الأحد، 26 أغسطس 2012

وهْم المقاومة الاقتصادية في إيران

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



''استعذ بالله من الفقر. إنه منقصة للدين، وداعية للمقت، ومدهشة للعقل''
الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)

كتب: محمد كركوتي:
تنقل بعض المواقع على الإنترنت عن مجلة إيرانية تصدر في مدينة قم باسم ''باسدار إسلام''، ''أن المهدي - المنتظر - يتصل فقط بعلي خامنئي مرشد الثورة في إيران''. وهذا يعني أنه يتصل بأي ''آية'' من ''الآيات'' المنتشرة في البلاد، وبالتأكيد لا يفكر بالاتصال بأي ''حجة'' من ''الحجج'' فيها. ولا تتوقف المجلة عند هذا الحد في كشفها عن الاتصالات ''الخارقة'' بين الجانبين، بل تنقل هي نفسها عن خطيب في أحد مساجد طهران يدعى كاظم صديقي قوله: ''إن الاتصالات بين المهدي وخامنئي تتم أحياناً عبر الهاتف الثابت أو المحمول''! دون أن يحدد هذا الخطيب هوية الشبكة الهاتفية التي يشترك فيها المهدي. أمام هذه المعلومات ''المذهلة'' يحق لنا أن نسأل سؤالاً واحداً فقط على الأقل: لماذا لا يطلب خامنئي من المهدي حلاً فورياً خارقاً للأزمة الاقتصادية الخانقة التي تشهدها بلاده، والتي تتجه بالفعل لنقل المجتمع الإيراني إلى مرحلة الجوع بعد الفقر؟ هل انتهى رصيد ''المخلص''، أم رصيد ''المرشد''؟ حسناً، هل عجز هذا الأخير عن تسديد فاتورة الهاتف الثابت، الأمر الذي أجبر شركة الهواتف على قطع خدماتها؟!
من أسوأ المحن في أزمة إيران الاقتصادية أن النظام الحاكم فيها يعيش وهم التغلب عليها. والأسوأ أن كل المعطيات التي أثبتت فشله لم تدفعه خطوة واحدة خارج ''استراتيجية الوهم'' التي أضيفت إلى استراتيجيات أخرى عديدة في هذا البلد، كـ ''استراتيجية الاحتيال''، و''استراتيجية الهلاك''، و''استراتيجية الخراب''، و''استراتيجية الفتاوى''، و''استراتيجية الشر''.. إلى آخر تلك الاستراتيجيات التي وضعت البلاد في مواجهة المجتمع الدولي. بات الوهم ممنهجاً، والعناد مخططاً، والعقل مشتتاً، إن وجد أصلاً لدى هذا النظام، الذي قرر مواجهة المنطق وحقائقه لمجرد المواجهة. وبينما يستشري الجوع في حضرة الفقر، والمصائب في سياق النكبات، لم يُظهِر نظام الملالي مؤشراً واحداً لاحتواء ما يمكن احتوائه، في حين يواصل تجاهله ليس فقط لبعض الأصوات الحكيمة التي تدعو إلى تفعيل العقل، بل أيضاً للأرقام والإحصائيات المخيفة التي تُصدرها مؤسسات النظام نفسها. وإذا كان هذا النظام يتهم أصحاب تلك الأصوات بـ ''الانهزاميين''، كيف له أن يهزم حقائق الأرقام، ''والبلاغة الاقتصادية'' للإحصائيات؟!
يعترف البنك المركزي الإيراني بوجود أكثر من 14 مليون إيراني يعيشون تحت خط الفقر. ويرى الإصلاحيون في طهران أن عدد الفقراء أكبر من ذلك، لأنه لا يشمل ما بين 2 و3 ملايين شخص يعيشون في فقر مدقع، مطلق، لا حدود له. ويؤكد عادل آذر رئيس مركز الإحصاءات في إيران، أن أكثر من 30 مليون إيراني يعيشون تحت خط الفقر النسبي. ولا شك في حقيقة هذه الأرقام إذا ما تذكرنا أن وزير الشؤون الاجتماعية عبد الرضا مسري أعلن في عام 2007 وجود 9.2 مليون فقير في مختلف أنحاء إيران، يشكلون 10.5 في المائة من سكان المدن، و11 في المائة من سكان الريف. ومنذ ذلك العام وحتى اليوم شهد الاقتصاد الإيراني انتكاسات متسارعة رفعت تلقائياً عدد الفقراء ومعهم عدد الجائعين. وفي عام 2008 بلغت نسبة التضخم في البلاد 26 في المائة، وواصلت الارتفاع التلقائي أيضاً إلى أن بلغت الضعف اليوم. هذا التضخم الذي يزيد بشكل أكبر في قطاع المنتجات الأساسية لم يتم تعويضه برفع الأجور، وهذا ما بدا واضحاً في اعتراف علي دهقان كيا عضو الهيئة الرئاسية لـ ''مراكز الشورى الإسلامية للعمل في طهران'' بأن 70 في المائة من العمال في إيران يعيشون اليوم تحت خط الفقر. وإذا كان هذا هو حال من يعمل، فيكف الحال بـ ''جيوش'' العاطلين عن العمل؟! وهؤلاء يمثلون واقعياً 45 في المائة من حجم القوى العاملة.
يأتي هذا الخراب المعيشي وسط هروب رؤوس الأموال، ما أدى إلى انهيار الحراك الصناعي والإنتاجي في البلاد. وطبقاً لرئيس غرفة العمل علي رضا، فقد أغلق في العام الماضي نحو 1200 مصنع ومنشأة إنتاج وتصنيع صغيرة ومتوسطة وكبيرة، وهو ما يوازي 80 في المائة من مجموع منشآت التصنيع والإنتاج في البلاد. ومع تضخم يزيد على 40 في المائة، ونقص شديد في السلع الاستهلاكية والأولية، إضافة إلى اعتماد إيران على استيراد 40 في المائة من احتياجاتها من الوقود (رغم امتلاكها ثالث أكبر احتياطي نفطي، ورابع أكبر مصدر في العالم)، وبوجود نصف الشعب تقريباً بين رحى الفقر المتعدد الأنصال.. يسود إيران اليوم اقتصاد الخراب بكل مآسيه وتبعاته، ومخاطره. ولا يرى نظام الملالي هناك، سوى ''التعبئة الشعبية''، بعد أن أغلق كل المخارج عمداً، استكمالاً لـ ''استراتيجية الوهم''.. تلك الاستراتيجية التي أزاحت في التاريخ القديم والحديث، كل الأنظمة الشريرة التي اتبعتها. وليس على خامنئي إلا أن يراجع بعض المحطات في التاريخ، حتى وهو ينتظر مكالمة هاتفية، أو رسالة نصية من المهدي ''المنتظر''. هذا إن بقي رصيد لدى الطرفين.

بوتين «السيليكوني» .. القتل عدة مرات لضحية واحدة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



''لكل إنسان يومه.. وبعض الأيام تكون أطول من غيرها''
ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا الراحل

كتب: محمد كركوتــــي
لا جدال في أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرغب في قتل الشعب السوري أكثر من مرة. ولو حقن ''ودياناً'' من السيليكون في وجه (في إطار عمليات التجميل التي يُجريها دورياً، كأي راقصة أو مغنية)، لن يزيل ملامح القباحة عن هذا الوجه، ليس فقط عند الشعب السوري الحر، ولكن أيضاً عند أولئك الذين لا يزالون يفضلون الاختباء وراء موقفه، المعطِل لحماية السوريين من حرب الإبادة التي يشنها سفاح سورية بشار الأسد، والتي أطلق في إحدى مراحلها لواء خاصاً للتطهير الاجتماعي أيضاً. في الحرب يُقتَل المرء مرة واحدة، لكن في السياسة والاقتصاد يُقتَل مرات عدة. وبوتين الذي ضمن للأسد كل ما يحتاج إليه من سلاح (وربما منحه سلاحاً نووياً لو طلب ذلك) قبل الثورة وعززه بعدها، يضمن أيضاً لهذا السفاح سلاحاً، حتى بعد سقوطه الحتمي. فقد أراد للأسد أن ينعم بشيء من الانتصار، حتى لو انتهى هذا الأخير بحفرة أو في ماسورة مجاري، أو في منتجع إيراني أو روسي أو حتى زيمبابوي. ومن المفارقات أن هذا النوع من السقوط الحتمي، يتوازى واقعيةً مع نوعية التحالف الشيطاني بين قائد لمافيا سياسية اقتصادية عسكرية، وسفاح لشعب بأكمله.
قبل عدة أشهر، سمح بوتين للمافيا الروسية التي يقودها مرة.. وتقوده مرات، أن تشتري كميات هائلة من الذهب الذي نهبه الأسد وعصاباته من احتياطي الشعب السوري. ولم الاستغراب؟ هل للمسروقات أفضل من ''سوق'' تسيطر عليها العصابات، ويحكمها ''تجار'' يحملون مسدسات مكتومة الصوت؟ لم يبق في سورية الآن جرام واحد من ذهب الشعب. بل أن شبيحة الأسد (قطاع الطرق)، لم يتركوا جراماً واحداً من ذهب في المنازل التي هدموها على رؤوس أصحابها في مختلف المدن والمناطق في البلاد، والبيوت التي احتلوها، بعد أن تمكن ساكنوها (المحظوظون) من الفرار والهرب في كل الاتجاهات. لقد ذَهَبَ ذَهبُ الشعب وأفراده أيضاً!
بوتين أيضاً، وفي سياق قتله للسوريين أكثر من مرة، شجع من لا يحتاج إلى التشجيع (الصين) لشراء شيء من سندات الخزينة التي لا يزال الأسد يسوقها بحثاً عن مزيد من الأموال، لسرقة بعضها أولاً، ولتمويل حرب الإبادة، خصوصاً بعدما توقفت الإمدادات الإيرانية المالية الشيطانية لهذا السفاح، بسبب الخراب الاقتصادي الذي تعيشه إيران، بينما لم تنفعها وعود ونفحات المهدي المنتظر، للحد من هذا الخراب. ويبدو أن هذا المهدي مشغول بنفحات للأسد قاتل الأطفال وعدو الحياة، في الوقت الراهن. وماذا يفعل الرئيس الآتي إلى الكرملين على طريق تدوير السلطة قسراً؟ يسمح للمطابع الروسية بطباعة أوراق نقدية سورية لا سند ولا غطاء لها. وهذا يعني ببساطة، أن فاتورة ''مسروقات الأسد'' ستكون واجبة على الشعب السوري، حتى بعد أن يقع في أيدي هذا الشعب، في نهاية يتمناها كل سوري حر. ولا ننسى التسهيلات الاحتيالية التي يوفرها رئيس روسيا للأسد، في تهريب النفط السوري، مخترقاً العقوبات الغربية المفروضة على هذا القطاع. فقد عبر أتباع الأسد من ''المسؤولين'' صراحة عن سعادتهم في النفاذ من الحصار والاستمرار في تصدير النفط ومشتقاته، بالتعاون مع موسكو.
مهلاً، لم تكتمل عناصر القتل المستدام للسوريين على أيدي بوتين ''السيليكوني''. يريد هذا الأخير أن يتمتع بمعاناة الشعب السوري، حتى بعد أن يسقط الأسد. ولا بأس في أن يقوم بدور المصاص، فهو خبير بمكامن الشرايين. يدرس بوتين طلباً نقله إليه محمد جليلاتي وزير مالية الأسد للحصول على قرض بالعملة الصعبة. ولأن السلطة في سورية تكذب منذ أكثر من أربعة عقود، وفق منظور استراتيجي، لم يتردد هذا الوزير في القول ''لدينا احتياطات كافية من القطع - النقد - الأجنبي، لكن الظروف الحالية تتطلب وجود أموال إضافية''! حتى استراتيجية الكذب فرغت من مخزونها. كيف يمكن أن تكون هناك أموال كافية، ومعها الحاجة لأموال إضافية؟! الصحيح أن خزائن البنك المركزي ''السوري'' اسمياً والأسدي فعلياً، بدأت في تناقص مخزونها بصورة مذهلة، منذ انطلاق الثورة الشعبية العارمة في البلاد. وحسب التقديرات التي اتفقت عليها جهات محايدة، لا تحتوي هذه الخزائن في الوقت الراهن أكثر من ثلاثة إلى أربعة مليارات دولار أمريكي، على أعلى تقدير، هابطة مما يقدر بـ 18 مليار دولار!
ولأن القرض المطلوب مسروق سلفاً، كما بقية القروض والمساعدات والمعونات التي خُصصت لسورية منذ احتلال السفاح الأول حافظ الأسد السلطة فيها، وصولاً إلى ما تبقى لوريثه المغتصِب من أيام، فقد امتنع جليلاتي عن تحديد قيمة هذا القرض. فقط علينا أن نتخيل الشروط والقيود التي سيتضمنها أي اتفاق من هذا النوع، قبل أن نخمن حجم القرض. لقد أمن فلاديمير بوتين لنفسه انتقاماً متواصلاً من الشعب السوري خلال وجود الأسد، وبعد سقوطه وعصاباته. ستكون القروض والديون أداة غير عسكرية روسية لخنق شعب، يبحث حتى اليوم عن سبب مباشر لحقد شخصي من متجمل قبيح.

