السبت، 11 فبراير 2012

الليرة السورية والريال الإيراني.. تناغم الخراب

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"هذا ليس إنكاراً، إنني فقط أختار من الحقيقة ما يناسبني"
بيل ووترسون فنان ورسام كاريكاتير أميركي



كتب: محمد كركوتي

حسناً.. ليست الليرة السورية ومعها الريال الإيراني عملة موحدة، وليستا ضمن آلية صرف واحدة، وليستا وليدتان مصرف مركزي واحد، وليستا مرتبطتان باقتصاد مشترك، لكنهما "ملتحفتان" بمصير واحد، فرضته سياسة مشتركة لنظامين، قررا التخاصم الدائم مع المجتمعات المحيطة بهما، وبعدها المجتمع الدولي. كرها التعاون والحوار والحلول الهادئة. والحقيقة أن هذه السياسة ليست سوى سلوكيات مريعة، تستحق بجدارة توصيف "سلوكيات الخراب" نالت من الشعبين السوري والإيراني أولاً وأخيراً. وكما كل الأنظمة التي تختار فقط ما ترغب من الواقع والحقيقة، ولا تتعاطى معهما بكل عناصرهما ونتائجهما ودلالتهما وتبعاتهما ومسراتهما ومصائبهما، كذلك نظامي الأسد ونجاد، اللذان تفرغا للجدل والصراع مع المنطق، ولا بأس من ضربه، سواء سنحت لهما الفرصة أم لم تسنح، بصرف النظر عن النتائج، وهي دائماً، محصلة كارثية عليهما وعلى شعبيهما.

سلوكيات الخراب، أوجدت بصورة طبيعية معها تناغم الخراب، حول كل شيء وأي شيء. ومن الطبيعي أن تكون العملتان السورية والإيرانية في عينه. وإذا كانت العملات–بشكل عام- تشكل رموزاً للهيبة الوطنية، ومن أجل ذلك تسعى الدول بكل ما أوتيت من قوة للحفاظ على مكانتها، فإن الأمر ليس كذلك في حالتي ليرة سورية وريال إيران، فقد أصبحتا رمزاً من رموز الانهيار الاقتصادي، والهموم المعيشية، والمصائب اليومية. أصبحتا جزءاً أصيلاً من آليات التمرد والغضب، التي تقود أوتوماتيكياً إلى عصيان مدني، متعدد الأشكال. ففي شهر واحد فقط خسرت الليرة السورية 20 في المائة من قيمتها، بعد أن خسرت على مدى الأشهر الأربعة التي سبقته قرابة 40 في المائة. وفي الشهر نفسه خسر الريال الإيراني أكثر من 30 في المائة من قيمته. ماذا يعني هذا؟ يعني أن الأسعار ارتفعت بصورة جنونية، وأن المواطن في كلا البلدين، مضطر ليس إلى تقليل حجم مشترياته (بما في ذلك مشترياته من المواد الغذائية الأساسية)، بل إلى التخلي عن عدد منها! ومع كل انخفاض في قيمة العملتين، ترتفع معدلات الغضب لدى الشعبين. وفي الوقت الذي تشهد فيه سورية ثورة شعبية سلمية عارمة، طلباً لحرية اغتصبت فيها على مدى أكثر من أربعة عقود، بدأت بوادر الغضب تظهر في إيران، من خلال صدامات بين أفراد الشرطة ومواطنين في مدينة قم، وتوتر شعبي هنا وآخر هناك، وسط أجواء مشحونة أصلاً من سياسات محلية اقتصادية وغير اقتصادية.

لا شك أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الدول الأوروبية والولايات المتحدة على كل من سورية وإيران، ساهمت بصورة كبيرة في انخفاض قيمة عملتي البلدين، وأن مزيداً منها سيسرع وصولهما إلى الحضيض. لكن هل كانت هذه العقوبات هي السبب الوحيد؟ السبب الأساسي هو السياسات الاقتصادية التي اتبعها النظامين السوري والإيراني على مدى أكثر من ثلاثة عقود، بما في ذلك عمليات السرقة والنهب والفساد. ففي منتصف سبعينات القرن الماضي كان الدولار الأميركي يساوي 2,5 ليرة سورية، وبلغ الآن أكثر من 80 ليرة. وفي الفترة نفسها كانت قيمة الدولار توازي 70 ريالاً إيرانياً، وهي اليوم 18 ألف ريال! المواطنون في كل من سورية وإيران، يقومون منذ أشهر بتخزين المواد الغذائية، ليس خوفاً من فقدانها في السوق، بل تفادياً لارتفاع أسعارها. فما تشتريه الليرة والريال اليوم، لن يشترياه غداً. وغداً يعني بالفعل بعد 24 ساعة، وليس توصيفاً مجازياً. ولأن الخراب الاقتصادي في كلا البلدين بات جزءاً من الأداء العام، فلم ينفع في سورية قرار تعويم العملة، بل جاءت نتائجه عكسية، وفشلت كل المحاولات الإيرانية الرامية لرفع قيمة الريال أو إيقاف تدهوره، بما في ذلك رفع نسبة الفائدة عليه. الذي يحدث، أن السوريين يتخلصون بأسرع وقت ممكن وبأي ثمن كان من عملة بلادهم التي يملكونها، والأمر كذلك مع الإيرانيين.

نعم لقد نجحت العقوبات الغربية المفروضة على نظامي بشار الأسد المتهاوي من جراء قتله لشعبه، وأحمدي نجاد المرتعد خوفاً من تبعات شر أعماله، في رفع وتيرة الغضب الشعبي، لكن التي سبقها في "النجاح"، سياسات اقتصادية لا دخل للغرب ولا غيرهم بها. سياسات وضعت مصالح الشعبين في زيل القائمة، هذا إن دخلت أصلاً إلى القائمة. سياسات لم يكن نظامي الأسد الأب والابن، ومعه نظام الملالي بحاجة إلى إخضاعها للتجربة أكثر من ثلاثة عقود، لمعرفة نتائجها. هذه السياسات أسست لواحد من أسوأ التحالفات في المنطقة، بين نظام سوري غير شرعي، ونظام إيراني يرى الواقع وهماً، ويرى الوهم واقعاً. وها هو الأسد الابن ومعه نظام خامنئي، يقطفان ثمرات هذا التحالف، الذي أوجد –من ضمن ما أوجد- اقتصاداً فريداً من نوعه، مبني على اقتصادين منفصلين لا يشبهان بعضهما البعض، ولا يرتبطان بالحد الأدنى من الروابط المشتركة. فلا غرابة إذن أن تكون النتيجة اقتصاد خراب، نال من شعبي البلدين، وينال الآن من نظاميهما.

بيان تيار التغيير الوطني حول كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بشأن سوريا

اسطنبول...

أيد تيار التغيير الوطني السوري، موقف خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز عاهل المملكة العربية السعودية الشقيقة، الخاص بحالة الأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها، بشأن سوريا. واعتبر "تيار التغيير"، أن الملك عبد الله قدم توصيفاً دقيقاً للحالة البائسة التي يعيشها مجلس الأمن الدولي، فيما يرتبط بسوريا والمجازر التي يرتكبها نظام بشار الأسد اللاشرعي بحق المدنيين العزل، واتخاذ كل من روسيا والصين هذا المجلس رهينة سياسية، في كارثة يومية يعيشها الشعب السوري الأعزل، فرضت على العالم واجباً أخلاقياً، لا سياسياً.

وأكد تيار التغيير الوطني السوري، على أن الكارثة تكمن فعلاً في تحكم عدة دول في قرار عالمي محق، لا يهدف إلا إلى إنقاذ الشعب السوري الأبي من حرب الإبادة التي يشنها عليه سفاح سوريا وأعوانه. معتبراً، أن الواجب الإنساني والأخلاقي، ينبغي أن يتجاوز الاعتبارات السياسية، لأن الفظاعات التي يتعرض لها السوريون العزل بكل شرائحهم وفئاتهم، بما في ذلك القتل والاعتقال والتعذيب والتهجير والتدمير، باتت مسؤولية إنسانية وليست سياسية بأي حال من الأحوال. وأشار "تيار التغيير"، إلى خادم الحرمين الشريفين كان على حق عندما اعتبر أن "ثقة العالم بالأمم المتحدة اهتزت، وأنه لا يمكن أن تحكم العالم عدة دول".

وحيا تيار التغيير الوطني السوري، تمسك الملك عبد الله بن عبد العزيز، بالعقل والأخلاق والإنصاف من المعتدي، كقيم أصيلة ينبغي أن يُحكم بها العالم. لا أن يَحكم هذا العالم من يزدرون هذه القيم والمبادئ. وأشار "تيار التغيير"، إلى أن نظام سفاح سوريا بشار الأسد اللاشرعي، لم يمتلك في يوم من الأيام، الحد الأدنى من الأخلاق لأنه يفتقدها أصلاً وبحكم التكوين، وهو لم يضع مصيره مقابل مصير أمة بأكملها فحسب، بل اعتدى على الإنسانية، بعد أن ازدراها بكل الوسائل الوحشية التي يملكها.

إن الشعب السوري الأبي الأعزل، يدافع اليوم عن الإنسانية وقيمها جمعاء.

10 شباط/فبراير 2012

بيان تيار التغيير الوطني السوري حول قرار الدول الخليجية الشقيقة

أسطنبول....

حيا تيار التغيير الوطني السوري، الدول الخليجية العربية الشقيقة، على قرارها طرد سفراء سوريا من أرضيها، واستدعاء سفرائها في دمشق. مؤكداً أنها تطرد في الواقع سفراء لنظام لا شرعي وحشي، وضع نفسه مقابل أمة بأكملها، بارتكابه فظائع ضد الشعب السوري الأعزل، الذي يقف في وجه آلة القتل لاستعادة حرية سلبت منه منذ أكثر من أربعة عقود. وأشار "تيار التغيير"، إلى دقة توصيف الأشقاء الخليجيين لنظام سفاح سوريا بشار الأسد "بأنه يقوم بأعمال قتل وعنف، لم ترحم طفلاً أو شيخاً أو امرأة، من خلال جرائم شنيعة أقل ما يمكن وصفها بأنها مجزرة جماعية، ضد الشعب السوري الأعزل، دون رحمة أو شفقة أو حتى مراعاة لأية حقوق أو مشاعر إنسانية وأخلاقية". وهذه في الواقع ليست سوى حرب إبادة ضد شعب أعزل إلا من كرامته وعزته.

ودعا تيار التغيير الوطني السوري، الدول العربية الشقيقة الأخرى، إلى اتخاذ خطوات مماثلة بأسرع وقت ممكن، من أجل استكمال عزل هذا النظام الخارج عن كل الشرائع الإنسانية. وطالب الدول التي لا تزال تتعاطى مع هذا النظام كنظام شرعي، أن تعي بأن الرابح الوحيد من هذه الكارثة، رغم كل ويلاتها على الشعب السوري، هو الشعب الأبي نفسه، وأن استمرار نظام كهذا يوماً آخر في سلطة لا يملكها، هو بمثابة عدوان مستمر على المعايير الإنسانية والأخلاقية، لاسيما بعد أن حظي بفرص ومهل ونصائح من كل الجهات العربية والدولية (منذ انطلاق الثورة الشعبية السلمية العارمة)، ضرب بها عرض الحائط.

وطالب تيار التغيير الوطني السوري، جميع الدول العربية الشقيقة إلى تفعيل العقوبات الاقتصادية التي أقرتها جامعة الدول العربية مؤخراً ضد سفاح سوريا وأعوانه، لتجفيف الموارد المالية التي يرصدها لشراء الأسلحة والمرتزقة. مؤكداً على أنه بات من الضروري سحب الاعتراف العربي الرسمي بشرعيته، من خلال تجميد كامل لعضوية سوريا في الجامعة العربية، لا الاكتفاء فقط بتجميد مشاركة وفودها في اجتماعات الجامعة. وفي هذا السياق، رحب "تيار التغيير" بدعوة مجلس التعاون الخليجي الدول العربية في اجتماع مجلس الجامعة العربية المقبل، لاتخاذ كافة الإجراءات الحاسمة ضد نظام الأسد، خصوصاً بعد أن تأكد العرب والعالم (وإن في وقت متأخر)، بأنه لا بارقة أمل في حل سياسي للكارثة السورية.

وثمن تيار التغيير الوطني السوري، ما جاء في بيان مجلس التعاون الخليجي من "شعور بالأسى البالغ والحزن الشديد على هدر الأرواح البريئة، وتكبد التضحيات الجسيمة، لا لشرف الدفاع عن الوطن ضد معتد أجنبي، ولكن لتحقيق مآرب شخصية تهدف إلى الصراع على السلطة دونما أي اعتبار لكرامة المواطن السوري وحريته". وأشار "تيار التغيير"، إلى أن المآرب الشخصية لهذا النظام الوحشي، لم تظهر من جراء الثورة الشعبية السلمية العارمة التي تجتاح سوريا، بل صبغت البلاد من أكثر من أربعة عقود.

7 شباط/فبراير 2012

الاثنين، 6 فبراير 2012

بيان تيار التغيير الوطني السوري حول إخفاق مشروع القرار العربي-الأوروبي في مجلس الأمن

اسطنبول...

دان تيار التغيير الوطني السوري بشدة، استخدام كل من روسيا والصين النقض (الفيتو)، ضد مشروع قرار عربي أوروبي، يهدف إلى وقف حرب الإبادة التي يشنها نظام بشار الأسد اللاشرعي، ضد الشعب السوري الأعزل، بعد 11 شهراً من مبادرات سياسية عربية ودولية لم تتوقف من أجل حقن دماء المدنيين في كل أنحاء سوريا. وأعرب "تيار التغيير"، عن صدمته من تصميم كل من موسكو وبكين، على الوقوف إلى جانب نظام، ضرب عرض الحائط كل المحاولات الرامية إلى حل يضع حداً لحمام الدم، مؤكداً على أن الحق هو دائماً إلى جانب الشعوب، لاسيما الشعب السوري الذي يقدم كل التضحيات لاستعادة حرية سُلبت منه منذ أكثر من أربعة عقود، ولا يملك إلا كرامته وعزته.

