الاثنين، 22 فبراير 2010

المعذرة سنخفض المساعدات.. نحن في أزمة!

(هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")




" يمكن تعريف المساعدات الخارجية على أنها تحويلات من الفقراء في الدول الثرية إلى الأثرياء في الدول الفقيرة"

الكاتب الاقتصادي الأميركي دوجلاس كاسي

 
 
محمد كركوتــي
حسنا.. الجميع في أزمة. لا فرق بين فقير وثري. الكل وقع فيها. لا فرق بين دولة متقدمة وأخرى تعيش حضارة بدائية، ولا فرق بين مجتمع غارق بـ " المياه المعدنية" وآخر غارق في "مياه جافة"!. هذه الأزمة جمعت أصحاب "الياقات البيضاء" وأولئك الذين لا يملكون ملابس أصلا في ناد "مرحلي" واحد!. إنه أكبر النوادي العالمية الشعبية في التاريخ!. لماذا؟ لأن العضوية فيه قسرية، لا قيمة لموافقة العضو أو معارضته لها!. هذا النادي ضرب عرض الحائط كل المستويات والدرجات. تجد فيه رجلا بسترة إيطالية فاخرة، وآخر لاشيء يستره!. الأزمة الاقتصادية "الشعبية" العالمية، وضعت الجميع تحت سقفها الضارب في الأفق. لم تترك شيئا إلا وانتهكته، ولا مجالا إلا واقتحمته، ولا أملا إلا ودمرته. وحتى في مرحلة الانتعاش الهش، يظل الدمار ولفترة طويلة جدا قابعا في كل الأمكنة. فالمشهد لن يتجمل من جراء تعاف هش هنا وآخر هناك، وبالطبع لن يزول بالتطمينات ولا بالمسكنات. لن ينتهي إلا بعمليات جراحية لن تنجح إلا باستئصال مسببات الوباء.

قبل عام تقريبا كتبت مقالا تحت عنوان "ضخ وشح"، تناولت فيه مصير المساعدات التي تقدمها الدول المانحة إلى تلك "الممنوحة". قلت فيه : تستطيع الدول الكبرى المانحة للمساعدات الإنسانية والتنموية الخارجية، أن تعلن – بصوت ليس خفيضا- بأن حجم هذه المساعدات سيتراجع إلى أجل غير مسمى. وتستطيع هذه الدول أن تنتقد المنتقدين وتقول: "لا توجهوا اللوم إلينا.. نحن في أزمة". وتستطيع أن تردد المثل المصري الشعبي المعروف "ما يحتاجه البيت.. يحرم على الجامع". ولكن هل تستطيع ( والعالم معها) تحمل تبعات تراجع مساعداتها؟. وهل بإمكانها احتواء المصائب التي ستنجم عن تدني المساعدات؟. وهل تقدر الدول المانحة، "القنبلة الاجتماعية" التي ستنفجر عندما تخفض من مستوى معوناتها؟. وقبل هذا وذاك، هل يتحمل العالم استفحال أزمة كبرى، في ظل أزمة أكبر منها؟.

الجواب جاء من منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي Organisation for Economic Co-operation and Development المعروفة اختصارا بـ " أو.إي.سي.دي". ماذا تقول المنظمة التي تتخذ من باريس مقرا لها؟: "إن تعهدات الدول الغربية لمساعدة الدول الفقيرة خلال العام 2010 سوف تتراجع، رغم وصول إجمالي التعهدات الدولية إلى مستوى قياسي". وتتوقع المنظمة، أن لا تحصل الدول الإفريقية على نصف المساعدات التي تعهدت بها الدول الصناعية الثماني الكبرى في قمتها باسكتلندا قبل خمس سنوات وكانت بحدود 25 مليار دولار أميركي. لقد تعهدت 15 دولة في العام 2005 بتخصيص 0,51 في المئة من إجمالي ناتجها القومي عام 2010 لمساعدة الدول الفقيرة. وعلى الرغم من أن دولا مثل السويد والدنمارك وهولندا، سوف تقدم مساعدات تتجاوز تعهداتها، فإن دولا أخرى لن تفي بالنسب المتفق عليها، وفي مقدمتها فرنسا التي ستقدم 0,45 في المئة وألمانيا 0,40 في المئة والنمسا إلى 0,37 في المئة وإيطاليا 0,20 في المئة، من إجمالي الناتج القومي. وعلينا أن نعرف أن دولتين هما فرنسا وألمانيا تساهمان بحوالي 37 في المئة من إجمالي ميزانية برنامج مساعدة الدول الفقيرة!. باختصار سيكون هناك عجز يصل إلى 12 مليار دولار لعام 2010 بين المساعدات "الموعودة" والفعلية.

لا نشكك بنوايا الدول المتقدمة الثرية، ونفهم معها " أن الذي يحتاجه البيت يحرم على الجامع"، ونتفق أيضا بأن إنقاذ المؤسسات في هذه الدول، هو مسؤولية وطنية حتمية، فلا يمكن أن تسمح حكومات بانهيار مؤسسات، أصبحت تمثل في الواقع رموزا شكلت النسيج السيادي في بلدانها. ولكن المسؤولية الوطنية ( لاسيما في الدول الكبرى) توازيها مسؤولية عالمية، لا مجال للهروب منها، ولا يمكن التخلص من استحقاقاتها. إنها مهمة الكبير إذا ما أراد أن يكون كبيرا. ولأنها كذلك، فلا يمكن أن تتساوى مسألة إنقاذ مصرف أو مؤسسة، مع قضية توفير مياه الشرب – لا الاستحمام – في دولة ( أو مجتمع) تصل فيها قيمة الأمطار إلى قيمة الألماس!، وتستحيل المقارنة بين فقدان الدواء لعلاج مرضى الإيدز – مثلا – في دولة ما، وبين تراجع مبيعات السيارات في الدول الثرية. وهل يمكن أن نقارن بين الكوارث المولودة من الحروب - وتلك الطبيعية – وبين المشاكل التي يعاني منها قطاع السياحة في هذا البلد أو ذاك؟!. الدول المتقدمة الثرية تعرف تماما، أنها لا تستحق هاماتها في عالم لا توجد فيه هامات أخرى. وإذا لم يفهم هذا القوي هذه المقاربة، فإنه لن يختلف عن شخص خاض سباقا بمفرده.. لكنه احتل المركز الثاني!!. ولمن نسي من أولئك الذين يُحمِلون الأزمة الاقتصادية العالمية مسؤولية " التقتير" المالي، أقول: هناك امرأة في مكان ما من هذا العالم، تموت كل دقيقة أثناء الولادة، وهناك 72 مليون طفل لم يلتحقوا بالمدارس، وهناك 1,02 مليار جائع، وهناك طفل واحد من كل 6 أطفال مصاب حتى أذنيه بآفة عمالة الأطفال!.

يقول كبير مستشاري مؤسسة "أوكسفام" الخيرية البريطانية الكبرى في أعقاب إعلان "منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي" عن عدم إيفاء الدول المانحة بتعهداتها للعام 2010 : "تلك الوعود التي لا يتم الوفاء بها، لا تقل عن كونها فضيحة". والواقع أن الفضيحة ليست وليدة الأزمة الاقتصادية العالمية، بل سبقتها بسنوات عدة. فقد تراجع حجم المساعدات الأميركية للدول الفقيرة في عهد إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن إلى مستويات مُخجلة، ساهمت في "تصغير" الولايات المتحدة التي قزمتها أصلا سياسات إدارة بوش على مدى ثماني سنوات. أما مساعدات الدول المانحة الأخرى فقد شهدت هي الأخرى تراجعا ملحوظا، لم يصل بالطبع إلى مستوى تراجع مثيلتها الأميركية. فعلى سبيل المثال تراجعت مساعدات الاتحاد الأوروبي الخارجية في العام 2007 التي بلغت 46,1 مليار يورو ( اليورو يساوي 1,2 دولار أميركي تقريبا) أكثر من 1,7 مليار يورو مقارنة بحجمها في العام 2006!. أي أن الدول المنضوية تحت لواء هذا الاتحاد لم تف بكامل تعهداتها قبل الأزمة. وهذا المبلغ المستقطع يمكن أن يمول – حسب مفوضية الاتحاد الأوروبي- بناء 4500 مدرسة أو 1200 مستشفى.

لا يمكن مقارنة الكرم الأوروبي بـ "الكرم" الأميركي في عهد بوش الابن. فالمقارنة تظلم الأوروبيين، وتمنح واشنطن تحت بوش تقديرا لا تستحقه. لكن هذا لا يلغي حقيقة تراجع المساعدات الأوروبية في الوقت الذي تحتاج فيه الدول الفقيرة كل شيء تقريبا، في زمن الأزمة التي لا دخل للدول المحتاجة في ارتكابها. إنها أزمة مُصدَرة من بلدان المساعدات. من واشنطن من طوكيو من لندن من باريس من برلين من روما وغيرها. وقد أصبح واضحا للجميع، أن "شماعة" الأزمة لم تعد تحتمل المزيد من المبررات أو الحجج، فقد أُثقلت بما يكفي منها. فالأزمة "تحملت" الكثير، بعد أن حملت العالم الكثير أيضا. لكن هذا لا يعني على الإطلاق الهروب من المسؤولية، بل على العكس تماما، تمسي المسؤولية ضرورة حتمية في وقت الأزمات والمحن، وليس فقط في زمن المسرات.

إن قنابل التدمير الشامل لا تصنع فقط من اليورانيوم المخصب، بل تصنع أيضا من حرمان البشر من حقوق إنسانية بسيطة الماء والطعام والدواء أجزاء أساسية منها، لكن الكرامة تقف على رأسها.

يقول الكاتب البريطاني تشارلز لامب : "لا أعرف غبطة أعظم من أن أُسدي يداً في الخفاء، ثم ينكشف أمرها مصادفة". هل هناك أعظم من هذا الشعور؟!.

الخميس، 18 فبراير 2010

الأوبئة الاقتصادية الأوروبية!

( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")












«لكي تفهم أوروبا، يجب عليك أن تكون عبقريا أو فرنسيا»
وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت

 
محمد كركوتــي
 
في موجة الرعب الأوروبي من انهيار الاقتصاد اليوناني، يستطيع رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون الحصول على مساحة للتنفس، ليست متوافرة عند قادة دول منطقة اليورو (الدول الأوروبية التي تعتمد اليورو عملة رسمية لها). فلا تزال بريطانيا خارج هذه المنطقة، وتحتفظ بـ ''جُنيهها الإسترليني'' إلى أجل لم يشأ براون تحديده. لكن.. ما نطاق ''مساحة التنفس'' هذه؟ إنه ضيق ومحدود، لا يلبث أن يتحطم أمام حقائق الترابط الاقتصادي الأوروبي، سواء داخل منطقة اليورو أو خارجها. فمسؤولية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، قد تتفاوت بين دولة وأخرى (طبقا لحجم هذه الدولة أو تلك)، لكنها لا يمكن أن تغيب عن الساحة، كما أنها ليست اختيارية، هي في الواقع إلزامية لكل من ارتضى أن يكون عضوا في هذه المنظومة الأوروبية الهائلة.

اليونان اليوم، وربما البرتغال غدا، وإسبانيا بعد غد، وحتى بريطانيا ربما ''بعد بعد غد''!. عجز هائل في الموازنات العامة لهذه الدول، تضاف إليه ديون سيادية متعاظمة، تنذر بأزمة اقتصادية عالمية أخرى، بينما لا تزال الأزمة (ليس غيرها) تتسيد الموقف الاقتصادي العالمي، إلى أجل يُحسب بالسنوات، لا بالأشهر. فالتعافي الذي بادر بالظهور مع ''هروب'' عام 2009، يشبه ذلك التعافي الذي يشعر فيه مريض يتكدس السرطان في كل أنحاء جسمه. هو أشبه بوردة تم العثور عليها '' بقدرة قادر'' وسط جبل من القمامة. هو إطار جميل للوحة قبيحة. هو بمثابة كلمة خارجة عن النص! ولأن الأمر كذلك، فليس مهما أن تكون هذه الدولة أو تلك داخل أو خارج منطقة اليورو. المهم أنها ضمن الاتحاد الأوروبي، وأن استحقاقات الأزمة سارية على الجميع، وأن الهَم اليوناني الآتي من جهة البحر الأبيض المتوسط، لا مناص من أن يتحول إلى هَم فنلندي قابع عند تخوم روسيا، وهَم ألماني مترابط حدوديا مع فرنسا، وهَم فرنسي متلاصق مع إيطاليا، إلى آخر ''التوليفة'' السياسية الاقتصادية الحدودية الاتحادية الأوروبية.

لم تنته الأزمة الاقتصادية العالمية، ولن تنتهي في المدى المنظور. وإلا كيف نفسر تعاظم الديون السيادية؟ وارتفاع معدلات البطالة؟ وتواضع معدلات النمو المتوقعة؟ وتزايد العجز في الموازنات العامة؟ كيف نفسر التباطؤ في الوصول إلى نظام اقتصادي عالمي، يضع النظام القائم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في سجلات التاريخ فقط؟. كيف نفسر تحذيرات صندوق النقد والبنك الدوليين، من مغبة سحب خطط الإنقاذ الحكومية على مستوى العالم؟ كيف نفسر الجشع العائد (هذا إن رحل أصلا) إلى نفوس القائمين على المؤسسات المالية الكبرى؟ كيف نفسر ما يستحيل تفسيره؟! تكفي الإشارة إلى أن الديون السيادية التي لا تتوقف عن النمو، بدأت تشكل المشهد الاقتصادي العالمي ما بعد اندلاع الأزمة. فقد وضعت العالم أمام تهديد جديد يتمثل في إمكانية عجز الدول عن تسديد ديونها في المرحلة المقبلة. منها دول تملك القرار الاقتصادي العالمي، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا، فضلا عن دول مثل إيرلندا، النمسا، المكسيك، لاتفيا، أوكرانيا، الأرجنتين، والإكوادور وبالطبع إسبانيا والبرتغال وغيرها!.

الاتحاد الأوروبي، يعيش سكرات حقيقية لما بعد انفجار الأزمة. وعلى الرغم من الهزات الاقتصادية التي شهدها العالم مطلع القرن الـ 21، ظلت منطقة اليورو متماسكة وقوية إلى حد ما. لكن مع بدء شبه انهيار الاقتصاد اليوناني (العجز في موازنة اليونان 12.7 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي، أي أكثر من أربعة أضعاف المعدل المسموح به في دول منطقة اليورو. فقد وصل إلى 300 مليار يورو)، أصبحت هذه المنطقة ( المكونة من 16 دولة) في مواجهة أكبر تهديد لوجودها، منذ إنشائها في كانون الثاني (يناير) من عام 1999. لم يجد رئيس الاتحاد الأوروبي هيرمان فان رومبوي أمامه سوى المطالبة بتشكيل حكومة اقتصادية أوروبية، لكي تقوم بتنسيق سياسات مواجهة الأزمة بصورة أفضل. فهو يعتقد بأن القادة الأوروبيين هم الوحيدون القادرون على بلورة استراتيجية مشتركة تهدف إلى خلق مزيد من النمو ومزيد من الوظائف. وفي الواقع، فإن ما يطالب به رومبوي هو تعزيز ''آلية الحكم'' باعتبارها أمرا ملحا ومطلوبا، لا سيما في وقت الأزمات الكبرى. لكن مطالبة ''الرئيس الأوروبي''، لم ترق بعد إلى دول مثل بريطانيا وألمانيا، ولكنها تصب تماما في التوجه الفرنسي. فقد كان الرئيس نيكولا ساركوزي قد تقدم سابقا بمقترحات بهذا المعنى لزملائه الأوروبيين. فهو يسعى من خلال هذه التحركات والاقتراحات والمطالب، إلى تكريس الدور الأوروبي ( إقليميا وعالميا)، من أجل استكمال ''دق المسامير'' في نعش النظام الاقتصادي الأنجلوساكسوني، الذي يعتبره ساركوزي وبعنف مجرد نظام تخريبي عالمي، أو على الأقل مجرد نظام لم يعد صالحا لما بعد الأزمة الاقتصادية.