الأسد يترك الجوع يستكمل الإبادة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



''في سورية نظام حقير عليه أن يرحل''
فرانسوا هولاند رئيس فرنسا

كتب: محمد كركوتــــي
في سورية، لا يمكن لأحد أن يدعي أنه يستطيع تقييم مستوى الخراب الذي يلحق بهذا البلد على مدار الساعة. لسبب واحد، هو أن آلة التخريب التي أطلقها سفاح سورية بشار الأسد على الشعب برمته، لا تتوقف.. لا تتعطل.. لا ينقطع عنها الوقود.. بل لا تحتاج الصيانة. فهي متجددة دائماً، عبر جسور الإمدادات الروسية. روسيا التي تذرف الدموع بكل أنواعها، خشية على مستقبل الأقلية (الأقليات) في سورية، وتشارك مباشرة بعيون دامعة، في سحق الأغلبية. فلاديمير بوتين يبحث من خلال الخشية الروسية القاتلة، عن صدى لم يعثر عليه على أرض سورية، وإن عثر على شيء منه خارجها. لماذا؟ لأن أصدقاء الشعب السوري استسهلوا الاختباء وراء الموقف الروسي. وكلما تراجعت التكاليف الناجمة عن هذا الاختباء، ازدادت تكاليف الدم والخراب على الشعب السوري.
يتمنى الواقفون إلى جانب سفاح سورية، شيئاً شيطانياً آخر في سياق حرب الإبادة ضد الشعب السوري. يتمنى هؤلاء، أن يقوم سلاح الجوع باستكمال هذه الحرب، إذا تأكد فشل الأسد في إنهائها عسكرياً. وهذا السفاح الطائفي لا يضيع الوقت. فكل دقيقة محسوبة من مصيره الحتمي، بصرف النظر عن تقاعس الأصدقاء (أصدقاء الشعب السوري)، وعن شر الأعداء. وهو (أي الأسد) يخوض حرب إفناء لسورية وشعبها، بل لتاريخها. ألم يدمر ما أمكن له من الآثار والمواقع التاريخية في معظم أنحاء البلاد؟ وهذه الجريمة بالتحديد تأتي من إيمانه العميق بأن تاريخ سورية لا يمكن أن يخرج عن تاريخ عائلته وطائفته.. تلك الطائفة التي اختطفها من دون مقاومة تذكر من جانبها.
السلاح الآخر المتعاظم ضد السوريين الساعين إلى حرية للأبد، بدأ ''قصفه'' الوحشي، بقيام الأسد وعصاباته بحرق ممنهج للأراضي الزراعية، وقطع المياه عن بعض الأراضي، بل وتلويث مياه الري لتدمير المحاصيل. فمنذ اندلاع الثورة الشعبية في البلاد، اضطر السوريون إلى الاعتماد على مزروعاتهم للعيش، بعد أن نقصت الإمدادات الغذائية بصورة مخيفة. وحتى تلك التي توافرت في الأسواق شبه المغلقة، باتت صعبة المنال، مع ارتفاع فلكي في أسعارها. لقد بلغ إجرام هذا النظام حداً، أن منعت عصاباته المزارعين حتى من جني محاصيلهم، وتحديداً في المناطق البعيدة عن تلك التي تتمركز فيها طائفته. وفي المناطق التي لم تصل إليها هذه العصابات، تمنع عنها المستلزمات الزراعية، بما في ذلك طبعاً وقود الديزل (المازوت) الذي يستخدم في تشغيل معدات الري، إضافة إلى الحاجة إلى هذا الوقود في تسيير الجرارات والحصادات والآليات الأخرى. وفي السياق ذاته، رفع الأسد أسعار الأسمدة والمبيدات الحشرية، بصورة مدروسة يستحيل معها على المزارع الوصول إليها.
في العام الماضي، لم تحصد سورية سوى نصف محاصيلها الزراعية، بما في ذلك القمح. ومع حلول شتاء العام الجاري، فإن هذه النسبة ستنخفض في أحسن الأحوال، بسبب الخطة الممنهجة للتدمير الزراعي، إلى 30 في المائة، وهناك من يعتقد أنها لن تصل إلى هذه النسبة، على اعتبار أن التصعيد ضد المزارعين يتخذ منحى تصاعدياً سريعاً. وهذا ما يفسر تخلي أكثر من 60 في المائة من أصحاب المزارع والحقول الزراعية عن المزارعين العاملين فيها. فلم يعد لدى هؤلاء القدرة على دفع الأجور. مرة أخرى كل ذلك يجري في المناطق البعيدة عن تلك التي توالي سفاح سورية، الأمر الذي يدخل في نطاق التطهير الاجتماعي، شاء بوتين أم أبى. هل يريد هذا الأخير أن تصبح الأغلبية أقلية، لكي يقتنع بضرورة وقف حرب الإبادة؟
مهلاً.. الجريمة أيضاً لها شكل آخر. فحتى أولئك الذين نجحوا في حصد محاصيلهم في عدد من المناطق السورية، يضع الأسد يده عليها، ومن يستطيع من المزارعين النفاذ من قبضة هذا الأخير، يواجه صعوبات جمة في توزيعها. إنها حرب تجويع بدأت فعلاً، وآخذة في الانتشار مع استمرار هذا النظام الوحشي في السلطة. لو كانت هذه الحرب في ظل نظام أقل وحشية وبربرية، لانقلبت فوراً إلى عصيان مدني يسهم مباشرة (وإن يستغرق وقتاً) في زوال هذا النظام، لكن الأمر مختلفاً في حالة سورية، لأن نظام الأسد لا يشبه أي نظام آخر من حيث وحشيته، ولأن الحرب التي شنها على الشعب السوري متكاملة العناصر ومعها الخراب، ولأنه قتل الروح المدنية في الواقع على مدى أكثر من أربعة عقود، بدأها السفاح الأكبر حافظ الأسد، ويستكملها ابنه الآن.
مع دخول فصل الشتاء في سورية، سيرتفع عدد الذين يحتاجون إلى مساعدات غذائية إلى أكثر من 5 ملايين شخص، وسيرتفع عدد أولئك الذين يحتاجون إلى معونات إنسانية إلى ما يوازي هذا العدد. ببساطة سيكون نصف عدد سكان البلاد (على الأقل) بحاجة إلى إنقاذ إنساني، لا دخل للسياسة، ولا للتوازنات الدولية، ولا لتقاذف المسؤولية به. ولا أعرف إذا كان محامي الشيطان بوتين، يدرك مخاطر إنشاء أغلبية من نوع آخر.

الأسد وخامنئي.. تناغم الاحتيال أيضا

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



''النظام الإيراني ليس سوى مشاكل، ودائماً كان كذلك''
جاي روكيفيلير سيناتور أمريكي سابق

كتب: محمد كركوتـــــي
تواجه الإدارة الأمريكية (والغرب عموماً) مشاكل ومطبات جمة في تطبيق مُحكَم للعقوبات الغربية المفروضة على نظامي سفاح سورية بشار الأسد، وعلي خامنئي الإيراني. وهي تعرف أن هذين النظامين مستعدان للتحالف والتعاون مع الشيطان من أجل الوصول إلى أعلى درجة من الاحتيال على العقوبات، بما في ذلك طبعاً عمليات غسل الأموال، التي بلغت أعلى مستوى لها منذ عامين تقريباً. فالأخلاق الغائبة عن هذين النظامين تمنحهما مساحة بلا حدود لسيل لا يتوقف من الفتاوى التي تجيز كل شيء وأي شيء. وبغيابها أيضاً، لا مكان لدين يردع، وقيم تمنع، وإنسانية تصد. المهم أن تنفذ استراتيجية الهلاك الشيطانية. وإذا كانت هذه هي سلوكيات الأسد وخامنئي في الحالة الطبيعية، علينا أن نتخيلها في الحالة غير الطبيعية الناجمة عن سلسلة من العقوبات المفروضة عليهما، والتي تتصاعد بصورة متوالية، خصوصاً أنها (أي العقوبات) أثرت وتؤثر بشكل كبير على النظامين المذكورين، وإن كانت (كغيرها من العقوبات) عاجزة عن إسقاطهما، أو إحداث تحول ما في سلوكياتهما.
مع أول موجة من العقوبات على الأسد وخامنئي، تحول الحراك الاقتصادي لكليهما شيئاً فشيئاً إلى طرف ثان للاحتيال عليها، والالتفاف حولها، ولتخفيف ضرباتها، خصوصاً أنهما لم يبديا أي نية في الالتزام بمطالب المجتمع الدولي، بل حتى بحلول وسط معهما. بالنسبة للأسد، التوقف عن قتل شعبه، من خلال حرب الإبادة التي أطلقها على هذا الشعب. وبالنسبة لخامنئي، التوقف عن أحلامه بامتلاك سلاح نووي، سيكون موجهاً في الدرجة الأولى إلى العرب أجمعين، في إطار تنفيذ استراتيجية الهلاك. والطرف الثاني (الأطراف) المؤهل للقيام بأعمال الاحتيال على العقوبات، يجب أن يكون أجنبياً، لا سورياً ولا إيرانياً. لماذا؟ لأن غالبية المحتالين من السوريين والإيرانيين المتعاونين مع الأسد وخامنئي دخلوا إلى قوائم المقاطعة والعقوبات والتجميد، بمن فيهم أولئك الذين استطاعوا الحصول على جنسيات أجنبية مختلفة، أسهموا لسنوات طويلة، في تقديم خدمات الاحتيال لنظام أسدي غير شرعي، ولنظام إيراني غير سوي.
وقد استطاع الأسد وخامنئي بالفعل العثور على جهات أجنبية تساعدهما في الالتفاف على العقوبات، بما في ذلك جهات أمريكية وأوروبية، وقليل من الجهات العربية المرتبطة في الواقع طائفياً بهما، إلى جانب (طبعاً) ارتباطها بفسادهما. وعلى هذا الأساس، كان طبيعياً أن تعلن الولايات المتحدة رسمياً بأنها ستلاحق أجانب يساعدون دمشق وطهران على التهرب من العقوبات الأمريكية، وتمنعهم من الوصول إلى الجهاز المصرفي الأمريكي. وإذا لم تقم بذلك، فهي في الواقع تسهم في خرق العقوبات التي فرضتها. فالعقوبات تعني ببساطة تجفيف المنابع المالية لهذين النظامين الخارجين عن معايير المجتمع الدولي. وعلى هذا الأساس فإن أي منبع مالي (مهما كان بسيطاً) يُحدث فجوة في هيكلية العقوبات.
أثبتت التحقيقات الأمريكية (والغربية)، أن هناك مؤسسات وشركات وشخصيات أجنبية عديدة لا تنتمي إلى الدول التي فرضت العقوبات، تقوم بالعمل الشيطاني لحساب الأسد وخامنئي. بل إن تحقيقات أخرى أظهرت أن نسبة كبيرة من هذه المؤسسات لها ارتباطات مع أخرى أمريكية وأوروبية، من خلال اتفاقات معقدة ومتشعبة يصعب فك طلاسمها الاحتيالية، ما دفع السلطات المختصة إلى فتح ملفاتها أيضاً. فهذه المؤسسات (بصرف النظر عن حجمها ودورها) لا تجد قيمة لما قاله وكيل وزارة الخزانة الأمريكية المتخصص بمعلومات المخابرات المالية، ومكافحة الإرهاب، من أن ''من يحاول التهرب من عقوباتنا، يفعل ذلك على حساب شعب سورية وإيران، وستتم محاسبته على ذلك''. وقد أجبر التهديد بالمحاسبة، بعض المؤسسات الأجنبية المشينة، على التراجع عن تقديم خدماتها المخزية، للنظامين المذكورين.
ومهما بلغت قوة وقدرات الولايات المتحدة (والغرب عموماً) على تعقب المحتالين كمؤسسات وأشخاص، إلا أنها تقوم بمهام صعبة في هذا المجال، ليس فقط لتعدد وتنوع أشكال الاحتيال، بل أيضاً للحاجة إلى وقت ليس قصيراً لاستكمال مهامها. فعلى سبيل المثال، يقوم الأسد وخامنئي باستخدام مؤسسات غير مصرفية، مثل مكاتب الصرافة، وشركات خدمات مالية وأخرى تجارية، وكيانات وهمية (بعضها صغير وآخر كبير) لتسهيل المدفوعات وتحويل الأموال. وفي الحالة العادية يصعب فرض الرقابة على هذا القطاع، فكيف الحال والحالة غير عادية؟! ولذلك فالمهام صعبة التنفيذ، ويحتاج المشرفون عليها إلى تعاون حكومات لدول مجاورة لكل من سورية وإيران، وهو أمر أيضاً ليس سهلاً، بوجود دول مثل لبنان والعراق وروسيا تسيطر عليها حكومات توفر كل أشكال الدعم للأسد وخامنئي.
وفي كل الأحوال، بدأت الحملة الأمريكية - الغربية تعطي ثمارها على الجهات الأجنبية المساندة احتيالياً لنظامي سورية وإيران، إلا أن ''محصولها'' لا يزال دون مستوى المخاطر التي تستهدف العقوبات. المطلوب الآن كشف الأوراق على الملأ، وفضح كل من يوفر الدعم (بصرف النظر عن أشكاله) لنظامين لا يستمران إلا بتطبيق مُحكَم لاستراتيجية الهلاك.