وعبر تيار التغيير الوطني، عن امتعاضه من موقف هاتين الدولتين الكبريين، من مشروع القرار الدولي، حتى بعد أن أفرغتاه من محتواه في مشاورات بائسة، على الرغم من أنه بصيغتيه الأولى والمعدلة، جاء متأخراً كثيراً عن التطورات المريعة التي يشهدها التراب السوري، بما في ذلك المجزرة الوحشية التي ارتكبها نظام الأسد في حمص عشية التصويت على القرار المذكور، والتي راح ضحيتها أكثر من 320 من المواطنين العزل. وأشار "تيار التغيير"، إلى أنه ما بين الفيتو الروسي-الصيني الأول والثاني، سقط أكثر من 3000 شهيداً في مختلف المناطق السورية، على أيدي نظام استخدم كل أنواع الأسلحة بما في ذلك الطائرات والسفن الحربية والمدرعات والدبابات. وتساءل، كم من الشهداء ينبغي أن يسقطوا على أرض سوريا، لتجنب فيتو آخر؟

ووجه تيار التغيير الوطني، الشكر إلى الدول العربية والأجنبية التي وقفت سياسياً إلى جانب الشعب السوري، لأنها عرفت أن الشعوب هي التي تبقى في النهاية، مهما بلغت التضحيات والآلام والمآسي. وناشد "تيار التغيير"، الدول العربية الشقيقة، على المضي قدماً بفرض حصار عربي سياسي واقتصادي محكم على الأسد وأعوانه، بما في ذلك تفعيل قرار العقوبات على هذا النظام، الذي اتخذه سابقاً المجلس الوزاري في جامعة الدول العربية. كما ناشد أيضاً الدول الصديقة، بتكثيف الجهود ليس فقط من أجل إنقاذ الشعب السوري من حرب الإبادة، ولكن من أجل حماية القيم الإنسانية أيضاً. فقد أثبت هذا النظام أنه عدو للإنسانية ومعاييرها وأخلاقياتها.
إن استمرار نظام الأسد اللاشرعي، بات يشكل وصمة عار على كل من يحاول أن يمنح هذا النظام فرصة أخرى للنجاة. فالقضية برمتها لم تعد سياسية، بل أصبحت منذ بداية الثورة الشعبية السلمية العارمة في سوريا، قضية أخلاقية.
5 شباط/فبراير 2012

البيان الختامي لتأسيس "تيار التغيير الوطني" في سوريا


الأحد، 29 يناير 2012

من يشتري النفط الإيراني؟

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





"ليس بالضرورة أن يكون الشيء حقيقة، إذا مات أحد ما من أجله"
أوسكار وايلد أديب وشاعر ايرلندي

 
 
كتب: محمد كركوتــــي
 
كما فشل نظامي الأسد في سورية وأحمدي نجاد في إيران، في استجلاب التعاطف الإقليمي والدولي معها، وهما يتعرضان للعقوبات تلو الأخرى، والضغوط المتواصلة، كذلك يفشل هذان النظامان في إيجاد مشترين لنفطهما، حتى في ظل لجوئهما إلى سماسرة دوليين يستطيعون بيع حتى الوهم، و"يعملون البحر طحينة". وبعيداً عن نظام الأسد المتهاوي نفطياً واقتصادياً وسياسياً.. وبالطبع أخلاقياً، أتناول هنا إيران في ظل العقوبات وما بعدها، ولا سيما بعد أن دخل المسؤولون الإيرانيون في مرحلة تهديد الأعداء عن طريق طرف ثالث، لا دخل له بين طهران وهؤلاء الأعداء، وفي ظل تضارب في مواقف المسؤولين، بين مهدد مرة، ومستعطف مرة أخرى، وبين مستكبر حيناً ومستضعف حيناً آخر. والحقيقة، أن هذا التضارب لا يدل إلا على خوف لا حدود له يعيشه المسؤولون الإيرانيون، من سلسلة لن تنتهي من العقوبات حتى يعود هؤلاء إلى رشدهم، وإلى واقعهم.. وإلى حكمة ناطحها نظام الملالي على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، واستطاع القضاء عليها.

فرض حظر على النفط الإيراني، يعني ببساطة أن إيران ستخسر ما لا يقل عن 50 في المائة من دخلها القومي، وهي نسبة لا يتحملها أي اقتصاد في العالم، ويعني أيضاً - سواء قبِل خامنئي ومعه نجاد أم لم يقبلا- أن بلادهما مرشحة لاضطرابات شعبية كبيرة، قد تكون الاضطرابات السابقة مجرد زوابع في فناجين، ويعني المزيد من تدهور قيمة العملة الإيرانية، ويعني وقف تام للاستثمارات المحلية، ويعني استحالة حتى مجرد التفكير في استثمارات ضمن القطاع النفطي، ويعني مزيداً من البطالة، ويعني ضرب التمويل الإيراني لكل من نظام الأسد وحزب الله الطائفي في لبنان، ويعني فقدان السيطرة ليس على النمو، بل على الانهيار الاقتصادي. وبدلاً من أن يقوم المسؤولون الإيرانيون بالحيلولة دون ذلك، والدخول في طريق التعاون والتفاهم الذي وفرته الدول الكبرى، بما في ذلك إمكانية حصول إيران على قوة نووية سلمية خاضعة للرقابة الدولية، يقوم هؤلاء بإطلاق التهديدات، وبتقديم قراءات وهمية (بل وتضليلية) لحقائق مجردة وحاسمة على الأرض.

إنهم يروجون أن سعر برميل النفط سيصل في أعقاب تنفيذ حظر شامل على النفط الإيراني، إلى 200 دولار أميركي، وأن الأسواق ستدفع ثمناً باهظاً نتيجة لذلك. والأمر لا يتطلب خبيراً اقتصادياً لضرب حملاتهم "الترويجية" هذه، لأن ما ستخسره السوق النفطية من نفط إيران، قابل للتعويض بسهولة شديدة، ولأن الاقتصاد العالمي ليس نشيطاً بما يكفي لرفع الاستهلاك النفطي، بل أن تقريراً للبنك الدولي، أشار إلى أن هذا الاقتصاد سيشهد ثباتاً في العام الجاري، خصوصاً وأن التقرير نفسه، أورد بأن الناتج المحلي العالمي، سينخفض في العام الحالي إلى 2,5 في المائة من 2,7 في المائة سجلها في العام 2011. ولعل المفيد الإشارة، إلى أن الاتحاد الأوروبي يستورد 450 ألف برميل يومياً من النفط الإيراني (أو 18 في المائة من مجموع صادرات إيران)، موزعة على كل من إسبانيا واليونان وإيطاليا، وهي دول لا أحد يتوقع حراكاً اقتصادياً متصاعداً لها في السنوات القليلة المقبلة، نتيجة لكارثة الديون الغارقة فيها، يضاف إلى ذلك العبء الاقتصادي الكبير الذي ترزح الدول الأوروبية الكبرى تحته، من جراء محاولات إنقاذ اقتصادات هذه الدول، وغيرها في هذه القارة.

لن يصل سعر البرميل إلى 200 دولار أميركي. ففي زمن ما بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، لم تعد الاحتياطات الهائلة من النفط التي تتمتع بها إيران، تشكل فارقاً على الساحة الاقتصادية، ولا في ميادين الأسواق النفطية، حتى لو امتلكت إيران 9,3 في المائة من الاحتياطي العالمي، و12 في المائة من احتياطيات دول منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبيك). وبدلاً من أن تنشر إيران الخوف الوهمي بهذا الخصوص، عليها أن تجد مشترين لنفطها بأسرع وقت ممكن. فحتى الصين التي تستورد ما يزيد عن 11 في المائة من احتياجاتها النفطية من إيران، بدأت بعقد صفقات بعيدة عن هذا البلد. فثاني دولة في العالم في استهلاك النفط، لا تستطيع أن تربط مصير جزء من احتياجاتها النفطية بدولة متخاصمة دائماً مع المجتمع الدولي، ومشجعة دائمة على عدم الاستقرار الإقليمي، ومحرضة مستمرة على الاضطرابات الخارجية. ولهذا السبب، وفي إشارة خطيرة بالنسبة لخامنئي ونجاد، لجأت الصين مؤخراً إلى استيراد كميات من النفط من فيتنام لأول مرة منذ أكثر من عام، ورفعت من حجم وارداتها النفطية من روسيا، وتحاول بشتى الوسائل أن تكون بعيدة عن آثار الحظر الدولي المفروض على النفط الإيراني. ليس مهماً اعتراض الصين على الولايات المتحدة الأميركية، لفرض الأخيرة عقوبات على شركة صينية تبيع النفط الإيراني. فمثل هذه الاعتراضات لا تلبس أن تتحول إلى اعتراضات صوتية، خصوصاً عندما "يجد الجد".

تطالب إيران دول الخليج العربية باتباع سياسات حكيمة بهذا الصدد، بينما لا دخل لهذه الدول بالبرنامج النووي الإيراني المشبوه، ولا بالعقوبات الغربية. في حين أن المسؤولين الإيرانيين لا يتذكرون آلاف المطالبات الخليجية العربية التي وجهت لهم على مدى ثلاثة عقود، لكي يعتمدوا الحكمة في سياساتهم وسلوكياتهم ونواياهم.

السبت، 21 يناير 2012

بين الأمن الغذائي وأمن الأسد

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"لا أحد يستطيع الكذب، لا أحد يمكنه إخفاء أي شيء، عندما ينظر مباشرة إلى عينيك"
باولو كويلهو أديب ومؤلف برازيلي



كتب: محمد كركوتـــي
 
يطيب لبشار الأسد وأعوانه الحديث عن قدرة سورية في مجال الأمن الغذائي، واستعذب هؤلاء تكثيف حديثهم هذا، في ظل العقوبات التي تفرضها الدول الغربية، وبعض الدول الأخرى على الأسد، بسبب حرب الإبادة التي يشنها ضد السوريين العزل، علماً بأن العقوبات العربية التي أُعلنت، لم تدخل حيز التنفيذ بعد، وذلك لاستكمال "ما تبقى لدى العرب" من مهل وفرص، كانت كافية لإنقاذ أي طاغية على مر التاريخ، رغم العدوان اللفظي تلو الآخر الذي يشنه الأسد على العرب، بما في ذلك التشكيك بعروبتهم، واتهامهم بأنهم ينفذون "مؤامرات بأجندات خارجية"! والمشكلة هنا، أن أحداً لا يعرف الحجم المتبقي من تلك المهل والفرص.

وبعيداً عن هذه الإشكالية التي باتت تحرج العرب يومياً طبقاً لما يجري حقيقة في سورية، فإن الإنكار اليومي للسلطة هناك بأن الأمن الغذائي في البلاد بخير، وأن سورية تفخر بكونها من الدول التي تتمتع بمثل هذا الأمن، لن يغطي على الواقع الخطير للأوضاع الغذائية، وهو يواجه التهديد حقاً، تماماً كما الأمن العام في البلاد، الذي اختصره الأسد بعملياته العسكرية ضد الشعب الأعزل، بأمنه الشخصي وأمن نظامه فقط. فليس مهماً أن تتحول حمص وإدلب ودير الزور وعشرات المناطق الأخرى في سورية إلى محافظات ومدن منكوبة، المهم أن يبقى النظام بكل التكاليف، والمهم أيضاً ألا تتوقف "غزارة" المهل والفرص العربية، التي بات ينظر إليها السوريون الأحرار، على أنها "هدايا بلا مناسبات".

في كل مرة تتعرض فيها السلطة لعقوبات ما، يؤكد الأسد وأعوانه، بأن سورية "محسودة" على وضعها المالي والغذائي خاصة، والاقتصادي عموماً. وكالعادة، فالحقيقة هي عكس ذلك تماماً. والغريب أن نكران الواقع لا يتطلب عناء لدحضه من جانب الشعب السوري أولاً، ومن جهة المتابعين لسير الأوضاع في هذا البلد. فماذا يعني الأمن الغذائي؟ يعني أن تكون البلاد مكتفية من المواد الأساسية أولاً، وأنها قادرة على الحفاظ على مستوى إنتاجها من الغذاء في كل الظروف والأوضاع التي تمر بها، سواء تعرضت للحصار أو الضغوط، أو أنها استُهدفت –كغيرها- من أزمة اقتصادية إقليمية أو عالمية. ولكن ما هو الوضع حقيقة على الأرض؟ سأستعين بأرقام حكومية سورية، لا بأرقام تطلقها "جهات مندسة". تحتاج سورية سنوياً لاستيراد أكثر من مليوني طن من الذرة، و300 ألف طن من الأرز، و800 ألف طن من الشعير، وآلاف الأطنان من السكر، واستوردت البلاد أكثر من 4،6 ملايين من الحبوب مثل القمح والشعير في العام الماضي، وطبقاً لأرقام حكومية أيضاً، فإنها سترفع نسبة استيرادها من هذه المواد الأساسية 700 ألف طن أخرى في العام الجاري. يضاف إلى ذلك، أنها تستورد كميات كبيرة جداً من بذور الحبوب، أي أنها ليست مكتفية ذاتية في هذا المجال. وعلينا أن نتخيل الصورة كاملة، عندما نأخذ في الاعتبار القرارات الاقتصادية الرعناء بوقف التعامل بالدولار الأميركي واليورو واللجوء إلى ماذا؟ إلى الروبل الروسي. فعمليات الاستيراد هذه (وغيرها)، لا تتم إلا بعملات لها قيمتها ووزنها وحصانتها، وبالتأكيد الروبل لا يتمتع بأي منها، وهذا يعني خسائر فادحة إضافية يتكبدها الشعب السوري. ومن جانب آخر، فقد أعلنت منظمة الأغذية والزراعة التابعة (الفاو) للأمم المتحدة، قبل عام ونيف (أي قبل الثورة الشعبية السلمية العارمة في سورية)، أن أسعار المواد الغذائية في سورية، ارتفعت في العام 2010 أكثر من 16 في المائة، وأن أسعار الخضار ارتفعت بنسبة خرافية بلغت 80 في المائة! ومن المتوقع أن تواصل الأسعار ارتفاعها (بما في ذلك أسعار الخبز) في الأسابيع الأولى من العام الجاري.

ينطبق ما قاله الكاتب الأميركي إيرك هوفر قبل أربعين سنة، على حال الأسد وأعوانه. ماذا قال؟ "نحن نكذب بصوت عال جداً، عندما نكذب على أنفسنا". فرئيس السلطة في سورية يعرف الحقيقة كاملة، إلا إذا اعتبرنا أنه مجرد سائق سيارة مقودها في المقعد الخلفي، وهو ليس كذلك على الإطلاق. ويعرف ومعه أعوانه، أن سورية تعاني أزمة في الغذاء، ترتفع حدتها مع سياق عمليات السرقة والنهب والفساد في البلاد، وأن العقوبات الغربية المفروضة عليه، لا تمس بأي حال من الأحوال الجانب الغذائي والخدمات الضرورية للمواطن السوري. وفي الواقع، تأخرت هذه العقوبات كثيراً، لأن فارضيها قضوا أشهراً يبحثون عن أنجع الطرق، لكي تنال من السلطة لا من الشعب، الذي يعاني أصلاً من مآس معيشية يومية.

ليس هناك بلداً يستورد الحبوب يمكن أن يتبجح مسؤوليه بوجود أمن غذائي، ولا توجد دولة ترتفع فيها أسعار المواد الغذائية بصورة جنونية، يمكن أن تتحدث عن مثل هذا الأمن. والاقتصاد السوري ليس محسوداً كما يروج الأسد وأعوانه، في محاولات بائسة لإزالة الشكوك حول مصيره المحتوم. وإذا كان هناك محسود في سورية، فهو في الواقع الأسد نفسه، الذي ما زال يتمتع بفرص ومهل عربية، وتردد غربي في حسم الوضع المأساوي في سورية، دون أن يعرف أن كذبة واحدة تدمر كل النزاهة.

