخباراتية للتأكد من ذلك. ولا يزال هناك ما لا يقل عن 100 اسم، يمكن فرض العقوبات المباشرة على أصحابها فوراً، ودون الحاجة إلى انتظار جولات جديدة، إلى جانب عدد آخر من الكيانات الاقتصادية داخل سورية. هذا طبعاً، إضافة إلى بعض المؤسسات والشركات غير السورية (إيرانية وعراقية ولبنانية وفنزويلية، وروسية.. وحتى زيمبابوية)، التي توفر للأسد وأعوانه، تسهيلات وأدوات مبتكرة للاحتيال على العقوبات.
إن العقوبات ''الذكية'' التي يسعى الغرب (عموماً) إلى فرضها على جولاته، لن تحقق الأهداف المرجوة منها. ولن ينفع مع نظام-عصابة كهذا، إلا حصار اقتصادي شامل، يحرمه من النفاذ إلى هيكلية العقوبات والاحتيال عليها والالتفاف حولها، خصوصاً في ظل وجود أعوان له، ليس فقط على حدود سورية، بل وعلى مسافات أبعد منها. هذا الحصار، سيزيل بصورة أكبر اللوم الواقع على الغرب من جراء تقاعسه، واختبائه وراء حجج لا يقتنع بها من يطلقها، ويتعاطى معها كـ ''حبل إنقاذ'' من نقمة التاريخ والإنسانية. إن حسم نهاية الأسد، لن ينجز على مراحل، ولا عبر عقوبات تدريجية.. بل ولا حتى من خلال حصار اقتصادي شامل. المهم أن يبتعد الراغبون بالمساهمة في نصرة الإنسانية، عن متاهات السياسة وأروقتها.