مصبغة حزب الله لغسل الأموال

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



''ستصل إلى نقطة تكون فيها عمليات غسل الأموال، وتهريب المخدرات، وتمويل الإرهاب، عبارة عن وحدة متكاملة''.
سيبيل إدموندز، موظفة سابقة في مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي.
كتب: محمد كركوتـــي
يستطيع القائمون على القطاع المصرفي اللبناني أن ينفوا (بل ويهاجموا) كل اتهام بتبييض الأموال في هذا القطاع، ويستطيعون أيضاً أن يتغنوا بـ ''احترافية'' القطاع، وأن يعرضوا خبراتهم على من يرغب في تعلم ''الفنون المصرفية''، وأن يكتبوا شِعراً في نزاهة مصارفهم ومكاتب الصرافة وغيرها.. لكنهم لا يستطيعون أن يضمنوا جمع ما يكفي من المُصدِّقين لما يطرحون وما يعرضون وما ''يغنون''. غير أن هذا لا يعني، أن كل المصارف اللبنانية، منغمسة في الغسل والتبييض ''والتجفيف'' الداخلي. لا يزال هناك بعض منها، يقاوم الأموال القذرة التي يوفرها بصورة أساسية نظام سفاح سورية بشار الأسد، وذراعه اللبنانية الطائفية حزب الله، ولا بأس من وجود عصابات من جنسيات مختلفة، تستغل هذا المشهد المصرفي المشين. ففي البيئة القذرة الملوثة لا تعيش إلا الجراثيم والأوبئة.
في مقال سابق لي، كتبت عن ''مصابغ الأسد لغسل الأموال''، وهي في الواقع فروع للمصابغ الرئيسة في لبنان، لأن الحراك المصرفي السوري المحدود، لا يوفر المساحات المطلوبة، لغسل الأموال الناتجة عن كل ما هو مشين ومخزٍ، وخارج عن القوانين الدولية والأخلاقية. الابتزاز، الإرهاب، المخدرات، الاتجار بالبشر والسلاح، التهريب، القتل المأجور، سرقة المال العام، سرقة الآثار، تزوير العملات، الاختلاس، الرشا.. كلها ''قطاعات'' منتجة للأموال القذرة. وكلها توفر ''الاستثمارات'' المطلوبة، لعصابة كحزب الله. ولذلك فقد أتت اتهامات وزارة الخزانة الأمريكية لهذا الحزب، بتبييض الأموال والاتجار بالمخدرات على نطاق واسع، متأخرة جداً، بصرف النظر عن أي مبررات، بما في ذلك تلك الخاصة بـ ''جمع الأدلة''. فقد كان يكفي للمسؤولين الأمريكيين أن يستمعوا إلى موظفين مصرفيين (وصرافين) لبنانيين من الدرجة العاشرة، كي يتأكدوا، من أن مصابغ حزب الله المالية، لم تتوقف يوماً، وأنه ''استثمر'' في كل مجال من المجالات المشينة، بما في ذلك المخدرات بأنواعها وكوارثها.
والحقيقة أن هذا الحزب (العصابة) الإيراني - الأسدي في لبنان، صعَّد من حجم تجارته في المخدرات في السنوات الأربع الماضية، في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، التي نالت من كل شيء. وطبقاً للمعلومات التي رشحت من سراديب الحزب وجحوره، فقد واجه زعيمه حسن نصر الله، أسئلة متصاعدة من بعض قياداته حول البعد الأخلاقي لهذه التجارة، فما كان من زعيم مقاومة الأخلاق، إلا أن لجأ إلى مرشده علي خامنئي الذي لم يتردد في إصدار فتوى سرية، تجيز الاتجار بالمخدرات! وربما استعان بـ ''المهدي المنتظر'' في صياغة هذه الفتوى. فإيران هي الدولة الوحيدة التي تبيع الفتاوى السرية، خصوصاً بعد أن انفضح (قبل سنوات طويلة) أمر أحلامها، وطبيعة أوهامها.
وقد عزز تصاعد أعمال الاتجار بالمخدرات من قبل حزب الله وعصاباته المنتشرة حول العالم، تراجع واضح في التمويل المالي الإيراني لهذا الحزب، بعد اندلاع الثورة الشعبية ضد نظام سفاح سورية بشار الأسد، في الوقت الذي تعاني فيه إيران عقوبات اقتصادية شديدة، بسبب برنامجها النووي. فقد أمن نظام الملالي للأسد إمدادات مالية (إلى جانب إمداده بالمرتزقة وقطاع الطرق)، بلغت في عام واحد أكثر من ستة مليارات دولار أمريكي؛ كان من المفترض أن يذهب جزء كبير منها إلى حزب حسن نصر الله. ومع ذلك، لم يؤثر هذا التوجه المالي المصيري بالنسبة لإيران والأسد، في تسليح حزب الله. الذي تأثر مباشرة هو تمويل نشاطاته الإجرامية الخارجية. ففي العامين الماضيين تركزت هذه النشاطات بصورة كبيرة جداً في كل من سورية والبحرين فقط، ولا بأس من بعض العمليات البسيطة هنا وهناك.
المشكلة التي يواجهها حزب الله الآن، أنه يحتاج إلى الأموال، لاستمرار ولاء الشيعة في لبنان له. فبعد أن انكشف (قبل سنوات طويلة) بأنه مجرد عصابة مأجورة، لا حزباً وطنياً، بات عليه أن يمول الموالين، ولا سيما الفقراء منهم. هكذا تعمل العصابات في كل مكان. فليس هناك هدف سام يمكن أن يستثمره، في إبقاء هؤلاء إلى جانبه. وعلى هذا الأساس عليه رفع حجم الإيرادات المالية (بصرف النظر عن طبيعتها) للاستمرار. وبما أن حزب الله (ووراءه نظام الأسد)، يسيطر واقعياً على القرار السياسي والاقتصادي اللبناني، فإن الأمر سهل في تحويل الأموال غير المشروعة إلى أموال نظيفة، عن طريق القطاع المصرفي اللبناني. ولكن المصيبة أن الدول الكبرى، لا تزال مترددة في قضية مؤكدة، وهي أن هذا القطاع ملوث بكل الموبقات المالية، الأمر الذي أفلت القطاع المذكور من عقوبات باتت حتمية الآن أكثر من أي وقت مضى. فالنظام المصرفي اللبناني (بغالبية مؤسساته)، هو بمنزلة مصبغة مالية كبرى ليس فقط لحزب الله، بل أيضاً لسفاح سورية، ولنظام الملالي في إيران. وهذا الثالوث لم يعد يشكل مخاطر على المنطقة فحسب، بل على العالم أجمع. إن الواجب الأخلاقي يحتم تخفيف المنابع المالية ومصابغها، لأنه ليس خياراً.

الأربعاء، 1 أغسطس 2012

موسم الجهاد الاقتصادي في إيران!

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"مع الوقت.. الإرادة الشعبية سوف تسود في إيران"
                                     فرانك كارلوتشي وزير الدفاع الأميركي الأسبق 

كتب: محمد كركوتـــــي

لو افترضنا أن هناك في إيران استقرار سياسي اجتماعي، فقد بات مهدد اليوم أكثر من أي وقت مضى. ولو افترضنا أنه بإمكان السلطة الحاكمة في طهران، الاستمرار في سياسة القمع والقتل والتخويف والترهيب والاعتقال ضد الإيرانيين الحالمين بوطن طبيعي مستقر، فإنها تواجه اليوم سلاحاً شعبياً مخيفاً، وهو نقمة مع "كراهية اقتصادية" شعبية لها، وصلت إلى أعلى مستوى، وذلك بسبب التدهور المتكامل للأوضاع المعيشية في البلاد. أما لماذا وصل إلى حد التكامل؟ فلأنه شمل كل شيء، من المواد الغذائية الرئيسية، إلى تذاكر السفر، فالتعليم.. فالسكن.. فالصحة.. فالعمل.. إلى آخره. فالاقتصاد الإيراني اليوم، لا يشبه نفسه، حتى عندما كان تحت ضغط الحرب ومتطلباتها، وقد تحولت أدواته إلى آليات من الاحتيال على الشعب الإيراني، وعلى المجتمع الدولي في آن معاً. لقد وصل إلى مرحلة ما قبل الخراب، التي تصطف بعد مرحلة الأزمة الشديدة ومعها الاضطراب.
المرشد الإيراني علي خامنئي لديه حل للأزمة الاقتصادية المعيشية. ولو قبله الإيرانيون وعملوا به، فسيكون هذا المرشد أول المتضررين، هو ونظام الملالي الذي يحكم البلاد بالأوهام ولا بأس بـ "سلاح" التمنيات معها! ولا أعرف إذا ما كان قد وضع جانباً "عودة" المهدي المنتظر، كسلاح أخير لتطبيق نظريات اقتصادية "مهدية"، لحل الأزمة الكارثة التي تعيشها بلاده. الحل الذي أعلنه خامنئي في بداية العام الإيراني الجديد في مارس/آذار الماضي، هو ببساطة إطلاق "الجهاد الاقتصادي"! وهو في الواقع جهاد مبتكر، لا يمكن لأي جهة في العالم أن تستولد مثله، كما أنه يأتي في سياق جهاد وهمي أطلقه نظام الملالي منذ أكثر من ثلاثة عقود ضد كل شيء وأي شيء. ولذلك لا عجب أن نشهد في إيران لاحقاً، "جهاد رياضي" وآخر "غنائي" و "سياحي". و"الجهاد الاقتصادي" الذي ينادي به خامنئي جاء في الواقع بعد أن فشل حل أطلقه المسؤولون الإيرانيون في العام الماضي، وهو اللجوء إلى "اقتصاد الحرب"! فهم يرفضون منذ أن وصلوا إلى السلطة أن يقتنعوا بأن "اقتصاد السلم"، لا يحل المشكلات فحسب، بل يؤسس لعلاقات طبيعية مثمرة مع العالم أجمع.
ماذا حدث بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على إطلاق "الحل الخامنئي"؟ هرب –حسب مصادر إيرانية مقربة من مجلس مصلحة النظام- ما تبقى من رؤوس الأموال الموجودة في إيران. وهذا أمر طبيعي من البديهيات الاقتصادية، وارتفعت معدلات التضخم بصورة متسارعة، وبالمقابل تراجعت قيمة الريال الإيراني بشكل مخيف. وإذا كان مرشد إيران يعتبر أن  "الجهاد الاقتصادي"، يقضي بتخفيض مستوى دعم السلع الأساسية والمحروقات، فقد أضاف الزيت على نار اجتماعية معيشية مشتعلة أصلاً، منذ أكثر من خمس سنوات. لا شك في أن العقوبات الغربية المفروضة على إيران، وفي مقدمتها تلك التي طالت القطاع النفطي، ساهمت بصورة أولى في الركود والإخفاقات في البلاد، لكن يجب ألا ننسى بأن الاقتصاد الإيراني لم يقم على أسس منطقية وطبيعية، منذ أكثر من ثلاثة عقود، كما أنه لم يطور أدائه. بل لم تشهد حتى الحقول النفطية الإيرانية أي استثمارات في آلياتها وإمكانياتها. وتكفي الإشارة هنا، إلى  أن الإنتاج النفطي الإيراني انخفض من 6 ملايين برميل يومياً في أواخر سبعينات القرن الماضي، إلى 2,2 مليون برميل حالياً!
الإنتاج الحالي، بات رهن عقوبات صارمة، تحاول السلطات الإيرانية الالتفاف عليها بكل الطرق، بما في ذلك تمويه الناقلات بأعلام دول أخرى، وتصدير النفط من أماكن تخزين خارج إيران (ولاسيما في فنزويلا)، ومقايضة النفط بالذهب والحبوب، إلى آخر أدوات "اقتصاد الاحتيال"، بالإضافة طبعاً إلى بيع النفط بأسعار مخفضة على طريقة التنزيلات الموسمية، بحيث تم تخفيض سعر البرميل الواحد، ما بين 20 و25 دولاراً أميركياً! والنفط الإيراني –كما هو معروف- يوفر 80 في المائة من القطع الأجنبي للبلاد، الأمر الذي يبرر "تحرق" طهران إلى بيعه بأي طريقة وبأي سعر كان. ولكن في النهاية أصبحت إيران اليوم معزولة بشكل لم يسبق له مثيل عن ماذا؟ عن نظام التجارة الدولي، الأمر الذي يجعل حتى عمليات الاحتيال صعبة، ويكشفها بسهولة، خصوصاً في ظل التهديدات الغربية لأية دولة تساعد إيران في ممارسة "اقتصاد الاحتيال".
لن ينفع "الجهاد الاقتصادي" الذي أطلقه خامنئي في حل مشكلة واحدة من تلال المشاكل الاقتصادية التي تواجه بلاده. تماماً كما لم ينفع إيران الجهاد الوهمي الذي أطلقته في كل الاتجاهات، ولا تزال تطوره بأدوات بالية ومكشوفة. كما ان الشعب الإيراني سئم وفاض به الكيل من "ثقافة الجهاد"، التي لم تُزل عقبة واحدة في طريق النمو والعيش الكريم. و"النظرية الجهادية الاقتصادية الخامنئية" الجديدة، ستساهم بلا شك في رفع مستويات الغضب الشعبي، الذي سيكون السلاح الأقوى، في طريق التغيير. فلا يمكن لإيران أن تعيش إلى الأبد بأوهام مسؤولين يعيشون هم أنفسهم خارج الزمان.

