الاثنين، 21 فبراير 2011

أشباه الدول والأموال المنهوبة

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")






"الذي يسند السُلَم للص لا يختلف عنه"
مَثَل ألماني




محمد كركوتــي

يدخل رجل (أو امرأة لا فرق) يرتدي بزلة إيطالية فاخرة جداً، يحمل حقيبة (أو حقائب) سفر جلدية فاخرة جداً، إلى أحد المكاتب الفاخرة جداً، في إحدى "أشباه" الدول المنتشرة حول العالم. يأتي موظف (أو موظفة لا فرق) لا يقل أناقة عن الرجل، يفتح الحقيبة، يحصي ما فيها من أموال مع مساعدين له، يعطي الرجل إشعاراً بهذه الأموال، ويصاحبه إلى حيث تقف سيارته الفارهة، ويتمنى له أوقاتاً سعيدة. المشهد يتكرر على مدار الساعة، لماذا؟ لأن أشباه الدول منتشرة جغرافياً وزمنياً حول الكرة الأرضية، بحيث ما أن تنام دولة منها حتى تستيقظ أخرى. بمعنى آخر أن مجموعة هذه الدول، مثل بريطانيا التي كانت في السابق لا تغيب عنها الشمس. ورغم ذلك، فمع الأموال المسلوبة أو المنهوبة، هناك دائماً معاملة خاصة "للموُدع"، تسمح له بأن يطلب فتح المكاتب المريبة، المرتبطة بالمصارف المشكوك بها، في الأوقات غير الرسمية. بل أن هناك كثير من هذه المكاتب تفضل عمليات الإيداع تحت جنح الظلام، تماماً مثل اللصوص الذين يمثل لهم الليل، الوقت الأكثر مثالية لسرقاتهم، ويمنحهم الغطاء المطلوب للنهب والسلب، ولا بأس من القتل لو استدعى الأمر ذلك.

الأموال في الحقائب الثمينة شكلاً ومحتوى، ليست سوى مغانم لحكام طغاة، يسرقون بلدانهم طالما ظلوا في الحكم، ويخبئون هذه الأموال لأيامهم السوداء. فهم يعرفون أنه لا بقاء لهم على كراسيهم إلى الأبد، وهم متأكدون من أن يوماً سيأتي، سيضطرون فيه للبحث في خارطة العالم، عن ملاذ يقبلهم من دون منغصات، وعن دولة ترضى بهم من غير تهديدات، وأن يعيشوا غارقين بأموال سُرقت غالباً من فقراء، ونُهبت حتماً من محتاجين، واختفت في حسابات معقدة، يصعب على أكبر المحققين وأفطنهم فك خيوطها كاملة. لماذا؟ لأن الغطاء الرسمي لها في أشباه الدول، وحتى في الدول الكاملة، لا يزال يوفر لها شيئاً من الحماية، حتى مع وجود قرارات أصدرتها الدول الكبرى، في أعقاب انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، بملاحقة الأموال الناجمة عن الفساد وسرقة المال العام، لاسيما في الدول التي تحكمها أنظمة أقرب إلى العصابات منها إلى أنظمة حكم. أنظمة تحتكر المال العام لنفسها، وتسرق منه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. أنظمة تدعي دائماً، أنها لم تسمع أنين جائع، ولا أنات مريض يحتاج إلى دواء، لا للتعافي، ولكن لتسكين الآلام.

أشباه الدول هذه، مرتبطة بصورة مباشرة بدول كبرى، يفترض أنها تقود الحملة الجديدة على أموال الفساد وسرقة المال العام. ورغم وضوح هذا الارتباط، فإن العلاقة بينها وبين الدول الكاملة يشوبها الغموض دائماً، بما في ذلك العلاقة التي تربط –مثلاً- بريطانيا بكل من جزر الكايمان وبرمودا وجزر العذراء البريطانية وجزر تركس وكايكوس وجبل طارق وجيرسي. وهذه الأقاليم أو التابعيات –إن صحت التسمية- تستقطب أكبر قدر من الأموال المسروقة من الشعوب، بالإضافة طبعاً إلى أموال الناجمة عن الجريمة المنظمة والمخدرات والاتجار بالبشر والسلاح غير الشرعي. وطبقاً لكتاب صدر حديثاً بعنوان "الملاذات الضريبية والرجال الذين سرقوا العالم"، للمؤلف نيكولاس شاكسون، فإن لندن تلعب دوراً كبيراً في ماذا؟ في إخفاء ثروات العصابات والسياسيين الفاسدين! وأن شبه دولة مثل جزر الكايمان (يتم تعيين الحاكم فيها من قبل الملكة البريطانية اليزبت الثانية)، تعتبر خامس أكبر مركز مالي في العالم، وتحتضن 80 ألف شركة مسجلة، وأكثر من ثلاثة أرباع صناديق التحوط المريبة الموجودة في العالم، كما أنها معقل ودائع قيمتها 1.9 تريليون دولار أميركي، أي 4 مرات أكثر مما هو موجود في بنوك نيويورك! ولعل من المفيد الإشارة هنا، إلى أن عالم "الأوفشور" في الدول أو المناطق أو الأقاليم الهجينة، منتشر في كل مكان حول الكرة الأرضية، إلى درجة أن نصف تجارة العالم تمر من خلاله، والغالبية العظمى من هذه التجارة، تكون في الواقع على الورق!

لم يجد الطغاة الذين حكموا –ويحكمون- بلداناً مختلفة في هذا العالم، سوى أشباه الدول لتأمين مسروقاتهم، ولا بأس ببعض الدول الأخرى التي كانت تدعي النزاهة، أو في أحسن الأحوال، عدم المعرفة بوجود هذه الأموال السليبة في مصارفها ومؤسساتها المالية. وتكفي الإشارة هنا، إلى أن جهات غربية رسمية (أميركية وأوروبية) اعترفت في العام الماضي، بأن بعض المصارف الكبرى في الدول الغربية، أنقذت نفسها من الانهيار، بماذا؟ بالأموال المسروقة من أصحابها، بالإضافة طبعاً إلى أموال المخدرات، وغيرها من السيولة المالية المشينة. ولأن الأموال المنهوبة تكاثرت في العقود الماضية –ولا تزال- مع تكاثر الأنظمة الاستبدادية وتوالد طغاتها، فقد قام المسؤولون المتعاقبون في أشباه الدول، بهدم المنازل القديمة فيها ومتاجر الهدايا والتذكارات التي تبيع للسياح منتجاتها، ومحال التجارة التقليدية البسيطة، والاستعاضة عنها بالمصارف ومجمعات المكاتب الفاخرة، بالإضافة طبعاً إلى الحانات وأماكن الدعارة، لكي يكتمل المشهد. فالأموال المسروقة هائلة، ولابد أن يتوفر لها أرضية لاستيعابها.

المصيبة أن الأموال المشينة، تُستثمر في الدول الكبرى، وتدخل إليها بطرق مختلفة. ولا يمكن بأي حال من الأحوال، أن يتبرأ المسؤولون منها، أو أن يُبعدوا أنفسهم عن التلوث بها. فالجميع يعلم أن كميات هائلة من هذه الأموال تحديداً، تدخل في صلب تعاملات أسواق المال الكبرى، وفي مقدمتها سوق لندن. ويقول نيكولاس شاكسون في كتابه الجديد: "في الربع الثاني من عام 2009، تلقت بريطانيا تمويلاً صافياً قدره 332.5 مليار دولار أميركي، من ثلاث تابعيات للتاج البريطاني فقط". ويمضي كاشفاً "أن التابعية البريطانية –شبه دولة- جيرسي تروج لنفسها بصفتها مركزاً مالياً عالمياً، وتقول عن نفسها: إنها تمثل جيرسي امتداداً لحي المال في لندن"! وعلينا أن نتخيل حجم الأموال المشكوك في مصادرها، التي تتدفق إلى لندن من بقية التابعيات.

لابد من الاعتراف بأن الأمور تغيرت في العامين الماضيين، فيما يرتبط بأموال الفساد، أو مسروقات الحكام السابقين. وقد صدرت مجموعة من القوانين الدولية التي تصب في مصلحة أصحاب الأموال الحقيقيين. وباستثناء الخطوة السويسرية السريعة لتجميد أموال وأصول الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، فقد جاءت الخطوات الغربية الأخرى متقاعسة أو متهادية. نحن نعلم أن سويسرا أرادت من خطوتها السريعة هذه، أن تبرهن أنها لم تعد ملاذاً آمناً للسارقين الكبار، بغية الحصول على تعاطف دولي معها، لكن تردد بقية الدول، يطرح علامات استفهام كبيرة، لاسيما موقف بريطانيا المتأني كثيراً، إلى درجة دفعت قادة حزب العمال البريطاني المعارض، بل ونواب من حزب الأحرار المشارك في الحكومة، إلى توجيه اتهامات لها بالتقاعس في قضية، ستوفر لبريطانيا تعاطفاً مطلوباً لها عند الشعب المصري، والشعوب الأخرى التي عاشت وتعيش في ظل أنظمة مشابهة.

إن العالم لم يعد يحتمل أشباه قرارات، ولا أشباه دول تمارس النشاط المالي، بسلوكيات "قُطاع الطرق".




الثلاثاء، 15 فبراير 2011

مصر التي في خاطرهم

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




"سر السعادة هو الحرية، وسر الحرية هو البسالة"
ثوكوديدس مؤرخ ومؤلف إغريقي




محمد كركوتــي

في 18 يوماً فقط، خرجت مصر من عصر إلى آخر. وفي هذه المدة الضئيلة زمناً، العميقة قوة، خرجت البلاد، من مرحلة طويلة جداً، كان يُكتب لها تاريخها السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالنيابة، وكان يتقرر مصيرها على أيدي مفوضين لم يَتَفوضوا، وممثلين لم يُمثَلوا، ومندوبين لم يُنتَدبوا. وكانت مرحلة طويلة جداً، شهدت اتخاذ قرارات لم تُناقَش، وخطوات لم تُبحَث. شهدت خلطاً كبيراً بين العام والخاص. بين الملكية المطلقة، والملكية الغائبة. بين الأمل والواقع المفروض بقرار. شهدت ظهور رأسمالية سياسية، لا رأسمالية اقتصادية. رأسمالية من ذلك النوع، الذي يفرز رجال أعمال، يستحوذون على كل شيء على مدار العام، ويختارون يوماً من أيام هذا العام، يحرصون فيه على التقاط الصور مع مسؤولين عن جمعية خيرية هنا، أو ملجأ أيتام هناك، ولا بأس من صور لهم، خاشعين فيها داخل مساجد تحمل أسمائهم. رأسمالية ناشئة عن "زواج" بين سلطة معروفة، ورؤوس أموال بلا مصادر معروفة. المصدر ليس مهماً. المهم أن ينجح هذا الزواج بين المال والنفوذ، وبين الحرية الاقتصادية الخالية من الضوابط، وبين السياسة الضاغطة أو المفروضة قسراً. بين مال هو في دائرة الشك، وبين سلطة أحكمت الدائرة لمصلحته.

والمصيبة التي واجهتها مصر منذ الثالث والعشرين من يوليو/ تموز 1952 وحتى الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، أنها عاشت بين رحى اقتصادين اثنين، لا ثالث لهما. الأول أغلق البلاد وقُذِف بالمفتاح عرض البحر، والثاني أغلق البلاد أيضاً، ولكنه منح مفاتيح قليلة جداً، لعدد قليل جداً، من الرأسماليين الجشعين جداً. رأسماليون، أقصوا ما تبقى من الرأسماليين الوطنيين (الذين يملكون أموالاً واستثمارات معروفة المصادر) على مدى ثلاثة عقود. رأسماليون، نجحوا باستثمار علاقاتهم بالسلطة (خِطبة وزواجاً وعشقاً)، لكنهم لم ينجحوا حتى في المساهمة بتوفير فرص عمل تبرر لهم، ما يجمعون من مال، وما ينعمون من ثروات. ماذا حدث؟ تحولت مؤسسات عامة، إلى مؤسسات خاصة جداً جداً، وبلغت الخسائر الناجمة عن التهرب الضريبي، وبعض أشكال الفساد، وليس كلها 6 مليارات دولار أميركي سنوياً، واستُثمرت ديون مصر، بأبشع طريقة ممكنة، وبيعت أراض هائلة المساحة بـ "تراب الفلوس"، وضاع النمو الاقتصادي منسلاً إلى جيوب الملوثين الاقتصاديين الجدد، بينما لم تجد الإصلاحات ولو نافذة واحدة للانسلال إلى الساحة الاقتصادية. في نهاية العام 2009 أوردت مؤسسة دولية تُعرف باسم "إيه إم بيست" في تقرير لها، إن مصر أصبحت دولة تعاني من وجود نسبة مخاطر عالية فيها، وأنه لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يحدث فيها لاحقاً، ولا يمكن رسم صورة واضحة للمناخ السياسي والاقتصادي فيها. وهو ما يعني أنها صارت دولة تعاني من غياب تام للشفافية، وعدم قدرة الناس على الوصول لمعلومات حقيقية ودقيقة فيها، وهذا كله لا يمكن أن يخلق مناخاً آمناً للاستثمار. وقد ذهب التقرير أبعد من ذلك، عندما توقع إمكانية انهيار الاقتصاد المصري في نهاية العام 2010.

مصر لم تبرح خاطر المصريين أبداً. بل لم تبرح خاطر حتى غير المصريين أيضاً. لكن ما من شك في أنها برحت خاطر أولئك الذين يحبونها فقط، عندما يدوم التواصل بينهم وبين خيراتها. فلا عجب في أن هؤلاء كانوا أول الهاربين منها، عندما اندلعت الاحتجاجات، تماماً مثل الفئران التي تكون أول القافزين من السفينة الغارقة. لقد أثبت بعض المستثمرين الأجانب، حباً أكبر لمصر وولاءً لها، من أولئك المصريين الفارين. فظلوا يحتفظون بأموالهم واستثماراتهم، رغم التحذيرات بتعرضها للمخاطر من جراء استدامة الحالة الاحتجاجية.

حصل المصريون على حريتهم، وكما يقول الأديب الفرنسي ألبير كامو: "الحرية ليست سوى فرصة نحو الأفضل". وأمامهم الآن ما يمكن وصفه بـ "الثورة الاقتصادية"، لأن الحالة الاقتصادية في البلاد تجاوزت مرحلة الإصلاح والترقيع. وعلى العالم الذي بقيت أيديه الخفية –أو المعلنة لا فرق- بعيدة عن التحول التاريخي الذي شهدته مصر، أن يتقدم الآن، لوضع أيديه من أجل إعادة البناء. لقد أربكت الأحداث في مصر الاقتصاد العالمي. صحيح أنها لم تهزه، ولكنها أحدثت خسائر كبيرة، ومخاوف أكبر. وتكفي الإشارة هنا، إلى أنه بمجرد إعلان حسني مبارك تخليه عن رئاسة الجمهورية، قفزت البورصات العالمية نحو الأعلى، وهدأت المخاوف فيما يرتبط بالإمدادات النفطية، وأسرعت المؤسسات الكبرى لتخفيض تكلفة التأمين على الديون الحكومية المصرية، وتلقى الجنيه المصري دفعة "معنوية" هائلة، كان يحتاجها بالفعل. تستطيع مصر أن تعيد بناء اقتصادها، بما يكفل تكافؤ الفرص، وإشراك كل المصريين بالغنائم الناجمة عن النمو، واستئصال السرطان الذي خلفته الأموال الفاسدة والمسروقة، ويكفل أيضاً خارطة طريق واضحة ومحددة للتنمية الاقتصادية الشاملة. فقد كان النظام السابق مجرداً من الرؤى، رغم السنوات الطويلة التي حط فيها رحاله في الحكم، وقد بلغت المصيبة الاقتصادية في مصر حداً، لم يعد النظام قادراً حتى على ممارسة رد الفعل على ما يجري داخلياً وخارجياً.