"فيلق الإنكار" بين نجاد وبشار

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"تعلمت الإنكار من أمي. لا أستطيع أن أواجه الحقائق، وإذا فعل أحد ذلك، فإنه يجرني إلى الجنون"
تاب هانتر ممثل ومغن أميركي



كتب: محمد كركوتــــي
 
لم يشهد التاريخ الحديث علاقة "تلاحمية" بين نظامين حاكِمَين، كتلك التي تربط النظامين السوري والإيراني، إلا إذا استثنينا تلك العلاقة التي جمعت نظامي النازي الألماني أدولف هتلر والفاشي الإيطالي بينيتو موسوليني. وإذا كانت الأولى تحمل معها الخراب، فإن الثانية أتت بالدمار. وللتذكير فقط، فإن رصاصة واحدة أنهت النازي وحُرقت جثته، بينما سُحِل الفاشي في شوارع روما، وعُقلِت جثته على أسلاك الكهرباء.

استكملت العلاقة بين بشار الأسد ونظام خامنئي عناصرها التلاحمية في أعقاب الثورة الشعبية السورية السلمية العارمة. ليس فقط من ناحية تزويد إيران الأسد بالآليات المخصصة لقتل المدنيين العزل، ولا بالمرتزقة الإيرانيين ومعهم قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني، ولا بالتنسيق مع حزب الله الإيراني في لبنان لهذا الغرض، ولا بالأموال التي بلغت 6 مليارات دولار أميركي لسند الأسد مالياً، ولا بإجبار طهران حكومة بغداد لعقد اتفاقيات "اقتصادية" سريعة مع سلطة الأسد توفر الإمدادات المالية له.. أقول، استكملت العلاقة عناصرها ليس بكل هذا فحسب، بل أيضاً بسياسة الإنكار التي باتت تشكل جزءاً أصيلاً من سلوكيات النظامين السوري والإيراني، خصوصاً فيما يرتبط بالعقوبات الاقتصادية الدولية المختلفة التي فرضت عليهما. فكلما تنوعت هذه العقوبات وتوسع نطاقها وازدادت حدتها، كلما تأصل الإنكار لآثارها على الساحتين المستهدفتين. ولأن العقوبات لن تنتهي بسرعة، بل مرشحة للمزيد من التنوع، فأنا أقترح على كل من الأسد وزميله أحمدي نجاد، تشكيل فيلق جديد، يضاف إلى الفيالق التي تربطهما، وليطلقا عليه اسم "فيلق الإنكار". وسأتفهم كثيراً جداً، أن يظهر أحد ليطلق عليه "فيلق مسيلمة".

وللإنصاف، لا يزال الأسد (وأعوانه) يتقدم خطوة واحدة فقط على نجاد (وأصحابه)، في إنكار المصائب الاقتصادية الناجمة عن العقوبات الدولية. فالأول مُصر على أن سورية محسودة على قدرتها المالية، وخصوصاً "قوة" الليرة، بينما لم يتجرأ الثاني على قول مماثل يخص اقتصاد بلاده، إذا ما استثنينا طبعاً، إصرار نجاد على انتظار المهدي "المنتظر" لحل مشاكل الكون كله، بما في ذلك الكارثة الاقتصادية الإيرانية. في كل مرة تفرض فيه عقوبات على الأسد ونجاد، يخرج أعوانهما للتأكيد بأنها لن تؤثر على أداء اقتصاديهما. وسواء قبلا أم رفضا، أو أنكرا أم اعترفا، فليس هناك أداء واقعي لهذين الاقتصاديين. إنهما اقتصادان يسيران بقوة نحو الهاوية السحيقة، لن تنفع معها (في مرحلة لاحقة) إصلاحات أو "ترقيعات"، كما أنهما لن يتمكنا من صد النيران الاقتصادية المصوبة عليهما. وفي ظل هذه الحقيقة البائسة، تحول الأسد ومعه نجاد، إلى "حلول وجدانية" فريدة! فالأول يقول: "إن الشعب السوري قادر على مواجهة الحرب الاقتصادية التي تشن ضده"! والثاني يعلن: "أن كل الفاعلين الاقتصاديين هم جنود في مواجهة الأعداء الذين لن يتمكنوا من تقييد شعبنا، فيحاولون تقييد اقتصادنا"!

والمشكلة التي يواجهها كل من الأسد ونجاد، أن الشعبين السوري والإيراني يعرفان الحقيقة، ليس من مصادر غربية معادية، ولا من جهات متآمرة، ولا من أطراف مغرضة، بل من واقع يعايشانه، جعل من تداول الليل والنهار مصيبة يومية عليهما. ولأن النظامين الحاكمين في كل من سورية وإيران، لا يريدان التعاطي مع الحقائق، بما في ذلك بعض الحقائق التي يمكن انتقائها، فإن "فيلق الإنكار" باتت ضرورة حتمية لهما. عليهما أن يضعا معايير متطورة في استراتيجية الإنكار، من أجل الحد الأدنى من الواقعية. والحقيقة أنني لا أملك ما يمكنني من تقديم النصائح بهذا الصدد، خصوصاً عندما تكون الحالة المستهدفة للإنكار واقعية لا نظرية، وحقيقية لا وهمية، وحتمية لا متوقعة. ويبدو واضحاً أن هذين النظامين بلغا مرحلة، لا يمكنهما معها تغيير مسارهما، لأنهما استنفذا كل الفرص ومعها الوقت، واستهلكا كل الأكاذيب، بما في ذلك تلك التي كانت تستعذبها شرائح شعبية بسيطة، حركتها مشاعر "وطنية" رُبطت بنظامين لا بأمتين. وعلى عكس النظرية الشهيرة لجوزيف غوبلز وزير دعاية هتلر: "اكذب.. اكذب، سيصدقونك الناس في النهاية"، فالذي صدق الأكاذيب في كل من سورية وإيران، هم الذين أطلقوها فقط، وباتوا أسرى لها.

لا أعرف كيف سيكون أداء "فيلق الإنكار"، إذا ما أسسه الأسد ونجاد معاً، ووضعا له منهجية واستراتيجية مشتركة، كتلك التي ينفذانها في سورية اليوم ضد شعب أعزل أراد حرية فقط. لكن الذي أعرفه حقاً، أن أحداً لن يصدقهما حتى لو "خاطرا" بقول الحقيقة وعرضاها مجردة بمرارتها أما شعبيهما، وحتى لو اعترفا بما هو موجود على الأرض فعلاً، وحتى لو أرادا التعاون مع محيطهما الإقليمي والدولي، وحتى لو سامح الشعب السوري بشار الأسد على جرائمه (وهذا أمر مستحيل)، وحتى لو استحضر أحمدي نجاد "المهدي المنتظر"، لإقناع الإيرانيين بأنه أصبح صادقاً فيما يقوله، واعترف بأنه نجح في الانتخابات بالتزوير.

على كل حال، إن الإنكار في النهاية، هو بمنزلة إطار للوحة تغص بالأكاذيب.

لماذا لا يكون اقتصاد سِلم؟

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"الحكماء يتحدثون لأن لديهم شيئاً يقولونه. الحمقى يتحدثون لأن عليهم أن يقولوا شيئاً"
أفلاطون فيلسوف إغريقي

 
كتب: محمد كركوتـــــي
 
مهما استسهلت إيران خطتها "المؤجلة" لإغلاق مضيق هرمز، حتى لو اعتبرتها مجرد "شربة ماء"، ومهما كان التزامها بنشر توتر دائم في المنطقة، ومهما استحسنت عدم الاستقرار الإقليمي، ومهما تصلب رفضها للحوار ولعلاقات طبيعية إقليمياً ودولياً. فإنها بلا شك تعيش أزمة اقتصادية عميقة، مهما حاولت تجاهلها، ومهما بلغ مستوى نكرانها لوجودها، ومهما سعت لتكميم أفواه الإيرانيين الذين يعرضون الحقائق الموجودة على الأرض، لا الأوهام ولا التمنيات. وكما الأنظمة السياسية المتخاصمة مع نفسها أولاً، ومع واقعها وبيئتها ثانياً، ومع التحولات المحلية والإقليمية والدولية ثالثاً، ومع متغيرات الفكر السياسي العالمي رابعاً، كذلك النظام في طهران، يحمل الآخرين مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية، دون مراجعة واقعية لدوره في ذلك، ويلتزم خطاباً محلياً عقيماً يجهد نفسه بصورة بائسة لتعميمه عالمياً. ولا أدري إذا ما كان النظام الإيراني، يعرف بأن الإيرانيين أنفسهم، اكتشفوا هذا العقم منذ زمن؟ والحقيقة إنهم يعيشون تداعياته وأثاره وهمومه. يدفعون تكاليف "منتجات ومُستهلكات سياسية"، لم "يشترونها"، وأوهام إقليمية، تأكدوا منذ سنوات أنها عصية عن التحول إلى حقائق.

عودتنا إيران منذ ثورتها في العام 1979، أنها تصيغ سلوكياتها (ولا أقول سياستها)، من مادة خام واحدة، وهي المصاعب الداخلية التي تواجهها، دون أن يحمل النظام الحاكم فيها نفسه (ولو مرة واحدة) مسؤولية هذه المصاعب. وعندما يهدد نظام خامنئي باستحداث توتر في المنطقة، رداً على تصعيد العقوبات الاقتصادية الغربية عليه، يتجاهل أن الأزمة الاقتصادية الداخلية في بلاده، اندلعت في الواقع قبل هذه العقوبات. صحيح أنها تعمقت بعدها (وهذا طبيعي)، لكنها كانت موجودة، تضرب المجتمع الإيراني في كل القطاعات.. البطالة، تراجع قيمة العملة الوطنية، تردي الاستثمارات، ارتفاع كلفة الواردات، تقليص موارد البلاد من العملات الصعبة، توقف حتى الاستثمارات في القطاع النفطي.. منها. ولمن نسي، كانت هذه المشاكل والأزمات حاضرة على الساحة الإيرانية، قبل 18 شهراً، هي في الواقع عمر العقوبات الغربية المفروضة على إيران، بسبب برنامج نووي، يصر خامنئي وأعوانه على المضي قدماً فيه، رغم كل العروض التي قدمت له، بما في ذلك إمكانية أن تمتلك البلاد قوة نووية سلمية خاضعة للرقابة الدولية. لقد عززت طهران من خلال رفضها التعاون في هذا المجال، الشكوك التي تحوم حول نيتها من امتلاك قوة نووية، ستكون خاضعة لحلم "الثورة"، (بل أحلامها)، ليست المحلية فقط بل الخارجية أيضاً. ولا أشعر بالتردد في وضع عدة خطوط حمراء تحت هذه الأخيرة، لا لفت الانتباه إليها، بل للتأكيد على حقيقتها.

ماذا كانت نتيجة السلوكيات الإيرانية الحالمة منها والوهمية؟ كانت مطالبة المسؤولين الإيرانيين الذين قرروا أن يكونوا واقعيين، بضرورة أن تتبع البلاد "اقتصاد الحرب"! وهم بذلك استبعدوا علانية، أي احتمال لاتباع "اقتصاد السلم"، على الرغم من أن تكاليف الثاني لا تقارن بأي حال من الأحوال، بتكاليف الأول، هذا إذا كانت هناك تكاليف حقيقية أصلاً لـ "اقتصاد السلم". ورغم واقعية هؤلاء المسؤولين، لم يجرؤا على القول، إن "اقتصاد الحرب"، سيؤدي إلى ارتفاع خطير لمعدلات البطالة، وتعاظم هائل لنسبة التضخم، وإن الشرائح التي تعيش تحت خط الفقر ستتوسع، وإن إيرادات الخزانة العامة ستتقلص، وإن ارتفاع الدين العام سيتواصل، وإن القدرة الشرائية للتومان ستزداد ضعفاً. وبالتأكيد لم يجرأ هؤلاء على طرح ضرورة اتباع "اقتصاد السلم"، لأن ذلك يتطلب شيئاً واحداً، لا يبدو أن النظام الإيراني الحالي يمكن أن يوفره، أو (على الأقل) يفسح المجال أمامه، وهو التخلص من سلوكيات سياسية "ثورية"، تحولت إلى عملة لا قيمة لها، مرفوضة إقليمياً، وغير مقبولة دولياً. سلوكيات تحاصر أصحابها لا المستهدفين منها. سلوكيات لا يستعذبها سوى نظام واحد في المنطقة العربية، هو نظام بشار الأسد في سوريا، الذي من المفترض أن إيران تعرف أنه آيل إلى السقوط، ومعه توابعه الإيرانية أيضاً. سلوكيات باتت تحرج حتى ما تبقى من أصدقاء لإيران (وهم قليلون جداً)، يحاولون الآن التخلص من تبعات هذه الصداقة.

لقد خلفت "سلوكيات الحافة" التي تمارسها طهران منذ سنوات، مصائب اقتصادية كبرى. فقد بلغت التنمية مستويات لا تذكر، وارتفع عدد العاطلين إلى أكثر من 25 في المائة، بل باتت البطالة المقنعة في البلاد، بؤرة أوئبة خطيرة في الكيان الاقتصادي. ولا أشك في أن النظام القائم هناك، يعرف مدى المخاطر الداخلية الناجمة عن مثل هذا الوضع الاقتصادي. فقد اكتوى بنارها في انتفاضات عدة، وكلما ازداد الاقتصاد تردياً، كلما أكملت الانتفاضات عناصرها، خصوصاً وأن "اقتصاد الحرب" الحتمي، لم يفرضه عدوان على إيران، ولا نوايا لاحتلالها، ولا مخططات لإزاحتها عن الخريطة، ولا أجندات لتجويع الشعب الإيراني. إنه اقتصاد بفعل فاعل.. إنه فاعل وطني لا إقليمي ولا دولي، أحبه كثيراً، في زحمة كراهية لا حدود لها لـ "اقتصاد السلم"، بعناصره السياسية الحكيمة.