قارة الأسئلة الكثيرة والأجوبة القليلة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"لا يمكن حل الأزمة الراهنة في منطقة اليورو، عن طريق سندات باليورو"
                                                                                       أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا

كتب: محمد كركوتــــــــي

هل  تكفي "المسكنات" المالية التي وصفتها "عيادة" القمة الأوروبية الأخيرة، لعلاج مرض اليورو، وبمعنى أصح لمعالجة وباء هذه العملة؟ ومع هذا السؤال، هناك عشرات (بل مئات) الأسئلة التي تُطرح بكل لغات الاتحاد الأوروبي، في مقدمتها مَنْ هزم مَنْ، على صعيد العلاج أو محاولة العلاج؟ بصياغة أخرى للسؤال، هل هناك منهزم أصلاً وبالتالي هناك منتصر؟ وبصورة أكثر تفصيلاً، هل سيكون هناك منتصرون في النهاية؟ علماً بأن هذه النهاية لن تكون قريبة، بل هي بعيدة.. وبعيدة جداً. الأسئلة كثيرة، والأجوبة أقل منها عدداً، وأمام هذا المشهد، يستطيع أي إنسان أن يصف الأزمة بالكارثة، والمشكلة بالمصيبة، والمرض بالوباء. وفي المشهد نفسه، يعلو صوت أولئك الذين لا يزالون يحلمون باستعادة عملاتهم الوطنية، ورمي أوراق اليورو الخريفية في أقرب صندوق للقمامة. ففي المصائب الكبرى، تزدهر عادة مشاعر الوطنية الضيقة، وتتأجج العواطف، وإن تعارضت مع المصلحة الذاتية.
الأسئلة أكثر من الأجوبة، في حين تعيش أوروبا موسماً دائماً للتخفيضات، ليس لأسعار السلع المباعة في متاجر التجزأة فيها، بل للتصنيفات الائتمانية. إنه بحق موسم الفصول الأربعة لـ "تنزيلات" المستويات الائتمانية للحكومات والمصارف والمؤسسات المالية الكبرى. أما بالنسبة للمؤسسات الصغرى منها، فهي ترتبط شاءت أم أبت بالكبرى، وتنخفض مستوياتها تلقائياً معها وترتفع مخاطرها بها. ومن المفارقات، أن المصرف الناجح في أوروبا حالياً، هو ذاك الذي تأجل تخفيض مستواه ليوم آخر. لقد بلغ الحال المصرفي في هذه القارة، حداً فقدت المصارف الكبرى القدرة على مجرد التفكير، في "التهام" مصرف صغير هنا، وآخر متوسط هناك. فقد أصبح المفترس هو نفسه مشروع فريسة، تماماً كما يحدث في الغابات عندما تنقلب قواعد الحياة فيها بين الحين والآخر.
كانت أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا، تعيش بعضاً من المأساة – الملهاة التاريخية لخسارة منتخب بلادها في كرة القدم، أمام نظيره الإيطالي، في نهائيات كأس الأمم الأوروبية، عندما أعلنت بأنها حققت أمراً مهماً في القمة الأوروبية الأخيرة، ولكن مع اعتراف حتمي منها بأنه "لا تسوية بدون مقابل". والذي تابع عن قرب مواقف ميركل من خطط الإنقاذ الخاصة بالديون الأوروبية، لا بد أن يلحظ هزيمة لها واضحة في هذا المجال. والأمر لم يكن كذلك بالنسبة للرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، الذي كان ولا يزال يدفع باتجاه مغاير لما تدفع به جارته الألمانية، حتى لو وصف نتائج القمة المذكورة بأنها "تبعات سعيدة". وإقرار صندوقين هما "الآلية الأوروبية للاستقرار" و"الصندوق الأوروبي للاستقرار"، مهمتهما إعادة رسلمة المصارف والمؤسسات المالية الأوروبية (الغارقة أو تلك التي تتجه إلى الغرق) مباشرة وفق شروط الصندوقين، هذا الإقرار بحد ذاته خطوة عملية تصب في سياق التوجه الفرنسي. بل كان مطلباً سابقاً للبنك المركزي الأوروبي. أما كيف تَعارَض مع رؤية ميركل، بصورة أو بأخرى، فلأن الصندوقين يستطيعان شراء سندات الدول غير المستقرة مباشرة من الأسواق، وهو أمر اعتبرته المستشارة الألمانية في السابق، نوعاً من أنواع المقامرة.
الاتفاق الذي تم التوصل إليه، هو بمنزلة تأجيل (أو تلطيف) للخلافات الفرنسية-الألمانية، وهو مطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى، ليس بسبب استفحال أزمة الديون الأوروبية فحسب، بل لغياب التناغم السياسي بين برلين وباريس، الناجم عن رؤى مختلفة لرئيس فرنسي، يريد نمواً مع قليل من التقشف، ولمستشارة ألمانية تسعى إلى تقشف كبير وواسع، بصرف النظر عن مستوى النمو. ولكن يبقى الدافع الأهم لهذا الاتفاق، وهو حرص كلا الطرفين الرئيسيين على الساحة الأوروبية، على بقاء كل دول اليورو في منطقة هذه العملة، ولولا ذلك، لشهدنا انسحابات متتالية، طوعاً أو قسراً، ولدارت المطابع لتُعيد طباعة العملات الوطنية السابقة.. درخمات، ماركات، فرنكات، ليرات.. إلى آخره.
غير أن هذا كله لا يعني أن أزمة الديون الأوروبية في طريقها إلى الحل. فما طُرح ليس سوى "مسكنات" مالية تنفع عندما تكون الخيارات محدودة، والرؤى السياسية (وبالتالي الاقتصادية) غير متوافقة بما يرقى إلى مستوى الأزمة. وهنا تأتي أهمية قيام اتحاد اقتصادي ونقدي حقيقي، أي وحدة اندماجية، ليس على طريقة الوحدات الاندماجية العربية الغوغائية التي شكلت مجموعة من "الصرعات" في القرن الماضي، بل على شكل أقرب لما هو قائم في الولايات المتحدة الأميركية. بمعنى آخر أن تتضمن هذه الوحدة الركائز الأربع، التي بدأ بالفعل القائمون على الاتحاد الأوروبي تسويقها وترويجها، وهي اتحاد مصرفي، وآخر موازني، وآخر اقتصادي، إلى جانب طبعاً اتحاد سياسي. وهذا لن يضمن حل المشاكل التي قد تظهر في مرحلة أو أخرى، بل يحتويها في إطار محلي أوروبي. إنها عملية ليست سهلة، لكن أساساتها موجودة على الأرض، تحتاج فقط إلى حملة تثقيفية شاملة، لأولئك الذين لا يزالون يرفضون فهم مخاطر الانغلاق المحلي الوطني، في قارة مفتوحة طبيعياً على بعضها البعض.

الجمعة، 13 يوليو 2012

زعيم مطابع الليرة السورية بشار الأسد

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


     "لا يمكنني توفير المال بطرق حقيرة"
                                                                      وليام شكسبير أديب إنجليزي 