المصريون يستطيعون تطوير نظام اقتصادي، يشمل كل شيء (الصناعة والزراعة والتجارة)، ويشمل في الوقت نفسه أحقية الناس في العمل والعيش الكريم. نظام يقلل من حجم شريحة أولئك الذين يعيشون على دولار أميركي واحد في اليوم (تصل نسبتهم إلى 40 في المائة)، ويخفض عدد الذين يعملون بنظام "المياومة" البالغين17 مليون إنسان. لقد هللت الولايات المتحدة الأميركية ومعها الاتحاد الأوروبي–بالتدريج- بالتغيير الذي حصل في مصر، إلى درجة أن قال الرئيس الأميركي باراك أوباما: "إن حركة الشباب في مصر ألهمتنا جميعاً". ورغم إيجابية هذا الموقف، إلا أنه لا يقدم شيئاً على الأرض، ولا يوفر آلية لدعم الجهود. الذي يفيد التحول التاريخي الهائل حالياً ، أن يقوم الغرب، بفتح أسواقه أمام المنتجات المصرية، وأن يعقد اتفاقات تضمن أفضلية للصادرات الآتية من مصر. إن هذا يضمن استقراراً اقتصادياً وسياسياً طبيعياً، وليس استقراراً مفروضاً. وكم من أنظمة في هذا العالم، حكمت عقوداً بحجته؟

إن مصر التي في خاطر المصريين، ليست تلك التي تعيش على مساعدات، غالباً ما كان يسرق جلها، ولا تلك التي تعيش دائماً تهديد وقف المساعدات أو المعونات. إنها مصر المحورية والقوية والمؤثرة. إنها مصر التي سجل التاريخ لها، كيف كانت هي التي تمنح المساعدات. إنها مصر بمقدراتها ومكتسباتها الهائلة. إنها مصر التي بقيت شامخة، حتى في ظل نظام لا يليق بها. وما أن تتخلص من الاقتصاد "المُسرطن" أو من السرطان الاقتصادي الذي أَعمل في جسدها، وامتص ما أمكن من دمها، فالطريق أمامها ليس سهلاً، ولكنه بالتأكيد سيكون طريقاً لعدالة تستحقها، ولحلم سيتحقق.




الاثنين، 7 فبراير 2011

نمو فاسد وآخر مسروق

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


"من السهل أن نراوغ في مسؤولياتنا، ولكن لا نستطيع أن نراوغ في تبعات مراوغتنا"
جوش ستامب كاتب اقتصادي بريطاني ومدير سابق لبنك إنجلترا المركزي





محمد كركوتــي

من الغرائب المفهومة، أن الدول العربية التي تشهد اضطرابات واحتجاجات، وطاقة هائلة مهيأة للانفجار السلبي في دول أخرى، الذي يدمر ما تبقى من مكونات اقتصاداتها الوطنية، تتمتع بنمو يعتبر كبيراً بالمعايير العالمية. ومن الغرائب أيضاً، أن هذا النمو موجود على الساحة، حتى في عز الانكماش الاقتصادي العالمي. ومنها أيضاً، أن النمو يسود غالبية القطاعات، من السياحة إلى النفط والغاز، ومن الاتصالات إلى الجامعات والمعاهد الخاصة الجيدة والرديئة، التي تنتشر كما تنتشر البضائع الصينية في كل مكان، باستثناء كوكب المريخ. ومنها –أي الغرائب- أن الحكومات تتغنى بالنمو، وسط أنين لا يتوقف، من فرط العوز والفقر والجوع والبطالة، ويصل الأنين إلى أعلى مستوى من "الطرب البائس"، بانضمام "جوقة" الأمية إلى المعزوفة. لم يحدث في تاريخ الدول الراشدة، أو تلك التي تتجه نحو الرشد، هذا التناقض المريع، بين نمو اقتصادي شبه شامل، موجود في الواقع، وبين فقر وجوع وبطالة تشكل المشهد الاجتماعي العام! لم تشهد دولة، حتى وإن كانت تحكمها حكومة هشة سياسياً، هذه المعادلة المضحكة إلى حد بكاء بلا دموع. فالمعادلة المعروفة هي نفسها في كل الأزمنة: النمو الاقتصادي –مهما بلغ حجمه- يساوي تقدماً معيشياً. والعكس صحيح بالتأكيد: الكساد الاقتصادي –مهما كان متواضعاً- يساوي تراجعاً معيشياً.

إن الأمر لا يحتاج إلى فذلكة اقتصادية لشرحه، كما أنه عصيٌ على أي مبرر. وقد أجهدت حكومات نفسها في التبرير على مر السنوات –ولا يزال بعضها يعيش حالات تبرير مستدامة- إلا أنها أخفقت حتى في إقناع نفسها. أرادت هذه الحكومات أن تراوغ في مسؤولياتها تجاه مجتمعاتها، لكنها فشلت. ورغب بعض منها في تحميل المسؤولية إلى أية جهة –إلا نفسها بالطبع- لكنها خسرت. ولو تذكرت ما قاله الكاتب الأميركي ألفريد منتابيرت، لأعفت نفسها من مشقة المراوغة ومن تعب البحث عن مبررات. ماذا قال؟ :"لا أحد استطاع أو سيستطيع الفرار من تبعات اختياراته". فالذين اختاروا إتباع المعادلة المقلوبة الغريبة المريعة، لن يستطيعوا الهروب، لا إلى الأمام ولا إلى الوراء، بل لن يتمكنوا من الخلاص من شرارات تبعات اختياراتهم، حتى ولو جنحوا إلى التنحي والانزواء. وعندما تكون القضية عامة، تكون تبعاتها أوقع وأعنف، فكيف الحال والقضية تمس أمماً، بحياتها ومستقبلها وبخبزها وكرامتها؟

هناك من يقول، إن الحالة المصرية المتفاعلة تختلف عن الحالة التونسية التي تفاعلت، بل وعن الحالات المرشحة للتفاعل. لكن الأمر ليس كذلك. ربما كان هناك اختلاف في طريقة نقل السلطة، أو في النسيج السياسي العام. لكن الحقائق التي دفعت الناس إلى الشارع هي ذاتها، والمسببات في انفصال الاقتصاد بنموه عن هؤلاء الناس هي نفسها. ونحن نعلم، أنه إذا كنا نريد أن نحل مشكلة ما، لابد من الرجوع إلى مسبباتها. الأمراض الاقتصادية المنتشرة في مصر، هي بعينها الأمراض التي تسود اقتصادات الغالبية العظمى من الدول العربية. ففي عز الأزمة الاقتصادية العالمية، وفي أوج ضرباتها، بلغت نسبة النمو في مصر العام 2009 قرابة 7,2 في المائة، وفي العام الماضي انخفضت إلى 4,2 في المائة –وهي نسبة مرتفعة أيضاً- بينما بلغت في تونس ما بين 4 و5 في المائة في الفترة نفسها. المصريون -كما التونسيون- لم يشعروا بهذا النمو. ففرص العمل التي وفرها، لم تحرك مؤشر البطالة نحو الأسفل، بل على العكس زادت نسبة الخريجين المكدسين في المقاهي وعلى زوايا الشوارع، وبعض رواد المقاهي من هؤلاء، انضموا إلى أولئك على النواصي، لأن ذلك لا تكلفة مادية له. والأمر نفسه ينطبق على دول مثل اليمن والجزائر وسوريا والأردن وغيرها.

ولكن أين ذهبت الفرص التي يوفرها النمو؟ يأتي هنا في الدرجة الأولى، الفساد الحكومي والإداري، وأيضاً عدم تكافؤ الفرص. بالإضافة طبعاً، إلى عدم وجود رؤية اقتصادية واقعية، ليس للإصلاحات فحسب، بل للتعاطي المباشر مع الكارثة الاقتصادية-الاجتماعية المستدامة. ولا أزال أتذكر قولاً لوزير الخارجية البريطاني الأسبق دوجلاس هيرد، حول الإصلاحات التي كان المؤيدون لحزبه (المحافظين) يطلبونها من أجل أن يستعيد الحزب الحاكم شعبيته، ويتمكن أكثر في الحكم. ماذا قال؟:"لايمكن القيام بإصلاحات والحزب في السلطة". وبالفعل ما أن خرج المحافظون من الحكم، حتى بدءوا سلسلة من الإصلاحات شبه التاريخية، وعادوا بعدها إلى السلطة، وإن كان ذلك بمعاونة حزب آخر.

ومن الحقائق المريعة أيضاً، أن النمو الناجم عن المشاريع الحكومية الضخمة، في الدول المضطربة سياسياً واقتصادياً، ينتقل بصورة مباشرة إلى جيوب المسؤولين، على شكل رشاوى وسمسرة غير مشروعة ومحسوبيات. وهذا أيضاً ينسحب على المشاريع التي تقوم بها شركات كبرى أجنبية في هذه الدول. ولأن الأمر كذلك، فإن "النمو الفاسد"، يخفض التوظيف في القطاع الخاص عن طريق إجبار شركات الأعمال على الانتقال إلى القطاع غير الرسمي، وعن طريق إقامة الحواجز أمام دخولها، وزيادة نفقات القيام بالأعمال. وتحاول الحكومات غير الراشدة، أن تلتف حول الوضع المعيشي والاجتماعي لشعوبها، عن طريق توفير وظائف بأجور متدنية، على اعتبار أن ذلك يدخل ضمن نطاق النمو الموجود على الساحة، إلا أنها لم تنجح في إقناع، حتى أولئك الذين يحتاجون لثمن كسرة خبز، بأنهم يتشاركون في "نعيم" النمو. وقد ثبت من خلال وثائق المؤسسات الحكومية، أن الحكومات المشار إليها، لا تمنح هذه الوظائف –رغم عدم آدميتها- إلا لمناصري الحزب الحاكم، و"محبي" الحاكم نفسه. فـ "المؤهل" الوحيد المطلوب للفوز بوظيفة متواضعة جداً، هو القدرة على إظهار مشاعر الحب، بأبلغ تعبير ممكن، ويا حبذا لو كان عبر بصمة ممهورة بالدم، مع الصيحة التاريخية الخاصة بالعرب فقط "بالروح بالدم نفديك"! أما مؤهل الوظيفة العليا، هو نفسه، بالإضافة إلى البراعة في تقديم خدمات مشينة ومعيبة.

لن أتحدث هنا، عن معاناة الشركات الكبرى الأجنبية في إطلاق مشاريع في الدول المضطربة سياسياً واقتصادياً، من حجم أموال الرشاوى التي تدفعها، ولن أتحدث أيضاً، عن المشاريع الحكومية -لاسيما تلك المرتبطة بمؤسسات أجنبية- غير المجدية، ولا عن الخصخصة المريبة للشركات الحكومية، التي تنتقل من ملكية عامة إلى ملكية خاصة جداً جداً، ولا عن قهر الرأسمالية الوطنية، ولا عن العمولات التي وصلت في بعض الأحيان، إلى 50 في المائة من قيمة المشروع نفسه، ولا عن مئات الآلاف من الشركات المعفاة من الجباية أو الضرائب. هذه كلها قضايا يمكن أن تُرَكِع أي اقتصاد مهما كانت قوياً وكبيراً ومتماسكاً.

ولكن.. ورغم كل الحراك الاقتصادي المشين، والمشاريع المريبة، هناك نمو كان بإمكان الحكومات وأنظمتها أن توزع خيراته، بصورة قد يكفل لها بقاء أطول – رغم طول وجودها أصلاً- أو على الأقل خروجاً لائقاً من حياة الناس والبلاد.




الاثنين، 31 يناير 2011

"تيار" الفقر والبطالة وراء الانتفاضات التلقائية

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





" أياً كانت نسبة البطالة.. فهي تقلقني"
جيرهارد شرويدر مستشار ألمانيا السابق

 
 
 
محمد كركوتـي
 
تستطيع أي جهة أن تدعي حصة أو حتى قيادة في المظاهرات الشعبية التي تندلع تلقائياً، لا عفوياً. ويستطيع أي حزب سياسي الإدعاء أيضاً بأنه هو الذي يغذي إيديولوجياً هذه المظاهرات، التي تصفها عادة الأنظمة المستَهدفة بـ "مظاهرات مثيري الشغب أو انتفاضات الحرامية". ويمكن لأي تيار سياسي، القيام بمحاولات لركوب هذه المظاهرات، أو للاستحواذ عليها، كما يمكن حتى للأفراد أو الشخصيات المستقلة، أن تحاول الحصول على ما أمكن لها من الرصيد الشعبي والوطني لهذه المظاهرات. كل هذا مرتبط بمدى نجاح المظاهرات الاحتجاجية، وحجم الانجراف الشعبي معها، ومستوى جماهيريتها. ومرتبط أيضاً، بمدى اهتزاز الأنظمة من ترددات زلازلها. ولذلك نسمع عادة الأصوات المُدعية تعلو في مراحل متقدمة لهذه المظاهرات أو الاحتجاجات أو الثورات أو الانتفاضات. وكلما حققت خطوة نوعية، ارتفعت هذه الأصوات درجة. تبدأ بالحناجر، وتنتهي بمكبرات الصوت المتنقلة، أو تبدأ همساً وتنتهي صراخاً. إنها نوع من أنواع الانتهازية التي ظهرت في التاريخ كثيراً. فحتى الثورة البلشفية الشهيرة في روسيا، قامت في الواقع مطلع القرن العشرين، عن طريق استحواذ التيار الشيوعي (الذي كان في مرحلة التشكل) على تحركات شعبية تلقائية، اندلعت من أجل كرامة الحياة. ركبت هذه الثورة الموجة بأعلى درجة من الذكاء والتدبير، وبأعلى مستوى من العنف أيضاً.

