الثلاثاء، 23 نوفمبر 2010

الفيلم الأوروبي الطويل: من أجل مئات المليارات من الدولارات ؟!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")









" الديون والأكاذيب، غالباً ما تتماهى مع بعضها البعض "
فرانكوس رابيليس مؤلف وكاتب فرنسي


محمد كركوتـي


المشهد الأول من الفصل الثاني للقصة الحقيقية التي تحمل عنواناً مخيفاً هو "ديون الاتحاد الأوروبي" أو " من أجل مئات المليارات من الدولارات" ( عرض الفصل الأول مستمر!).. يقف رئيس الاتحاد هيرمان فان رومبوي، معلناً بصوت درامي أن "منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي بأسره لن يبقيا، إذا لم تُحل أزمة ديون الدول الأعضاء". في المشهد نفسه، تظهر واحدة من أبطال القصة -الحقيقية جداً- هي أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا، لتقول بصوت جهوري "إن الاتحاد الأوروبي سينهار، إذا قُدر لليورو أن ينهار". في الفصل الأول من القصة ذاتها، تتواصل مشاهده، بغرق اليونان في بحار من الديون السيادية، والأفضل أن أقول "الديون الحكومية" ( لا أزال أجد صعوبة في قبول توصيفها. فهل هناك سيادة وكرامة مع الديون؟!)، مع تدافع "فرق الإنقاذ" لانتشالها، ومع موجة من التأنيب والإذلال والتحذير، من جانب عدد من الدول المُنقِذة، خصوصاً ألمانيا. المادة "الاقتصادية الدرامية" – إن جاز التعبير – تنتقل من الفصل الأول إلى الثاني، مع بقاء "الأبطال" أنفسهم في قلب القصة، بينما الضحايا يتبادلون الأدوار!. ولأن الأزمة الاقتصادية العالمية، قدمت بحراً من القصص التي لا تنتهي، فلا خوف من شح "النصوص"، ولا خشية من نقص في عدد الأبطال و"الكومبارس" معاً. سيكون دائماً على الساحة "أبطال اقتصاديون"، مثل كلينت إيستوود ( ليكن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي) ومارلون براندو (ليكن رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون) وروبرت دي نيرو ( ليكن رئيس وزراء إيطاليا سيلفيو بريلسكوني) وجوليا روبرتس ( لتكن مستشارة ألمانية ميركل)، وسيكون هناك العشرات - بل المئات - من الكومبارس على نفس الساحة الدرامية.

ولعل هذه القصة هي الوحيدة في هذا العالم، التي يمكن متابعة فصولها وأحداثها في نفس الوقت. أي لا فواصل بينها!. فأحداث الفصل الأول المستمرة، تتواصل مع قدوم وفد ثلاثي من المفوضية الأوروبية والمصرف المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي إلى اليونان، لمواجهة احتمالات عدم قدرة هذا البلد على تسديد الديون التي مُنحت له، والبالغة 110 مليار يورو!. فعذراً من "الجمهور"، لا وقت للاستراحة، ولا فرصة لتحريك المفاصل. الأحداث مستمرة، والدراما متفاعلة، والقصة بلا نهاية!.

عودة إلى المشهد الأول من الفصل الثاني، ليكن عنوانه مقولة للمؤلف اللاتيني ببليليوس " الديون الصغيرة تنتج دائناً، والديون الكبيرة تنتج عدواً". أيرلندا.. تُكابر وتمتنع عن طلب العون، رغم معرفتها بأن اقتصادها مهدد بالانهيار، بل شارف عليه!. أيرلندا تُجري مباحثات سرية مع صندوق الإنقاذ الأوروبي، وتعلن في الوقت نفسه، أنها لا تقوم بأي مباحثات!. أيرلندا نفسها تتراجع وتعترف بوجود مباحثات حقيقية في هذا الشأن!. بعثة تضم ممثلين عن المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي ( مكرر من الفصل الأول!)، تصل إلى دبلن علناً، من أجل درس المشكلات البنيوية للمصارف الايرلندية. بريطانيا تعلن رسمياً، أنها ستساعد أيرلندا في محنتها الاقتصادية، بينما تعيش المملكة المتحدة حالة غرق في ديونها!. أيرلندا تطلب عوناً لمصارفها، ولكن ليس لموازنتها العامة، الغارقة بالديون والعجز!. هذا أمر ليس مهماً، سوف ترضخ في النهاية إلى معايير وشروط المُنقذين، فهي تعلم أن الغريق لا يمتلك الحق ولا حتى الوقت، لفرض شروطه على مُنقذه. وربما من "سكرة" الانهيار، لم يقرأ المسؤولون الأيرلنديون، إعلان فرنسا وألمانيا (الدولتان الأكثر إنقاذاً في منطقة اليورو) المشترك، بفرض عقوبات رادعة بحق كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، تفشل في خفض العجز في موازنتها العامة في غضون ستة أشهر. ولم يسمع هؤلاء ما قاله ساركوزي علانية: "إن الدولة التي تسجل نسب عجز كبيرة، ولا تتخذ الإجراءات الكافية لخفضها، يجب أن تتعرض لعقوبات سريعة وفعالة". مهلاً، هناك لوحة في المشهد. ألمانيا تريد إشراك المصارف ومؤسسات القطاع الخاص في إدارة أزمة الديون. سيداتي سادتي.. مازال المشهد الأول من الفصل الثاني مستمراً.

المشهد الأول من الفصل الثالث. ليكن عنوانه مقولة للشاعر الأميركي أوجدين ناش "الديون تشعرك بالسعادة عندما تكسبها، وتشعرك بعكس ذلك عندما يتوجب عليك إعادتها". وزير الخارجية البرتغالي لويس أماديو يلوح للمرة الأولى، بإمكانية خروج بلاده طواعية من منطقة اليورو، لماذا؟ لأن البرتغال، تواجه متاعب داخلية شرسة، في تمرير حزمة التقشف التي فُرضت عليها من صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي. زميله وزير المالية فرناندو سانتوس، يعلن أن حكومته لا تخطط لطلب المساعدة من المجتمع الدولي، بل ستواصل القيام بالحصول على التمويل من خلال سوق السندات الدولية. ولأن أحداث القصة متشابهة –بل متطابقة - فقد تقمص البرتغاليون، الدور الأيرلندي الرافض للحصول على مساعدة. لكن الأحداث تسير في نفس السياق، فلا يمكن للشبونة الاستمرار في الرفض، أو مواصلة التهديد بالخروج الطوعي من منطقة اليورو، عندما يستكمل الخراب تسيده لحالة البلاد الاقتصادية. وقتها تنزوي الكرامة ومعها الكبرياء، ولا غرابة في رؤية ممثلي الإنقاذ، يفتحون ملفات الديون البرتغالية، ومعها أضابير العجز في الموازنة العامة، الذي يقترب من 10 في المائة من مجموع الناتج المحلي.

في العام 1965 أنتجت السينما العالمية واحداً من أشهر أفلام "الوسترن" حمل اسمه الشهير" من أجل حفنة من الدولارات" أو For a Few Dollars More ، من بطولة كلينت إيستوود. وفي العام 2008 أنتجت الأزمة الاقتصادية العالمية، واحداً من أطول " الأفلام" الأوروبية، لا يستحق اسماً سوى " من أجل مئات المليارات من الدولارات" أو For a hundreds billion dollars more . في فيلم إيستوود، كان القتل هو الطريقة الوحيدة للحصول على حفنة من الدولارات. وفي "فيلم" الأزمة، هناك مجموعة من الطرق ينبغي إتباعها للحصول على مئات المليارات من الدولارات. الخنوع والاستجداء والتذلل وفتح الملفات مهما كانت سرية والاعتراف بالحقائق.. منها، وقبل هذا وذاك، الانكشاف الاقتصادي الكامل. باختصار.. لا مكان للسيادة الوطنية أو المحلية، ولا مجال للكرامة مهما كانت هشة وضئيلة.

بالأمس كانت اليونان، واليوم حلت أيرلندا، وغداًً يأتي دور البرتغال، وبعد غدٍ ربما أسبانيا ولا غرابة إن كانت بعد بعد غدٍ إيطاليا. لن نتحدث هنا عن الدول الأوروبية خارج منطقة اليورو. فقد غمرت الديون صروحها، قبل شعوبها ومسؤوليها. وهذه وحدها مصيبة عالمية أخرى، ستتطلب مُنقذين، هم أنفسهم يسبحون في بحار من الديون!. كما أن دول اليورو لا وقت لديها ( ولا حتى مالاً) للتعاطي مع هذه القضية المتفاقمة. وبالعودة إلى المشهد الأول من الفصل الثاني، نجد أن الحبكة، ليس في إنقاذ هذا البلد أو ذاك، أو عجز هذه الدولة أو تلك، بل في محاولات حماية الاتحاد الأوروبي نفسه من الانهيار. فمع اندلاع الأزمة العالمية، واستفحال كارثة الديون الأوروبية، كانوا يتحدثون عن مصير منطقة اليورو، وكيفية حماية المنطقة من التفكك. اليوم يتحدثون عن مصير اتحاد، بُني على أسس متينة لا ارتجالية، وأقيم على قواعد ثابتة متأنية، لا هشة ومتسرعة. اتحاد صار رمزاً عالمياً للنجاح، وتحقيق الأهداف.

سينجو الاتحاد الأوروبي، لكنه سيكون مثل ذلك الملك الذي انتصر في الحرب، وعاد إلى بلاده لوحده. لقد فقد كل جيشه!.


الأربعاء، 17 نوفمبر 2010

الإنترنت والتلفزيون وما بينهما

(هذا المقال خاص بمجلة " جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج")








" الزمن أقنعني بشيء واحد، هو أن التلفزيون وجد للظهور فيه، لا مشاهدته "
نويل كاوارد كاتب وممثل ومخرج دراما بريطاني




محمد كركوتـي

بعد المطبوعات التي فقدت بريقها والعديد من مواقعها، وتهددت في مصيرها أمام الإنترنت وتوابعها، جاء التلفزيون الذي قد يفقد أضوائه أمامها. وفي ظل الحديث الذي لا ينتهي عن مصير المطبوعات، واستحواذ الإنترنت على مزيد من قرائها وإعلاناتها ومصادر دخلها، بدأ حديث عن العلاقة التي أصبحت شبه متشابكة بين الشبكة الدولية والتلفزيون، وعن الآثار المترتبة على تصاعد أسهم الإنترنت عند الملتقين من كل الأعمار، لاسيما الشباب منهم. فالقضية ليست "فانتازية" بل حقيقية، وليست موسمية بل مستدامة، خصوصاً بعد أن تخلصت الإنترنت من توصيفها النخبوي، إلى التوصيف "الشعبوي"، وبعد أن أضحت ضرورة مُلحة في الحياة اليومية، لاسيما في المجتمعات التي حققت نمواً كبيراً في هذا المجال، وانغماساً عالياً في خطوطها. وفي ظل المعركة الناشبة بين الشبكة الدولية والمطبوعات – بكل أشكالها – تلوح في الأفق معركة، قد لا تكون بعنف الأولى، لكنها في النهاية، ليست معركة جانبية، وإن كانت تبدو على الساحة – أحياناً وليس دائماً - حلول وسط فيها.

ولعل الأسئلة الأولية التي تطرح في هذا المجال هي، من يستفد ممن؟، ومن أقوى ممن؟، وكيف يمكن المواءمة بين الطرفين؟. وقبل هذا وذاك، من سيفوز في النهاية بالقطعة الكبرى من الكعكة الإعلانية، ومن "حلوى" الرعاية التجارية؟. فالدخل المالي هو الذي يقرر في النهاية مصير هذه الأداة الإعلامية أو تلك، وهو الذي يرسم معالم الاستثمار فيها، وبالتالي آفاق تطورها، خصوصاً إذا كانت القنوات المعنية تقوم على قاعدة مؤسسية، لا ارتجالية ولا موسمية.. ولا "بقالية".

نعم يخسر التلفزيون أمام الإنترنت، وإن بصورة أقل من خسارة المطبوعات. وقد ظهر هذا واضحاً في دراسة أجرتها مؤسسة "ديلويت 2010 تي. أم. تي بريدكشينز" أو The 2010 Deloitte TMT Predictions الأيرلندية. حيث توقع معدو التقرير، أن يواصل التلفزيون تسيده للمشهد على صعيد وسائل الترفيه المنزلية، ولكن لعام آخر. وهذا يعني أن شيئاً ليس مضموناً للقنوات التلفزيونية، لكي تستمر في تسيدها هذا في الأعوام المقبلة، وأن الأمور قد تتحول في العام المقبل، في غير صالحها. لقد ضرب هذا التقرير، ما يعتقد به المتابعون لقطاع الإعلام بكل أدواته، بأن تحميل المواد المختلفة التلفزيونية وغيرها من الإنترنت على أجهزة الكمبيوتر، لمشاهدتها في وقت لاحق أو وقت مناسب، ستؤثر تدريجياً على طريقة المشاهدة التلفزيونية، وستنشئ سلوكاً سيكون مستداماً إلى وقت طويل. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو، من يضمن استمرار المتابعة التلفزيونية المباشرة من قبل المشاهدين، في وقت تتزايد فيه أعداد مستخدمي الإنترنت، حتى في الدول التي لم تصل بعد إلى مرحلة متقدمة، لتشكل الإنترنت جزءاً أصيلاً من حياة سكانها اليومية؟.

ومهما يكن من نتائج التقرير المتخصص المشار إليه، إلا أن الأمور تتجه لمصلحة الإنترنت، حتى لو توقع واضعو التقرير، مشاهدة أكثر من 90 في المائة من المواد التلفزيونية، وأكثر من 80 في المائة من المواد الإذاعية، من خلال البث التقليدي، أي بصورة مباشرة. ولعل السبب الرئيسي وراء استمرار تسيد التلفزيون والإذاعة المشهد الإعلامي العام، يعود إلى أن هاتين الوسيلتين متاحتان للغالبية العظمى من المشاهدين – المستهلكين، وتكاليفهما بسيطة، غير أن نسبة كبيرة من المُعلنين، يتجهون عادة إلى المستهلكين المتمكنين اقتصادياً ومعيشياً، الأمر الذي سيصب مستقبلاً في صالح الإنترنت، على صعيد الدخل، وبالتالي على صعيد الاستثمار فيها. ونحن نعلم أن الغالبية العظمى من القنوات التلفزيونية والإذاعية -العربية وغير العربية- تواجه تراجعاً ملموساً في مداخيلها الإعلانية، من جراء تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية، التي أقصت على الساحة العربية، عدداً من القنوات، وأجبرت قنوات أخرى على إتباع نظام تقشف صارم في السنتين الماضيتين.