كتب: محمد كركوتـــي
كما أنه لا يعترف بوجود ثورة شعبية عارمة ضده وضد نظام سحق سورية وشعبها لمدة تزيد عن أربعين عاماً، كذلك لا يعترف بشار الأسد سفاح هذا البلد المسحوق، بوجود أزمة اقتصادية مالية هائلة حالكة متداعية فظيعة في حاضرها ومستقبلها، تنشر الخراب في كل مكان. وإذا قرر التنازل والاعتراف بوجود شيء من هذا القبيل، فالسبب الوحيد يعود إلى تلك العقوبات المفروضة عليه، ولا دخل هنا للنهب التاريخي والسرقة المنظمة والاختلاس الاستراتيجي لأموال ومقدرات الشعب السوري، بما في ذلك المساعدات، بل وحتى القروض التي اقتُنصت باسم هذا الشعب. ولأن المال يُكلف كثيراً في الحالة العامة العادية، علينا أن نترك لأفكارنا ومخيلاتنا، تقدير هول تكاليفه في الحالة التخريبية الممنهجة والمستدامة. وفي سورية.. المال كما الحرية، فكلاهما منهوب مسروق مملوك لنظام وحشي التكوين، وهمجي المعايير، وطائفي الأدوات.
عندما أعلنت عصابة الأسد الاقتصادية (مضطرة) عن طرح أوراق نقدية جديدة للتدوال، تمت طباعتها بلا أدنى غرابة في روسيا.. كانت في الواقع تعلن عن موجة جديدة من هذه الأوراق. فهذا النوع من النقود التي لا تحمل قيمة سوى سعر الأوراق التي طُبعت عليها، أغرقت سورية على شكل موجات انطلقت منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي، ولن تنتهي حتى ينتهي نظام الأسد إلى الأبد، لأن ذلك جزء أصيل من اقتصاد الخراب. أما لماذا "أعلنت مضطرة"، فلأن هذه الأوراق النقدية من الليرة السورية، ليست للتخزين بل للتدوال، وبالتالي لا يمكن طرحها تمريراً ولا تسريباً. والحقيقة أن هذا النظام القاتل، أقدم بالفعل في الشهر التاسع للثورة الشعبية العارمة التي تجتاح سورية، على طباعة كميات كبيرة من أوراق النقد محلياً، لكنه فوجىء بأن جودتها الطباعية (لا قيمتها الحقيقية) لم تكن بالمستوى الذي يمكن أن يساعد في تسويق عملة تُطرح بلا سند أو رصيد أو غطاء اقتصادي مالي ما. لكن مهما ارتفع مستوى فخامة الطباعة وجودتها، تبقى الأوراق الجديدة المطروحة مجرد أوراق ملونة، وأفضل ما فيها أنها لا تحتوي على صورة لسفاح سورية الأول حافظ الأسد (ولا الثاني والأخير بشار الأسد) كما هو حال ورقة الألف ليرة المنحوسة بصورته، والمتراجعة بسرعة "أولمبية" في قيمتها.
ولأن الأسد يكذب انطلاقاً من "مفهوم" استراتيجي خاص (بل وشخصي) لا مثيل له في التاريخ الحديث، فقد حاول ترويج الأوراق النقدية الجديدة، على أنها مطروحة كبديل لتلك القديمة المتهالكة. لكن الأمر ليس كذلك، ولن يكون. فقد وصل الاقتصاد السوري (هذا إن استحق التوصيف الوطني) إلى منتصف الطريق الذي وصل إليه اقتصاد زيمبابوي (مثلاً)، ويسير بسرعة فائقة ونادرة نحو الهلاك. والعملية برمتها تهدف إلى دفع رواتب العاملين في القطاع العام، وتسديد النفقات الحكومية المختلفة. لماذا؟ لأن الأسد (وعصاباته) أفرغوا مبكراً خزائن البنك المركزي، في سياق إفراغ البلاد من كل مقدراتها. ومع ذلك، هناك أسباب أخرى للجوء الأسد إلى طباعة عملة بلا رصيد. في مقدمتها طبعاً، شح السيولة الخاصة بالإيرادات التي يتم تحصيلها عن طريق الخدمات والرسوم الحكومية والضرائب. ففي غضون العام الأول من الثورة الشعبية، تراجعت هذه الإيرادات بنسبة 50 في المائة، وهي مستمرة في التراجع بأشكال مختلفة. يضاف إلى ذلك التوقف التام للاستثمارات الأجنبية في سورية، وشلل حركة الإنتاج بشكل عام، فضلاً عن توقف شبه تام للحراك السياحي في البلاد.
سيواصل سفاح سورية طباعة المزيد من الأوراق النقدية بلا سند أو رصيد. وهو بذلك يسرق مستقبل البلاد، في إطار سرقته لماضيها وحاضرها. فقد أقدم قبل أربعة أشهر تقريباً على طرح سندات خزينة للبيع، ويقوم حالياً باستكمال عمليات بيع ثروة سورية من الذهب في دول يسيطر عليها قطاع طرق، لا مسؤولين اقتصاديين. والأوراق النقدية الجديدة لا توفر إلا الهموم والمصائب، في بلد يكتوي شعبه بفظائع يومية، باتت مقابلها مثيلاتها السابقة في التاريخ الحديث مجرد رحلات ربيعية. لنستعرض بسرعة الانهيار المنهجي لليرة السورية منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، من جراء السرقة والنهب، وبالتالي الاضطرار التخريبي لطباعة أوراق نقدية بلا قيمة. في عام 1986 كان الدولار الأمريكي يساوي 12 ليرة، وبعدها بأربع سنوات بلغ 48 ليرة، ليصبح في عام 1995 أكثر من 52 ليرة! وقبل ثلاثة أشهر بلغت قيمته لعدة أيام  (داخل سورية) قرابة 130 ليرة، وهو يتأرجح الآن ما بين 90 و100 ليرة. في حين كان الدولار في عام 1970 (عندما وصل الأسد الأب إلى السلطة) يساوي 3,90 ليرة سورية.
يقول جوش بيلينج الكاتب الفكاهي الأميركي "طريق الخراب يكون دائماً جيداً في تشييده، والعابرون يدفعون تكاليف التشييد". بشار الأسد لن يعبر أبداً بعد الفظائع التي ارتكبها ويرتكبها بحق الشعب السوري والإنسانية. ومع ذلك فإنه سيترك للعابرين الحتميين هموماً اقتصادية، سيعيشون فيها إلى جانب ذكريات فظيعة، ستعجز حتى المصائب عن محوها. إنها ذكريات سيكون نيسانها ترفاً. 

الجمعة، 22 يونيو 2012

الجبهتان الفرنسية والألمانية في معركة اليورو

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





     "لا أحد في أوروبا سيُهمَل، لا أحد في أوروبا سيُعزَل. أوروبا ستنجح إذا ما عملنا كلنا مع بعضنا البعض"
                                                                                       أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا

كتب: محمد كركوتـــي
تستطيع أنجيلا ميركل أن تحاجج من يرغب في الجدل معها، بأنها لا تزال ملتزمة بما قالته عن أوروبا، قبل أن تدخل هذه القارة في نفق الديون الملتهب (لا المظلم). فهي أعلنت أن أحداً في أوروبا لن يُهمَل ولن يُعزَل، لكن قبل أن تورط نفسها كثيراً في كلام حاسم قاطع لا مجال للمراوغة فيه أو الالتفاف حوله، أسرعت لتقول (قبل الأزمة مرة أخرى)، بأن نجاح أوروبا لا يتم إلا بالعمل الجماعي. وهذا التعبير الأخير، هملامي فضفاض، يوفر مساحات للجدل الذي عادة ما يقدم أفضل المحاور لإضاعة الوقت بل وهدره. فلا توجد صيغة واحدة جاهزة للعمل الجماعي (أي عمل)، لأنه في الواقع نتاج حلول وسط، وفي بعض الأحيان هو وليد تنازلات وتراجعات، وفي أحيان أخرى، يأتي في سياق إهانات، إن وجد من يقبلها على نفسه، وفي الحالة الأوروبية، إن ظهر من يقبلها على بلاده. ولأن الأمر كذلك، لم تعلن ميركل (على سبيل المثال) اتفاقها مع ما قاله الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك قبل سنوات، الذي اعتبر أن بُنية أوروبا، هي فن، ليسرع في القول "إنه فن الممكن".
لا شك في أن ميركل ترغب في تكريس "فن الممكن" في البنية الأوروبية، لكن وفق معاييرها الخاصة، واعتباراتها السياسية الداخلية. ولأن الأمر ليس سهلاً، على الرغم من قدرات بلادها الإنقاذية لعدد من الدول الأوروبية المتهاوية، فليس أمامها سوى التمسك بـ "العمل الجماعي". ولكن مهلاً، هل يفهم الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، آليات ومعايير العمل الجماعي الذي تسوقه المستشارة الألمانية؟ أقول هولاند، لأنه الموازي الأهم لميركل في التعاطي مع أزمة الديون الأوروبية، ولأنه يتحرك وفق خطط، يعتقد أنها الأفضل في عملية الإنقاذ، وقبل هذا وذاك، ليس من أولئك القادة الذين يستسهلون العمل السياسي بشقه الاقتصادي، ويلجأون عادة إلى سياسة رد الفعل. فهو مهاجم شرس يحرص ألا يرتكب الأخطاء، تجنباً للبطاقة الحمراء، التي ستخرجه من الملعب، وتترك "حارس مرماه" بمفرده أمام مهاجمة شرسة أيضاً (ميركل)، لكنها لا تولي اهتماماً كافياً للبطاقات التي يحملها الحَكم. صفراء، حمراء، طرد.. الأمر ليس مهماً، طالما أنها لا تزال اللاعب الذي لا غنى عنه.
هناك "أزمة إجراءات" حقيقية بين فرنسا وألمانيا، حاول المسؤولون في كلا البلدين إبقائها خلف الأبواب المغلقة قدر الإمكان. إلا أن الاختلافات (بل الخلافات) كانت أكبر من أن تُبقي الأزمة ضمن اجتماعات بين الطرفين، الأمر الذي دفع رئيس وزراء إيطاليا ماريو مونتي إلى تنصيب نفسه وسيطاً بين الطرفين، رغم أنه هو نفسه، قد يحتاج إلى وسيط بينه وبين الطرفين المعنيين أنفسهما، عندما "يقرر" أن بلاده تحتاج كما اليونان والبرتغال واسبانيا وايرلندا إلى حزمة إنقاذ، بصرف النظر عن قيمتها وشروطها، وربما مهانتها. ولا يبدو أن وسيطاً كهذا سوف يحقق النجاح، خصوصاً، وأن "أزمة الإجراءات" بين باريس وبرلين ليست اقتصادية بالكامل. هي مزيج بين الاقتصاد المضطرب (هناك من يصفه بالمتهالك) وبين الايدولوجيا السياسية. بين يسار معتدل، ويمين أقل اعتدلاً، مع ضرورة الإشارة هنا، إلى ضرورة عزل اليمين اليوناني تحديداً عن هذه المعادلة. فاعتباراته مختلفة بحكم فداحة وفظاعة أزمة ديون بلاده، وبفعل التداعيات والتخبطات الانتخابية الداخلية.
والمعادلة في الواقع واضحة. الأوروبيون المحافظون يريدون إقرار خطط التقشف في البلدان الأوروبية كلها، وليس فقط تلك التي ترزح تحت وطأة وضربات الديون، في حين يرى الاشتراكيون الليبراليون، أن هذه الخطط هي بمنزلة انتحار سياسي واجتماعي، ويدفعون باتجاه اعتماد ما يمكن توصيفه "تقشف أقل ونمو أكثر". ولكن هل يمكن أن تتحقق هذه المعادلة؟ المدافعون عن هذه الرؤية- الخطة التي تبناها فرانسوا هولاند فور فوزه في الانتخابات الرئاسية، يؤكدون بأنه يمكن أن يتحقق النمو المطلوب، دون أن تصاب الشعوب الأوروبية بالمزيد من الأذى، إذا ما تم طرح سندات الخزانة الأوروبية. لكن الرافضين (المحافظين) يؤكدون في الوقت نفسه، على أن عدم إحكام القبضة على ضبط الموازنات العامة، يعني ببساطة أن كل الخطط ستكون بمهب الريح، وسترتفع فداحة أزمة الديون، بل ستزيد من وحشية عدواها، وسرعة انتشارها في الأرجاء.
ليس أمام فرنسا وألمانيا سوى الاتفاق. لكن السؤال يبقى، الاتفاق على ماذا؟ على "العمل المشترك" شرط ألا يكون بمفهوم المستشارة الألمانية، وبصيغة أخرى "العمل المشترك الممكن". وهو في الواقع يمثل رمزاً مشتركاً لرئيس فرنسي اشتراكي حالي، وآخر يميني محافظ سابق. إنه يوفر لميركل حلاً أعلى من الوسط، الأمر الذي تحتاجه هي شخصياً على الصعيد السياسي الداخلي الآن في بلادها. فمستشارة ألمانيا هي الوحيدة المتبقية من زعماء أوروبا الذين انفجرت الأزمة الاقتصادية العالمية في وجوههم، والتي فجرت معها أزمة ديون تاريخية، في قارة لا تزال تصنع التاريخ بأشكاله المختلفة.

لا تريدون حماية السوريين.. احموا اموالهم

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"اللصوص الصغار يشنقون من رقابهم، واللصوص الكبار ينشقون من مَحَافظهم"
                                                                                                     مثل لا تيني 