ليس مهماً أن يُعلن هذا التيار أو ذاك أحقية ما في هذه الانتفاضة أو تلك، وليس مهماً أيضاً الإدعاء بدور أو بآلية تحريك مهما صغر حجم الإدعاء أو كبر، مع التأكيد على أن المدعين لن يتوقفوا عن محاولات قطف ثمار المجهود الشعبي والوطني. ومهما كثر المدعون وتنوعوا، فـ"التيار" التي يقف وراء المظاهرات الوطنية، ليس سوى الفقر. وهذا "التيار" يفرز في الواقع تيارات عدة، في مقدمتها البطالة، بالإضافة طبعاً إلى الظلم، وغياب العدالة الاجتماعية، والفساد الذي يجسد دائماً عدم تكافؤ الفرص. بعض المتمسكين بصوابية الأنظمة وامتعاضهم من الانتفاضات التلقائية، يبرر ارتفاع معدلات البطالة، خصوصاً في أوساط الشباب والخريجين، بأن هناك بطالة في كل دول العالم، بما في ذلك الدول المتقدمة الثرية. وبالطبع لا يقول هؤلاء: إن العاطلين في الدول المتقدمة، لا يعيشون عند أهاليهم، ولا يقتسمون اللقمة معهم. ولا يقولون أيضاً: إن الحكومات في الدول المذكورة، توفر للعاطلين الحد الأدنى من الدعم المالي الذي يحفظ الكرامة، في معركة البحث عن وظائف، ولا يقولون: إن الحكومات نفسها، تقدم للعاطلين برامج تدريبية لتجعلهم أكثر جاذبية لسوق العمل، ولا يقولون: إن هناك تكافؤ في نطاق البحث عن فرص العمل. لا يقولون: إن التأمينات الاجتماعية، تجنب العاطلين البحث عن لقمة في صناديق القمامة. وبالتأكيد لا يقولون: إن المظاهرات التي تندلع بين الحين والآخر في الدول المشار إليها، لا تواجَه بالدبابات ولا بمندسين من عناصر الأمن فيها. ولا يذكرون – على سبيل المثال– ما قاله ذات مرة رئيس الوزراء البريطاني الراحل هارولد ويسلون:"إن أفضل جائزة يحصل عليها رئيس دولة، أن يحظى بنوم هانئ لليلة واحدة".

نعم "تيار" الفقر "المنتج الأوتوماتيكي" المباشر للبطالة، هو الذي يُطلق الانتفاضات أو المظاهرات، ويُطلق معها مُتغيرات تتجاوز الحكومات فور حدوثها، وهو الذي يرفع سقف المطالب، بصورة يصعب على الأنظمة أن تطاولها، أو حتى أن تلاحقها. بين العامين 2005 و2008 بلغت معدلات البطالة في الدول العربية 12 في المائة، وذلك طبقاً لتقرير الأمم المتحدة حول "أهداف التنمية في الألفية الثانية". والحقيقة أن هذه النسبة ليست دقيقة، فهي تستند إلى أرقام حكومية يصعب الاعتماد عليها، مع الأخذ بعين الاعتبار، أن هذه النسبة – رغم عدم دقتها- تشمل السنوات التي سبقت اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، التي بدورها أضافت مزيداً من العاطلين إلى صفوف زملائهم. وفي كل الأحوال، فإن البطالة في أوساط الشباب العربي تصل إلى 30 في المائة، وهي نسبة لا تماثلها أخرى على مستوى العالم أجمع. والمصيبة، أن هؤلاء الشباب ينظرون إلى أنفسهم كعالة على مجتمعاتهم، حتى قبل أن يجتازوا مرحلة التعليم والإعداد، على اعتبار أن "المكتوب يُعرَف من عنوانه"، وأنهم لن يحصلوا على فرص عمل حتى لو تمكنوا من النجاح بامتياز. فكيف يمكن التعاطي مع شباب يتسرب الإحباط إليه، حتى قبل أن تأتي ساعة الحقيقة؟ وينتشر اليأس في صفوفه قبل أن يخوض غمار العمل أو سراديبه! إن هؤلاء ليسوا مُسيسين، وليسوا حالمين أيضاً. إنهم لا يريدون أكثر من حقهم بالعمل والعيش الكريم. وسواء كانت هناك أزمات اقتصادية كبرى أو صغرى تواجه هذه الحكومة أو تلك، فإن أحداً لا يمكنه أن يقبل بمبررات لتكدس العاطلين، ومبررات أخرى لحرمانهم من الضمان الاجتماعي، أو شيء منه.

لم تحقق غالبية المشاريع التي طرحتها الحكومات العربية للحد من البطالة أية نتائج مُرضية، خصوصاً في أوساط الخريجين. بل أن بعضها تحطم برمته أمام الحقائق الموجودة على الساحة. لماذا؟ لأن الخلل في سوق العمل ما زال قائماً، ولأن الموائمة بين مخرجات التعليم والتأهيل وبين احتياجات السوق لا زالت مفقودة، ولأن الظلم في توزيع الوظائف مازال سائداً. فكلنا يعرف أن بعض البلدان العربية، لا توظف أي خريج مستحق للعمل فيها، إذا لم يكن منتسباً للحزب الحاكم، أو دائراً في فلك المجموعات التابعة لهذا الحزب. وحتى فرص التعليم العالي في البلدان المشار إليها، خاضعة لهذه الاعتبارات. فلا عجب – مثلاً- أن يكون الحزب الحاكم الهدف الأول للثورات التلقائية، ورموزه الأهداف الأكثر وضوحاً أمامها. صندوق النقد الدولي يرى –على سبيل المثال- أن الانتفاضة التي شهدتها تونس، وأدت إلى فرار الرئيس زين العابدين بن علي من غضب المنتفضين، تظهر أهمية إيجاد حلول سريعة للبطالة في العالم العربي. ووجد مسؤولو الصندوق أن "ضغوطاً اقتصادية تتراكم في المنطقة. وأن تسوية مسألة البطالة المرتفعة، هو تحد اقتصادي معروف منذ زمن طويل، ولكنه أصبح أكثر إلحاحا". والحقيقة أن الأمر لا يحتاج إلى تحليل من صندوق النقد أو أي مؤسسة عالمية أخرى. فطالما هناك بطالة هائلة، كانت هناك آليات لتحرك شعبي تلقائي يكسر حاجز الخوف من كل شيء وعلى أي شيء. فعندما لا يمكن الإنسان شيئاً، لا يخشى من الخسارة.

لقد كان العاطلون عن العمل في السابق، مكدسون في المقاهي ودور السينما التي تعرض الأفلام الرديئة بدون توقف. الآن تركوا هذه الأماكن، لأنهم باتوا عاجزين حتى عن مواجهة تكاليفها المالية البسيطة. لقد خرجوا إلى الشارع، بدون إيديولوجيات أو مؤثرات سياسية، للمطالبة بحقوقهم في العمل والأمل، وفي حياة كريمة. إنه تيار البطالة هذا الذي يقود الشارع الآن.

الاثنين، 24 يناير 2011

"بلاطات" لأموالهم؟

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")










"اللص يعتقد أن الجميع يسرقون"
إدوارد هاو كاتب أميركي

 
 
محمد كركوتـي
 
يخرج هذا الحاكم أو ذاك مطروداً من بلاده (وغالباً فاراً منها)، بعد تحرك شعبي أو انقلاب عسكري، وعلى الفور يُطرح السؤال الثاني بعد الأول (الأول هو أين ذهب؟)، كم تبلغ الثروة التي جمعها طوال سنوات حكمه؟ ومن السؤال نفسه يظهر سؤالان. ما هو حجم ممتلكاته غير المنقولة؟ وأين يحتفظ بالأموال. هذا طبعاً إلى جانب الأسئلة التقليدية المتفرعة، حول ثروات أركان الحكم وأفراد أسرة الحاكم والنخبة المنتفعة، التي ينتهي مفعولها بمجرد انتهاء مفعول الحاكم نفسه. ويبقى السؤال الأهم، وهو كيف يمكن استعادة الأموال، وإعادة دمجها بأموال الخزينة العامة، التي –إن لم تكن خاوية- فهي بالتأكيد دون قيمتها التي يجب أن تكون عليها. وفي أحسن الأحوال –وهذا عادة ما يكون نادراً- مضطربة. وفي كل الأحوال، إعادة هذه الأموال إلى أصحابها الحقيقيين، إلى أولئك الذين تمنحهم أموالهم المسترجعة بعضاً من أمل، وشيئاً مما كانوا محرمون منه. ألم يفر هذا الحاكم أو ذاك من المحرومين الذين "صنعهم"؟ ومن المظلومين الذين أوجدهم؟ ومن المحتاجين الذين كدسهم؟

في العالم اليوم، تغيرت (قليلاً وليس كثيراً) قواعد اللعبة الناتجة عن حاكم فارٍ وأموال مسلوبة. تغيرت الطريقة التي تتعاطى بها الدول الكبرى أو تلك التي تعج بالحسابات السرية هائلة القيمة، وبالأرصدة المالية المكونة من تسعة أرقام وما فوق! فأرصدة الحكام الفارين أو أولئك المهيئين للفرار في أية لحظة، باتت تنافس بعضها البعض من حيث الحجم، ومن جهة الأساليب التي جُمعت بها، ومن ناحية سرعة وضع اليد عليها. ويبدو واضحاً من خلال التسريبات وبعض الوثائق التي تكشف بين الحين والآخر، أن الحاكم الفار (أو المقبل على الفرار)، يظل "فقيراً" إذا ما فشل في جمع أموال تحسب بالأرقام التسعة. ومع ذلك، فحتى "الفقير" منهم لا يمكنه العثور على "بلاطة"، يستطيع أن يُخفي أمواله تحتها. فكل "البلاطات" المتوافرة هي تلك التي تستوعب فقط بعضة دولارات تخفيها جَدة لأيامها المتعثرة، أو أم تخبئها لحالة طارئة ليست أكثر من مصاريف المدرسة لا عطلة، أو ملابس الشتاء لا معطف فراء، أو دواء لمرض، لا حبوب للتخسيس.

"البلاطات" الوحيدة التي يمكن أن تستوعب هذه الأموال الهائلة، هي الحسابات في مصارف أشباه الدول (مثل جزر الكيمان و ليختنشتاين وأنجويلا والباهاماس وغيرها)، والدول "الكاملة" وفي مقدمتها سويسرا. ولأن الأمور تغيرت، فهذه " البلاطات" لم تعد مُحكمة تماماً، ليس حباً من جانب الدول المستوعبة للحسابات المشينة، للشعوب المسلوبة، بل لتغير المعايير الدولية في التعاطي مع الأنظمة المنهارة بقوة التغيير الشعبي، ولتبدل المناخ السياسي العالمي. وقد قاومت هذه الدول طوال العقود الماضية، كل المحاولات الرامية لجعلها أكثر إنسانية في مسألة الأموال المنهوبة من الشعوب، وحاولت بكل ما لديها من حجج، أن تُكرس وهْمَ أن الأرصدة المشبوهة التي تعم مصارفها، هل عبارة عن ملكيات خاصة وليست عامة، ولا يحق لأحد التصرف بها إلا صاحبها المباشر! وهي تعرف أن "صاحبها" المباشر لا يريد لأمواله أن تبرح خزائنها. ومن ناحية أخلاقية، فهي بهذا السلوك المشين كانت تشاركه بأموال لا يملكها، وبفوائد لا حق له بها، وبممتلكات كانت لشعب يريد أن يعيش.

ولأن المفاهيم والسلوكيات تغيرت، فقد بدا واضحاً إسراع عدد من الدول الكبرى وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا، بتجميد حسابات مالية محتملة للرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي. وكانت ألمانيا أكثر وضوحاً في موقفها حين أعلنت على لسان وكيل وزارة خارجيتها فيرنر هوير، بأنها تعمل على ألا يصبح الاتحاد الأوروبي بمنزلة ملاذ آمن لثروات مشبوهة. بل وأكد على أنه "في حال حصل اتفاق بين دول الاتحاد، على إجراءات معينة، مثل تجميد حسابات مصرفية فستدعمها ألمانيا". هذا التوجه يؤسس في الواقع إلى مرحلة جديدة أخرى، في مسألة التعاطي مع أموال الأنظمة المخلوعة، ويدفع قادة الأنظمة المرشحة للانهيار في أي وقت، إلى إعادة حساباتها – ليس المصرفية- بل التخطيطية في التصرف بالأموال. فمع الوقت، فإن هذه الأموال قد تتحول إلى عبء على من جناها بغير وجه حق، ودليل مادي على جرائم سرقة الأموال العامة.

وعلى الرغم من تحسن السلوك السويسري في مسألة الأرصدة المشبوهة لا المسروقة، ورغم حرصها على إظهار تعاونها في هذا المجال، بهدف تلميع صورتها، إلا أن تحركها في هذه القضية بالذات جاء دون المستوى المطلوب، وأقل من أن تعثر على آلية لـ "التلميع". فحسب القانون السويسري، فإنه يتعين على الحكومة التونسية الجديدة أن تجري التحقيق الخاص بها، وبعد ذلك تطلب من سويسرا المساعدة القضائية! وهذا يعني أن القضية ستستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تجمد الأموال ، علماً بأن سويسرا ( ما غيرها) قررت في السابق من جانب واحد تجميد أموال بمصارفها تخص حكاماً مخلوعين، مثل الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس, والنيجيري ساني أباتشا، والهاييتي فرانسوا دوفالييه، من أجل كسب الوقت حتى يتسنى لممثلي الادعاء في الدول المعنية رفع دعاوى قضائية لاستعادة تلك الأموال. ولكن في الحالة التونسية، لا يبدو أن الوقت مهم بالنسبة للحكومة السويسرية والمشرعين فيها!

وحتى لو أدركت سويسرا أنه من الضروري كسب الوقت في هذه القضية بالتحديد، فإن نظامها القضائي المالي، بطيء في أدائه، إلى درجة الغيظ، كما أن القضايا ليست مضمونة لصالح حكومة الدول المنهوبة. فقد حكمت محكمة الجنايات الاتحادية السويسرية –على سبيل المثال- بعدم إعادة 7 ملايين دولار باسم حاكم زائير السابق (الكونغو الديمقراطية حالياً) موبوتو سيسي سيكو إلى حكومة كينشاسا، وأقرت بأن تبقى هذه الأموال لمن؟ للورثة! وذلك بعد سنوات طويلة من المداولات. لا شك في أن دولة كسويسرا، تريد أن تكشف "البلاطات" عن الأموال المنهوبة التي تخزنها مصارفها، ولكن دون أن يمسها أحد. لا بأس في النظر إليها فقط! ولهذا السبب أشرت في البداية إلى أن قواعد اللعبة تغيرت قليلاً لا كثيراً. فهناك الكثير من المناورات التي يمكن للدول (وأشباه الدول) الحاضنة للأموال المسروقة القيام بها، في ظل غياب قانون دولي واضح المعالم بهذا الصدد. وتكفي الإشارة هنا، إلى أن منظمة "أكشن" السويسرية غير الحكومية المعنية بمكافحة غسيل الأموال، أوردت في تقرير لها، أن قيمة الثروات الأجنبية التي تديرها المصارف السويسرية تصل إلى 3000 مليار دولار أميركي! وأن ما بين 30 و40 في المائة من هذه الأموال، هي في الواقع أموال أودعها حكام وثروات ناتجة عن غسيل أموال أو عن فساد!

الأوقات والأوضاع تتغير في قضية الأموال المنهوبة من الشعوب، ولكنها تتغير ببطء. إنها تخرج من جيوب أصحابها الحقيقيين بسرعة البرق، وإن عاد منها شيء، فإنه يعود على ظهر سلحفاة!