وسواء تم تشكيل ''الحكومة الاقتصادية الأوروبية'' أم لم يتم، يواجه الاتحاد الأوروبي أكبر التحديات قاطبة، منذ تحوله من ''مجموعة أوروبية'' إلى هيئة اتحادية. وهذه التحديات لا تترك مجالا للجدال. فكلما زاد وقت الجدال تحولت هذه التحديات إلى تهديدات، وتحولت بالتالي إلى مصائب متفاقمة تنال من مستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه. في القمة الأوروبية التي عقدت في بروكسل الشهر الجاري، تبين – مرة أخرى - لقادة الدول الـ 27 المنضوية تحت لواء الاتحاد، أن الآتي أعظم، وأن مساعدة اليونان في محنتها المالية التاريخية، هي مجرد ''تدريب'' لما قد يحدث ( في وقت ليس ببعيد) في دول أوروبية أخرى. فالتضامن النظري لم يعد له مكان على الساحة الأوروبية، تماما كما هو حاله على الساحة العالمية. لكن ما حدث في القمة، ظل ضمن نطاق ''التمنيات الأخلاقية'' في أن تتجاوز اليونان محنتها. نحن نعلم أن الاتحاد لن يترك اليونان بمفردها، لكننا نعلم أيضا، أن هذا البلد لن يكون قادرا على تقليص العجز في موازنته العامة إلى 4 في المائة مع نهاية عام 2010!. وهنا يأتي دور الدول الأوروبية الكبرى للتدخل، وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا. إلا أن هناك مشكلة إجرائية (بل دستورية) في هذا المجال. فطبقا للقواعد المعمول بها في الاتحاد الأوروبي، لا يجوز لدول منطقة اليورو أن تقوم بتطبيق خطة إنقاذ جماعية لاقتصاد أي دولة في المنطقة المذكورة. وهذا يعني أن المساعدات التي تحتاج إليها اليونان، لن تأتي إلا بشكل فردي، دون أن ننسى، بأن الديون السيادية هي التي تتقدم المشهد الاقتصادي في كل الدول الأوروبية، تماما مثلما هو الحال في الولايات المتحدة.

تقول الأديبة الأمريكية المعروفة أليسون لوري: ''الذي يذهب إلى أوروبا لرؤية التاريخ المُعاش، عليه أن يذهب إلى جنوب كاليفورنيا لرؤية المستقبل''. لقد أرادت أن تقول: إن الولايات المتحدة تمنح الرؤية الواضحة للمستقبل، مثلما تمنح أوروبا رؤية تاريخ يعيشه الأوروبيون في القرن الـ 21. لكن هل ينطبق هذا التوصيف على أوروبا والولايات المتحدة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية؟. أحسب أنه لا ينطبق على الإطلاق!. فأوروبا.. تواجه أوبئتها الاقتصادية بمعايير الحاضر ''الاتحادية'' – إن جاز التعبير -، وهو أمر لم يكن مطروحا على الساحة الأوروبية قبل القرن الـ 20. والولايات المتحدة.. قدمت مستقبلا اقتصاديا لهذا العالم، مليئا بالأوبئة والأمراض بمعاول نظام بات القضاء عليه أمرا واجبا على الجميع، وعلى رأسهم الأمريكيون أنفسهم. ولأن الأوقات تتغير، والحقائق المُريعة تسود الساحة الدولية ( بنخبها وغيرهم)، فإن المستقبل الذي تحدثت عنه لوري، لن يكون مشرقا إلا بتغيُر المفاهيم والأنظمة والمعايير السائدة، وبالتعاون العالمي المفتوح (لا المحلي أو الإقليمي الضيق). وإذا كان ''الرئيس الأوروبي'' يدعو إلى حكومة اقتصادية أوروبية لمواجهة أبشع الأزمات العالمية قاطبة، فمن الأفضل الدعوة إلى تشكيل ''حكومة اقتصادية عالمية''، يرسم من خلالها العالم مستقبله، ويُبعد بأدواتها المخاطر. إنها خطوة ستجعل من العولمة نفسها حاجة ملحة، لا قضية خلافية.

الزبون ليس دائما على حق!

(هذا المقال خاص بجريدة الاقتصادية)

«لا تثق بالراوي.. ثق بالرواية»
الأديب والشاعر الإنجليزي ديفيد هربرت لورنس

محمد كركوتــي
 
رسام الكاريكاتير البريطاني كيبير وليامز رسم بليغ حول الصدمات التي أحدثتها الأزمة الاقتصادية العالمية. فقد رسم موظفا كبيرا في صندوق النقد الدولي، يقول لزميل له: يجب علينا أن نلجأ إلى صندوق النقد الدولي. فما كان من الموظف الثاني إلا أن رد مستغربا مستعجبا: نحن صندوق النقد الدولي! ذكَرني هذا الرسم المعبِر، بوكالات التصنيف والتقييم الكبرى، المتخصصة في تحديد مستويات وملاءات (وحتى نزاهة) المؤسسات والشركات الكبرى، والمؤسسات ذات ''المقاسات'' المختلفة الأخرى. فهذه الوكالات أصبحت جزءا من الأزمة، قبل هذه الأخيرة وخلالها، وربما بعدها، إذا كان هناك من لا يزال يعتقد أنها وكالات ''معصومة'' لا تخطئ، وبأنها تتحلى بالنزاهة والشفافية!

وعلى الرغم من أنها تعرضت إلى ما تستحق من هجوم وانتقادات وتشكيك وارتياب بعد أن ''طفح الكيل''، إلا أن هذه المسألة تستوجب وضعها على الدرجة نفسها من الأهمية، الذي يضع العالم فيها النظام المصرفي الساعي إلى إعادة هيكلته بما يتوافق مع إفرازات ومصائب الأزمة الاقتصادية. فاستحقاقات الأزمة، تجاوزت - منذ اندلاعها - مستويات الإصلاح و''الترقيع''، وبلغت مرحلة إعادة الهيكلة. فكيف يمكن القيام بأعمال الديكور في مبنى منهار؟! وكيف يمكن إجراء عملية تجميل لامرأة فارقت الحياة؟! وكيف يمكن تحسين صورة لا معالم لها؟! الأمر يحتاج إلى إعادة صناعة، وإعادة بناء، وإعادة تكوين، لن تنجح معه أية جهود تهدف لـ ''إعادة التدوير''! وإذا كان بالإمكان إلقاء القبض على شخص ارتكب جريمة قتل، ووقعت عليه العدالة الخالصة، هل يمكن لهذه العدالة أن تُعيد الضحية إلى الحياة؟

في كتابي الذي صدر في منتصف عام 2009 عن الأزمة الاقتصادية العالمية تحت عنوان ''في الأزمة''، نشرت موضوعا مستفيضا عن وكالات التصنيف والتقييم، تحت عنوان ''عملوا البحر طحينة''. وقتها كان رؤساء هذه الوكالات يقولون: ''لا دخل لنا في ارتكاب الأزمة، ولسنا مسؤولين عن تداعياتها، وقد قمنا بمهامنا على أكمل وجه''!. لكن هؤلاء لم يبرروا تقييماتهم لمؤسسات وضعوها في الدرجة الممتازة، كيف تعرضت إلى الانهيار بـ ''لمح البصر''؟ ولم يفسروا تصنيفاتهم ''فوق الممتازة''، لمؤسسات وشركات تابعة أو متعاونة مع المحتال الأمريكي الشهير برنارد مادوف، الذين استطاع أن يسرق 65 مليار دولار أمريكي على مدى 20 عاما. هي التي ''طمأنت'' العالم بأن بنك ''ليمان برازرز'' الأمريكي لا غبار عليه، وأن بنك ''نورثرن روك'' البريطاني متماسك، وأن ''ميريل لينتش'' الأمريكية متوازنة، وأن مصرف ''رويال بنك أوف أسكوتلاند'' لن يخسر، وأن شركة ''فورد'' قوية، وأن مؤسسة الضمان الأمريكية ''إى آي جي'' مضمونة. وقبل هذا وذاك، أن لدى مادوف من ''النزاهة'' والصدق، ما يكفي لوضع أموال الدنيا بين يديه! والمصيبة أن شرائح نافذة في الاقتصاد العالمي، اعتبرت أن وكالات التقييم لديها من الشفافية والنظافة ما يكفي لتحصينها من الخضوع للتقييم!

إن الأمر ليس كذلك. فالجميع يعلمون أن الثقة تحتاج إلى سنوات لبنائها، وقابلة ومطواعة للتدمير في ظرف ثوان معدودة. ولا أعرف إن كان أولئك الذين يؤمنون بـ ''قدسية'' وكالات التقييم ( مثل ''زملائهم'' المؤمنين بـ ''قدسية'' السوق)، يعرفون أن الجودة لا تبدأ إلا من الداخل، ثم تحفر لنفسها طريقا إلى الخارج. فهذه الوكالات لم تعمل بالجودة المطلوبة، من أجل تحديد مستوى جودة الآخرين!. لا غرابة إذن.. في أن تكون المؤسسات التي خضعت لتقييم وكالات التصنيف هذه، أول وأكبر الهيئات المنهارة، وأول من نشر الصدمة والآلام معها، وأول من ''بشَر'' بكساد عالمي يصعب حتى على القائمين على إدارته وضع مدة محددة أو متوقعة لانتهائه.

تطرح قضية وكالات التقييم، موضوع التشابك في المصالح بينها وبين المؤسسات الخاضعة لتقييمها. فعلى مدار السنوات التي سبقت الأزمة الاقتصادية العالمية، لم تقدم وكالة واحدة، تصنيفا سلبيا، لمؤسسة واحدة من تلك الكبرى أو المتوسطة. أقصى ما كانت تقوم به، هو تخفيض مستوى التقييم بصورة لا تتأثر معه سمعة المؤسسة أو الشركة. والتشابك الذي يحتاج إلى ''التفكيك'' أو التوضيح، يكمن في أن المؤسسة التي توظف وكالة التقييم، تتحول أوتوماتيكيا إلى زبون لهذه الوكالة، الذي ينطبق عليه التعبير السوقي الشائع ''الزبون دائما على حق''. لكن هذه – ربما – هي الحالة الوحيدة التي لا ينطبق عليها هذا التعبير. فالوكالة لا تقدم منتجا استهلاكيا، يجب أن يخضع بالضرورة لرضا المستهلك. بل ''تصنع'' منتجا معلوماتيًا لتوعية المستثمر الذي سيساعده في توجيه أمواله. وفي الواقع ينبغي أن يكون الزبون هنا هو المستثمر، لا المؤسسة ولا الشركة. وإلى أن يتم حل هذه الإشكالية، وفك ''التشابك''، ستظل وكالات التصنيف ''بائعة للتقييمات''، وستبقى محل شك وريبة. فقد تحولت هذه الوكالات قبل الأزمة – وحتى لأشهر بعدها – مثل الجامعات التي تبيع شهادات الدكتوراه والماجستير، لأشخاص لا يملكون إلا المال!

والمشكلة الكبرى، أن الأوروبيين فهموا ضرورة وحتمية حل هذا الخطأ الاقتصادي الاستثماري التاريخي، لكن الأمريكيين لا يريدون أن يفهموه. ففي الربع الأول من عام 2009، وافق المشرعون الأوروبيون على تنفيذ إصلاحات – لا تغييرات - ترتبط في مسألة دفع تكاليف عمليات التصنيف. غير أن الأمريكيين لم يتوصلوا بعد إلى صيغة ما بهذا الخصوص، الأمر الذي سيقلل من حجم ومستوى الإصلاح الأوروبي، لأن قطاع وكالات التصنيف – لا سيما الكبرى منها – هو أيضا متشابك عالميا، مثلما هو متداخل محليا. ويطرح الـ ''مكتوون'' بنار الأزمة، قضية الشفافية مع وكالات التصنيف نفسها. فالأسئلة كثيرة في هذا المجال، ولا توجد إجابات شافية عليها. ولعل في مقدمتها: ما مدى خضوع وكالات التصنيف للتدقيق في رسومها وماضيها ومستويات التصنيف والتقييم التي تعتمدها؟ بل، هل المحلل التابع لهذه الوكالة أو تلك، يتمتع بالقدرة المهنية الجيدة؟ وما مدى جودة سمعته؟ يكفي الإشارة هنا، إلى التضارب الذي بات جزءا أصيلا في عمليات التقييم تجاه مؤسسة واحدة. فلم يعد غريبا منذ سنوات، أن تجد مؤسسة حاصلة على مستويات متفاوتة من عدة وكالات في وقت واحد!. ويتكرر هذا الأمر بصورة مضحكة ومؤذية في آن معا. والمثير أنها لم تتردد (في أعقاب الأزمة) في تخفيض مستوى تقييماتها الخاصة بالمؤسسات العالمية - والعربية أيضا- دون أن تقدم أي مبررات معقولة لهذه التقييمات المتدنية، تماما كما فعلت في رفع تقييماتها لهذه المؤسسات قبل الأزمة، دون أي مبررات واقعية أو صادقة، أو معلومات حقيقية.

هناك الكثير من الخطوات والمقترحات التي تجعل من ''قطاع التصنيف'' قطاعا يستحق اسمه. من بينها: أن لا تملك وكالات التصنيف الحق في تحديد قيمة الديون التي تساعد على إعادة جدولتها. وألا يشترك المحلل الموكَل بتقييم المؤسسة في مفاوضات حول أجوره. ويقترح المشرعون: ألا يحصل هذا المحلل على هدايا تفوق قيمتها 25 دولارا أمريكيا. وعلى الوكالة التي توظفه، أن تمتلك سجلا تاريخيا عن نزاهته، وإذا ما كان تعرض إلى شكاوى في السابق. وإذا ما وضعت هذه المقترحات قيد التنفيذ الفعلي، سيعاد النظر بحقيقة وكالات التصنيف، بما في ذلك تلك التي تحمل أسماء رنانة، وستحصل على المكانة التي وُجدت من أجلها. وإذا كانت المؤسسات والشركات.. وحتى الحكومات معرضة للفساد، ينبغي أن تكون هذه الوكالات، هي الوحيدة المحصنة منه. وللتدليل على ذلك، فقد خلصت لجنة مراقبة حكومية أمريكية إلى ماذا؟.. إلى أن المسؤولين في وزارة الخزانة الأمريكية كذبوا على الرأي العام في بلادهم، عندما روجوا لتسع مؤسسات مالية حصلت على مساعدات حكومية لإنقاذها من الانهيار. وكذب هؤلاء – حسب المفتش العام الخاص بالمساعدات الحكومية نيل باروفسكي – عندما ''رسموا صورة إيجابية''، وأكدوا بطريقة غير واقعية على أن المصارف التي حصلت على أموال الإنقاذ الحكومية ( أموال دافعي الضرائب)، قادرة على الإقراض بفضل هذه المساعدة. وماذا فعلوا أيضا؟ أخفوا معلومات عن الوضعية الحقيقية لهذه المصارف حتى بعد خطط الإنقاذ!.

يقول الأديب الأمريكي الشهير مارك توين :''إن تستحق التقدير ولا تحصل عليه.. أفضل من أن تحصل عليه دون استحقاق''. لقد عبَر عن واقع وكالات التصنيف والمؤسسات التي ''صُنفت''، وكانت أول الغارقين في الأزمة.