كتب: محمد كركوتــــي


كلما اقتربت النهاية الحتمية لنظام سفاح سورية بشار الأسد، كلما ازدادت وتيرة تهريب ما تبقى من أموال الشعب السوري التي تتعرض للسرقة بكل أشكالها منذ الأسد الأول إلى الأسد الثاني والأخير. فعند العصابات لا معنى لمصير المكان الذين يمتلكونه كرهاً، وبالتأكيد لا قيمة لحياة من يعيشون فيه ظلماً، ولا أهمية حتى لأولئك الذين تعاونوا معها على المستويات الدنيا.. المهم النجاة بأرواح قادتها وبالأموال المنهوبة، ولا بأس من ضم بعض المخلصين لها من الكبار في عملية الفرار، والبحث عن ملاذات آمنة لها، وبعد ذلك لهم. فالمشهد السوري المروع على مختلف الأصعدة، لم يمنع حتى أولئك الذين يحسبون كلماتهم قبل إطلاقها، وحركاتهم قبل الإيماء بها، من الخروج عن الثوابت اللفظية خصوصاً حيال القضايا المتفاعلة. فلم يجد رئيس فرنسا فرانسوا هولاند توصيفاً لنظام الأسد (أكثر دلالة) من "أنه نظام حقير". وعندما عبرت لأحد كبار مساعدي هولاند، عن إعجابي بالجرأة السياسية اللفظية لرئيسه في هذا التوصيف، رد مندهشاً.. هل لديك توصيفاً أمثل للأسد؟!
لا أعرف إذا كان للأسد و (عصابته) مساحة من الوقت لـ "توضيب" حقائبه قبل الفرار، إذا ما نجا فعلاً من عدالة الشعب السوري، وتمكن من إنقاذ رقبته. الذي نعرفه جميعاً، أنه (على طريقة رؤساء وقادة العصابات)، يقوم بتهريب وتخزين الأموال المنهوبة من السوريين، ليس بمساعدة المهربين وقطاع الطرق والخارجين عن القانون والأخلاق فحسب، بل أيضاً بعون ودعم كبيرين من بعض الحكومات التي تعيش وَهْمَ إمكانية بقاءه في سلطة لم تكن له شرعية فيها، أباً عن ابن، وشحبيحاً عن مرتزق، وقاتلاً عن مجرم. حكومات مثل الروسية واللبنانية والإيرانية والفنزويلية. بل هناك معلومات (لم تتأكد بعد) عن انضمام حكومة روبرت موغابي الذي فاز باليانصيب الوطني في زيمبابوي إليها! فتعاون العصابات (بمن فيها حتى المتخاصمة منها) يكون حتمي عندما تتعرض للحصار والمكافحة. هكذا فعلت في السابق أسر المافيا في الولايات المتحدة، وهكذا تفعل العصابات في كل مكان. المهم بالنسبة لها، ألا يتم القضاء على الشر الذي تعيش به ومنه.
أمام الشعب السوري الآن مهمة كبرى، تضاف إلى مهمته الفردية في إسقاط الأسد وعصابته. مهمة لن تكون سهلة، وليست قابلة للإنجاز في وقت قصير. وهي تفرض على جميع القوى الدولية مسؤولية كبيرة وأخلاقية لمساعدة هذا الشعب، الذي قرر العالم (حتى الآن) أن يتركه بمفرده عالقاً، بين "هجوم" دولي صوتي لفظي على الأسد، وبين الآلة العسكرية الوحشية لهذا الأخير. هذه المهمة تكمن في حصر وجلب الأموال التي نهبها الأسد الأب والابن، والأم والأخت، والعم والخال، إلى آخر الأسرة وتوابعها.. وتوابع توابعها. وإذا كان العالم قرر عدم مساعدة الشعب السوري، في الحرب التي يخوضها بالنيابة عن الإنسانية جمعاء، عليه على الأقل تقديم العون في استرجاع ما يمكن استرجاعه من أمواله المسروقة. فهذه المهمة لا تحتاج إلى قرار من (الرهينة الروسية) مجلس الأمن الدولي، بل إلى أوامر تصدر في لحظات، شرط ألا تكون أوامر صوتية.
تكفي الإشارة هنا، إلى أنه في الستة أشهر الأولى من الثورة الشعبية العارمة التي تجتاح سورية، تمكن الأسد من تهريب ما يزيد عن 23 مليار دولار أميركي، إلى الدول الصديقة له رسمياً وليس شعبياً. ومنذ إطلاق مبادرة المبعوث الدولي العربي كوفي عنان إلى سورية قبل شهرين تقريباً ، وبصرف النظر عن كونها ولدت ميتة ( وعند حتى المعجبين بالمبادرات، ولدت مشوهة)، فقد تمكن سفاح سورية من تهريب ما يقرب من 4 مليارات دولار أخرى. أي أنه في عام ونصف العام تقريباً هرب ما يزيد عن 27 مليار دولار من أموال السوريين المنهوبة، أو ما يوازي 2 مليار شهرياً. غالبية هذه الأموال كانت في خزائن البنك المركزي، الذي نزع عنه الأسد الأب الصفة الوطنية، ودغمه بالصفة الأسرية.
وإذا اعتمدنا على التقديرات التي اتفقت حولها غالبية الجهات المتابعة لاستراتيجية نهب سورية، حيث تأرجحت بين 30 و40 مليار دولار، فإن الأسد هرَب في 15 شهراً أكثر من ثلثي ما يُعتقد أنه هربه إلى الخارج في غضون 40 عاماً. وأقول الأسد لا عصابته، لأن الأموال التي نهبتها هذه الأخيرة، لا تدخل ضمن التقديرات المشار إليها. وقد تفيد الإشارة هنا، إلى أن ما نهبه محمد مخلوف خال الأسد (لوحده)، يصل إلى 12 مليار دولار أميركي. على كل حال، لا يمكن ترك هذا الأمر إلى ما بعد السقوط الحتمي للأسد وأسرته ونظامه الطائفي، فلا يزال السوريون يتعرضون للنهب والسرقة في غمرة تعرضهم للإبادة الجماعية التي أتاحها العالم. وإذا كان هذا العالم لا يرغب في مساعدتهم في حفظ حياتهم أمام هذا النظام الوحشي، ليساعدهم على الأقل في حفظ مستقبلهم الاقتصادي، بمالهم المنهوب. فالسوريون لا يطالبون بمعونات ومساعدات مالية، بل يطلبون أموالهم التي  سُلبت منهم في سياق قتلتهم الممنهج.

الثلاثاء، 5 يونيو 2012

من قال إن اليورو منيع؟!

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

"شكراً لليورو.. هو دليل قوي على الهوية الأوروبية. علينا أن نبني على ذلك، ونجعل من اليورو أكثر من عملة، ومن أوروبا أكثر من منطقة جغرافية"
لوران فابيوس وزير المالية الفرنسي الأسبق، ووزير الخارجية الحالي

كتب: محمد كركوتـــي
 
لا أعرف إذا كان لوران فابيوس، لا يزال متمسكاً برؤيته الخاصة باليورو والهوية والجغرافيا الأوروبية وما يرتبط بها. فقد أطلق هذا الاستنتاج-الرؤية في عام 2000، عندما كان وزيراً اشتراكياً للمالية في حكومة تحت قيادة جاك شيراك الرئيس اليميني، مع ضرورة الإشارة هنا، إلى أن يمين فرنسا ليس –مثلاً- كيمين بريطانيا حيال أوروبا، في رؤيته للوحدة الأوروبية. فالأول متناغم معها إلى أبعد الحدود، بل ومقاتل شرس من أجلها، والثاني معطل لها قدر الإمكان. اليوم يعود فابيوس إلى "مطبخ" الحكم الفرنسي وزيراً للخارجية، في ظل فروقات ومفارقات تاريخية هائلة بين ما كانت عليه أوروبا قبل 12 عاماً، وما هي عليه الآن. فاليورو (الطفل) الذي ولد في عام 2000، وجلب معه الفرحة التي ينشرها المواليد في الأجواء، ضلل الجميع –دون استثناء- ببهائه وقوته ونضارته وجاذبيته.. بل وجماله، إلى درجة أن خاف البعض عليه من حاسد بريطاني هنا، وآخر أميركي هناك. فقد كان يكفيه "الحُساد" الأوروبيون القابعون في شرق القارة، الذين كانوا ينتظرون دورهم لحجز أمكنتهم القريبة منه اقتصادياً وتشريعياً واجتماعياً.

الفرحة بولادة اليورو، أنست المبتهجين، بأن هذا المولود يحتاج كغيره من المواليد، إلى لقاحات مانعة للأمراض والأوبئة، خصوصاً تلك المُعدِية. وربما كان سبب ذلك، هو من فرط اعتقادهم بأنه منيع أصلاً، لا يمكن أن يطاله وباء اقتصادي أو مرض مالي أو حتى "نزلة برد" مصرفية. فقد كانوا يظنون أن مناعته مكتسبة وليست مستوردة. هي جزء من التكوين! وإن وجد من يتنازل منهم ويعترف بأن اليورو (مثل بقية المواليد، بل وحتى الكبار) يمكن أن يتعرض لـ "نزلة برد"، فقد تعاطوا مع هذا الأمر وفق المفهوم الإنجليزي لهذه الوعكة الصحية العادية، بأنه يمكن الخروج منها خلال أسبوع بالدواء، وفي سبعة أيام بلا أية عقاقير. كانوا يتعاطعون مع "المناعة" المتصَوَرة لديهم، بمنزلة رصيد لا يمس لليورو، تماماً مثل الأرصدة المالية والاحتياطيات من الذهب التي تسند العملات المتداولة، دون أن ينتبهوا، إلى أن دورة الاقتصاد تمر بمراحل من الازدهار والكساد، وفي حالة الاقتصاد العالمي المنفلت الذي ساد الساحة على مدى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، تمر الدورة بمرحلة الخراب الحتمي. وهذا ما حدث بالفعل، عندما أزاح الانفلات، كل معايير الانضباط، وأوجد الأزمة الاقتصادية العالمية.

لقد تحول السؤال الذي طرح في عام 2000 كيف يمكن أن نجعل اليورو أكثر من عملة.. أوروبياً؟ إلى مجموعة مريعة من الأسئلة، ليس فقط حول العملة الأوروبية، بل حول الشكل الأمثل للاتحاد الأوروبي! والبعض المتطرف يتحدث عن ضرورة إجراء عمليات "تجميل" لهذا الاتحاد، بعد أن أصابه اليورو بالتشوه. ويتصدر هذه الأسئلة.. السؤال المخيف، هل ينفرط عقد منطقة اليورو؟ وبصورة ألطف، هل تخرج اليونان وربما بعدها اسبانيا من هذه المنطقة؟ وهل هناك تحضيرات جارية لاحتواء عواقب خروج اليونان؟ هل يدير قادة أوروبا أزمة اليورو جيداً؟ حسناً.. هل يستطيع البنك المركزي الأوروبي القيام بدور الحكومات وإحلال النمو المالي والازدهار الاقتصادي؟ هل يمكن لألمانيا المنقِذة مواصلة الضخ المالي إلى أجل غير مسمى؟ والسؤال الأصعب، هل تتحمل ألمانيا نفسها انهيار بعض دول اليورو؟ هل تنتشر العدوى في دول أخرى من منطقة اليورو؟ لماذا لا تفرض الدول التي لا تزال قادرة، الوصاية على تلك الغارقة في ديونها وأزماتها السياسية الداخلية؟ أين الرؤية المستقبلية للمنطقة؟

الأسئلة كثيرة ومخيفة، ولا يوجد على الساحة الأوروبية (على الأقل الآن) من يستطيع الإجابة عليها، أو على بعض منها. ورغم أن غالبية قادة منطقة اليورو الحاليين، جاؤوا ما بعد غرق المنطقة في ديونها، إلا أنهم لم يقدموا أية حلول ناجعة أو مقنعة في سبيل انتشالها من الغرق. ولهذا السبب بدأت تظهر أسئلة حول أهلية هؤلاء في إدارة الأزمة-الكارثة. والحقيقة أن التمنيات بتماسك منطقة اليورو والحفاظ على أعضائها (بما في ذلك العضو اليوناني)، لا توفر إلا الأوهام، خصوصاً في ظل مشاكل عديدة متصاعدة ليس في الدول الأكثر إصابة فحسب، بل في تلك التي لا تزال العدوى بعيدة عنها، بصرف النظر عن مساحة بُعدها.

كانت الأزمة الاقتصادية العالمية السبب في كل الخراب الذي شهده ويشهده العالم منذ انفجارها في عام 2008. وقد ساهمت الثقة المُبالغ فيها بصحة اليورو في استفحال أزمة منطقته. فإذا كانوا (وهو في سن الثانية عشرة) يتحدثون عن مصيره، فكيف الحال عندما يصل إلى مرحلة الشيخوخة؟! لقد حان زمن الواقعية الاقتصادية في كل مكان، ويكفي العالم أجمع، أنه عاش أوهاماً اقتصادية، تحولت إلى كوابيس، بعد أن جعلت الظلام يسود في عز النهار.

مصبغة الأسد لغسيل الأموال

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"أهمية إيجاد الشهود توازي أهمية القبض على المجرمين"
سايمون وايسنتال محقق في الجرائم النازية

 
كتب: محمد كركوتــــي
 
يقف سفاح سورية بشار الأسد، بجدارة وامتياز في قائمة المجرمين الذين اكتسبوا توصيفهم الإجرامي، بصورة كاملة. ويرتفع عن بعض هؤلاء (في التاريخ) درجة، في أنه ورث الإجرام إبناً عن أب. بينما الأمر لم يكن كذلك، في حالة النازي هتلر، والفاشي موسوليني، والهمجي تشاوسيسكو، والمجنون القذافي، والسادي ميلوسوفيتش.. إلى آخر المجرمين الذين كان مرورهم في التاريخ الإنساني عاراً على البشرية جمعاء، ومصائب عليها لم تنته حتى اللحظة. والمجرم الكامل الأوصاف، هو القاتل والسارق. هو المغتصب لحقوق ليست له، ولحياة لا يملكها. هو ليس خارجاً عن القانون فقط، بل عدو له. وإن كان هناك من قانون خارج عن سيطرته، فهو يزدريه. وبشار الأسد، الذي قتل وعذب واعتقل ودمر وهجر وسرق ونهب، وارتكب الفظائع (بحكم قوانين الوراثة، و"محركات" الـ دي إن إى)، هو أيضاً غسل (ويغسل) الأموال المنهوبة من الشعب السوري، بل ومن شعوب أخرى (العراقيون في مقدمتهم)، وتلك الناتجة عن الجرائم المختلفة، من زراعة وتجارة المخدرات، إلى الإتجار بالسلاح، مروراً (طبعاً) بالتهريب، وتشكيل العصابات المتنوعة إجراماً، وتزوير العملات وطباعتها بدون سند، والرشى، إلى آخر تلك الجرائم التي لا تنتهي.

