الثلاثاء، 8 نوفمبر 2011

عناوين اقتصادية سورية غريبة

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







''اكتب دائماً رسائل غاضبة إلى أعدائك.. لكن إياك أن ترسلها''
جيمس فالوس ـــ كاتب وصحافي أمريكي



كتب: محمد كركوتــــــي
 
بالطبع لا يوجد عنوان سوري يقارع العناوين السورية الأخرى بالفكاهة الميلودرامية، مثل العنوان ــــ التصريح التاريخي لوليد المعلم وزير خارجية بشار الأسد، الذي قرر فيه ''محو أوروبا عن الخارطة''، دون أن يعرض على الحاضرين الباسمين بالطبع طرازاً من ''الممحاة'' التي سيستخدمها في إزالة هذه القارة، إذا ما كانت العملية تقليدية، ومن غير أن يستعرض طبيعة مفتاح الـ Delete، إذا ما كانت إلكترونية متطورة. ربما اعتبرها أسلحة استراتيجية لا يجوز عرضها على الملأ، خصوصاً أنه ــــ كما رئيسه ـــ ملتزم التزاماً تاريخياً، بالمبدأ الوحيد لدى السلطة في سورية ''الاحتفاظ بحق الرد''، وهو ''حق'' مجمد إلى الأبد، ما عدا الرد الوحشي على الثورة الشعبية السلمية العارمة التي تجتاح البلاد. هذا العنوان، فتح شهية من يرغب في توقع طبيعة الرد من خلال عقوبات سورية على أوروبا تشمل، حظر تصدير الصابون الحلبي (ومعه الزعتر)، أو البرازق الشامية، أو الناطف اللاذقاني (يُستخدم كطبقة حلوة المذاق فوق الكرابيج)، أو المعجوقة الحمصية، أو الجبنة القديمة المعروفة باسم الشنكليش ومعها الجبن البلدي (خصوصاً لفرنسا)!

وهناك من يرى تنافساً واضحاً بين عنوان المعلم، وعنوان آخر أطلقه رامي مخلوف (ابن خال الأسد الذي يمتلك أكثر من 60 في المائة من الاقتصاد الوطني)، في زحمة استهدافه (وأعوان الأسد) من قبل أوروبا والولايات المتحدة كأكبر ناهب للمقدرات السورية. ماذا قال؟ ''قررت التقاعد عن مزاولة الأعمال وإدارة المؤسسات، والتفرغ للعمل الخيري''! وقتها قلت في إحدى مقابلاتي التلفزيونية: ''لو كانت ماما تيريزا على قيد الحياة، وسمعت ما قاله مخلوف، لقررت هي التحول إلى إرهابية، ولا بأس أن تتحول إلى حرامية''. لكني لا أزال أعتقد، بأن المعلم يستحق كأس العالم في بطولة إطلاق العناوين، ويستحق مخلوف الكأس، ولكن في دورة أخرى.

والحقيقة أن أي وزير لدى الأسد، لم يقترب في عناوينه من ''جودة'' عنوان المعلم. ورغم أن حاكم المصرف المركزي أديب ميالة، استطاع أن يحقق تقدماً في ''موسوعة'' العناوين السورية، إلا أنه لم يتمكن من الميل نحو ''براعة'' المعلم. لكن هذا لا يقلل من عنوانه الطريف ''إن سورية محسودة على استقرار صرف عملتها الوطنية''، دون أن يعلن، إذا ما كان قد أحاطها بحجاب يمنع الحسد، والعنوان الآخر الظريف بعد موجة العقوبات الأوروبية على سلطة الأسد ''على الشعب السوري أن يأكل الخبز الأسمر، والاستغناء عن البسكويت''، ربما كانت لديه ''إحصائيات''، تفيد بأن هذا الشعب مصاب بداء السكري، لا بشعور المرارة. وميالة الميال للأسد إلى حد التوحد كداء، لا كحالة تضامنية، يهدد أوروبا (لكن لا يمحوها من الخارطة)، بأن سورية تخطط ''لاستبدال اليورو بالروبل الروسي في تعاملاتها التجارية الخارجية''، عقاباً لها على عقوباتها. ولمن نسي فقط.. كان هو نفسه من قام بوقف التعامل التجاري في عام 2005 بالدولار الأمريكي، واستبداله باليورو، رداً على العقوبات الأمريكية التي فرضت على السلطة، في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. الذي حدث وقتذاك، أن التجار السوريين التفوا بطرق مختلفة على هذا القرار، وواصلوا التعامل بالدولار. ولكي يدب ''الرعب'' في قلب أوروبا قال: ''إن الروبل واليوان الصيني سيضافان إلى الجدول اليومي الصادر عن البنك المركزي السوري حول أسعار العملات الأجنبية''.
ولأن سلطة بشار الأسد خائفة على مصيرها من الثورة الشعبية، وكذلك الأمر بالنسبة لأعوانها، فقد أوقع حاكم المصرف ''المركزي'' نفسه بمجموعة من التصريحات ـــ العناوين. فالمعروف أن حكام المصارف المركزية في أي مكان، من أكثر المسؤولين شحاً في التصريحات. وفي الوقت الذي يخوض فيه ميالة حرباً على المضاربين على العملة، لم يتردد في القول: ''إن هناك خمسة مليارات دولار مخصصة لدعم سعر صرف الليرة، صُرف منها ما يعادل مليارين''، وهو بذلك كشف أوراقه في عز حربه هذه! ومن جملة عناوينه ''اللذيذة'' أن ''الاحتياطي النقدي في المصرف المركزي يصل إلى 17 مليار دولار''، والأمر لا يحتاج لخبراء في الاقتصاد لمعرفة أن السرقات الكبرى التي ارتفعت وتيرتها في أعقاب الثورة على الأسد، أوصلت الاحتياطي إلى ما يقرب من 12 مليار دولار. ويقول أيضاً ''إننا لا نطبع الأوراق النقدية دون رصيد''، لكن الرد يأتي من المؤسسات الأجنبية برفض قبول الأوراق النقدية السورية من فئتي الألف والـ 500 ليرة. ومن العناوين الاقتصادية السورية الفكاهية، قرار بحظر استيراد 25 في المائة من الواردات، وقرار آخر في غضون أقل من أسبوع يلغي القرار الأول!
لا أعرف ماذا سيكون عليه الشكل العام ''لإنتاج'' العناوين ـــ التصريحات السورية في الأيام المقبلة. ربما نسمع عن حظر سوري على تصدير الطائرات للولايات المتحدة، والسيارات لألمانيا، والسفن لبريطانيا، والشاحنات لفرنسا، وأجهزة الكمبيوتر لليابان، والورق لفنلندا، والأحذية لإيطاليا. خصوصاً إذا ما ضرب الحظر السوري على تصدير البقلاوة والصابون والمعجوقة والناطف واللبان والجبنة البيضاء، قلب الاقتصاد الأوروبي!

الثلاثاء، 18 أكتوبر 2011

"المركزيان السوري والإيراني".. الاستثمار في قطاع الهلاك

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"الطغاة لا يؤسسون طغيانهم لحماية الثورة، إنهم يقومون بالثورة لتأسيس الطغيان"
جورج أورويل كاتب وأديب بريطاني



كتب: محمد كركوتــــي

بين المصرفين المركزيين الإيراني والسوري.. يا قلبي احزن، ليس على مصيرهما المتداعي بالطبع، ولكن على دورهما المركزي في تمويل الخراب والإرهاب والقتل، وتوظيف قُطاع الطرق، وتخصيص الميزانيات للاغتيالات والتفجيرات، ورصد "المكرمات" للعصابات المأجورة الخارجة عن القوانين البشرية، حيث يتصدر حزب الله اللبناني الطائفي الإيراني قائمة هذه العصابات، ولا بأس من تمويل "دولة" حماس "المستقلة"، التي وجدت أن المرأة الفلسطينية التي تدخن الشيشة، ليست سوى آلية من الآليات المعطلة لتحرير فلسطين! وعلى الرغم من أن هذه الأموال الداخلة في "قطاع الهلاك"، هي ببساطة مسروقة من الشعبين الإيراني والسوري، إلا أن السرقات الجانبية الكبرى لا تتوقف، خصوصاً من خزائن "المركزي السوري".

في مقابلة أجرتها معي مؤخراً قناة "العربية"، سألتني المذيعة عن العقوبات الأوروبية المزمعة على المصرف المركزي السوري، وأجبت : أن هذا المصرف ليس سورياً بالمعيار الوطني، وليس مركزياً بالمعيار الاقتصادي. هو مصرف تملكه عائلة واحدة، ملكت في طريقها سلطة غير شرعية، لكن لا تضير هذه الأسرة مشاركتها في "الغنائم" الوطنية، بعض الأشخاص المحدودين جداً من خارجها. وفي مقال سابق لي في "الاقتصادية" حول العقوبات الأميركية المزمعة على المصرف المركزي الإيراني، أشرت إلى أن هذا المصرف ليس إيرانياً بالمعيار الوطني، وعلى عكس "زميله" السوري لا تملكه أسرة، بل يملكه نظام يؤمن بأن "الثورة" الإيرانية لا تزال بضاعة قابلة للتصدير، رغم انتهاء صلاحيتها زمناً وأخلاقاً، مع ضرورة الإشارة إلى أدوات التصدير السافرة.

لن تكون العقوبات الأوروبية على "المركزي السوري"، بمثابة رد من الأوروبيين على كل من روسيا والصين، لاستخدامهما حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي، ضد قرار إدانة السلطة في سورية على جرائمها ضد شعبها، كما تحب هذه السلطة أن تروج. إنها عقوبات تأتي ضمن سلسلة من الإجراءات التدريجية التي قرر الأوروبيون اتخاذها. أما لماذا تدريجية؟ فلكي تكون أكثر استهدافاً للسلطة ورموزها وأعوانها، وأكثر ابتعاداً عن الشعب السوري. ولأن هذا المصرف ليس عاماً، فاستهدافه مشروع، لأنه يوفر منجماً مالياً غير شرعي، لسلطة غير شرعية. فبعد أن جفف الاتحاد الأوروبي ما أمكن له من مصادر تمويل السلطة في سورية، في سبع موجات من العقوبات، بات من الضروري فرض عقوبات على هذا المصرف، الذي تنقص ودائعه على مدار الساعة، ليس بسبب الإنفاق العام، بل لسد النقص في الأموال التي تصب في خزائن السلطة، خصوصاً مع تعاظم المخاوف لدى بشار الأسد، بأن الإمدادات المالية الإيرانية لا يمكن أن تستمر إلى ما نهاية، لأن إيران بنظامها المُصدِر للخراب في كل الأرجاء، تعيش ظروفاً اقتصادية أكثر من صعبة. وجاء على مصرفها المركزي "الدور يا دكتور".

وعلى هذا الأساس تشكل العقوبات على المصرف المركزي السوري، ضربة أخرى لسلطة الأسد، التي بدأت تعاني من شح السيولة لتمويل حرب الإبادة ضد شعبها. والحقيقة أن حاكم المصرف نفسه (ميالة)، حذر حتى قبل أن تقدم أوروبا على خطوتها هذه، بأن الاحتياطي النقدي في المصرف يتناقص. ورغم أنه تحدث عن وجود ما يقرب من 17 مليار دولار أميركي في خزائن هذا المصرف، إلا أن المعطيات الاقتصادية على الأرض، تفيد بأن الاحتياطي وصل إلى ما بين 12 و13 مليار دولار، الأمر الذي شغَل آلات الطباعة السورية الخاصة بالسلطة، لطباعة أوراق نقدية بلا رصيد أو سند أو غطاء، ترفض المؤسسات الخارجية قبولها.

ومع هروب أكثر من 23 مليار دولار أميركي في الأشهر الأربعة الأولى من الثورة السلمية الشعبية العارمة، ستكون العقوبات المزمعة على المصرف المركزي، بمثابة مسمار آخر في نعش الكيانات التي توفر الإمدادات المالية للأسد وأعوانه. وربما هذا ما يفسر تخبط السلطة في إصدار قرارات اقتصادية، لا سيما المرتبطة بالعمليات التجارية المستهلكة للقطع الأجنبي. فقد تراجعت خلال أسبوع واحد فقط، عن قرار يحظر استيراد ما يقرب من 25 في المائة من الواردات، وذلك خوفاً من نقمة التجار الذين لا يزالون يعتقدون بإمكانية نجاة الأسد وسلطته. والطريف، أن الأسد أوقف في العام 2005 عبر المصرف المركزي الصفقات التي كانت تتم بالدولار الأميركي والتحول إلى اليورو، كـ "عقاب" منه للولايات المتحدة الأميركية، على عقوباتها التي فرضتها عليه وعلى أعوانه في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. وبالتأكيد لم تتأثر الولايات المتحدة بهذا "العقاب" (ولم ينهر اقتصادها من جرائها)، الذي أحدث اضطرباً كبيراً في الأوساط التجارية السورية. ويمكنني أن أتوقع، أن الأسد "يهرش" رأسه الآن بحثاً عن عملة أخرى غير اليورو، كـ "عقاب" لأوروبا على عقوباتها، لاسيما بعدما فشل وزير خارجيته وليد المعلم، في إزالة القارة الأوروبية عن الخارطة. لاشك بأن العقوبات الأوروبية على "المركزي السوري"، ستكون قاصمة للسلطة على صعيد التمويل المالي، خصوصاً وأنها (أي السلطة) لم تنجح حتى الآن في إيجاد من يشتري النفط السوري المرفوض أوروبياً، الذي يوفر لها (وليس للشعب السوري) أكثر من 450 مليون دولار أميركي شهرياً.

إيران.. الممول المالي والإجرامي الوحيد حالياً لبشار الأسد، جاءها الدور في مصرفها المركزي. وسوف تسبب لها العقوبات الأميركية ومعها الأوروبية، مزيداً من العزلة المالية على الساحة الدولية، لأن بعض الشرق الذي لجأت إليه في تعاملاتها المالية والتجارية والاستثمارية، فشل في سد الفراغ الذي أحدثه كل الغرب. وكما قال الأديب والشاعر الأميركي رالف إيمرسون "المال يكلف كثيراً، فالتكاليف الإيرانية ستكون باهظة. صحيح أنه لا يزال أمام نظام الملالي في إيران متنفس اقتصادي شرقي، لكن الصحيح أيضاً، أن نسبة الكربون تتعاظم في تركيبة الهواء الآتي من الشرق. وتكفي الإشارة هنا، إلى أنه بمجرد الحديث عن فرض عقوبات أميركية على "المركزي الإيراني"، انخفضت قيمة الريال الإيراني أكثر من 13 في المائة.

لا شيء أفضل من زيادة العزلة المالية على سلطة بشار الأسد، ونظام خامنئي. سوف يستخدم الأسد هذه العقوبات لمواصلة حملته الفارغة، بأنها تستهدف الشعب السوري. والحقيقة أنها حملة أطلقها الأسد الأب، ولم يطورها الابن، ولذلك بقية مثيرة للسخرية. فالذي كان (ولايزال) يستهدف الشعب السوري، هو تحويل الممتلكات العامة، على مدى أربعة عقود، إلى غنائم خاصة جداً. ولا أعرف إن كان نظام الملالي سيرد على العقوبات الجديدة، بمزيد من الانتظار لوصول "المهدي المنتظر"، الذي قرر أحمدي نجاد، أنه سيحل مشاكل الأرض والكواكب وما بعدها!