يسارية اليمين!

( هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")










''الاقتصاد العالمي يرتكز على تموين رغبة اثنين في المائة من مجموع سكان العالم''.
الكاتب والمؤلف الأمريكي بيل برايسون

 
 
محمد كركوتــي
وجد عديد من قادة دول العالم (المؤثرة وغير المؤثرة)، في الأزمة الاقتصادية العالمية، فرصة سانحة ومناسبة لـ ''الثورة'' على ما كان سائدا قبلها، بما في ذلك أولئك الذين كان لهم نصيب في وقوع الأزمة نفسها، أو الذين غضوا الطرف عن مقدماتها، أو الذين ''تحايلوا'' على الاتهامات الموجهة إليهم! فـ ''ثورة'' المتورط، تسهم في تلطيف – وربما في تخفيف – الاتهامات الموجهة إليه، و''ثورة'' غير المتورط، تعطيه دفعا شعبيا قويا يحتاجه في وقت الأزمات وفي دائرة النكبات. وفي الواقع، أوجدت الأزمة ''موجات ثورية''، وصلت إلى حد دفعت رئيس أساقفة الكنيسة الإنجليكانية روان وليامز للقول علنا: ''إن كارل ماركس كان على حق.. إذن''. وهذا لا يعني بالطبع أن وليامز يوافق على الطرح الماركسي – ولا سيما من الجانب الديني – لكنه أراد بهذا الموقف الغريب، أن يقدم تعبيرا ثوريا، يصعق صانعي القرار السياسي – الاقتصادي، الذين يعيشون الصاعقة الناجمة عن الأزمة، وفي مقدمتهم أولئك الذين ارتكبوها!. لكن الاندفاع ''الثوري الموسمي''، يظل فاعلا ضمن نطاق آني، لا ينفع إلا في تحقيق مكاسب إعلامية – دعائية آنية، سرعان ما تزول أمام الحقائق المتفجرة، وعاجلا – وليس آجلا – ما تنتهي بنهاية اليوم.

في الأزمة، رأينا سياسيين يمينيين محافظين، لا ينتقدون المصرفيين الجشعين و''المُلهَمين'' الاقتصاديين المُدمِرين فحسب، بل يشتمونهم. ورأينا ثوريين تقليديين (بصرف النظر عن رُشد ثوريتهم أو فوضويتها)، يطورون الشتائم إلى أقوى منها! لقد سوَت الأزمة، بين مؤمن بالاقتصاد المفتوح الذي ''لا يخطئ مدى الدهر''، وبين مؤمن بأن الاقتصاد المفتوح ليس سوى الخطيئة بعينها!. وضمت رئيسا مثل الفرنسي نيكولا ساركوزي الآتي من جهة اليمين السياسي، ورئيسا مثل الفنزويلي هوجو تشافيز الآتي من أقصى اليسار السياسي، إلى ''بيان مشترك واحد''، في صيغة متطابقة. بيان لا يحتوي إلا على هجوم ضد سلوكيات السوق المفتوحة، وضد القائمين والمؤمنين بـ ''قدسيتها''. وقبل هذا وذاك ضد النظام الاقتصادي ''الأنجلوساكسوني''، الذي دمرت الأزمة كل أدبياته في إعصارها الذي أغرق كل أتباعه وأغرق معهم المناوئين له أيضا. إنه نظام ما بعد الحرب العالمية المنتهية في عام 1945، يرى الثوريون التقليديون، ومعهم '' الثائرون'' غير التقليديين الجدد، أنه ينبغي أن ''يُعلن استسلامه'' في الحرب الدائرة إلى أجل غير مسمى على الأزمة الاقتصادية العالمية. فهؤلاء يعتبرون هذا النظام الاقتصادي، بمثابة ''سلاح الدمار الشامل الاقتصادي''.

ليس هناك أفضل من ''المنتدى الاقتصادي العالمي'' الذي يعقد سنويا في دافوس السويسرية، كمنبر لتجسيد ''التحول الثوري''. فهذا المنتدى يجمع السياسيين ومعهم رؤساء أكبر المؤسسات والشركات في العالم تحت سقف واحد. وعلى الرغم من أنه يناقش الاقتصاد بعالميته وشموليته ومصائبه، إلا أنه ظل في نطاقه النخبوي من حيث شروط العضوية فيه. وأُذكر من نسي، بأن المؤسسات ''النخبوية''، كانت ''الحجر الأساس'' في ''بناء'' الأزمة الاقتصادية العالمية، إلى جانب ''الأعمدة'' السياسية المساندة لهذا البناء! لقد حذر ''منتدى دافوس 2010 '' الذي عُقد تحت شعار عريض هو: ''إعادة التفكير، إعادة التصميم، إعادة البناء''، من أن تداعيات الأزمة العالمية، قد تطول لتكلف العالم مزيدا من الخسائر، ما لم يتم تغيير طريقة التفكير في التعامل مع المخاطر التي تواجه الاقتصاد، ابتداء من معاجلة ثغرات الحوكمة في جميع أنحاء العالم. ويرى ''المنتدى'' في تقريره السنوي لعام 2010، أنه من غير الممكن إحداث تغييرات تقي من تكرار الأزمات في الاقتصاد العالمي، إلا بعد إعادة النظر في القيم والسلوكيات الحالية من جانب صانعي القرار، بغية تحسين مستوى التنسيق والإشراف.

وفي ظل هذه النتائج و''العِبر''، تكرَس ''منتدى دافوس'' أمام '' الثوريين الجدد'' كمنصة ''لجلد'' النظام المالي والاقتصادي الذي سيطر على العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وقد فهم الرئيس الفرنسي هذه الوضعية، وفهم أكثر ضرورة استغلالها، ليواصل ما بدأه في أعقاب اندلاع الأزمة، وهو الهجوم الشرس على ''الثقافة الاقتصادية الأنجلوسكسونية''. لقد هاجم ''الرأسمالية الجشعة''، التي جلبت للعالم هذه الأزمة التاريخية، وطالب بما وصفه بـ ''اعتدال اقتصاد السوق''، وإصلاح النظام المالي العالمي. ولمزيد من ''الثورية الآتية من اليمين''، يرى ساركوزي – ويرى معه القابعون تحت وطأة الأزمة ولا سيما أولئك الذين لا دخل لهم في ارتكابها – أن العالم يحتاج إلى ''بريتون وودز جديد''، وهو الاتفاق الدولي الذي أعقب الحرب الثانية، وشكل الخريطة الاقتصادية والاجتماعية.. وحتى السياسية للعالم. وللتأكيد على أنه ''ليس ثوريا عابرا''، قال : '' إنني سأعمل على إيجاد الإصلاحات المناسبة والتاريخية الحتمية، عندما تتولى فرنسا رئاسة اجتماعات مجموعة الثماني ومجموعة العشرين في عام 2011''. لا غرابة فيما قاله الرئيس الفرنسي. فعلى المنصة نفسها قال زعيم حزب المحافظين البريطاني المعارض ديفيد كاميرون في دورة المنتدى لعام 2009: ''يجب علينا أن نقف في وجه المؤسسات والمصارف التي تجعل من حياة الناس صعبة لا تطاق''، ليعلن – بطريقة غير مباشرة - على الملأ، أنه لم يبق من ''الحزب التاتشري'' – نسبة لزعيمته السابقة مارجريت تاتشر – إلا ''أطلالا تاتشرية''. فهذه الأخيرة، كانت تقدس السوق وتحتقر المجتمع.

لقد جاء الموقف المتجدد للرئيس الفرنسي، بعد عام ونصف العام من اندلاع الأزمة، وهذا يعني أن الدول الكبرى، لم تصل بعد إلى مواقع متقدمة وعملية ومؤثرة، في مسيرتها نحو إنشاء نظام اقتصادي جديد، يأخذ في الحسبان، الأخطاء المدمرة للنظام المولود بعد الحرب العالمية الثانية. ويعني أيضا، أن مصداقية '' الثوريين'' الجدد، ستظل على المحك، إلى أن يضعوا على الأرض ما ينادون ويطالبون به، حتى لو أتى ''الثوريون'' من بلد أم الثورات فرنسا. نعم.. استطاع ساركوزي – بمواقفه الاقتصادية الثورية - أن يدعم شعبيته، ليس فقط على الساحة الفرنسية بل والأوروبية أيضا. لكن هل تمكن من وضع علامات التحول التاريخي الذي ينادي به على الطريق؟. الجواب ببساطة: لا . وهذا الأمر يطرح سؤالا كبيرا هو: هل حققت الدول الكبرى بمجموعتيها ''الثماني'' و''العشرين'' إنجازات ''تحوُلية'' على صعيد تأسيس نظام اقتصادي، يحل مكان النظام المنبثق عن اتفاق ''بريتون وودز''؟. الجواب مرة أخرى: لا!

إن التحرك الدولي الذي انطلق في أعقاب الأزمة، وأصبح أكثر فاعلية بعد خروج إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن من الحكم، من أجل ما يمكن وصفه بـ ''التجديد الاقتصادي''، حقق خطوات عملية وواقعية، لكنه لم يرق بعد إلى مستوى ''التجديد التاريخي'' الذي ينبغي أن يوازي تاريخية أخطاء ما قبل الأزمة، وتاريخية مصائب الأزمة نفسها. فـ ''التغييرات'' التي أُدخلت إلى النظام المالي العالمي مثلا، ظلت في إطار الإصلاحات، بينما يتطلب الأمر، بناء نظام مالي جديد بمعايير ومعاول جديدة، لا بأدوات إصلاحية فقط. والذين يتحدثون عن ''بريتون وودز'' جديد، يعلمون أن القضية لا تنحصر فقط في نظام مالي، بل في نظام اقتصادي، يأخذ في الحسبان مدى أهلية المؤسسات التي نشأت بفعل هذا الاتفاق التاريخي، ومدى تناغمها مع المستجدات، خصوصا بعد أن غيرت الأزمة، كل المفاهيم والمبادئ التي سادت العالم قرابة سبعة قرون من الزمن، ولا سيما في ظل اتفاق عالمي – لثوريين وغير ثوريين - على أنه .. وإن مرت عاصفة الأزمة، إلا أن آثارها وتداعياتها ستظل باقية إلى زمن يحسب بالسنوات لا بالشهور ولا بالفصول. وعلى هذا الأساس، يجب على ''الثوريين'' القادمين من جهة اليمين تفعيل توجهاتهم، لكيلا تظل محصورة فقط في الخطاب الإعلامي. هذا الخطاب الذي كان له الدور الأكبر في تجميل الوجه القبيح، لواحد من أكثر الأنظمة الاقتصادية تشوهًا في التاريخ.

الذي يحتاج إليه العالم – بعد الفاجعة - ليس اتفاق ''بريتون وودز'' جديد، بل معاهدة دولية يشترك فيها الجميع. معاهدة توفر ''اعتدالا'' للسوق، وعدالة للمجتمع.

الخميس، 28 يناير 2010

الولايات المتحدة الأميركية "النامية"!

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")




" ليس مهما أن تنشر إعلانات منتجات الطعام إلى الجائعين، ولا منتجات الوقود إلى الذين يموتون بردا، ولا العقارات إلى المشردين"
الاقتصادي الكندي – الأميركي جون كاليبريث

 

محمد كركوتــي
 
تحدُث في الولايات المتحدة الأميركية. تحدُث في بلد يستحوذ على أكبر اقتصاد في العالم. تحدُث في أقوى وأغنى جمهورية في العالم. تحدُث في دولة تعج بأكبر عدد من مقرات وفروع المنظمات والجمعيات الإنسانية والخيرية، بما في ذلك تلك التابعة للأمم المتحدة، التي تحتضن مقرها الرئيسي. تحدُث في مجتمع استطاع أن يرسل رجالا إلى القمر في ستينات القرن العشرين، وتمكن من اكتشاف ما كان مستحيلا اكتشافه. إنها قضية، لو لم تحدُث في أثيوبيا أو الكاميرون أو الصومال – مثلا – لكان هناك خطأ ما!. ولو لم تقع في هايتي ( قبل زلزالها المدمر وبعده)، لقلنا: إنه زمن المعجزات!. ولو لم توجد في دول في القارة الآسيوية، لاعتبارنا أننا على أعتاب نهاية الزمن!. المعادلة لم تُقلب، بل ضمت عناصر جديدة. ففي الولايات المتحدة تشردٌ مستمر ومشردون أكثر استمرارا!. وفي المناطق والدول المشار إليها، مشردون "متأصلون" مستمرون، وتشردٌ متجذر، قوي في استمراريته واستدامته ومصائبه. فالمعادلة إذن.. توسعت من حيث عناصرها، ولم تتجه بمسار معاكس. أي أن التشرد لم يتراجع هنا ويزداد هناك، بل ارتفع هنا وهناك. تعاظم في بيئته المعهودة الحاضنة التاريخية له، وأصاب بالعدوى بيئة ليست متداخلة مع الأولى!.

من الصعب تحميل الأزمة الاقتصادية العالمية المسؤولية المباشرة للتشرد المتزايد في الولايات المتحدة، وإن ساهمت هذه الأزمة، برفع أعداد المشردين ( أفرادا وأسر). فالتشرد وتوابعه، كان جزءا أصيلا من سياسة التجاهل أو عدم الاكتراث، التي مارستها إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن في الداخل الأميركي على مدى ثماني سنوات. كانت من "الثانويات" لا الأساسيات. وحين اندلعت الأزمة الاقتصادية في الأشهر الأخيرة من ولاية بوش الثانية، أضافت مشردين جدد إلى المشردين "المتأصلين"، لتكون "قضية هَمِ" إلى جانب "قضايا الهموم"، التي ورثتها إدارة الرئيس باراك أوباما. وكأن إدارة بوش "استصغرت" توريث الأزمة الاقتصادية الكارثية لوحدها، للإدارة التي خلفتها!.

ماذا فعلت إدارة بوش أثناء وجودها المريب في البيت الأبيض؟. منعت محققة تابعة للأمم المتحدة هي البرازيلية راكيول رولنيك المخصصة للتحقيق فيما يعرف في المنظمة الدولية بـ " المسكن اللائق كمكون رئيسي من مكونات العيش الكريم وحقوق الإنسان" أوAdequate housing as a component of the right to an adequate standard of living ، من دخول الأراضي الأميركية. فقد كانت هذه الإدارة تؤمن بأن "المسكن الكريم" ليس من حقوق الإنسان، ولا دخل للمنظمات الدولية فيه!. وجاء هذا المنع المشين، في إطار مقاطعة الولايات المتحدة – في عهد بوش بالطبع – مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ( لقد قاطعت إسرائيل أيضا نفس المجلس)!. ومع زوال الإدارة المذكورة، استطاعت رولنيك أن تدخل الأراضي الأميركية، وتتطلع على كمية هائلة من المعلومات والحقائق التي صدمت حتى المتخصصين الذين اطلعوا سابقا عن قرب على مصائب كثيرة. ولم تَسلَم إدارة أوباما في الواقع من لسان المحققة الدولية، التي وجدت قضية التشرد في الولايات المتحدة، مسألة معيبة بحجم حقيقتها، ومعيبة أكثر بحكم بيئتها. ماذا قالت؟ :" إن الولايات المتحدة الغنية تتجاهل قضية المشردين التي تواصل التردي، في الوقت الذي تقوم فيه بضخ المليارات من الدولارات الأميركية في المصارف لإنقاذها"!.