الثلاثاء، 27 ديسمبر 2011

في عيد ميلاد اليورو.. سنوات بشعة يا "جميل"

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






"اليورو هو مصيرنا المشترك، وأوروبا هي مستقبلنا الواحد"
أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا

 
 
 
 
كتب: محمد كركوتـــي
 
مع حلول العام 2012، سيجد قادة منطقة اليورو صعوبة في طلب قالب من الكيك على شكل العملة الأوروبية، للاحتفال بمرور عشر سنوات على إطلاق (ولادة) اليورو، ليس لأنهم مصابون بمرض السكري، وعليهم تجنب تناول الحلوى، بل لأن المحتفى به مصاب بأوبئة وأمراض يبدو أمامها "السكري"، كـ "نزلة برد" تنتهي في يومين، بحبة أسبيرين أو بدونها. بل هناك من يعتقد بأنه مهدد بالموت ولم يتجاوز العاشرة من عمره، وأن الأجواء لم تعد صحية لاستمرار ربطه "بأجهزة" الإنعاش. ومن المتطرفين من يعتقد بضرورة "عقد زواج" جديد، يستولد عملة أخرى، يمكن الاحتفال والرقص والغناء بميلادها دون حرج. ومن المفارقات أن فرنسا البلد الأكثر ابداعاً بقوالب الكيك (والأكثر "حنقاً" لمرضى السكري)، لن يطلب رئيسها ذلك القالب التقليدي، وإذا ما قفز على "توقعاتي" وطلبه، سيكون الأمر بمنزلة احتفال في مأتم، أو حفلة راقصة وسط إعصار مدمر، أو مهرجان للضحك أمام أناس يموتون جوعاً. لكنه هل يستطيع أن يردد الأنشودة التقليدية "سنة حلوة يا جميل"؟ أحسب أنه سيكون واقعياً حتى وإن قرر الاحتفال وأكل من قالب الحلوى، وسيضطر للتصرف بالأنشودة ويرددها على الشكل التالي: "سنوات بشعة يا جميل"! مهلاً.. ألم يقل هذا الرئيس (نيكولا ساركوزي): "إن خطر تفكك أوروبا لم يكن يوماً كبيراً كما هو اليوم"؟

"سنوات بشعة يا يورو"، هي تلك التي مرت بها هذه العملة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، وستواصل المرور بها في مرحلة أزمة الأزمة. ولأن قادة اليورو تجنبوا التعليق بمناسبة مرور عقد من الزمن على اليورو، فإن المفوضية الأوروبية كانت صادقة وصريحة إلى أبعد الحدود في بيانها الوحيد بهذه المناسبة. ماذا قالت؟ "بينما يوفر اليورو والاتحاد الاقتصادي والنقدي أساساً سليماً لتحقيق التقدم الاقتصادي، فإن الأزمة المصرفية في عام 2008 وعواقبها، شكلت اختباراً قوياً للنظام". والحقيقة أنها شكلت وتشكل اختباراً صارماً وقاسياً للاتحاد الأوروبي برمته، الذي كان يفخر في السنوات الثماني الأولى من عمر العملة الموحدة، بأنها عملة لا تُقهر، فرضت نفسها بقوة على الساحة العالمية، وهددت القوة التقليدية للدولار الأميركي نفسه. بل أن بعض الدول غير الأوروبية اعتمدتها (بصرف النظر عن الأسباب) بديلاً عن العملة الأميركية.

لم تكن العملة الموحدة فأل شؤم على الاتحاد الأوروبي، وذلك على عكس ما يروج الكارهون لها، ولاسيما أولئك الذين لا يزالون يصرون على العيش في أحلام الوطنية والمحلية المغلقة. ورغم اعتلال اليورو، من فرط ديون أوروبية حكومية تاريخية هددت دولاً بالخروج من هذه العملة، فإن الاتحاد الاقتصادي والمالي، وفر بالفعل الحماية لدول منطقة اليورو، من آثار الاختلالات التي تراكمت في هذه المنطقة وارتبطت بالمال والاقتصاد الكلي، من خلال تداعيات الأزمة العالمية. ولا أزال أتذكر تصريحاً هاماً لرئيس الوزراء الفرنسي السابق جان بيير رافاران، سبق هذه الأزمة، وعزز في الوقت نفسه أهمية الاتحاد النقدي الأوروبي، قال فيه: "يجب علينا أن نعترف أن اليورو يمثل أهمية قصوى للاتحاد الأوروبي. فبدونه - وخلال الأزمات العالمية- ستضطر كل دولة إلى تخفيض قيمة عملتها". وكان كلام زميله السابق أيضاً جان لوك ديهانة رئيس وزراء بلجيكا، متطابقاً حين قال –قبل الأزمة أيضاً- : "إن الاتحاد النقدي هو المحرك للتكامل الأوروبي".

إذا كانت أزمة منطقة اليورو مصيبة اقتصادية حقيقية، لن تنتهي ولن تزول آثارها قبل سنوات عديدة، قد تصل إلى يوم الاحتفال بمرور عشرين سنة على إطلاق هذه العملة، فإن انهيارها سيكون كارثة لا يمكن لأحد أن يتوقع أين ومتى تنتهي. وقد عرف قادة الدول الأوروبية الكبرى هذه الحقيقة، وعلى أساسها يسعون إلى الحفاظ على اليورو ومنطقته، بالرغم من التكاليف الباهظة التي تتكبدها هذه الدول، ولاسيما فرنسا وألمانيا، وبصرف النظر عن مناكفات بريطانيا المعهودة في هذا المجال. فإنقاذ دولة أو اثنتين أو حتى عشر دول، هو في الواقع إنقاذ لكل دول اليورو، والوصول إلى اتفاقية جديدة تفرض قيوداً بلا تسامح على الديون الحكومية، سيكون بمنزلة حبل نجاة لهذه المنطقة، التي أُطلقت عملياً من أجل إتاحة المجالات كلها أمام تحسن الاقتصاد الأوروبي، وخلق المزيد من فرص العمل، وتهيئة حياة أفضل للأوروبيين. فاليورو –حسب المفوضية الأوروبية- ليس مجرد ترتيبات فنية نقدية، وإنما رمزاً للعزم على العمل معاً بروح التضامن.

وعلى هذا الأساس، لا توجد حكومة أوروبية تعتمد اليورو مستعدة للتفكير بالتخلص منه، مهما كانت قوية سياسياً، ومهما كانت قوة بلادها. ولا يهم الآن الاحتفال بمرور عشر سنوات على ميلاد اليورو. المهم أن تتمكن هذه العملة من الاحتفاظ بحياتها، والاحتفال بمئويتها وألفيتها، ولن يتحقق ذلك، إلا بمنهجية أوروبية، لا وطنية. منهجية تحفظ قيمة ووزن ووقع عملتها التي باتت مرتبطة بصورة متلاحمة بهيبة أوروبا نفسها، وبمكانة اتحاد أصبح مثالاً عالمياً وتاريخياً للاتحادات والكيانات الناجحة.

الاثنين، 19 ديسمبر 2011

في أوروبا.. حرب للحفاظ على الهيبة؟

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






"حسب معرفتي، فإن أفضل شيء يجمع بريطانيا وفرنسا، هو البحر"
دوجلاس جيرولد كاتب بريطاني

 
 
 
كتب: محمد كركوتـــي
 
في زحمة استمرار ما اصطُلح على تسميته بـ "الربيع العربي"، هناك في القارة الأوروبية خريف، لا يبدو أنه سينتهي قريباً، بعد أن اختصر الفصول الثلاثة الأخرى فيه، مشكلاً أعاصير تاريخية سياسية اقتصادية اجتماعية، دفع البعض المُبالِغ من الأوروبيين إلى الاعتقاد، بأنه خريف قد يزج بأوروبا في الحرب! وعلى الرغم من عدم واقعية هذا الاعتقاد، إلا أن مجرد طرحه من قبل سياسيين أوروبيين، يمثل نقطة خطرة في القارة التي تحارب ديونها، بل وتحارب نفسها من أجل الانتصار على الديون وتوابعها وعلى الفشل وروابطه وعلى الانهيار ومصائبه. تحارب من أجل حماية عملة لا تزال "طفلة" من حيث الزمن، ومن أجل الحفاظ على هيبة ظلت في الأجواء، حتى بعد تراجع نفوذ وقوة أوروبا (وتحديداً بريطانيا وفرنسا)، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومن أجل اتحاد، كان حتى وقت قريب رمزاً من رموز النجاح على الساحة العالمية، بل ومرجعاً لأي اتحادات مشابهة، أو مشاريع اتحادات مماثلة. وعلى الرغم من أن الحرب التي تخوضها أوروبا بلا أسلحة، إلا أنها حرب شرسة، استجلبت بعضاً من "الأسلحة" القومية والوطنية والمحلية، رغم الصدأ الذي علاها، ورغم التحديات التي عطلتها منذ الأزمة الاقتصادية العالمية.

لا زلت أعتبر أن العنوان الأخطر في الأزمة المالية الأوروبية الراهنة، هو ذاك الذي أطلقه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. ماذا قال؟ "إن خطر تفكك أوروبا لم يكن يوماً كبيراً كما هو اليوم". ولن يكون هناك عنوان آخر سيوازيه من حيث الصدمة، ومن جهة الوقِع. ولأنه كذلك، فإننا يمكن أن نفهم كيف تجنب رئيس فرنسا مصافحة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في القمة الأوروبية التاريخية التي عقدت في بروكسل، من أجل معاهدة جديدة لضبط الموازنات العامة لدول منطقة اليورو. كان سلوكاً يعبر عن أكثر من فتور في العلاقات، وأكبر من خلاف سياسي.. سلوك لرجل خائف على أوروبا وهيبتها وعملتها (بل وكيانها)، مع رجل لا يزال يعيش وهم الهيبة البريطانية، وأحلام الأنجلو-سكسونية، رغم أن هذه الأخيرة لم تعد ذات معنى عند الطرف الأميركي المكمل لها، ليس فقط لقناعة إدارة أميركية بضرورة الإشراك العالمي، بل لأن الجامع البريطاني- الأميركي التاريخي التقليدي، انتهى مع أول ضربة للأزمة الاقتصادية العالمية قبل ثلاث سنوات. فما كان ينفع قبلها، أصبح ضاراً بعدها. واشنطن عرفت ذلك، لكن يبدو أنه لم يصل الخبر بعد إلى حكومة "الرأس والنصف" (لا الرأسين) في بريطانيا.

والحقيقة أن موقف كاميرون المعارض (والمنسحب) لمعاهدة أو اتفاقية جديدة تصون الموازنات العامة الأوروبية، وتحاكي استحقاقات الأزمة الاقتصادية العالمية ومصائبها، شكل صدمة كبيرة، لمن؟ لشركائه في الحكم! فحزب الديمقراطيين الأحرار المؤتلف (لا المتآلف) مع المحافظين، وجد نفسه بين خيارين اثنين لا ثالث لهما. الأول: أن ينسحب من الحكومة ويسقطها، والثاني: أن يظل صامتاً. والمشكلة في الخيار الأخير، أنه لا يملك كثيراً من الوقت لمواصلة الصمت. فالصدمة لم تكن أوروبية خالصة، بل سياسية بريطانية محلية أيضاً. وكم كان المشهد تاريخياً، عندما كان كاميرون يدافع عن قراره هذا في مجلس العموم البريطاني، وإلى جانبه "نصف الرأس الآخر" في حكومته زعيم "الديمقراطيين الأحرار" نيك كليج، الكاره لما يقوله رئيس الوزراء. ولو كنت مكان كليج، لارتكبت حادثاً مرورياً "مع نفسي"، ليكون عذراً مقنعاً لعدم حضوري هذه الجلسة تحديداً.

يرتكب ساركوزي والمسؤولون الفرنسيون، خطأ كبيراً الآن بتركيز الهجوم على بريطانيا، وتعريتها اقتصادياً، من خلال دعوة وكالات التصنيف العالمية، إلى تخفيض تصنيف المملكة المتحدة، قبل التطرق إلى دول منطقة اليورو، وعن طريق إطلاق التصريحات على أعلى المستويات، التي تتحدث عن أن بريطانيا أكثر مديونية من فرنسا، بما في ذلك ما قاله وزير المالية فرنسوا باروان "إن وضع بريطانيا العظمى مقلق جداً حالياً، ونفضل أن نكون فرنسيين على أن نكون بريطانيين على الصعيد الاقتصادي". ويخطئ الفرنسيون أيضاً، بوصف كاميرون بـ "الأخرق" و" الولد العنيد". فـ "الردح الاقتصادي- السياسي" لا يساعد فرنسا وبقية دول الاتحاد الأوروبي (وتحديداً دول اليورو)، في استعادة الهيبة الأوروبية المهددة. والتاريخ أثبت، أن هذا النوع من "الردح"، لم ينقذ معاهدة أو اتفاقية أو تفاهم أو عقد، كما لم يدفع "المردوح" –إن جاز التعبير- لتغيير مواقفه.

ليس أمام فرنسا ومعها بقية الدول الأوروبية المحورية والثانوية، إلا أن تصل إلى تلك المعاهدة أو الاتفاقية، التي ستحفظ في النهاية مكانة الاتحاد الأوروبي، ووضعية اليورو، وأهمية أوروبا وهيبتها. إن الأزمة التاريخية التي تعيشها أوروبا حالياً، ليست خالية من معاول الحلول، شرط أن تقلل بعض الدول الخائفة على مصير الاتحاد، من اعتباراتها القومية والوطنية، وأن تعترف بأن هذا الاتحاد (رغم المصائب والمصاعب التي يمر بها)، يشكل في النهاية الضامن الوحيد للازدهار الاقتصادي في القارة الأوروبية. ولا شك أن بريطانيا، ستواصل تشكيكها بمستقبل اليورو، وستبقي رأسها في جزيرتها، لكنها لن تنزع جسمها من أوروبا.

قارة الاكتئاب

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"الاكتئاب هو عدم القدرة على بناء المستقبل"
رولو ماي عالم وجودي أميركي



كتب: محمد كركوتـــي

رُزق الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بابنة من زوجته الشهيرة الجميلة، وشهد نتائج سياساته ومخططاته التي أدت إلى سقوط معمر القذافي أحد أسوأ الطغاة في العصر الحديث، لكنه لم يبتسم بصورة تتوازى من الحدثين. فقد كان الاكتئاب ضافياً عليه مع كل الأحداث المفرحة. اكتئاب ساركوزي ليس حديثاً، عمره من عمر الأزمة الاقتصادية العالمية، لكنه ازداد عمقاً وكرباً وخوفاً من مجهول معلوم، وبات جزءاً أصيلاً من المشهد الأوروبي العام في نطاق القيادات، وهو كذلك –في الواقع- في محيط الشعوب أيضاً. ويشهد العالم حالياً، نسمات الربيع العربي في قلب أوروبا، بعد أن مرت على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي. والفارق أن الناس في أوروبا لا يُقتلون، وقادتهم لا يَقتلون من أجل البقاء.

في القارة التي رسمت معالم العالم أجمع. ضاعت العناوين المبهجة في زحمة عناوين وحقائق قاتمة، يائسة، محبطة، متشائمة، منذرة، مخيفة. وكلها عناوين مستلهَمة من "نص" الأزمة، ومن "متن" مصائبها، مستخرجة من تاريخ أوروبي يتشكل، لم يرغب الرئيس الفرنسي (وزملائه الأوروبيون، ولاسيما المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل) أن يشهده، أو أن يرتبط به في سجلاته ووثائقه. فبعد تردد دام أشهراً طويلة، يعترف رئيس فرنسا، الدولة التي لا تتنازل تدافع عن "أحقيتها بحضانة" أوروبا، ليقول: "إن خطر تفكك أوروبا لم يكن يوماً كبيراً كما هو اليوم". مهلاً.. هل سرق ساركوزي العنوان-التصريح من زعيم حزب قومي بريطاني أو الماني أو فرنسي أو إيطالي متطرف؟! إنه بلا شك "أب" العناوين كلها. بعد ذلك يتجرأ وزير المالية البولندي جاسيك روستفيسكي ليقول: إن مخاطر الكارثة الاقتصادية التاريخية قد تؤدي -كأزمة انكماش الثلاثينيات من القرن الماضي- إلى الزج بأوروبا، أين؟ في الحرب!!