الثلاثاء، 18 يناير 2011

قنبلة الغذاء "النووية"

(هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")




" المنزل لا يكون منزلاً إذا كان خالياً من الطعام "
بينجامين فرانكلين أحد مؤسسي الولايات المتحدة الأميركية





محمد كركوتـي

أيهما أخطر على أنظمة الحكم في العالم كله؟ التيارات السياسية المعارضة لها، أم ارتفاع أسعار المواد الغذائية ( ولاسيما الأساسية منها)؟. أيهما أشد وطأة على هذه الأنظمة؟ فصيل سياسي نشط "يقض المضاجع"، أم زيادة بضعة قروش لسعر رغيف الخبز؟. أيهما يهز الاستقرار السياسي (بصرف النظر عن طبيعته، ديمقراطية كانت أم ديكتاتورية)؟ تفجير هنا وآخر هناك تقوم به مليشيا إرهابية ما، أم احتجاج شعبي قد يتحول إلى انتفاضة وبعدها إلى ثورة، التي بدورها قد تؤدي إلى الانقلاب؟. لا مجال للمقارنة هنا. فاحتواء هذا التفجير، أسهل مئات المرات، من الوقوف في وجه احتجاج شعبي عفوي، لا خلفيات سياسية، ولا آليات ميليشيا له. والجدل السياسي العنيف مع هذا الفصيل، أهون آلاف المرات، من انتفاضة شعبية، لا تهدف إلا للحصول على حق المنتفضين فيها بالطعام الممكن، لا الطعام الفاخر، وفي اللقمة المشبعة، لا اللقمة الفائضة أو المتخمة. والشتائم والاتهامات المتبادلة بين النظام ومعارضيه لا قيمة لها، أمام شخص مشغول بحرق نفسه، لأن قيمة رغيف الخبز بالنسبة له، باتت بقيمة علبة فاخرة من الكافيار، ولأن حلمه بعشاء يقي من الموت، مثل عشاء في مطعم "مكسيم" الباريسي الفاخر جداً.

قليلة هي أنظمة الحكم في هذا العالم، التي تفهم هذه الحقائق في وقتها، لا في مرحلة اللاعودة. وقليلة هي تلك الأنظمة، التي تعتبر أن الخبز وسعره، أهم بكثير من حزب المعارضة وقيمته. وإذا كانت هذه المعادلة في الدول الديمقراطية تؤدي حتماً إلى التخلص من الحكومة عبر البرلمان ومجالس الشعب، فإنها في الدول غير الديمقراطية تؤدي بالتأكيد إلى زوال الحكومة عبر الشارع، الذي يتحول (دون تخطيط أو برنامج)، إلى صاحب الكلمة الحاسمة، التي تؤدي بدورها إلى تقهقر سقف النظام، وارتفاع سقف الشارع. إنها معادلة بسيطة، لا تحتاج إلى مُفسِر. فكلما ارتفعت حدة الجوع، ارتفعت معها حدة النقمة، وكلما تأخرت الأنظمة في فهم الأولويات، كلما اقتربت نهاياتها، وفي أحسن الأحوال، كلما زادت هشاشتها تمهيداً لنهايتها.

يعيش العالم اليوم، أسوأ حالة فيما يرتبط بالغذاء، ليس من جهة شحه بل من ناحية ارتفاع أسعاره. وتواجه الحكومات - على المستوى العالمي - مخاطر جمة، تهدد وجودها، بل وتهدد استقرار بلدانها، من جراء الارتفاع المتزايد لأسعار المواد الغذائية الأساسية، إلى درجة بات معها تدخل المجموعات العالمية التي تمسك بزمام الأمور والمبادرة الاقتصادية، أمراً ملحاً، بل وواجباً قبل فوات الأوان. وتكفي الإشارة هنا، إلى أن أسعار الغذاء ارتفعت في الشهر الأخير من العام الفائت، إلى مستوى فاق الحد الذي وصلت إليه في العام 2008، عندما كان المراقبون يقولون: إنها وصلت إلى معدلات تاريخية، لم يكن يتوقعها أحد!. ولأن الأمر كذلك، فإن المخاوف باتت متعاظمة من انفلات التضخم، واتخاذ إجراءات حمائية، واندلاع قلاقل واضطرابات، وتراجع طلب المستهلكين في اقتصادات ناشئة رئيسة. بعض المسؤولين ( من بينهم رئيس اندونيسيا)، طالبوا مواطنيهم بزراعة غذائهم في حدائقهم الخاصة!. وبعض هؤلاء المسؤولين، قام بالفعل بالزراعة في حديقته الخاصة، ليبرهن لمواطنيه "جدية" المطالب. وكأن كل فرد من شعوبهم يمللك حديقته الخاصة!.

الحقيقة.. أن القضية أكبر وأخطر من ذلك بكثير. كما أنها أعظم من زراعة بضعة حبات من الطماطم والفلفل والخيار. فهي تختص بكيفية الحد من ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية برمتها على المستوى العالمي، والوصول إلى حالة من الأمن الغذائي العالمي، لاسيما في البلدان الفقيرة، التي لا تعاني فقط من ارتفاع الأسعار، بل ومن شح المياه، ومن تراجع الاستثمارات بأنواعها فيها ( بما في ذلك الزراعية)، ومن نقص في الدعم الزراعي المادي والإرشادي أيضاً. يضاف إلى ذلك – وهذه نقطة خطيرة للغاية – أن إجراءات الحمائية الزراعية، تساهم إلى حد بعيد في ارتفاع الأسعار. فقد ثبت أن الأسواق الحرة الخاضعة للضوابط ( لا المفتوحة على الغارب)، هي وحدها التي يمكن أن توفر مواد غذائية أساسية، بأسعار "ممكنة" لا مستحيلة.

إذن.. القضية ليست وطنية أو محلية، وليست إقليمية. إنها قضية عالمية تاريخية بكل معنى الكلمة. ولأنها كذلك، فلابد من تدخل عالمي على مستويات كبرى، ترقى إلى مجموعة العشرين، ولا بأس من مجموعة الثماني. ورئيس البنك الدولي روبرت زوليك، كان على حق عندما أعلن صراحة، "بأن الرد على تقلبات أسعار المواد الغذائية ( والأفضل له أن يقول: ارتفاع الأسعار)، ينبغي أن لا تُعتبر بمثابة مقاضاة أو وقف عمل الأسواق، بل استخدامها بشكل أفضل، ومن خلال إعطاء القدرة للفقراء، يمكن لمجموعة العشرين اتخاذ خطوات عملية نحو ضمان إتاحة المواد الغذائية". والحقيقة أن التدخل الدولي، سيكون ملائماً الآن أكثر من أي وقت مضى، للبلدان الفقيرة، التي تعج بأكثر من 1,02 مليار جائع. كما أنه سيرسم معالم حقيقية لمستقبل الغذاء بشكل عام. وهذه القضية بالتحديد تفوق أزمة الديون الحكومية ومشاكل المصارف الغارقة، بل وتفوق حتى كارثة البطالة. فكل قضية ترتبط باللقمة، هي بمثابة "قنبلة نووية" قابلة للانفجار في أية لحظة. فقد صدق المدير العام السابق لوكالة الطاقة الذرية الدولية محمد البرادعي عندما قال: "إن أسلحة الدمار الشامل الحقيقية، هي في الواقع الفقر والجوع".

لنكن صرحاء لبعض الوقت. لم تنفع قمم الغذاء والمؤتمرات المنبثقة عنها واللجان المُشَكلة منها، طوال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، في الوصول إلى صيغة مُرضية، لعلاج أزمة الغذاء العالمي، من حيث نقصه وارتفاع أسعاره، مع التقدير – بالطبع – لحسن النوايا في هذا المجال (وهي موجودة، بصرف النظر عن زخمها). وأقصى ما وفرته هذه المحافل الموسمية وأدواتها، أرضية هشة، لا تصمد أمام ''أرق'' الأزمات! أرضية تتلاشى مع أول مشكلة، سواء كانت بيئية أو بشرية أو اقتصادية أو سياسية. أرضية يغرق فيها المنقذون، فما بالنا بالمُنقَذين!.

وعلى هذا الأساس، لابد من أن تخرج مسألة الغذاء العالمي من ملفات المنظمات، إلى أيدي الدول التي تملك مفاتيح القرار الاقتصادي العالمي اليوم. فهذه الدول التي ترسم معالم النظام الاقتصادي العالمي الجديد ( ما بعد الأزمة الاقتصادية العالمية)، تعرف بأن النظام المزمع، لن يستقيم أو يحقق خطوات ناجحة، إذا لم يكن نظاماً متكاملاً، يأخذ في الاعتبار مصالح الأسواق المالية وما يرتبط بها، ومصالح البشر الإنسانية المباشرة.

وهل هناك أكثر مباشرة من اللقمة؟!.

الثلاثاء، 11 يناير 2011

هَرِمٌ في عز طفولته

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")







"عمالة الأطفال يجب أن لا تتحول إلى منظومة أمان اقتصادي واجتماعي"
كايلاش ساتيارسي المنسق العام للحركة العالمية المناهضة لتشغيل الأطفال

 
 
محمد كركوتـي
 
إذا كانت البطالة تستحق توصيف أزمة، فإن عمالة الأطفال لا تستحق توصيفاً أقل من مصيبة. وإذا كان الفقر كارثة مُعيبة للمجتمع، فإن القبول بتشغيل الأطفال (كحل متواضع للفقر)، هو بمثابة كارثة مشينة. لا مجال هنا للتوصيفات المعتدلة أو "التجميلية"، ولا مكان للمبررات مهما كانت قوية. ولا مساحة هنا أيضاً، لذلك السؤال المريع: إذا كانت عمالة الأطفال تقلل شيئاً من آلام الفقر.. فهل تؤيدها؟!. وبطرح آخر، إذا كان الطفل يستطيع أن يؤمن من عمله خبزاً لأسرته.. فهل تقف في وجهه؟!. وبصيغة أكثر مباشرة، إذا كانت الأسرة تموت جوعاً.. هل تمنع طفلاً فيها من العمل؟!. أقول لا مساحة لهذا السؤال، لأن الفقر هو بالضرورة عار ارتكبه المجتمع، ومعه الأنظمة القائدة له، ولأن تشغيل الطفل هو بالتأكيد جرم مشين ارتكبه الجميع، إلا الطفل نفسه. وحول هذه النقطة بالتحديد، أتذكر ما قالته طفلة من بنغلاديش، اسمها سلطانا، في الثانية عشر من عمرها تعمل بمصنع للملابس في بلادها. قالت: " لماذا ينبغي علينا دفع فاتورة الفقر؟. نحن لم نصنع الفقر، البالغون هم الذين صنعوه"!!. بعد سلطانا بسنوات، قال أوم باركاش الحائز على جائزة نوبل للسلام :" من حقنا أن يصغي إلينا الكبار – قصد هنا البالغين -. وإذا لم يسمعوا إلينا، سوف نعمل بقوة وثبات وجهد لنجعلهم يصغون".

لابد من الإشارة، إلى أن عمالة الأطفال هي عبارة عن سرطان يصيب كل المجتمعات المتقدمة وغير المتقدمة، وينال من الدول النامية وتلك التي نمت واستقرت نمواً. وكما للسرطان مستويات، بين السطحي والقاتل، كذلك عمالة الأطفال، هي سطحية في المجتمعات المتقدمة، وقاتلة في غيرها. وبما أنه لا تتوفر إحصائيات دقيقة عن حجم عمالة الأطفال في العالم، باعتبارها عمالة غير شرعية، وحراكها يجري تحت الأرض، إلا أن تقارير المنظمات الدولية المستقلة، تتفق على أن عدد الأطفال المنخرطين بأسواق العمل، على مستوى العالم يقدر بنحو 300 مليون طفل وربما أكثر، من بينهم أكثر من 90 في المائة في قارتي آسيا وأفريقيا!. مهلاً.. مهلاً، من بين هؤلاء هناك مائة مليون طفل مشردين في الشوارع، ومليونان يتعرضون للاستغلال الجنسي!. أيضاً.. الغالبية الساحقة من المشردين الأطفال، "يسوحون" في القارتين الأفريقية والآسيوية، اللتان تضمنان كل الدول العربية مجتمعة، مع التذكير – لمن نسي – بأن قوانين دول العالم كلها، تمنع تشغيل الأطفال تحت أي مسميات، وبالطبع تتضمن الكثير من العقوبات على من يخالفها. لكن لا القوانين ولا معايير المجتمعات ساهمت في الحد من هذه الجريمة المتواصلة والمستدامة (التي أصبحت اقتصاداً بحد ذاتها)، بل هناك من يبرر الجريمة على اعتبارها تساهم في تخفيف حالة الفقر المدقع!. لم يسمع هؤلاء ما قاله زعيم التبييت المنفي دالاي لاما (لاما تعني بلغة التبييت "محيط الحكمة"): "إن مشاكل هذا العالم بما في ذلك تشغيل الأطفال والفساد، هي أعراض لأوبئة روحية، وافتقار إلى الرحمة".

للعرب حصة مريعة من "الأطفال الهَرمون"! أو "الأطفال الكبار قسراً"! أو "الأطفال البالغون بقرار"!. تضاف إلى حصصهم الهائلة من البطالة والأمية، وإلى تخلفهم عن بعض بديهيات الحياة نفسها. فقد أقرت سوريا رسميا عن طريق وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، بالعجز في مواجهة عمالة الأطفال. وأقرت أيضاً، بأن نسبة الأطفال العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و14 سنة، تشكل 4 بالمئة من النسبة الكلية لعمل الأطفال!. وحسب المكتب الإقليمي لمنظمة العمل الدولية، فإن سوريا تعج بـ 650 ألف طفل، يعمل أغلبهم في القطاع الزراعي والمؤسسات العائلية!. وفي لبنان، يقدر عدد "القوى" العاملة من الأطفال بأكثر من 45 ألف طفل، في بلد لا يتجاوز عدد سكانه 4 ملايين نسمة. ولا توجد تقديرات عن أعداد الأطفال الفلسطينيين العاملين الذين يعيشون في هذا البلد. ولا شك في أنها ستكون هائلة. وبالانتقال إلى الأردن، تؤكد دائرة الإحصاءات العامة – حسب إحصاء العام 2007 - بأن عدد الأطفال العاملين في قطاعات الزراعة والأعمال المنزلية وغيرها يبلغ 33 ألف طفل، أي بنسبة 2 في المائة تقريباً من عدد سكان البلاد!. وفي تقرير رسمي يمني، وصل متوسط معدل نمو عمالة الأطفال في اليمن إلى 3 في المائة سنوياً من إجمالي عدد الأطفال العاملين ما دون سن الـ 12 عاماً!. وأن الإناث يمثلن نسبة 51 في المائة من إجمالي الأطفال العاملين، المقدر تعدادهم بـ 3,2 ملايين طفل وطفلة.

وأتوجه إلى العرب في أفريقيا، حيث يصل عدد الأطفال العاملون في مصر إلى مليونين و786 ألف. وطبقاً لوزارة القوى العاملة المصرية، فإن هؤلاء يعملون في ظروف صعبة تعرض حياتهم للمخاطر الدائمة، كما أنهم يعملون فترات طويلة تتجاوز أوقات العمل للكبار. لا مجال هنا للشكوى، لأن العمل غير الشرعي، ليست له ضمانات عمالية شرعية. وأنقل عن المندوبية السامية للتخطيط في المغرب، بأن 16.6 في المائة من "الأطفال الكبار قسراً" في المغرب، يجمعون بين العمل والدراسة، وأن 1. 56 في المائة متسربون من التعليم، بينما لم يسبق لـ3. 27 في المائة منهم الذهاب للدراسة!. وفي الجزائر أظهرت دراسة مسحية أعدها أكاديميون جزائريون، أن عدد الأطفال العاملين يصل إلى 1.8 مليون طفل، من بينهم 1.3 مليون تتراوح أعمارهم بين 6 و13 عاماً، ومنهم أيضاً 56 في المائة من الإناث. في حين أحصت الدراسة 28 في المائة من الأطفال العاملين الذين لا يتعدى سنهم الـ15 عاماً!. وتقدر المؤسسات الدولية والمحلية العربية عدد الأطفال العرب العاملين بأكثر من 13 مليون طفل!. ثلاثة ملايين منهم تقريباً في بلد كمصر!.