الثلاثاء، 11 أكتوبر 2011

كيف تُسرق سورية؟

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"الرجل الذي يكون أول الصارخين حرامي.. حرامي، غالباً ما يكون سارق الخزنة"
وليام كونجريف كاتب وأديب إنجليزي

 
 
كتب: محمد كركوتــــي
 
أتلقى رسائل الكترونية كثيرة، يطلب مرسلوها معرفة حجم الأموال التي نهبها سفاح سورية بشار الأسد وأسرته وأعوانه. المعلومات كثيرة، لكن الأدلة قليلة. فلم يحدث أن ترك الناهبون وراءهم وثائق عن سرقاتهم، خصوصاً عندما يكونون في السلطة، يتحكمون بالأختام ومفاتيح المصارف المركزية (وحتى الخاصة)، ومنابع الثروة. واللص (أياً كان) عندما يسرق، لا يترك لائحة بالمسروقات، والغنيمة المثالية له، هي تلك غير المسجلة. وتكون السرقة كاملة، عندما ينهب في طريقه السجلات والدفاتر، أي أنه يسرق المال ويمحي آثاره. ومع التضييق العالمي على الناهبين الكبار، بات الهم الأول لهؤلاء، إيجاد ملاذات آمنة لأموال شعوب، نصفها يعيش في ساحة ما دون الفقر، والغالبية الأخرى من هذه الشعوب، تحيا في الفقر نفسه، بلا صوت صادر عنها، لأن فداحة الآلام تخفي أبسط الكلمات.

التقديرات تتحدث عن ثروة للأسد وأسرته تتراوح ما بين 30 و40 مليار دولار. وحرصاً على النزاهة في الطرح، فهذه الأرقام الفلكية في بلد كسورية، اتفقت حولها جهات معارضة للسلطة، مع بعض المؤسسات التي لا يربطها بسورية ولاء أو معارضة. ويرى البعض أن هذه الأموال هي أقل مما قد تكون الأسرة، قد جمعته على مدى أكثر من أربعة عقود. مستندين في ذلك إلى أن محمد مخلوف خال الأسد الابن، تمكن من تكديس ما بين 12 و15 مليار دولار. فإذا كان الخال لوحده اقتنص هذا الكم الهائل من الأموال، فهل تكون أموال "القائد"، إلا ضعف أو ربما أضعاف هذه المبالغ؟ دون الحديث عن أموال الشقيق ماهر، والصهر آصف شوكت والأعمام وأبنائهم. ولمن نسي، فقد تمكن رفعت شقيق الأسد الأب (بطل مجازر حماة وحلب وتدمر) في منتصف ثمانينات القرن الماضي، من حمل أكثر من 3 مليارات دولار أميركي إلى الخارج (ربما كمكافأة نهاية الخدمة!)، عندما كانت سورية تعيش "اقتصاد التفقير". فكيف الحال الآن؟

عمليات النهب التي يتعرض لها اقتصاد ومقدرات السوريين، لم تبدأ بوصول بشار الأسد إلى السلطة، وإن اتخذت أشكالاً مختلفة عما كانت عليه في عهد الأسد الأب، مع إبقائها على الجانب النفطي، كمصدر ثابت ومضمون للأموال التي تدخل مباشرة في خزائن السلطة لا الدولة (العوائد النفطية تصل إلى 6 مليارات دولار سنوياً). ففي عهد الأب كان الاقتصاد مغلقاً، وكانت السرقات تتم (بالإضافة إلى النفط)، عن طريق العمولات (خصوصاً تلك المرتبطة بشراء الأسلحة)، وعمليات التهريب بكل أشكالها، بما في ذلك المخدرات، واستبدال الاحتياطي من العملات الصعبة بكميات مريعة من أوراق النقد السورية المطبوعة في دمشق بدون سند أو رصيد أو غطاء، الأمر الذي أوصل قيمة الليرة إلى ما دون الحضيض. يضاف إلى ذلك، العوائد المالية الضخمة الناجمة على أعمال 17 ميناء غير شرعي (لاسيما في منطقة اللاذقية)، كان يسيطر عليها أشقاء الأسد الأب وأبنائهم. ولأن الاستيراد كان ممنوعاً على مدى أكثر من 17 سنة، فقد "استثمر" الناهبون في المنع! ليستوردوا كل شيء بدون أن يدفعوا قرشاً واحداً للخزينة العامة. وحالهم كان كحال زعيم المافيا الشهير آل كابون، الذي قال في إحدى المرات مستغرباً "كيف يمكن أن أدفع الضرائب والرسوم على أعمال غير شرعية"؟!

في عهد الأسد الابن، كبر من كانوا صغاراً من أبناء الناهبين، ليبتكرو أشكالاً أخرى لأعمال السرقة، تتناسب وتوجه الاقتصاد نحو الانفتاح. والحقيقة أن هذا الاقتصاد لم يكن منفتحاً، إلا على عدد محدود جداً من الأشخاص غالبيتهم من أفراد الأسرة الحاكمة-المالكة، ولا بأس بعدد آخر من الأعوان. ولأنه أصبح للاقتصاد السوري وجه آخر، فقد تحددت مستويات النهب طبقاً لقرابة الشخص من قمة هرم السلطة وولائه لها. فكلما كان قريباً ومقرباً، كلما كانت حصته من الأموال المسروقة كبيرة. وكانت "القطاعات" المولدة لهذه الأموال واسعة ومتعددة ومتشعبة، من عمولات على مشاريع تتعلق بالبنى التحتية، إلى مشاركات قسرية للتجار ورجال الأعمال التقليديين الذين سُمح لهم بمواصلة العمل، مروراً باستثمارات وهمية، وسرقة ما يقرب من 50 في المائة من رواتب السوريين، من خلال تخفيضات غير قانونية في سعر صرف الليرة، لم تفرضها أية حاجة تطويرية أو اضطرارية، وطبعاً هناك الأموال الضخمة الناجمة عن خصخصة عدد من المؤسسات، وإقامة مؤسسات جديدة (مثل الاتصالات) لم يُسمح لغير أفراد الأسرة الاقتراب منها، بالإضافة إلى السيطرة الكاملة على المؤسسات الانتاجية العامة. ولم يكن الشعب السوري وحيداً في استهداف مقدراته، فقد نال "رجال الأعمال" المُعينين من أموال مستثمرين عرب وأجانب، في عمليات احتيال كبرى، الأمر الذي دفع العديد من المستثمرين الآخرين، إلى التراجع عن أية خطوة باتجاه الاستثمار في البلاد.

هذه الأشكال الجديدة –المتجددة للسرقات، إلى جانب بعض ما تبقى من الأشكال القديمة، ولدت أموالاً هائلة، يمكن أن توفر حياة كريمة طبيعية للشعب السوري، الذي يعيش أكثر من 30 في المائة منه تحت خط الفقر، ويعج في بطالة ترهب أكبر الدول اقتصاداً وثروة. ولم يكتف الناهبون بذلك، فهم يقومون بتهريب الأموال أولاً بأول إلى خارج البلاد، ويخزنوها في ملاذات آمنة، يصعب الوصول إليها. فعلى سبيل المثال، هرب رامي مخلوف ابن خال الأسد الذي يسيطر عملياً على ما بين 60 و65 في المائة من اقتصاد البلاد، أكثر من 8 مليارات دولار أميركي في غضون خمس سنوات فقط، وكذلك الأمر بالنسبة لبقية "رجال أعمال" الأسرة، الذي هربوا أمولاً متفاوتة القيمة، كل حسب مرتبته وسرقاته. وعلى الرغم من توقف الأسد منذ سنوات عن إيداع الأموال المنهوبة في المصارف السويسرية، خوفاً من الملاحقة والعقوبات، فقد اكتشف المصرفيون السويسريون أرصدة له بلغت 2,5 مليار دولار أميركي، في حين يقول هؤلاء: إن هذه الأموال هي فقط أرصدة مالية تديرها البنوك السويسرية، ولا تشمل أي أسهم قد يملكها الأسد في سويسرا!

لم تهرب الأموال المنهوبة من سورية بعد اندلاع الثورة الشعبية السلمية العارمة، فهذه الأموال تخرج من البلاد فور انتهاء موسم حصادها! لتُزرع في أماكن أخرى تفيد الناهبين. فلم يحدث أن أفادت أموال منهوبة.. المنهوبين.



الأحد، 2 أكتوبر 2011

من كم سنة ميالة ميال

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






"لا طاغية ولا محتل، يمكنه اعتقال أمة بأكملها بقوة السلاح إلى الأبد"
مايكل ستازينكي كاتب أميركي

 
 
كتب: محمد كركوتــــي
 
لست ممن يفضلون الرد على الأكاذيب (أياً كانت)، ليس لعدم توفر ما يدحضها أو ما يدحرها، بل لأنها دائماً تحمل في متنها وعلى مسرحها ما يفندها ويعريها من جلدها، لأن للأكاذيب في كل الأحيان ثوباً وهمياً لا يستر، مهما بلغت "عفة" الحملات لتسويقها. وإذا كانت نصف الحقيقة هي أكثر الأكاذيب جُبناً، فكيف الحال بالأكاذيب المطلقة؟! ونحن نعلم أن كذبة واحدة فقط، تدمر كل النزاهة (إن وجدت)، كيف سيكون الأمر، إذا كان الكاذب يحيا من إمدادات أكاذيبه؟! كما أنني لست من أولئك الذين يستعذبون الأغنيات الحديثة، لعدم تجاوبها معي شعراً ولحناً.. وغالباً صوتاً، غير أن هذا لم يمنعني من استعارة اسم إحدى أغنيات عمرو دياب، عنواناً لهذا المقال، طالما أن الحديث يتناول في جانبه الأهم "حاكم" المصرف المركزي السوري أديب ميالة، الذي أثبت قدرة هائلة على مَيلٍ تاريخي لسفاح سورية بشار الأسد. وإذا كان المغني دياب يستحق اعتذراً على تصرفي في عنوان أغنيته، فإن للشعب السوري الحق في جلب ميالة إلى المحاكمة، حتى ولو قدم اعتذارات، توازي حجماً المعلومات المضللة التي يطلقها، رغم حقيقة أن ميالة ليس سوى حاكماً ورقياً للمصرف، الذي ملكه الأسد الأب والابن منذ أكثر من 41 سنة.

سأخرج هذه المرة عما ألفت، لاعتقادي بأنه لا يزال هناك من يُصدِق غير المُصَدَق. يسعى ميالة (كما قال)، إلى توفير 6 مليارات دولار أميركي، من خلال القرار الذي فاجأ حتى أعوان السلطة من قُطاع الطرق والتجار، بوقف استيراد ما يقرب من 25 في المائة من الواردات التي وصفت بالكمالية، وذلك كـ "رد على العقوبات الأميركية والأوروبية". ماذا يقول "حاكم" المصرف المركزي؟ "إن هذا القرار جاء بفعل عقوبات تطال مباشرة الشعب السوري". لم يأت الرد على هذا الكلام من متآمرين أو مندسين أو مسلحين، جاء من أكثر الجهات موالاة لبشار الأسد. فبعد أن استكمل ميالة تحليلاته الوهمية مباشرة، خرجت غرفة صناعة حلب ببيان، تناشد فيه الحكومة إعادة النظر بقرار تعليق الاستيراد، لماذا؟ (أنقل جانباً من نص البيان) لأن القرار "يسبب ضرراً بالغاً لمعظم الفعاليات الاقتصادية الصناعية والتجارية والتي تعيش ظروفاً اقتصادية صعبة جداً، وتحاول جاهدةً تجاوز آثار العقوبات الاقتصادية، وهي حتماً غير قادرة على تحمل المزيد من الخسائر والعراقيل، في تأمين مستلزمات انتاجها بالكلف المقبولة وبالسرعة الكلية، لكي تتمكن من الاستمرار والحفاظ على عمالتها وتأمين الأمن المعيشي والاجتماعي للوطن".

لا نتوقع أن يقول "حاكم" المصرف المركزي السوري الحقيقة، فهو ميال إلى درجة متطرفة لسلطة آيلة إلى السقوط حتماً. والحقيقة أن الـ 6 مليارات دولار التي يسعى لها من خلال حظر عدد كبير من الواردات، هي جزء من أموال تنهب من المصرف المركزي منذ عقود، وارتفعت وتيرة النهب في أعقاب الثورة الشعبية السلمية العارمة التي تجتاح البلاد. وتكفي الإشارة هنا إلى تقرير لمجلة "الإيكونومسيت" البريطانية الرصينة، الذي أكد هروب ما يزيد عن 23 مليار دولار من البلاد في غضون أربعة أشهر فقط. كما أن العقوبات الأميركية والأوروبية، لم تستهدف الشعب السوري، لأنها تركزت في القطاع النفطي الذي تدخل عوائده مباشرة في خزائن الأسد وأسرته، ولا بأس من بعض أعوانه، ونالت من شخصيات محددة في السلطة (في مقدمتها بشار الأسد)، تستحوذ تاريخياً على مقدرات الاقتصاد السوري. والعملات الصعبة التي يسعى ميالة إلى توفيرها، هي جزء من الخسائر التي منيت بها السلطة (وليس سورية) من جراء العقوبات المشار إليها. فالأسد يخشى من تراجع حجم الإمدادات المالية الإيرانية له، وإن كان مطمئناً من عدم تراجع إمدادات طهران الإجرامية، التي تصل سوريا على شكل مرتزقة وأسلحة مخصصة لقتل المدنيين وقمع المظاهرات، فضلاً عن تلك التي تصل للأسد من حزب الله الإيراني في لبنان.

والحقيقة أن إيران التي تعاني من أزمات اقتصادية داخلية جمة، قد تواجه مصاعب في توفير الدعم المالي للأسد إلى ما نهاية، خصوصاً وأن الثورة السورية ستتواصل إلى أن تحقق أهدافها في إسقاط الأسد وعائلته الحاكمة. كما أن هذه الثورة قلصت أعداد الإيرانيين الذين "يحجون" إلى سورية وينشئون "الحسينيات الاستثمارية" هناك. وكان هؤلاء يوفرون دخلاً جيداً من العملات الصعبة للسلطة. وحرصاً من نظام الملالي الإيراني على استمرار التفقد المالي للأسد، فقد مارست طهران ضغوطاً كبيرة على الحكومة العراقية الموالية لها، لتصدير قسم من النفط العراقي عبر الأراضي السورية. فالدخل الناجم عن عمليات التصدير، سيسد جزءاً من الدخل الذي كان يصب في خزائن السلطة من جراء بيع النفط لأوروبا، لاسيما وأن الأسد أبثت –حتى الآن- أنه مسوق فاشل للنفط المرفوض أوروبياً، تماماً كما هو حاكم فاشل بلا شرعية. ولم تنفع – الآن على الأقل- محاولات أعوان الأسد وفي مقدمتهم ابن خاله رامي مخلوف، لإنشاء شركات ومؤسسات وهمية تلتف على العقوبات الأوروبية والأميركية. وباستثناء حكومتي لبنان والعراق في الجوار، وحكومتي روسيا والصين، ومعهما بالطبع النظام الإيراني، فإن الحصار الاقتصادي يأخذ كل يوم شكل حبل يطوق رقبة الأسد. دون أن ننسى أن إيران هي نفسها تخضع لعقوبات دولية مختلفة، وتخضع مؤسسات لبنانية (لاسيما المصرفية منها) لعقوبات مماثلة.