لن تسيطر الإنترنت مائة بالمائة، على المشهد الإعلامي العربي والعالمي، لأن جزءاً من المادة التي تستخدم من خلالها، هي تلفزيونية وإذاعية، لكن في المقابل، هناك تزايد كبير لما أصبح يعرف بـ " الإنتاج التلفزيوني الاجتماعي الخاص" عبر الإنترنت، وهو أمر سيؤثر سلباً على الإنتاج التلفزيوني التقليدي في المستقبل، مع الأخذ بعين الاعتبار، أن الإنتاج الإعلامي الاجتماعي ( وليس الإخباري) يستقطب العدد الأكبر من الناس في كل بقاع الأرض. يضاف إلى ذلك أن انخفاض تكاليف الوصول إلى الإنترنت على مستوى العالم ( يمكن قضاء ساعات كافية على الشبكة الدولية بأقل من دولارين أميركيين)، سيعزز من مكانة هذه الشبكة والطلب عليها، حتى في المجتمعات التي تعاني شحاً مالياً.

فعلى سبيل المثال، أظهرت مجموعة من الإحصائيات والدراسات، بما في ذلك دراسة أعدتها مؤسسة "ديجتال انسياتس" أو Digital insites الأوروبية، أن جيل الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، "يديرون ظهورهم" تدريجياً للتلفزيون، مقابل تزايد شغفهم بتصفح الإنترنت الذي يأخذ من وقتهم أكثر من ثلاث ساعات يومياً. وحسب الدراسة، فإن مستخدمي الإنترنت في المنطقة، يمضون ساعات أطول في تصفح الإنترنت من مشاهدة التلفزيون، مما يدفع المتابعين لأحوال سوق الإعلام، لتوقع مستقبل واعد لسوق الإعلانات على الشبكة الدولية. والأمر ليس مختلفاً كثيراً في المناطق الأخرى من العالم. أعداد كبيرة تتجه إلى الإنترنت، ليس فقط لقراءة ما يرغبون عليها، بل أيضاً لمشاهدة "المنتجات" التلفزيونية التقليدية وغير التقليدية، وللاستماع إلى "المنتجات" الإذاعية بكل أنواعها.

وعلى هذا الأساس، فإن المعركة الدائرة حالياً بين الإنترنت والتلفزيون، قد تتحول إلى حرب، سيكون معها هذا الأخير في وضع صعب ومعقد للغاية.


الثلاثاء، 16 نوفمبر 2010

قمة الـ "أنا" لا الـ "نحن"!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")




" مرة أخرى.. غالبية الاختلافات الاقتصادية، هي اختلافات حول الدرجات لا حول الأنواع"ألفريد مارشال بروفيسور اقتصادي بريطاني

 


محمد كركوتـي
 
ذكرتني دعوة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، مجموعة العشرين، قبل قمتها في العاصمة الكورية الجنوبية سيول، لـ "الوحدة في هذا الوقت الحرج الذي يعيشه الاقتصاد العالمي"، بدعوات بعض قادة العرب الحكماء قبل كل قمة عربية بـ "ضرورة الوحدة في الوقت الحرج الدائم الذي يعيشه العرب". وبهذه الدعوة، يبدو أن بعض الأطراف المحورية في مجموعة العشرين – لاسيما الكبار التقليديين -، "أحبت استعارة" شيء من روح "المجموعة العربية"، رغم الأوقات الحرجة، والكوارث المتراكمة، وتداعيات المصائب الاجتماعية، الناجمة بالدرجة الأولى عن الأزمة الاقتصادية العالمية!. هذه الأطراف وضعت إلى حين، مشروع النظام الاقتصادي العالمي المزمع، وقضايا الإصلاح الاقتصادي، وأهداف الألفية التي استحدثتها الأمم المتحدة مطلع القرن الجاري، لتحسين ما أمكن من حياة البشر البائسين، ووضعت إلى حين أيضاً، خريطة الحرب على الأزمة الكبرى، لتركز على قضية – مهما كان هناك من مدعين بأهميتها وخطورتها – تخص في الواقع طرفان فقط، هما الصين والولايات المتحدة الأميركية!. قضية ثنائية استحوذت على حراك مجموعة تقود العالم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وللسيطرة على "قطار" الاقتصاد العالمي، الذي يسير بلا قائد يوجهه ويوقفه عندما يلزم الأمر، بل لنقل بلا "فرامل"، تُمكِن القائد المنتظر من إيقافه!.

لم نكن بحاجة للانتظار حتى اختتام قمة مجموعة العشرين وبيانها الختامي، لكي نعرف النتائج. فـ "المكتوب كان واضحاً من عنوانه". واجتماعات وزراء مالية المجموعة الممهدة للقمة، كانت أفضل مؤشر على النتائج. كانت عبارة عن مجموعة من لقاءات، مليئة بالمناوشات والاتهامات، والأخطر من هذا وذاك، أنها شهدت ولادة محور اقتصادي ( الكبار التقليديين) داخل المجموعة التي يُفترض أنها أنهت عصر المحاور الاقتصادية!. كانت ببساطة اجتماعات "الاقتصادات الوطنية" لا "الاقتصادات العالمية". كانت اجتماعات الـ "أنا" لا الـ "نحن"، رغم معرفة الجميع – بما في ذلك المناوشين أنفسهم - بأن الـ "أنا" هذه، لم تجلب للعالم على مدى سبعة عقود من الزمن سوى الخراب والأزمات، والكساد والركود، والازدهار الوهمي الفقاعي!. إلى ماذا أدت هذه الحالة؟.. أدت إلى ترحيل الملفات الهامة إلى القمة المقبلة في فرنسا، وإذا ما بقي الحال على ما هو عليه، ستُرَحل إلى القمم المقبلة التي تليها!. وقد ساهم التوتر القائم بين الكبار التقليديين – باستثناء ألمانيا – وبين الصين تحديداً، في انتهاء القمة إلى قرارات "تسويفية"، أكثر من كونها قرارات مُلزِمة، وهو أمر يبدو مقبولاً من مجموعة هامشية إقليمية ضيقة، لا مجموعة أُوكلت ببناء نظام اقتصادي جديد، يحل مكان النظام الذي صبغ العالم بألوان قاتمة، واحتكر القرار الاقتصادي " المقدس"!.

المشكلة التي واجهت مجموعة العشرين - التي حققت قفزات نوعية في أعقاب الأزمة ربما من فرط الصدمة وهول الواقعة – في قمة سيول، أن بعض الأطراف الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بدأت تلعب "سياسة اقتصادية" محلية لا "اقتصاد سياسي" عالمي. وهذا أمر لا يتوافق و"عضويتها" في مجموعة عالمية احتوت كل المجموعات التقليدية!. والسلوك الأميركي في القمة المذكورة، لا يتوافق مع سياسة إدارة الرئيس باراك أوباما، التي اعتمدت "الإشراك" و المصلحة الاقتصادية العالمية، أساساً لتوجهاتها. كما لا تنسجم مع ما قاله أوباما نفسه – قبل القمة – بـ "بضرورة أن يقوم قادة زعماء مجموعة العشرين بتنحية خلافاتهم جانباً، والعمل معاً والتعاون من أجل تحقيق تعافي الاقتصاد العالمي". فالذي حدث أن خلافات واشنطن – بكين هي التي سيطرت على التحضيرات للقمة، وبعدها استحوذت على القمة نفسها، وهمشت ما لا يجب أن يُهَمش!. فالأولى تقول: إنكم تخفضون قيمة عملتكم (اليوان)، وتسببون الضرر لاقتصادنا بإغراقنا بمنتجاتكم، والثانية تقول: إنكم تطبعون الدولارات الأميركية بدون غطاء، وتتلاعبون بعملتكم لتنشيط اقتصادكم.

في ظل هذا "الردح الاقتصادي"، كيف يمكن لمجموعة تسيطر على 90 في المائة من الاقتصاد العالمي، أن تحقق خطوات مطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى، على صعيد تهدئة الاقتصاد العالمي، تمهيداً لتأسيس منظومة مستدامة له؟. كيف يمكن أن يتفرغ قادة العالم العشرون، إلى المسائل المصيرية؟. كيف يمكن للمجموعة القائدة، أن تحسم ( أو تُحَضِر للحسم) قضايا التنمية والفقر والفوضى المالية والاختلالات والفوائض التجارية؟. كيف يمكنها أن تقدم ما عجزت عن تقديمه مجموعة الثماني؟. فالقضية – رغم التصريحات "الجميلة"- ليست عالمية صرفة، بل ثنائية محضة. وهذا آخر ما يريده هذا العالم الذي لا يزال يبحث عن مخارج النجاة من الخراب الأكبر!. مرة أخرى كانت قرارات قمة سيول "تسويفية"، لا مستدامة. بل لم تكن مُلزمة بصورة فعلية لأي من الأطراف. وعلى هذا الأساس، يحق للعالم أن يبدي مخاوفه من المستقبل، ويحق له أن يقول للكبار: مهلاً.. نحن في أزمة، أنتم مفجروها. لا تواصلوا التفجير. أنتم تفجرون ما هو مُفَجَرٌ أصلاً!!.

كانت المملكة، أكثر دول المجموعة حرصاً على ترابطها، سلوكاً ومنهجية وسياسة اقتصادية شاملة.. لا فردية أو ثنائية أو "محاورية" – إن جاز التعبير - . وفي مجموعة تخص العالم، ولا تخص دولها فقط، حرصت الرياض على دورها المكمل، لا دورها "المُنقِص". وهذا أمر مطلوب من كل دولة فازت بمكانة لها في مجموعة العشرين. فعندما تفشل قمة – بهذا المستوى – في الاتفاق على آلية لكشف الاختلالات الكبرى بين الفوائض والعجوزات التجارية، يعني أن حرب العملات تقترب من الانفجار. الذي حدث أن القمة وجهت وزراء مالية المجموعة، بوضع ما سمي "إجراءات إرشادية" لكشف الاختلالات الكبيرة في الموازين التجارية التي تهدد استقرار الاقتصاد العالمي!. وعندما تُرحِل قضية فرض ضرائب على المعاملات المالية للمصارف والمؤسسات المالية الكبرى، للمساهمة في تغطية نفقات مواجهة الأزمة العالمية إلى القمة المقبلة، هذا يعني أن القضية أصبحت مطاطة، ربما تُرَحل من قمة فرنسا إلى قمم أخرى في المستقبل!. هذا دون أن نتحدث عما وصلت إليه الخطوات الرامية لتأسيس نظام اقتصادي عالمي جديد، لا يحتوي الخلافات والاختلافات والاختلالات والمآرب الفردية فحسب، بل يقي العالم من أزمات كبرى شبيهة بالأزمة العالمية.

لقد بدا واضحاً – قبل القمة وبعدها – أن هناك من يريد خطف المقود في مجموعة العشرين، لأسباب وطنية صرفة ( المآرب السياسية في صبها)، وهذا لوحده يضع المجموعة مستقبلاً، في مواجهة تهديد خطير، سينال منها ومن هامتها.. بل وهيبتها. فقد أثبتت التجارب التاريخية، أن الاستئثار في القيادة العالمية، لا يختلف عن استئثار أي ديكتاتور في دولة يحكمها، ويصنع القرارات وفق المزاج والفائدة الشخصية. لكن الأوقات تتغير. فـ " السائق" السابق للعربة العالمية، فقد الكثير من مهارات القيادة بما في ذلك قدرته على التحكم بها، إلى درجة أودى بها ومن فيها في واد سحيق، فشلت عمليات الإنقاذ في انتشالها، واكتشف العالم أن كل "بوالص التأمين"، لا يمكن أن تغطي الخسائر الناجمة عنها!.

الثلاثاء، 9 نوفمبر 2010

المهاجرون هم الحل أو بعضه

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")



" ينبغي أن تسترخي مع شيخوختك.. ماذا يمكنك أن تفعل؟! "
فيليستي كيندال ممثلة مسرحية وتلفزيونية بريطانية



محمد كركوتـي


في أوروبا أزمة تتشكل منذ نهاية سبعينات القرن الماضي، ستكون الأزمة الاقتصادية العالمية، مجرد "نزهة" أمامها. أزمة لا تنفع معها عمليات التحفيز والإنقاذ، لأنها مرتبطة بالاقتصاد والنمو الديموغرافي، أي أنها لا تخضع للمعايير الاقتصادية الصرفة، لكي تُوضع لها الخطط والبرامج المحددة والواضحة. إنها مرتبطة بـ "ثقافة" النمو السكاني، التي بدورها تستند إلى مفهوم كل فرد لها، لا المفهوم الموحد للمجتمع. ففي مجتمعات مفتوحة تكفل الاختيار الفردي التام – ومعه الحرية الفردية بالطبع - لايمكن بأي حال من الأحوال، لأي حكومة أن تفرض نسبة نمو سكاني، ولا معدلات محددة لعدد المواليد. وعلى الرغم من أن هذه الأزمة بدأت بالتشكل منذ ثلاثين عاماً تقريباً، غير أنها لا تُطرح بصورة واقعية وتحليلية عميقة، إلا في زمن الأزمات الاقتصادية. ففي النهاية، يستحيل تجريد النمو السكاني من روابطه الاقتصادية والتنموية. ولأن الأمر كذلك، فقد بدأت أوروبا بشكل خاص، والعالم الغربي بشكل عام، في إرسال التحذيرات من خطورة ما يمكن تسميته بـ " النمو الديموغرافي للمسنين" فيها. ومع بدء الحكومات الأوروبية في تنفيذ خطط تقشف تاريخية، في سبيل الخروج من الأزمة الاقتصادية العالمية، طُرحت هذه القضية بصورة قوية، لأن إحدى بنود هذه الخطط، تفرض رفعاً لسن التقاعد، لسد الثغرات بين متطلبات العمل والعاملين. فعلى سبيل المثال، تخوض الحكومة الفرنسية صراعاً مع النقابات والمؤسسات التي تُعنى بحقوق العمال والإنسان، لأن خطة التقشف التي وضعتها، رفعت سن التقاعد في البلاد من 60 إلى 62 سنة. والأمر كذلك في بعض الدول الأوروبية الأخرى. فقد وجدت حكومة الرئيس نيكولا ساركوزي، أنه لا مناص من الإقدام على هذه الخطوة، لأن الأمة الفرنسية – كبقية الأمم الأوروبية – تشيخ، ولأن معدل عمر الفرد، يرتفع بصورة كبيرة للغاية.

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، سادت أوروبا حالة يمكن تسميتها بـ "ازدهار الأطفال". كانت – ربما – بمنزلة تعويض ما، عن الضحايا الذين سقطوا في هذه الحرب، والذين يُقدر عددهم بحوالي 55 مليون إنسان ( بعض التقديرات تتجاوز هذا الرقم). لكن مع نهاية سبعينات القرن الماضي، بدأت هذه الحالة بالأفول، الأمر الذي أوجد موجة خطيرة من التغيرات السكانية في القارة كلها، سمتها مديرة معهد صندوق النقد الدولي ليزلي ليبتشيتس بـ " ظاهرة النمو الديموغرافي لدى فئة من المسنين"، واعتبرتها أخطر على الأوروبيين من الأزمة الاقتصادية العالمية نفسها!. فنسبة السكان العاملين، تتراجع مقارنة بنسبة المتقاعدين، وهذا يعني أن الإنفاق على المجتمعات العجوزة، تزداد بصورة كبيرة، في الوقت الذي تسعى فيه الحكومات الأوروبية (والغربية كلها)، لوقف نزيف الأزمة العالمية، من خلال مجموعة من الآليات، من بينها التشغيل الأمثل والأطول للعاملين. وطبقاً لصندوق النقد الدولي، فإن المجتمعات المسنة، ستُحدث آثاراً مخيفة، بحلول العام 2015، في أوج التحركات الحكومية الهادفة لإزالة آثار الأزمة. ولنا أن نعرف، أن عمر الأزمة العالمية، لن يقل عن عشر سنوات منذ انفجارها في العام 2008 !.