والمصيبة، أن هذه الإحصائيات أو التقديرات، تعود في غالبيتها إلى ما قبل انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، التي زادت – كما هو معروف – من المآسي والكوارث الاقتصادية والاجتماعية، في كل بلدان العالم، خصوصاً الدول الفقيرة أصلاً. وقد استغل "المشغِلون المُشينون" تلك الأزمة الحاضرة دائماً، بإتباع أحقر أنواع التشغيل. فقد اكتشفت حكومات في دول غربية، أن بعض المؤسسات والشركات التي تخلصت من نسبة من موظفيها وعمالها، قامت بإحلال أطفال في أماكنهم. فالطفل العامل، يتقاضى أقل ولا يظهر في ملفاتها ضمن لوائح العاملين، وبالتالي لا حقوق له، ولا تأمينات أو ضمانات. فإذا كان هذا التشغيل القبيح تجري في دول متقدمة، تحكم حراكها الاقتصادي قوانين متماسكة ورقابة مشددة تكفل حقوق العاملين، لنا أن نتخيل الأمر في الدول الأخرى!. ولنا أن نشاهد – قسراً – طفلاً يحمل معولاً بدلا من حقيبة المدرسة!. أمام هذا المشهد، لا مجال هنا للنيات الحسنة، والتمنيات الطيبة، والإدانات الإعلامية، والتصريحات الثورية. كما أنه لا مكان هنا أيضاً لدموع صادقة لا تجلب لذارفها إلا احمرار عينيه، ولا تقدم للضحية شيئاً.

في مقال سابق لي، كتبت عن مصيبة عمالة الأطفال، ووصفتها بأنها قضية الأمس.. يحضنها اليوم.. ليقذفها إلى الغد. ومع استفحال المصيبة، خصوصاً على الساحة العربية، أقول: إنها مصيبة ما بعد الغد أيضاً. إنها تغير في " الجينات" البشرية، عن طريق تحويل اليافع إلى هرم، في عز طفولته!.

الثلاثاء، 4 يناير 2011

مهاجرون لإنقاذ اقتصاد أوروبا

(هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")


" ربما نحن نواجه مشكلة في الهجرة، لكنها ليست مشكلة جدية. المشكلة الحقيقية تكمن في القدرة على الاحتواء"
صموئيل هانتيجتون أستاذ أميركي في العلوم السياسية

 
 

محمد كركوتـي
 
لا أعرف إذا كانت الحكومات الأوروبية المختلفة (وهي منغمسة في معرفة مصير بلدانها المالي)، تسمع النصائح التي تظهر بين الحين والآخر، خصوصاً تلك التي لا تتوافق مع سياساتها، أو لا تتناغم مع "آذانها"، بما في ذلك نصائح مؤسسات دولية وأوروبية كبرى، عادة ما تأتي ضمن نطاق تقارير ودراسات، لا تستحق القراءة فحسب، بل التأمل أيضاً. ولا أعرف – على وجه الدقة – كيف تتعاطى الحكومات المشار إليها، مع هذه الدراسات، إذا ما اهتمت بقراءتها. الذي أعرفه – ويعرفه الجميع – أن هذه الحكومات الهشة سياسياً وشعبياً، بدأت في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، تمارس سياسة رد الفعل، أكثر من سياسة الفعل نفسه، وتقبع منتظرة الفعل يتشكل، لتطلق عليه ردودها!. لقد "استعارت" حكومات الدول المتقدمة ( والأوروبية في أساسها)، سياسات حكومات دول متخلفة أو نامية، على مدى عامين من عمر الأزمة الاقتصادية المديد. وأهم ما يمز هذه السياسات أنها بلا رؤية إستراتيجية متكاملة. فالذي لا يصنع الفعل، لا يمكنه عادة وضع استراتيجيات مُعمرة، ولا سياسات تحاكي المستقبل، والجهود التي تُستهلك في رد الفعل، لا تصنع قراراً، ولا تأتي عادة إلا بأنصاف حلول، أو بحلول آنية، سرعان ما ينتهي مفعولها لتذهب بعيداً عن الساحة.

ووفق هذا السلوك السياسي والاقتصادي، تعيش القارة الأوروبية حالة من التخبط، بين سياسة "الصد" وإستراتيجية الغد. والنتيجة هي أن "الصد"، لا يصب في استحقاقات الغد!. وعندما يكون أحد أهم الأهداف هو استمرار الحكومات في السلطة لأطول فترة ممكنة، فإن النتائج لا تخرج عن نطاق " الترقيع" السياسي والاقتصادي. ولعل هذا ما يفسر غضب دولة كفرنسا أو كألمانيا – مثلاً - من جراء تأخر الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة في الدول الأوروبية الغارقة في الديون والبطالة والتخبط الاقتصادي، ويبرر دعوة هاتان الدولتان، بفرض عقوبات على أي دولة أوروبية لا تفي بوعودها في عملية الإصلاح. والمصيبة أن الدول الأوروبية المنكوبة مالياً، تقودها حكومات أضعف من أن تتخذ قرارات وفق مفهوم إستراتيجي. فهي إن فعلت ذلك، فإنها ستغادر السلطة في اليوم التالي. هذه الحكومات، تعيش في الواقع على الاستقطاب الشعبي، من خلال محاكاة العاطفة الوطنية أو القومية، ومن خلال التخلص – على الأقل في هذه المرحلة – من التسامح الذي كانت تتحلى به بلدانها – بصرف النظر عن مستوياته - طوال السنوات التي سبقت الأزمة الاقتصادية الكبرى.

ماذا فعلت هذه الحكومات؟ وضعت مجموعة من القوانين الطاردة للمهاجرين الشرعيين، ومجموعة أخرى مانعة لوصولهم إليها!. والحقيقة أن هذا التصرف، سيمنح الحكومات المعنية مزيداً من "الأوكسجين الشعبي" للبقاء على "قيد" السلطة، ويوفر الحماية – ولو لبعض الوقت – لهشاشة الأحزاب الحاكمة. فهي تعرف أن "تهييج" المشاعر الوطنية، يمنحها بعض الشعبية التي تحتاجها للاستمرار، وليس للاستدامة. لكن الأمر – من منظور إستراتيجي- ليس سوى كارثة مستقبلية محققة. لأن سياستها حيال المهاجرين الآن، هي ببساطة عبارة عن أزمة مؤجلة لها في السنوات المقبلة. وتكفي الإشارة هنا، إلى دراسة خطيرة أصدرتها منظمة العمل الدولية بالتعاون مع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وخلصت إلى أن "الهجرة وإن كانت تساعد في علاج العجز الذي تعاني منه الدول الأوروبية، في الحصول على الأيادي العاملة والمهارات المتخصصة، إلا أنها لا يمكن أن تحل تماماً مشكلة شيخوخة سكان القارة"!. وحسب هذه الدراسة، فإن أوروبا تحتاج إلى 13 مليون مهاجر سنوياً، لتعويض نسبة المسنين المحالين إلى التقاعد، الذين تفوق أعمارهم 65 عاماً، وتثبيت نسبة القوى العاملة في المرحلة العمرية بين 15 و64 عاماً حتى عام 2050. بل يمضي واضعو الدراسة أبعد من ذلك، حين يطالبون "بتنظيم الهجرة بشكل فعال من خلال شراكات وتعاون، بين الدول المصدرة للقوى العاملة والكفاءات البشرية، وبين دول المقصد، اعتماداً على أطر من المعايير والسياسات الدولية".

وأحسب أنه من الضروري الإشارة هنا، إلى أن ما يفيد أوروبا من المهاجرين الضروريين لها، يضر البلدان المصدرة لهم. فهجرة العقول والكفاءات البشرية الماهرة والمتميزة، سيؤدي حتماً إلى نقص في الموارد البشرية، الأمر الذي يعوق التقدم الاقتصادي في البلدان الأقل نمواً. وتستحق هذه القضية وقفة مطولة، لأنها تضع الدول الكبرى أيضاً، أما معضلة أخلاقية وتنموية في الدول النامية، خصوصاً فيما يرتبط بالعقول المبدعة المهاجرة، أو التي تخطط للهجرة باتجاه الغرب، وتحديداً نحو أوروبا. بل أن هناك مشاكل كبيرة أيضاً بهذا الخصوص تواجهها دول أوروبية "جانبية"، مثل ألبانيا وبلغاريا وأوكرانيا. فهذه الأخيرة – مثلاً – فقدت نحو 30 في المائة من علمائها، بمغادرتهم البلاد في غضون العشر سنوات الماضية. مرة أخرى، إن ما يفيد أوروبا بدولها الكبرى عن طريق العمالة الوافدة الضرورية، لا يفيد على المدى البعيد بالتأكيد الدول المصدرة لهذه العمالة.

ومع ذلك، فقد فضلت الدول الأوروبية الكبرى، وفي مقدمتها ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، سن قوانين للتقليل من الهجرة العمالية الشرعية. دون أن تأخذ بالاعتبار استحقاقات السنوات المقبلة. فعلى سبيل المثال، أعلنت وزارة العمل والمعاشات البريطانية، أن واحداً من كل خمسة أشخاص في المملكة المتحدة، سيعيش إلى سن المائة على الأقل. وطبقاً لمسح أجرته الوزارة نفسها، فإن 10 ملايين شخص، أو ما يساوي 17 في المائة من إجمالي عدد السكان، سيصبح "مئوياً" في وقت ما مستقبلاً. وحسب تقديرات الوزارة، فإن العام 2066 سيشهد وجود 507 آلاف شخص بين المائة و109 أعوام، إضافة إلى 7 آلاف و700 آخرين فوق سن 110 !. والأمر ليس مختلفاً كثيراً في بلدان كفرنسا وألمانيا وحتى إيطاليا. ومع ذلك وضعت الحكومات القوانين المناوئة للهجرة الشرعية التي ستساهم على المدى البعيد في تخفيف ضغط "شيخوخة" أوروبا على اقتصادها. ولمزيد من الأرقام الإحصائية المخيفة، فإن عدد البالغين من العمر 60 عاماً سيتضاعف بمعدل مليوني شخص كل عام في دول الاتحاد الأوروبي، خلال الـ 25 سنة المقبلة!، وإن أعمار الطبقة العاملة في أوروبا سيتباطأ بشدة، وسيتوقف نمو هذه الطبقة بعد ست سنوات فقط، كما ستتناقص الطبقة العاملة بعد السنوات الست المقبلة، بمليون إلى 1.5 مليون كل عام، وستتزايد شريحة الأعمار بين 65 و79 بمعدل الضعف بحلول عام 2060 !.

ولأن الأمر كذلك، فقد كانت إحدى المحاكم البريطانية، أكثر واقعية وحكمة من حكومتها، عندما قضت ببطلان سقف مؤقت لأعداد العمال المهاجرين المهرة من خارج الاتحاد الأوروبي، لأن الحكومة لم تتشاور مع البرلمان، ولأن القاضي وجد أن القضية تحتاج إلى إعادة النظر بصورة أكثر إستراتيجية، لا آنية أو ارتجالية. ولكن إذا ما نجحت الحكومات الأوروبية – ومن ضمنها الحكومة البريطانية – في تمرير القوانين الجديدة، فإنها بلا شك ستضع بلدانها أمام مصيبة مؤجلة، لن تكون المدة لانفجارها طويلة. كما أنها ستمنح الدول المصدرة للعمالة والعقول فرصة وطنية ذهبية، لكي تعيد النظر في سياساتها الطاردة لمواردها البشرية. وقتها لن تستجدي الدول الأوروبية العمالة، بل ستبحث عن مشرفين يرعون مئات الآلاف من العجزة الذين سيتجاوز عمر الواحد منهم، قرناً من الزمن!.

الاثنين، 27 ديسمبر 2010

هل تشتري الصين أوروبا؟

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")




" إذا لم تُغير وجهتك، سوف تنتهي في الوجهة التي تسير نحوها"
ليو توز فيلسوف صيني

 
 
محمد كركوتـي
 
أحسب أنه لو كانت ألمانيا تُدار في القرن الحادي والعشرين بمبادئ وذهنية النازية، وسلوكياتها العنيفة، لقامت مستشارة البلاد أنجيلا ميركل، باحتلال كل دولة أوروبية، تطلب معونات مالية إنقاذية، لتفادي الانهيار الاقتصادي، بسبب الديون الحكومية التاريخية. فوفق المفهوم النازي، يكون الاحتلال "أرخص" من تقديم المساعدات، ويكون إلغاء الهويات الوطنية، أسهل من العمل الجماعي وصيانة الأمم، وتكون العنجهية الرخيصة، أوفر من التسامح الغالي والرفيع. لكن النازية، لم تعد في ألمانيا منهجاً، ولهذا السبب استبدلت ميركل ( تلك المرأة الآتية من شرق ألمانيا، أو ألمانيا الشرقية سابقاً) السلوك النازي، بتوجيه اللعنات والإهانات والذل.. مع الأموال، إلى الدول الأوروبية الغارقة في الديون، على اعتبار أن ألمانيا هي الممول الأكبر لصندوق الإنقاذ الأوروبي، الذي يشبه صندوق الإنقاذ الأميركي ( بعد الأزمة الاقتصادية العالمية) مع فارق وحيد، هو أن هذا الأخير موجه لإنقاذ المؤسسات والشركات والمصارف، بينما "الأوروبي" مخصص لإنقاذ الدول، ومعها حكوماتها الهشة، سياسياً وشعبياً.

في قلب هذا المشهد، يظهر بطل على الساحة، يمكن أن يقوم بدور ( أو يحتل دور) المنقذين الأوروبيين للأوروبيين، ولكن من دون إهانات ولا إذلال ولا تهديد ولا وعيد. بطل – في الواقع – يقوم بنفس الدور في الولايات المتحدة الأميركية. بطل يمكنه أن يسدد الديون ( ليس مجاناً بالطبع ) بأعلى درجة من المعايير الاقتصادية العالمية. إنه الصين، ذلك المارد القادم من الشرق باتجاه الغرب، والذي استطاع – حتى في عز الأزمة العالمية – من تحويل مجرى الاقتصاد العالمي، من الغرب إلى الشرق. تَمكن هذا المارد الاقتصادي والبشري الهائل، من تحويل الأستاذة التقليديين للاقتصاد العالمي، إلى مجرد تلاميذ في مدارسه!. لماذا؟ لأن الصين استطاعت احتواء الأزمة بسرعة، وحققت نمواً كبيراً بلغ 10 في المائة، حتى في ذروة الركود. لقد باتت السرعة التي يخرج بها اقتصاد ما في هذا العالم من مطبات الأزمة، مؤشراً واضحاً لمدى قوة هذا الاقتصاد، وقابليته على الاستدامة، ومرونته في أوقات المحن والمصاعب. وعلى العكس تماماً أصبح البطء في خروج اقتصاد آخر منها، علامة أكثر من واضحة، على أنه ليس ضعيفاً فحسب، بل يعاني "موروثات" اقتصادية، كانت حتى وقت قريب، جزءاً أساسياً من عظمته.