مرة أخرى.. إن قرار وقف استيراد المواد والبضائع التي سُميت بالكمالية، لا يهدف إلى حماية الاحتياطي من العملات الصعبة في سورية، و "حاكم" المصرف المركزي كُلف في الواقع من قبل الأسد، لتوفير ما أمكن من هذه العملات، لسد مساحة من الفجوة التي أحدثتها العقوبات. ولو كان الأمر يرتبط بالفعل بحماية الاحتياطي وبالتالي حماية قيمة الليرة السورية، لما أشرف هو نفسه (ولايزال) على طباعة العملة السورية بدون سند أو رصيد، إلى درجة دفعت المؤسسات الخارجية إلى رفض قبول الأوراق النقدية من فئتي الألف والـ 500 ليرة، المطبوعة في مطابع السلطة.

ولمن نسي، كان حافظ الأسد، متخصصاً على مدى سنوات طويلة في منع استيراد البضائع من خارج سورية، لأن السرقات الكبرى التي حدثت في عهده التهمت كل احتياطي البلاد من القطع الأجنبي. وماذا فعل أيضاً؟ أدخل البلاد كلها في دائرة التهريب الفظيعة. فكان القائمون على عمليات التهريب (وكلهم من السلطة)، يهربون كل شيء، من السيارات والمعدات الثقيلة والأجهزة الإلكترونية، إلى مناديل "الكلينكس" والسجائر.. وحتى الموز والفراولة! وكانت السلعة المهربة تدل على مكانة المهرب (ومنصبه) في السلطة نفسها. ولأن التاريخ يعيد نفسه، فإن المهربين الذين يشتغلون الآن كـ "شبيحة" ( والأفضل وصفهم بقُطاع الطرق)، يمارسون اليوم مهنتان، الأولى: قتل المدنيين العزل وسحلهم والتمثيل بهم وتقطيع أوصالهم، والثانية: تدمير ما تبقى من اقتصاد البلاد. إن وجد لهذا الاقتصاد بقية.

الاثنين، 26 سبتمبر 2011

الأسد بائع القمع والنفط

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"الطغاة يصنعون الحرية لأنفسهم، باستعبادهم للناس"
تشارلي تشابلن ممثل كوميدي بريطاني

 
 
كتب: محمد كركوتــي
 
لم تمض أيام على التصريحات "العنترية" لأعوان سفاح سورية بشار الأسد، وتحديهم للعقوبات الغربية (لاسيما الأوروبية)، واستعراض "عضلاتهم" اللغوية البائسة، و"تشبيحهم" اللفظي، حتى بدأت آثار العقوبات بمجملها تظهر على الساحة، وتحديداً على سلطة الأسد نفسها. فالأكاذيب التي يطلقونها، تجعلهم في مقدمة مُطلِقي الأكاذيب ذات الحبال القصيرة جداً.. جداً، وهم الوحيدون الذين تنكشف أكاذيبهم، حتى قبل أن ينتهوا من إطلاقها. وللإنصاف لم ينجحوا في مد حبل طويل، إلا لكذبة واحدة في تاريخ الأسد الأب والابن، هي تلك التي أوهموا فيها من يحبون وهْمَ النفس، بأن السُلطة التي حكمت البلاد لأكثر من أربعة عقود، هي سُلطة ممانعة، ولا بأس من سُلطة مقاومة، أو صمود، أو تصدي، أو كلها مع بعضها البعض على شكل "سَلَطة". الذي حدث في الحقيقة، أن إسرائيل أدمنت هذه الممانعة، لدرجة اعتبرها المسؤولون في تل أبيب، خياراً استراتيجياً إسرائيلياً، ينبغي الحفاظ عليه إلى آخر مدى!

قبل أسبوعين تقريباً، أطلق وزير المالية محمد الجليلاتي تصريحاً مجلجلاً متحدياً، بأن "العقوبات لن تضر سورية. ستظل سورية واقفة على قدميها. لا مشكلة ما دامت احتياجاتنا المحلية مكفولة". وقال أيضًا "إننا نبحث عن مشترين للنفط المخصص للبيع". لكن أين هم المشترون الآن؟ كان الأسد يسعى إلى الالتفاف على العقوبات النفطية المفروضة عليه، ليبيع النفط المنهوب من مقدرات الشعب السوري، إلى روسيا أو الصين أو الهند. وهذه الدول لا تزال تعتقد بأن هناك فرصة لبقاء الأسد في السلطة، ليس من جهة استقراء عميق للأحداث، بل من ناحية مصالحها المعروفة. الذي حدث أن أياً من هذه البلدان، لم ترد على عروض البائع الأسد، وأخذت تتهرب من ذاك البائع. والحقيقة أنه لا توجد جدوى اقتصادية من شراء هذا النفط، لأن الكميات صغيرة، ولا تبرر المخاطر التي ستنجم عنها. ولأن الدول (ومعها الشركات) تتحرك بالمصالح، فإن قلة المعروض، لا يستقطب في العادة المشترين، حتى لو كان هؤلاء يسعون إلى بقاء الأسد في سلطة لا يستحقها، يضاف إلى ذلك أن هناك فائضاً نفطياً عالمياً، لا يشكل فيه النفط السوري سوى 0.5 في المائة.

والذي يقلق بشار الأسد وأعوانه، حالة غريبة أزعم أن أحداً منهم يمكنه تناولها، وهي أن الصادرات النفطية السورية توقفت نهائياً، على الرغم من أن العقوبات الأوروبية باستيراد هذا النفط لا تبدأ قبل منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، بموجب العقود الموقعة قبل الثاني من سبتمبر/أيلول الجاري. فقد توقفت المصارف عن تمويل عمليات التصدير، في حين عبرت شركات روسية عن عدم رغبتها في المجازفة. لو أضفنا إلى توقف الصادرات، العقوبات الأوروبية الجديدة القاضية بحظر الاستثمارات في قطاع النفط السوري، يعني ذلك أن المال آخذ في الشح بأيدي السلطة، الذي تستخدمه عملياً في تمويل حملة الإبادة التي يتعرض لها الشعب السوري. فالنفط السوري لم يكن على مدى أكثر من أربعين عاماً للسوريين. كان سلعة خاصة بالسلطة فقط.

وعلى الرغم من التأثيرات المباشرة للعقوبات الأوروبية والأميركية على سلطة الأسد، إلا أنها لا تضمن انهياره على المدى القصير، بل وحتى المتوسط. فلا تزال السلطة تمتلك قوة عسكرية رهيبة تستخدمها ضد المدنيين العزل، كما أنها لا تزال تتمتع بإمدادات اقتصادية وعسكرية و"إجرامية" من إيران، تستدعي بالفعل تحركاً تركياً عن طريق فرض عقوبات واضحة على الأسد، ومنع الإمدادات الإيرانية له من خلال المراقبة البحرية. لكن يبقى في النهاية العزل السياسي الكامل، وقرار واضح من مجلس الأمن الدولي، هما الخياران الأكثر نجاعة في تقصير عمر الأسد وإنهاء سلطته غير الشرعية. فلم يحدث في السابق أن انهار نظام مباشرة من جراء العقوبات الاقتصادية التي تفرض عليه. الذي يحدث عادة، أنه كلما طالت العقوبات (بصرف النظر عما إذا كانت ذكية أو "غبية")، كلما اقتربت آثارها من الناس. وقد استخدم الأسد الأب على مدى أكثر من عقدين من الزمن، العقوبات المفروضة عليه، ضد شعبه. فقد كانت حجة حظيت بمن صدقها، للتغطية على عمليات السرقة التاريخية التي كان يقوم بها، والتي أدت إلى اقتصاد سوري متهالك بصورة مزمنة، لا تزال سائدة على الساحة حتى الآن.

الآن عاد "مسلسل" الأسد الأب الاقتصادي نفسه، مع تغيير في التاريخ فقط. فقد شرع الابن في تعليق استيراد السيارات وبعض الكماليات (حسب وزير الاقتصاد)، وذلك للحفاظ على الاحتياطي من العملات الصعبة. هل يعود ذلك إلى العقوبات المفروضة على الابن؟ لا يحتاج الأمر لمتخصص في الاقتصاد لكي يعرف بأنه لا دخل للعقوبات في هذا القرار، وأن تعليق استيراد الكماليات (ولا أحد يعرف ماهيتها)، سينسحب بعد فترة على مناديل "الكلينكس". ولمن نسي، كانت هناك ضروريات مُنع استيرادها في عهد الأسد الأب، بحجة العقوبات، وكانت القصة المختلقة، أن الغرب لا يريد للسوريين العيش الكريم، بل يسعى إلى تجويعهم. لم تكن هذه القصة سوى كتلة هائلة من الأكاذيب. فلم يكن لا للغرب ولا الشرق دخل في هذا الأمر، لأن العقوبات لم تكن تشمل آنذاك سوى الصادرات المرتبطة بالسلاح. فقد منع الأب استيراد كل شيء تقريباً وعاش الشعب السوري محروماً منها، لأن خزائن المصرف المركزي السوري باتت خاوية، نتيجة السرقات الكبرى، وسيطرة شقيقه رفعت على مقدرات البلاد، بما في ذلك سرقته للاحتياطي المالي كله، وضخ مكانه أوراقاً نقدية سورية طُبعت محلياً بدون سند أو تغطية.

قبل شهرين اتبع الأسد الابن الشيء نفسه، بعد أن تم تهريب أكثر من 23 مليار دولار أميركي من البلاد، وهروب كل المستثمرين الأجانب، وتوقف المشروعات، في حين "تناضل" الليرة السورية للبقاء كعملة يمكن الاعتراف بها ولو بنطاق ضيق. أخذ يسير على نفس درب الأب والعم، ولكن هذه المرة وسط ثورة شعبية سلمية عارمة، لم تشهد سورية مثيلاً لها في تاريخها.

ستُحضِر السلطة في سورية المزيد من الحجج، في محاولات بائسة لإقناع السوريين بأن التضييق الاقتصادي عليهم لا دخل لها به. لكن ما كان ينفع في عهد الأب، يبدو (في ظل هذه الثورة) مضحكاً في عهد الابن. فالذي كان يسرق وينهب ويقتل آنذاك، كان مطمئناً لوجود ملاذات آمنة له في النهاية، ولمجتمع دولي خفيض الصوت والإرادة. لم يعد المسرح بمُخرِجه كما كان في عهد الأب. المُخرِجون الآن هم الجمهور.

الأحد، 18 سبتمبر 2011

الأسد الابن كما الأب يطبع الليرة بلا غطاء

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






"طريق الخراب يكون دائماً جيد في تشييده، والعابرون يدفعون تكاليف التشييد"
جوش بيلينج كاتب فكاهي أميركي

 
 
كتب: محمد كركوتــــي
 
حسناً، يقول من تبقى من أعوان سفاح سورية بشار الأسد، إن العقوبات الأميركية والأوروبية لن تؤثر على تماسك سلطة هذا الأخير، وإن الموجة الأوروبية الجديدة من هذه العقوبات، لن تضر الأسد، حتى ولو طُبق القرار القاضي بمنع الشركات الأوروبية من القيام باستثمارات جديدة في مجالات التنقيب عن النفط وإنتاجه وتكريره، الذي يتضمن أيضاً، منع إنشاء مشروعات مشتركة جديدة مع مؤسسات في قطاع الطاقة السوري، ومنحها قروضاً، وكذلك شراء حصص في الشركات السورية أو زيادة هذه الحصص. الأمر لا يحتاج إلى خبراء في الاقتصاد، لمعرفة أن هذه العقوبات ستضرب قدرة الأسد في الحصول على أموال في الأجل الطويل. بوضوح شديد، يسعى الأوروبيون لاستكمال خنق بشار الأسد مالياً، بالتعاون مع الأميركيين، لأن "الخنق المالي"، هو المعول الوحيد المتاح حالياً، لمواجهة الأعمال الوحشية المتصاعدة، التي تقوم بها السلطة غير الشرعية في سورية، ضد السوريين العزل، بما في ذلك استئجار قُطاع الطرق من الخارج والداخل، ناهيك عن استخدامها لكل أنواع الأسلحة، من بينها الطائرات والمروحيات المقاتلة والبوارج الحربية، بالإضافة طبعاً إلى الدبابات والمدرعات وغيرها من آلة القتل.

لا يعترف الأسد ومن تبقى من أعوانه، بأنهم يتعرضون لـ "الخنق المالي"، رغم أن آثار هذا الخنق بدأت تظهر على الساحة، والتي كان آخرها، تهديدات قُطاع الطرق بإلغاء "عقود الهلاك" التي أبرموها مع السلطة، لأن "مستحقاتهم" بدأت تتأخر. وسواء اعترف رئيس السلطة أم لم يعترف بأن حبل الاقتصاد يضيق حول رقبته، في خضم تجفيف موارده المالية، فإن الآتي من الأوروبيين أعظم. فقد وضع الاتحاد الأوروبي خطة متسلسلة ومتدرجة من العقوبات، بحيث يخنق السلطة وأعوانها، مع الحد الأدنى من الأضرار التي قد تصيب الشعب السوري. ولذلك يسعى الأوروبيون إلى عقوبات ذكية، لا تشبه العقوبات التي فُرضت في السابق على عدد من البلدان (من بينها العراق)، والتي نالت من الشعوب أكثر من نيلها من الحكام المستبدين. ولعل هذا يعطي الاتحاد الأوروبي تبريراً يراه البعض واقعياً لتأخره في فرض عقوبات قوية وحاسمة وسريعة، علماً بأن العزل السياسي الكامل، يبقى هو العامل الأهم والأكثر نجاعة وسرعة لزوال الأسد إلى الأبد، وأن ترويض روسيا ومعها الصين (إن أمكن)، سيكون أثره أكبر بكثير من كل العقوبات سواء كانت ذكية أم غير ذلك.