في دراسة استطلاعية مثيرة أجرتها المفوضية الأوروبية، أظهرت أن عدد البالغين من العمر 60 عاماً سيتضاعف بمعدل مليوني شخص كل عام في دول الاتحاد الأوروبي، خلال الـ 25 سنة المقبلة!. وطبقاً للدراسة نفسها، فإن أعمار الطبقة العمالة في أوروبا سيتباطأ بشدة، وستتوقف نمو هذه الطبقة بعد ست سنوات فقط، كما ستتناقص الطبقة العاملة بعد الست السنوات المقبلة، بمليون إلى مليون ونصف كل عام، وستتزايد شريحة الأعمار بين 65 و 79 بمعدل الضعف بحلول عام 2060، وسترتفع أعداد من ناهزوا الـ 80 عاماً وما فوق بثلاثة أضعاف!. إلى ماذا ستؤدي هذه التحولات؟.. ستؤدي إلى خروج الكثير من كبار السن من سوق العمل مما يضغط على موازنات دول الاتحاد الأوروبي، ويضيف عبئاً أكبر على كاهل الشباب أو الطبقة العاملة التي تواجه هي نفسها تناقصاً مستمراً!.

الجميع يعرف الحل لهذه الكارثة الاجتماعية – الاقتصادية، لكن أحداً لا يمكن أن يطرحه، كقرار أو كأمر أو كمرسوم. إنه ينحصر في زيادة الإنجاب في القارة الأوروبية، ورفع معدلات المواليد، لكي تتناسب في المستقبل مع عدد المسنين. وهذه قضية – مرة أخرى – شخصية، بينما لا تبدو في الأفق مؤشرات على رغبة الأوروبيين في الإنجاب "المطلوب". فقد سبق عزوف الأوروبيين عن الإنجاب " المُرضي" للحكومات، عزوف آخر عن الزواج. قبل عامين أصدر معهد "برلين" للسكان والتنمية، دراسة أظهرت أن عدد سكان الاتحاد الأوروبي سيقلون بواقع 52 مليون شخص إلى 447 مليونا بحلول العام 2050. وحددت الدراسة مناطق في بولندا وشرق ألمانيا وشمال اسبانيا وجنوب إيطاليا، وتوقعوا لها أن تصبح مهجورة تماماً!. وحسب التوقعات الإحصائية، فإن متوسط الإنجاب يبلغ 1.5 طفل لكل امرأة في الاتحاد الأوروبي، وهذا يعني أن كل جيل جديد سيكون أقل عدداً من سلفه بنسبة 25 في المائة. وبحلول عام 2050 فإن متوسط الأعمار في الاتحاد (المكون من 27 دولة) سيزيد 10 أعوام. فعلى سبيل المثال، تبلغ في إيطاليا نسبة كبار السن 19 في المائة من الحجم الكلي للسكان، وستصل – حسب الدراسات الإحصائية – إلى 28 في المائة بحلول العام 2030!. وفي سويسرا (خارج الاتحاد الأوروبي)، كان السكان هناك يعيشون في العام 1900 إلى سن 52 عاماً فقط، بينما تشير الدراسات إلى ارتفاع الفئة العمرية التي تتجاوز 81 عاماً بنسبة 25 في المائة في هذا البلد ما بين 2000 و2020. وقد يكون الوضع أسوأ في اليابان من أوروبا نفسها. فمع حلول العام 2015 سيكون ربع السكان من المسنين!.

مع هذا الواقع الخطير، لا مجال لـ " القومية أو الوطنية الاقتصادية"، وبالتأكيد لا مكان لـ "العنصرية الاقتصادية". أوروبا ( والغرب معها)، تحتاج إلى بشر عاملين، لا متقاعدين فقط. إلى من يُحرك، وليس مَنْ لا يتحرك. وفي عز الأزمة، طالبت مؤسسات كبرى في بريطانيا حكومة بلادها، بضرورة تخفيف قوانين جلب العمالة، لسد العجز الناجم في بعض القطاعات، بسبب نقص الكوادر الوطنية، وبفعل ازدياد عدد المتقاعدين في هذه القطاعات. وفي ألمانيا تلقت الحكومة فيها نفس المطالب. والخبراء الأوروبيون المستقلون، لا يجدون حلاً للتحولات الديموغرافية الخطيرة، إلا بالهجرة إلى أوروبا. فقد بات من الصعب الآن – ومن المستحيل في المستقبل – أن يكون هناك حراكاً اجتماعياً – اقتصادياً متكاملاً، في مجتمعات سيكون فيها ابن الخمسين "شاباً"، قياساً ببقية الشرائح العمرية بين 60 و85 سنة، وفي بعض المناطق بين 60 و90 سنة!. ولذلك فإن القوانين التي تسنها الحكومات الأوروبية للحد من الهجرة، ستنقلب عليها في المستقبل.

ليس مطلوباً من الحكومات أن تفتح أبواب أوروبا على مصراعيها للمهاجرين، على الأقل في هذا الوقت بالذات. المطلوب، أن تقوم بموازنة الهجرة مع متطلبات سوق العمل أولاً،و وخصوصاً تقاعد الكوادر، وأن يزيد من حجم جهودها في تكريس "إشراك" المهاجرين، لأن هؤلاء يفضلون عادة الانطواء على ذاتهم وعلى جالياتهم. وإذا استطاعت الحكومات الأوروبية أن تأتي بالعمالة الماهرة المطلوبة – ولنسمها عمالة الإحلال - فإنها ستختصر الطريق نحو "الإشراك". فالأعداد المطلوبة من المهاجرين الشرعيين - لكي تحقق شيئاً من التوازن الديموغرافي - يجب أن تحظى بتسامح شعبي – قبل الحكومي – وهو أمر غائب عن الساحة، خصوصاً وأن الأزمة الاقتصادية العالمية، نشرت – من ضمن ما نشرت – موجات من الشكوك، ليس حيال المهاجرين فحسب، بل بين الأوروبيين أنفسهم. لقد ضربت التسامح في مقتل!.

الاثنين، 1 نوفمبر 2010

خائفون من ضرائب هزيلة تسند أمماً!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")

" نحن نصنع العيش بما نحصل عليه، ونصنع الحياة بما نقدمه "
ونستون تشرتشل رئيس وزراء بريطانيا الراحل



محمد كركوتـي

قبل أن يُسلِم الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، بلاده التي نكبها اقتصادياً - وسياسياً طبعاً - إلى خليفته باراك أوباما، كان يهرب بطرق مُريعة من الأسئلة الخاصة بمساعدات الولايات المتحدة الأميركية للدول الفقيرة، وتحديداً تدني هذه المساعدات على مدى ثماني سنوات من حكمه للبلاد. وأحسب أنه كان يتهرب من الإجابة لسببين، الأول، أنه لم يكن يجيد الإجابة على أي شيء، والثاني، أنه كان - ومعه أركان إدارته - يفشلون في تبرير تراجع حجم المساعدات الأميركية بصورة تاريخية في فترته الرئاسية. ففي الفترة بين العامين 2000 و2008، تراجعت هذه المساعدات إلى النصف، وكانت هذه المسألة في الواقع، خارج الأجندة الرسمية. ولو تمكن بوش ومعه "ذئاب" إدارته، أن يوفقوا المساعدات لأوقفوها، بل لو استطاع ومعه " الذئاب" أنفسهم أن يسترجعوا ما قدمته بلادهم للدول الفقيرة، لفعلوا!. كانت إدارته - على عكس إدارة كلينتون التي سبقتها - ترى في المساعدات مجرد ضريبة مقيتة، ولا تجد فيها التزام لدولة كبرى، فرضته المعايير الإنسانية والسياسية أيضاً. كانت إدارة صغيرة المقام، تعمل على تصغير بلادها معها. لم تكن تعلم، أن قيمة الكبير ليست في حجمه فقط، بل في هامته الإنسانية والأخلاقية، وقبل هذا وذاك.. في مسؤولياته التاريخية.

وقعت الأزمة الاقتصادية العالمية، ووقعت معها – كبقية القضايا المصيرية الأخرى – المساعدات التي تمثل "الأوكسجين" الناقص للدول الفقيرة. كل الدول المانحة، انطلقت في حديث لا يتوقف عن أوضاعها الاقتصادية المتردية، بما في ذلك توقف النمو، والبطالة، وخفض الإنفاق العالم، وبالطبع الديون الحكومية (السيادية). فالأموال شحت، وبالتالي فإنها ستنعكس بصورة مباشرة على المساعدات والمنح الخارجية. وأخذ المانحون - في ترديد غير مباشر- للمقولة المصرية الشعبية الشهيرة "ما يحتاجه البيت، يحرم على الجامع". وبصرف النظر عما يقولونه – وهو صحيح – غير أنه لا ينطبق على دول، أخذت " مقاليد الحكم" الاقتصادي، لفترة بلغت سبعة عقود من الزمن، ولا يسري على الكبار، إذا ما أرادوا أن يظلوا كباراً. هناك أزمة تاريخية كارثية بلاشك، تسبب بها الكبار .. لا الصغار، وستستفحل هذه الأزمة، إذا لم يف المانحون بوعودهم والتزاماتهم في مسألة المساعدات، لأن تداعيات الأزمة الكبرى، أكبر بكثير من قوة انفجارها. فالانفجار ينتهي في وقته ومكانه، لكن أثاره تبدو بلا نهاية، وبلا مساحة جغرافية محددة. وربما ينفع الدول المانحة، أن أذكرهم بما قاله العالم الفيزيائي الشهير ألبرت أينشتاين " إن قيمة الإنسان بعطائه، لا بقدرته على الأخذ".

مع تواصل الأزمة الاقتصادية بأشكالها المختلفة، تعرضت كل البرامج التنموية العالمية في الدول الفقيرة، بما في ذلك برنامج " أهداف الألفية"، الذي أطلقته الأمم المتحدة في العام 2000، من أجل خفض معدلات الفقر والجوع والمرض في الدول النامية. والسبب الرئيسي، هو تقاعس المانحين عن الإيفاء بتعهداتهم، واحترام التزاماتهم. البنك الدولي يبحث عن الأموال، ولا يجدها، ويحاول بشتى الوسائل الوصول إلى حلول وسط – لا حلول ناجعة – من أجل استمرار برامجه بصورة تستحق توصيفها كبرامج. وهذه المؤسسة الدولية المرتعدة من شح الأموال، تعترف بأن حملتها لجمع الأموال لمساعدة الفقراء في العالم تتطلب "قوة دفع مستمرة"، نظراً لتخفيضات الموازنات في الدول المانحة الغنية. فعلى سبيل المثال، انخفض نصيب أفريقيا من المساعدات العالمية للتنمية، من أكثر من 40 في المائة في العام 1990 إلى ما بين 30 و35 في المائة منذ العام 2000. إضافة إلى ذلك، ارتفعت نسبة الفقراء الذين يعيشون في القارة السمراء، ويتوقع أن تصل إلى نحو 40 في المائة في العام 2015.

إن الموارد التي يسعى البنك لتوفيرها من الدول الأعضاء فيه، تخص هيئة التنمية الدولية التابعة له، توفر المنح وقروض التنمية منخفضة الفائدة لـ79 دولة، من الدول الأشد فقراً في العالم، أي أنها ليست هبات. وطبقاً لرئيس البنك الدولي روبرت زوليك، فإن الجهود المبذولة حالياً لجمع الأموال الضرورية، يمكن أن تساعد على حماية 200 مليون طفل إضافي، وأن تشمل خدمات الرعاية الصحية أكثر من 30 مليون شخص إضافي، وأن تساعد على مد طرق يبلغ إجمالي طولها 80 ألف كيلو متر، وأيضاً يمكن لهذه الأموال – وهذه نقطة مهمة جداً- أن تدرب وتوظف مليوني مُدرس جديد. لكن هذا يبقى كلاماً، ويمنح البنك نفس الصفة التي مُنحت لصندوق النقد الدولي، بأنه يحدث كثيراً، ولكن أحداً لا يستمع لحديثه. فكيف يمكن أن يحصل البنك الدولي على 140 مليار دولار أميركي، تعهد بتوفيرها منذ عام انفجار الأزمة في 2008، بينما يُحب المانحون حالياً، أن يُكرسوا صفة " المساكين" عليهم؟!. وكيف يمكن لبرامج التنمية العالمية الكبرى، أن تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، بينما لا يعرف أحد مصير عمليات التمويل؟!. هل يمكن للمؤسسات الدولية المعنية، أن "تخترع" مصادر تمويل جديدة، غير التقليدية؟!. إنها مجموعة من الأسئلة، تحتاج إلى أجوبة فورية، لأن التأخر في برامج التنمية ( هي في الواقع برامج أقرب إلى عمليات إنقاذ منها إلى أي شيء آخر)، يعني أن هناك كارثة جديدة على الناصية، ومصيبة أخرى على عتبة الباب، وأزمة من نوع آخر في محيط الدائرة.

هناك مشاريع حلول، إلا أن البنك وصندوق النقد الدوليين، يستبعدانها لأنها تتطلب وقتاً لا يمكن للعالم أن يتحمله. لكن إذا أرادت الدول الكبرى أن تأخذ بها بالفعل وبصدق، يمكن أن تساند الجهود الدولية في "عمليات الإنقاذ" الإنسانية. والحقيقة أن هذا الحل طُرح قبل عام تقريباً، أي أنه ليس جديداً، وأن الأزمة تكمن في تردد الدول الكبرى في قبوله. فقد اقتُرح سابقاً، فرض ضريبة على المعاملات المالية ( المصرفية)، وحسب مؤسسات التنمية، فإن فرص ضرائب بنسبة 0.005 في المائة فقط لا غير، على المعاملات التي تجري بالدولار الأميركي واليورو والين الياباني والجنيه الإسترليني، ستوفر ما لا يقل عن 30 مليار دولار أميركي. والحقيقة.. يمكن اعتبار هذه الضرائب، نوعاً من أنواع التعويض التي يستحقها العالم، من أداء المصارف المشين ( على مدى أكثر من عقدين من الزمن)، الذي حضَر الأزمة العالمية وفجرها. لماذا الخوف من فرض هذه الضرائب؟ بينما تلقت غالبية المصارف المشينة مساعدات، وحظيت بعمليات إنقاذ حكومية، بأموال خرافية الحجم حقاً!. هل تخشى الحكومات من مؤسسات مالية، هي في الواقع تعمل تحت مظلتها، وأُنقذت بأموال دافعي الضرائب؟!.