لنستعرض "عناوين الاكتئاب"، ولا أبلغ إن وصفتها بـ "الخراب"، التي تزخر بها ألسن الاقتصاديين الغربيين (ولاسيما الواقعيين منهم)، وتغطي المساحات الأكبر في واجهات الإعلام. تلك العناوين التي كانت تهمين (في الأشهر السابقة) على الاجتماعات في الغرف المغلقة فقط، لكنها باتت جزءاً من الاجتماعات المفتوحة والمعلنة: ركود جديد. انكماش آت. أزمة أخرى. انزلاق نحو المجهول. اليونان تترنح بديونها. إيطاليا تنتظر دورها. الاقتصادي الأميركي الشهير نورييل روبيني يتوقع خروجاً لهذا البلد من اليورو. البنوك الفرنسية تستسلم. وكالة "ستاندارد اند بورز"، تهدد بتخفيض التصنيف الائتماني الممتاز لفرنسا. الوكالة نفسها تعلن تهديدها لـ 15 دولة من دول منطقة اليورو الـ17 بتخفيض تصنيفها جميعاً. الألمان غاضبون. الدول الدائنة ستصبح مدينة. هل من الأفضل لألمانيا احتلال اليونان؟! ألمانيا ذاتها تنزلق إلى الكساد. اليابان تُعنف الأوروبيين على أزماتهم. أخطر أزمة تواجه منطقة اليورو في تاريخها. اليورو رصاصة قاتلة للاتحاد الأوروبي. وفي الصيف الماضي انطلق هذا العنوان: الخناق يضيق على اليورو، ويُقرب خريف أوروبا. الحكومات الأوروبية تتساقط، انظروا كيف سقط باباندريو في اليونان، وثاباتيرو في إسبانيا، وبرلسكوني في إيطاليا. أوروبا قد تلجأ إلى من؟ إلى صندوق النقد الدولي! منطقة اليورو تبحث عن منقذ، لكن الصين ترد رسمياً بـ "ألا تتوقع هذه القارة أن تستخدم بكين جزءاً من احتياطياتها من القطع الأجنبي البالغة 3,2 تريليون دولار أميركي لإنقاذ القارة". الأميركيون يؤنبون الأوروبيين.. أميركا (نفسها) تتراجع ائتمانياً. الأميركيون يفكرون في احتلال "وول ستريت". الأميركيون احتلوا "وول ستريت" فعلاً. الديون تدق إسفيناً في العلاقات الأميركية الأوروبية. صندوق النقد والبنك الدوليين: العالم في خطر داهم. الأسواق تكتسي اللون الأحمر الناري. أزمة اليورو تفاقم الجوع في إفريقيا.لا جسارة عند السياسيين الغربيين.

قبل الأزمة الاقتصادية العالمية، كانت هذه التحذيرات والعناوين تعتبر مجرد كلمات تهويل غير واقعية، من اقتصاديين وإعلاميين لا يحبون التفاؤل. بل كان هؤلاء متهمون بشن حملات تستهدف عن قصد نشر الإحباط والاكتئاب في الأجواء. الذي حدث أن الأزمة الكبرى وقعت وأوقعت معها العالم. وبعد الأزمة، اختفت أصوات من تبقى من المتفائلين، لينضم السياسيون إلى الواقعيين. فكل عنوان يحمل حقيقة كارثة تحتضن برهانها، ويضع خطاً في لوحة تحتوي معالم مستقبل اقتصادي عالمي، ستكون "لوحة الأزمة" (بالمقارنة) أكثر إشراقاً. إن العناوين لن تتوقف عن الانطلاق في كل الأرجاء، ومن المرجح (والبعض يقول من المؤكد) أن تكون العناوين المقبلة بمضامين أشد رعباً وشؤماً، مثل: الإعلان رسمياً عن إفلاس اليونان، وخروج إيطاليا من اليورو، وألمانيا عاجزة عن مواصلة إنقاذ الدول الغارقة بالديون، والمنقذون يبحثون عن منقذين لهم، والبنك المركزي الأوروبي يدرس طرد بعض الدول من منطقة اليورو، ودعوات لتفكيك منطقة اليورو، ورصاص اقتصادي يدمر منطقة اليورو، وأثنين وثلاثاء وأربعاء وخميس وجمعة سوداء في الأسواق العالمية، ومرحى للأزمة السابقة، وتعاظم فواتير الأزمات الغربية التي تدفعها الدول النامية، وربما سيبرز عنواناً هو: الشعوب الأوروبية تحتل بورصات بلدانها كلها، والعالم يبحث عن حلول لأزمتين تاريخيتين مفجعتين في آن معاً.

ستكون عناوين صادمة، لعالَم اقتصادي مشوه، من المستحيل تجميله.

الثلاثاء، 6 ديسمبر 2011

وجدانيات اقتصادية سورية لضرب العقوبات!

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





"الذي يشعر بأن العالم أجمع يغشه.. هو على حق، لأنه يفتقد الشعور الرائع بالثقة في أي إنسان أو أي شيء"
إيريك هوفير كاتب وأديب أميركي

 
 
كتب: محمد كركوتـــــي
 
يوم أن أعلنت جامعة الدول العربية عقوبات اقتصادية ضد بشار الأسد وأعوانه، جمعني برنامج تلفزيوني في محطة (سي إن بي سي عربية)، مع محمد الشعار وزير اقتصاد الأسد الذي لم يستطع أن يخفي رعبه من هذه العقوبات، لاسيما وأنه قبل يومين فقط أعلن في نفس المحطة "استحالة أن يقوم العرب بفرض عقوبات". الوزير المصدوم والمرتبك والبائس، لم يتحدث عن هذه العقوبات من زاوية الاقتصاد، بقدر إطلاقه لجُملٍ تحاكي عواطف العرب، مما دفعني إلى القول –في البرنامج نفسه- بأنه تناول قضية مهمة ومصيرية بالنسبة للسلطة، بـ "وجدانيات اقتصادية". وحتى وجدانياته هذه، لم تكن متطورة، فقد كرر ما يعرفه كل العالم وليس العرب فقط، بأن ما يربط سورية بأشقائها العرب، اللغة والمصير والجغرافية والدين.. إلى آخر تلك الروابط المعلومة لطفل في فصله الأول. ولكن ما دخل هذا كله، في عقوبات عربية على نظام يستحق "كأس العالم" في استحواذه على المُهل والفرص العربية والعالمية، من أجل وقف عمليات القتل والسحل والاعتقال والتعذيب والتهجير، ضد شعب أعزل أراد حرية؟!

وإذا كانت الحرية مكفولة لأي إنسان في أن يستغرب العقوبات كلها (أو ما شاء منها)، على سلطة تقتل شعبها، فإن حق الاستغراب مرفوع عن أركان هذه السلطة. وتكفي الإشارة، إلى أن العرب الذين اتُمهوا –ولا يزالون- من قبل الأسد وأعوانه، بأنهم ينفذون أجندات خارجية، تركوا ضمن بنود عقوباتهم منفذاً جديداً آخراً لهذه السلطة، بأقل التكاليف الممكنة لها. وللتذكير، قالوا للأسد: اسمح بدخول لجنة تقصي الحقائق إلى سورية، نوقف العقوبات التي لم نطبقها بعد. ولأن الجرائم التي يرتكبها الأسد فظيعة بحق شعب أعزل، فقد وجد وأعوانه أن العقوبات العربية (مهما كانت ضاربة) تبقى أهون من كشف الحقائق، ويظل منع سفر أي ركن من أركان السلطة، أقل وطأة من اكتشاف مقبرة جماعية، أو من إحصاء عدد المعتقلين، أو من الاطلاع على الأعمال المريعة لقطاع الطرق الموظفين لدى هذه السلطة، أو من معرفة مصير مئات (وربما آلاف) المفقودين، أو من توثيق استخدام الطائرات المقاتلة والمدفعية والسفن الحربية ضد المدنيين، أو معاينة تدمير المآذن وتخريب المساجد ودور العبادة.

وبعيداً عن وجدانيات وزير الاقتصاد (لا وزير الثقافة)، وبعيداً أيضاً عن المُهل والفرص والمنافذ والمخارج والأبواب والنوافذ، التي وفرها العرب للأسد وأعوانه، في نطاق حرص عربي لحل الكارثة السورية عربياً، يبقى السؤال الدائم المُحق، وهو: إلى أي مدى ستنال العقوبات العربية من السوريين؟ وكان هذا سؤال محوري في الحلقة التلفزيونية التي شاركت فيها. لم يشهد التاريخ سقوط نظام -بصرف النظر عن وحشيته- بفعل عقوبات اقتصادية فُرضت عليه، ومهما كانت العقوبات "ذكية"، لن تستمر في "ذكائها" إذا ما طال أمدها، يضاف إلى ذلك، أن "براعة" العقوبات تكمن في اختيار مُحْكم لأهدافها، فضلاً عن توفر معلومات عالية الجودة، عن الجهات والشخصيات المستهدفة. وقبل هذا وذاك، براعة التنفيذ، وهي المرحلة الأصعب في كل الأحوال. وفي العقدين الماضيين، وجدنا كيف أن أنظمة وحشية نهبت بلادها وقتلت ما أمكن لها من شعبها، كنظام تشارلز تيلور في ليبيريا، وروبرت موغابي في زيمبابوي وغيرهما، لم تسقط من جراء العقوبات، بل أن هذا الأخير لا يزال يحكم بلاده بأفظع طريقة ممكنة. وبالتأكيد لا أحد ينسى العقوبات التي فُرضت على العراق في عهد صدام حسين، كيف نالت من كل العراقيين، إلا هو وأعوانه.

ومهما بلغ "ذكاء" العقوبات، لا بد من وجود ذراع سياسية ودبلوماسية قوية تدعمها، وفي الحالة السورية، ربما استوجب الأمر في مرحلة لاحقة ذراعاً ميدانية، تكفل للمدنيين العزل الحماية. إن العقوبات العربية على الأسد وأعوانه، ستكون مؤثرة عليه في المرحلة القصيرة فقط، خصوصاً فيما يرتبط بتجفيف ما أمكن من الموارد المالية التي يحتاجها في حربه ضد شعبه. لكن لو طالت المدة (مع استمرار بقاء السلطة في الحكم)، ستشكل هذه العقوبات عبئاً لا يستطيع السوريون تحمله، فهم أصلاً يمرون بظروف معيشية مريعة، ليس في موسم أو موسمين أو أكثر، بل في أربعة عقود. وكما الأسد الأب في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، كذلك الأسد الابن، سيستخدم هذه العقوبات ضد شعبه. فالذي يقتل الأطفال، لا تهمه معاناة شعبه من شح وقود التدفئة. وفي مقال سابق لي، ذكرت أن الأسد لن يتردد في أخذ شعبه "رهينة اقتصادية"، فهو يعتقد بأنه امتلكه بصك وراثة، وهو يؤمن بأنه امتلك جمهورية وأخذ معها الشعب هدية.

ليس أمام العرب سوى الاختيار الدقيق والناجع للأهداف الاقتصادية، وفي الوقت نفسه الوقوف المباشر إلى جانب الشعب السوري، ولا يوجد المزيد من الوقت، إذا ما أرادوا أن يقدموا نموذجاً ناجحاً واحداً، من خلال جامعتهم. فوجدانيات وزير اقتصاد الأسد صحيحة، لكن الروابط التي تحدث عنها، لا تستقيم مع سلطة لا شرعية. إنها في الواقع روابط لا دخل للحكومات والسلطات بها.

الاثنين، 28 نوفمبر 2011

قارئة فنجان لليرة السورية!

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

"غالبية الناس عنيدون في متابعة مسيراتهم التي اختاروها في الحياة، لكن القليلين منهم يحققون الأهداف في هذه المسيرات"
فريدريك نيتشه فيلسوف ألماني



كتب: محمد كركوتــــي

سيطبع بشار الأسد الأوراق النقدية السورية في روسيا. هكذا قال حاكم مصرفه المركزي، الذي لا يزال مُصراً على أن سورية محسودة و "العين تضربها"! دون أن يحدد الحاسدين، والمواقع التي أُصيبت بها البلاد "بعيون الحساد"، بينما لم يُعلن عن هوية "شيخ الطريقة الاقتصادي"، الذي ستلجأ له سورية لفك الحسد. ولا أعرف إن كان الدعاء بـ "الخمسة وخميسة" لا يزال يفقأ عيون الحاسدين! في الوقت نفسه، يقول وزير اقتصاد الأسد إن سورية تمر بأسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها. لن أتحدث هنا عن الاكتفاء الذاتي الذي روج له الوزير، كحل أمثل للوقوف في وجه العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على الأسد وأسرته وأعوانه. فحتى الولايات المتحدة الأميركية بقوتها الاقتصادية الكبرى، تجد صعوبة شديدة في الحديث عن اكتفاء ذاتي محلي، فكيف الحال، باقتصاد سوري انتقل على مدى أربعة عقود من الحالة الوطنية إلى الوضعية الأسرية الخالصة، أو شبه الخالصة؟! فقد كان على وزير الاقتصاد، أن يستعرض حالة واحدة في التاريخ مشابهة للحالة السورية، نجحت عن طريق الاكتفاء الذاتي، في مواجهات عقوبات اقتصادية متصاعدة. وهو يرى –وأنقل بالحرف عنه-: "ضرورة الاهتمام بالزراعة والغذاء، اللذين عانيا من الاهمال خلال السنوات الاخيرة".. ولكن مهلاً، من كان وزيراً للزراعة في هذه السنوات؟ الجواب يا وزير هو، رئيس الوزراء الحالي! أي أن الخراب الزراعي كان ثانوياً، ليصبح الآن رئيسياً.

أعود إلى الليرة السورية التي ستطبع في روسيا. بما أن خبراء الأسد الاقتصاديين يتحدثون عن الحسد، فأقترح عليهم "قارئة فنجان" قهوة سورية (لا تركية بالطبع في هذا الوقت بالذات) لمستقبل الليرة، التي اعتادت المهانة الاقتصادية و"التشبيحية" طوال عقود. وأزعم أنها (أي القارئة) ستقول: أمامكِ طريق قصير جداً، سيزداد عددكِ، وستقل قيمتك فيه. ستكونين جديدة بلا ثمن، منتشرة بلا قبول، ولا أرى حجاباً في هذه الدنيا، يقلل من عددك ويرفع من قيمتك. وإذا كانت هذه القارئة شجاعة بما يكفي، فإنها ستقول: إنكِ بلا ثمن، تماماً كما هي دماء السوريين العزل عند سلطة لا شرعية.