الخطوة الأوروبية التالية، والتي تمثل تحولاً جديداً على صعيد العقوبات، هي حظر طباعة وتصدير أوراق النقد السورية والعملات المعدنية، التي تطبع وتصك في بلدان أوروبية، إلى جانب فرض عقوبات على مصارف سورية جديدة، وحظر على شركة "سيرياتيل"، الممول الرئيس للأسد وجماعته، والتي يملكها ابن خاله رامي مخلوف، الذي يسيطر (بالمناسبة) على 60 في المائة من الاقتصاد الوطني السوري. المثير هنا، أن قرار حظر طباعة الأوراق النقدية، سيعجل وتيرة طباعة الأوراق النقدية السورية داخل سورية، والتي بدأت بالفعل منذ أكثر من شهرين، في أعقاب تآكل الاحتياطي من العملات الصعبة في البلاد. ففي شهر أغسطس/آب الماضي، أقدم المصرف المركزي السوري، من تلقاء نفسه (وليس بفعل أية عقوبات)، على الاستعاضة عن خدمات المصرف النمساوي المتخصص بطبع الأوراق النقدية، وقام بطباعة هذه الأوراق في دمشق. وبالغ في الطباعة، ليتجاوز التغطية الذهبية، أو حجم الاقتصاد السوري ، الذي يجب أن يكون موازياً، لحجم الكتلة النقدية التي يتم تداولها. سيظهر أحد ممن تبقوا من أعوان الأسد ليقول ما هو الدليل؟ والحقيقة أن الدليل المطلوب، لا يأتي من ضبط آلات الطباعة والطابعين معها، لأن ذلك هو المستحيل نفسه، لكنه أتى من الهيئات الاقتصادية الأجنبية المختلفة، والمؤسسات الحكومية خارج سورية، عندما رفضت التعامل والتعاطي وقبول الأوراق النقدية من فئة الألف ليرة سورية المطبوعة في دمشق. ولمن لا يعرف أشكال الأوراق النقدية السورية، تتصدر ورقة الألف ليرة صورة الأسد الأب، التي ربما جلب لها النحس، كما جلب للبلاد على مدى أكثر من ثلاثة عقود الخراب.

لم تكن سورية في عهد الأسد الأب بعيدة عن طباعة الأوراق النقدية دون سند، بل قام هذا الأخير في مراحل عدة بطباعة هذه الأوراق التي لم تكن ذات قيمة فعلية. ففي بلد لا تطبع فيه المطابع بطاقات الدعوة إلى الأعراس (بالمناسبة أي حفلة عرس في سورية تحتاج إلى موافقة أمنية)، إلا بموافقة خمس جهات حكومية، وعدد مماثل من الأجهزة "الأمنية"، طبعت في السابق (وتطبع الآن)، كميات هائلة ومرعبة من الأوراق المالية غير المغطاة، مما جعل الليرة لا تحمل قيمة، إلا ثمن الورقة التي طبعت عليها. ولمن نسي.. في منتصف ثمانينات القرن الماضي اتفق الأسد الأب مع الأسد الأخ (رفعت)، أن يكون هذا الأخير حراً في التصرف بمصير الاقتصاد السوري، ضمن تفاهم بينهما على أن يوقف هذا الأخ خطته للانقضاض على حكم أخيه. ماذا فعل سفاح مدينتي حماة وحلب؟ قام بسحب عدة مليارات من الدولارات الأميركية من المصرف المركزي، بعد أن ضخ قيمتها عن طريق طباعة الليرات السورية غير المغطاة. ولم يكتف الأسد الأخ بذلك، فقد طلب من شقيقه الخائف، مزيداً من المليارات التي سددها وقتها سفاح ليبيا معمر القذافي، بعد أن وجد حافظ الأسد، أن خزائن المصرف المركزي باتت خاوية تماماً. السرقة التاريخية الكبرى هذه، أدت إلى شل الاقتصاد الوطني، وتركت آثاراً لا تزال باقية على الساحة المحلية حتى اليوم. ففي العام 1986 كان الدولار الأميركي يساوي 12 ليرة، وبعدها بأربع سنوات بلغ 48 ليرة، ليصبح في العام 1995 أكثر من 52 ليرة! في حين كان الدولار في العام 1970 (عندما وصل الأسد الأب إلى السلطة) يساوي 3,90 ليرة سورية.

بدأت إذن.. المطابع المشينة في سورية بطباعة الأوراق النقدية، وبدأ معها عهدا جديد مظلم للاقتصاد السوري، الذي مر بمجموعة من العهود المريعة بفضل الأسد الأب والأخ والابن، من اقتصاد التفقير، إلى اقتصاد الفقر وما دونه، إلى اقتصاد "التشبيح". وبينما لا تزال سرقات الأسد الأخ (رفعت) تضرب الاقتصاد السوري حتى الآن، ظهرت سرقات أخرى منذ الأيام الأول للأسد الابن في الحكم. سرقات من نوع "ذكي" لكنه سافر. غير أن هذه السرقات لم تعد "ذكية" في ظل الثورة الشعبية السلمية العارمة التي تجتاح البلاد، لأن ناتجها مع الناتج المخيف عن طباعة الأوراق النقدية بلا رصيد أو سند أو تغطية، سيسرع من اقتراب المرحلة الأخرى من هذه الثورة، وهي العصيان المدني، لاسيما عندما يجد السوريون، أن ما يحملونه من أوراق مالية في جيوبهم (رغم قلتها)، ليست سوى أوراق فقط، لا مالية ولا نقدية. وهذا آخر ما يريده الأسد الذي أقسم على أنه لن ينتهي، قبل أن يُنهي سورية.

الاثنين، 12 سبتمبر 2011

عندما يُسوِق الأسد النفط

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



"السارق والقاتل يتبعان طبيعتيهما، تماماً كما يتبع المحسن طبيعته"
توماس هنري هاكسلي عالم بيولوجي بريطاني

 
 
كتب: محمد كركوتــي
 
لا توجد حكومة في العالم، تقوم بحملات لـ "تسويق" عدم أهمية صادراتها النفطية بالنسبة للاقتصاد الوطني، ودورها في الحراك الاقتصادي المحلي، سوى حكومة سفاح سورية بشار الأسد! ولا يعود ذلك (بالتأكيد) إلى أن الأسد يؤمن بالحسد، ويهرب من "عيون" الحاسدين، بل لأنه (كما والده) يسعى للحفاظ على العوائد النفطية في طريقها الذي لا ينتهي عند الخزينة العامة للدولة! بمعنى آخر، أن تبقى خارج إطار الدخل المحلي، بلا سجلات أو دفاتر. ويطيب لمن تبقى من مؤيدي الأسد القول، بأنه لا توجد وثائق أو إثباتات أو قرائن، تؤكد أن العوائد النفطية لا تدخل في الخزينة العامة، وأنها تذهب إلى جيوب "القائد" وأعوانه. وهذا صحيح، لأن العصابات لا تعتمد المستندات في مسروقاتها، ولا تجدولها، ولا تستأجر المحاسبين للجرد السنوي. الشيء الوحيد الذي تقوم به بعد اكتمال عمليات السرقة، هو العثور على ملاذات آمنة لهذه المسروقات، وتحصينها من الملاحقات والضبط. وكان لزعيم المافيا الشهير آل كابون قولاً شهيراً في هذا المجال، عندما حاولت السلطات الأميركية إدانته لامتناعه عن دفع الضرائب. ماذا قال؟ "كيف يمكن دفع الضرائب المشروعة على أموال غير مسجلة وغير مشروعة". ومع ذلك، فقد حاولت المنظمات الحقوقية الغربية في تسعينات القرن الماضي، إثارة قضية سرقة الأسد الأب لعوائد بلاده النفطية، إلا أنها واجهت صداً منيعاً من حكوماتها آنذاك (ومعها الشركات النفطية الأجنبية العاملة في سورية، لأسباب ربحية صرفة)، وذلك لاعتبارات سياسية يعرفها الجميع، من بينها "التخويف الوهمي" من الفراغ السياسي والأمني إذا ما سقط الأسد، والرابطان اللبناني والإيراني، وضمان استقرار إسرائيل أمنياً وعسكرياً، والخوف من قيام الأسد بإعادة تصدير الإرهابيين إلى دول الغرب. والحقيقة أن الاعتبارين الأخيرين هما الأكثر واقعية من كل الاعتبارات، التي اعتاد الغرب تسويقها طوال أكثر من أربعة عقود.

يقول أعوان الأسد، في أعقاب فرض الاتحاد الأوروبي الحظر النفطي على "سورية"، إن الصادرات النفطية ليست ذات قيمة عالية، لأن الغالبية العظمى من الإنتاج يذهب للاستهلاك المحلي. ومع ذلك فقد فشلوا (كما العادة) في إخفاء الحقيقة التي جاءت من الشركات العالمية التي تقوم باستخراج وتسويق النفط السوري المنهوب، إلى جانب ما تعلنه مراراً، منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط المعروفة اختصاراً باسم "أوابيك". وحسب هذه الأخيرة، فقد جاءت سورية في العام 2008 ضمن قائمة الدول العربية المصدرة للنفط في المركز الثامن، بعد قطر وقبل البحرين ومصر، وبلغت العوائد النفطية في ذلك العام، الذي شهد انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، التي أثرت سلباً على أسعار النفط 7989 مليون دولار أميركي. وتشكل هذه العوائد الضخمة بالنسبة لسورية (إذا ما حُسبت ضمن نطاق الإيرادات العامة، ومرة أخرى أقول: إنها لا تُحسب)، قرابة 17 في المائة من إجمالي الدخل المحلي(وإذا ما أُدخلت في الموازنة العامة، فهي تساهم في 24 في المائة منها)، وهي نسبة تدفع أية سلطة شرعية في العالم، إلى أن تشكر الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، على هذا الخير وتلك النعمة، وتعمل لتطويرها والحفاظ عليها. وقد استفادت السلطة في سورية، طوال الأعوام التي سبقت الأزمة الاقتصادية العالمية، بارتفاع هائل لأسعار النفط، حيث وصل سعر البرميل في العام 2008 (الأزمة اندلعت في سبتمبر/أيلول من العام نفسه)، إلى 140 دولار أميركي، ولم ينخفض في العام 2007 دون 90 دولاراً. وفي العامين الماضي والجاري، ظل سعر البرميل متراوحاً في حدود 100 دولار أميركي.

في مقالي السابق الذي نُشر بعنوان "النفط السوري يقتل السوريين أيضاً"، أشرت إلى أنه كلما علت أصوات الأنظمة الوحشية التي تخضع للعقوبات الدولية، كلما كانت هذه العقوبات مؤثرة عليها. وقد تدافع أعوان السلطة لإطلاق تحدياتهم لهذه العقوبات، بما في ذلك وزير المالية محمد الجليلاتي، الذي قال: "إن العقوبات لن تضر سورية. ستظل سورية واقفة على قدميها. لا مشكلة ما دامت احتياجاتنا المحلية مكفولة". ماذا قال أيضاً؟ "إننا نبحث عن مشترين للنفط المخصص للبيع". والحقيقة أن العقوبات النفطية لن تضر سورية الشعب، بل بدأت أضرارها تظهر على السلطة التي تواجه شحاً متعاظماً في التمويل، الذي يستحق بجدارة توصيف "تمويل الهلاك". وقد كان الاتحاد الأوروبي رحيماً بالشعب السوري، عندما أحجم عن حظر كل أشكال التجارة بين شركات الطاقة الأوروبية وسورية، لأن مسؤوليه لا يرغبون في زيادة معاناة هذا الشعب عن طريق قطع إمدادات الوقود اللازمة لتوليد الكهرباء، حيث يعاني السوريون أصلاً شحاً تاريخياً فيها. وباستثناء بلدان ارتضت على نفسها ممارسة سياسة وأخلاق الشركات، لا سياسة وأخلاقيات الدول، فإن المجتمع الدولي يحاول بشتى الوسائل، فرض عقوبات ذكية على الأسد وأعوانه، بحيث لا تطال الشعب السوري، الذي يرزح منذ أربعة عقود تحت عقوبات محلية مريعة، سادت عهدي الأسد الأب والابن.

يبحث الأسد الآن، عمن يشتري النفط السوري المنهوب، وسوف يعثر بالنهاية على مشترين بشروطهم، وسوف يقبل بأية شروط أو أسعار كانت، لأن صنابير الأموال التي كانت مفتوحة عليه وعلى أعوانه، بدأت تتحول من حالة الدلف إلى حالة الشح، بينما تزداد العزلة الاقتصادية عليه مصحوبة بالعزلة السياسية الدولية، وشيئاً من العزلة العربية. وبعد فشل المساعدات المالية الإيرانية المباشرة (5.9 مليار دولار)، ومعها المساعدات الحكومية العراقية غير المباشرة (6 مليارات دولار)، في توفير الحماية لسلطة الأسد، وبعد هروب (وتهريب) ما يربو على 23 مليار دولار أميركي، إلى خارج سورية في غضون خمسة أشهر فقط، وفي ظل تراجع مفزع للاحتياطي النقدي، سيكون من الصعب عليه، أن يتأخر في العثور على مشتر للنفط السوري. فهذا النفط يوفر للسلطة ما يقرب من 15 مليون دولار في اليوم الواحد، أو 45 مليون في الشهر الواحد، وهي مبالغ مضمونة، بعد توقف الاستثمارات، واضمحلال العوائد السياحية بصورة كاملة حقاً، بينما يتجه الاقتصاد السوري "بثبات" نحو المجهول. لم يعد أمام الأسد مصادر تمويل أخرى، وفي ظل الثورة الشعبية السلمية العارمة، لا توجد بارقة أمل أمام هذه السلطة، للعثور على الإمدادات المالية، إلا إذا قرر جلب الأموال السورية المنهوبة على مدى سنوات طويلة، المخزنة في ملاذات آمنة، لاسيما في لبنان وإيران وفنزويلا، وبعض الدول الأفريقية التي تحكمها أنظمة مارقة وفاسدة. ولم يحدث في التاريخ، أن أقدم طاغية على استخدام الأموال التي سرقتها لحماية سلطته. فالطغاة يسرقون.. يسرقون، إلى أن يفروا من غضب شعوبهم، أو أن يقعوا انتظاراً لعدالة هذه الشعوب.

الثلاثاء، 6 سبتمبر 2011

النفط السوري يقتل السوريين أيضاً

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"العقوبات الأمثل على الطاغية، هي تلك التي يفرضها عليه ضحاياه"
إين راد كاتبة ومؤلفة أميركية

 
 
كتب: محمد كركوتـــي
 
عندما فرضت أوروبا عقوبات مختلفة على طاغية زيمبابوي روبرت موغابي، تشمل حظر السفر إليها، قال هذا الأخير، الذي بلغ به الفساد، أنه ربح اليانصيب الوطني في بلاده!: "لا نحفل بمنعنا من السفر إلى أوروبا، نحن لسنا أوروبيون"! ومع ذلك فهو يتحرك حتى داخل منزله وسط حراسة مشددة. وكان سفاح ليبيا الساكن في الجحور معمر القذافي، لا يترك مناسبة – قبل أن ينصاع إلى أوامر الغرب- إلا وردد فيها عبارته المقززة: "ظز في أوروبا ومعها أميركا"! لكنه ينتقل من جحر إلى آخر هروباً من عدالة شعبه. وعندما وقفت أوروبا ضد سفاح سورية بشار الأسد، وفرضت عليه عقوبات ومنعته وأعوانه من السفر إليها، ظهر وزير خارجيته وليد المعلم، الذي يعيش في غيبوبة دبلوماسية منذ زمن بعيد، ليقول: "لقد مسحنا أوروبا من الخارطة"! ماذا حدث؟ خشي الأسد حتى من تأدية صلاة عيد الفطر في المسجد الأموي الكبير، ليؤديها في أحد المساجد الصغيرة المجهولة، التي لا يزال بإمكانه السيطرة عليها، حفاظاً على أمنه الشخصي. لم يحدث في التاريخ أن صمت طاغية على العقوبات التي تُفرض عليه، بل يتحداها –بصرف النظر عن آثارها السلبية على شعبه- حتى يصل إلى نهايته الحتمية، والأمثلة كثيرة، صدام حسين عربياً، وسلوبودان ميلوسوفيتش أوروبياً، وتشارلز تيلور أفريقياً، وغيرهم.