بعد أن أكملت رولنيك في أواخر العام 2009 جولة في سبع مدن أميركية ( منها شيكاغو وواشنطن ونيويورك ولوس أنجلس)، وصلت إلى الحقائق التالية: أن الحكومة الفيدرالية لم تنفق ما يكفي من أموال لانتشال مواطنيها من براثن التشرد!. وأن حقيقة أزمة المساكن – العقارات – ليست مرئية عند الغالبية من الأميركيين!. وأن مشكلتي السكن والفقر لا يتم التعاطي معهما كقضيتين خطيرتين!. وأنه حتى في عز التعاطي مع الأزمة الاقتصادية والبحث عن سبل لإنعاش الاقتصاد، لا توجد عمليا آليات ناجعة لحل مشكلة المشردين. وأن الغالبية العظمى من هؤلاء المشردين، هم من أصول أفريقية ولاتينية أميركية، وأميركيين أصليين ( من الهنود الحمر).

في العام 2008 بلغ عدد المشردين ( بلا مأوى) في الولايات المتحدة أكثر من 3 ملايين إنسان، والمثير أن الأرقام المتعاظمة لهؤلاء هي في أوساط الأسر لا الأفراد. وطبقا للمنظمات المختصة، فإن هناك ما يقرب من 17 ألف من الآباء والأمهات والأطفال يلتحفون السماء كل ليلة في مدينة لوس أنجلس. هناك من هؤلاء من يعثر على مأوى لليلة واحدة، لكن الغالبية العظمى من الرجال والنساء، لا يمكنهم ذلك!. صحيح أن الحكومة توفر معونة شهرية للمشردين، لكن المعونة الواحدة تقل 50 في المئة عن قيمة إيجار غرفة لمدة شهر!.

لست هنا في معرض الحديث التفصيلي عن الأوضاع المعيشية للفقراء في الولايات المتحدة. لكني وجدت معايير جديدة تتشكل على الساحة الأميركية بفعل الأزمة الاقتصادية، من بينها تدخل الأمم المتحدة نفسها، وتحت مسمى وشعار حقوق الإنسان. وللتذكير، أنا لا أتحدث هنا عن أثيوبيا أو الصومال أو نيجيريا أو غيرها من الدول الفقيرة والمنكوبة، التي ينبغي أن لا تغيب المنظمة الدولية عنها، قبل أن تحقق الحد الأدنى من كرامة العيش، ولا أقول الكرامة الإنسانية، لأن هذه الأخيرة تبدو جزءا أساسيا من المستحيل!. فبعد زوال إدارة بوش، وحضور الأزمة، سمحت إدارة أوباما لمحققة الأمم المتحدة، بعقد اجتماع "جماهيري" في قاعة بلدية لوس أنجلس، مع الأميركيين الذين خسروا منازلهم وافترشوا حدائق وأزقة المدينة. ومثل أي مواطنين في الدول النامية ( عندما يعثرون على مسؤول دولي يستمع إليهم)، قام المجتمعون بتقديم الشكاوى لرولنيك، بأن المسؤولين المباشرين عن المساكن، لا يولون قضاياهم اهتماما، بل يولونها تجاهلا!. اللافت في الأمر أيضا، أن المسؤولين في إدارة الرئيس أوباما، يوفرون كل الإمكانيات للمحققة الدولية من أجل إتمام مهامها، ويمنحونها الحرية المطلقة للتحرك، كيفما تشاء في البلاد. فهذه الإدارة أعلنت صراحة، أنها تسعى إلى الاستفادة من مهام هذه الشخصية الدولية، ولا تهتم بالإحراج الذي قد ينجم عن تكشف الحقائق. ففي وقت الأزمات، يبدو الإحراج نوعا من أنواع الرفاهية.

لقد صدَرت الولايات المتحدة إلى العالم على مر سنوات طويلة، "طرازا اقتصاديا" – موديل - يقوم على مبدأ "أن كل فرد يستطيع تنظيم نفسه ماليا، وبإمكان أن يحقق ما يريد في هذا المجال". حسنا، من الأهمية بمكان بالنسبة لدول العالم التي "اشترت" هذا "الموديل"، أن تعرف وتحدد الشخص المؤهل لهذا " الطراز"، والشخص غير المؤهل له. إنه "طراز" عائم غائم ومغر في آن معا. وفي الواقع أن هذا " الطراز"، حل على مدى عقود من الزمن، مكان آخر كان يقوم على مبدأ" توفير المسكن اللائق لذوي الدخل المنخفض". ما الذي حدث ؟. ساد الأجواء "اقتصاد الوهم"، وهو أن كل إنسان يمكنه أن يمتلك بيتا بمعايير وهمية، لا حقائق واقعية ملموسة. ماذا نتج عن ذلك؟ أزمة عقارية تاريخية، تحولت إلى أزمة مالية أكثر تاريخية منها، تحولت بدورها إلى أزمة اقتصادية، حفرت لنفسها أبرز مكان لها في التاريخ!.

نعم.. إن جزءا أصيلا من الأزمة الاقتصادية مرتبط بهذا الطراز من السياسة الإسكانية الورقية أو الاسمية أو الوهمية ( لنختر ما شئنا من التوصيفات). فعلى رأس أولويات هذه السياسة، بند تسويق المنازل – العقارات – إلى الأشخاص الذين لم يكونوا مؤهلين للحصول على قروض مصرفية أو إسكانية، ولم يصلوا في حياتهم إلى وضعية ائتمانية، تضمن لهم القروض. وفر "الموديل العقاري" القروض ( الديون) لهؤلاء.. وبسخاء. ولكن أحدا من "المُلهَمين الاقتصاديين"، لم يوجه لنفسه السؤال الأهم وهو "هل يمكن أن ينطبق هذا (الموديل) على الفقراء"؟!.

لقد عبرت راكيول رولنيك بعمق عن الحقيقة الماثلة أمامها حين قالت : " إن الولايات المتحدة واحدة من أغنى دول العالم. أعتقد أنه من الأهمية بمكان، أن يعرف العالم حقيقة ما يجري فيها". كأنها أرادت أن تقول، لأولئك الذين " استلهموا" الطراز الاقتصادي الأميركي : "احذروا التقليد"!.


الاثنين، 25 يناير 2010

الفحش المصرفي!

( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية" )










"المصرف هو المكان الذي يُقرضك الأموال، إذا استطعت أن تثبت أنك لا تحتاجها"
الممثل الكوميدي الأميركي بوب هوب



محمد كركوتــي


صعد الرئيس الأميركي باراك أوباما "عاقد الحاجبين" على منصة أحد المؤتمرات الصحافية، وقال موجها كلامه إلى رؤساء المصارف: "أريد أن تعيدوا لنا أموالنا". ولكن كيف؟.. يتابع أوباما: "يجب على المصارف أن تدفع ضرائب جديدة، من أجل استعادة الأموال العامة (الحكومية) التي أُنفقت عليها لإنقاذها". كان غضبه من هؤلاء، في قمة فورانه، ومن الواضح أنه بحث عن تعبيرات، تفي غضبه بلاغة، لكنه لم يجد تعبيرا يلاءم حجم المكافآت "المشينة" التي منحها رؤساء المصارف لأنفسهم سوى "الفحش" obscene. وهذه الكلمة يمكن أن تُترجَم أيضا ( حسب سياق وخصوصيات التعبير) إلى "فاسق أو فاجر أو قذر أو داعر"!. وطرح الرئيس الأميركي مسألة منطقية، وفق المعادلة التالية: إذا كانت المصارف والمؤسسات المالية في وضعية تسمح لرؤسائها بمكافأة أنفسهم، بكميات هائلة من الأموال، فهي بالتأكيد قادرة على إعادة كل سنت من أموال دافعي الضرائب التي أنقذتها من براكين الأزمة الاقتصادية العالمية. فكل "مكافأة" يمنحُها رئيس مصرف لنفسه ولمساعديه، "تُنتج" غضبا رئاسيا أميركيا، يفوق "المكافأة" حجما.

يبدو أن إصلاح النظام المالي المحلي والعالمي، بصورة تكفل درء الأزمات وضخ الأخلاق، وإيداع الضمير فيه، أشبه بإصلاح مجرم المافيا الأميركي (الراحل) آل كابون، أو ملك المخدرات الكولومبي(المقتول) بابلو أسكوبار، وأشبه أيضا بتحويل "الإمبراطور" الأفريقي (الراحل) بوكاسا من آكلٍ للحوم البشر، إلى نباتي يعيش على الخس والطماطم والخيار!. فعلى الرغم من كل الإجراءات التي اتُخذت – وتتخذ- بقيت المخاوف من سلوكيات المصارف والمؤسسات المالية، حاضرة لدى مالكي صناعة القرار والمُشرعين، وبقيت معها مشاعر الشك والريبة تستحوذ على هؤلاء. فهم يعرفون، أن أبطال الجريمة الكبرى ( الأزمة الاقتصادية) الذين استمروا على الساحة، لن يستطيعوا إزالة آثارها، ليس فقط من حجم قوتها، بل من فرط الأدلة الهائلة الدامغة حولها، ومن فقدان الأخلاق في مسرحها. ولذلك، فالأمر يتطلب أكثر من ضريبة جديدة تفرض على المصارف وما يشبهها من مؤسسات، وأكثر من غضب رئيس دولة هنا وآخر هناك، وأكثر من إجراءات مرحلية، وأكثر من ضوابط موسمية. فحتى الضريبة التي اقترحها أوباما وسيعمل على فرضها، وُضع لها مساحة زمنية – إذا ما فُرضت – لا تزيد عن عشر سنوات!.

والحقيقة أن الرد الأقوى والأمثل والأنجع، على سلوكيات المصارف ورؤسائها، جاء عمليا من تحرك الاتحاد الأوروبي، عبر حث صندوق النقد الدولي، على السعي لفرض ضريبة عالمية على المعاملات المالية – إلى جانب طبعا ضريبة الدخل - للحد من مخاطر حدوث أزمة اقتصادية جديدة، ولوضع الحراك المصرفي العالمي، ضمن نطاق حجمه الحقيقي.. لا الوهمي. ويرى رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو، "أنه من المنطقي أن يقدم من تسببوا في الأزمة لاقتصاداتنا ولدافعي الضرائب، مساهمة عملية للاقتصاد بوجه عام". وهذا يعني أن الساعين إلى فرض ضرائب جديدة على المعاملات المالية، يرغبون في استخدام عوائدها في تمويل عمليات إنقاذ محتملة في المستقبل، خصوصا وأن الاقتصاد العالمي سيظل لمدة – أجد صعوبة في إيجاد من يمكنه تحديدها – طويلة، تحسب بالسنوات لا بالأشهر. لا بأس في هذا التوجه. فالأوربيون متحمسون إلى سَن مزيد من القوانين الضابطة للحراك المصرفي العالمي، لكنهم – وهنا الغرابة - اصطدموا بموقف أميركي رافض، لأن واشنطن لا تعتقد بأن مثل هذه الضريبة، سوف تؤدي إلى الحد من الممارسات المصرفية التي تحفها المخاطر من كل حدب وصوب!.

وتكمن الغرابة هنا، في أن موقف إدارة الرئيس أوباما، حيال الإصلاحات المالية العالمية، يتسم بالكثير من المرونة والإقدام، بل والإصرار على إنجاز المهمة بأسرع وقت ممكن، من خلال التعاون الثنائي بين الدول، وأيضا عن طريق المجموعات الدولية، لاسيما "مجموعة العشرين" التي استلمت زمام المبادرة وصنع القرار على الساحة الدولية، في أعقاب اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية. ولمزيد من الغرابة، فقد أنشأت الإدارة الأميركية "هيئة تحقيق لمكافحة الجريمة المالية"، وصفها وزير العدل إريك هولدر بأنها "ستتم بالحزم والصرامة، وذلك بهدف تجنب أزمة مالية (اقتصادية) أخرى". وفي الإطار نفسه، يقول بين برنانكي رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ( البنك المركزي) : "نعمل بالتعاون مع زملائنا في الداخل والخارج، لتعزيز معايير رؤوس أموال المصارف والسيولة وإدارة المخاطر، والحوافز التشجيعية وحماية المستهلك ضمن ميادين أخرى". فالذي يتخذ هذه المواقف، ويُقدِم على تلك الخطوات، ينبغي أن يكون مؤيدا للجهود الأوروبية بفرض ضرائب على المعاملات المالية، ليس فقط لجني الأموال، بل للمساهمة أيضا في معرفة دقيقة وواقعية، لطبيعة هذه المعاملات التي كانت السبب الأول في انفجار الأزمة.

وإذا كانت خطة الإصلاح المالي الأميركي، التي طرحتها الإدارة الأميركية هي الأضخم على الإطلاق منذ ثلاثينات القرن العشرين، تتضمن توصية بادخار مبالغ مالية لاستخدامها في الأزمات وتحمل الخسائر، يبدو طبيعيا أن تقف واشنطن إلى جانب فرض الضرائب على المعاملات المصرفية. هي تخشى من أن يتأثر النشاط المالي من العبء الذي سيتأتى من الضرائب، لكنها -أي واشنطن – تعرف أكثر من غيرها، أن هذه الطريقة هي الأنجع – مع طرق أخرى إلى جانبها- لتأمين نشاط مالي خال من "مسببات" أزمة، وخال من العمليات الوهمية وتلك المُبالغ فيها، وخال أيضا.. وأيضا من "صفقات الفقاعات"، ومن النشاطات الاحتيالية. فعندما تكون أنت مدينا للمصرف بمئة دولار أميركي، فهذه مشكلتك. ولكن عندما تكون مدينا له بمئة مليون دولار، فإنها مشكلة المصرف. وقد أثبت التاريخ، أن أحدا لا يستطيع أن يلغي أو يقلل من رغبة المصرفيين – في كل مكان – بالإقراض، لأنه مجبول في تركيبتهم المهنية - العملية. صحيح أن القوانين التي وضعت، وتلك التي ستوضع في ماكينة النظام المالي، تفرض رقابة على عمليات الإقراض، لكن هذا النوع من العمليات، يشكل "بحرا هائجا"، من السلوكيات الالتفافية، تحول القوانين الصارمة، إلى "قوانين مجاملة"!. وعندما تفرض الضرائب على المعاملات المالية، تكون المتابعة أشد وأكثر إحكاما، مع التأكيد بأنها لن تشكل لوحدها، الرادع الأقوى.

هناك الكثير من الخطوات التي يجب أن تُتخذ لإحكام القبضة "الاقتصادية والأخلاقية"، على الساحة المالية العالمية. وقد كان حاكم بنك انجلترا المركزي ميرفين كينج ( وهو أحد المسؤولين المباشرين عن الأزمة المالية العالمية)، شجاعا عندما طالب بتجزئة المصارف الكبيرة. فهو يعرف أن كل مصرف منها يمكن أن يتحول إلى مارد، يستحيل معه حمايته من نفسه، ووقوعه بالفشل. ويتفق ما يُعرف بـ " مصرف التسويات الدولية"، الذي يتخذ من مدينة بازل في سويسرا مقرا له، مع كينج، ويرى ضرورة حتمية للإصلاح واتخاذ الإجراءات التي تكفل ضوابط أكثر صلابة، في قطاع له القدرة على كسر كل القيود، وعلى تصنيع "الفقاعات"، وعلى تجاوز كل المعايير، بما في ذلك الأخلاقية منها.

يقول المذيع الأميركي الشهير جوني كارسون ساخرا :" في أي وقت يدخل أربعة "نيويوركيين" (يقصد سكان نيويورك)، إلى سيارة تكسي معا، من دون أن يتجادلوا، يعني هذا أن عملية سطو على مصرف تجري في ذلك الوقت". وهو هنا لا يقصد فقط اللصوص والسارقين التقليديين، بل قصد أيضا العمليات السوداء التي تجري داخل المصارف.