لن تُشكل ضرائب بنسبة هزيلة كـ 0.005 في المائة، أي ضغط أو عبء على كاهل المصارف، في الوقت الذي يمكنها أن تصنع " العجائب" على صعيد الدول الفقيرة، وفي مجال برامج التنمية التي وافقت عليها وتحمست لها الدول الكبرى. إنها ضريبة مستحقة، على الأقل من جهة تكفير المصارف والمؤسسات المالية الكبرى، عن " ذنبها الاقتصادي" حيال العالم أجمع. كما أن للدول الكبرى، مسؤولية عالمية إذا ما أرادت أن تحتفظ بهامتها، شكلاً ومضموناً. فلا يمكن أن يتساوى "التودد" إلى مصرف أو مؤسسة، مع قضية توفير مياه للشرب - لا للاستحمام - في دولة (أو مجتمع) تصل فيها قيمة الأمطار إلى ثمن الألماس! وتستحيل المقارنة بين فقدان الدواء لعلاج مرضى الإيدز - مثلاً - في دولة ما، وبين تراجع أرباح المصارف!.

إنها قضية تتجاوز المؤسسات – مهما كبرت – لأنها ترتبط بالأمم مهما صغرت.

الاثنين، 25 أكتوبر 2010

هل من عِبر لعلم في الكَبر؟

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")









" عندما تفشل في التحضير.. أنت تحضر للفشل"
بنجامين فرانكلين مؤلف ورجل دولة أميركي

 
 
محمد كركوتـي
 
 
على مدى عقود طويلة من الزمن، كان الغرب يفخر بدوره كمُعلم لهذا العالم وموجه له. كان الغربيون يعيشون متعة "الأستذة"، بكل وسائلها وطقوسها التعليمية. كانوا يرفعون "عصا الأستاذ" في وجه تلاميذه، لاسيما أولئك المشاغبين، أو الذين أرادوا أن يُثبتوا أن البديهيات المعمول بها في العالم، ليست من تلك الطبيعية، لكي تُقبل دون حوار، وليست بديهيات مقدسة غير قابلة للنقاش. كان هؤلاء (الخارجون عن التقليد) يريدون دوراً ليس في "الأستذة"، بل في المشاركة الحوارية المنطقية، بين الأستاذ والطالب، أو بين المعلم والتلميذ. نجح الغربيون في مناح كثيرة، وأضافوا بالفعل لهذا العالم ما كان يحتاجه، واستطاعوا أن يؤسسوا ( ويتسيدوا) علوماً، ما كان لغيرهم القدرة عليها. كانوا يعملون بكل قدراتهم، ليس فقط للابتكار، بل أيضاً ليواصلوا إحساسهم (المستحق) بمتعة التميز، والمتعة الأخرى التي يجرها، وهي “الأستذة". استحق الغربيون هذه الصفة، عن جدارة – بلاشك – لأنهم صنعوا للعمل قداسة، ومعها "الفراسة"، وأنفقوا كثيراً من أجل ابتكارات تخصهم وتخص العالم معهم. ومهما كانت "عنجهية" مشاعر "الأستذة"، فهي لا تُلغي فوائد هذه الأخيرة، خصوصاً إذا ماكانت عامة وقبل ذلك إنسانية.

لكن "الأستذة" الغربية، وإن سادت العالم وقدمت له الكثير من الإنجازات التاريخية، إلا أنها لم تكن على قدر سمعتها وهيبتها ومكانتها ومقامها، في المجال الاقتصادي المستدام. فقد أسست – بعد الحرب العالمية الثانية - لنظام اقتصادي مضطرب أحياناً، وهش في أحيان أخرى، وفوضوي في بعض الأحيان. وقبل هذا وذاك، كان نظاماً اقتصادياً يعاني من فقدان المناعة. فلا ازدهار مضمون دائماً، ولا نمو متوازن مستمر، ولا استقرار له صفة الديمومة. وعلى الرغم من ذلك، تشبث "الأستاذ" بمعايير نظريته الاقتصادية، وحوَلها إلى بديهيات مقدسة، رغم أنها مصطنعة، وكان يقاوم النيل منها بكل أشكاله ( انتقاداً أو دحضاً أو رفضاً)، مُدعياً أنه يعرف المصلحة العالمية، وأنه يعرف الحقيقة كـ "أخ أكبر". وكأن الغرب أراد من خلال هذا السلوك، أن يُصادق على نبوءة الأديب البريطاني الشهير جورج أورويل، الذي أوردها في روايته "1984"، والتي كتبها في العام 1948، بأن "الأخ الأكبر – يقصد الأنظمة الكبرى- يراقبك، وهو يعرف مصلحتك أكثر منك"!.

بعد الأزمة الاقتصادية العالمية انقلب المشهد، بعدما قلبت كل شيء في هذا العالم، وأوجدت معايير، كانت ( قبل ثلاث سنوات) تدخل في خانة المستحيلات. فالمُعلم انسحب من أمام "السبورة"، ليجلس في مقاعد التلاميذ!. وسلَم عصا "الأستاذية" لهم ومعها "الطباشير". لم يعد لديه ما "يتأستذ " به، بعد سبعة عقود فاصلة بين الحرب الثانية والأزمة العالمية، شهد خلال العالم سبعة انهيارات اقتصادية، أي انهيار واحد في كل عقد من الزمن!. وعندما يتحول المُعلم إلى تلميذ، ينبغي مراجعة كل ما قدمه هذا المُعلم لتلاميذه، ويجب مراجعة كل المُسلمات التي أدخلها عنوة في عقولهم. وهذه الحالة لا ينطبق عليها مقولة "أن التلميذ تفوق على مُعلمه"، بل " أن التلميذ حدد أخطاء مُعلمه وكشفها"، ولو بعد سنوات طويلة، من علوم اقتصادية، هي في الواقع، سلوك اقتصادي غير راشد. سلوك كان الوهم في صلبه.. لكي لا نقول غير ذلك!. فقد أثبت الغرب صحة مقولة لـ ألان لاكين المؤلف الأميركي المتخصص بشؤون الإدارة، مشابهة لمقولة بنجامين فرانكلين " أن الفشل في وضع خطة، هو خطة للفشل".

في ظل هذا التحول التاريخي الجديد، تحولت الدول الناشئة إلى "مُدرس" للاقتصاد، لمن؟ للدول الغنية الراسخة، وتحديداً الدول الغربية!. وتحت ضربات الأزمة الاقتصادية العالمية، أدركت الدول الغربية الثرية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، أن لدى دول كالصين والبرازيل والهند، ودول أخرى ذات اقتصادات سريعة النمو، ما يمكن أن تتعلمه في مجال اجتياز الأزمة بمصائبها وتبعاتها التي لا تنتهي. فقد عرف الغرب الذي انطلقت منه الأزمة الكبرى، أنه عاجز عن حلها، بالمعايير التي كانت سائدة قبلها، في الوقت الذي يرى فيه ( وبصورة يومية)، كيف يتحول الاقتصاد العالمي من جهة الغرب إلى جهة الشرق، وكيف استطاعت دول ( فتية وفق المفهوم القديم)، أن تقفز بخطوات واسعة، باتجاه الخروج من الأزمة. واعترف بعض الغربيين العادلين، أن من حق دول الأسواق الناشئة – إن جاز التعبير – أن تحظى بمكانة توازي، ليس فقط قوتها المتعاظمة، بل أيضاً خبرتها في التعاطي مع الأزمات. وهذه لوحدها ينبغي أن تكون بمثابة ميزة أساسية، لكي تكون لهذه الدول كلمتها المسموعة في المنظمات والتجمعات الدولية المختلفة، وفي مقدمتها "مجموعة العشرين" و "صندوق النقد الدولي"، بالإضافة طبعاً إلى أهمية أن يكون لها منبر، تقدم من فوقه خبراتها لتلك الدول التي لا تزال "ألعوبة" للأزمة وتداعياتها.

لا مجال للكبرياء الغربي هنا، ولا ومكان لـ "اجترار" ماض اقتصادي أليم، ولا وقت لمراجعة معايير اقتصادية عالمية قديمة، لم تعد صالحة للمستقبل، كما لم تكن صالحة في الماضي أيضاً. الأمر الجيد هنا، أن الحكومات الغربية من الضعف بحيث لا يمكنها أن تتعالى، ولا تستطيع أن تُكابر. يكفي عليها أن تستعرض استفحال ديونها، وانعكاساتها على مصداقيتها، لكن تنضم إلى "الصفوف الدراسية" الاقتصادية الجديدة، ولكي تتعلم من تجارب الدول الناشئة، بعد أن كانت تصنعها. والشيء الجيد الآخر، أن نسبة المعترفين الغربيين بـ " خطايا" الغرب الاقتصادية، تزداد حتى في معاقل اليمين، الذي كان يتعالى في السابق، بنظام اقتصادي، ترك الأسواق تهيم على وجهها بممارسات مشينة. ماذا حدث؟.. أكل النظام أسواقه"!!. فقد ظهر ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا، ومعه رئيس فرنسا نيكولا ساركوزي، ومستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل، (جميعهم من اليمين المحافظ)، كـ "ثوريين" اقتصاديين!. جنحوا إلى المجتمع، الذين وجدوا فيه الملاذ الطبيعي الآمن لهم.

للمؤسسات الدولية كبرى دور أساسي في توفير "المدارس" الاقتصادية للغرب. ويمكنها أن تقوم فعلاً بخطوات عملية في هذا الاتجاه، ليس لفائدة الدول الناشئة، بل لمصلحة الدول الغربية الهائمة على وجهها. وبوسع صندوق النقد الدولي ( يضم 187 دولة)، أن يكون "المدرسة" المثالية، شرط أن يتخلى الغربيون عن تمسكهم بقوتهم التقليدية، التي لم تعد تنفع فيه. يضاف إلى ذلك، أن متطلبات مواجهة الأزمة، لا ترتكز فقط على إعطاء الدروس المفيدة للغربيين، بل تقوم أيضاً على العمل الجماعي، لا المحلي ولا الوطني، وعلى ضرورة مراجعة صارمة للاقتصادات العالمية – لاسيما الغربية منها– لكي لا تفلت من التدقيق. فقد اكتسب صندوق النقد على مدى ستة عقود، سمعة لا تليق به، وهي أنه يتحدث بصوت عال، لكنه لا يملك السلطة لإجبار الدول على الأخذ بنصائحه أو دروسه. الصورة تغيرت الآن، وأصبح هناك مدرسون عمليون لا نظريين. ما يحتاجونه فقط هو "صف دراسي"، لا يقدمون نظريات "مفذلكة" فيه، بل يعرضون تجارب واقعية للنجاح، على الأستاذة السابقين. وأفضل طريقة لتحقيق الأهداف، هي أن يكون صندوق النقد الدولي، هو " ولي أمر" التلاميذ الجدد، فقد كان هؤلاء بلا " أولياء أمور" على عقود من الزمن، ولم يكن هناك من يُعاقِب!.

الثلاثاء، 19 أكتوبر 2010

المخابرات الاقتصادية

( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")









" كل إنسان محاط بجيران يتطوعون للتجسس عليه"
جين أوستن أديبة بريطانية




محمد كركوتـي


رغم أن الوقت ليس وقتها، فهي موجودة. ورغم أنها تسبب وبالاً لا حصر لتداعياته، فهي حاضرة على الساحة العالمية. ورغم أنها يجب أن تكون خارج "اللعبة"، وخارج الحراك الاقتصادي الهش، فهي آخذة بالازدهار والانتشار في كل الأرجاء، وتتخذ أشكالاً مختلفة، ولكن بهدف واحد محدد. إنها آفة في أوقات النمو، ومصيبة في أزمنة المحن والكوارث. إنها ليست جديدة على الساحة، بل قديمة قِدم الاقتصاد نفسه، واستمرارها وتجددها، لا يعرض الاقتصاد العالمي إلى الخسائر (الخسائر أحاطت به من كل جانب، وأصابت كل قطاع فيه)، ولكن يصيب التحرك الدولي، لتأسيس منظومة اقتصادية خالية من الشوائب و"الجراثيم"، في مقتل، أو على الأقل، يُبطئ الخطوات باتجاه الوصول إلى مثل هذه المنظومة التي يحتاج العالم وجودها، بأسرع وقت ممكن، وبأعلى درجات الشفافية والنزاهة، وبأقل قدر من المكاسب المحلية الآنية. فقد نال الاقتصاد العالمي ما يكفي من المصائب، نتيجة لممارسات تعاطت مع النزاهة كـ "مرض"، وأساليب كانت النزاهة معها، مجرد شوائب تم التخلص منها بقوة، وأفكار هدامة كانت على مدى سنوات طويلة، محل تقديس!.

إن المرض المتجدد، ليس سوى ما يمكن تسميته بـ "المخابرات الاقتصادية"، أو " التجسس الاقتصادي"، بكل قطاعاته وميادينه. إنه مرض كان ينبغي أن ينتهي مع انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، لأنها – وإن جلبت المصائب – فقد أتت بمحفزات جديدة، في مقدمتها، ضرورة التعاون الدولي للوقوف بوجهها، والتخلص من آثارها، والقضاء على "الثقافة" التي ولدتها، وقبل هذا وذاك، إنشاء نظام اقتصادي جديد، لن تستوي أحوال العالم يستكمل بناؤه، ولن تتوقف المصائب المتوقعة بعيداً عنه، ولن نشهد أياماً مزدهرة، إذا ما ظل خارج الساحة. نحن نعلم أنه في كل أزمة، هناك أشياء إيجابية ليست كثيرة، ولكنها كافية – على الأقل – لتمنح الواقعين فيها مساحة لمعالجتها (ومراجعة ما كان من أجل مستقبل أفضل سيكون)، لكي لا نقول: مواجهتها. ومعالجة هذه الأزمة بالذات، لن تحقق النجاح، إذا لم يتم التخلص نهائياً من "السلوك الاقتصادي" المشين، الذي صبغ العالم بصبغته لمدة تزيد عن عقدين من الزمن، وكان نتاجاً طبيعياً لمبادئ ما بعد الحرب العالمية الثانية، بظلمها وفوضويتها وتسيبها.. وحتى "فجورها".

إن "المخابرات الاقتصادية" ليست حكراً على طرف دون الآخر. فالكل مارسها ويمارسها، وإن بدرجات متفاوتة، وآليات متباينة القوة، وسلوكيات مختلفة. فالغرب يمارسها والشرق أيضاً. والمؤسسات الكبرى والصغرى تمارسها أيضاً. هذه " المخابرات"، أفرزت – بصورة طبيعية – عمليات تجسس نالت من كل شيء، تجارياً وصناعياً وخدماتياً وسوقياً، وبالطبع مصرفياً. فجواسيس الحروب والنزاعات العسكرية، ليسوا لوحدهم الآن، تماماً مثلما لم يكونوا لوحدهم في السابق. فزملائهم الاقتصاديون ينشروا على الساحة. وكما للمخابرات التقليدية فروع وأقسام، لـ "المخابرات الاقتصادية" شركات ومؤسسات، تقدم خدماتها لمن يدفع، بصرف النظر عن شرعية جلب "المنتج" الاستخباراتي!. فالعاملون – الجواسيس – فيها، لا يعتبرون عملهم مشين أو غير شرعي. بل هناك – في الولايات المتحدة الأميركية – من تحدث علناً، بأن ما يقوم به، هو واجب وطني، للدفاع عن "المصالح الاقتصادية" لبلاده!. فقد استوى عنده التجسس بهدف الأمن القومي، مع التجسس بهدف تدمير شركة أو مؤسسة، أو على الأقل سرقة معلومات تشكل أساساً لإنتاج هذه الشركة أو تلك!. وقد توازت عنده أيضاً، معايير التنافسية القائمة على الإبداع والابتكار وبالتالي النجاح، وسرقة الآخرين من أجل خوض التنافسية!. لا مكان للأخلاق هنا. إنها قضية أصغر من أن تحظى بأدنى اهتمام!.