بعد خمس موجات أوروبية وموجتين أميركيتين من العقوبات على الأسد، في غضون ستة أشهر تقريباً، خرج أعوان هذا الأخير، ليتحدوا العقوبات، وارتفعت أصواتهم بعد أن دخلت العقوبات الخاصة بحظر تصدير النفط السوري إلى أوروبا حيز التنفيذ. وقد عودتنا هذه الأنواع من الأنظمة، أنه كلما علا صوتها ضد عقاب ما يفرض عليها، كلما كان هذا العقاب مؤثراً وفاعلاً عليها، ومرعباً لها. والحقيقة أن القطاع النفطي في سورية، هو في الواقع قطاع حساس ليس للاقتصاد الوطني، بل للأسرة الحاكمة وأعوانها، فعوائد هذا القطاع لا تدخل (منذ عهد الأسد الأب) في الخزينة العامة، وتصب كلها في خزائن السلطة و"جيوبها"، وقد حافَظَ الأسد (الأب والابن)، على هذه الإمدادات باتجاه أوروبا حتى في عز الاضطرابات الدبلوماسية بين الأوروبيين والسلطة الحاكمة في دمشق، مستفيداً من دعم الشركات النفطية الأوروبية له. وتكفي الإشارة هنا، إلى أن شركة (شل) الهولندية- البريطانية، قاومت القرار الأوروبي الأخير، على أمل الاستمرار في أعمالها داخل الأراضي السورية، رغم الحقائق والأدلة والبراهين العارمة، التي أثبتت أن الأسد يرتكب الفظائع ضد شعبه.

ولكن لماذا علا صوت أعوان الأسد، ضد الموجة العقابية الأوروبية الأخيرة؟ الجواب ببساطة هو أن أوروبا تستورد قرابة 90 في المائة من النفط السوري، تستخدم إيراداتها بالتحديد في الأعمال الوحشية التي يقوم الأسد بها ضد شعبه، وقبلها في تثبيت سلطته. وهذا يعني أن السلطة السورية ستبحث عن مشترين آخرين بأسرع وقت ممكن، للحيلولة دون توقف الإمدادات المالية، خصوصاً في ظل العقوبات الأوروبية والأميركية التي شملت شخصيات سورية ولبنانية وإيرانية هي في الواقع، ممولة تقليدية للأسد، فضلاً عن مؤسسات سورية كانت تدر أموالاً هائلة له، بما في ذلك تلك التي يمتلكها ابن خاله رامي مخلوف. وبات من الواضح، أن المساعدات المالية الإيرانية (إلى جانب الأمنية، إضافة إلى تصدير المرتزقة)، والاتفاقات الجمركية السريعة التي أبرمتها حكومة نوري المالكي "العراقية" مع السلطة في سورية، والتي تبلغ في مجموعها 12 مليار دولار أميركي، لم تحقق الأمن المالي المطلوب للأسد، لأنه يتوجب عليه (في سياق احتفاظه في السلطة أطول فترة ممكنة)، الإيفاء بالالتزامات الداخلية، ليس من منطلق تأمين الحد الأدنى من مستوى المعيشة للشعب السوري، بل لتأخير الانطلاق الحتمي للعصيان المدني الشامل، الذي بدأت بوادره تظهر بصور متقطعة على الساحة الداخلية. فمع توجه الاقتصاد السوري نحو حافة الهاوية، لا شيء سيقف أمام الشعب الذي يقوم بثورته السلمية العارمة، في التحول إلى العصيان المدني.

وعلى الرغم من أن العقوبات الأوروبية على الأسد، لم تشمل الاستثمارات (على عكس العقوبات الأميركية)، إلا أنها لا شك سوف تؤثر بصورة كبيرة على الوضعية المالية له، إلا إذا استنجد بالأموال المنهوبة (وهذا أمر مستبعد) الموزعة بصورة كبيرة بين لبنان وإيران وفنزويلا. وحتى هذه الأموال لن تكفل له بقاء طويلاً في السلطة، في ظل تعاظم الثورة ضده. غير أن الأوروبيين لم يغلقوا الباب أمام مزيد من العقوبات، فقد اتبعوا منذ بداية الثورة فرضها تدريجياً بما يتناسب –من وجهة نظرهم- مع حجم الفظائع والجرائم التي يرتكبها الأسد، علماً بأن حجم الفظائع التي يتحدثون عنها، لا تتناسب والبطء التدريجي للعقوبات التي فرضوها، بل لا تتناسب أيضاً مع حجم الإجراءات الدبلوماسية والسياسية التي اتخذوها ضد الأسد. وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم. هل ستنحصر أضرار العقوبات المفروضة في الأسد وأعوانه فقط، أم أنها ستنال من الشعب السوري؟

في الحقيقة، أن هذه العقوبات التي حاول فارضوها أن تكون "عقوبات ذكية"، مختلفة عن تلك التي فُرضت على العراق منذ احتلاله الكويت، وحتى انتهاء حكم صدام حسين، ستنال من الشعب السوري، مهما بلغت درجة "ذكائها". وهذا يضع الأوروبيين والغرب عموماً أمام مسؤولية تاريخية بكل معنى الكلمة. لن يكون هناك تأثير على المدى القصير للعقوبات على الشعب السوري، ولكن تأثيرها سيظهر بوضوح على المدى المتوسط والطويل. وإذا ما كان الأوروبيون (والمجتمع الدولي عموماً)، جادون في مساندة الشعب السوري الذي يتعرض لحرب إبادة، عليهم أن يتحركوا بصورة أكبر وأقوى للوقوف إلى جانب هذا الشعب في إزالة سلطة تحكم البلاد بلا شرعية منذ عهد الأسد الأب. ولا يتم ذلك، إلا باستكمال عملية عزل الأسد وأعوانه، عزلاً تاماً، والعمل المثابر على تذليل العقبات الدبلوماسية أمام إدانته في مجلس الأمن الدولي، على شكل قرار لا بصيغة بيان رئاسي من المجلس المذكور.

إن بشار الأسد سيستخدم هذه العقوبات في مرحلة لاحقة ضد شعبه (إذا ما استمر في الحكم)، لتمثل سلاحاً جديداً يضاف إلى أسلحته الخفيفة والثقيلة، التي لم يوفر شيئاً ضد المدنيين العزل. فقد بدأ حاكم المصرف المركزي السوري، بإطلاق الإشارات بهذا الخصوص، حينما دعا السوريين إلى شد الأحزمة، في خطوة أولى ضمن حرب تخويفية. وفي كل الأحوال، يراهن الأسد على الوقت، على أمل أن ينجو من مصيره المحتوم، وعلى المجتمع الدولي العمل الآن لاختصار هذا الوقت بل ولقطعه إلى الأبد.

الاثنين، 29 أغسطس 2011

في سورية.. أكاذيب اقتصادية

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







"أكبر وأكثر الأكاذيب، هي تلك التي يكذب فيها الإنسان على نفسه. الكذب على الآخرين ليس سوى استثناء"
فريدريك نيتشه فيلسوف ألماني

 
 
كتب: محمد كركوتــي
 
كما الأكاذيب السياسية وبالتأكيد الأمنية التي تبتكرها السلطة في سورية على مدار الساعة، هناك الأكاذيب الاقتصادية المنتشرة في هذا البلد، منذ أن خضع لحكم أسرة الأسد، قبل أكثر من أربعة عقود. ولأن الشعب السوري لم يصدقها بكل أنواعها (السياسية والأمنية والاقتصادية)، كان على الأسد الأب والابن، أن يفرضاها بالقوة في سياق منظومة، القتل والبطش والقمع والتنكيل والاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري. فحتى نصف الحقيقة–إن وجدت- عندهما هي في الحقيقة.. كذبة كبيرة جداً. فكيف الحال بربعها أو عشرها؟! فبعد أن كانت الأكاذيب الاقتصادية، قبل الثورة الشعبية السلمية العارمة في سورية، تُطلَق على شكل إحصاءات وهمية، وأرقام مجهولة، وبيانات مريبة، ودراسات مضحكة، وبحوث بلا مصادر، ومشروعات بلا هوية، بما في ذلك نسب التنمية والبطالة والاستثمار والعجز والتضخم والاقتراض والناتج المحلي ومصادر الدخل، أخذت الأكاذيب تُطلَق بعد الثورة، في صيغ ردود على حقائق، لم يقدمها الثوار، بل وضعتها على الطاولة، جهات دولية مستقلة رصينة، كانت قبل الثورة تحظى باحترام وتقدير كبيرين من قبل السلطة الحاكمة في سورية، فضلاً عن معلومات أكدتها الأحداث على الأرض، وهذه توفر أجود أنواع "التأكيدات"، لأن الحدث –أي حدث- هو المصدر الأمثل والأقوى للحقائق، أياً كانت طبيعتها وهمومها ومرارتها.

كان من المناسب –وفق أكاذيب الأسد- أن يظهر ابن خاله رامي مخلوف الذي يسيطر على 60 في المائة من الاقتصاد السوري، ليقول إنه "وهب" نفسه لأعمال الخير، وإنه ابتعد عن الأعمال! وذلك في محاولة بائسة ويائسة تثير الغثيان، لإلباسه ثوب النزاهة. وكان من المناسب أيضاً، أن يقوم عدد من رجال الأعمال الذين عُينوا من قبل الأسد، بإطلاق التصريحات حول مناعة الاقتصاد الوطني من الانهيار، بينما يعرف العالم أجمع، بأنه لا يوجد في سورية اقتصاد وطني، بل هناك اقتصاد أُسري، يقوم على أسس "التشبيح" والارتزاق و"البلطجة"، ولا بأس من سلوكيات قُطاع الطرق. وكان من المناسب أيضاً وأيضاً، أن يُطلق الأسد حاكم مصرفه المركزي "السوري"، لينشر هنا وهناك تطمينات، لا يصدقها هو شخصياً، بأن الاحتياطي النقدي في المصرف لم يتضرر من جراء الثورة الشعبية العارمة، وأن الليرة متماسكة، وأنه ليس هناك مساعدات مالية إيرانية لإنقاذ الأسرة الحاكمة، وأن العراق –بحكومته الإيرانية- لم يرفع –مع سبق الإصرار والترصد- من وتيرة تعاونه الاقتصادي مع سورية في أعقاب الثورة، لحماية الأسرة نفسها.

وقد تحدثت في مقالات سابقة، عن المساعدات الإيرانية للأسد، التي بلغت 5,8 مليار دولار أميركي، وكيف يتم توزيعها وإنفاقها، على مجموعة من أولويات السلطة، يمكن اختصارها بالتالي: شراء المزيد من الأسلحة لتمكين السلطة وعصاباتها من مواصلة عمليات قتل الشعب السوري. الإنفاق على عصابات المرتزقة –بما في ذلك عصابات حزب الله اللبناني (الإيراني)-. تدعيم وحدات عسكرية معينة في أماكن معينة، تحسباً لسقوط الأسد في دمشق. تمويل قصير الأجل لدفع مرتبات العاملين في القطاعين الحكومي والعسكري، لتأخير اندلاع العصيان المدني الحتمي. تقديم رشى لمن يقبل من السوريين –إن وجد أصلاً- الوقوف إلى جانب السلطة حتى النهاية، بما في ذلك رجال الأعمال المُعَنين، ورجال أعمال تقليديين، قبلوا بما فُرض عليهم من آليات اقتصاد التشبيح، خوفاً عن أنفسهم، ورضى بما خصص لهم من فتات الأموال المشينة.

وعلى الصعيد العراقي، ربما كان من المفيد أن أنقل تصريحاً وصلني من مكتب الدكتور رافع العيساوي، وزير المالية العراقي، يكذب فيه الأنباء التي تحدثت عن قيام بلاده بدفوعات مالية إلى سورية بلغت 10 مليارات دولار أميركي. لكن التوضيح يحمل معه تأكيدات واضحة في مساندة حكم الأسد. وفيما يلي النص الكامل للتصريح –البيان دون أي تدخل من جانبي:" ينفي مكتب الوزير الدكتور رافع العيساوي نفياً قاطعاً الأنباء التي وردت عن الدفوعات المالية التي قدرتها الأنباء بعشرة مليارات دولار لحكومة سوريا الشقيقة. وإذ يؤكد الوزير حرص العراق على مسندة أشقاؤنا في سوريا حكومة وشعباً، تعلن الوزارة عن الاتفاق مع وزارة المالية السورية على توحيد التعرفة الجمركية بين البلدين، وعلى مساندة مالية وقدرها ستة مليارات دولار سيتم تحويلها على دفعات ثلاثة خلال مدة تسعة أشهر من تاريخ توقيع الاتفاقية بين البلدين يوم 27-07-2011 . ولذا لزم التنويه الى الالتزام بدقة المعلومات والاتصال بالمكتب الاعلامي للحصول على البيانات الصحيحة". إن نظرة واحدة إلى تاريخ توقيع الاتفاقية، يمكن أن تمنح المشهد أقوى قدر من الوضوح!

الذي يبدو واضحاً أيضاً، أن الـ 6 مليارات "العراقية" وتقريباً الـ 6 مليارات "الإيرانية"، لم تمنح الشعب السوري بارقة أمل اقتصادية، لأن توزيعها هو خارج نطاق الفوائد المنتظرة من مثل هذه المساعدات أو الدفوعات أو "المسندة" حسب تعبير بيان الوزير العراقي. وعلى هذا الأساس، يمكن أن نفهم تصريحات حاكم المصرف المركزي "السوري" المريعة الذي قال فيها: "إن على السوريين شد الأحزمة بعد فرض عقوبات أوروبية وأميركية قاسية على بلدهم، الذي أضعفته اقتصادياً. وإننا سنواجه صعوبات متزايدة بسبب العقوبات والأحداث، وبالتالي سيكون علينا شد الأحزمة". يا إلهي، يطلب من السوريين الذين يشدون الأحزمة منذ أكثر من أربعة عقود، أن يشدوها أكثر، بينما لم يعد في الحزام ثقب آخر لمزيد من الشد!! وفي محاولة سمجة وغليظة لاجترار قصة مشكوك بصحتها تاريخياً، قال حاكم المصرف السوري:" أقول عكس ما دعت إليه ماري انطوانيت، عندما طلبت من الشعب أن يأكل البسكويت، إذا لم يكن لديه خبز. أعتقد أنه سيكون علينا التخلي عن تناول البسكويت لنأكل الخبز الأسمر". وبعيداً عن استعراضه التاريخي الباهت، فقد تأخرت العقوبات الغربية على الأسد وأسرته وأعوانه، لأن الدول الكبرى، أرادت أن تفرض عقوبات ذكية على حاكم سورية غير الشرعي، وذلك بقطع الإمدادات المالية عنه (بما في ذلك حظر النفط الذي لا يدخل منذ أربعين عاماً الخزينة العامة)، التي لا يستخدمها في تنمية البلاد، ورفاهية شعبه –وهذا أمر يستحيل أن يقوم به- بل تُنفَق في استكمال مواجهة نادرة، بين سلطة تستخدم الدبابات والمدرعات والطائرات والسفن الحربية والعصابات المستوردة والمحلية، وشعب أعزل إلا من كرامته وعزته. إن عمليات السرقة والنهب، هي التي ستضيع ما تبقى من "خبز أسمر"، بعدما أضاعت مقدرات البلاد. إن المرحلة الطويلة المفجعة، التي شهدت - ولاتزال- مجموعة من الاقتصادات التخريبية، بدءاً من اقتصاد الفقر، واقتصاد التفقير وما دونه، واقتصاد التشبيح، هي التي استهلكت ثقوب الحزام، فلم تعد فيه مساحة لثقب آخر.