يروج الأسد وأعوانه، أنهم هم الذين يختارون المكان الذي تُطبع فيه أوراق النقد السورية، في إشارة إلى حظر المطابع التقليدية الأوروبية طباعة هذه العملة (وبشكل خاص المطابع النمساوية) في إطار العقوبات الأوروبية ضده. والحقيقة أن هذا ليس صحيحاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر ببلد كسورية لا أحد يثق بتركيبته الاقتصادية، حتى القائمين عليها. فالمعايير الفنية (المرتبطة بالتصميم لا بقواعد الأمان) في طباعة الأوراق النقدية، هي بالتأكيد من حق أصحاب هذه الأوراق، مع الإشارة هنا، إلى أن واحدة من أسوأ التصميمات السورية هي ورقة الألف ليرة التي تحمل صورة الأسد الأب. وربما كان هذا فأل نحس على هذه الورقة. وإذا كان الأمر متعلق بأوراق نقدية لحساب بلد يعج بالسرقات والنهب، وامتلاك أفراد للبنك المركزي "الوطني" فيه، فلا تعود حرية انتقاء المطابع خياراً. هناك استحقاقات رقابية لن توفرها دولة منحازة لسلطة غير شرعية (كروسيا)، التي هي نفسها تحوم حول اقتصادها الكثير من الشبهات. فكيف يمكن أن يقبل العالم بأوراق نقدية، لا توجد جهة ذات مصداقية يمكنها أن تحدد أعدادها؟! ولا تستطيع في الوقت نفسه، أن تقدم سنداً (أو تغطية أو رصيداً) واقعياً لهذه الأوراق!

والحقيقة أن خبراء الأسد من الاقتصاديين (كما خبرائه لشؤون القتل والسحل والتعذيب والاعتقال والتهجير والتشريد)، يسقطون في مطب ليقعون في آخر على التوالي، وهذا أمر يبرز مرة أخرى مدى اليأس الذي يعيشونه، ومعه التخبط الاقتصادي المريع، والرعب من انطلاق عصيان مدني لن يكون بعيداً. فقد وجدوا، أن طباعة الأوراق النقدية محلياً بلا رصيد، دفعت المؤسسات الأجنبية على الفور لرفض التعامل بهذه الأوراق، خصوصاً تلك من فئتي الـ 500 والألف ليرة. فلم تُملئ رائحة الحبر الجديد والألوان الزاهية والتصاميم المبتكرة، فراغ القيمة. وما كان ينفع في ثمانينات القرن الماضي، لم يعد يصلح في زمن التحولات التاريخية الراهنة. وفي الوقت الذي ينظر فيه العالم (الآسف على قتل المدنيين العزل في سورية على مدار الساعة)، بعين الاستهجان والامتعاض مصحوبة بمشاعر الغضب من موقف روسيا الداعم بصورة مباشرة لعمليات القتل هذه، يتوجه الأسد إلى هذا البلد لطبع أوراقه النقدية باسم سورية.

إن قيمة ما سيُطبع من أوراق نقدية سورية في روسيا، لن تكون أعلى من قيمة تلك التي طبعها الأسد الابن، في أعقاب انطلاق الثورة الشعبية السلمية العارمة. ستكون مجرد أوراق، ستسرِع عمليات التداول بها بالوزن، لا بالعدد، إذا ما طال بقاء سلطة، ربما تطبع في مرحلة لاحقة، أوراقاً نقدية تستبدل اسم الجمهورية العربية السورية فيها، باسم جمهورية الأسد وشركاه، ولا بأس من أوراق بفئات دنيا، تحمل اسم جمهوريته العائلية وأعوانه.

الأربعاء، 23 نوفمبر 2011

وفد المبادرة الوطنية السورية يلتقي بنبيل العربي


القاهرة:

التقى الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد نبيل العربي مع وفد من (( المبادرة الوطنية لتوحيد المعارضة السورية )) . وقدّم الوفد من خلال اللقاء نسخة من المبادرة التي أُعلنت في القاهرة بتاريخ 20-11-2011 .
وأكد الوفد على ضرورة توحيد جميع أطياف المعارضة السورية ، وأشار إلى جهود الجامعة العربية لحل الأزمة في سوريا طالبين تفعيل هذا الدور .
وأوضح وفد المبادرة الوطنية لتوحيد المعارضة السورية جهود المبادرة المبذولة في اطار توحيد المعارضة أنه لايحق لأي طيف من الأطياف الادعاء بتمثيل الشارع السوري أو الثورة السورية لوحده . ولفت الوفد إلى أنه لاعودة عن قرارات الجامعة العربية ، وأن الأمانة الملقاة على عاتق الجامعة والمعارضة على حد سواء كبيرة جدا .
وطلب وفد المبادرة الوطنية من الأمين العام دورا فاعلا للجامعة العربية بحيث يكون أكبر من دور الرعاية نحو الإشراف والمساعدة باتجاه تجميع المعارضة السورية.
وتباحث الجانبان دعوة الجامعة العربية لمؤتمر توحيد المعارضة ، وامكانية تشكيل لجنة تحضيرية لهذا المؤتمر تضم كافة أطياف المعارضة .ونبّه وفد المبادرة الى أن النظام السوري لا يرى في مبادرات الجامعة العربية إلا مزيدا من الوقت للقتل والتنكيل .وحضّ على وجوب ارسال لجنة اغاثة فورية للشعب السوري المنكوب .
وشدد الأمين العام للجامعة العربية على أن الجامعة سترسل بعثة المراقبين العرب إلى المناطق الساخنة لكن الوفد نبّه أن السلطات السورية تقوم بتغيير معالم المناطق التي قام النظام بقصفها ، وطالب الأمين العام للجامعة من أعضاء الوفد التواصل لاعطاء الجامعة خريطة تجمع المناطق الساخنة التي ستزورها بعثة المراقبين العربية واطلاعه على التطورات في الملف السوري.
وضمّ الوفد مجموعة من المشاركين بالمبادرة وهم:
1- صلاح بدر الدين
2- نوفل معروف الدواليبي
3- وحيد صقر
4- بهية مارديني
5- ضياء دغمش
6- حازم العرعور
7- د.عمار قربي

القاهرة في 23-11-2011

الثلاثاء، 22 نوفمبر 2011

أسهل وسيلة عربية لخنق الأسد اقتصادياً

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")








"لكي نوقف القتل الأعمى الذي يقوم به نظام الأسد في سورية، سوف نواصل فرض المزيد من العقوبات على هذا النظام"
وليم هيج وزير خارجية بريطانيا

 
 
كتب: محمد كركوتــــي
 
ما أسرع وأسهل طريقة لبدء فرض عقوبات اقتصادية عربية على بشار الأسد وأسرته وأعوانه، في سياق تصاعد حدة الموقف العربي سياسياً وإجرائياً؟ الجواب جاهز لدى أي مراقب أو متابع، بل وأي فرد لا يعرف "فنيات" العقوبات، وهو تجميد أرصدة الأسد وأركان سلطته من السوريين، وأعوانه من غير السوريين. والأمر ببساطة يحتاج إلى كشف المصارف العربية، ما تخزنه من هذه الأموال المنهوبة، وجهود استخباراتية للكشف عن الأرصدة المالية التي خُبئت في حسابات وهمية، أو حسابات بأسماء أشخاص لا تمت بصلة ظاهرية للزمرة المستهدفة. وليس صعباً في هذه الأيام، أن تصل إلى هذه الحسابات، مع ظهور أدوات كشفٍ جديدة على الساحتين العربية والعالمية، لم تفرزها في الواقع (مع الأسف) ضرورات الكشف عن الأموال المنهوبة، بل أوجدتها القوانين والمعايير التي فرضتها الأزمة الاقتصادية العالمية. بمعنى آخر، لو لا هذه الأزمة، لبقيت الأدوات المشار إليها صدأة بلا جدوى.

وتجميد أرصدة سلطة تشن حرب إبادة ضد شعبها الأعزل، لا يحقق فقط الهدف الأول الآني، وهو قطع بعض الإمدادات المالية عن هذه السلطة، التي تستخدمها منذ تسعة أشهر لتمويل هذه الحرب، بل يوفر الأرضية المثلى (على الساحة العربية)، لإعادة هذه الأموال إلى شعب نُهبت منه على مدى أكثر من أربعة عقود، لتدخل (بعد الزوال الحتمي للأسد وأسرته وأعوانه)، في المهمة الكبرى، وهي بناء اقتصاد وطني حر نزيه، بعد عقود تحول فيها الاقتصاد السوري من وطني إلى أُسري، عن طريق اقتصادات "مبتكرة" فردية لم تحدث في التاريخ، وهي على التوالي: اقتصاد التفقير، واقتصاد الفقر وما دونه، واقتصاد "التشبيح". وعلى هذا الأساس، فقرار تجميد أرصدة الأسد، ليس لقهره وقهر سلطته اللاشرعية، وتجفيف منابعه المالية فحسب، بل للقيام بواجب إعادة حق مسلوب لشعب لم يتبقى له ما يملك.. إلا كرامته.

بات واضحاً، أن جزءاً كبيراً من أموال الأسد وزمرته، تحرك في الأشهر الماضية بين الدول، هرباً من موجات العقوبات الاقتصادية التي أطلقتها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، وعدد من الدول المؤثرة على الساحة الدولية، وصب قسم منها في بعض الدول العربية، وفي مقدمتها لبنان. والحقيقة أن هذه الأموال تحركـت، حتى قبل اندلاع الثورة الشعبية السلمية العارمة في سورية، باتجاه بلدان بعينها، هرباً من الملاحقات الأميركية (تحديداً) للأموال السورية المنهوبة. ومع معرفتي (ومعرفة الجميع طبعاً) بوجود حكومة "سورية إيرانية" في لبنان، إلا أن الدول العربية المؤثرة، وبالتعاون مع الدول الكبرى، تستطيع أن تعري أكاذيب المسؤولين المصرفيين اللبنانيين، بأنه لا توجد أموال سورية مهربة فيها، ويمكنها بعد ذلك (بالتأكيد)، أن تجبر هذه الحكومة المستقلة عن بلادها، على تجميد أرصدة الأسد وأعوانه. ولعل من المفيد الإشارة، إلى أن ما بين 20 و23 مليار دولار أميركي، هُرِبت من سورية إلى لبنان في الأشهر الأربعة الأولى للثورة الشعبية السلمية في البلاد.

أما فيما يتعلق بالدول العربية، التي تبذل حالياً جهوداً مضنية، للوصول إلى مجموعة من العقوبات تفرضها على الأسد، دون أن تطال الشعب السوري الذي يعيش ظروفاً معيشية مريعة، حتى قبل ثورته، فإن قوائم الأشخاص الذين يستحقون تجميد أرصدتهم جاهزة، وقد وردت بصور متتالية في العقوبات المتلاحقة الأميركية والأوروبية. أي أن الأمر لا يحتاج لمزيد من الوقت والجهود الاستخباراتية، لتحديد الأسماء الناهبة لثروات ومقدرات السوريين. وبعد ذلك، تستطيع الدول العربية بمجلس "جامعتها" الاقتصادي والاجتماعي، مدعوماً بالمجلس الوزاري "لـلجامعة"، أن تتفرغ لوضع قائمة عقوبات اقتصادية "ذكية" على السلطة في سورية، مستفيدة أيضاً من بحوث واستنتاجات الأميركيين والأوروبيين بهذا الصدد، الذين استفادوا وتعلموا في الواقع، من فوضى العقوبات التي فرضوها على العراق في عهد صدام حسين.. تلك العقوبات التي نالت من الشعب العراقي، دون أن تنال من المُستهدَف نفسه. بمعنى آخر، أن عقوبات اليوم، لم تعد كعقوبات الأمس. فهي خاصة محددة وقاصمة لمعذبي الشعوب، لا للمعذَبين.

ورغم "ذكاء" العقوبات الجديدة و"تهديفها" المصوب، فإنها تفقد "ذكائها" وهدفها نهائياً إذا ما طال أمد بقاء السلطة (أو النظام) المُستهدَف. فالصرامة الاقتصادية لن تحقق غاياتها، إلا بصرامة سياسية أقوى.. وفي بعض الحالات، إلا بصرامة ميدانية.

مرة أخرى، ليس أسهل وأسرع على العرب حالياً، سوى إطلاق حملة تجميد أرصدة الأسد وأعوانه وأسرته، وهم (أي العرب) يملكون غطاءً أخلاقياً لا أحد يستطيع الدخول في جدل حوله. لينظروا إلى الثروات السورية المنهوبة على مدى أكثر من أربعين عاماً، ليراجعوا كيف أمكن لشخص واحد في سورية (رامي مخلوف ابن خال الأسد الابن) السيطرة على ما بين 60 و65 في المائة من اقتصاد البلاد، ليستعرضوا كيف سرق رفعت الأسد (شقيق الأسد الأب)، كل موجودات المصرف المركزي، ووضع مكانها أوراقاً نقدية سورية بدون سند أو رصيد.. ليتذكروا المساعدات التي قدموها للأسد الأب والابن، ولم يشهدوا آثارها على الأرض.

الأحد، 20 نوفمبر 2011

المبادرة الوطنية لتوحيد المعارضة السورية










انطلاقا من احساسنا بالمسؤولية تجاه اخوتنا وألنا والثوار في داخل سورية وخارجها ، ووفاء لدماء شهداءنا ، ولايماننا العميق بان توحيد الجهود والعمل المشترك هو من أهم الاسباب التي تسرع في اسقاط النظام الغاشم المجرم ، وفي ظل عدم وجود رؤية مشتركة موحدة تعبر عن مطالب الشعب وغياب جسم معارض موحد يحظى بثقة السوريين والمجتمع الدولي كبديل مرحلي حقيقي ينتزع اعتراف المجتمع الدولي ويعتمد كمفاوض وسفير حقيقي للثورة والشعب.


فقد عقدنا العزم على أن نطرح مبادرتنا الرامية للتخاطب مع كافة مكونات وقوى المعارضة السورية بهدف الوصول إلى صيغة مشتركة تقرّب جميع وجهات النظر وترأب أي صدع موجود منطلقين من إيماننا بوطنية غالبية القوى العاملة واهدافها ، مستمدين الشرعية الوطنية من شعبنا وثوارنا الصامدين وشعاراتهم وأهدافهم ومن دماء الشهداء ,وسنبقى دعاة الوحدة والتفاهم مع جميع الأطراف وكل من يعمل من أجل اسقاط النظام وفق الأهداف والمهام التالية :

الأهداف والمهام :

1- إسقاط النظام بكامل أركانه وعلى رأسه بشار الاسد.

2- مطالبة المجتمع الدولي بحماية المدنيين.

3- ايجاد منطقة آمنة او أكثر مع حظر جوي فوق السماء السورية.

4- المطالبة بتفعيل سحب الشرعية الدولية عن النظام وعزلـه.

5- إحالة الملف السوري فيما يخص انتهاكات حقوق الإنسان الى مجلس الأمن ومحكمة الجنايات الدولية.

6- دعم الجيش السوري الحر والمنشقين ودعوة الجيش للانشقاق.

7- دعوة كوادر الدولة للانحياز لقضية شعبها المنادي بالحرية.

8- مطالبة الجهات الدولية بالحجز على كافة الحسابات والاموال التي تعود للنظام وكافة أركانه.

9- التعاون مع هيئات الاغاثة الدولية لرعاية أسر الشهداء والمفقودين والمهجرين والمعتقلين.

10- الضغط من أجل اطلاق سراح جميع المعتقلين.