إن العالم بعد الأزمة الاقتصادية، لا يحتاج إلى تسويق للمصارف ومنتجاتها وخدماتها، بقدر احتياجه إلى "عقلنتها" أولا، وتنظيفها من رواسب تجمعت على مدى أكثر من عقدين من الزمن. والخوف من تأثر الحراك المصرفي بضرائب على معاملاته، لا مكان له في ظل أزمة، ولدت أصلا من معاملات، يبدو اللون الأسود أمامها، أبيضا!.



الأربعاء، 13 يناير 2010

المصابغ المصرفية؟!

(هذا المقال خاص بجريدة" الاقتصادية")









"غسيل الأموال.. جريمة معقدة، يتوجب إيجاد آليات معقدة في الحرب عليها"
النائبة العامة الأميركية السابقة جانيت رينو


محمد كركوتــي

كتبت الأسبوع الماضي عن "الجريمة المتوالدة" من "رحم" الأزمة الاقتصادية العالمية، و"المنبثقة" عن ظلامها. ومررت على الجريمة المُنظمَة ( بما في ذلك جرائم غسيل الأموال)، كصورة من صور الجريمة ككل، وكمنظر قبيح أطْر المجتمع الدولي ما قبل الأزمة، وصبغه بلون أسود بعدها، وضع العالم أجمع أمام استحالة العثور على "صبغة" مضادة، تقلل ( أو تخفف) السواد الإجرامي المشين. فجرائم غسيل الأموال، تحتاج إلى معجزة ( في زمننا هذا)، لا للقضاء عليها، بل للحد منها، بل.. وحتى لتحديد هوية مجرميها. ولأنها تأصلت بعد الأزمة، وأوجدت لنفسها مكانا أعمق في الهيكل ( والنظام المالي) الاقتصادي العالمي، فإن أسلحة "محاربيها" لا تزال أدنى بكثير من أدواتها العدوانية. فعندما تشح الأموال وتنضب، يصبح تتبع مصادر الأموال المطروحة على الساحة، أمرا غير مرغوب فيه، بل وتشطب الجملة الشهيرة " من أين لك هذا" من اللوائح والضوابط والقوانين المعمول بها!.

ليس صعبا تتبع مصادر الأموال القذرة، والأمر لا يحتاج إلى خبراء أمنيين وماليين ومحققين دوليين، لتحديد هذه المصادر، والوصول إلى أوكارها. هي خليط من "صناعة وتجارة" الدعارة، والاتجار بالبشر، والسلاح، وسرقة المال العام، والسمسرة المشينة، والإرهاب، والسرقة، والمخدرات. أو هي "صناعة وتجارة" لكل "قطاع" من هذه القطاعات على حدة. هي صناعة "المصيبة"، وتجارة بـ "المصير". هي أكثر من سرطان عدواني، وأكثر أيضا من دمار اقتصادي وأخلاقي. فلا يمكن أن تأتي أموال قذرة، من تجارة أو مصادر نظيفة. ولا تنتج المصادر القذرة، إلا أموال أشد قذارة منها، ولأنها كذلك.. يبحث أصحابها، عن أفضل "مساحيق التنظيف" وأفخر أنواع "الغسالات". لا يهم أن تكون صناعة إيطالية أو ألمانية أو فرنسية أو أميركية أو غيرها. المهم أن تكون قادرة على إزالة أدران وقذارة الأموال، بأسرع وقت ممكن، وبأعلى سرية ممكنة. أما لماذا السرية؟ فلأن هذا النوع من الغسيل، هو الوحيد الذي لا يمكن نشره لا على الأسطح ولا في الحدائق ولا على الشرفات "لتجفيفه"!.

بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، تحولت بعض المصارف الكبرى والصغرى (المنكوبة) في العالم، إلى "مصابغ" لغسيل الأموال. وتظل المصارف – بشكل عام – أفضل "المصابغ" في هذا المجال، حيث توفر كل طرق الغسيل، بما في ذلك " الناشف" أو "المبتل"، وتوفر أيضا خدمات "الصباغة" بكل الألوان التي تفي بالغرض!. وتخصصت هذه المصارف في العامين 2008 و 2009 ، بغسيل أموال المخدرات، على وجه التحديد، ولكن لا بأس لو كانت هناك أموال قذرة من قطاعات قذرة أخرى. ولكي لا أُتهم بالتحامل على هذه المصارف، أنقل ما قاله رئيس مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة أنطونيو ماريا كوستا. ماذا قال ؟: "إن أموال المخدرات حافظت على بقاء النظام المالي قائماً إبان ذروة الأزمة الاقتصادية العالمية"!. مرة أخرى أموال ماذا؟.. المخدرات!!. ويتابع المسؤول الدولي كلامه الصادم فيقول: "إن معظم أرباح تجارة المخدرات، التي يصل حجمها سنويا إلى 352 مليار دولار أميركي، تم استيعابها في النظام الاقتصادي، وإن عائدات الجريمة المُنظمَة كانت (السيولة الاستثمارية) الوحيدة المتاحة لبعض المصارف التي كانت على حافة الانهيار في العام 2008 والعام الذي تلاه!!.

يا إلهي.. أُنقذت المصارف من أموال "التدمير"، بعد أن شاركت المصارف نفسها (بصورة رئيسية) في عملية تدمير المجتمع الدولي، عندما أغرقت البشر بالديون، وأغرقت نفسها معهم، من خلال أزمة مالية، استحقت – عن جدارة- توصيف الأزمة الاقتصادية الشاملة!. لقد منحت المصارف لنفسها "قروض داخلية" مولت من أموال مصادرها المخدرات، والتجارة السوداء المريعة. عمليات الإنقاذ المشينة هذه، طرحت مجموعة من الأسئلة على الساحة الدولية، في مقدمتها: ما هو نفوذ الجريمة على النظام الاقتصادي العالمي في أوقات الأزمات والمحن؟. وما هي الآليات الجديدة التي تعتزم الدول الكبرى على وضعها، من أجل بناء نظام مالي عالمي شرعي محصن من الأزمات والجرائم؟. وقبل هذا وذاك، كيف يستطيع القادة الكبار الفوز بنوم ليلة هانئة، وهم لا يعرفون ( أو يعرفون)، حجم تدفق الأموال القاتلة في "الجسم" المالي العالمي، وتحديدا في بعض مصارف بلادهم؟!. ولا شك في أن هؤلاء على دراية، بأن صاحب رأس المال، يمتلك الحق في إدارة أمواله، وتوجهيها بالشكل الذي يرغب، وبالتالي يحظى بنفوذ يوازي حجم ما يملك، داخل المؤسسات ( المصارف)، التي يضع فيها رأس ماله. وأمام هذه الحقيقة البديهية، سيكون رئيس العصابة "عضوا غير مُعلن" في مجلس إدارة هذا المصرف أو ذاك، وهذه المؤسسة أو تلك، وسيفرض بالضرورة معاييره الدنيئة!.

عندما يصل حجم الديون المعدومة في القطاع المصرفي في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، إلى أكثر من 1000 مليار دولار أميركي بين يناير/ كانون الثاني من العام 2007، وسبتمبر/ أيلول من العام 2009، بالإضافة إلى الخسائر الأخرى، وعندما يصل عدد المصارف الأميركية التي أُغلقت في عام ونصف العام إلى 140 مصرفا، وعندما لا تحقق عمليات الإنقاذ الحكومية الأهداف المرجوة .. تصبح أموال المخدرات والجريمة المنظمة، مطلوبة عند رؤساء المصارف، فاقدي السيولة ومعها الأخلاق والضمير. ولكن السؤال الكبير هنا هو: هل تعرف الحكومات بهذه الحقيقة.. أم لا تعرف؟. فإذا كانت لا تعرف، فتلك مصيبة وكارثة وطامة كبرى. أما إذا كانت تعرف، فالمصيبة والكارثة والطامة الكبرى أعظم، ولن تكون مختلفة أخلاقيا عن العصابات المنظمة نفسها، وسيكون رئيس الحكومة بمثابة رئيس العصابة!.

والذي يرجح معرفة بعض الحكومات، لتمويل مصارف بلادها بأموال المخدرات والجريمة المنظمة، أن مسؤول الأمم المتحدة ( كوستا)، الذي أعلن عن وجود أدلة على هذه العمليات المشينة، رفض تسمية مصارف بعينها. وهذا يعني تفجر فضائح لن تُنسى، إذا ما أعلن عن هوية هذه المصارف، لأنها سيورط الحكومات أيضا. ولهذا السبب تُرك العنان لـ " رابطة المصرفيين البريطانيين"، للدفاع عن المصارف الملوثة بالقول: "إن أموال الدعم تأتي من المصارف المركزية". وهذا صحيح بالفعل. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل هناك "قدسية" للمصارف المركزية؟. لقد أثبتت الأزمة الاقتصادية العالمية، تورط هذه المصارف في ارتكابها، وإن تحملت العبء الأكبر في عمليات الإنقاذ. هذا ليس تشكيكا في أخلاقيات المصارف المركزية، ولكنه مجرد تساؤل، على حكام هذه المصارف الإجابة عليه، لاسيما وأن الاتهامات لم تأت من عصابة تابعة لـ "المافيا"، بل من مكتب تابع للأمم المتحدة، يُعنى بمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة.

وأقدم هنا مثالا واحدا  يمكن أن يُوضح شيئا من غشاوة المشهد. ففي العام 2007 دفعت مؤسسة "أميركان إكسبريس" الشهيرة، غرامة بلغت قيمتها 65 مليون دولار أميركي، لماذا؟ لأنها فشلت في متابعة وملاحقة أموال المخدرات في عمليات التحويلات المالية التي تقوم بها على مدار الساعة!. وقد اعترفت المؤسسة المعروفة بـ "تقصيرها"، ولا نعرف، إن كانت تعرف، بحقيقة التحويلات المذكورة. ولنا أن نتخيل حجم الأموال القذرة، إذا كانت الغرامة بهذا الحجم!.

لقد تحول غسيل الأموال، في الأعوام الماضية، إلى ما يمكن وصفه بـ "الاقتصاد الخفي" أو "الاقتصاد الأسود" أو ما هو أسوأ من ذلك " اقتصاد الظل"!. ويقول جون وللكر في كتابه " ما هو حجم غسيل الأموال" الصادر في العام 1999، إن حجم الأموال التي "تُغسل" سنويا حول العالم، تصل إلى 2850 مليار دولار أميركي!، وهي مركزة بصورة كبيرة في كل من أوروبا وأميركا الشمالية ( الولايات المتحدة وكندا). وهذا يعني أن "المصابغ" المصرفية وغير المصرفية في العالم، تعمل على مدار الساعة، "لغسيل" ناصع البياض، "نُظف" بمساحيق تبدو أمامها منتجات "إريال " و"برسيل" ، مجرد "مُوسخات" لا منظفات. وهذا يعني أيضا، أن المؤسسات المالية وغيرها، ليست محصنة من تدفق هذه الأموال الهائلة إليها، خصوصا عندما تكون أدوات المقاومة ضعيفة في أزمنة الازدهار، ومفقودة في أوقات الأزمات.

وهل تركت الأزمة الاقتصادية العالمية شيئا منها على الساحة؟!.



الخميس، 7 يناير 2010

الجريمة المتوالدة؟!


( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")






" المجتمع يُحضر الجريمة.. والمجرم يرتكبها"

المؤرخ الإنجليزي هنري توماس باكلي

 
 
 
 
محمد كركوتــي
 
سيحمل العام 2010 ( المولود من عام قلَ العثور على شبيه له)، انتعاشا هنا وتعافيا هناك، وانفراجا هنا وتقدما هناك، بصرف النظر عن حجم وطبيعة هذه التحولات أو المستجدات المتوقعة. وهي كذلك لأنها لن تصل إلى مرحلة " الاستحقاقات الانتعاشية" – إن جاز التعبير – في هذا العام، وحتى في العام الذي يليه. سينقشع جزء من غشاوة الأزمة الاقتصادية العالمية، في العام الأخير من العقد الأول للقرن الحادي والعشرين، لكن السماء الملبدة بالغيوم، ستبقى إلى أجل "غير مرئي"، حتى عند أولئك الذين ينظرون إلى الأزمة بعيون ترى ومكبرات تُوضَح، مما يجعل الحرب أقرب إلى صالح الأزمة، منها إلى حساب "محاربيها". فعتاد هؤلاء لا يزال هشا، وعديديهم لا يزال مبعثرا في ساحة القتال، بينما لا تزال عمليات "تعزيز الصفوف" قيد التنفيذ. وإذا كان العالم بعيد عن استحقاقات الانتعاش أو التعافي أو الانفراج أو التقدم (لا يهم اختيار التوصيف إذا لم تثبت الرؤية!)، فإنه قريب من استحقاقات الأزمة، كقربه من آلامها ومصائبها وزلازلها، ومحصور في زواياها. فهي ليست أزمة آنية لتنتهي في زمنها، بل أزمة تاريخية فرضت زمانها، وشكلت الخطوط العريضة (والرفيعة) للمجتمع الدولي، بكل أطيافه ومكنوناته، وقبل هذا وذاك "موجوداته". والطاقة التي كانت هيكلية هذا المجتمع تقوم عليها، بدلتها الأزمة بطاقة فريدة من نوعها وطبيعتها، تحرك المجتمع وتحرقه في الوقت نفسه!. طاقة تغذي المحرك، ليدفع العربة إلى الوراء، فلا يمكن لهذه الطاقة أن تُشَغل إلا محركات "الدفع الخلفي"، ولا تصلح إلا لـ " التقدم" باتجاه المؤخرة!.

الفوران الاجتماعي الذي "غَلتْه" الأزمة، ظهر بمجموعة من الأشكال، كانت الجريمة - بكل أشكالها أيضا - المالية والجنائية والمُنظَمة والالكترونية منها. ولأنه فوران تاريخي من حيث درجة الغليان، فإنه لن يتوقف سوى بتحولات تاريخية صارمة، لن تأتي أو تُستحضَر، إلا ضمن نطاق الانتصار الشامل في الحرب المفتوحة على الأزمة. فالجريمة المتعاظمة، ما كان لها أن تصل إلى هذا الحجم المخيف، بمعزل عن الجريمة الاقتصادية الكبرى، وما كان لها أن تصبح جزءا من الحراك الاقتصادي – الاجتماعي العالمي، لو حقق العالم خطوات كبرى على صعيد حربه الدائرة ضد الأزمة بـ "عتادها وعديدها". وكلما فشلت معركة – في هذه الحرب – أو تأخرت، كلما تأصلت الجريمة بأشكال ومصائب جديدة. والواقع أن الحد من الجريمة المتعاظمة، لا يمكن أن ينجح لو استند فقط إلى الطرق التقليدية المعروفة، بما في ذلك القبض على المجرمين ومحاكمتهم ووضعهم في السجون أو حتى إعدامهم. فهذه الجريمة هي الوحيدة التي لن تهدأ، إلا بحلول اقتصادية – معيشية ناجعة. ولن تتراجع، إلا بخفض عدد العاطلين عن العمل، ووقف ارتفاع عدد الجياع، وتقليل معدلات الفقر، وخلق وتأسيس وتكريس عدالة اجتماعية عالمية (لا محلية). كيف يمكن أن يتحقق هذا، وقد أضافت الأزمة 59 مليون عاطل عن العامل في عام 2009، وضمت ما يقرب من 100 مليون جائع في العام نفسه ليصل العدد الإجمالي إلى 1,02 مليار إنسان، وأوقعت أعدادا هائلة من البشر تحت خط الفقر، حتى في الدول المتقدمة؟!.