والحقيقة أن المخابرات التقليدية في الدول المتقدمة والناشئة، انضمت هي الأخرى إلى زميلاتها "الاقتصادية"، تحت المسمى العريض والفضفاض والهلامي، وهو " الأمن القومي"!. ولا نعرف – في هذا العالم السري – من يعطي الدروس لمن؟. المعروف أن الأدوات الاستخباراتية، قد تختلف بعض الشيء، لكن في النهاية تصل أو تقترب من الهدف المشين نفسه. قبل الأزمة الاقتصادية العالمية، كانت المخابرات الألمانية واضحة حين نشرت تقريراً، عن التجسس الاقتصادي الهادف إلى جمع المعلومات التكنولوجية والعلمية والابتكارية، أكدت فيه وجود مئات من الجواسيس الإسرائيليين والصينيين والأميركيين والسلوفاك والتشيك والبولنديين وغيرهم، فضلاً عن جواسيس (عملاء) لأجهزة المخابرات الغربية كلها، منتشرين في كل الدول المتقدمة منها والنامية. وطبقاً لهذا التقرير، فإن الكل يتجسس على الكل، في جميع المجالات الاقتصادية، بما في ذلك، الأسواق القديمة، وفتح أسواق أخرى جديدة!. وفي العام 1993، جاء في تقرير للأمن القومي الكندي، أن الأسرار العلمية والأبحاث التقنية الكندية، التي استغرق إعدادها سنوات، وكلفت أموالاً طائلة، سُرقت ونُقلت إلى شركات ومصانع خارج البلاد. واستناداً إلى التقرير نفسه، فجواسيس الاقتصاد في 25 دولة على الأقل، يقودون حرباً خفية ومدمرة، دون أن يهتموا بأدنى معايير النزاهة الاقتصادية!.

والمصيبة التي تواجه العالم الآن، أن هذه الحرب لم تتوقف في أعقاب الأزمة، التي يُفترض أن تكون هدفاً لحرب عالمياً شاملة، يشترك فيها القوي والضعيف. ويقول ألستر نيوتون المسؤول السابق لـ " الحرب الإلكترونية" في وزارة الخارجية البريطانية: " مادامت التكنولوجيا متاحة، فمن الإنصاف القول إن الحكومات استخدمتها على الأقل أحياناً لأغراض تجارية. في الماضي اتهم الفرنسيون البريطانيين بالتجسس على صناعتهم الدفاعية والعكس صحيح. وكانت اتهاماتهما مبررة". وقد اعتاد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون على الإعلان في بعض المناسبات، بأنه يجب على الدبلوماسيين البريطانيين أن يقوموا بالمزيد من الجهد، من أجل الترويج لأنشطة الأعمال البريطانية في الخارج، لكنه – بالتأكيد - لم يكن – ولن يكون – واضحاً حول ما إذا كان ذلك يعني، أن على الجواسيس البريطانيين أن يقوموا بنفس المهمة.

وبعيداً عن الاشتباه التاريخي – والحالي أيضاً – للدول الأوروبية تجاه الشبكة البريطانية – الأميركية أو "الأنجلو سكسونية"، بأن هذه الأخيرة قد تستخدم أحياناً ضدها. وبعيداً أيضاً عن فحوى تقرير برلماني أوروبي خطيرة صدر في العام 2000، وتحدث عن شبكة عالمية قوية تابعة لواشنطن ولندن، مخصصة لرصد إشارات المخابرات، من أجل التجسس الصناعي، فإن العالم لن يخرج من أزمته الراهنة، إذا ما استمر هذا السلوك المريع والمشين. كيف يمكن لـ "متضامنين" في حرب واحدة ضد "عدو" محدد ومعروف، أن يتجسسوا على بعضهم البعض؟!. كيف يمكن لهؤلاء، أن يتفقوا على منهجية اقتصادية عالمية جديدة، تقي دولهم والعالم ومعها، من أزمات كبرى مقبلة، إذا ما ظل التوجس بينهم قائم؟!. وهل ينجح حليفان في تحقيق أهدافهما، إذا ما كانت الريبة هي التي تسود العلاقات بينهما؟!.

يقول بيتر رايت رجل المخابرات البريطاني السابق، وصاحب الكتاب الشهير "صياد الجواسيس" الذي نشره في منتصف ثمانيات القرن الماضي، ومنعته حكومة مارجريت تاتشر من التوزيع في بريطانيا: "عندما أردت الانضمام للعمل كجاسوس لصالح المخابرات البريطانية، قيل لي عليك أن تتجرد من أخلاقك، إن وجدت لديك". ولمن نسي، فقد كان غياب الأخلاق، العامل الأكبر في انفجار أزمة صرعت العالم أجمع.


الثلاثاء، 12 أكتوبر 2010

الاقتصاد العالمي.. إلى الشرق دُر

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")








" القوة ليست فقط ما تملك.. ولكن ما يعتقد العدو أنك تملك"
ساول ألينسكي كاتب وناشط اجتماعي أميركي



محمد كركوتـي


يجري في هذا العالم تحول تاريخي، لا يقل أهمية عن التحولات التاريخية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ولن يقل أثراً عنها. تحول، كان قبل ثلاثة أعوام فقط، أقرب إلى الدراما غير الواقعية، وإلى قصة بالغ كاتبها في تقدير الأشياء، وفي إعطاء أبطالها أكثر مما يستحقون. فقد أثبتت الأزمة الاقتصادية العالمية ( بالإضافة إلى مصائبها التي باتت معروفة)، أنها مُولِد مرتفع "الإنتاج" للتحولات التاريخية.. لا الآنية، وللتبعات القاسية ( بل والقاضية أحياناً).. لا العابرة أو "اللطيفة". فمن كان قبلها كبيراً، لم يعد كذلك، ومن كان صغيراً، بات يقف جنباً إلى جنب من كانوا كباراً، أو من تصدعت عظمتهم. بل أصبح جزءاً أصيلاً، ليس فقط في الحراك الاقتصادي العالمي، بل في رسم اللوحة النهائية المقبلة لهذا الاقتصاد. كانت أوروبا والولايات المتحدة الأميركية قبل الأزمة، سيدتا صنع القرار الاقتصادي ( والسياسي) العالمي، وأصبحتا بعدها، مشاركتان ( قويتان بالطبع) في عملية الصنع هذه. ورغم الظلم في أن صنع القرار الكامل، كان في أيدي دول الغرب في أزمنة الازدهار أو الانتعاش أو الطفرة، ولم يكن للدول الأخرى دور يُذكر، إلا أن الأزمة فرضت عملية تصحيح في هذه "الصناعة"، وإن دمرت الصناعات الأخرى. فنحن نعلم، أن الأزمات تحمل معاول الإصلاح، تماماً كما تحمل آليات التدمير. وكلما كانت تاريخية، كلما كانت التحولات التي "تُنتجها" بحجم تاريخيتها. وهل من أزمة أخرى، يمكن أن توازي الأزمة الحالية، في استحقاقاتها التاريخية، وتبعاتها المستقبلية، وهمومها الآنية؟!.

باتت السرعة التي يخرج بها اقتصاد ما في هذا العالم من مطبات الأزمة، مؤشراً واضحاً لمدى قوة هذا الاقتصاد، وقابليته على الاستدامة، ومرونته في أوقات المحن والمصاعب. وعلى العكس تماماً أصبح البطء في خروج اقتصاد آخر منها، علامة أكثر من واضحة، على أنه ليس ضعيفاً فحسب، بل يعاني "موروثات" اقتصادية، كانت حتى وقت قريب، جزءاً أساسياً من عظمته. فما كان ينفع قبل الأزمة، أصبح حِملاً ثقيلاً بعدها. وعندما يكون "الحامل" هشاً، لنا أن نتخيل فداحة هذا الحِمل، ومدى ضرورة التخلص منه، بأسرع وقت ممكن. فالأزمة كانت أسرع من كل آليات صدها، وأقوى من كل الدفاعات الموجودة على الأرض. فهي من تلك التي تُخرب من دون رحمة، وتدمر من دون أن تترك معولاً واحداً لإعادة البناء. وقد اعترف المخربون الاقتصاديون أنفسهم، بأنهم لم يتوقعوا أزمة، يمكن أن تُحدث مثل هذا الدمار. لا عجب، فهؤلاء لم يكونوا يتوقعونها أصلاً، وكانوا يعيشون في وهْم نمو اقتصادي، لا يأتي إلا في الأحلام.

التحول التاريخي الذي "أنتجته" الأزمة، ليس أقل من تحول ميزان القوى من الغرب إلى الشرق، وتحديداً من أوروبا إلى آسيا. أي من معقل صنع القرار الاقتصادي، إلى معقل صنع الاقتصاد. ولأن القوة باتت تحسب بالقدرة على الخروج من الأزمة الاقتصادية، لا بالتاريخ الاقتصادي، ولا بمعايير اتفاقيات "بريتون وودز" التي أُطلقت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والتي دمغت اقتصاد العالم بختمها، فقد تعافت اقتصادات القارة الآسيوية بسرعة، في حين لا تزال دول الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة، تعيش معاناة تبدو طويلة، من ارتفاع العجز في موازناتها، وازدياد البطالة، وانخفاض معدلات النمو. وقبل أربع سنوات فقط، كانت دول الغرب تحب أن تقوم بدور "الحكيم والمرشد" للدول الآسيوية، خصوصاً بعد انهيار ما كان يسمى بـ " اقتصادات النمور الآسيوية"، إلا أنها ( بعد الأزمة) "تقاعدت" عن القيام بهذا الدور. كيف لها أن تستمر بدورها، وهي غارقة في بحار من المشاكل الاقتصادية، إلى درجة هددت بانهاير بعض الدول فيها، تحت وقع الديون الحكومية (السيادية) والفوضى الاقتصادية، والهشاشة الشعبية لحكوماتها، وفقدان بوصلة الخلاص الاقتصادي؟!.

ما كان يُصنف تحت بند المفارقات، لم يعد كذلك الآن، وما كان من المستحيلات، أضحى وراداً. وتكفي الإشارة هنا، إلى أن رئيس الوزراء الصيني وين جياباو، تعهد للمسؤولين اليونانيين الذين يعشون أسوأ أيامهم السياسية والاقتصادية والشعبية أيضاً، بأن تقدم بلاده المساعدة لهم، وأن بكين سوف تشتري سندات اليونان، فور طرحها في السوق. وهذا الرجل القادم من جهة الشرق، لم يكتف بهذا التعهد، بل بات يقدم "المحاضرات" للدول الغربية، في كيفية مواجهة أزماتها الاقتصادية. إنه يتحدث من موقع القوة التي اكتسبتها بلاده من جراء نجاح مواجهاتها لتداعيات الأزمة العالمية، ومن آليات اقتصادية، لم تكن موجودة قبلها. لقد بلغ الأمر حداً، دفع المسؤولين الأوروبيين، إلى التوسل لنظرائهم الصينيين، بأن يساعدوهم، عن طريق تشديد قبضتهم على العملة الصينية اليوان. لماذا؟ لأنها تخفيف القبضة تؤثر بصورة سلبية على الاقتصادات الغربية. لقد أصبحت المساعدة في أيدي الصينيين، لا الأميركيين ولا غيرهم. الأميركيون أنفسهم يحتاجون إلى المساعدة الصينية في هذا المجال. وما قاله مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الاقتصاد أولي رين، يمثل حالة توسل غربية أخرى. فلترغيب الصينيين يقول : "إن وجود اقتصاد أوروبي قوي يصب في مصلحة الصين لأن الاتحاد الأوروبي هو أكبر سوق تصدير لها. وإذا استمر اليورو في تحمل عبء غير متناسب، فإن هذا قد يؤدي إلى ضعف التعافي الأوروبي".

آسيا تحولت بالفعل ( لا بالقول)، إلى محرك لنمو الاقتصادي العالمي، بينما يخشى العالم من انهيارات جديدة قادمة (مرة أخرى) من جهة الغرب. ليس مهماً في هذا المجال ما يقوله المسؤولون الآسيويون، بقدر أهمية ما يقوله نظرائهم الغربيين. فقد اعترف رئيس وزراء لوكسمبورج، جان كلود يونكر، بأن أداء النمو الصيني مؤخراً، كان عاملاً مهما في التغلب على الأزمة المالية والاقتصادية العالمية. إنها نقطة أخرى لصالح آسيا، وإشارة جديدة إلى أن الأمور لن تعود كما كانت قبل الأزمة. وذهب رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني أبعد من ذلك حين توقع أن يتفوق اقتصاد الصين على اقتصاد الولايات المتحدة، في السنوات القليلة المقبلة. هذا الطرح يأتي قبل أيام من تسجيل الولايات المتحدة ثاني أعلى عجز في موازنتها العامة، منذ الحرب العالمية الثانية. فقد بلغت في أيلول/ سبتمبر الماضي 1,29 تريليون دولار أميركي، أو ما يعادل 8,9 في المائة من مجموع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في العام الجاري!.

إن تحول ميزان القوة الاقتصادي من الغرب إلى الشرق، لا يستند فقط إلى مدى سرعة نجاة القارة الآسيوية من براثن الأزمة، بل من مجموعة جديدة من التحالفات الاقتصادية، وحكمة جديدة، وُلدت من المحنة. قد يحتاج الأمر مزيداً من الوقت، لكي تستكمل آسيا بناء مركز الثقل العالمي فيها، لكن بالتأكيد تحولت عناصر القوة إليها في الأشهر الماضية، ومعها معايير جديدة، لا ترتبط بما كان، بل متشابكة بما سيكون. وهذا ما يحتاجه العالم الآن، لكي يخرج من أزمة وُلدت في الغرب، لكنها لم تترك مكاناً في العالم، لم تصل إليه. أزمة صُنعت من " مواد أولية" - انتهى مفعولها - تعود إلى ستة عقود، لكنها أتت تحمل معها أيضاً "مواد أولية"، تاريخ مفعولها بلا حدود.


الثلاثاء، 5 أكتوبر 2010

ثورة العاطلين.. وفقدان الوظائف!

( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")


" شيء حسن أن الأمة لا تفهم كيف يعمل نظامنا المالي. لو فهمت بالفعل، لكانت هناك ثورة قبل صباح الغد"
هنري فورد الصناعي الأميركي

 
 

محمد كركوتـي

هل يقف العالم الغربي ( ومعه ربما غالبية دول العالم) على أعتاب ثورة اجتماعية – عمالية كبرى، على مبدأ الظلم الاقتصادي؟. هل يستطيع هذا العالم، تحمل مثل هذه الثورة، في وقت يحاول فيه لملمة تبعات أفعال الذين سيطروا على مقدرات القرار المالي والاقتصادي العالمي طوال عقود من الزمن؟. وهل يمكن لهذه الثورة المتصاعدة، أن تحقق ما فشلت فيه الحكومات؟. وهل يمكن أن نرى على الأرض المعايير التي يسعى إليها العاطلون عن العمل، وأولئك المرتعدين من إمكانية فقدان وظائفهم، ومعهم بالطبع الذين قُلصت مداخليهم قسراً، لا فشلاً في أداء واجباتهم؟. أسئلة كثيرة تحوم في الأفق الغربي على وجه التحديد، تزداد كلما ارتفعت حدة برامج التقشف التي أعلنتها الحكومات، لاحتواء ما أمكن من مصائب الأزمة الاقتصادية العالمية. إنها من تلك الأسئلة، التي تجعل من النوم حلماً لدى صناع القرار، لا ممارسة بشرية طبيعية. إنها من تلك التي تطرح قضية معقدة أخرى، في زمن العُقد الشاملة، تدور حول "الجريمة والعقاب"، وحول الظالم والمظلوم، وحول الفاسد والنظيف، وحول الحقوق وآكليها!. تدور أيضاً حول علاج المرض، بل حول تحديد المرض نفسه. فلا علاج ينفع لمرض، اختُلف على تشخيص مسبباته، بل اختُلف حول طبيعة مسبباته!. وهذا آخر ما ينتظره المعالجون الأكفاء، إن وجدوا في هذا الزمن.
في كتابي الأول عن الأزمة الاقتصادية، الذي صدر في العام 2009 تحت عنوان " في الأزمة"، تصورت كيف أن المفكر الشيوعي كارل ماركس، سيبتسم ( لو كان حياً) من جراء فشل النظام المالي المولود في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكيف كان المفكر الاقتصادي الرأسمالي ( جداً) آدم سميث سيحاول الاختباء، ويتوارى عن الأنظار، خوفاً من رمية حجر أو بيضة فاسدة أو طماطم معفنة. وعلى الرغم من فشل الفكر الشيوعي الشمولي، إلا أن فشل الفكر الرأسمالي "السميثي"، كان أكثر وبالاً على العالم، لأنه كان يقود هذا العالم "بشمولية" رأسمالية. فالأول أضر بمحيطه وانسحب من الساحة، والثاني أضر بالعالم كله، ولا يزال موجوداً على الساحة!. ولذلك يمكننا أن نفهم "ابتسامة" ماركس المجازية، ونفهم في الوقت نفسه، اختباء سميث المجازي أيضاً. أما المفكرين الاقتصاديين الرماديين، فلا مكان لهم الآن. إن العالم وقع في أزمة سوداء، لا مساحة لبقية الألوان فيها. ولعل الأديب البريطاني الشهير جورج أورويل، استطاع في أربعينات القرن الماضي، أن يُلخص حالة العالم في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، عندما قال: "لا الثروة ولا العادات ولا الإصلاح ولا الثورة، قربت المساواة الإنسانية ملم واحد". وقد وَصَف بيج رينسي الصحافي والكاتب الأميركي، الجانب الأخطر( وهو البطالة) من الأزمة الاقتصادية العالمية قبلها بعقود، حين قال: " عندما أفقد وظيفتي، أفقد الإحساس بهويتي، في أقل من 15 دقيقة".
الثورة الاجتماعية التي يشهدها العالم، جاءت نتيجة تراكم مجموعة من التحولات، بدأت بنمو مشاعر "الوطنية الاقتصادية"، ثم "القومية الاقتصادية"، لتتطور بصورة خطيرة إلى مشاعر "العنصرية الاقتصادية". ومع استكمال مراحل التطور هذه، برزت مشاعر "التمرد الاقتصادي"، على من؟ على الحكومات التي تسعى من خلال خطط التقشف القاسية، أن يدفع المجتمع ( لاسيما بعماله وعمالته) ثمن أخطاء المصرفيين الكبار الذين ارتكبوا الأزمة، والذين استطاع عدد كبير منهم، أن ينجوا بفعلته دون محاسبة!. أو الذين " قتلوا القتيل ومشوا في جنازته". لا بأس في أن يساهم المجتمع في حل المشاكل الاقتصادية التي يمكن أن تظهر بين الحين والآخر، لأن ذلك جزء أصيل من الحراك الاجتماعي، لكن المصيبة أن الذين وقعت على عاتقهم حل المشكلات، لم يكونوا المسببين لها، ويشعرون بأن القوانين التي تضعها حكوماتهم، لاستعادة السيطرة على الاقتصادات الوطنية، هي أشبه بقوانين " قرقوش"، أي محاسبة أو تغريم الضحية، لا الجاني!. وأن عليهم أن يتقشفوا، من فرط فحش المصرفيين، ووهِم الازدهار، وفوضى الاقتصاد، التي سادت السنوات السابقة للأزمة الكبرى.
التقشف يعني على الفور البطالة، ويعني أن العالم سيشهد كل عام انضمام 213 مليون شخص إلى زملائهم العاطلين أصلاً عن العمل، ويعني – حسب مكتب العمل الدولي – أن عودة مستويات العمالة إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، لن تتم قبل العام 2015، ويعني أيضاً وأيضاً، مشاكل ومصائب اجتماعية، لن تستطيع -حتى الدول الكبرى - احتوائها. والحقيقة أن الدول التي تواجه مشاريع ثورات اجتماعية، أطلقت برامج التقشف، بعد أن أوقفت برامج التحفيز، التي كانت توفر بعضاً من المواساة للشعوب التي اكتوت بنار الأزمة. وكل هذا يعني، أن الاضطرابات السياسية والاجتماعية، ستتواصل على مدى الخمس سنوات المقبلة. ومن المشاكل أيضاً، أن غالبية الحكومات ( ولاسيما في العالم الغربي)، ليست مستقرة شعبياً بما يضمن لها الاستمرار في السلطة، الأمر الذي سيجعل من البرامج والمخططات التي وُضعت للخروج من الأزمة الاقتصادية العالمية، عرضة للمناوشات الحزبية، وللاستقطاب السياسي، في الوقت الذي تحتاج فيه هذه الدول، حكومات وطنية، أكثر من احتياجها لحكومات الحزب الواحد.
ونظرة سريعة على بعض الإحصائيات التي توصلت إليها مؤسسات متخصصة، بما في ذلك مكتب العمل الدولي، تكفي لتعطي صورة حقيقية للمستقبل القريب، الذي يمثل أساساً للمستقبل البعيد. فهناك أربعين في المائة من طالبي الوظائف في 35 دولة تتوفر فيها إحصاءات حقيقية، لا عمل لديهم منذ أكثر من عام، أي ما يوازي 10 في المائة عن عام 2009 لوحده!. ولمزيد من الفداحة، قرر في العام الماضي أكثر من 4 ملايين عاطل، التخلي عن البحث عن وظيفة!. فقد دخل هؤلاء في عالم اليأس، الذي سيقودهم إلى عالم الضياع، الذي سيقود بدوره المجتمع، إلى الاضطراب. وبنظرة سريعة أخرى، يمكن أن نلحظ الاضطرابات الاجتماعية في 25 بلداً، منها بلدان من العالم الأول، لا العاشر!. يمكن أن نرى المظاهرات والاعتصامات، في مدن مثل باريس وبروكسل ولندن وبرلين وأثينا ومدريد، لا في داكار ولا هراري ولا أبوجا، ولا مقديشو، ولا أديس أبابا!.
مرة أخرى، هل هذا بمثابة مقدمات لثورة اجتماعية عالمية؟. وهل ستتوازى هذه الثورة فيما لو استكملت أدواتها، مع حجم كوارث الأزمة الاقتصادية العالمية؟. هل حل موعد دفع الفاتورة الاجتماعية، التي لا توجد حكومة في العالم تستطيع الوقوف في وجهها؟. هذه الأسئلة وغيرها، ستلقى إجابات لها في غضون الخمس سنوات المقبلة، وهي فترة ما بعد البركان، الذي انفجر بفعل قوانين وقرارات ورؤى اقتصادية، كان مجرد المس بها، يعني الكفر، عند "المُلهمين" الاقتصاديين، ومعهم "المُلهمين" السياسيين. لم ينفجر هذا البركان أبداً بفعل قوانين الطبيعة.

الجمعة، 1 أكتوبر 2010

قمة الفقر.. "قمة" في الفقر!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")






" إذا كان العالم الحر لا يستطيع إنقاذ الفقراء الكُثر، لا يستطيع إنقاذ الأغنياء القلائل"
جون كينيدي الرئيس الأميركي الراحل





محمد كركوتـي


أستطيع الشعور "بمشروعات" أسئلة عند رب ( أو ربة) أسرة في إحدى الدول الفقيرة، بعد سماعه بانتهاء القمة العالمية المخصصة لمناقشة الفقر وتبعاته ومصائبه، التي عُقدت في نيويورك. الأسئلة هي: هل سنستطيع الحصول على المياه الصالحة للشرب الآدمي؟ وهل سنتمكن من الوصول إلى اللقاحات الضرورية ضد الأمراض والأوبئة؟ وهل بمقدورنا أن لا نرسل أطفالنا إلى العمل بدلاً من المدرسة؟. هل سيقل عددنا نحن الجياع؟. هل سنرى عوناً للتنمية أكثر من العون الغذائي؟. هل ستحول الدول المانحة حقاً مساعداتها المتردية بفعل الأزمة الاقتصادية العالمية، لنا مباشرة بدلاً من حكومات بلادنا؟. الأسئلة لم تنته بعد. لماذا ينجح العالم بعقد صفقات سهلة، لبيع وشراء وسمسرة السلاح، ويفشل في صفقة وضع شروطها هو، من أجل تقليل عدد الفقراء والجائعين، والأطفال الذين يحملون المعاول، بدلاً من حملهم لحقائب الكتب؟. لماذا علينا أن ندفع فاتورة أزمة لم نرتكبها. أزمة لا دخل لنا بها. أزمة فُرضت علينا، نحن الذين لا نعرف الفرق بين المصارف الاستثمارية ومصارف التجزئة. بل نحن لا نعرف حتى شكل "المصارف الصحية"، لأن المجاري لدينا لا تزال مفتوحة. ولعله يقول: ليتها أصيبت بالعدوى وأُغلقت، كما أُغلقت مئات بل آلاف المصارف المالية حول العالم!.
أستطيع أن أشعر، بأن "مشروعات" الأسئلة هذه، بلا نهاية. تماماً مثل عدد الجياع في العالم، الذي بدأ برقم معروف، ولا أحد يمكنه أن يحدد الرقم الذي سيصل إليه. لماذا؟ لأن قادة العالم، الذين يسعون للحد من الفقر والجوع، لن يستطيعوا إيقاف العدد المتنامي لسكان هذا الكوكب، الذي من المتوقع أن يصل بحلول العام 2050 إلى تسعة مليارات نسمة، سيفوق "عديد" الجياع والفقراء الجدد، "زملائهم" السابقين!. وبمعادلة بسيطة، إذا فشل العالم في برامج الألفية ( الجميلة نظرياً)، سيصل عدد الجياع ( لا الفقراء)، إلى قرابة الملياري نسمة، وسيصل عدد الأطفال المحرومين من التعليم إلى 120 مليون طفل تقريباً، وسيصل عدد الأشخاص الذين يموتون يومياً من الجوع إلى 45 ألف، وعدد الأطفال الذي سيموتون ( يومياً أيضاً) لنفس السبب إلى قرابة 18 ألف!.
للإمبراطور الفرنسي الشهير نابليون بونابرت، مقولة صادمة، لكنها واقعية. ماذا يقول؟ :"إن الدِين هو الذي يمنع الفقراء من قتل الأغنياء". وبعده قال الممثل والكاتب الأميركي الساخر وليم دانكينفيلد: " إن الرجل الثري، ليس إلا رجل فقير يملك مالاً". فالأول تناول النقمة، المرفوضة بلا شك، ولولا الإيمان بالله لارتكبت الجرائم، والثاني اعتبر أن الثراء لا يعني امتلاك المال. وإذا كان جون وولدين المدرب الأميركي الشهير لكرة السلة، يعتبر أن " القدرة هي ثروة الإنسان الفقير"، فإن "ميكنة" هذا الإنسان، لا تقع على عاتقه فقط في هذا العالم المتشابك، الذي أصابت أزماته على مدى عقود من الزمن، "الأبرياء الاقتصاديين" – إن جاز التعبير-. وإذا كانت الدول الكبرى "شاركت" في الماضي الدول الصغرى في ثرواتها ( لكي لا نقول أكثر من ذلك)، فمن الإنصاف أن تشارك هذه الأخيرة الدول الكبرى، بشيء ما. لا أقول الثروات، بل أقول بمساعدات ومنح وخبرات ونوايا حسنة، تبني اقتصادات.. لا تؤسس لصدقات، وتجلب تنمية.. لا معونات، وتستهدف المستقبل.. لا تنحصر ضمن ظروف آنية.
قمة الفقر ( أو قمة مراجعة أهداف الألفية) التي جمعت 140 رئيس دولة في نيويورك، كانت "قمة" في الفقر!، مع الاعتراف بوجود نوايا حسنة، ودون أن ننسى الإشارة إلى سماع الكلمات الجميلة، خصوصاً من القادة البلاغيين قولاً أكثر مما هم بلاغيون عملاً. والجميع يعرف، بأن البلاغة لم تؤمن لأبلغ شاعر عربي في التاريخ (أبي الطيب المتنبي)، الحد الأدنى لرغبته الكبرى. ولو حُولت كلمات القادة إلى مال يُصرف وتنمية تُحَقَق وأمل يُدْرَك، لتحققت أهداف الألفية قبل موعدها، حتى في ظل أزمة عالمية اقتصادية كبرى. والحقيقة المُرة، هي أن عدم التزام الدول الكبرى بتعهداتها لتنفيذ أهداف الألفية، بدأت قبل الأزمة الاقتصادية، ولم تنفع كل التوسلات من أجل أن تحترم بعض هذه الدول وعودها. لقد تحولت الأزمة عندهم إلى ما يشبه حائط المبكى، ولا ينقصهم سوى "طاقيات يهودية"، وشعور مُجدَلة ليكتمل المشهد السريالي!. وإذا ما استمر هذا المشهد، فإن العام 2015 الذي حدده العالم في سنة 2000 ليشهد انخفاض عدد الفقراء في هذه الأرض إلى النصف، لن يكون سوى عام، مليء بأفواه بشرية مفتوحة، تتزايد على مدار الدقيقة، بنفس سرعة تناقص مؤشر الأسهم الأميركية ( وغيرها)، عشية انفجار الأزمة العالم!.
أمام القادة البلاغيين والواقعيين، والشعوب العطشى إلى كل شيء، خمسة أعوام لمعرفة ما إذا كان بالإمكان توفير مياه الشرب ( لا أقول الطعام) لمن؟ لربع سكان الكرة الأرضية، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الصحية لمن أيضاً؟ لـ 2,5 مليار إنسان!. فإذا كان العالم ( بأمواله الحقيقية والوهمية) فشل حتى الآن في الوصول إلى مَقرِبة من أهداف الألفية، علينا أن نتخيل سرعة سيره نحو هذه الأهداف، بعد أن تبخرت الأموال بكل توصيفاتها!. ولمن نسي، تنحصر أهداف الألفية، بخفض الفقر المدقع في العالم إلى النصف، وتطوير التعليم، والمساواة بين الجنسين، ورعاية الأمومة، ومكافحة وفيات الأطفال والايدز والملاريا وحماية البيئة. المريع في الأمر، أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون – ولأسباب واقعية مُرة – اعتبر أنه بالإمكان إنقاذ 16 مليون شخص بحلول العام 2015!. يا له من رقم مشين، تبدو بلاغة الكبار الكلامية معه، كبلاغة المغني شعبان عبد الرحيم الشعرية!. تبدو كلماتهم متكسرة، تعف أي لغة عن احتوائها. فأمام هذا الواقع، عليهم أن يزيلوا كلمة " سنقوم"، ويستبدلوها بكلمة "نقوم"، وعليهم أن يستعيضوا ( في هذا الزمن بالذات) عن المضارع بالحاضر. فالمضارع – في خضم المصيبة الإنسانية العالمية – لم يعد ذا معنى، بل تحول إلى "فعل" مضحك.
المفارقات الإنسانية العالمية، صاحبتها في "قمة المراجعة" مفارقات إجرائية مشينة بالفعل. ففي الوقت الذي حقق فيه موضوع " التمويلات المبتكرة"، عن طريق فرض رسوم على بطاقات السفر جواً، وعلى قطاعات السياحة والإنترنت والاتصالات الخلوية، تقدماً في نطاق جمع الأموال، لإضافتها إلى المساعدات العامة، وعلى الرغم من أن هذه "التمويلات المبتكرة" تتضمن أيضاً الصفقات المالية، إلا أن أياً من الدول الكبرى، لم تفرض أي رسوم على هذه الصفقات!. هل اعتبر القادة "البلاغيون" أن المصارف التي ارتكبت الأزمة، ضحية؟!. أرجو أن لا يُجبروا الأمم المتحدة، على وضع خطة "ألفية" جديدة، لإنقاذ مؤسسات مالية، تستحق أن تُغلق إلى الأبد، بل وأن تُحاسب قضائياً وقانونياً وإنسانياً.
مرة أخرى، لا ننكر حسن النوايا لدى من يرغب في توفير الخبز – لا كافيار ولا الأسماك المدخنة -، لكن العالم تعلم أن حسن النوايا، تنفع في أوقات الازدهار، أكثر مما تنفع في أزمنة المحن. ما يحتاجه الجائعون الآن، "حسن أعمال قوية"، تقلل من أحكام التاريخ، على أولئك الذين لا يفرقون، بين محتال وقع من فرط أعماله القبيحة، وإنسان وقع من فرط شح كوب ماء صالح للشرب الآدمي!.