11- العمل مع كافة المنظمات والجهات العربية والدولية بمافيها جامعة الدول العربية في كل مايخدم قضية شعبنا ويسرع في اسقاط النظام.

الــرؤيــا :

بناء دولة سورية الحديثة قائمة على أسس الديموقراطية والعدالة الاجتماعية والتعددية والتوافق بين مكوناتها الوطنية بعد تفكيك نظام الاستبداد الشمولي العائلي. واعادة هيكلة جميع مؤسسات الدولة بما يكفل تحقيق المبادئ التالية :

1. سورية دولة مدنية ديموقراطية تعتمد النظام البرلماني والتداول السلمي للسلطة والفصل بين السلطات الثلاثة .

2. سورية الجديدة وطن لكل السوريين بكامل مكوناتهم العرقية والدينية والسياسية مع الغاء مصطلح الاقليات من القاموس السياسي السوري.

3. الالتزام بكافة المعاهدات والعقود والاتفاقيات الدولية ، والتصديق على كافة المواثيق المتعلقة بحقوق الانسان.

4. إقامة علاقات دولية مبنية على المصالح الوطنية.

5. الدعوة إلى تشكيل لجنة من الخبراء والمختصين تقوم باعداد مسودة دستور جديد يعرض على الاستفتاء العام .

6. تشكيل لجنة الانصاف والمصالحة في إطار برنامج العدالة الانتقالية لرد الحقوق والمظالم الى أهلها ونشر ثقافة التسامح في المجتمع.

7. العمل على إيجاد حل عادل وشامل لكافة القضايا بشكل عام والقضية الكوردية بشكل خاص يضمن رفع الاضطهاد عن كاهل الكورد وغيرهم من القوميات والمكونات السورية الاخرى والاستجابة لحقوقهم القومية ضمن سورية الواحدة وضمان ذلك في بنود مشروع الدستور.

يؤكد المجتمعون رغبتهم الأكيدة في توحيد الجهود الوطنية والعمل المشترك مع كافة مكونات المعارضة السورية وعليه تم تشكيل لجنة اتصال مع جميع هذه القوى للوصول لرؤية مشتركة وجسم موحد يخدم القضية الوطنية وسنوافى شعبنا بنتائج هذه الاتصالات خلال اسبوع من الان علما ان اعضاء اللجنة هم:

أعضاء اللجنة:

الدكتور/ صادق جلال العظم ، الدكتور عبدالرزاق عيد ، نوفل الدواليبي ، صلاح بدر الدين ، وحيد صقر ، بسام جعارة ، مشل الطحان، الدكتور/ عمار القربي ، بسام انطوان بيطار ، حازم العرعور، ضياء الدين دغمش ، الدكتور/ رضوان باديني ، السيدة/ خولة يوسف ، الدكتور/ عمرو العظم ، محمد كركوتي ، شادي الخش، الأمير/ جمال الشايش، صلاح الدين بلال ، السيدة/ ايمان شاكر، سيد السباعي ، وسيم الابازيد، فهد النجرس ، ماهر اسبر، أمير الدندل ، لما التلاج ،ممدوح راكان الطحان.

القاهرة : السبت 20-11-2011



الأربعاء، 16 نوفمبر 2011

المساعدات المالية المنهوبة في سورية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")








"سنكون غير أخلاقيين لو سمحنا لهذا المصاص أن يحتفظ بالأموال التي سرقها"
ونستون تشرتشل رئيس وزراء بريطانيا الراحل

 
 
 
كتب: محمد كركوتــــي
 
في منتصف تسعينات القرن الماضي جمعتني جلسة خاصة في لندن، مع حاكم عربي راحل كان ساخطاً بصورة عبرت عن مكنونات الغيظ والغضب بداخله حيال حافظ الأسد (الأول والأخير). ومن فرط غضبه وامتعاضه، خرج (وربما لأول مرة في حياته)، عن تحفظه النادر في الهجوم على أي حاكم عربي، حتى ولو كان في جلسات خاصة ومحدودة جداً. كان يؤمن بأن انتقاداً بسيطاً لحاكم عربي ما، لن يولد سوى أزمة (وربما أزمات) في بيئة سياسية عربية، تعج بكل "معاول" ومحفزات صناعة الأزمات. وبتعبير شعبي "نحنا مش ناقصين".

أما لماذا كان هذا الحاكم ساخطاً وغاضباً وممتعضاً من الأسد الأب؟ فلأن هذا الأخير رفض وهاجم (بعد أن انتقد) خطة وضعها الحاكم العربي، لتحويل المساعدات المالية المباشرة التي كانت تقدمها بلاده لسورية، إلى مشاريع تنموية يشرف عليها مختصون من الدولة المانحة، وذلك بعد أن تأكد له ولدوائره المختصة على مدى سنوات، أن هذه المساعدات لا تنتهي في محطاتها الطبيعية، بل تستقر في خزائن الأسد وأسرته، ولا بأس من الأعوان الذين يقدمون الخدمات الأهم له، وهي تلك التي تحصن وتحمي سلطته غير الشرعية. وعلى الفور قرر هذا الحاكم العربي الغاضب، أن يحتج على الأسد الأب (الذي بهجومه على خطة المساعدات الجديدة، عزز المعلومات بأنها تُسرق)، بأن اختصر أيام زيارته الرسمية لسورية، بحجج دبلوماسية عرف الجميع أنها وهمية.

والحقيقة، أن الدولة العربية المانحة هذه، عممت في منتصف العقد التاسع من القرن الماضي، تحولها الجديد على غالبية البلدان التي تتلقى منها المساعدات، بغية أن تصل هذه المساعدات فعلاً إلى مستحقيها. إلا أنها وجدت صعوبات لا حدود لها مع حافظ الأسد من بعده ابنه بشار. فالأب (ومنذ مطلع سبعينات القرن الماضي) تعاطى مع سورية، كمتصرفية عائلية خاصة، "تصادف" أن يكون فيها شعب، فمَلَك نفسه هذا الشعب، وتخلص في الوقت نفسه من غير المرغوب فيهم. وعندما مات الأب، وجد بشار الأسد (الوريث غير الشرعي لأي شيء في سورية)، نفسه مالكاً لجمهورية ومعها الشعب هدية. وعلى هذا الأساس، استهجن الأسد الأب واستشاط غضباً، أن تكون المساعدات المالية، عبارة عن مشاريع تنموية يشرف عليها مانحوها على المديين المتوسط والبعيد.

تتشابه المساعدات المالية التي تلقاها الأسد الأب والابن، بعوائد النفط السوري المنهوب على أيديهما، مع فارق وحيد، هو أن الشعب السوري كان يستفيد من نسبة ضئيلة جداً من المساعدات، لا أحد يستطيع أن يحددها، بينما لا ينتفع فرد سوري واحد من عوائد بلاده النفطية. وهذه النسبة، ليست سوى وسيلة تمويه للمساعدة على سرقة المساعدات. فعلى مدى أربعة عقود تلقت سورية مساعدات مالية عربية لوحدها تبلغ 30 مليار دولار أميركي، أي ما يوازي 750 مليون دولار في العام الواحد، أو ما يساوي 3 مليون دولار يومياً، وذلك طبقاً للبنك الدولي، الذي أورد في تقرير له أن سورية ومصر انفردتا لوحديهما، بـ 47 في المائة من المساعدات العربية للدول العربية، التي بلغ مجموعها 136 مليار دولار. ورغم تردي أسعار النفط في الأسواق العالمية في فترة ثمانينات القرن الماضي وتسعينياته، إلا أن وتيرة المساعدات العربية لسورية لم تتراجع كثيراً، على اعتبار أنها دولة مواجهة، رغم أنها لو تواجه أحداً منذ حرب 1973 إلا شعبها. ولأن الأسرار لا تبقى عادة في مخابئها، فقد أظهرت وثائق روسية، أن التعاون العسكري بين حافظ الأسد والاتحاد السوفييتي السابق، وفر للأسد أكثر من 12 مليار دولار أميركي من قيمة المعدات العسكرية، وهو بذلك حصل على مساعدات للمجهود الحربي، من السوفييت والعرب، في حين لم تصل تكاليف تسلح الجيش السوري (الذي يقتل السوريين العزل حالياً) إلى أكثر من 15 وفي أفضل الأحوال إلى 18 مليار دولار، وفق التقديرات المحايدة! يضاف إلى ذلك، أن نسبة المساعدات الخارجية الكُلية لسورية بلغت في عقدي الثمانينات والتسعينات أكثر من 60 في المائة من الإيرادات!

في سورية تُعتبر المساعدات العربية تحديداً (كما النفط السوري) من أسرار أمن الأسد وأسرته، فقد فشلت كل الجهات الرقابية العربية والدولية، في تحديد الآثار التنموية لهذه المساعدات على الساحة السورية، وظلت التنمية ما دون الحد الأدنى، مقارنة مع أي دولة تتشابه اقتصادياً مع سورية، فمعدلات الفقر ارتفعت ومعها البطالة، وانتقلت الشرائح المتعددة في المجتمع السوري من حالة دنيا إلى وضعية أدنى، بفعل اقتصاد مريع يستحق بجدارة توصيف "اقتصاد الهلاك"، الذي مر بمراحله المريعة "التفقير، والفقر وما دونه، والتشبيح". ولا توجد مساعدات مالية، مهما علت قيمتها، يمكن أن تصمد أمام هذه الأنواع من الاقتصادات المبتكرة. فلا غرابة إذن.. ألا تظهر آثار 30 مليار دولار في سورية. المحاولات التي قامت بها الدول العربية المانحة، من أجل أن تصل أموالها إلى مستحقيها السوريين، ولتنمية اقتصاد متهالك ومشوه، اصطدمت بممانعة الأسد الأب والابن. فنجاح المحاولات العربية، يعني بالضرورة "قطع الدم" عن واحد من الأوردة المالية التي تعيش السلطة بها.

الثلاثاء، 8 نوفمبر 2011

في سورية «مُندس» اقتصادي

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




''الأفضل أن تبقى صامتا وتعطي الانطباع أنك أحمق، على أن تتحدث وتزيل الشكوك حول حمقك''
مارك توين كاتب وأديب أمريكي



كتب: محمد كركوتــــي
 
لأول مرة منذ حافظ الأسد (الأول والأخير)، إلى بشار الأسد (الأول والأخير أيضا)، يُعلَن رسميا في سورية عن طبيعة وحجم الموارد العامة، رغم كل الشكوك حول الأرقام. فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، كانت هذه الموارد تدخل (دون إعلان ذلك بالطبع) ضمن نطاق الأمن القومي، ولكنها في الحقيقة، تصب في إطار أمن السلطة في البلاد، التي مزجت بين أمنها الخاص وأمن الوطن، ووحَّدت حالة الدولة فيها وليس العكس. هذه السلطة (كما الحكومات المارقة التي اندثرت في هذا العالم) تخفي ثروة البلاد، ليس خوفا من الحسد، ولكن حفاظا على إمدادات مالية سرية منهوبة، تكفل لها الاستمرار في الحكم أطول فترة ممكنة، وتوفر لها أرضية صلبة لتوريث السلطة من الأب إلى الابن إلى الحفيد.. وإلى حفيد الحفيد! وكلنا يعرف، أن السارق لدولار واحد أو السارق لمليارات الدولارات، لا يتركان قائمة بمسروقاتهما. وكنت قد أشرت في مقال سابق لي، إلى أن السارق المحترف، يكمل سرقته، بنهب ما أمكن له من الدفاتر التي تحتوي على الموجودات المسروقة، كجزء من عملية تضليل تستهدف أولئك الذين يوجهون الأسئلة، عن مصير الموجودات.

ولهذا السبب وضع الأسدان الأب والابن، استراتيجية يمكن أن نطلق عليها توصيف ''استراتيجية الصمت الاقتصادي''، وهي تقوم على إعلان الإنفاق العام في الموازنات السنوية، مع ''الإعلان'' عن ناتج وطني وهمي بلا دفاتر ولا سجلات، وبلا اقتصاديين سوريين يتحدثون عنه، وبلا نواب للشعب (إن وجدوا أصلا بصورة شرعية) يوجهون الأسئلة حوله. ولأن الأمر كذلك، لم يظهر مسؤول واحد على الساحة الدولية، بما في ذلك المسؤولون في المؤسسات الدولية الاقتصادية المعروفة، مستعد لقراءة موازنة واحدة من الموازنات السورية على مدى أربعة عقود، وكان هؤلاء يتعاطون مع الاقتصاد السوري وفق تقديراتهم، وليست استنادا إلى ما توزعه السلطة من معلومات لا قيمة لها.

وعلى الرغم من أن محمد الشعار وزير اقتصاد بشار الأسد، كسر ''استراتيجية الصمت الاقتصادي''، إلا أنه لم يستطع أن يستقطب أية جهة ذات قيمة ومصداقية، يمكنها أن تمنح أرقامه الخاصة بالناتج الوطني (المحلي)، أي شكل من أشكال المصداقية. فقد فضح نفسه ومعه السلطة التي يتحدث باسمها، قبل أن ينتهي من خطابه الذي ألقاه في ''الملتقى الوطني للإصلاح الاقتصادي''، الذي تنظمه السلطة نفسها! والحقيقة أن الأسد كان يريد من خلال خطة ''كسر'' الاستراتيجية عبر وزير اقتصاده، أن يمهد الطريق ''نفسيا'' لخطة جديدة تضاف إلى الخطط الاقتصادية ''الصبيانية'' الأخرى، التي أطلقها منذ اندلاع الثورة الشعبية السلمية العارمة في البلاد. وهذه الخطة تهدف إلى رفع الدعم الحكومي عن المواد الاستهلاكية الأساسية. ولأن الأمر كذلك، فقد بدأ الأسد الخطة فعلا، من خلال الإعلان بأن الاقتصاد السوري يمر بحالة طوارئ. بل مضى أبعد من ذلك، حين أوعز للشعار ليقول ''من واجب البنك المركزي دعم مشتريات الدولة، وليس حاجات المواطن''! وهو من دون أن يدري، أكد مجددا أن البنك المركزي السوري ليس مركزيا؛ لأنه وُجد لدعم مشتريات الدولة، التي اختصرها الأسد الأب والابن في عائلة واحدة.

''أشكر'' وزير اقتصاد الأسد، لأنه ذكرني بقول للفيلسوف والمؤلف الأمريكي المثالي هنري ثورو عن الحمقى. ماذا قال؟ ''أي أحمق يمكنه أن يضع القوانين، وأي أحمق آخر يقبلها''. وكان وليام شكسبير الأديب الإنجليزي سبقه، عندما قال ''الأحمق يظن نفسه أنه حكيم، لكن الحكيم يعتقد نفسه أنه أحمق''. لقد عزز الأسد مرة أخرى الاعتقاد بأن الثورة السورية، أدخلته في عالم لا ينتهي من الاضطراب والفوضى والتخبط في صنع القرارات. فقد أضاف (في تسويقه المبدئي لرفع الدعم عن المواد الاستهلاكية)، آلية جديدة إلى الآليات التي تعج بها سورية، لإنهاء نظامه إلى الأبد. فلا يوجد حاكم له من الحكمة حدها الأدنى، يمكن أن يفكر في هذه الخطوة، حتى وإن كان يعيش استقرارا سياسيا، فكيف الحال وسقوط الأسد المتوقع بات قاب قوسين أو أدنى؟ والمؤكد أن بشار الأسد لا يقرأ التاريخ؛ لأن التاريخ هو حصيلة إجمالية لأشياء كان من الممكن تفاديها، وربما لا يقرأ أعوانه التاريخ أيضا. ليسترجعوا فقط الانتفاضات التي اندلعت ضمن محيطهم العربي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي؛ جراء قرارات مشابهة اتخذتها حكومات مصر وتونس والجزائر والأردن.