كان الأسد الاب، "يستنجد" بالعقوبات لتبرير الفساد والسرقة، وفعل الأسد الابن الشيء نفسه، مع فارق واحد، هو أن جرائم الأول، كانت عديمة "البث"، أما جرائم الثاني، فقد استحوذت على كل وسائل البث.

الاثنين، 22 أغسطس 2011

الكماشة الاقتصادية حول عنق الأسد

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")

"الطغاة يركبون على النمور جيئة وذهاباً، يخشون الترجل من على ظهرها، عندما تشعر بالجوع"
ونستون تشرتشل رئيس وزراء بريطانيا الراحل





كتب: محمد كركوتــــي

الكماشة تضيق حول عنق سفاح سورية بشار الأسد، بطرفيها السياسي والاقتصادي. فقد بلغ هو وعصابته مراحل متقدمة في الطريق نحو نهايته، بعد أن انتهت إلى الأبد مسلماته البائسة التي كان يطلقها قبل الثورة الشعبية السلمية العارمة ضده بأن سورية محصنة من نسائم التغيير التي هبت على الساحة العربية. فالذي حدث أن سورية أطلقت في الواقع أعاصير التغيير، والمرحلة التي سبقت الخامس عشر من مارس/ آذار الماضي، باتت تاريخاً قاتماً ومريعاً، في ظل صناعة هائلة لمستقبل بلد، ظن السفاح أنه يملكه إلى الأبد. ولأنه كان –ولايزال- جاهلاً وفاقداً لعقله، لم يفهم ما قاله الأديب الفرنسي فيكتور هوغو –مع شكي في أنه يعرفه- ماذا قال: "عندما يكون الطغيان حقيقة، تكون الثورة محقة".

لن أتحدث هنا عن الطرف السياسي للكماشة، فقد أصبح واضحاً، ويمكن اختصاره بأن سفاح سوريا بات قاب قوسين أو أدنى، من العزل الدولي الشامل. والحقيقة أنه يستحقه منذ أن بدأ بقتل وحشي منظم للسوريين الأحرار، وهو يستحقه قبل ذلك بأعوام طويلة. كان النظام الإيراني الذي صدَر قطاع الطرق (بمن فيهم عصابات حزب الله الإيراني في لبنان)، والوسائل المساعدة لقتل الشعب السوري، يعرف أن الكماشة الاقتصادية مطبقة لا محالة حول رقبة الأسد، ولذلك، فقط استبق استحقاقات الثورة في حركة بائسة ويائسة، وضخ ما يقرب من 5,8 مليار دولار أميركي، في خزائن أسرة الأسد وعصاباتها، على أمل نجدته من مصيره المحتم، وهو الزوال. وعلى الرغم من مرور أكثر من شهرين على ضخ هذه الأموال الطائلة، إلا أنها لم تمنع مظاهرة سلمية واحدة، بما في ذلك تلك التي تضم العشرات، لا عشرات الآلاف ولا مئاتها. ومع ارتفاع حدة العقوبات وتعدد ماهياتها ضد العصابة الحاكمة في سورية، وإضافة المزيد من أسماء الخارجين عن الشرعية والقانون، بمن فيهم بشار الأسد نفسه، بات نظام الملالي ومعه عصابة حزب الله، يواجهون أزمة أخرى مشتقة من الأزمات التي طالتهم من جراء ثورة السوريين الأحرار، خصوصاً بعد أن أضافت الدول الكبرى أسماء إيرانيين إلى قوائم الحظر التي أصدرتها تباعاً.

وبعد تردد يولد الغيظ، أقدمت دول الاتحاد الأوروبي على فرض حظر على استيراد النفط السوري، الذي يمثل الشريان المالي الدائم للأسد الفاقد للشرعية منذ وصوله إلى السلطة. ولمن نسي، فإن موارد النفط السوري لا تدخل في نطاق الخزينة العامة أصلاً، وتذهب منذ عهد السفاح الأكبر حافظ الأسد مباشرة، إلى العصابة الحاكمة في البلاد. فقد كان الأسد (الأب والابن) أكثر فساداً في هذا المجال، من سفاح ليبيا معمر القذافي. فهذا الأخير اختلق صندوقاً أطلق عليه اسم "الحساب المجنب"، كان يضع فيه قسماً من الموارد النفطية، ولا يحق لأحد الاقتراب منه، بينما كان الأب والابن في سورية يضعان كل الموارد النفطية السورية في جيوبهما، ولا بأس من جيوب بعض أفراد عصابتيهما. يصدر الأسد لحسابه الخاص، قرابة أربعين في المائة من النفط السوري إلى السوق الأوروبية، وهذا يعني أن الموارد التي يستخدمها لقتل شعبه، سوف تنخفض في الأيام القليلة المقبلة، إلى جانب تراجع العوائد المالية الناجمة عن مختلف القطاعات الاقتصادية في البلاد، فضلاً عن تراجع مخيف لعوائد غسيل الأموال، وإن كان الذراع المالي اللبناني-السوري لهذه التجارة المشينة، لا يزال يتحرك. والغريب أن الأسد هرَب إلى لبنان ما يقرب من 23 مليار دولار أميركي منذ اندلاع الثورة ضده، في الوقت الذي تضيق فيه الكماشة الاقتصادية حول رقبته، وهذا أسلوب يعتمده عادة رؤساء العصابات الذين يتعرضون إلى الملاحقة. فقد كان عليه أن يُبقي هذه الأموال في البلاد، لإعانته على مواصلة حكمه غير الشرعي أطول فترة ممكنة. لكن الواضح أنه بات يعرف –حتى بعد أن فقد عقله- بأن أيامه باتت معدودة، أو على الأقل أصبح يعرف ماهية مصيره المحتوم.

شكلت أموال نظام الملالي الإيراني طوق نجاة للأسد لفترة زمنية محدودة، ولم تمثل طوق إنقاذ له. فمع خمس جولات من العقوبات الأوروبية، وجولتين أميركتين مماثلتين، استهدفت كيانات اقتصادية مختلفة، وبعد وضع أسماء 50 شخصية سورية وإيرانية ولبنانية ضمن قائمة الخارجين عن القانون، وعلى رأسهم سفاح سورية، باتت المعونات الإيرانية المالية بلا قيمة، خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار المشاكل الاقتصادية التي تعيشها إيران، من جراء سياسات نظامها العدواني الذي يسعى إلى نشر أوبئته السرطانية في المنطقة العربية كلها. هذا الوضع، يستحضر الساحة السورية إلى أكثر ما يخشاه الأسد وعصابته، وهو العصيان المدني، التي بدأت بوادره بالظهور من خلال اضرابات تلقائية في العديد من المدن التي تشهد حرب إبادة يشنها واحد من أسوأ الأنظمة على الإطلاق منذ النازي الألماني أدولف هتلر، والفاشي الإيطالي بينيتو موسوليني، يضاف إلى ذلك امتناع شرائح متعاظمة من الشعب السوري، عن تسديد التزاماتها المالية للحكومة، بما في ذلك دفع فواتير الخدمات، بل وامتناع أعداد من الموظفين الحكوميين للالتحاق بوظائفهم، خوفاً من عصابات القتل المأجورة من الأسد مباشرة.

إن الوضع الاقتصادي الراهن في سورية هو على الشكل التالي: تراجع مخيف في الاحتياطيات المالية للبنك المركزي( اعترف به حاكم البنك نفسه)، الذي تسيطر عليه مباشرة عائلة الأسد. انخفاض متواصل لقيمة الليرة السورية. هروب كبير لرؤوس الأموال الشرعية وغير الشرعية. اضمحلال العوائد السياحية كاملة. إغلاق مشاريع استثمارية كبيرة ومتوسطة. تأجيل مشاريع أخرى. ولو أضفنا إلى ذلك كله، العقوبات الدولية المختلفة، واحتمالات فرض عقوبات عربية مشابهة في المستقبل القريب، فإن الكماشة الاقتصادية، ستتحول إلى ما يشبه حبل المشنقة حول رأس السلطة الحاكمة في سورية. وبالتالي يمكن القول، إن ما بدأته الثورة السلمية الشعبية العارمة في البلاد، الهادفة لإزالة حكم الأسد غير الشرعي، ووقف حرب الإبادة ضد السوريين الأحرار سينهيه الاقتصاد. إن ذلك من حقائق التاريخ، وأحسب أن سفاح سورية لم يقرأ التاريخ جيداً.

الاثنين، 15 أغسطس 2011

تاريخية الكلمة من تاريخية قائلها

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")







"وما المرء إلا بإخوانه.. كما تقبض الكف بالمعصم
ولا خير في الكف مقطوعة.. ولا خير في الساعد الأجذم "
محمد بن عمران الضبي شاعر عربي

 
 
 
 
كتب: محمد كركوتـــي
 
إنها ليست من تلك الكلمات التي ينتهي أثرها، قبل أن تُستكمل سطورها، وليست من تلك المليئة بشعارات بدون معنى، وبلاغة بلا وقع، وإنشاء بدون وزن، وقافية بلا موسيقى. إنها كلمة تاريخية بكل معنى الكلمة، تلك التي وجهها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، إلى سورية. والحقيقة أن تاريخيتها لا تنبع فقط من زخم وفداحة الحدث "الدرامي" السوري، بل من تاريخية ووزن ومكانة قائلها. ولأن الأمر كذلك، فقد كانت الكلمة التي بدأها خادم الحرمين الشريفين بـتلك العبارة -التي ألهبت المشاعر مستندة إلى الحقائق والصدق لا الأوهام- "إلى أشقائنا في سوريا.. سوريا العرب والإسلام"، بليغة في تاريخيتها ، وتاريخية في بلاغتها. كانت كلمات مقتضبة، لكنها أقوى من غالبية الخطابات (العربية تحديداً)، ذكرتني بمقولة شهيرة لرئيس وزراء بريطانيا الراحل ونستون تشرتشل " لقد كتبت خطاباً طويلاً، لأنني لا أملك الوقت لأكتبه قصيراً"، وعندما تكون كلمة واحدة من القائل، تفوق ملايين الكلمات أهمية، لا معنى للمساحة، بل المعنى كله يكون في الأثر، وقبل هذا وذاك ينصهر المعنى بقوتها.

والحقيقة، أن هذه الكلمة سبقتها نصائح لم تتوقف من الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى سفاح سورية بشار الأسد، وتقدمتها اتصالات لم تهدأ من أجل حقن دماء الشعب السوري الأبي، وأيضاً من أجل التوصل إلى حلول للكارثة التي تسبب بها الأسد وأعوانه، بأقل الأضرار الممكنة، لكن الذي بدا واضحاً، أن سفاح سورية، فقد عقله في ظل فقدانه للشرعية الوطنية، منذ وصوله إلى السلطة مغتصباً لها، ووارثاً لحكم ما كان له، لو طبقت عليه أدنى المعايير المعروفة في عمليات انتقال السلطات. فوصوله إلى الحكم، شكل إهانة أخرى للشعب السوري، من نظام حزب البعث الفاشي، الذي امتلك القرار المطلق وحصره في مجموعة صغيرة جداً، لا ينطبق عليها إلا توصيف العصابة، كما فتح شهية الأنظمة الجمهورية العربية الأخرى للتوريث. ومن هنا نجد أساساً سورياً –على سبيل المثال- لانهيار نظامي حسني مبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس، وأساساً يستكمل انهيار نظامي علي عبدالله صالح في اليمن، وسفاح ليبيا معمر القذافي، يضاف إلى ذلك، أن هؤلاء الأربعة، لم يستمعوا إلى النصائح التي كانت ستوفر الكثير على شعوبهم أولاً، وحتى عليهم، بل تعاملوا مع هذه النصائح كــ "مخططات عدائية لهم"، فلا غرابة إذن.. من قيام بشار الأسد وأعوانه السوريين وغير السوريين، من توجيه الاتهامات إلى الناصحين، بلغت أعلى درجات الأكاذيب، بأن هؤلاء – أي الناصحين- يمولون الثورة الشعبية السلمية العارمة، بماذا؟ بالسلاح!! في حين لم يجد العالم المراقب والمتابع لما يجري في سورية، سكين مطبخ في يدي أي متظاهر سوري، يطالب بحرية سلبت منه منذ أكثر من 41 عاماً، وأن هذا المتظاهر –كغيره من بقية السوريين- لا يملك إلا كرامته يحارب بها، واحداً من أسوأ الأنظمة الوحشية منذ الحرب العالمية الثانية.

كلمة خادم الحرمين الشريفين، لم تضع فقط الأمور في نصابها، بل أوجدت جهة لا تقف إلا مع الحق، تقف إلى جانب الشعب السوري الأعزل، الذي استخدمت ضده كل أنواع الأسلحة، بما في ذلك، الدبابات والمدرعات والقاذفات والمروحيات والسفن الحربية، بالإضافة طبعاً إلى المرتزقة الذي يستحقون بجدارة توصيف قطاع الطرق، خصوصاً أولئك المرتزقة المستوردين من الخارج، وتحديداً من إيران وعصابات حزب الله الإيراني في لبنان. فقد وجد الأسد، أن المرتزقة المحليين أقل "جودة" في قتل الأبرياء والجنود الشرفاء الأحرار من أولئك المستورَدين. لقد أظهر الشعب السوري –باعتراف المجتمع الدولي- شجاعة لا حدود لها في حراكه نحو الحرية، وأثبت مجدداً أنه يقوم بواجباته العربية والقومية، حتى وهو في أحلك ظروفه الحياتية. كيف؟ إنه يقاوم بأجساد لا تحمل إلا الكرامة، تغلغلاً سرطانياً إيرانياً، ليس في سورية فحسب بل في المنطقة ككل، ويقاوم أيضاً عصابات حزب الله، التي تقوم بتنفيذ مشروع لم يعد خافياً على أحد، لنشر الفوضى في المنطقة، استكمالاً للمشروع الإيراني الكبير.