إنها مصيبة كبيرة، دفعت مكتب مكافحة الجريمة والمخدرات التابع للأمم المتحدة، إلى تحذير الحكومات من تعاظم الجريمة بفعل الأزمة، سواء الفردية منها أو الالكترونية أو المنظمة. وهذه الأخيرة تجد من السهل في أوقات "المحن المالية" تحويل أموال غير شرعية إلى المصارف، التي تعاني من مشاكل في السيولة!. يا إلهي .. لقد حصلت هذه المصارف على "الأموال السوداء، لتبييض أيامها السوداء"!!. فالعصابات المنظمة التي كانت موجودة قبل الأزمة، وجدت فيها ملاذا آمنا وسهلا، لغسل أموال القتل والسرقة والمخدرات والاتجار بالبشر والأطفال والدعارة!. ومصادر الأموال لم تعد مطلبا مهما لهذا المصرف أو ذاك، وبعض الحكومات في الدول غير الراشدة، شجعت على شطب "من أين لك هذا" من لوائح مصارفها، بينما لا توجد لوائح أصلا في بعض دول أخرى!.

الجريمة المنظمة.. بحر هائل من الأوساخ والقمامة والشر وموت الضمير، يصعب حتى على الدول الكبرى حصرها، لكن من السهل تحديد الجرائم الفردية، لاسيما تلك الناجمة عن الأزمة. فعلى سبيل المثال، في منتصف العام 2009 أعلنت الحكومة البريطانية عن الحاجة إلى ألفي ضابط أمن إضافي خلال ثلاث سنوات، للسيطرة على الجرائم التي ارتفع معدلها بشكل مطرد بسبب حالة الركود الاقتصادي‏. وتتوقع إدارة الشرطة، أن ترتفع الجرائم ‏ بنسبة ‏25 في المئة خلال العامين 2010 و2011‏.‏ ولأن روسيا "ليست طاهرة" من الجرائم – في زمن الأزمات وغيره – فإن ظروف الحياة التي تحولت إلى الأسوأ، رفعت من معدلات الجريمة فيها، في خضم استياء لا حدود له لدى المستثمرين في هذا البلد. ففي شهر واحد فقط ارتفع معدل الجريمة في موسكو 16 في المئة، والاعتداءات التي تؤدي إلى الموت ارتفعت 44 في المئة!. أما السبب المباشر لهذا الارتفاع؟ فيعود إلى أن المهاجرين الذين تدفقوا على موسكو من الجمهوريات السوفيتية السابقة خلال سنوات الازدهار للعمل في مواقع التشييد والبناء والأعمال الصغيرة، فقدوا وظائفهم، ولم يعد أمامهم ملجأ من برد العاصمة ولا لقمة فيها. ولنا أن نعرف أنه في شهر ديسمبر/ كانون الأول من العام 2008 فقد 5,8 مليون روسي وظائفهم. والأمر بنفس البشاعة على ساحة الولايات المتحدة الأميركية. فقد أظهر تقرير أميركي مستقل، أن العلاقة قوية جدا، بين انخفاض الأجور، ومعدلات البطالة المرتفعة للأفراد الأقل تعليماً، وبين ارتفاع نسبة الجريمة وتزايدها في كل القطاعات، وأن الساحة الأميركية تشهد جريمة واحدة كل خمس دقائق، في أعقاب اندلاع الأزمة الاقتصادية. والتاريخ يعزز هذه النتيجة. ففي زمن الانهيار الاقتصادي الولايات المتحدة الذي انطلق عام 1978، تصاعدت معدلات الجريمة، متى؟ في السنوات اللاحقة لهذا الانهيار، وبلغ ذروته في العام 1981، حيث ارتكبت ما يزيد عن 107 آلاف جريمة سرقة في مدينة نيويورك وحدها!، أي بمعدل294 جريمة في اليوم الواحد!.

هذه هي الصورة في ثلاث دول كبرى مؤثرة على الساحة العالمية، وصاحبة قرار اقتصادي عالمي. والوضع لا يختلف في بقية الدول الأخرى المشابهة مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وغيرها، فضلا عن الدول الفقيرة. ومن المصائب أيضا، أن جرائم السرقة ارتفعت داخل الشركات والمؤسسات، على أيدي موظفين فيها، وليس على أيدي عاطلين أو لصوص من خارجها!. والسبب الذي يروجه "السارقون الداخليون" تبريرا لسرقاتهم، أنهم يريدون الحفاظ على مستوى المعيشة المرتفع، الذي تعودوا عليه أثناء فترات الازدهار الاقتصادي. ولمزيد من الصدمات، فقد أنعشت الأزمة في بلد كالولايات المتحدة، تجارة بيع الأسلحة الشخصية، حيث اعتبر "المتسوقون" الجدد، أن احتمالات تعرضهم للسرقة والاعتداء من أجل السرقة، ارتفعت بصورة كبيرة ومخيفة في أعقاب الأزمة. وطبقا لشركة "سميث أند ويسون" Smith and Wesson الأميركية المتخصصة بصناعة الأسلحة النارية، فإنها تتوقع مضاعفة مبيعاتها في غضون ثلاث إلى خمس سنوات، بعد أن حققت في العام 2009 ارتفاعا في مبيعاتها بلغ 13 في المئة.

يقول الكاتب والمؤلف الأميركي جاري ويلس: " إن المنتصرين هم وحدهم فقط الذين يحددون ساعة انطلاق الحرب ضد الجريمة". والطامة الكبرى، أنه لا يوجد منتصر على الساحة في الوقت الراهن. فالحرب لا تزال جارية ومفتوحة على كل الجبهات ضد الأزمة الاقتصادية العالمية، كما أن مسببات الجريمة جاثمة على صدر المجتمع الدولي كله. وإلى أن تضع "الحرب" أوزارها، في زمن يمتد إلى سنوات لا أشهر، لا عجب إذا ما بدأ الأميركيون العاديون بشراء المدافع ، بدلا من المسدسات، والصواريخ بدلا من البنادق، لحماية أنفسهم من مجرمين، لم يكونوا على الساحة أصلا، قبل سبتمبر/ أيلول من العام 2008، الشهر الذي انفجرت فيه " القنبلة النووية البشرية"، ولوثت المجتمع الدولي، بإشعاعات، لا تنفع معها الكمامات ولا السترات الواقية!.


الأربعاء، 6 يناير 2010

مصرفيو الـ "ثلاث ورقات"!



( هذا المقال خاص بجريدة " الاقتصادية")







" المصرفيون يفشلون، لأن المودعين لا يقدمون ما يكفي من المال، لتغطية خسائر المصرف الناجمة عن سوء الإدارة"
نائب الرئيس الأميركي الأسبق دان كويل

 
 
 
محمد كركوتــي
 
إذا كان "ملهَمو" الأسواق المالية، لاسيما سوق "وول ستريت" الأميركية، لعبوا بـ "البيضة والحجر" على مدى عقدين من الزمن، إلى أن وقع الحجر على البيضة وكسرها ، ماحقا صفارها وبياضها، فإن "ملهَمي" المصارف، لعبوا بـ "الثلاث ورقات"، وهي لعبة الأزقة والشوارع الخلفية، التي تمثل فرعا وضيعا لألعاب الكازينوهات في الصالات الفاخرة. فقيَم هذه الألعاب.. واحدة، وإن اختلف مسرحها وتعددت أمكنتها، من بقعة بجانب صندوق قمامة، إلى صالة فارهة مُلحَقة بأفخم الفنادق وأكثرها رفاهية، يعيش روادها ساعات "عز" مع أحلام ربح، لا تتحقق عادة إلا بمعجزة!.


"مُلهَمو" الأسواق باعوا وهمًا وسط فائض من الجشع والطمع المَرضي الموبوء، و"مُلهَمو" المصارف باعوا سرابا في خضم جشع وحاجة. وماذا فعلوا أيضا؟، تحولوا إلى وكالات تصنيف متخصصة بالأفراد، أزاحت من سجلاتها درجات التقييم السلبية الواقعية، وعززت فيها درجات التقييم الإيجابية الورقية أو الاسمية أو الوهمية. فلكل – وفق معاييرها- مؤهل لـ "الفوز" بالقروض، بعيدا عن الملاءة والقدرة على التسديد الكامل والمنتظم، وبعيدا عن واقعه المالي، وإمكانياته العملية!. الكل يستطيع أن "ينعم" بهذه القروض، بل ويمكنه أن يحصل على أخرى إضافية في أي وقت يشاء، بصرف النظر عن الحِجة (أو السبب) لهذا القرض أو ذاك!. ولأن الأموال لم تكن حقيقية أو محسوسة، فهي متوفرة مثل الأمطار في المناطق الاستوائية، ومثل عدد الجياع والمشردين في العالم ( لاسيما ذلك العالم المنسي). إنها مثل أموال "قارون"، ولكنها ليست كأموال حاتم الطائي. فما عليك إلا أن توقِع على قرض، مع رجاء بسيط بـ "دعم الانتباه" إلى أنه سيقع بك في الحضيض!.

وقع الواقعون، ودبت المصيبة. فلا أموال موجودة، ولا أصول أو عقارات تقوم مقامها. انكشفت المصارف، وانكشف معها (أو تعرى) مدرائها "المُلهَمون"، وتبين لهؤلاء أن "موجودات" مصارفهم ليست في الواقع سوى عشرات الآلاف من المقترضين الذين لا يملكون شيئا، ومليارات من الأموال المعدومة، وهموم في كل الأرجاء!. لم يخجل مدراء المصارف المتورطة في الأزمة الاقتصادية العالمية ( وأزمة الناس ) من نتيجة أعمالهم، ولم يغيروا من سلوكهم الجشع. فقبل وبعد استغلالهم لطمع وحاجات الأفراد، واصلوا جشعهم ضد مصارفهم نفسها، عن طريق مواصلة منح أنفسهم المزيد من المكافآت والمخصصات المالية السنوية، حتى في عز الأزمة العالمية، وفي بؤرة الخراب، وحتى بعد أن تحولت هذه المصارف إلى ملكيات حكومية أو شبه حكومية، بغية إنقاذها!. ففي عز فوران الأزمة، منح مدراء المصارف في الولايات المتحدة الأميركية أنفسهم، ما يقرب من 19 مليار دولار أميركي كمكافآت، بل أن أندرو كومو المحامي العام لولاية نيويورك كشف، بأن المكافآت التي حصل عليها كبار المسؤولين في تسعة مصارف، تدخلت الإدارة الأميركية لإنقاذها عام 2008، فاقت في بعض الحالات صافي الربح!.

هذه الحقائق المريعة، دفعت الرئيس باراك أوباما، إلى الفوز بإقرار مجلس النواب مشروع قانون إصلاح سوق وول ستريت والمؤسسات المالية، كما شن هجوما شرسا على المدراء والرؤساء، ووجه أقذع كلمات التوبيخ لهم، واعتبر" أنه لا يُعقل منح مكافآت ضخمة، بينما يعاني الأميركيون من الفقر والبطالة"، ومضى أوباما أبعد من ذلك حين قال : "لم أترشح للرئاسة، كي أساعد حفنة من (القطط السمان) في وول ستريت". لقد أثبت هؤلاء، أن قضية الأخلاق والإحساس، مسألة ليس فيها نظر، وأن مشاعر العالم الذي يكتوي بنار أزمة كانوا من أدوات تأجيجها، لا معنى لها. بل أن مشاعر الأميركيين الذين دفعوا من أموالهم فاتورة إنقاذ المصارف عن طريق الضرائب، لا قيمة لها!.

أمام هذا المشهد المصرفي العالمي، لم تستطع الحكومة البريطانية الاكتفاء بمواصلة التنبيه والتحذير للمصرفيين، بأن يُظهروا شيئا من الخجل. وأدركت هذه الحكومة أن الغضب الشعبي، وصل إلى أعلى مستوياته، وأنها لن تتمكن من كبح جماحه، إذا ما استمر الحال على ما هو عليه. ماذا فعلت؟، فرضت ضريبة تبلغ 50 في المئة على مكافآت المصرفيين التي تتجاوز 25 ألف جنيه إسترليني، في جميع المصارف والمؤسسات المالية البريطانية وفروع المصارف الأجنبية. وتشمل الضريبة الجديدة، كل المدفوعات التقديرية، مثل الأسهم والخيارات وزيادات الرواتب المؤقتة. ولنا أن نعرف، أن هذه الخطوة ستدر على الخزينة العامة للبلاد، أكثر من 550 مليون جنيه إسترليني، في وقت تحتاج فيه بريطانيا – كغيرها من الدول الأخرى – إلى جنيه إسترليني إضافي لمواجهة تبعات الأزمة، علما بأن الحكومة أقرت رصد هذه الأموال، لتمويل عمليات تشغيل العاطلين عن العمل الذين "تكاثر" عددهم بفعل الأزمة. إنها خطوة ضرورية جاءت متأخرة ومنقوصة. لماذا؟ لأن الضريبة على مكافآت المصرفيين تستمر لمدة ستة أشهر فقط!. ومع ذلك، لم تخجل المجموعات المصرفية من القيام بهجوم على الإجراءات البريطانية الجديدة، بحجة أن "معاقبة" أصحاب الدخول الكبيرة في القطاع المصرفي، ستؤدي إلى هجرة الكفاءات، بينما ظهر عضو في مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، ليقول : "إن فرض ضريبة استثنائية على مكافآت موظفي القطاع المصرفي، لن يكون فعالا في تشجيع سلوك ينطوي على مخاطر أقل بين المصارف على المدى البعيد"!.

أية كفاءات تلك التي ستهرب؟، وأية خسارة في الكوادر ستنجم عن فرض ضريبة على المكافآت الهائلة؟. إن مسؤولية أولئك الذين استمروا في مناصبهم المصرفية بعد الأزمة، في اندلاع هذه الأخيرة، تستدعي فصلهم، لا فرض ضرائب على مكافآت لا يستحقونها. وإذا كانت الضريبة سوف تُبعد هؤلاء عن القطاع المصرفي، فإنها بذلك تحقق هدفين. الأول: "استئصال" الأموال من جيوبهم، وتحويلها إلى الخزانة العامة. والثاني: تشجيعهم على هجرة القطاع المصرفي، الذي ابتلي بهم لسنوات طويلة، دمروا خلالها الثقة، بل والكيان المصرفي برمته، مع ضرورة عدم منحهم رسالة "حسن سيرة وسلوك". كما أن وجود هؤلاء في خضم إعادة التكوين المصرفي العالمي، سيقوض العديد من الخطوات الهادفة لإصلاح هذا القطاع. يضاف إلى ذلك، أن "متورطي الأمس"، لا يمكن أن يكونوا من إصلاحيي اليوم. ويكفي أن نعلم، أن الحكومات في الدول المؤثرة على الساحة العالمية، تقوم بصورة يومية بتوجيه التحذيرات إلى القائمين على المصارف، للالتزام بسلوكيات ما بعد الأزمة، لاسيما في ظل ظهور تراخ هنا وآخر هناك.