الثلاثاء، 21 سبتمبر 2010

إنها قضية أخلاق لا مسألة قضاء!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")










" الغد هو متعة اللصوص"
ريكس هاريسون ممثل بريطاني





محمد كركوتـي

يبدو أن القطاع المالي السويسري، لم يعد يستطيع الصمود أمام الضغوط الدولية، الهادفة إلى جعله أكثر وضوحاً شفافية ونزاهة.. بل وواقعية، فيما يرتبط بالحسابات السرية ( الملوثة والمشبوهة) التي تعم المصارف السويسرية منذ عشرات السنين. فضغوط الأزمة الاقتصادية العالمية، رفعت من زخم ضغوط الحكومات – لاسيما في الدول الكبرى- على هذه المصارف، بحثاً عن ضرائب مستحقة على مليونيرات ومليارديرات من كل الجنسيات، إلى جانب البحث عن أموال سرقها حكام سابقون (وآخرون لا يزالون في السلطة) في البلدان الفقيرة، علها تخفف من حدة الضغط على الموازنات التي تخصصها الدول المانحة للدول الفقيرة الممنوحة، علماً بأن هذه الموازنات تعرضت إلى تقليص خطير، في العامين الماضيين، بحجة أن الأزمة قضمت مداخيل المانحين، الذين وجهوا ما تبقى من أموال لديهم، لإنقاذ المؤسسات والمصارف التي غرقت في بركان الأزمة.
.
لقد حارب النظام المالي السويسري، في فترة "الهياج" الحكومي العالمي ضده، كل المحاولات للكشف عن الأرصدة المشبوهة، بما في ذلك تلك التي تعاظمت وأضحت كالجبال ( إلى درجة أنها لم تعد سرية)، من جراء عمليات غسيل الأموال، والتهرب من الضرائب، والصفقات التجارية المشينة، وعقود الأسلحة المريبة، والاتجار بالبشر، وسرقة الأموال العامة. ومن فرط ضخامة حجم هذه الأموال، صارت جزءاً لا يتجزأ من النظام المالي العالمي، بحيث دفعت العديد من المصرفيين "التائبين" إلى الإقرار، بأن أموال المخدرات، سندت مؤسسات ومصارف عالمية، في أعقاب اندلاع الأزمة العالمية!. وهذا يعني أن نظام الظل المالي أو Global shadow financial system تداخل في فترة من الفترات (وربما لا يزال يتداخل) مع النظام المالي الشرعي العالمي أوGlobal legitimate financial system . ولأن الحكومة السويسرية وقفت مع القائمين على القطاع المصرفي في البلاد، في وجه الضغوط الدولية عليهم، كان المسؤولون فيها من الوقاحة، بحيث هددوا قبل عام تقريباً، منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية المعروفة اختصاراً بـ OECD ، بالامتناع عن دفع الصحة السويسرية في ميزانية المنظمة، لماذا؟ لأن هذه الأخيرة، أعلنت في أحد تقاريرها بأن سويسرا لم تلتزم بالشفافية المصرفية، التي يسعى العالم إلى وضعها، تمهيداً لتكريسها. فقد أثبت المسؤولون السويسريون – دون أن يقصدوا – أن بلادهم النظيفة، تعيش على حصة من الأموال القذرة!. ولا أزال أتذكر، قرار محكمة الجنايات الفيدرالية السويسرية برفض تسليم 6 ملايين دولار أميركي من ودائع رئيس زائير (الكونغو الديمقراطية حاليا) الراحل موبوتو سيسي سيكو، لدى بنوك سويسرا إلى حكومة بلاده. فقد وجدت هذه المحكمة، أن شعب الكونغو، لا يستحق استعادة أمواله المسروقة!.
لكن الأوقات تتغير، وتفرض معاييرها ومعطياتها، بصرف النظر إذا ما كانت مُرْضية أو مبغضة. حلوة أو قبيحة. مقبولة أو مرفوضة. ومع "تدافع" دول العالم للخروج من الأزمة الاقتصادية العالمية، تزداد الضغوط للكشف عن الأرصدة المشينة أو المشبوهة، بل وتشع ذاكرة حكومات هذه الدول، لتتذكر ما كان نسياً منسياً!. أمام هذا الواقع، أقدمت سويسرا على خطوة هامة وجيدة.. لكنها متواضعة. فقد صدَق نواب البرلمان فيها، على قانون يجعل من السهل على السلطات الفيدرالية، مصادرة الأموال التي سرقها وخبأها حكام دكتاتوريون في حسابات لهم ولأسرهم ولأعوانهم في مصارف سويسرية. وحسب القانون، رُفعت المدة التي يمكن خلالها تجميد الأرصدة المشبوهة من 5 إلى 10 سنوات. ولعل الفقرة الأهم من هذا القانون الذي صدر بعض مخاض عسير، هي تلك التي تشترط استخدام الأموال المُستعادة، لتحسين ظروف معيشة الشعوب التي سُرقت منها، ولتعزيز سلطة القانون ومكافحة عمليات ومخططات الإفلات من العقاب والمحاسبة.
مرة أخرى، إنها خطوة جيدة لكنها لا تزال دون المستوى المطلوب. وتبدو في الواقع أنها جاءت، لتخفيف " الهياج" العالمي على سويسرا، أكثر من كونها وجدت من أجل تصحيح ما كان يجب أن يُصحح منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما انتشرت في هذا العالم، حكومات فاسدة ومارقة، هي أقرب إلى العصابات منها إلى نظم حكم، في دول حديثة الاستقلال، تحولت في الواقع من دول حرة من الاستعمار الأجنبي، إلى دول أسيرة استعمار محلي!. ومن قصور القانون السويسري الجديد، أنه وضع حداً زمنياً لتجميد الأرصدة المشبوهة. فإذا كان المشرعون يريدون حقاً تحقيق أهداف إنسانية وسامية من جراء قانونهم هذا، ويسعون إلى إعادة الأموال إلى أصحابها الحقيقيين، عليهم أن يفتحوا هذه المدة، أو ربطها بزوال الاشتباه في هذه الأرصدة. ومع ذلك، فإن الخطوة، يمكن التأسيس عليها، خصوصاً في أعقاب اعتزام دولة كبريطانيا، وقف مساعداتها لدول تحكمها أنظمة فاسدة، وفي ظل تعالي الأصوات المنادية بضرورة ربط المساعدات للدول الفقيرة بالتنمية فيها، واستثمار أفضل لثرواتها الطبيعية. فما كان مباح قبل الأزمة العالمية، لم يعد كذلك بعدها، و"شرفاء" الأنظمة الفاسدة قبلها، أصبحوا بمعايير الدول المناحة مجرد لصوص بعدها!.
سيحصل شعب هاييتي بعد القانون السويسري (على سبيل المثال)، على 7 ملايين دولار أميركي فقط، من أموال سرقها الحاكم السابق للبلاد جان كلود دوفالييه المعروف بـ"بيبي دوك". ولكن هل هذا حقاً ما سرقه هذا الديكتاتور الرهيب؟. وماذا عن ما سرقه روبرت موغابي رئيس زيمبابوي الحالي، وما نهبه تشارلز تيلور رئيس ليبيريا السابق، وغيرهما من الطغاة في الدول الفقيرة؟!. هل يتمتع هؤلاء بأرصدة غير مشبوهة؟. وهل يحتاج الكشف عنها، إلى قدرات خارقة من البحث والتقصي؟. أسئلة كثيرة، تحتاج لإجابات واضحة عليها، هذه المرة ليس من قبل المسؤولين السويسريين، بل من جانب القائمين على القطاع المالي في البلاد، ومن مسؤولي خزائن المصارف المليئة بالأموال المشينة.
إن الطريقة المثلى لإعادة ما نهب من الشعوب الفقيرة، ليس اللجوء إلى المحاكم، بل إلى التحقيقات النزيهة، وهذا أمر في غالية السهولة. فعلى مدى أربعة عقود من الزمن، قضت المحاكم السويسرية بإعادة ما يقرب من ملياري دولار أميركي إلى حكومات أفريقية وآسيوية وأميركية لاتينية، ولكن بعد صراع طويل مع القضاء، لإثبات أن هذه الأموال من مصادر غير مشروعة. وفي المقابل، وفي الفترة نفسها، خرج من القارة الأفريقية لوحدها أكثر من 1,8 تريليون دولار بصورة غير مشروعة، صبت أغلبية هذه الأموال في المصارف السويسرية، أو تلك التي ترتبط بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهذا يعني أن المحاكم، لم تحقق الحد الأدنى من العدالة، فيما يرتبط بالأموال المسروقة من الشعوب الفقيرة!. وعلى هذا الأساس، لا ينفع القضاء في مثل هذه الحالات. الذي ينفع حقاً، قرارات سياسية واضحة وحاسمة، وهذه لا تعيد فقط الحق المسلوب إلى أصحابه، بل تُسرع عملية إعادة الأموال، في الوقت الذي تحتاج فيه الدول الفقيرة، كل دولار "ممكن"، قبل الأزمة العالمية وبعدها، وقبل الخطوة السويسرية المتواضعة وبعدها. فالطغاة اللصوص لم يسرقوا أفراداً، بل نهبوا أمماً. والقضاء الذي ينفع في قضايا فردية، ليس سوى مضيعة للوقت في الحالات العامة.
إنها قضية أخلاق، لا مسألة قضاء. وهي مسؤولية أكبر بكثير من أن تُترك لحكومة سويسرية، لا تفرق بين لص سرق من متجر، وآخر سرقة أُمة بأكملها!.

الاثنين، 13 سبتمبر 2010

غذاء عالمي شحيح كماً ودسماً!

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")



" الأوقات الصحيحة لتناول الطعام: للأغنياء عندما يجوعون، وللفقراء عندما يجدون شيئاً يُؤكل"
من الأمثال المكسيكية




محمد كركوتــي

تدور في أرجاء هذا العالم، رحى مصيبة غذائية عالمية جديدة، بعد أقل من ثلاثة أعوام فقط من أزمة الغذاء، التي صاحبت مقدمات وانفجار الأزمة الاقتصادية العالمية. والمصيبة الجديدة، هي في الواقع ليست جديدة، إنها من تلك المصائب الموجودة بصورة مستمرة على الساحة العالمية، تبرز في أوقات الازدهار (والفقاعات الاقتصادية)، وأزمنة المحن والانكماش أيضاً. فالقضية ليست مرتبطة بمصرف مُنهار أو قيد الانهيار، بل بأفواه من حقها على العالم، أن تجد ما تُملئ به لتعيش، لا لتخزن الدهون. وإذا كانت قضايا المصارف المؤسسات المتعثرة والمنهارة، تخص العالم المتقدم ( وخصت غصباً العالم غير المتقدم)، فإن مصيبة الغذاء لا تخص عملياً، إلا الدول الفقيرة، التي تعيش في عالم مجهول المستقبل، ومتلاطم المصير.

لنكن صرحاء لبعض الوقت. لم تنفع قمم الغذاء والمؤتمرات المنبثقة عنها واللجان المُشَكلة منها، طوال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، في الوصول إلى صيغة مُرضية، لعلاج أزمة الغذاء العالمي، مع التقدير – بالطبع – لحسن النوايا في هذا المجال ( وهي موجودة، بصرف النظر عن زخمها). وأقصى ما وفرته هذه المحافل الموسمية وأدواتها، أرضية هشة، لا تصمد أمام " أرق" الأزمات!. أرضية تتلاشى مع أول مشكلة، سواء أكانت بيئية أو بشرية أو اقتصادية أو سياسية. أرضية يغرق فيها المنقذون، فما بالنا بالمُنقَذين!. وسواء عُقدت هذه المؤتمرات أو لم تُعقد، فالأمر سيان. ففي الحالتين، الغذاء لن يتوفر، وإن توفر فإن لا يبلغ المستوى الآمن. وعندما انفجرت الأزمة الاقتصادية العالمية، لم يُصب الغذاء بمقتل فحسب، بل أصيبت كل المخططات الهادفة إلى إيجاد احتياطي غذائي معقول، وضربت احتياطياً غذائياً متواضعاً جداً كان موجوداً على الساحة. ولو أضفنا، الآثار الخطيرة للتغير المناخي، والكوارث الطبيعية التي تضرب مواقع الإنتاج الغذائي في العالم، فإننا أمام كارثة، ناتجة عن مسببات بشرية وبيئية واقتصادية.. بل وحتى سياسية. إنها كارثة كاملة، مثل الجريمة الكاملة. وعلى الرغم من التراجع المواضع لبعض أسعار المواد الغذائية – على المستوى العالمي – في العامين الماضيين، إلا أن هذا لم ينفع الفقراء، لأن الأزمة الاقتصادية العالمية قضمت مداخيلهم. فالذي كان يعيش على دولارين أميركيين في اليوم الواحد، أصبح يحيا على دولار واحد فقط!. أي أن الأسعار مهما تراجعت، لا تمثل فرصة مواتية وجيدة لهذا الفقير، لسد رمقه.