لا أعرف من اقترح على الأسد البدء بتسويق حملة رفع الدعم عن المواد الأساسية (الخبز والرز والسكر والزيت من بينها)، وأيا كان هذا المستشار ''النابغة''، فهو يستحق الشكر والثناء من الشعب السوري الذي يواصل ثورته السلمية، ويستحق أيضا توصيف ''مندس اقتصادي''. وأنا أقترح (إذا ما عُرف هذا المستشار) ألا يحاكم بعد زوال الأسد وسلطته. إنه بخطته هذه يُسرِع استكمال الثورة السورية؛ لأن ما بدأته هذه الثورة يمكن ببساطة أن ينهيه الاقتصاد. أليس العصيان المدني في البلاد بات على الأبواب؟

فلكلور اقتصادي سوري

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






''كما يمكن من خلال الصوت معرفة إذا ما كانت السفينة متشققة أم لا. يمكن من الخطابات معرفة إذا ما كان قائلوها حكماء أم حمقى''.
ديموستيني ـــ رجل دولة إغريقي



كتب: محمد كركوتــــي

لفتني تعليقان متناقضان لقارئين علقا على تصريحات لي لموقع ''العربية نت'' حول نية السلطة في سورية تحويل المعاملات التجارية من اليورو إلى الروبل الروسي، كـ ''عقاب'' أحمق من الأسد للاتحاد الأوروبي بسبب العقوبات التي يفرضها عليه. الأول قال ''إن فكرة وليد المعلم وزير خارجية الأسد، بمحي أوروبا من الخارطة، يمكن أن تتحقق من خلال انفراط السبحة الأوروبية، الذي قد يؤدي إلى انهيار اليورو''، والثاني قال مستغرباً ''حتى الروس أنفسهم يستخدمون الدولار واليورو في تجارتهم، سنأتي نحن ونقبض روبل!''. الأول، اعتبر أن الخطوة السورية ستساعد في تحقيق ''فكرة'' المعلم! والثاني (رغم بساطة طرحه) استند إلى حقيقة اقتصادية لا تحتاج إلى إقتصاديين للكشف عنها أو إبرازها، وهي، كيف يمكن استبدال عملات قوية وثابتة ومضمونة، بعملة ضعيفة ومهزوزة؟! وإذا أردت أن أضيف شيئاً إلى ما قاله القارئ الثاني، أقول: إن الحماقة الاقتصادية هي مولودة طبيعية للحماقة السياسية عند السلطة السورية، يضاف إليها عامل رئيس آخر هو الفساد الاقتصادي بكل أنواعه (النهب المنظم والفوضوي في مقدمته) على مدى أكثر من أربعة عقود.

وللإنصاف لم يتخذ الأسد الأب الذي ألغى الاقتصاد السوري بمفهومه العام، قرارات مماثلة بتغيير عملات المعاملات التجارية، على مدى ثلاثة عقود حكم فيها البلاد، على الرغم من أن سلطته كانت تخضع أيضاً لعقوبات دولية مختلفة، باعتبارها سلطة لا تملك شرعية، وحاضنة رئيسة للإرهاب. لكن الأمر ليس كذلك عند الأسد الابن، الذي يعبر عن غضبه بآليات تحاصره ومعه أعوانه، وتزيد هموم وخراب اقتصاد بات خاصاً أكثر من كونه وطنياً. لقد تحول استبدال العملات في المعاملات التجارية في عهد بشار الأسد إلى ''فلكلور اقتصادي'' يثير سخرية بلا حدود، مع اضطراب مهيمن في صنع القرار الاقتصادي. فقد سبق أن قرر وقف التعامل بالدولار الأمريكي كرد على العقوبات الأمريكية عليه، واستبدله باليورو، والآن يريد استبدال اليورو! ولا أدري إن صوتت روسيا (مثلاً) ضد الأسد في مجلس الأمن الدولي، هل سيقوم باستبدال الروبل الروسي بالريالات الثلاثة الفنزويلي واليمني والإيراني (أو أحدها) مثلاً؟!

والحقيقة، أن هذه القرارات التي تتخذها السلطة في سورية، لا تخرج عن كونها ''فقاعات إعلامية''، تماماً مثل الفقاعات التي تُحدِثها قرارات الإصلاح السياسي في البلاد. والفقاعات الثقيلة تنفجر عادة فوق رأس مطلقها، وهذا ما حدث فعلاً، عندما قرر الأسد وقف التعامل بالدولار الأمريكي، وكذلك الأمر بالنسبة لليورو. وكنت قد قلت في تصريح سابق ''إذا كان الأسد يعتقد أنه بتحوله إلى الروبل سيؤذي أوروبا، فهذا يثبت مجدداً أنه يتصرف سياسياً واقتصادياً خارج الواقع تماماً''، فحجم التجارة السورية ليس كبيراً بما يكفي ليؤثر على عملة مثل اليورو. والناتج الحاصل من ''الفلكلور'' والفقاعة، ليس أقل من خسارة السوريين في عمليات تبديل العملات، وهو أمر يحاول أي تاجر تفاديه. وعندما أوقف الأسد التعامل بالدولار، وجد التجار السوريون طرقا التفافية على هذا القرار. وللتذكير فقط، فقد اعترف حاكم المصرف المركزي السوري أديب ميالة علانية، بأنه أخفق في تطبيق هذا القرار.

والمتابع العادي يستطيع أن يصل إلى استنتاج واضح، بأن التحول إلى عملات غير مستقرة (والروبل في مقدمتها)، ليس سوى حركة اقتصادية صبيانية. والمثير للسخرية، أن هناك في سورية من طالب بالتحول إلى الروبية الهندية! وهذا يدفعني إلى أن أقترح على الأسد، أن يعتمد سلة عملات الدول التي تقف عثرة في استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي لحماية المدنيين السوريين من حرب الإبادة التي يشنها عليهم. ولأنني أعرف أنه مشغول بقيادة هذه الحرب، أسهل عليه الأمر، بأن يضع في هذه السلة عملات البرازيل والهند وروسيا والصين ولبنان وجنوب إفريقيا. ولمزيد من التنويع، أقترح أيضاً إضافة عملات إيران وفنزويلا واليمن والجزائر، مع مقاطعة عنيفة للدينار الليبي. ولأنه مشغول في حربه، ألفت انتباهه إلى أن حجم تداول الروبل الروسي اليومي في الأسواق العالمية، يقل عن 1 في المائة، ولأنه يهدد أيضاً باستخدام اليوان الصيني، أقول له: إن هذه العملة ليست قابلة للتحويل كلياً. إن السلطة في سورية أخذت شعبها واحتياجاته المعيشية كرهينة، وهي تحكم القبضة عليه من خلال قرارات اقتصادية مريعة، إلى جانب مدرعاتها وطائراتها وسفنها الحربية ودباباتها ومدفعيتها وشبيحتها.

سأعتبر أن الأسد لا يعرف (وهو أمر مستحيل ليس من فرط الذكاء، ولكن من فرط نفي الحقيقة)، وأتبرع له بمعلومات ''سرية''. فسورية تحتاج سنوياً لاستيراد أكثر من مليوني طن من الذرة، و300 ألف طن من الأرز، و800 ألف طن من الشعير، وآلاف الأطنان من السكر، وعمليات الاستيراد هذه لا تتم إلا بعملات لها قيمتها ووزنها وحصانتها وفي مقدمتها الدولار الأمريكي واليورو. وللأسد أيضاً أقول: قبل هذا وذاك، تحتاج سورية إلى الحرية، تلك التي يسعى إلى جلبها شعب عن طريق ثورة استثنائية في التاريخ، ثورة سلمية شعبية عارمة.

عناوين اقتصادية سورية غريبة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







''اكتب دائماً رسائل غاضبة إلى أعدائك.. لكن إياك أن ترسلها''
جيمس فالوس ـــ كاتب وصحافي أمريكي



كتب: محمد كركوتــــــي
 
بالطبع لا يوجد عنوان سوري يقارع العناوين السورية الأخرى بالفكاهة الميلودرامية، مثل العنوان ــــ التصريح التاريخي لوليد المعلم وزير خارجية بشار الأسد، الذي قرر فيه ''محو أوروبا عن الخارطة''، دون أن يعرض على الحاضرين الباسمين بالطبع طرازاً من ''الممحاة'' التي سيستخدمها في إزالة هذه القارة، إذا ما كانت العملية تقليدية، ومن غير أن يستعرض طبيعة مفتاح الـ Delete، إذا ما كانت إلكترونية متطورة. ربما اعتبرها أسلحة استراتيجية لا يجوز عرضها على الملأ، خصوصاً أنه ــــ كما رئيسه ـــ ملتزم التزاماً تاريخياً، بالمبدأ الوحيد لدى السلطة في سورية ''الاحتفاظ بحق الرد''، وهو ''حق'' مجمد إلى الأبد، ما عدا الرد الوحشي على الثورة الشعبية السلمية العارمة التي تجتاح البلاد. هذا العنوان، فتح شهية من يرغب في توقع طبيعة الرد من خلال عقوبات سورية على أوروبا تشمل، حظر تصدير الصابون الحلبي (ومعه الزعتر)، أو البرازق الشامية، أو الناطف اللاذقاني (يُستخدم كطبقة حلوة المذاق فوق الكرابيج)، أو المعجوقة الحمصية، أو الجبنة القديمة المعروفة باسم الشنكليش ومعها الجبن البلدي (خصوصاً لفرنسا)!

وهناك من يرى تنافساً واضحاً بين عنوان المعلم، وعنوان آخر أطلقه رامي مخلوف (ابن خال الأسد الذي يمتلك أكثر من 60 في المائة من الاقتصاد الوطني)، في زحمة استهدافه (وأعوان الأسد) من قبل أوروبا والولايات المتحدة كأكبر ناهب للمقدرات السورية. ماذا قال؟ ''قررت التقاعد عن مزاولة الأعمال وإدارة المؤسسات، والتفرغ للعمل الخيري''! وقتها قلت في إحدى مقابلاتي التلفزيونية: ''لو كانت ماما تيريزا على قيد الحياة، وسمعت ما قاله مخلوف، لقررت هي التحول إلى إرهابية، ولا بأس أن تتحول إلى حرامية''. لكني لا أزال أعتقد، بأن المعلم يستحق كأس العالم في بطولة إطلاق العناوين، ويستحق مخلوف الكأس، ولكن في دورة أخرى.

والحقيقة أن أي وزير لدى الأسد، لم يقترب في عناوينه من ''جودة'' عنوان المعلم. ورغم أن حاكم المصرف المركزي أديب ميالة، استطاع أن يحقق تقدماً في ''موسوعة'' العناوين السورية، إلا أنه لم يتمكن من الميل نحو ''براعة'' المعلم. لكن هذا لا يقلل من عنوانه الطريف ''إن سورية محسودة على استقرار صرف عملتها الوطنية''، دون أن يعلن، إذا ما كان قد أحاطها بحجاب يمنع الحسد، والعنوان الآخر الظريف بعد موجة العقوبات الأوروبية على سلطة الأسد ''على الشعب السوري أن يأكل الخبز الأسمر، والاستغناء عن البسكويت''، ربما كانت لديه ''إحصائيات''، تفيد بأن هذا الشعب مصاب بداء السكري، لا بشعور المرارة. وميالة الميال للأسد إلى حد التوحد كداء، لا كحالة تضامنية، يهدد أوروبا (لكن لا يمحوها من الخارطة)، بأن سورية تخطط ''لاستبدال اليورو بالروبل الروسي في تعاملاتها التجارية الخارجية''، عقاباً لها على عقوباتها. ولمن نسي فقط.. كان هو نفسه من قام بوقف التعامل التجاري في عام 2005 بالدولار الأمريكي، واستبداله باليورو، رداً على العقوبات الأمريكية التي فرضت على السلطة، في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. الذي حدث وقتذاك، أن التجار السوريين التفوا بطرق مختلفة على هذا القرار، وواصلوا التعامل بالدولار. ولكي يدب ''الرعب'' في قلب أوروبا قال: ''إن الروبل واليوان الصيني سيضافان إلى الجدول اليومي الصادر عن البنك المركزي السوري حول أسعار العملات الأجنبية''.
ولأن سلطة بشار الأسد خائفة على مصيرها من الثورة الشعبية، وكذلك الأمر بالنسبة لأعوانها، فقد أوقع حاكم المصرف ''المركزي'' نفسه بمجموعة من التصريحات ـــ العناوين. فالمعروف أن حكام المصارف المركزية في أي مكان، من أكثر المسؤولين شحاً في التصريحات. وفي الوقت الذي يخوض فيه ميالة حرباً على المضاربين على العملة، لم يتردد في القول: ''إن هناك خمسة مليارات دولار مخصصة لدعم سعر صرف الليرة، صُرف منها ما يعادل مليارين''، وهو بذلك كشف أوراقه في عز حربه هذه! ومن جملة عناوينه ''اللذيذة'' أن ''الاحتياطي النقدي في المصرف المركزي يصل إلى 17 مليار دولار''، والأمر لا يحتاج لخبراء في الاقتصاد لمعرفة أن السرقات الكبرى التي ارتفعت وتيرتها في أعقاب الثورة على الأسد، أوصلت الاحتياطي إلى ما يقرب من 12 مليار دولار. ويقول أيضاً ''إننا لا نطبع الأوراق النقدية دون رصيد''، لكن الرد يأتي من المؤسسات الأجنبية برفض قبول الأوراق النقدية السورية من فئتي الألف والـ 500 ليرة. ومن العناوين الاقتصادية السورية الفكاهية، قرار بحظر استيراد 25 في المائة من الواردات، وقرار آخر في غضون أقل من أسبوع يلغي القرار الأول!
لا أعرف ماذا سيكون عليه الشكل العام ''لإنتاج'' العناوين ـــ التصريحات السورية في الأيام المقبلة. ربما نسمع عن حظر سوري على تصدير الطائرات للولايات المتحدة، والسيارات لألمانيا، والسفن لبريطانيا، والشاحنات لفرنسا، وأجهزة الكمبيوتر لليابان، والورق لفنلندا، والأحذية لإيطاليا. خصوصاً إذا ما ضرب الحظر السوري على تصدير البقلاوة والصابون والمعجوقة والناطف واللبان والجبنة البيضاء، قلب الاقتصاد الأوروبي!