لقد بدأت الحكومات التي ترزح تحت وطأة الشح المالي، وخطط الإنقاذ المستمرة المحسوبة بعشرات المليارات من الدولارات الأميركية، بإتباع سياسة حازمة في هذا المجال، خصوصا في ظل تنامي مشاعر الامتعاض والسخط، في أوساط الرأي العام. لكن ينبغي أن لا يكون الحزم موسميا. صحيح أن هناك رؤى مختلفة في أوساط صناع القرار الاقتصادي في الدول المتقدمة، حول مسألة التضييق على مكافآت ورواتب المصرفيين، وصحيح أن كل دولة تسعى إلى تكريس ما تبقى من وضعيتها المالية، من خلال سياسة مرنة، تحافظ على سمعتها السابقة، لكن الصحيح أيضا.. أن الأزمة الاقتصادية العالمية، غيرت المفاهيم، وفرضت واقعا جديدا في كل الميادين، وفي مقدمتها الميدان المصرفي. فالقضية لم تعد وطنية أو محلية، بل عالمية. والمشاركة الدولية في صنع القرار المالي، لم تعد خيارا، بل ضرورة حتمية، اعترفت بها وقبلتها كل الدول دون أي استثناء.

إن خطط الإنقاذ والضخ المالي – على أهميتها – ليست كافية لإنهاء الأزمة العالمية، ولا يمكن أن تحصن الاقتصاد العالمي من أزمة أخرى، ربما تكون أكثر شناعة. فإلى جانب هذه الخطط، لابد من "إنشاء مصنع" عالمي لإنتاج الثقة. مصنع عصي على الإغلاق، ينتج أيضا سلوكيات اقتصادية ومالية جديدة، تقوم على ما هو موجود في الواقع، لا على ما هو وهم في الخيال. ومحاصرة "المُلهَمين المصرفيين"، جزء أساسي لبناء الثقة، وتدمير المقامرة والجشع.

إنها في النهاية مسألة أخلاقية لا يمكن أن تتكرس إلا بالممارسة، وبأدوات هجومية تُبقي الوحوش بعيدة عن الحظيرة.



الثلاثاء، 22 ديسمبر 2009

عام "التعري" الاقتصادي!

(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")





" المتفائلون ينتظرون حتى منتصف الليل، ليشهدوا بداية السنة الجديدة. المتشائمون ينتظرون أيضا ليتأكدوا من أنها رحلت"
الكاتب الأميركي وليم فاوجهان



محمد كركوتــي

أحسب أنه لا يوجد أحد في هذا العالم، يعارض "حذف" العام 2009، من ذاكرة التاريخ. وأحسب أيضا أن العالم كله يتمنى، لو أن مجموع سنوات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، يساوي تسع، لا عشر، وأن يقفز تسلسل الأعوام من 2008 إلى 2010 مباشرة، وأن يضيع العام 2009 من ملفات هذا الزمن وأوراقها. وأحسب أيضا.. وأيضا، أن الكبار والصغار.. الأثرياء والفقراء.. المتقدمين والناشئين - كل في موقعه وفي خضم ظروفه - سيحتفلون – من فرط سعادتهم – بعام مدمر رحل، لا بآخر مجهول آت. فمهما كانت سمات 2010، لن تكون أفظع من سابقه، ومهما كانت مصائب 2008، لن تكون بحجم ويلات تداعيات لاحقه 2009. وإذا كان الاقتصاديون درجوا على وصف الأيام التي تشهد انهيارا أو انخفاضا مريعا في الأسواق العالمية، بـ"السوداء"، يستطيع هؤلاء أن يصفوا 2009 دون تردد بالأسود، الذي جاء نتيجة الغليان الذاتي للون "الأحمر الدموي" الآتي من 2008. فهذا الأسود، هو اللون الوحيد الذي تكوَن نتيجة "مزج" الأحمر الدموي، بالأحمر الناري!.

لكن هل تُشطب السنوات بالتمنيات والقرارات؟. وهل تزول الآلام بالتجاهل والانصراف عنها؟. وهل يمكن أن تُمحى المصائب بكراهيتها فقط؟. وهل بالإمكان استبدال واقع أسود، بوهم أبيض؟!. نعم لا أحد يريد تكرارا للعام 2009، لكنه في النهاية هو امتداد لـ "عام الكارثة"، وسابق لعام يصعب تحديد ملامحه، حتى في زحمة التطمينات التي تطلق هنا وهناك، بأن الأزمة الاقتصادية العالمية، بدأت بالخروج من عنق الزجاجة، وأن الانتعاش آتٍ في طريقه. فالحمم التي قذفتها هذه الأزمة في العام 2008، غطت العام الذي لحقه، دون أي إشارات على استقرارها فيه فقط. فلا تزال الحرب المضادة التي يشنها العالم ضد الأزمة، دفاعية، ولم تدخل مرحلتها الهجومية بعد، ولا تزال هذه الحرب عبارة عن مجموعة معارك مفتوحة. ولأنها كذلك، فهي مرشحة للاستمرار في العام 2010، الذي يتمنى العالم أن لا يشبه سابقه، ولا ينقل العدوى منه. لماذا؟، لأن الأزمة العالمية، لم تُخلف "أنفلونزا" يمكن تحضير لقاح للقضاء عليها، ولا "حُمى قلاعية"، يمكن مواجهتها بالحجر الصحي (كرنتينا)، ولا وباء "جنون بقر"، يمكن إعدام أعداد من الماشية المصابة لاحتوائه، بل نشرت سرطانا، لا ينفع معه لقاحا، ولا حجْرا، ولا إعداما. سرطان لا دواء يحاربه سوى الاستئصال.

العام 2009 يمضي.. ولا يمضي!. يزول رقما، لكنه يبقى هما، وجرحا نازفا في هيكلية الاقتصاد العالمي، والمجتمع الذي يكوُنه. كان عام التداعيات والانهيارات، والإفلاس والإغلاق، والهموم والأوجاع، والتراجع والانخفاض. كان عام الجوع والفقر.. البطالة والأمية.. المحتالين والجشعين.. الديون والتشرد. كان عام "القومية الاقتصادية" المتحجرة، و"الوطنية المالية" الصلفة. كان عام.. حتى الطلاق والتشتت الأسري. لكن في النهاية كان 2009 عام الحقيقة المتأخرة. ولو ظهرت هذه الأخيرة مبكرا، ربما كان 2009 عاما ككل الأعوام، التي تأتي وتهرب وسط زحام السنوات وتدافعها، أو كتلك التي تُذكر برقمها لا بقيمتها. هذه الحقيقة تأخرت أكثر من عقدين من الزمن، لا سنة ولا اثنتين ولا ثلاث. حقيقة.. كانت مدفونة تحت أرجل "المُلهمين الاقتصاديين"، الذين قدسوا السوق، واستحقروا المجتمع، وبعضهم من ألغى هذا الأخير، كأداة من أدوات وجود الحياة أصلا!. "المُلهمون" الذين كانوا يسخرون ممن كان يحذر، من فداحة تجاوز السوق للمجتمع، ومن قدسية الأموال الوهمية. ولسان حال هؤلاء كان يقول :"لا صوت يعلو فوق صوت السوق"!، ولا مكان لمن يريد أن يجعل من المجتمع بوصلة للسوق. فهذه الأخيرة – بالنسبة لهؤلاء- هي البوصلة والربان.. وحتى نجوم السماء المرشدة للملاحين. وعلى هذا الأساس، حوَل "مقامروا الاقتصاد" المجتمع إلى سلعة تُنتج في مصانعهم!.

في العام 2009، تأكد العالم بأن عجلة الاقتصاد العالمي، كانت تدور بأموال وهمية، لا وجود لها في الواقع، وأن ثروة العالم الحقيقة – بما في ذلك تلك المدفونة تحت "البلاطة"- ليست أكثر من نصف ما يدار في الأسواق ويشكل وقودا لها. ولأنها كذلك، فقد توالت الانهيارات، بعد انفجار الفقاعات، وتداعت الصروح التي توهم "المقامرون" بأن قوة لم توجد على الأرض بعد يمكن أن تهزها!. لم يعد في 2009 مناعة لأي صرح كان، مهما كانت منغرسا في هيكلية البناء الاقتصادي. حتى الحكومات.. انهار بعضها، واهتز بعضها الآخر، وتحولت حكومات، إلى "ملاكم" يتهاوى على الحلبة، أمله الوحيد أن يعلن الحكم وقف المباراة!. لكن .. أين هو هذا الحكم الذي بإمكانه، أن يوقف "مباراة الأزمة الاقتصادية"؟!. فهذه الأخيرة، خربت المشهد، إلى درجة جعلت "الحكم" نفسه يستجدي إيقافا عاجلا واستثنائيا للمباراة!.

لقد عرَى 2009 كل الذين كانوا "مدججين" بالملابس، خصوصا أولئك الذين كانوا يستعرضون بملابسهم الـ "سينييه"، بعد أن حفِل 2008 ببداية "مهرجان العري الاقتصادي". وتساوى هؤلاء -لوهلة من الزمن- مع أولئك العراة أصلا، من فرط غياب العدالة الدولية. فالكبير لم يعد كبيرا. وإذا كان قد احتفظ برقمه الكبير، إلا أنه فقد من الهيبة، ما يوازي الرقم قيمة. وضَح العام 2009 الصورة الحقيقية للجميع، وأظهر الوزن الفعلي لكل لاعب على الساحة. وتبين أن بعض أصحاب الأوزان الثقيلة، لم تكن أوزانهم في الواقع أثقل من "وزن الريشة"، لكن الاقتصاد الوهمي، أفسح لهم المجال، لخوض مباريات في الوزن الثقيل. ماذا حدث؟، كانت اللكمة الموجهة إليهم، تساوي أضعاف قدرتهم على الصمود حتى في الجولة الأولى!.

في العام 2009 ضخت الحكومات حول العالم، ما يزيد عن 20 تريليون دولار أميركي، في اقتصاداتها، للحفاظ على مؤسساتها، وحمايتها من الانهيار، لكنها لم تستطع إنقاذ كل المؤسسات والشركات والمصارف، التي باتت تتهاوى الواحدة تلو الأخرى، في مشهد تاريخي فريد. فقد أصبح – على سبيل المثال – إغلاق المصارف في الولايات المتحدة الأميركية (في العام 2009 بلغت 139 مصرفا)، خبرا يوميا أو أسبوعيا عاديا!، وبات ارتفاع عدد العاطلين عن العمل – في الولايات المتحدة وغيرها – خبرا مملا!، وصار تأميم هذه المؤسسة أو تلك، مثل خبر منشور في جريدة " البرافدا" الروسية، قبل "وفاة" الاتحاد السوفييتي السابق!. وحتى العجز في الموازنات العامة، انسحب من مقدمة الأخبار، إلى ذيلها. لقد غير العام 2009 – بفعل الأزمة الاقتصادية طبعا - نظرة العالم أجمع للأرقام. لم يعد المليار دولار أميركي رقما صعبا، بعد أن فقد هالته!. فعندما تكون الخسائر بالتريليونات، يبدو معها ذلك المليار، كمبلغ لـ "التسوق الأسبوعي"!، وعندما تحسب الأموال وهميا، تفقد قيمتها، وتتساوى المبالغ!.

لكن الأمر، ليس كذلك عندما يكون الحديث عن البشر. والخبر في هذا السياق، ليس عاديا، أو مملا. فالعام 2009 شهد – من ضمن ما شهد – تحولات اجتماعية ومعيشية كارثية، ستبقى ملازمة للمجتمع الدولي، حتى بعد تمكنه من عبور" نفق الأزمة". فقد تحول الفقراء إلى جياع.. وهؤلاء إلى موتى، أو مشاريع موتى!. وهذه لوحدها تحتاج إلى خطط إنقاذ تحسب بالعقود.. لا بالسنوات، إذا ما رغب المجتمع الدولي، بأعوام جديدة خالية من المصائب، ومن موروثات الجوع. وتحقيق منجزات في هذه القضية المتعاظمة، أو ما يشابهها، لن يتم بذهنية ما قبل 2009، بل برؤية العقود التسعة المتبقية في القرن الحادي والعشرين.

لقد أتى العام 2009، بحقيقة متأخرة، بعد أعوام من أخلاق غائبة.


الثلاثاء، 8 ديسمبر 2009

الأثرياء المدينون!



(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")










" نحن ننسى دائما، أن المال يعني الثراء، وأن الديون تعني المال أيضا"
الكاتب الفنلندي بيتر كاجاندير


محمد كركوتــي

تستطيع الدول الفقيرة أو النامية أو الناشئة ( التوصيف لم يعد مهما) الغارقة في الديون الخارجية – والداخلية إن وجدت- أن " تفخر" بانضمام الدول الدائنة إلى "ناديها" الكبير الأكثر نشاطا هذه الأيام في ضم الأعضاء. وتستطيع - ولو للحظة – أن تقول : "ما فيش حد أحسن من حد"، لأن الغني والفقير بات يجمعهما "قاسم الديون المشترك"، بصرف النظر عن حجم الدَين وطبيعته، أو عن هوية الجهات المقرضة، أو عن ضعف وقوة المقترض. فالتحولات التي "ابتكرتها" الأزمة الاقتصادية العالمية، أفرغت الاستغراب من أدواته، من فرط تأثير صدماتها "النوعية" المتتالية. فالذي كان يشكل مفارقة، أصبح بعد الأزمة، جزءا من البديهيات، خصوصا عندما يصبح المستحيل ممكنا، والممكن مستحيلا!. وفي خضم هذا المشهد المرشح للاستمرار لأجل غير مسمى، لم تعد الديون "نخبوية" من الجهة السفلى لقائمة دول العالم، بل شملت كل دول القائمة، وساوت – مع اختلافات القوة وطبيعة الديون – بين دول كزيمبابوي، أو كينيا أو لبنان أو جامايكا، وبين دول كالولايات المتحدة الأميركية أو بريطانيا أو ألمانيا أو فرنسا!. وعلى هذا الأساس، يستطيع روبرت موغابي رئيس زيمبابوي – حتى الموت – أن يقول ساخرا، لـ "زميله" باراك أوباما الرئيس الأميركي – حتى سقوطه في الانتخابات - : "أنت مَدين وأنا كذلك"!.

مهما كان شكل الدَين – خارجي أم داخلي – لا يخرج عن نطاق المصيبة المستمرة، طالما استمر دَينا، وتعاظم حجما، وزادت قيوده إحكاما. فالديون هي أبشع أنواع الفقر، وهي آلة من آلات "عبودية الأحرار". والدَين الصغير، "ينتج" دائنا، أما الدَين الكبير فلا "ينتج" إلا عدواً. وللرئيس الثالث للولايات المتحدة الأميركية توماس جيفرسون، توصيفا بليغا للدَين. فهو يقول:" لا تنفق الأموال قبل أن تحصل عليها". ولمصائب الديون درجات أيضا. فالمَدين الذي لا يملك شيئا، لن يملك إلا ديونا متعاظمة عليه، أما الآخر الذي يمتلك بعضا من شيء، سيتنفس قليلا، وإن كان يستحيل عليه التخلص من قيود وسلاسل الديون.

لن أتناول هنا قضية ديون الدول الفقيرة. فهذه الديون حاضرة بصورة دائمة في كل الأزمنة. ومتأصلة ليس فقط على صعيد القيود، بل من جهة المعاناة والمشاكل الاجتماعية والصحية والتعليمية وبالطبع التنموية، لاسيما بعدما تحولت إلى "أسرع سرطان" في هيكلية هذه الدول. لكن المثير للاهتمام والمراقبة، تلك الديون التي تعيش بها وعليها الدول الثرية الكبرى، والتي تحولت – مع الأزمة الاقتصادية – إلى جرح نازف، وجدت حكومات هذه الدول صعوبة – بل لنقل: استحالة- تضميده!. ومن المفارقات – التي لم تعد تصدم- أن الدول التي تحتل رأس قائمة البلدان الدائنة، هي في الواقع بلدان لا تقوى على الاستمرار إلا بالديون!. وعلى الرغم من أن غالبية هذه الدول، كانت تلجأ إلى بعض الاقتراض المحلي أو ما يعرف بالإنجليزية (الأميركية) public debt وبالإنجليزية (البريطانية) national debt ، للإيفاء بالتزامات موازناتها العامة، إلا أنها – مرة أخرى بعد الأزمة – باتت تقترض محليا (أو وطنيا) لتغطي كل نفقات هذه الموازنات، إلى درجة أصبحت معها ديونها، تتساوى أحيانا -وتفوق في أحيان أخرى - مع مجموع الناتج المحلي لغالبية الدول الثرية!. وهذا يعني أنها يجب أن لا تنفق دولارا واحدا لمدة عام كامل لتسديد دَينها العام، وبعض هذه الدول، عليها أن لا تنفق لمدة عام ونصف العام، لتحقيق الهدف ذاته. وطبقا لمنظمة "التعاون والتنمية الاقتصادية"، فإن الدول الثلاثين الأكثر تقدما في العالم، ستشهد ارتفاعا في ديونها 100 في المئة، من إجمالي ناتجها المحلي في العام 2010، وهو ما يمثل ضعفي ديونها تقريبا في غضون عشرين عاما!.