إن أجمل ردود الأفعال على كلمة الملك عبد الله بن عبد العزيز، أتت على الفور من الشعب السوري، الذي يمثل الشرعية الوحيدة في سورية، جاءت من هذا الشعب الذي عرف مرة أخرى، أن المملكة العربية السعودية التي وقفت إلى جانبه منذ أن تأسست، لن تتخلى عنه، خصوصاً وهو يخوض "حرباً" فريدة من نوعها، ليس من جهة غياب موازين القوى فيها، بل لأنها تُشَن من طرف واحد (لا طرفين) يملك الآلة والوحشية، ومستعد للمضي إلى ما بعد النهاية، لاستكمال حرب إبادة منظمة، تستند على استراتيجية الهلاك. خصوصاً وأن هذه الاستراتيجية حصلت على ذراع مالية إيرانية بلغت –حتى الآن 5,8 مليار دولار أميركي- أسست ما يمكن تسميته بـ "اقتصاد الهلاك"، وهو اقتصاد لا يحقق نمواً إلا في إطار توصيفه، فـ "الدخل الإجمالي" له لا ينفق إلا على استيراد قطاع الطرق، وشراء الأسلحة التي يحتاجها الأسد وعصابته لإتمام حرب الإبادة، ولا بأس من تقديم الرشى (إن وجد من يقبلها من السوريين) بما يتناسب وأهداف استراتيجية الهلاك.

إن الوزن الهائل لكلمة خادم الحرمين الشريفين إلى سوريا العرب والإسلام، لا يمكن أن تستوعبه بيانات الإشادة، ولا مانشيتات الصحف، ولا العناوين الرئيسية للأخبار، إنه من ذلك الوزن الذي يصنع التحولات، لا من ذاك الذي يدخل في نطاق التعليق على الأحداث، لأنه ببساطة صانع للأحداث. إنه الفعل لا رد الفعل. وعلى هذا الأساس، يمثل أساساً مطلوباً لأي تحرك ناجع لوقف نزيف الدم في سورية العرب والإسلام، إنه ليس أقل من جدول أعمال لقمة عربية أو اجتماع لوزراء الخارجية العرب. إن هذه الكلمة تتدخل ببساطة التاريخ من فرط وزنها وقيمتها، لا بقرارات رسمية، تعودنا عليها من أنظمة بلا شرعية، يلقي قادتها كلمات بلا معنى ولا أثر ولا أفق، بل وبلا أخلاق وقيم.

الأربعاء، 10 أغسطس 2011

طاغية الإعلام

(المقال خاص بمجلة جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج")








"لا يمكن أن تبني مؤسسة قوية، مليئة باللجان، وبمجلس تستشيره في كل شيء. عليك أن تكون قادراً على صنع القرار بمفردك"
روبرت ميردوخ أكبر المستثمرين الإعلاميين في العالم

 
  
* شيئاً فشيئاً، بات ميردوخ يسيطر على 40 في المائة من الإعلام البريطاني * طور ميردوخ أدوات الإعلام، لكنه ضرب عرض الحائط بأخلاقيات هذه المهنة * من مقولات طاغية الإعلام العالمي "سمعتنا أهم من آخر مئة مليون دولار أميركي نجمعه" * ليس أمام ميردوخ مساحة للمناورة على الساحة البريطانية

  كتب: محمد كركوتـــي
 
في منتصف ثمانينات القرن الماضي، بدأ الاسترالي- الأميركي روبرت ميردوخ، حملته للانقضاض على ما أمكن من وسائل الإعلام البريطانية. كنت وقتها صحافياً صغيراً أعمل متعاوناً مع جريدة "التايمز" العريقة، كنت أتهيب دخولها كل يوم، حتى بعد أن صرت واحداً من مئات يعملون فيها، وفي شقيقاتها الأخريات. كانت هذه الصحيفة التي انطلقت في العام 1785، وشهدتُ احتفالها الكبير عام 1985 بمرور 200 عام على صدورها، تمثل جزءاً من وجدان بريطانيا، لتكمل هذا الوجدان مع زميلاتها الأخريات الرصينات. وبعد معارك عنيفة، ودعم لا محدود من حكومة مارجريت ثاتشر آنذاك، استطاع ذلك "الكابوي" الاسترالي السيطرة على هذه المؤسسة. وهو لم يكن غريباً كثيراً على الساحة البريطانية، إذ كان يملك صحيفة "نيوز أوف ذي وورلد" الأسبوعية الشعبية التي بلغ توزيعها في بعض الفترات أكثر من 6 مليون نسخة، والتي أُغلقت مؤخراً بسبب فضائح التجسس التي كان صحافيوها يقومون بها على الشخصيات العامة، والناس العاديين.
شيئاً فشيئاً، بات ميردوخ يسيطر على 40 في المائة من الإعلام البريطاني. ولا يمكن لهذا الطاغية الإعلامي، المسيطر إعلامياً بصورة كبيرة جداً في بلاده الأصلية والولايات المتحدة، إلا أن يكون شاكراً دائماً لثاتشر، التي قفزت فوق قوانين الاحتكار من أجله. ومع انطلاق عصر القنوات الفضائية في أواخر ثمانينات القرن الماضي، كان الطاغية مستعداً لهذا العصر بكل ما يملك، فكان سباقاً لإطلاق شبكة "سكاي" الضخمة، ولكن سرعان ما واجه مشاكل مالية في هذه الشبكة، التي اضطرته للتحالف مع شبكة "بي بي سي" الفضائية التي أُطلقت حديثاً آنذاك، والتي كانت هي الأخرى تواجه نفس المشاكل (تملك مؤسسة ميروخ "نيوز كوربوريشن" 39,1 في المائة منها). أُدرجت المؤسسة المتحالفة في البورصة تحت اسم "برتيش ساتيلات بوردكاستينج" أو British Satellite Broadcasting المعروفة اختصاراً بـ BSKYB . ماذا كان يسعى الطاغية، قبل أن تُسقطه في بريطانيا جريدته "نيوز أوف ذي وورلد"، وتسقط معه أيضاً؟ كان يسعى للاستحواذ على أسهم المؤسسة، وعرض مبلغاً وصل إلى 12 مليار جنيه استرليني. كان يريد أن يسيطر عملياً على أكثر من 60 في المائة على الأقل من الإعلام البريطاني ككل!

أخلاق المهنة
طور ميردوخ في بريطانيا (كما في أستراليا والولايات المتحدة وغيرها من البلدان)، أدوات الإعلام، لكنه ضرب عرض الحائط بأخلاقيات هذه المهنة. فقد أظهر أنه يؤمن بـذلك المبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، بصورة توازي إيمان ميكافيلي نفسه به، ومع تعاظم سطوته في هذا القطاع، بات يهاجم نفسه، على تلك الفترة القصيرة، التي آمن فيها بالمعايير اليسارية عندما كان في أول درجات السلم الإعلامي. فلا عجب في أنه –على سبيل المثال- قلص عدد العاملين في مجموعة "التايمز" (عندما اقتنصها) وواجه نقابة عمال الطباعة بحركة استفزازية، حيث قام بطرد آلاف العمال دون سابق إنذار. ولأنه كذلك، فقد نقل في المملكة المتحدة، ما يملك من وسائل إعلامية، من معسكر المحافظين إلى معسكر العمال، في الانتخابات التي فاز بها الحزب العمالي عام 1997. وفي انتخابات العام 2010 عاد لينقل هذه الوسائل المؤثرة إلى معسكر المحافظين. فقد أثبت أن الإعلام في أي مكان، ليس حراً تماماً، من سطوة مموله أو المستثمر فيه، وأن قوانين الاحتكار البريطانية، التي قفزت فوقها ثاتشر، وُضعت لتأمين أعلى مستوى من الحرية للإعلام، ولكن هناك إرادة سياسية يمكنها مواصلة "القفزات"، ولو إلى حين.

أحلام الاستحواذ
من مقولات طاغية الإعلام العالمي "سمعتنا أهم من آخر مئة مليون دولار أميركي نجمعه". وفي الوقت الذي ينبغي فيه ألا تقدر السمعة بثمن، فقد حدد ثمنها. ولهذا السبب فقدَ صحيفة شعبية هائلة التوزيع، صدرت قبل أكثر من 165 عاماً، لأنه كان يحقق مكاسب تفوق المئة مليون دولار! فلا معنى للسمعة إذن. وقد فقدَ أيضاً حلمه بالاستحواذ الكامل على شبكة " بي سكاي بي"، حيث أُجبر على سحب عرضه، بعدما انبرت المؤسسات السياسية والاجتماعية البريطانية، تهاجمه من كل الاتجاهات. هذه الشبكة التي كان بإمكانه أن يوسع دائرة سيطرته على الإعلام البريطاني من خلالها، إذا ما فاز عرضه الهائل. فمع تراجع عدد قراء الصحف والمطبوعات عموماً في بريطانيا والعالم أجمع، بات التلفزيون (ومعه وسائل الإعلام الاجتماعي)، الذراع الأقوى للتأثير والانتشار، وبالتالي تمرير السياسات البريئة والمريبة .. وأحياناً المريعة. استطاعت هذه الشبكة، على مدى أكثر من 15 عاماً، أن تخطف شرائح عريضة من المجتمع البريطاني، لاسيما شريحة الشباب، من القنوات المحلية التاريخية العريقة، التي تتقدمها تلك التابعة للـ " بي بي سي". صحيح أن هذه الأخيرة تشارك مؤسسة ميردوخ في "بي سكاي بي"، لكن الصحيح أيضاً أن المعايير التي تستند عليها هذه الشبكة، تختلف عن تلك التي قامت عليها الشبكات التلفزيونية الأخرى. إنها متطابقة لمعايير شبكة "فوكس" التي يملكها الطاغية في الولايات المتحدة. إنها يمينية حتى العظم، وينظر لها الراشدون على أنها غير بريئة، رغم اعترافهم بقدرتها على خطف الإعجاب، على الأقل للوهلة الأولى.

تصحيح الأخطاء
ليس أمام ميردوخ مساحة للمناورة على الساحة البريطانية. فبعد الأعمال المشينة التي ارتكبتها إحدى صحفه الأوسع انتشاراً في البلاد، بات الحديث يدور الآن، عن إمكانية التحرك لتفكيك إمبراطورتيه، من أجل تصويب أخطاء نالت من القوانين الإعلامية المرعية على مدى ثلاثة عقود تقريباً، وضربت الأخلاقيات والقيم الإعلامية، في بلد افتخر دائماً بحرية لا حدود لها للإعلام، التي تستند على معايير حرية التعبير المقدسة. والحقيقة، أن الساحات الأخرى التي ينعم فيها طاغية الإعلام بالسيطرة على جزء من المقدرات الإعلامية –إن جاز التعبير- بدأت تدرس حالة ميردوخ البريطانية باهتمام شديد، تحسباً لانتقال عدوى الأعمال المشينة إليها. إن التحرك البريطاني الآن، يؤسس لتحرك عالمي باتجاه احتكار الإعلام، ويجرد الممولين والمستثمرين الكبار في هذا القطاع، من جانب كبير من تأثيرهم على المجتمع بصفة عامة. ولا شك في أن ميردوخ خسر هذا التأثير، حتى ولو استمر في امتلاك وسائله الإعلامية المتبقية له في المملكة المتحدة.
إن ما يجري الآن، هو تصحيح لأخطاء كان يمكن تفاديها، لولا "قتال" مارجريت ثاتشر، إلى جانب ميردوخ في منتصف ثمانينات القرن الماضي. كان قتالاً من أجل مكاسب سياسية، لا أخلاقية، خصوصاً عندما أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة بصورة واضحة، أنه لا يوجد شيء اسمه المجتمع، هناك شيء واحد فقط اسمه السوق!!

الثلاثاء، 9 أغسطس 2011

إيران والأسد واقتصاد الهلاك

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






""قادة النظام الإيراني، يتخذون مواقف، ويطلقون تصريحات بغيضة، لم نشهد ونسمع مثلها منذ أدولف هتلر"
توم لانتوس عضو سابق في مجلس النواب الأميركي



كتب : محمد كركوتـــي

بعد تدفق خبراء وعصابات كل من الحرس الثوري الإيراني (لاسيما فيلق القدس)، وحزب الله الإيراني الشيعي في لبنان، إلى سورية في مهمة واسعة يائسة لإنقاذ سلطة بشار الأسد المتهاوية، وجد هذا الأخير (بدون عناء)، أن الثورة الشعبية السلمية العارمة في كل أرجاء سورية، تجاوزت تحالفه المريع مع نظام العمائم السوداء (ولا بأس من البيضاء). وقبل أن يهب من تبقى من أولئك الذين لا يزالون يدافعون عن الأسد وعصابيته المحلية والإيرانية ومرتزقتهما من حزب الله، أطلب منهم الاطلاع على تقرير لجنة تابعة للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة بدورها إلى الأمم المتحدة، الذي توصل بعد تحقيقات واتصالات وشهادات وصور ومواد تلفزيونية مختلفة، إلى أن "إيران وحزب الله متورطان في قتل الجنود السوريين الرافضين، لأوامر إطلاق النار على المتظاهرين العزل". وهذا يعزز التقارير السابقة، التي تضمنت قرائن وشهادات، على أن المرتزقة (الذين ينتظرون المهدي لضبط الكون وحل مشاكله!)، يقتلون السوريين العُزَل، بعد أن يقتلوا من يرفض قتلهم من الجنود الشرفاء. فقد أشرت في مقال سابق لي، إلى أن هذا النوع من المرتزقة (والأصح القول: قطاع الطرق)، يقدمون خدمات لبشار الأسد، أكثر جودة من زملائهم المحليين، لأنهم يؤمنون بأن المحرمات، ليست سوى أشياء سخيفة، تتعارض مع تكوينهم العقائدي، وسلوكياتهم التي حلت مكان الأخلاق، إن وجدت لديهم أصلاً. ومع ذلك، فقد استمرت المظاهرات السلمية في سورية، وتحدت سلطة وحشية ليست شرعية منذ وصولها إلى الحكم، وصدمت بإصرارها، كلاً من حسن نصر الله، زعيم الحزب الشيعي الإيراني في لبنان، ومعه قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، الذي اتخذ من دمشق مقراً له منذ أربعة أشهر. ولمن نسي، فقد أشرف كل من هذا الأخير ونصر الله، على أبشع العمليات الإجرامية التي شهدها (ويشهدها) العراق.

بعد أن فشلت عمليات القتل والسحل والتعذيب والتهجير والاعتقال والإخفاء والتجويع، واعتقال حتى الجثث والتمثيل بها، وفق "استراتيجية قطاع الطرق"، اكتشف الأسد بأن الخناق يضيق يومياً على الاقتصاد في البلاد، خصوصاً بعد أن تأكد له (ولأي قارئ عادي للأوضاع)، بأن ما بدأته الثورة العارمة، يمكن ببساطة أن يستكمله الاقتصاد. لم يلجأ إلى صندوق النقد والبنك الدوليين، وإلى المؤسسات المالية العالمية المعروفة، فهو يعرف بأن مثل هذه المؤسسات، لا تتدخل في بلد، ليس فيه معيار اقتصادي حقيقي واحد، ولا إحصائية تنموية واقعية واحدة، ولا أرقام مستقلة، ولا تقارير صادقة، ولا تحقيقات مع فاسدين وناهبين. وهذه المؤسسات تعرف تماماً (وبدون جهد)، أن الاقتصاد الموجود في سورية، لا يعدو عن كونه اقتصاد "التشبيح"، وهو المرادف "الألطف" لاقتصاد "قطاع الطرق". يضاف إلى ذلك، أن المؤسسات العالمية، لا تتدخل في بلد ترتكب سلطة غير شرعية فيه ضد شعب أعزل، فظائع تفوق بشاعة ما تم ارتكابه في البوسنة والهرسك في منتصف تسعينات القرن الماضي، لتكون الأبشع على الإطلاق منذ الحرب العالمية الثانية. (وهذا ليس تقليلاً من فظائع البوسنة، لكن البوسنيين كانوا مسلحين وكذلك الليبيين الآن).