الذي يحدث بعد عامين تقريباً من اندلاع الأزمة الاقتصادية، أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بصورة كبيرة، دون ارتفاع دخل الفرد معها، وخصوصاً في البلدان الفقيرة. والحقيقة أن أحداً لا يستطيع أن يتنبأ بارتفاع المداخيل، في الوقت الذي لا يزال فيه العالم، يلمم جراح الأزمة، ولا يزال يسعى إلى وضع تصور معقول وواقعي للنظام الاقتصادي العالمي، تجنباً لأزمة جديدة ربما تكون أكثر "فجوراً" من تلك التي نحياها. وعلى هذا الأساس أطلقت الأمم المتحدة تحذيراً خطيراً، عن طريق مقررها أوليفييه دو شوتر المعني بقضايا الغذاء، الذي قال : "إن غالبية الدول الفقيرة معرضة لخطر أزمات غذاء بسبب أسعار المواد الغذائية الأساسية في السوق العالمية، حيث سجلت ارتفاعات كبيرة في سعر القمح، على أثر الجفاف الذي أدى إلى الحرائق في روسيا". وحسب شوتر، فإن ارتفاع الأسعار أدى – على سبيل المثال – إلى زيادة أسعار الخبر في بلد معدم كموزمبيق بنسبة 33 في المائة!.

لن أتحدث هنا عن تبعات ارتفاع الأسعار على الاستقرار الأمني والسياسي في أكثر من خمسين بلداً. فهذه لوحدها كارثة، تُراكم طاقتها للانفجار في أي لحظة، مع العلم بأنها انفجرت بالفعل في بعض الدول الفقيرة. وربما كانت الحكومة الموزمبيقية تحلت ببعض الحكمة، عندما تراجعت عن زيادة أسعار الخبز، ولكن بعد ماذا؟ بعد اندلاع احتجاجات أدت إلى مقتل 13 شخصاً و400 جريح و300 معقل!. وفي العالم العربي، حدث الأمر نفسه – ولو بصورة أقل عنفاً – في مصر. فيكفي مقتل شخص واحد فقط بسبب رغيف خبز، لتقترب الكارثة من الأبواب. وبالفعل أشارت تقارير صدرت في أعقاب قمة الأمن الغذائي العالمي، التي عقدت في روما قبل عامين تقريباً، برعاية منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو).. أشارت إلى أن ارتفاع أسعار الطعام بات يهدد بسقوط نظم الحكم في 50 دولة، وتوقع روبرت زوليك رئيس مجموعة الغذاء في البنك الدولي، "حدوث مزيد من أعمال الشغب المرتبطة بالطعام، وتفاقم الاضطرابات والمظاهرات، خاصة في النظم التي غابت فيها العدالة الاجتماعية، واتسعت فيها الفوارق الطبقية". ففي أعقاب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، سقطت حكومتا هاييتي ومدغشقر، وبالتأكيد فإن تداعي الحكومات لن يتوقف عند هاتين الحكومتين.
نحن نعلم أنه في غضون عام واحد فقط من اندلاع الأزمة، ارتفع عدد الجياع في هذا العالم من 800 مليون نسمة إلى مليار و200 مليون . فهؤلاء لا يعانون من الفقر بل من الجوع، أي أنهم دون الفقراء!. وهناك 25 ألف شخص و10 آلاف طفل يموتون يومياً – وليس كل قرن من الزمن – من الجوع. والمصيبة أن ظاهرة الموت جوعاً – لا حباً – وصلت إلى دول لم تكن تعرفها من قبل. وتكفي الإشارة إلى أن الأسعار المرتفعة للمواد الغذائية التي تُرهق الأميركيين الأكثر غنى نسبياً مقارنة بغالبية دول العالم، هي مدمرة بالنسبة للبلدان الفقيرة، حيث تنفق العائلات أكثر من نصف دخلها على الغذاء.

تقول الأديبة الأميركية بيرل باكس : "إن الجوع يحول أي رجل إلى لص". ولكي يُبقي العالم على "الرجال" شرفاء، عليه الوصول بأسرع وقت ممكن، إلى حلول ناجعة لهذه الكارثة. وإحدى المشاكل التي تعمق هذه الكارثة، أن الدول المانحة تركز على العون الغذائي ( رغم قلته)، أكثر من اهتمامها في توفير المساعدات الخاصة بالتنمية. فالولايات المتحدة الأميركية أنفقت لوحدها – حسب الإحصائيات الرسمية - أكثر من 20 ضعفاً على العون الغذائي لإفريقيا، بدلاً من مساعدات التنمية!. وإذا كان العون الغذائي يؤدي إلى تهدئة الأوضاع السياسية ( ولا أقول الاقتصادية والمعيشية)، فإن التنمية تؤدي حتماً إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي والمعيشي أيضاً. ومن المصائب أيضاً، أن الأزمة الاقتصادية العالمية، ضغطت بصورة تاريخية على الموازنات المخصصة للعون الغذائي نفسه. وهذا يكرس القضية كـ " كارثة كاملة"!. فالرغيف الكامل، "كش" حجمه إلى النصف، وفي كثير من الأحيان إلى الثلث. وليس مستبعداً في هذه العالم، وفي ظل الفشل في تأمين الغذاء، أن تُوزع الحبوب عداً .. لا كميةً!.

الأزمة العالمية، كانت بلاشك سبباً مباشراً لاستفحال أزمة الغذاء، ولكن السبب الرئيسي الأول، يعود إلى السياسات التي أبطأت النمو الزراعي في الدول الفقيرة، في العقدين الماضيين، وإلى تراجع الاستثمارات الأجنبية في الزراعة.

يقول مايكل بولان مؤلف كتاب "دفاعا عن الغذاء": " لقد خلقنا حالة سباق بين السيارات الأميركية السريعة، وهياكل الأطفال العظمية في إفريقيا.. ويمكننا أن نرى من الفائز". والحقيقة أنه لا فائز هنا. فـ " قنبلة الفقر والجوع"، لن تُحدث أضراراً في محيطها، بل ستنشر حممها وبراكينها في كل الأرجاء.

الثلاثاء، 7 سبتمبر 2010

"المستثمر الذكي" في عالم فقد الذكاء

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")








" نحن نعيش قلق ماذا سيكون طفلنا في المستقبل، لكننا ننسى وجوده الآن "
ستيسيا تاوشر كاتبة ومربية أميركية

 
 
 
محمد كركوتــي
 
في زحمة التعاطي مع القضايا العالمية الصعبة، ومراقبة ومتابعة تفاصيلها وشجونها. وفي خضم الاهتمام بأحداث اقتصادية وسياسية عالمية، تركت (وتترك الكثير) من التبعات ورائها، ما لا يطيق العالم تحمله، بل وما لا يقدر عليه. لم أستطع تجاهل الخطوة التي أقدمت عليها هيئة السوق المالية السعودية، بإصدارها مجلة " المستثمر الذكي"، الموجهة إلى الأطفال، لا الكبار. ولو استرجعنا الأحداث التي سبقت الأزمة الاقتصادية العالمية، لوجدنا أن غالبية المستثمرين الكبار، لم يكونوا أذكياء بما يكفي، لكي يحصنوا أنفسهم وأموالهم، بل وحتى أسرهم، من فوضى الاقتصاد العالمي، ومن وهم الأرباح، ومن هشاشة الفقاعة الاستثمارية. كان الجشع سيد الحراك الاقتصادي، وكان التسيب جزءاً أصيلاً من هذا الحراك. ولا أزال أتذكر رسماً كاريكاتيرياً (نشرته في كتابي الأخير عن الأزمة الاقتصادية، الذي صدر هذا العام بعنوان " زوبعة خارج الفنجان") للفنان اللبناني – السويسري باتريك تشاباتي، صَور فيه مسؤول في جائزة نوبل، يعلن عن فوز امرأة بالجائزة في مجال الاقتصاد، لأنها احتفظت بأموالها في منزلها!. فقد أراد أن يؤكد (في أعقاب الأزمة) بسخرية، على أن "الاقتصادي الذكي" هو ذاك الذي لم يتورط في اقتصاد عالمي ورقي ووهمي، بل ومريب.

وعلى الرغم من أن الحراك الاقتصادي العالمي، لم يكن بمعزل عن الانتقادات الحكيمة، والتنبيهات الواقعية، بل والتحذيرات الصادقة، إلا أن الغالبية العظمى من الذين استثمروا أموالهم وأموال غيرهم، وأولئك الذين استثمروا ما لا يملكون، لم يسمعوا تلك الانتقادات والتنبيهات والتحذيرات، بل كان بعضهم يسخر منها من مُطلقيها، ويصفهم بأنهم ليسوا سوى مجموعة من الهدامين المتشائمين، الذين لا يريدون للحراك الاستمرار والازدهار والنمو!. وهذا يعني، أنه لو صدرت مئات المطبوعات للتوعية الاستثمارية، بُغية تكوين "مستثمر ذكي كبير"، لما انتفع بها الذين وقعوا في براثن الأزمة. فالجهل (مع الجشع والوهم)، لم ينتج إلا مستثمرين غافلين، غارقين، إلى درجة أن أقر 22 في المائة من الأهالي البريطانيين، أواخر العام الماضي في استطلاع أجرته شركة التأمين "إنغيج مويتشوال"، وشمل ثلاثة آلاف والد ووالدة، أنهم اقترضوا من مَن؟ من حصالات أبنائهم، لدفع فواتير أو تسديد نفقات غير متوقعة، أو دفع مصاريف رحلة عائلية. وأقر هؤلاء أيضاً، بأنهم أحسوا بالذنب من جراء لجوئهم إلى الأموال التي وفرها الأبناء.

الأوقات تتغير.. وما كان لا ينفع قبل دخول الدول العربية ( وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية)، عصر الأسواق والتحرر الاقتصادي، وارتباط الاقتصادات ( لاسيما الكبيرة منها) بالحراك الاقتصادي العالمي.. ينفع الآن. وحصالات الأطفال التي كانت تُفتح في أي لحظة، يمكن أن تخضع لمعايير "الاستثمار الذكي". لا أحد يطالب الأهالي، بعدم اللجوء إلى حصالات أبنائهم في أوقات المحن، ولكن استخدام موارد هذه الحصالات، ينبغي أن يخضع لآليات الاستثمار البسيطة، ليس من أجل ضمان إعادة هذه الأموال، بل من أجل تثقيف الأطفال أصحاب الحصالات، في مجال الاستثمار والإنفاق والتدبر المالي. وهذا من أهم المعايير التي تسعى مجلة " المستثمر الذكي" إلى تكريسها، إلى جانب العديد من القضايا الأخرى، التي تضع غير البالغين، في دائرة التدبير المعيشي – الاستثماري. وعندما تقف هيئة الأوراق المالية وراء هذه المطبوعة التعليمية – الإرشادية- التثقيفية، تكتسب مادتها، كثيراً من المصداقية والعمق والفائدة. فهذه الهيئة ليست داراً للنشر، بل مؤسسة تسعى لتوعية الأجيال التي ستتسيد الساحة الاقتصادية – الاستثمارية في المستقبل، من خلال التجارب الذاتية – المحلية الجيدة وغير الجيدة، ومن خلال التجارب الخارجية التي فُرضت عليها، وفي مقدمتها الأزمة الاقتصادية العالمية، التي تسود معاييرها العالم على نطاق واسع، لم يسبق له مثيل.

إن الطفل يستطيع توجيه أسئلة، يصعب على الرجل الحكيم الإجابة عليها. ويقول الكاتب الأميركي نيل بوستمان : " إن الأطفال هم رسائل حية نرسلها إلى زمن، لن نكون موجودين فيه". وعلى هذا الأساس ينبغي أن تكون رسائل ذات معنى وأهمية، وقدرة على التعاطي مع أزمنة المحن وأوقات الازدهار، بصورة مستدامة لا فقاعية، وبشكل مرتب لا فوضوي، وبهيئة مُدركة لا جاهلة. والطفل الذي يفهم الاستثمار تدريجياً، بإمكانه تفادي الثغرات المتوقعة دائماً في الحراك الاقتصادي المحلي والعالمي، عندما يصبح القرار في يده، وبإمكانه أيضاً، أن يَصيغ "حياته الاستثمارية"، وفق ما هو موجود لا ما هو وهمي. ومجلة " المستثمر الذكي"، توفر له آلية فريدة من نوعها، ليس فقط في المملكة بل في العالم العربي ككل. وخلال عملي الصحافي الطويل في لندن، وبحثي عن مطبوعات أجنبية مخصصة للمستثمر الصغير، لم أعثر إلا على مجموعة من الكتب الموجهة إلى "المستثمر المراهق" أو Teenage Investor ، ومجموعة من المدونات الجديدة في هذا المجال، وبعض الموضوعات الموسمية في عدد من الصحف والمجلات. أي لم تقع في يدي أو عبر الإنترنت، دوريات متخصصة تتوجه إلى الأطفال أو المراهقين في مجال الاستثمار. وهذا يعطي "المستثمر الذكي" مزيداً من التميز، خصوصاً عندما تكون الجودة عنصراً أساسياً في هذه المطبوعة. وإذا كانت عجائب الدنيا سبع عندما نحن الكبار، فهي سبع ملايين في عيون الصغار!. وعلى هذا الأساس، فإن مهمة أي مطبوعة أو وسيلة إعلامية (موجهة لـ "المستثمر الصغير الذكي")، لا تنحصر فقط التوجيه والتوعية والتثقيف، بل في تقليل هذه العجائب عنده، ووضعه ضمن نطاق الواقع المجرد.

ولا شك في أن مجلة " المستثمر الذكي" تعي هذه الحقيقة، وقد بدا هذا واضحاً، من أعدادها الأولى التي صدرت. فقد قدمت نموذجاً في الوصول إلى الأطفال، يكفل لها مواصلة مهمتها، بل لنقل رسالتها، في عالم لم يفهم فيه الكبار، الرسائل الحكيمة التي وُجهت إليهم على مدى سنوات سبقت أزمة اقتصادية، بدت أمامها الأزمات السابقة، كرحلات استجمام.

إن بناء ذهنية بشرية بعيدة عن الأوبئة الاقتصادية التي أصابت العالم، لا يوفر تحصيناً مطلوباً لدى الصغار فقط، بل يمنح المستقبل الاقتصادي حكمة مكتسبة، خصوصاً عندما ينضم هؤلاء الصغار إلى الكبار، وينخرطوا حراك اقتصادي، لم يعد محصوراً في نطاقهم المحلي، بل هو حراك عالمي مفتوح على بعضه البعض.