لقد ارتفعت مديونيات الدول الثرية بصورة جنونية، لأسباب عديدة، في مقدمتها: ارتفاع النفقات العامة، بما في ذلك الأموال التي ضُخت في الشركات والمؤسسات المالية الكبرى منعا لانهيارها، في أعقاب الأزمة الاقتصادية (بريطانيا لوحدها أنفقت حتى الآن أكثر من 850 مليار جنيه إسترليني على خطط الإنقاذ، بينها 131 مليار جنيه لإنقاذ المصارف)، وأيضا تراجع العوائد الضريبية نتيجة الكساد العارم وتردي حركة الاقتصاد بشكل عام، فضلا عن الدعم العام للاقتصادات الوطنية في مواجهة الأزمة. وتعطي الأرقام صورة واقعية ومرعبة في آن معا، لديون الدول المتقدمة – الثرية. فعلى سبيل المثال يصل حجم الدَين الحكومي في بريطانيا إلى 56.8 في المئة من حجم ناتجها المحلي، وقفز دَين الولايات المتحدة إلى 92 في المئة تقريبا من ناتجها، وفرنسا إلى 72 في المئة، وإيطاليا 127 في المئة، وألمانيا أكثر من 62 في المئة. والصدمة الكبرى، أن الدَين الحكومي الياباني بلغ حاليا أكثر من 170 في المئة من ناتج البلاد المحلي، ومرشح للوصول قريبا إلى 200 في المئة !.

وإذا كانت الديون تشكل مصدر تهديد للعديد من الدول غير الراسخة، فإن ديون الدول الثرية، تمثل أقوى عوامل عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي فيها. وعلى الرغم من سمعتها ومكانتها الدولية، وإمساكها بزمام صنع القرار الاقتصادي العالمي، إلى جانب عدد جديد من الدول المؤثرة، إلا أن هذا لن يضمن الحفاظ على مستوى سمعتها إلى الأبد. فالأسواق العالمية المؤثرة، لم تصل بعد إلى مرحلة الشك في قدرة الدول المتقدمة على تسديد ديونها، وعندما تدخل هذه البلدان ضمن دائرة الشك المخيفة، فمن الطبيعي أن تتحول الأسواق عن أسهم الدول المعنية العامة ( سندات الخزينة)، وبالتالي سيتوقف الإمداد بالأموال السائلة!. وهنا ستتغير التصنيفات والتقييمات، تماما مثلما تتغير حيال العديد من البلدان النامية أو الناشئة. والمصيبة الأكبر، هي أن الحلول المطروحة – أو الممكنة – ليس كثيرة. وفي الواقع لا تزيد هذه الحلول عن حلَين اثنين. الأول: زيادة الضرائب. والثاني: تخفيض النفقات العامة. هذان الحلان، هما أسوأ الحلول بالنسبة لحكومات الدول المتقدمة، لاسيما الضعيفة سياسيا وانتخابيا منها. فهي إن رفعت الضرائب، أغضبت أصحاب الأموال – إن وجدوا في هذه الأيام -، وإن خفضت الإنفاق، استشاط ناخبها غضبا يصعب وصفه، خصوصا في مواسم الانتخابات.

إنها قضية متفجرة، لا تنفع معها "التطمينات" ببداية خروج الاقتصاد العالمي من عنق الزجاجة، أو من براثن الأزمة الاقتصادية العالمية. كما أنها بمثابة جرح مفتوح، فشلت الحكومات الثرية الغارقة في الديون، في العثور على "جرَاح" يلملمه. والذي يزيد "الطين بلة"، أنه جرح يتوسع على مدار الساعة. فعلى سبيل المثال، يرتفع الدَين العام في الولايات المتحدة، بمعدل 3.79 مليار دولار أميركي في اليوم الواحد، منذ سبتمبر/ أيلول من العام 2007!!. وفي هذا البلد تحديدا، تبلغ حصة الفرد الأميركي من الدَين العام 39 ألف و110 دولارا و35 سنتا أميركيا!. يقول الرئيس الأميركي باراك أوباما: "فور تمكننا من الخروج من الأزمة، علينا أن نضع خطة على المدى البعيد، للتخلص من العجز في الموازنة العامة، لكي لا نتركها للجيل المقبل". والواقع أن هذا النوع من الديون، يخص الجيل الحالي، تماما كما يخص الجيل المقبل، الذي لا ذنب له في تكدسها. فهي ديون متوارثة، مثلما هو حالها في الدول الفقيرة. ولعل هذه الأخيرة، تشعر بنوع ما من المواساة، بوجود قاسم مشترك بينها وبين البلدان الثرية. فالأفراد في كلا الجهتين يعانون من المديونية، مع فارق كبير بالطبع، يتمثل في أن الذين يعيشون في الدول المتقدمة، يعرفون أن يوما جديدا سيشهدونه غدا، لكن "أقرانهم" الذين يعيشون في الدول المعاكسة، لا يعرفون إذا ما كان ليومهم الذي يعيشونه غد.


الثلاثاء، 1 ديسمبر 2009

أزمة الأزمات


(هذا المقال خاص بجريدة "الاقتصادية")












"متى وأينما حَلت الأزمة.. إذا استطعت توفير الطعام للناس بصورة طبيعية، فإن الأمور ستتحسن"
الأديبة الأميركي مادلين إنجلي

 
محمد كركوتــي
 
لا أعرف إن كان القادة الكبار يستطيعون الفوز بنوم هانئ، وأزمة الغذاء العالمي تفوق الأزمة الاقتصادية العالمية مصائب وهموم ومحن؟!. ولا أدري إن كان هؤلاء يتذكرون جوعى هذه الدنيا، وهم يتناولون فطورهم الإنجليزي الدسم، أو الفرنسي "الأنيق"، أو فطور "كونتيننتال" الشامل بعسله وعصيره ومكوناته الأخرى؟!. كلما تناولت قضايا الغذاء والجوع والفقر، أتذكر قول رئيس الوزراء البريطاني الراحل هارولد ويلسون: "إن أفضل جائزة لرئيس دولة، أن يستطيع النوم ليلة هانئة". فالمسؤوليات هي أقوى أنواع المنبهات، وعدم الشعور بالمسؤولية هو أقوى أنواع المنومات، وهذه الأخيرة، وإن وفرت نوما هانئا لليلة، فهي تُخلف يوما مرعبا بعدها. وعندما أبلغ القادة العسكريون البريطانيون رئيس وزرائهم ونستون تشرتشل خلال الحرب العالمية الثانية، عن احتمالات نجاح القوات النازية الألمانية باحتلال المملكة المتحدة ( كانت قد احتلت فرنسا أصلا)، استفسر تشرتشل (القائد الفعلي لقوات التحالف آنذاك) عن شيئين: متانة القضاء في بلاده، والاحتياطي الغذائي فيها. فقد كان يعرف أن الشح الغذائي، يصيب الصمود بالعدوى، في حرب كان فيها الصمود، أقوى أنواع الأسلحة.

منذ سبعينات القرن الماضي، تبدل مفهوم الأمن الغذائي العالمي، وتبدلت معه المشاعر الإنسانية الحارة إلى حرارة الثلج، وأصبحت الرفاهية المحلية، أكثر قدسية، من إطعام طفل يلفظ أنفاسه جوعا ( في ظل أزمة غذاء عالمي مرعبة)، ومن توفير مياه صالحة حتى للشرب الحيواني. فالمياه في بعض الدول النامية ملوثة وكريهة، يعف عنها حتى الحيوان!، ولذلك.. لا غرابة في رؤية الأقفاص الصدرية لها ولمربيها بادية للعيان. وأمام هذا المشهد يصعب العثور على مبررات لما يحدث، حتى لو كانت الأزمة الاقتصادية العالمية في أوج ثورانها، وحتى لو كانت الأموال تضخ في المؤسسات والبنوك من أجل بقاءها على قيد الحياة، وحتى لو كانت ديون الدول الكبرى، تساوي مجموع نواتجها الوطنية، وحتى لو ولدت أزمة هنا وأخرى هناك، من رحم الأزمة العالمية الكبرى. وإذا كان لا بد من توصيف ما لأزمة الغذاء العالمي، يمكن القول بسهولة ( ومن دون حذر) :"إنها أزمة الأزمات". دون أن ننسى بأنها ولدت قبل الأزمة الاقتصادية، "متسلحة" بعمر مديد، يفوق مجموع أعمار الأزمات كلها التي انطلقت منذ منتصف القرن الماضي وحتى يومنا هذا.

في العالم اليوم يموت طفل من الجوع كل ست ثواني!. وفي العالم نفسه ( وليس غيره) هناك 1,02 مليار جائع. ما يساوي شخصا واحد من كل ستة أشخاص!. وهذا لا يعني أن الأشخاص الخمسة الباقين، يعيشون حياة رغيدة. فبينهم اثنان على الأقل يعيشون على دولار أو دولارين أميركيين في اليوم. أي أنهما مرشحان للانضمام في أية لحظة إلى الجائع الأول. وإذا كنا نتحدث عن "عالمية" الجوع، فإن عدد سكان العالم سيصل إلى 9,1 مليار نسمة بحلول العام 2050، وهذا يتطلب زيادة في حجم زراعة الغذاء بنسبة 70 في المئة. والدول النامية تحتاج إلى زيادة حجم الاستثمارات الزراعية السنوية بنسبة 50 في المئة، أو ما يعادل 83 مليار دولار أميركي سنويا، في حال أراد العالم إنتاج ما يكفيه من غذاء بحلول العام 2050. وتمضي "منظمة الأغذية والزراعة " ( المعروفة اختصارا بـ "الفاو") التابعة للأمم المتحدة، أبعد من ذلك، عندما تقول:" في حال عدم تخصيص الآن – وليس غدا- مزيد من الأراضي في العالم لإنتاج المواد الغذائية، فإن 370 مليون شخص قد يواجهون المجاعة بحلول منتصف القرن الحالي"!.

ولنا أن نتخيل استحالة (ولمزيد من المرونة) نقول: صعوبة تحقيق ذلك، في ظل ظروف مناخية قاسية تقدم القحط على الزرع، وبالطبع في ظل عدم اكتراث عالمي بمستقبل العالم نفسه!. أمام هذا المشهد المخيف، أخفقت الدول الكبرى ومعها الصغرى بالطبع، في الوصول إلى نتائج عملية، في تحقيق " أهداف الألفية" التي وضعتها الأمم المتحدة في العام 2000 ، من أجل خفض عدد الجياع إلى النصف بحلول العام 2015 . ماذا حدث ؟. انضم إلى الجياع أكثر من مئة مليون جائع!. فاللقمة التي كان يتقاسمها 900 مليون من البشر، يتقاسمها الآن 1,02 مليار بشري!!.

وفي "قمة الغذاء العالمية" التي عقدت في روما ( نوفمبر/ تشرين الثاني 2009 )، بات المشهد المريع للجوع، أكثر وضوحا، وأشد وطأة، وأكبر مصيبة. فلا قرارات ناجعة اتخذت، ولا التزامات مسؤولة طرحت، ولا فهم لمستقبل "اللقمة" بدا على ساحتها. والنتائج جاءت – كما كان متوقعا – باهتة، لا طعم لها. صحيح أن اجتماعا واحدا لا يمكن أن يحل مشكلة أخذت مكانتها في التاريخ، لكن الصحيح أيضا، أن أحدا من الكبار، لم يتعاطى مع المسألة بصورة إستراتيجية. أي أنه لم يحاكِ المستقبل، في قضية تمثل المستقبل نفسه. لن أتحدث هنا عن الإهانة التي تلقاها العالم، من غياب الغالبية العظمى لقادة الدول الغنية عن قمة روما ( لم يحضر من قادة مجموعة الثمانية الكبار سوى رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني، ولولا انعقاد القمة في بلاده لما حضر!). فقد أرسل هؤلاء رسائلهم المرعبة حول مستقبل الغذاء في العالم، بمجرد عدم الحضور والمشاركة، ليس فقط في وضع الحلول المطلوبة، بل وفي قراءة مستقبل الأمن الغذائي بشكل عام. ماذا نتج عن قمة باهتة كهذه؟، وعود عامة بالحد من المجاعة. متى؟، في "أقرب فرصة ممكنة"!!. والشيء المرعب لا يتوقف انتشاره عند هذا الحد، بل يشمل أيضا، عدم طرح الأسباب الحقيقية للأمن الغذائي والمجاعة على جدول الأعمال!. يا إلهي.. قمة عالمية من أجل الغذاء، لا تناقش أسباب المجاعة؟!. ولم ينفع صيام كل من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ورئيس منظمة "الفاو" جاك ضيوف، لمدة 24 ساعة، في خطوة رمزية تمهيدا لقمة روما. فالذي حدث أن الاثنين تضورا جوعا ليوم واحد فقط!.

وأمام هذه الحقائق المروعة، ضاعت قضية ارتفاع أسعار المواد الغذائية، المرشحة إلى الصعود بصورة مخيفة في منتصف العام 2010. وإذا كان ليس مهما البحث في أسباب الجوع، فإن طرح قضية ارتفاع الأسعار، يبدو أمرا مضحكا!. هذا الواقع "برر" رفض الدول الكبرى الالتزام بجدول زمني للقضاء على الجوع بحلول العام 2025. ولنا أن نعرف – على سبيل المثال- أن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، يحتاج الآن – مرة أخرى ليس غدا – إلى مليار دولار أميركي لإطعام 20 مليون شخص في شرق أفريقيا على مدار ستة أشهر فقط، بينما تحتاج دولة مثل أثيوبيا – لوحدها- نصف هذا المبلغ!. وبينما تتهم الدول الكبرى بعضها البعض في تلويث الكرة الأرضية، وتجنب بعضها التعاون للحد من التدمير البيئي والتغيير المناخي، فإن هذا التغيير الخطير، يؤدي إلى انخفاض الناتج المحتمل للغذاء في القارتين الإفريقية بنسبة 30 في المئة، والآسيوية بمعدل 21 في المئة!. أي أنه يجب أن لا يحلم أحدا منا، بتحسن الأداء الزراعي لاسيما في الدول التي تحتاج إلى لقمة العيش اليومية، لا إلى "الكفيار"، ولا إلى "السلمون المدخن"، ولا إلى "لبن العصفور"!.

إن أهم مصائب أزمة الغذاء العالمي، أن الغالبية العظمى من الدول الكبرى، تتعاطى معها كـ "أزمة اقتصادية". ولأنها ترتبط باللقمة، فهي ليست "اقتصادية"، بل هي "أزمة ضمير"، لايمكن أن تُحل، بمعاول الاقتصاد لوحدها، بل بالدافع الإنساني أيضا.