وعلى هذا الأساس، جاء قرار السلطات السويسرية مؤخراً بالتحقيق في عمليات تبييض الأموال لحساب نظام الأسد متأخر كثيراً، وذلك في سياق تقاعس سويسرا التاريخي في التعاطي مع عمليات غسيل الأموال التي تعج بها مصارفها، وعلى رأسها أموال شعوب عديدة في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، حيث شكلت تلك المصارف لسارقيها ملاذات آمنة. وقد عاندت سويسرا في السنوات الماضية حكومات دول كبرى، عندما طالبتها هذه الأخيرة، أن تتقدم خطوات إلى الأمام في هذا المجال. وبلغ الأمر حداً، أن هددت الحكومة السويسرية قبل عامين، بتجميد حصتها من الدعم المالي لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الأوروبية، لأن هذه الأخيرة وضعتها في مقدمة قائمة الدول التي لم تتعاون بما يكفي في مجال مكافحة غسيل الأموال. ولعل من المفيد الإشارة هنا، إلى أن تفعيل التحرك ضد سويسرا في هذا المجال، لم يأت إلا بعد انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، مما تزيل عنه بعضاً من أخلاقياته.

أعود إلى بشار الأسد والعصابة التي يحكم بها سورية. فهذا الأخير لديه "مصابغ" أخرى كثيرة إلى جانب "المصبغة" السويسرية. ولأنه يمارس الكذب كاستراتيجية مصيرية له، لم يتردد بين الحين والآخر في إصدار مراسيم جمهورية لماذا؟ لمحاربة غسيل الأموال في سورية؟! آملاً في إقناع العالم بأنه محارب شرس لهذه الجريمة المتخصص بارتكابها (مرة أخرى) ابناً عن أب عن عم عن خال.. إلى آخر الروابط العائلية. فقد أصدر في العام 2003 مرسوماً تشريعياً بهذا الخصوص، عدله بآخر في العام 2005، وكل بند فيه ينطبق على الأسد وعصابته في دائرتيه الضيقة جداً أو في تلك الأوسع قليلاً جداً أيضاً.

الأموال غير المشروعة هي تلك الناتجة عن ارتكاب الجرائم التالية، حسب المراسيم "الأسدية": 1- زراعة أو تصنيع أو تهريب المخدرات.. فمنذ سبعينات القرن الماضي، وأسرة الأسد تسيطر على هذه "الصناعة" القاتلة، ليس في سورية فحسب بل وفي لبنان "الناشط" أصلاً فيها. 2- الأفعال التي ترتكبها جمعيات الأشرار.. لنتذكر استيلاد الأسدين المتواصل لعصابات أخذت شكل تنظيمات، ومن بينها حزب الله الشيعي الإيراني في لبنان، وفتح الإسلام، والجبهة الشعبية –القيادة العامة، والميليشيات العراقية وغيرها. 3- جرائم الإرهاب.. عمليات ممولة ومدعومة من الأسدين، تعدت الأراضي السورية لتشمل لبنان والعراق والأردن وتركيا ودول الخليج العربية، وعدداً من البلدان الأجنبية الأخرى. 4- تهريب الأسلحة والذخائر والمتفجرات وتصنيعها أو الإتجار بها.. مرتبط مباشرة بالبندين الثاني والثالث. 5- سرقة المواد النووية أو الكيماوية أو الجرثومية، أو تهريبها أو الإتجار بها.. هذه الجريمة خاصة بعدد قليل جداً من الأسرة الحاكمة في سورية، نظراً لحساسيتها الدولية. 6- سرقة واختلاس الأموال العامة أو الخاصة.. الأدلة في هذا المجال تحتاج إلى مجلد كامل، ولاسيما أن هذا النوع من الجرائم ارتُكب بصورة متواصلة على مدى أكثر من أربعة عقود. 7- تزوير العملة.. لم يكتف الأسد الأب والابن بارتكاب هذه الجريمة على مدى سنوات، بل أضافا إليها طباعة الأوراق النقدية بدون سند أو رصيد، مما دمر الاقتصاد السوري المنهوب أصلاً. 8- سرقة الآثار.. ظلت هذه الجريمة حكراً على أفراد عائلة الأسد فقط. 9- جرائم الرشوة والابتزاز.. هي جزء أصيل من الحراك "الاقتصادي" السوري. 10- تزوير حقوق الملكية الفكرية.. تجاوز الأسد وعائلته والمقربين منه التزوير إلى السرقة العلنية لهذه الحقوق.

لا تمثل "المصبغة" السويسرية التي يغسل فيها الأسد الأموال المنهوبة، وتلك الناتجة عن الجرائم المختلفة التي يرتكبها منذ أربعين عاماً، أهمية كبيرة. فـ "مصبغته" الخاصة بفروعها المنتشرة حول العالم، ولا سيما فرعيها اللبناني والإيراني، توفر ناتجاً مالياً مريعاً، يفوق ذاك الذي تنتجه له "السويسرية". إنها المصبغة الوحيدة التي تعمل بالآلام والدماء، لا بالكهرباء.

الثلاثاء، 22 مايو 2012

كلهم في الهم غرب

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"الديون هي عبودية الأحرار"
ببليليوس، كاتب وفيلسوف روماني من أصل سوري

 
كتب: محمد كركوتــــي
 
المكان: منتجع "كامب ديفيد" في الولايات المتحدة الأميركية. المناسبة: قمة مجموعة دول الثماني. مع نظرة ازدراء ثاقبة "محترمة"، صافح الرئيس الفرنسي الجديد فرانسوا هولاند جاره رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون. كان يريد أن يقول له: كيف تتجرأ وترتكب خطأً، لا يرتكبه إلا القادة الأغبياء، أو في أفضل الأحول.. الهواة، عندما أعلنت "رسمياً" تأييدك ودعمك العاطفي لغريمي في الانتخابات نيكولا ساركوزي؟ عرفت مبكراً أنك لاترغب بي رئيساً لفرنسا، وإلا لكنت استقبلتني كزعيم للمعارضة في بلادي، وفق ما هو متبع عندكم، عندما زرت بلادكم. ليس مهماً ماهية رغبتك، فالشرعية لا تكون منك، بل هي من صنع الفرنسيين أنفسهم. يا جاري كاميرون، لماذا نسيت ما قاله بوب ديلان في إحدى أغنياته الشهيرة "لا تتحدث مبكراً، بينما العجلة تدور. فالخاسر الآن قد يكون الفائز لاحقاً"؟! أحسب أنك عشت شيئاً من أجواء شعره في ستينات القرن الماضي.

كان هولاند يريد أن يقول: يا "مستر" كاميرون، لا معنى لتبرير، ربما ترغب في إخراجه، كما لا معنى لأن أستمر فيما أقوله لك. الشيء الأهم الآن وغداً، هو كيفية تنفيذ خطة إنقاذ، تسمح لقارتنا (أوروبا) أن تتنفس "تحت الماء" دون أن تغرق. لنتمسك بالشطر الأول من بين نزار قباني الشعري، ولندع العشاق يغرقون، فنحن لسنا منهم. أضف إلى ذلك، أننا لا نتمشى في طريق العشاق هنا. نحن في "كامب ديفيد" وأنت تدرك (بالتأكيد) ما "كامب ديفيد". نحن نريد حلاً جامعاً لكارثة ومصيبة وهم الديون، لا حلاً منفرداً كما حدث في نفس المكان في سبعينات القرن الماضي. علينا أن نستغل وجود رئيس أميركي، اعتبر الإشراك آلية من آليات الحلول، لكل المشاكل الاقتصادية والسياسية أيضاً. دعك من جيمي كارتر الذي كان يريد حلاً بأي صورة، ولنترك بيل كلنتون الذي رغب بالحل بأفضل الصيغ، وبالطبع دعنا من جورج بوش الابن، الذي سعى لحل "مُمشكل"، لتلك القضية العربية المحورية، المنزوية في أحد أركان "كامب ديفيد". بالمناسبة يا "مستر" كاميرون هل عثرت عليها في نزهتك الصباحية (أو المسائية) هنا؟ لقد فشلت وفريقي في تحديد مكان اختفائها.

كان هولاند يريد أن يقول: يا رئيس وزراء حكومة "الرأس ونصف" في بريطانيا، اعذرني، ما كان علي أن أستعيد في "كامب ديفيد" حتى ذكريات المنتجع، لأننا في مصيبة حقيقية، تجعلنا أصغر مما كنا، تعيدنا صفاً أو صفين (أو ربما ثلاثة صفوف)، في كل القاعات التي تصدرنا مقاعد الصف الأول فيها، على مدى أكثر من ستة عقود، وقبلها قرون بأشكال مختلفة.. احتلال، انتداب، وصاية، علاقات خاصة جداً. لنترك الذكريات، إلى ما سيصبح ذكريات حاضرة إلى سنوات (بل عقود). لقد أتينا إلى "كامب ديفيد" ويستحق على اتحادنا (الاتحاد الأوروبي) 11 ألف مليار دولار أميركي، لا زيمبابوي ولا اكوادوري ولا فيجي. عذراً لقد أخطأت، هذه الأموال الهائلة هي ديون على دول منطقة اليورو، وليس الاتحاد، ولكن أليست بريطانيا (غير "اليوروية") مدينة بأكثر من 1500 مليار دولار أميركي؟ إذن.. كلنا في الهم غرب.

كأن هولاند يريد أن يقول لـ "المستر" كاميرون: ألم تقف ضد صديقك (ساركوزي) الخاسر أمامي، عندما طرح وزملائه الأوروبيين خطة الضبط المالي، من أجل المساعدة في تخفيف جبال الديون عن منطقة اليورو خصوصاً والاتحاد الأوروبي عموماً. لا غرابة إذن، في وقوفك ضد فرض ضرائب على التحويلات المالية، من أجل تحقيق الهدف نفسه. ألم تهدد باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد فرض ضريبة كهذه في مختلف أنحاء أوروبا؟ لقد ذكرتني بفلاديمير بوتين الذي يرفع سيف الفيتو الروسي في مجلس الأمن، من أجل حماية سفاح سورية بشار الأسد، مع اختلاف الحالة طبعاً، ومع اتفاقنا (ربما الوحيد) على همجية هذا السفاح. كأن هولاند يقول لكاميرون: كنا جميعاً في سفينة واحدة لا تقهر، تصارع الأمواج مهما علت.. تكسرها على جوانبها، لكننا في ظل مصائبنا الاقتصادية-المالية، أصبحنا في قارب، لا يصمد أمام موجة "لطيفة" واحدة. وعندما "يتعولم" الهَم، لا معنى للوطنيات، فكيف الحال والهَم محصور بصورة لا تشبهها أخرى في قارتنا؟! عليك ألا تنسى، أن قادة هذه القارة الذين "تواجدوا" في الأزمة الاقتصادية العالمية، سقطوا الواحد تلو الآخر، وكان آخرهم صديقك ساركوزي. حسناً، لم تكن منهم، ولكن لا غرابة في أن تنضم إليهم، ومعك من؟ معك أنا شخصياً.

كأن هولاند يريد أن يقول لكاميرون: لم نرتكب الأزمة الكبرى، ولكن قبلنا أن نرثها. دعك من الحب الغائب والمودة المفقودة بيننا. ورغم أنك لست "ثاتشرياً" –نسبة لمارجريت ثاتشر- تماماً، إلا أنك لا تزال تؤمن بأن إنقاذ الدول من أخطاء كارثية ارتكبتها حكوماتها، يبرر عصر مواطنيها معيشياً. لكنني أرى عكس ذلك. علينا أن نعصر الحكومات، ونخفف عن الشعوب. يكفي أن مواطنينا يسددون فواتير "سلع" قاتلة، لم يشترونها أصلاً.