بصرف النظر عن الجهود التي تبذلها الدول الأوروبية الكبرى – وتحديداً ألمانيا – لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الدول الأوروبية السابحة بالديون، فإن الصين تبرز على الساحة، كمنقذة محتملة لهذه الدول، ليس نظرياً بل عملياً. أما لماذا عملياً؟ فلأن للصين تجربة تاريخية مستمرة مع الولايات المتحدة، كأكبر دولة دائنة لها ( يقول الخبير الاقتصادي الأميركي توم وينيفريث: إن أميركا في الواقع مملوكة للصين)، ولأنها تمتلك احتياطي هائل من العملات ( بلغ 2684 مليار دولار أميركي في نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي)، ولأن الإنقاذ الصيني يصب في مصلحة بكين نفسها. فالدفاع عن اليورو يخدمها، على اعتبار أن الاتحاد الأوروبي هو في الواقع شريك الصين التجاري الأول، وبذلك تضمن مواصلة شراء الأوروبيين للسلع والمنتجات الصينية، أو عدم اضطراب صادراتها إلى دول الاتحاد. ولأن الأمر في مصلحتها، فلا تخفي بكين توجهاتها في هذا الصدد، فقد أعلنت وزارة الخارجية الصينية رسمياً: " أن أوروبا ستكون في المستقبل سوقاً رئيسة لاستثمار احتياطينا من القطع، وأننا مستعدون لمساعدة دول منطقة اليورو على تجاوز الأزمة المالية، والنجاح في انتعاشها الاقتصادي". ولأن الأمر كذلك، أبدت الصين رغبة معلنة وقوية، في أن تساهم بصندوق النقد الدولي من أجل أوروبا.

إذن.. يمكن للصين أن "تشتري" أوروبا، بما تملك من احتياطيات مالية ضخمة، حتى وإن كانت هناك مخاطر. فالمخاطر الكبيرة تجلب عوائد كبيرة. وفي النهاية، فالضمانات الأوروبية هي من أجود الضمانات على الصعيد العالمي، وبالتالي فإن المخاطر – إن وجدت – لن تتحول إلى مصيبة للدائن. وقد وجد أستاذ الاقتصاد في جامعة "تسنغوا" الصينية باتريك شوفانيك، أن الدور الجديد الذي يلعبه الصينيون، يوفر لهم فائدة على الصعيد السياسي، كما أن هذا الدور يتفق مع خطط بكين للتنويع. ويقصد هنا أن الصينيين سيصبحون أقل ارتباطاً بالدولار الأميركي. وهذا صحيح إلى أبعد الحدود. فالتدخل الصيني في إنقاذ أوروبا من آثار ديونها، سيمنح بكين حصانة تسعى إليها، من الانتقادات الغربية ( بل والهجوم الغربي في بعض الأحيان)، الموجهة لها، على عدة أصعدة، في مقدمتها، حقوق الإنسان والحريات، وطبيعة ومفهوم اقتصاد السوق في الصين. فنحن نعرف – وخبرنا ذلك في أكثر من منطقة في العالم – بأن المعايير الأخلاقية والإنسانية، تنزوي أمام المصالح الاقتصادية. وإذا كانت الصين ستقوم بدور المنقذ لأوروبا، فلا مانع من الاعتراف الأوروبي المطلوب، بطبيعة الحراك الاقتصادي الصيني، ولا مانع أيضاً أن " تغضب" الولايات المتحدة قليلاً - أو حتى كثيراً – من هذا الاعتراف، مع الإشارة إلى أن الصين اشترت في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي سندات خزينة أميركية بقيمة 907 مليار دولار، رغم أن عائداتها ضعيفة. وليسمح لنا المسؤولون في المفوضية الأوروبية، أن نتجاهل تصريحاتهم، التي يمررون من خلالها " الأكليشيه" الممل، بأن التدخل المالي الصيني، لن يكون مقابل موضوعات أخرى قابلة للتفاوض.

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تدخلت الولايات المتحدة بمشروعها الشهير "مشروع مارشال" لإعادة إعمار أوروبا، ومع هذا المشروع احتلت مكانة الإمبراطوريتين الكبريين البريطانية والفرنسية، وإن تقاسمت النفوذ على العالم مع " الإمبراطورية" السوفيتية آنذاك. وفي خضم الحرب على الأزمة الاقتصادية العالمية، احتلت الصين بهدوء مركز ألمانيا كثالث أكبر اقتصاد عالمي، وبعدها بقليل احتلت – بهدوء أشد – مركز اليابان كثاني أكبر اقتصاد. وحسب دراسة لمؤسسة " كونفرس بورد" الكندية، التي وصفتها صحيفة "الديلي تلجراف" البريطانية الرصينة، بأنها تحظى باحترام كبير، فإنه يمكن للصين أن تتخطى الولايات المتحدة خلال عامين فقط، لتحل محلها كأكبر قوة اقتصادية في العالم، ليس من ناحية القيمة الدولارية، بل من جهة القدرة الشرائية. ومضت الدراسة أبعد من ذلك، حين حددت العام 2020 ليشهد تفوق الناتج الإجمالي الصيني على الناتج الأميركي. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار العوائد الضئيلة لشراء السندات (الديون)، أو المخاطر الناجمة عنها، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل حقيقة أن للصين دوافع سياسية وإستراتيجية على الساحتين الأوروبية والعالمية، أكثر منها دوافع مالية.

لنضع المفارقات جانباً، خصوصاً فيما يرتبط بتدخل دولة نامية لإنقاذ دول متقدمة من الإفلاس. فالصين تسير بقوة لتكريس نفسها كقطب اقتصادي يناطح الولايات المتحدة، ويجني الكثير من "الثمار" السياسية والإستراتيجية. قطب يُغير – حباً أو كرهاً – المفاهيم الاقتصادية العالمية، التي كان الغرب حتى وقت قريب، "يرجم" كل من يمسها. هذا القطب هو الذي سيكون "اقتطاعي" النظام الاقتصادي الجديد المتُشكل عنوة. سيكون " اقتطاعي"، بلا عنجهية أو تكبر، وبلا أحكام مسبقة. سيتعاطى من السوق كسوق، لا كمكان لـ "العبادة" الاقتصادية، أو كساحة لـ " كهنوت" اقتصادي مريب، كان يجرم المُستفسر عما يحدث، تماماً كما كان يجرم من يحاول الإصلاح!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الاثنين، 20 ديسمبر 2010

فقراء الأثرياء

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")



" إننا نرتكب إثماً، عندما يكون بؤس الفقير سببه قوانين المؤسسات، لا قوانين الطبيعة "
تشارلز داروين عالم الطبيعة الإنجليزي

 
 
 

محمد كركوتـي
 
يستطيع الفقراء "التقليديين" ( أو الذين لا يعرفون سوى الفقر في حياتهم)، أن يواسوا النفس قليلاً. فآفة الفقر لم تعد حكراً عليهم، ولم تعد صفة أبدية ملتصقة بهم، بصرف النظر عن ضخامة أعدادهم. وبإمكان هؤلاء النظر إلى جهة الغرب الثري ( أو الذي كان ثرياً قبل الأزمة الاقتصادية العالمية)، لا إلى بعض الشرق الفقير في آسيا، ولا كل الجنوب الفقير في أفريقيا وأميركا اللاتينية، لكي يشهدوا انضمام " زملاء" جدد لهم. من أين؟ من قلب القارة الأوروبية!. يمكن للفقراء والجوعى، الذي "يتوارثون" الفقر أباً عن جد، أن يستغربوا من هوية "الزملاء" الجدد، ويمكن أن يُشككوا في فقرهم، على اعتبار أن أوروبا، تجاوزت الفقر – بمفهومه العام - منذ قرنين من الزمن، وأسست لمجتمعات فيها الحد الأدنى من الكرامة الغائبة عن قارات بأكملها في هذا العالم. ويمكن أن يرتابوا أيضاً، لأن الفقراء الغربيين الجدد، انضموا إليهم من دول باتت جزءاً أصيلاً من هيكلية الاتحاد الأوروبي. هذا الاتحاد الذي يهدف أساساً – منذ بدء خطواته الأولى في خمسينات القرن الماضي – إلى جعل الرخاء السمة الأساسية لشعوبه، وتكريس الكرامة كجزء رئيسي من العمل السياسي – الاقتصادي – الاجتماعي، وقتل المعاناة أينما وجدت ضمن حدوده. لكن الأمر ليس كذلك في الواقع. نعم.. هناك ملايين الأوروبيين من الذين يعيشون في فقر مدقع، وهناك ملايين آخرين من أولئك الذين نالوا جانباً واحداً على الأقل من آثام الفقر، ومن شظف العيش، ومن فقدان الكرامة.

يقول نيكولاس تشامفورت الأديب والكاتب الفرنسي :" هناك طبقتان في المجتمع. الأولى: تمتلك الطعام أكثر من شهيتها، والثانية تمتلك الشهية أكثر من طعامها". وبعده قال الفيلسوف الأميركي وليام جيمس :" إن الفقر السائد في الطبقة المتعلمة، هو أسوأ الأوبئة الأخلاقية التي تعاني منها الحضارة". والحقيقة، أن فحوى المقولتين ينطبق بصورة واقعية على الحالة الغربية، لاسيما الأوروبية منها. فهناك طبقتان بالفعل. الأولى تستحوذ على الطعام أكثر مما تحتاج، والثانية "تستحوذ" على الشهية أكثر مما تملك من طعام. والطبقة المتعلمة في أوروبا، تشكل الشريحة الأعرض والأكبر فيها، فيما لو قورنت بالطبقات المماثلة في مناطق أخرى من العالم. أن تَعثر عن الفقر في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، هو أمر طبيعي. فبلدان هذه القارات، امتزجت حياةً وكرامةً، بالعوز والشح والقحط والجوع والمرض والأوبئة. لكن أن " تتعثر" بالفقر في قلب أوروبا، هو أمر يدعو إلى التأمل، ولا بأس من الاستغراب معه.

بعد عامين تقريباً من اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، يتوصل المركز الأوروبي للإحصاء (يورستات)، إلى نتائج تنطبق على دول نامية، لا على الدول الـ 27 التي تشكل الاتحاد الأوروبي!. فقد وجدت دراسة المركز التي حملت عنوان " الدخل وظروف الحياة في الاتحاد الأوروبي"، أن 116 مليون إنسان ( أي ما يوازي ربع سكان الاتحاد تقريباً)، تعرضوا للفقر أو إلى شكل من أشكاله، منذ العام 2008، وأن 42 مليون من هؤلاء، عانوا من الحرمان الشديد، مثل عدم القدرة على دفع الفواتير، والمحافظة على دفء منازلهم، وامتلاك سيارة وهاتف. ويتركز أغلبهم في بلغاريا ورومانيا ولاتفيا، في حين كانت النسب الأقل في السويد وهولندا والدانمارك وإسبانيا ولوكسمبورغ. وعلى صعيد آخر من الفقر، فقد أظهرت الدراسة أن 34 مليون أوروبي ينتمون إلى أُسر ضعيفة مهنياً، حيث يعمل الراشدون بنسبة أقل بـ20 في المائة من قدراتهم، ومعظمهم في أيرلندا.

وعلى الرغم من أن الفقر نال من جميع شعوب الاتحاد الأوروبي، إلا أنه يبدو مستحكماً بصورة كبيرة في دول شرق القارة، الأمر الذي يكرس وجود طبقية أوروبية، لم تقم إستراتيجية الاتحاد بتخفيف فوارقها طوال السنوات الماضية. ففي داخل الاتحاد الأوروبي هناك غرب بوفرة – وإن تقلصت هذه الوفرة كثيراً بسبب الأزمة – وشرق بشح!. والحقيقة أن دول الشرق الأوروبي، تحولت بعد انضمامها إلى الاتحاد، من دول العالم الثاني على الصعيد الدولي، إلى دول نامية على ساحة الاتحاد!. فقد أثبتت آليات الاتحاد فشلها في رفع دول "الصف الثاني"، إلى "الصف الأول" عالمياً. وهذا الأمر يحتاج إلى مراجعة حقيقية وفورية، إذا ما أراد القائمون على الاتحاد، أن يكون منظومة متناغمة بشكل كامل، لا بصورة جزئية، وأن يستحق توصيفه، كواحد من أفضل الاتحادات العالمية.

هذا بالنسبة إلى الدول الأوروبية التي استحوذت على أكبر عدد من الفقراء منذ اندلاع الأزمة العالمية. أما فيما يتعلق بالدول التي "احتضنت" العدد الأقل، فالوضع ليس جيداً، بل ويتفاقم بصورة خطيرة، مع تفاقم أزمة الديون الحكومية، و"الاستحقاقات التقشفية" لهذه الأزمة. وقد شهدت الدول التي تعاني من أزمة الديون والعجز في موازناتها ( من بينها بريطانيا واليونان وأسبانيا وأيرلندا)، موجات خطيرة من الاحتجاجات الشعبية، وضعت مستقبل حكوماتها على المحك. وفي دولة كبريطانيا تتمتع بثالث أكبر اقتصاد أوروبي، وسادس أكبر اقتصاد عالمي ( بعد احتلال الصين المركز الثاني عالمياً)، يرغب ثلاثة أرباع سكانها – حسب استطلاع لجريدة " ديلي ميل" البريطانية – بالهجرة بسبب الصعوبات الاقتصادية!. وأن ربع هؤلاء يعتزمون فعلاً الهجرة، مع تآكل القوة الاقتصادية لبلادهم!. وفي النمسا – مثلاً – البلد الأوروبي الرابع من حيث الثراء في القارة، ارتفع عدد المتاجر الخيرية، التي تبيع بضائعها بأسعار رمزية جداً، وفي بعض الأحيان مجاناً، حسب حالة المشتري المعيشية. لا نتحدث هنا عن اليونان أو البرتغال أو أسبانيا، التي تمكنت منها مؤشرات الفقر بكل أشكاله، ونالت بعض الشرائح فيها، شكلاً واحداً على الأقل من الفقر والشح والحاجة، لاسيما شريحتا العاطلين عن العمل وكبار السن. وعلى الرغم من أن الاتحاد أعلن نهاية العام 2009، أن العام 2010 سيكون " عام أوروبي لمكافحة الفقر والإقصاء الاجتماعي"، إلا أنه لم يحقق أي تقدم في هذا المجال. فعدد الفقراء الأوروبيون، لم ينقص، ومعاناتهم لم تخف، بينما تزداد مخاوفهم من الآثار الاجتماعية لمخططات التقشف المختلفة.