في ظل المشهد الاقتصادي المأساوي في سورية، كانت إيران حاضرة، ليس لحماية البلاد، بل لحماية استراتيجيتها المريبة والمريعة في المنطقة ككل، عن طريق إسناد سلطة الأسد المتهاوية. وبعد أن أرسلت خبراء الإجرام وعصاباتهم من الإيرانيين واللبنانيين إلى دمشق وكل المدن السورية، قامت بإرسال خبراء الاقتصاد، وهم يحملون 5,8 مليار دولار أميركي، في طائرات، تحمل أيضاً كل ما لا يملكه الأسد من آلات القتل. ومن المفارقات، أن حال الاقتصاد الإيراني ليس أفضل من حال "زميله" السوري، مع اختلاف واحد، هو أن للأول معايير واضحة بعض الشيء، بينما ليست هناك معايير ولا ملامح (على الإطلاق) للثاني. ولأن الأمر كذلك.. فإلى جانب الاستراتيجية الإجرامية لكل من نظام إيران وسلطة الأسد، تَشكَل في سورية ما يمكن وصفه بـ "اقتصاد الهلاك". وهو اقتصاد جديد محلي-خارجي، بعد أن كانت تسود سورية على مدى 41 عاماً مجموعة "متنوعة" من الاقتصادات، بدأت بـ "اقتصاد التفقير" وانتقلت إلى "اقتصاد التشبيح" لتمر قبل ذلك، بـ"اقتصاد الفقر وما دونه".. وكلها "اقتصادات" محلية صرفة. ومع المحاولات الدولية، لتفكيك شبكة الممولين لسلطة الأسد، وتدمير البنية المالية لها، عن طريق استهداف "مصرفييها" وفي مقدمتهم رامي مخلوف (ابن خال الأسد) الذي يسيطر على 60 في المائة من اقتصاد الأمة بأكملها، ومن خلال قطع الإمدادات المالية، وتجميد الأرصدة (إن تم العثور عليها)، وجد نظام طهران، ضرورة حتمية، لتحالف اقتصادي جديد، يبدأ بـ 5,8 مليار دولار، بغية تكريس ارتماء الأسد في حضن إيران، وإنقاذه من السوريين الأحرار، لاستكمال استراتيجيتها الإقليمية. فـ "استراتيجية الهلاك"، تستوجب وجود "اقتصاد الهلاك".

لكن المشكلة، أن حال "اقتصاديو الهلاك"، ليس أفضل من حال خبراء وعصابات القتل، الذي جاؤوا من نفس جهة التصدير. فالأموال الإيرانية القذرة، لم تحقق بعد شهر من تخصيصها للأسد أي شيء، بل على العكس تماماً، وجد أصحاب "عمائم الهلاك"، أعلامهم تُحرق وتُداس بأرجل الشعب السوري الحر، ومعها أعلام الحزب الإيراني في لبنان، إلى جانب صور زعيمه نصر الله، في زحمة تحطيم أصنام الأسد الأب والابن، وحرق صورهما. ولولا الخشية من الله لنبشوا قبر الأب. لم يُدخل "اقتصاديو الهلاك" دولاراً واحداً إلى خزائن المصرف المركزي التي تتناقص الأموال فيها على مدار الساعة، رغم أن هذا المصرف هو في الواقع "بنك أسري" لا مركزي ولا وطني ولا احتياطي. لماذا؟ لأن الحالة الشعبية تجاوزت مرحلة إسناد مصرف، لم يعد بعيداً عن الوصول إلى أيدي السوريين أصحابه الحقيقيين. ولذلك فإن الليرة السورية تتهاوى، والنمو بات صفراً، والعصيان المدني على الأبواب. لم يوفر "اقتصاد الهلاك" الجديد، إلا إمدادات قصيرة الأجل لدفع رواتب العاملين في القطاع الحكومي، وأخرى طويلة الأجل لدفع أجور قطاع الطرق، بواسطة الوكيل المُعيَن حزب الله الإيراني في لبنان، إضافة إلى شراء ما يلزم من أسلحة ومعدات لمواصلة المجازر بحق الشعب السوري الأعزل. فاستمرار الثورة بهذا الإصرار المنقطع النظير (إقليميا وعالمياً)، يستوجب تطوير آليات الأسد الوحشية.

الذي يبدو واضحاً، أن بشار الأسد وصل إلى مرحلة من اليأس والبؤس (بالإضافة إلى وحشية نادرة)، لم يعد معها يعرف أن كل اقتصادات الدنيا، لن تنقذه، وأن "اقتصاد الهلاك" مع إيران، لن يكون أفضل من اقتصادات والده واقتصاداته المحلية (غير المستوردة)، التي ساهمت في اندلاع الثورة الشعبية السلمية العارمة ضده، وأن إيران ستغرق معه في النهاية، في بحور الدماء والخراب. فلا يمكن أن ينجو أصحاب العمائم السوداء ومعهم وكيلهم "اللبناني"، عندما يتحطم قارب النجاة الوحيد لهم في كل المنطقة. فإرادة السوريين الأحرار التي قهرت واضعي "اقتصاد التفقير"، و"اقتصاد الفقر وما دونه"، و"اقتصاد التشبيح"، تقهر الآن مبتكري "اقتصاد الهلاك".

الثلاثاء، 2 أغسطس 2011

إيران.. إنقاذ الأسد بالهمجية والمال

(المقال خاص بجريدة "الاقتصادية"



"المصالح ليست من الآليات التي تساعد الناس على العيش، بل هي من تلك الآليات التي تصنع الحرب"
سيمون فيل فيلسوفة فرنسية

 
 
  كتب: محمد كركوتــي
 
ليس أمام النظام القائم في إيران، سوى آليتين مفضوحتين للمساعدة في إخراج يائس وبائس لسلطة بشار الأسد من مأزقها المصيري، الناجم عن ثورة شعبية سلمية عارمة، لا مثيل لها ( من حيث عناصرها ووحشية السلطة) في تاريخ البلاد والمنطقة ككل، كما أنها لا تشبه حتى "زميلاتها" العربيات، بما في ذلك الثورة الشعبية ضد سفاح ليبيا معمر القذافي. ورغم وحشيه وبربرية هذا الأخير، لا يزال دون مستوى "جودة" وحشية وهمجية زميله بشار الأسد. فالأول صعَد من قتله الليبيين، بعد أن حمل الثوار السلاح، بينما الثاني، بلغ أوج مجازره منذ اليوم الأول لثورة لم يحمل فيها الثائرون سكين مطبخ، وأطبق حصاراً على المدن والمناطق والأرياف منذ اليوم الثاني لها، وقتل حملة الزهور والشموع في يومها الثالث، ونشر الدبابات مكان السيارات العائلية في اليوم الرابع. ومع اتمام الثورة السورية شهرها الرابع، اكتسبت الفرق العسكرية، والأجهزة "الأمنية"، وعصابات الحرس الثوري الإيراني ومعها عصابات حزب الله اللبناني، ولا بأس من خبراء فنزويليين.. اكتسبت بجدارة صفة القوات المحتلة، بينما المحتل الإسرائيلي يعربد في الجولان منذ أكثر من 44 عاماً، بل ويُصدر الأوامر المُطاعة لقوات الأسد!

الآلية الإيرانية الأولى، لإنقاذ يائس لسلطة بشار الأسد، هي تلك التي تُستخدم الآن في كل بقعة من الأرض السورية، وهي تستحق بدون منازع (مع "زميلتها" الأسدية) صفة "الآلية الهمجية"، لأنها ببساطة توفر أبشع "المنتجات". القتل والسحل والترويع والتهجير والاعتقال.. جزء أصيل منها، بالإضافة طبعاً، إلى التعذيب والإخفاء القسري والتجويع والإهانة والحصار ومداهمة المنازل. والمشكلة التي تواجهها سلطة الأسد (مع النظام المنتظِر للمهدي لـ "حل مشاكل الكون")، هي أن الآلية الموحدة بينهما، صدأة في مساحة زمنية قصيرة جداً جداً، تستحق الدخول في منافسة ضمن موسوعة "غينس" للأرقام القياسية. فمنذ الأيام الأولى للثورة السورية، لم تعد هذه الآلية قادرة حتى على منع متظاهر واحد أعزل، من الخروج طالباً للحرية، ولم ينفع وجود القناصين المرابطين على أسطح المنازل والمباني، في تخويف هذا المتظاهر أو ذاك. وقد بات مؤكداً، من خلال استعراض للمشهد العام في سورية، أن سلطة الأسد ومعها نظام العمائم السوداء (أو البيضاء، لا فرق)، لن ينجحا في إيقاف زخم التظاهر السلمي العَصي على الإخماد، حتى لو استوردا قناصاً واحداً لكل مواطن، وحتى لو حاصرا الأحياء، حياً.. حياً، وحتى لو احتلا المنازل، منزلاً.. منزلاً. والحقيقة أن النظام الإيراني أخطأ، عندما اعتقد بأن آلته الوحشية، التي نالت من الانتفاضات المتكررة ضده في إيران، يمكن أن تنال بالتحالف مع مثيلتها الأسدية، من ثورة الشعب السوري. فإرادة المقاوم (حتى سلمياً) من أجل المستقبل الحر، لا تقف أمامها إرادة ممسك بأوهام الماضي، مهما بلغت سماتها الوحشية والهمجية.

فشلت الآلية الأولى. والأصح أنها تفشل على مدار الساعة في سورية. فالدبابة أصبحت هشة، كما السلطة التي نشرتها، والقناص بات مرتعداً، كما رئيس العصابة الذي خصص له مكان تمركزه، والفرد "العسكري" أضحى خائفاً، كما قائده الذي أصدر له الأوامر. حسناً.. يقول النظام الإيراني، علينا بالمال. أخذ هذا النظام، يستعرض التجارب "الناجحة" لآليته المالية في لبنان، وكيف استطاع عن طريق ذراعه السورية- اللوجستية هناك، توفير مزيد من المتانة لأرضية المندوب الإيراني- اللبناني حزب الله، وكيف استطاع (حتى بعد الخروج المُهين لقوات الأسد من لبنان)، مواصلة رص أرضية الحزب وميليشياته، عبر نفس الذراع، لكن بعد أن تحولت إلى سرية مفضوحة! لا سيما بعدما تكرست الممانعة والمقاومة، كنكتة سمجة، ليس لبنانياً وسورياً وعربياً وعالمياً فحسب، بل إسرائيلياً أيضاً. يقول نظام طهران، دعونا نجرب الجانب المالي لإخماد الثورة السورية، ليس عن طريق دعم الاقتصاد الوطني الذي لا يقوم على أسس معلومة، ولكن عبر المساعدات وفق "استراتيجية الدكاكين". يقول هذا النظام الخائف على سلطة الأسد، لا داعي لدراسة الأمر، لقد طبقنا هذه الاستراتيجية سابقاً في لبنان عن طريق مندوبنا هناك، دعونا ننسخ الاستراتيجية نفسها عبر حليفنا نفسه.

على الفور أطلق نظام طهران حزمة مساعدات تصل إلى 5,8 مليار دولار أميركي، غير أن هذه الحزمة لن تدخل في هيكلية الاقتصاد (المتهاوي)، إلا في الجزء الخاص بتوفير مرتبات لأجل ليس طويلاً لموظفي الحكومة (وذلك في محاولة لتأخير انطلاقة جامحة وطبيعية لعصيان مدني آت)، أما الباقي الأعظم من الأموال الإيرانية، فهو عبارة عن هبات لشراء تأييد شعبي لسلطة الحليف الاستراتيجي. ففي عز الهدوء والاستقرار في سورية (التي يُفترض بأنها الحليف الاستراتيجي الأكبر، بل والوحيد للنظام الإيراني)، لم تستثمر إيران أكثر من مليار دولار أميركي، ذهبت نسبة كبيرة منها إلى حسابات (الغالبية العظمى من هذه الحسابات في إيران ولبنان) للعائلة الحاكمة المالكة، وبعض أركان السلطة، إلى جانب المشاركة في مصنع للسيارات، تباع منتجاته للسوريين بالترهيب قبل الترغيب! ولا بأس من مشروعات غير إنتاجية، يستفيد منها الإيرانيون، لاسيما أولئك الذي حولوا سورية إلى حج لهم! بعد أن تجاوز عدد الحسينيات في مختلف أنحاء سورية، أعداد السوريين العاملين في المشاريع "الاستثمارية" الإيرانية!

حولت المساعدات الإيرانية على مدى السنوات الماضية بشار الأسد، إلى تابع مطيع للنظام الإيراني. وبينما كان الأسد الأب يعمل مع طهران لاستكمال استراتيجيتها التوسعية الخطيرة والمريعة الخاصة بالمنطقة ككل، عن طريق "قلب العروبة النابض"، أصبح الأسد الابن (الوارث غير الشرعي لبلد بأكملها)، يعمل عند إيران. وعن طريق المساعدات الجديدة، يسعى نظام طهران، إلى تحقيق هدفين اثنين. الأول: إنقاذ سلطة الأسد المتهاوية، والثاني: شراء ولاء الشعب السوري، على طريقة شراء ولاء الموالين لحزب الله في لبنان. ومن أجل ذلك بدأ بالفعل في الأسابيع القليلة الماضية، بعمليات "رشى شعبية" بتنظيم من وكيلها القابع في دمشق. أخذت الأموال تظهر هنا وهناك، والمبالغ الملوثة كبيرة، لكن طهران أخطأت (ومعها الوكيل) مرة أخرى، ولا يبدو أنها ستكون الأخيرة. فالوطنية السورية، لم تكن بضاعة، حتى في عز ممارسة الأسد الأب سياسة الابتزاز، التي استهدفت العرب قبل غيرهم. فلم يكن تاجراً دمشقياً أو حلبياً أو حمصياً أو حموياً، كان تاجراً آتياً من مسرحية شكسبير الشهيرة (تاجر البندقية). لقد كان شايلوك نفسه في عصر حديث. والوطنية السورية لن تكون بضاعة، في ظل سلطة الأسد الابن الآيلة إلى السقوط. لن تشتري الأموال الإيرانية الملوثة، سورياً حراً واحداً، رغم أن شخصاً واحداً يسقط شهيداً كل ساعتين، وآخر يصبح مفقوداً كل ساعة، وجريحاً كل 15 دقيقة! وهذه الإحصائيات المريعة، ليست من عندي، بل هي لـ "منظمة العمل السياسي الدولية" المعروفة اختصاراً باسم "آفاز".

لم تع إيران بعد، أن ما ينفع في جنوب لبنان لا ينفع في سوريا، حتى وإن تساوت ميليشيا حزب الله مع قوات الأسد.