الاثنين، 14 مايو 2012

عقوبات موحدة ضد اقتصاد الشر

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"أهمية عدم التعاون في الشر، هي بأهمية التعاون في الخير"
الزعيم الهندي ماهاتما غاندي

 
كتب: محمد كركوتــــي
 
لا يختلف التعاون بين نظام سفاح سورية بشار الأسد، ونظام الملالي في إيران من حيث الجوهر، عن التعاون الذي صبغ العلاقة بين نظامي النازي الألماني أدولف هتلر والفاشي الإيطالي بنيتو موسولوني. فالتعاون الأول (كما الثاني) هو ببساطة "تعاون الشر"، وبصورة أوسع، هو تعاون من أجل القتل والتدمير وارتكاب الفظائع. والأول، هو تعاون مريع لبسط نفوذ إيراني خبيث، على المنطقة العربية كلها. وليس أفضل من أداة عربية مساعدة لتحقيق هدف وُضع أصلاً على أمل إنجازه منذ أكثر من 3000 سنة. وفي المجمل، فالثنائي الأسد-خامنئي، هما نسخة حديثة متطورة في الأدوات للثنائي هتلر- موسوليني، مع الفروقات الجغرافية والتاريخية، وشيء من السياسية. وكما كان ينقص هذين الآخيرين إعلان الاتحاد بينهما، كذلك الأمر بالنسبة للثنائي الآخر، بصرف النظر عن طبيعة التعاون التي وصلت إلى المستوى الاتحادي، دون إعلان رسمي، خصوصاً عندما يكون هذا الإعلان.. تحصيل حاصل.

قبل الإمدادات المالية الإيرانية المباشرة للأسد لمساعدته على استكمال حرب الإبادة التي يشنها ضد الشعب السوري، في ظل تقاعس دولي وسط "جحيم" لا حدود له، "صنعته" حرب الكلمات التي تشنها دول أعلنت صداقتها لهذا الشعب! كانت هناك إمدادات القتل بتوريد قُطاع الطرق والمرتزقة الذين ما أن يصلوا إلى سورية، حتى يحصلون على وظيفة "شبيحة"، ومعها يأتي خبراء قتل الأبرياء فقط. وبعدها جاءت اتفاقية التجارة الحرة بين نظامي طهران ودمشق، وفي سياقها انتعش التهريب ونمت معه الصفقات التجارية الالتفافية على العقوبات الأميركية والأوروبية والعربية، وانتعشت عمليات المقايضة. وقبل هذا وذلك وفر نظام الملالي الملاذ الآمن للأموال المنهوبة من الشعب السوري، بما في ذلك الذهب، بل وحتى تسهيلات بتخزين النفط السوري المنهوب. ولا شك في أنه سيوفر ملاذاً آمناً للأسد وعصاباته عندما يسقطه السوريون. والذي لا يرى بأن سقوطه هو مسألة وقت، فهو بالتأكيد يعيش وهم التمنيات، أو أنه لا يتابع إلا القنوات الفضائية الأسدية، التي تنقل كاميراتها مشاهد من قلب المدن السورية تصاحبها موسيقى حالمة، تُستخدم عادة في مقاه يرتادها العشاق!

لا أعرف لماذا لا تهتم الدول التي فرضت عقوبات على الأسد، بصفقات شراء الحبوب التي يعقدها هذا الأخير عبر إيران؟! على الرغم من أن العقوبات المفروضة كلها لا تطال المواد الغذائية الأساسية. فقد فُرضت أصلاً للتضييق على الأسد وعصاباته، على أمل أن يتوقف عن قتل شعبه، وبالتالي فإنها لا تستهدف الشعب على الإطلاق. وهذه الصفقات مريبة، فمن خلالها تعقد صفقات أخرى لتوريد بضائع ومنتجات تشملها العقوبات، ويتم الاحتيال بنقل الأموال، التي يفترض ألا تنقل من داخل سورية. ويستغل الأسد ومعه إيران، ثغرات عدة في هذه العقوبات، بما في ذلك عدم إقدام الدول التي فرضتها، على ربط مباشر بين مؤسسات وشخصيات سورية وإيرانية. والأمر أيضاً ينطبق على مؤسسات وشخصيات لبنانية وعراقية، وكلها توفر قنوات احتيالية خطيرة، تخفف من إحكام الطوق الاقتصادي حول عنق الأسد وعصاباته.

لقد ارتفع حجم التبادل التجاري المعلن بين دمشق وطهران منذ انطلاق الثورة الشعبية السلمية العارمة في سورية، إلى معدلات كبيرة وسريعة جداً، يفوق مرتين حجمه على مدى عقد كامل من الزمن، رغم العلاقات الخاصة والخبيثة التي ربطت النظامين الحاكمين في البلدين. وفي أوج الثورة السورية، والحصار الاقتصادي المفروض على الأسد، وجد هذا الأخير مساحة لإقامة معرض للمنتجات السورية في إيران، شاركت فيه 300 شركة سورية! وعلينا أن نتخيل فقط الثغرات التي أحدثها هذا المعرض في العقوبات، ناهيك عن الصفقات السوداء المباشرة وغير المباشرة التي تمت بين الطرفين، والتي تتم في مرحلة لاحقة بين إيران وأطراف أخرى. ورغم أن إيران نفسها تخضع لسلسلة من العقوبات الدولية عليها بسبب برنامجها النووي الخطير، إلا أنها لا تزال تستطيع أن توفر "أوكسجيناً" اقتصادياً للأسد. وتكفي الإشارة هنا إلى الشركات الوهمية (والأفراد) التي تعمل لحساب نظام الملالي حتى في قلب الدول الغربية "الثائرة" اقتصادياً عليه.

قبل الثورة السورية، كان يجمع كلاً من دمشق وطهران اقتصاد خاص بنظامين لا بشعبين، وبعدها أصبح اقتصاد خاص بإنقاذ نظام وقتل شعب كامل. وإذا كنا نستطيع تمرير صفقات الحبوب –رغم الشكوك فيها- كيف يمكن (على سبيل المثال) تمرير إمدادات نظام الملالي للأسد بالديزل (أو المازوت)، مقابل تصدير هذا الأخير البنزين إلى إيران؟! والأمر نفسه ينطبق على كل الواردات التي توفر دعماً مباشراً لسفاح سوريا لمواصلة حرب الإبادة.

الذي تشكل بين طهران ودمشق بعد الثورة، اقتصاد الهلاك أو الشر. وهو اقتصاد لا يقل خطورة عن استمرار بشار الأسد في سلطة لم يستحقها في يوم من الأيام. والعقوبات المطلوبة ليست تلك المتعددة الجولات فقط، بل تلك التي تستهدف اقتصاداً واحداً لنظامين متجانسين في الشر.

الاثنين، 7 مايو 2012

الفقر في سورية "ابن" 42 عاماً

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


"الفقر هو أب الثورة"
سقراط فيلسوف إغريقي

كتب: محمد كركوتـــي
 
لو كان سقراط على قيد الحياة، وتابع ما يجري على الساحة السورية، لأضاف كلمة الإجرام إلى الفقر ليكونا معاً والدا الثورة. ولو أراد أن يوسع من مقولته في الحالة السورية، لأضاف إلى الكلمتين، الظلم والقمع والاستبداد والتعذيب والتنكيل، والفصل الطائفي وسرقة المال العام، واستئثار أسرة مجرمة واحدة وتوابعها من الأقربين والمقربين بمصير أمة بأكملها. بل ربما اختصر الأمر وقال: "الأسد هو مُلهِم الثورة ضده". والأسد الابن (كما الأب) احتضن كل سبب يمثل أب وأم وأخ وعم وخال الثورة. أليست أسرة اختصرت وطناً فيها لأكثر من أربعة عقود؟ أليست عائلة ملَكت نفسها حياة أمة بتاريخها وحاضرها، وسعت إلى تسجيل مستقبلها باسمها؟ ربما يأتي ماقالته ماما تيريزا، أكثر توافقاً مع الحالة السورية مما قاله سقراط، عندما اعتبرت "أن الفقر هو أسوأ أشكال العنف". تذكرت الكاتب والأديب الأميركي مارك توين، في مراجعتي اليومية لمؤشر تقاعس المجتمع الدولي، حيال الثورة السورية الشعبية السلمية العارمة التي انطلقت لإسقاط نظام الأسد الوحشي في سياق دفاعها عن الإنسانية، عندما قال:" تذكر الفقر.. إنه لا يكلفك شيئاً".

سأحاول هنا تذكير حكومات الدول التي أعلنت صداقتها للشعب السوري، بالفقر الذي منهجه الأسد الأب والابن، بل ويحاول الابن بائساً يائساً أن يستثمره بعد الثورة للتحايل على العقوبات العربية والأميركية والأوروبية، التي جففت بعضاً من منابع التمويل المالي له. يريد هذا النظام الناهب لكل شيء استغلال الذين فَقَرهم حتى ما بعد فقرهِم! ولذلك أوعز إلى أحد اتحادات العمال (الاتحاد المهني لنقابات عمال الكهرباء والصناعات المعدنية) التابع له، لإصدار تقرير اقتصادي حول الفقر في سورية، تضمن مجموعة من الأرقام، لو صدرت في أي دولة يحكمها نظام شرعي، لسقط النظام قبل أن ينتهي الناس من قراءة التقرير. ولتعرض أركان النظام أنفسهم إلى التحقيق، وربما للمحاكمة. فلا يمكن أن تكون أرقام الفقر في بلد ما بهذا المستوى المرتفع، إذا لم يسبقها فساد وسرقة ونهب وظلم واستحواذ من جانب النظام والمقربين منه. وطبقاً لهذا التقرير المريع، فإن نسبة الفقراء وصلت إلى 41 في المائة، وأن الخطة الخمسية العاشرة التي هدفت إلى خلق 625 ألف فرصة عمل جديدة للنصف الأول من عمرها، لم توفر –حسب التقرير المشكوك فيه دائماً- سوى 277 ألف فرصة. وفيه أيضاً أن نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر الأعلى تصل إلى 30 في المائة (2052 ليرة سورية شهرياً) في حين تصل نسبة خط الفقر الأدنى الى 11 في المائة (1458 ليرة شهرياً). وفي محاولة مفضوحة لمنح هذا التقرير بعضاً من المصداقية، أورَد "أن الحكومة لم تتمكن في خطتها الخمسية العاشرة (2006- 2010) من تخفيض هذه النسبة". غير أن الأرقام الحقيقية للفقر وللذين يعيشون فقراً مدقعاً بكل أشكاله المرعبة وتداعياته الفظيعة، ليست كذلك على الإطلاق. فنسبة خط الفقر الأعلى تصل على الأرض (وليس في التقارير) إلى 50 في المائة، أما نسبته في حده الأدنى فقد بلغت –طبقاً لمصادر محايدة ومعلنة- 17 في المائة. وهذا يعني أن 67 في المائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، أو ما يعادل 13 مليون نسمة تقريباً، من مجموع عدد السكان. وهذا كله ليس ناتجاً عن العقوبات المفروضة على نظام الأسد الهمجي، بل يرجع إلى سلسلة من المراحل التي مر بها الاقتصاد السوري منذ العام 1970 (أي منذ وصول الأسد الأب إلى الحكم بطريقة غير شرعية)، وكانت –كما أشرت في مقالات سابقة لي- على الشكل التالي: "اقتصاد التفقير" و"اقتصاد الفقر ومادونه"، و"اقتصاد التشبيح".

فالفقر في سورية ليس وليد عام أو عامين أو حتى عشرة أعوام، إنه في الواقع "ابن" 42 عاماً. ولأنه ممنهج لا تنفع معه أية خطة للحد منه، وقد فشلت كل الدراسات والمخططات التي وضعتها المؤسسات الاقتصادية الدولية الحكومية والمستقلة، في الوصول إلى أفضل علاج للفقر في سورية، لأسباب عديدة، في مقدمتها بالطبع الفساد والسرقة، وعدم تكافؤ الفرص، والمحسوبية الممأسسة في توزيع الحصص وفرص العمل. وسورية التي يحكمها نظام فريد في وحشيته، هي أيضاً فريدة في فقر مواطنيها. فقد نما هذا الفقر في حالتين اقتصاديتين متضاربتين. الأولى: عندما كان الاقتصاد مغلقاً على كل الشعب، لم تنفع كل المفاتيح لفتحه. والثانية: حين أصبح مفتوحاً على مجموعة "انتخبت" نفسها لتستحوذ على كل ما في. ولعل تكرار التذكير بالحقيقة المفزعة بأن شخصاً واحداً هو رامي مخلوف (ابن خال نظام سفاح سورية) يملك ما بين 60 و65 في المائة من هذا الاقتصاد، توفر الكثير من الكلمات والتحليلات والدراسات، وتختصر قصة اقتصاد كان الأفضل على الإطلاق بين الاقتصادات الإقليمية قبل اغتصاب سورية من عائلة الأسد وتوابعها. بل كان الأكثر مرونة في التناغم مع الاقتصادات العالمية الكبرى والصغرى. يقول أحد الشعراء :" تعجبين من سقمي.. صحتي هي العجب"! فلا عجب في أن يكون أكثر من نصف السوريين تحت خط الفقر.