لن تمر قضية الفقر في الاتحاد الأوروبي، ومعها أزمة الديون والعجز في الموازنات العامة، وارتفاع معدلات البطالة، دون أن تسبب تحولات سياسية واقتصادية، لا توجد حكومة في هذا الاتحاد ترغب فيها. وقد قذفت الأزمة الاقتصادية العالمية إلى السطح، قضايا لم تكن موجودة على طاولة الاجتماعات الأوروبية، أو على الأقل كانت قيد التأجيل الدائم ( أو إلى حين ميسرة!)، وفي مقدمتها الفجوة الهائلة بين دول غرب الاتحاد وشرقه. فالتفاوت في الرواتب والأجور وبعض المزايا الاجتماعية، يعكس بالضرورة التفاوت في الاقتصاد بين دول الاتحاد. وهذا أمر طبيعي. والحل الوحيد للقضاء على هذا التفاوت، أو حتى تقليل دائرته، ليس أقل من قيام الدول الثرية في الاتحاد، التخلي عن بعض مداخليها لصالح اقتصادات الدول الفقيرة فيه. وأستطيع أن أجزم، بأن هذا الأمر لن يحدث، بعد الأزمة الاقتصادية العالمية. فهذه الأزمة، لم تنل من المداخيل الأوروبية فحسب، بل نالت من التسامح الأوروبي نفسه، وأحيت مشاعر الوطنية – المحلية الضيقة. لقد أوجدت "قومية اقتصادية" متطرفة، تحتاج إلى عقود من الزمن لكي تزول عن الساحة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاثنين، 13 ديسمبر 2010

"ويكيليكس" جرينسبان

(هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")










" الفضائح الكبرى تصنعها دول كبرى"
وليام شكسبير أديب ومؤلف وشاعر إنجليزي

 
محمد كركوتـي
 
 
ذكرتني أكوام الوثائق الأميركية على موقع " ويكيليكس" – فاضح الأسرار – بأغنية للمغني الأميركي الشهير بوب ديلان، أطلقها في العام 1965 تحت عنوان "لا بأس يا أمي.. إنني أنزُف فقط" أو It's Alright, Ma I'm Only Bleeding . ففي أحد مقاطع الأغنية يقول ديلان: ".. في بعض الأحيان، حتى رئيس الولايات المتحدة، يجب أن يقف عارياً". فقد أراد أن يقول: في العمل العام ( ولاسيما السياسي والاقتصادي)، لا أحد يمتلك القدرة على البقاء وراء الستار ( أو خلف القناع) إلى ما لا نهاية. وقتها كان ديلان ينشد هذه الأغنية على قارعة الطريق مقابل البيت الأبيض الأميركي. لا نعرف إذا ما كان موقع " ويكيليكس"، يمتلك وثائق سرية أميركية اقتصادية داخلية، أو أنه سيمتلكها في المستقبل. لكن المرجح أن هذا الموقع الذي أهان الدبلوماسية الأميركية بتعريتها على طريقة الـ "استربتيز" (أو التعري قطعة بعد أخرى)، بات متخصص في البرقيات التي ترسلها سفارات الولايات المتحدة الأميركية في العالم، إلى وزارة خارجيتها مصنفة تحت ختم "سري"، وتعد بعشرات الآلاف. وفي الواقع.. أن الموقع " الفاضح"، استبق الكشف عن الوثائق ثلاثين عاماً. فالغالبية العظمى من هذه الوثائق، تدخل في الغرب الخزائن الموصدة بكل الأقفال المتوافرة، قبل أن تُطرح للعامة بعد ثلاثة عقود من الزمن. وبعض هذه الوثائق تُقفل لمدة خمسين عاماً، وبعضها الآخر يبقى تحت الأرض لـ 75 عاماً، بعد أن يدخل أبطالها تحت الأرض إلى الأبد.

ماذا لو تمكن "جنود ويكيليكس" من الوصول إلى الوثائق المرتبطة بمقدمات الأزمة الاقتصادية العالمية؟. دون أن ننسى، أن هذه الأزمة التي اندلعت في العام 2008، تحفل بمقدمات تعود إلى أكثر من عشرين عاماً قبل الانفجار. ماذا يمكن أن تحتوي هذه الوثائق؟. كيف كانت سوق "وول ستريت" تعمل؟. كيف كانت البنوك المركزية – وتحدياً الأميركي - تغطي على الجريمة الاقتصادية الكبرى؟. ما هي التفاصيل الحقيقية الخاصة بالأدوار التي لعبتها الحكومات الغربية، في فوضى الأسواق والمصارف؟. كيف ستكون وثائق "البطل الاقتصادي" آلان جرينسبان رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي) السابق؟. وكيف استطاع هذا "البطل" الإنفراد في القرار الاقتصادي دون تدخل من الإدارات الأميركية المتعاقبة على مدى 18 عاماً متواصلة؟. ما هي المراسلات والاتصالات الخاصة بنشاطات المحتال الأميركي الكبير برنارد مادوف؟. وهل تم بالفعل متابعة هذا المحتال؟. ماذا تضمنت الوثائق – إن وجدت – من معلومات عن القروض التي كانت تُمنح لمن يرغب، من دون الحد الأدنى من الضمانات؟. هل كانت هناك مراسلات (وثائق) تُحذر بالفعل من مغبة الفوضى المالية، وتجاوز المصارف الحدود الآمنة؟. ما هو محتوى الوثائق الخاصة بتحذيرات شخصيات غربية مختلفة، من العواقب المترتبة على ترك الأسواق تعمل بدون ضوابط أو حتى رقابة، وبالتأكيد بدون سلوك أخلاقي؟.

نحن نعلم أن "ويكيليكس" سينشر مجموعة من الوثائق الخاصة بالشركات، وذلك طبقاً لما أعلنه الموقع المذكور، ولكن غالبية هذه الوثائق تختص بنشاطات وتحركات شركات على الساحة العالمية، بما في ذلك علاقاتها المُريبة مع الحكومات الأجنبية، والضغوط – بل والتهديدات- التي تمارسها على بعض الحكومات للفوز بعقود تصب في مصلحتها أولاً وأخيراً، لا في مصلحة الدول المعنية. ولا بأس في أن تعم الفائدة بصورة أو بأخرى أولئك الذين يقومون بتسهيل وتمرير العقود!. ونعلم – حسب "ويكيليكس" – أن هناك مصارف تستعد لـ "دور البطولة" في الوثائق المزمع نشرها. لكن تبقى الوثائق ( المراسلات، محاضر الاجتماعات، الاتصالات) الاقتصادية المحلية في الولايات المتحدة، هي الأهم في معرفة ما خُفي من حقائق عن الأزمة الاقتصادية العالمية. وهذه الوثائق في الحقيقة لا يتم تداولها بين واشنطن وسفاراتها، وبالتالي لا تدخل ضمن الملفات "السرية" لوزارة الخارجية.

إذا كان العالم يحتاج إلى معرفة الحقائق عن عالم السياسة والدبلوماسية - بصرف النظر عن الطريقة – فإنه بحاجة قوية لمعرفة تفاصيل المقدمات التي سبقت الأزمة. لماذا؟ لأنها – أي الأزمة – نالت من كل شيء، الاقتصاد ومعه السياسة والثقافة والمجتمع والأخلاق والتسامح والانفتاح والتعاون. نالت من كل معاول البناء. والسؤال الذي يمكن طرحه هنا هو: هل لو كانت "ويكيليكس" حاضرة على الساحة الأميركية – العالمية قبل عشر سنوات أو أكثر، يمكن أن تساهم في كبح جماح مقدمات الأزمة الاقتصادية العالمية؟. وبصيغة أخرى للسؤال نفسه، هل لو تم الكشف عن الألاعيب الاقتصادية التي سادت الساحة الأميركية بصورة لم يسبق لها مثيل، يمكن أن توفر حصانة ضرورية ومطلوبة للاقتصاد العالمي؟. لا شك في أن ظهور الحقائق – أي حقائق – تسهم إلى حد بعيد في تغيير السياسات المتبعة، وتُحدِث تبدلاً في المنهج المعتَمد. ففي العادة، ما ينفع سراً لا يستوي علناً، مع الاعتراف بأن الكشف عن الحقائق والخبايا – والنيات – في السياسة والاقتصاد تحديداً، يعزز مواقع أولئك الذين يُحبون إسقاط نظرية المؤامرة على كل شيء. ولا شك في أن هؤلاء يتمسكون بما قاله المؤلف والكاتب الأميركي فينيمور كوبر "الجميع يقولونها. وما يقوله الجميع يجب أن يكون صحيحاً". ومعه قال مؤلف وكاتب أميركي هو لوجان سميث "إنه لأمر مفزع.. أن يكون ما يقوله الناس علينا صحيح".

محبو عامل المؤامرة – أو نظريتها – يستطيعون في ظل أكوام وثائق "ويكيليكس"، أن يمضوا قُدماً في إسقاطها على الأزمة الاقتصادية العالمية، رغم أنها – أي الأزمة – لم تكن مؤامرة بأي حال من الأحوال، وذلك طبقاً لنتائجها الكارثية على المُتَهمين أنفسهم بالمؤامرة. ولكن بلا شك، كان وراء الأزمة مؤامرة ما. أبطالها أولئك الذين تسيدوا الأسواق العالمية الكبرى، وفي مقدمتها "وول ستريت". مؤامرة تورط فيها السياسيون الكبار، لا حباً فيها، ولكن لإيمانهم الأعمى، بضرورة أن تبقى الأسواق بمعزل عن الرقابة والقيود والضوابط، بل والمحاسبة أيضاً!. ولأن الأمر كذلك، فقد انزوت القيم والأخلاق، وتقدمت على مدى أكثر من عقدين معايير تعالي السوق على المجتمع!. ومما لاشك فيه، لو ظهر "ويكيليكس" اقتصادي أميركي محلي، لاطلعنا على مراسلات بين آلان جرينسبان – مثلاً – ووزراء المالية الأميركيين الذين تبدلوا وهو في منصبه، تتضمن تطمينات منه على الأمور تجري على ما يرام، بل أفضل مما يرام!. وأن أولئك الذين يحذرون من وقوع أزمة، ليسوا سوى أفاقين أو متشائمين أو كارهي النجاح!. وسيقول جرينسبان: إن الأم تيريزا ليست أكثر أخلاقاً أو نظافة من سماسرة "وول ستريت"، وأن القروض التي تُمنح للناس بدون ضمانات، هي لمساعدتهم ومساعدة أسرهم، لا لتكبيلهم بديون لن يستطيعوا ما عاشوا تسديدها. سيقول: انظروا إلى برنارد مادوف، كيف يخصص عشرات الملايين من أمواله للجمعيات الخيرية. إن أولئك الذين يصفونه بالمحتال، هم المحتالون!. سيكتب جرينسبان في الوثائق: إن الأزمة الحقيقية، هي تلك التي يعيشها الذين لا يرغبون في اقتصاد حر، ويعتبرون النمو الراهن الذي يخلب الألباب.. عبثياً. لماذا؟ - والكلام لـ "بطل الأزمة" - لأنهم يريدون منا أن نعيش كما كان الشعب السوفييتي يعيش تحت الحكم الشيوعي!.

وبالطبع لن يقول جرينسبان في مراسلاته المفترضة – قبل الأزمة – ما قاله بعدها. ماذا قال؟ إن هذه الأزمة لا يمكن لأحد أن يتصورها. إنها لا تحدث إلا مرة واحدة كل مائة عام!!.

الثلاثاء، 7 ديسمبر 2010

لو كان "دفاع" إيطاليا الاقتصادي بقوة دفاع منتخبها لكرة القدم؟!

( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





" في الحقيقة، إن الذين وضعوا اليورو، كانوا يهدفون إلى تسويق اتحاد سياسي "
جيرهارد شرويدر مستشار ألمانيا السابق




محمد كركوتـي

المشهد الأول من الفصل الرابع، لـ "الفيلم" الأوروبي المرعب الطويل "الديون الحكومية " أو "من أجل مئات المليارات من الدولارات"، تتنافس على "بطولته" كل من إيطاليا وأسبانيا. فالفصول الثلاثة الأولى من الفيلم نفسه، كانت بعنوان واحد، لكن بتوصيفات مختلفة، وفق الترتيب التالي: "المهمة اليونانية"، وبعدها "المهمة الأيرلندية"، وبعدهما "المهمة" البرتغالية. ولا يمكن لأي مراقب أن يحسم، وضعية “المهمة". هل هي مستحيلة أم لا؟!. وكما جوائز "الأوسكار"، هناك "تنافس" حاد بين دولتين أوروبيتين. أسبانيا كانت مرشحة لهذا الفصل بقوة، لكن "حظوظ" إيطاليا، تبدو أكبر، في ظل معطيات اعتقدت روما أنها لن تظهر على الساحة بهذه السرعة. علماً بأن هذا لا يعني على الإطلاق، أن أسبانيا لن "تفوز" بفصل من "الفيلم" الأوروبي المرعب. فالقضية تبدو مرتبطة بالزمن، لا بتحسن أو سوء الأوضاع الاقتصادية والمالية في هذا البلد. وبعبارة تقليدية.. القضية لم تعد "هل تطلب أسبانيا إنقاذا مالياً أوروبياً"؟، بل أصبحت منذ وقت "متى تطلب"؟.

وفي كل الأحوال، لا فرق بين الفصل الرابع والخامس، فالأحداث لن تكون ألطف أو أقل درامية في أي منهما، تماماً كما هي أحداث الفصول الثلاثة الأُول. ومحاور الأحداث، هي.. هي. عجز في تسديد الديون. ارتفاع العجز في الموازنة العامة. وفد زائر من صندوق الإنقاذ الأوروبي وصندوق النقد الدولي. فتح الملفات المالية. مراقبة خطط التقشف المريعة. تخصيص الأموال للإنقاذ. جولة جديدة من الإهانات والتجريح، لاسيما الألمانية منها. وبعض التهديدات، لاسيما الفرنسية منها. ولا بأس من بعض "المعاندة" الإعلامية فقط من جانب الدول الغارقة بالديون والعجز والمصير المالي شبه المجهول، كما أنه ليس هناك ما يمنع المسؤولين في هذه الدول من نفي الأخبار التي ستتحدث عن طلبهم للإنقاذ المطلوب، في بداية الفصل فقط.

يشتهر المنتخب الإيطالي لكرة القدم طوال عقود من الزمن، بأجود أنواع الدفاع على الإطلاق. إلى درجة أن إحدى شركات المنتجات الرياضية، نشرت إعلاناً في أوروبا في تسعينات القرن الماضي، كان عبارة عن سؤال هو : ما هي أسهل وظيفة في أوروبا؟.. في الإعلان نفسه تأتي الإجابة: أن تكون حارساً لمرمى المنتخب الإيطالي. لكن في حالة " المنتخب الاقتصادي الإيطالي" – إن جازت التسمية – لا يبدو الأمر كذلك، رغم ما أبداه هذا " المنتخب" من مقاومة شديدة. ففي العام المقبل، يتوجب على الحكومة تسديد 300 مليار يورو من الدَين العام، الذي بلغ قرابة 120 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، يضاف إلى ذلك أن نصيب إيطاليا من فاتورة الإنقاذ الأوروبية، سيضع موازنتها العامة تحت ضغط رهيب. وهذا وحده يشكل مخاطر تهدد ما تبقى من قوة الاتحاد النقدي الأوروبي. وعلى الرغم من أن غالبية الديون الإيطالية، هي من مصادر محلية، إلا أنها تبقى ديوناً قاصمةً، في ظل نمو اقتصادي هش، أو مهزوز، كما أنها في النهاية تظل محرك لعدم الاستقرار السياسي في البلاد. إذن.. تقهقرت قوة دفاع رئيس الوزراء سيلفيو برلسكوني على الصعيد الاقتصادي، ولم يستطع أن يقترب من قوة الدفاع التاريخية التي كان يتحلى بها – على سبيل المثال – مدافع المنتخب باولو مالديني، أو فابيو كانافارو، أو أليساندرو نيستا!.

الفصل الرابع من "الفيلم" الأوروبي المرعب "من أجل مئات المليارات من الدولارات"، بات يحمل عنوان " المهمة الإيطالية"، ومعه تزداد الضغوط على منطقة اليورو، ومصير هذه العملة. وعلى الرغم من أن الدول الكبرى في المنطقة المذكورة، لا تزال تُبدي دفاعاً قوياً عن اليورو ومستقبله كعملة "وطنية" أوروبية، غير أن هذا لم يمنع مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل، أن تهدد سراً خلال القمة الأوروبية التي عقدت في بروكسل أواخر أكتوبر/ تشرن الأول الماضي، بأنها قد تلغي اليورو إذا ما فشلت في وضع نظام جديد للعملة الأوروبية الموحدة!. وقد حاول المسؤولون الأوروبيون – بمن فيهم الألمان – جاهدين للحيلولة دون تسريب هذا التهديد إلى الإعلام، إلا أنهم فشلوا جميعاً. فأن تعلن دولة كالبرتغال – مثلاً - إمكانية انسحابها الطوعي من اليورو، هو أمر لا يشكل هزة. ولكن أن تهدد ألمانيا التي تمتلك مفتاح صندوق الإنقاذ الأوروبي، بإمكانية الانسحاب، فهذا أمر ليس خطيراً فحسب، بل كارثياً على الاتحاد الأوروبي برمته. مشهد في الفصل الرابع لـ " المهمة الإيطالية"، يحتوي على طرح، ربما يكون مقدمة لانهيار منطقة اليورو. هذا الطرح لم يتبناه أي من المسؤولين الألمان، لكنهم في الوقت نفسه، لم يوجهوا الانتقادات له!. إنه ببساطة يدعو إلى تقسيم منطقة اليورو، إلى منطقتين شمالية وجنوبية!. ويقول "كُتاب" هذا السيناريو: "إن هذا التقسيم هو أفضل الحلول الممكنة لإنقاذ العملة الأوروبية الموحدة من الانهيار".

والحقيقة، أنني أجد صعوبة في تبرئة أنجيلا ميركل من استمتاعها "بالألحان" المصاحبة لمشهد التقسيم. فهذا المقترح أو الطرح لا يصب إلا في المصلحة القومية الضيقة لألمانيا، التي ستجني الكثير من الفوائد في المرحلة الراهنة، لكن أحداً لا يضمن استمرار هذه الفوائد في المستقبل. إذن.. فلنتابع "مشهد التقسيم" باهتمام شديد، ونربطه بالمشهد الأول من الفصل الرابع، الذي تضمن تهديداً سرياً عنيفاً من ميركل بالانسحاب من اليورو. ولنتابع أيضاً، مشهداً في الفصل نفسه سيظهر على "الشاشة"، تدور وقائعه حول دولة مثل إيطاليا، قد تلجأ في النهاية إلى صندوق الإنقاذ الأوروبي، الذي تساهم فيه مباشرة!. وإذا ما استُكمل المشهد المذكور، فيمكننا بسهولة أن نغير اسم الصندوق إلى " صندوق التكافل الأوروبي"!. مهلاً.. مهلاً، هناك تكهنات لا تزال في نطاق الشائعات، تتحدث عن إمكانية أن تلجأ مَنْ؟ فرنسا نفسها إلى الصندوق، لأن هذه الأخيرة ليست عصية عن الانضمام إلى قائمة الدول الأوروبية المتعثرة!!.

لا نريد استباق الأحداث. وعلينا أن نعترف بأنه لا يزال في صندوق الإنقاذ المشار إليه ما يزيد قليلاً عن 500 مليار يورو. لكن السؤال الأهم هو: هل ما تزال السلسلة التي تجمع دول منطقة اليورو قوية بما يكفي لانضمام أعضاء جدد – بوزن إيطاليا مثلاً – إلى نادي الدول المتعثرة؟!. وفق المعطيات الموجودة على الساحة، بدأت هذه السلسلة بالتضعضع، مع انضمام أيرلندا (الفصل الثاني من "الفيلم") إلى هذا النادي، ليس بسبب الـ 85 مليار يورو التي حصلت عليها في سياق عملية نجدتها، ولكن لأسباب سياسية – اقتصادية، وُلِدَت في الواقع من معايير شعبوية – محلية. فلا عجب من إعلان وزير المالية الألماني راينر برودله، بـ " أن دافعي الضرائب الألمان، لن يقبلوا بضخ أموال إضافية لمضاعفة ميزانية صندوق إنقاذ اليورو، لمساعدة دول جديدة متعثرة". فهو يعلم أن إنقاذ دولة مثل إيطاليا، يعني استهلاك الحجم الأكبر من رصيد الصندوق، وبالطبع لا أحد يريد،وحتى أن يُفكر، بأضعف احتمالات انضمام فرنسا إلى نادي المتعثرين. ولو تخيلنا تحول هذا السيناريو إلى فصل جديد من "الفيلم" الطويل، ستبحث منطقة اليورو عن منقذ لها. وهو بالتأكيد لا وجود له في الكرة الأرضية، قد يكون في عالم آخر.. لكنه بالتأكيد ليس في عالمنا هذا!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الثلاثاء، 30 نوفمبر 2010

التسامح البريطاني المُغتصَب

(هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")



" عبر القرون.. تاريخ الشعوب ليس إلا دروساً في التسامح المتبادل"
إميل زولا أديب وكاتب فرنسي


 
 
محمد كركوتـي
 
لو كانت الأم تيريزا، أو كما يحلو للبعض مناداتها بـ "ماما تيريزا" ( تلك الإنسانة التي غمرتها إنسانيتها طوال حياتها)، على قيد الحياة، لقالت لـ "سَميتِها" وزيرة الداخلية البريطانية تيريزا ماي: مهلاً أيتها الوزيرة، لا تجعلي من الأزمة الاقتصادية التي تعيشها بلادك، ومعها بلدان العالم أجمع، أن تكون دافعاً لتجريد بريطانيا مما تبقى من تسامحها. مهلاً "يا سَميتي"، لا تكوني وقوداً، لـ "العنصرية الاقتصادية"، الهائمة في بحار من الوقود "الرخيص" أصلاً. مهلاً، لا تخلطي الأمور بعضها ببعض، ولا تدخُلي تاريخ بلادك، من نفس البوابة التي دخلها وسيدخلها، القوميون المتطرفون. أنا لا أفهم بالاقتصاد، ولم أستوعب ما يسمى بـ " الفقاعات الاقتصادية"، ولا دخل لي بارتفاع أو انهيار الأسواق، ولا أعرف كيف تجري العمليات المصرفية، سواء الحقيقية منها أو الوهمية، واستحال علي استيعاب كيف تتحول قيمة الأوراق المالية والأصول والممتلكات، إلى قيمة أوراق الأشجار المتساقطة، في خريف عاصف. الذي أعرفه – والكلام لماما تيريزا – أن "الاقتصاد" في معايير التسامح، يعني وفرة للمعايير غير الأخلاقية، وغير الإنسانية. ليمر الاقتصاد بفقاعات، لكن لتبقى الأخلاق عميقة، وليبقى التسامح أساسها.

سيقول المسؤولون البريطانيون، الذين يحاولون على طريق تغذية المشاعر القومية المتطرفة، الإبقاء على ائتلافهم الحاكم أطول مدة ممكنة، لتيريزا ماي: دعك من هذه المرأة الحالمة، التي لا تفهم بالاقتصاد ولا بالسياسة، وتريد أن تجرك إلى "قطاع" لا وقت لنا بدخوله. نحن نعيش أزمة، علينا أن نواجهها بكل الأدوات، بصرف النظر عن ماهيتها، وتعارضها مع "أخلاقيات ماما تيريزا". سيقولون: لتحل "ماما" مشاكلنا، ونحن نعدها بأن نحافظ على ما ترغب هي أن نحافظ عليه. إن واقعنا تجاوز مرحلة السماحة والتسامح. دعك يا ماي من هذا كله، وابدئي بتنفيذ قرارات حكومتك، بخفض 20 في المائة من التأشيرات التي ستمنح في العام 2011، إلى العمال القادمين من دول خارج الاتحاد الأوروبي، وقولي لـ "الماما": لأننا نحترمها ونقدرها، فسوف نخفف القيود بالنسبة للعاملين في الشركات متعددة الجنسيات!. لكن لن تقول الوزيرة البريطانية: إن عدة مؤسسات وشركات بريطانية كبرى، هددت الحكومة بترك البلاد، إذا لم تحصل على القرار الحكومي، بتخفيف القيود هذه!. فالحكومة استجابت للمطالب، التي تمكن المؤسسات المذكورة، من استقدام عمالها وموظفيها، لمدة أقصاها خمس سنوات، على أن لا يزيد ما تدفعه لكل فرد من هؤلاء، عن 40 ألف جنيه إسترليني (ما يوازي 47 ألف يورو) سنوياً.

من حق بريطانيا ومعها كل دول العالم أن تحمي نفسها اقتصادياً، من خلال تشريعات وقوانين جديدة تخص العمالة. ويخطئ من يقول عكس ذلك، سواء كانت البلاد في أزمة أو كانت في حالة ازدهار. لكننا ببساطة لا يمكن أن نُخرِج هذه القضية من ارتباطها العنصري أو القومي أو المحلي.. والسياسي أيضاً. ففي الغرب – عموماً – يسجل اليمين المتطرف نقاطاً انتخابية" وطنية" لصالحه، ابتدءاً بالسويد وهولندة والنمسا، وليس انتهاءً بفرنسا وألمانيا وإيطاليا. وقد استغل المتطرفون في الواقع، آلام الأزمة الاقتصادية العالمية ومصائبها، لكي يتقدموا إلى الأمام، مع تراجع حدة الاشمئزاز - وأحياناً "الاستحقار" - الذي كانوا يتعرضون له في مجتمعاتهم!. فما كان مُحرماً قبل الأزمة، بات مُباحاً بعدها، وما كان مُعيباً – قبلها – أصبح أمراً عادياً بعدها!. ولذلك سمحت الحكومات الخائفة من شعوبها (بسبب توريطها لهذه الشعوب بأزمة تاريخية كان بالإمكان تفاديها)، للعصبية – العنصرية، المحلية وبعدها الوطنية وبعدها القومية، لا أن تنطلق فحسب، بل وتنمو أيضاً!. فقد بات السماح لهذه النوع من العنصرية، جزءاً أصيلاً في التسويق الانتخابي، لأحزاب كانت حتى وقت قريب، بمثابة " ملاذ سياسي واجتماعي آمن" للمهاجرين الشرعيين والعمال والموظفين الأجانب. هذا التحول الخطير، يعطي مساحة للاستنتاج، بأن القوى اليمينية المتطرفة في الغرب – وتحديداً في أوروبا – ستصل إلى مرحلة تتمكن فيها، من تغيير القواعد التقليدية المتبعة، في مجال التعاطي مع الأجانب. والحجة موجودة " حماية اقتصاداتنا الوطنية"!.

المثير في الحالة البريطانية، أن الائتلاف الحكومي، بين حزبي المحافظين والديمقراطيين الليبراليين ( وهو ائتلاف لا يزال البعض يراه مضحكاً أكثر من كونه غريباً)، والذي سن قانون الحد من منح التأشيرات الشرعية للعمال والموظفين الأجانب، تمكن من تكميم أفواه قيادات الحزب الليبرالي في هذا المجال. فقد حلت عند هذا الحزب المعتدل والمدافع عن الحقوق الإنسانية بكل أشكالها، نشوة الحكم مكان "قدسية" الأخلاق والمبادئ!. ولذلك.. فلا غرابة في ظهور أصوات من الحزب الليبرالي بين الحين والآخر، تعبر عن مرارتها من هذا الائتلاف، ومن التحولات الأخلاقية السلبية لدى قيادته. إلى درجة أن اعترض وزير التجارة فينس كابل ( وهو عضو في الحزب الديمقراطي الليبرالي)، على مشروع حكومته نفسها، لأنه يتضمن – بالإضافة إلى الحد من تأشيرات العمل – تقليص عدد التأشيرات الممنوحة لمن؟ للطلبة والأسر!. وهذا وحده، يؤكد مرة أخرى، بأن القوانين البريطانية الجديدة، لا تستهدف العمال والموظفين الأجانب فحسب، بل تشمل بصورة خطيرة، الأجانب الذين يرغبون في التحصيل العلمي، والأسر التي تسعى إلى لم شملها بالطرق القانونية لا الاحتيالية. ولمزيد من التضييق، لم تخف وزيرة الداخلية في بريطانيا، أنها تدرس خفض أجور بعض العمال الأجانب، كجزء من عملية تشديد قوانين الهجرة.

ولأن المعايير الانتخابية – الشعبوية، هي التي تحكم حالياً في المملكة المتحدة ( والغرب عموماً)، فقد تناست حكومة الائتلاف، بأن بريطانيا – كغيرها من الدول الغربية – تحتاج إلى مهاجرين شرعيين، يساهمون في تصحيح الخلل الديموغرافي، الذي تعيشه كل هذه البلدان، من جراء ارتفاع متوسط الأعمار، وانخفاض نسبة مواليد السكان الأصليين!. وهذه وحدها أزمة، ستكون أمامها الأزمة الاقتصادية الراهنة، مجرد سحابة صيف!. وهي تعلم – على سبيل المثال – أن تخفيض عدد تأشيرات العمل التي ستمنحها في العام 2011 إلى 21 ألف و700 تأشيرة، من 28 ألف تأشيرة في العام 2009، ستخفض من قدرة الدولة في المستقبل، على مواجهة الأزمة الديموغرافية. ولكن، كيف يمكن لحكومة، أعلنت في برنامجها الانتخابي، أنها تضع تخفيض عدد العمال والموظفين والطلاب الأجانب، هدفاً أساسياً لتحققه خلال فترة وجودها في السلطة، أن تفهم ما يجب عليها أن تفهمه؟!.

يقول المؤلف والأديب الأميركي توم روبينز :" كن ملتزماً في قراراتك، لكن كن مرنناً في نهجك". لكن يبدو أن الحكومة البريطانية ( ومعها حكومات في بلدان غربية أخرى)، صارمة في قراراتها ونهجها. فعندما تتحول الرؤى الإستراتيجية إلى سلعة سياسية – انتخابية، تنزوي المعايير الأخلاقية، وتنتهي بيئة التسامح، التي لا تصب فقط في مصلحة الأجانب، بل في مصلحة الشعوب الغربية نفسها.

إن بريطانيا هي الدولة الغربية الوحيدة، التي فقدت أموالها في فقاعات اقتصادية تاريخية، وفقدت معها "حلاوة" تسامحها، الذي تميزت به على مدى عدة عقود من الزمن، مقارنة مع بقية الدول المشابهة لها. وإذا ما استشرت "العنصرية الاقتصادية" فيها، فسوف لن يتمكن هذا البلد، من استعادة ملامحه المتميزة. سيكون مثل باقي البلدان، التي لا تنظر أبعد من أنفها!.

هذا ليس طرح عاطفي، إنه طرح أخلاقي.